← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 145434

البراهين المعتبرة في هدم قواعد المبتدعة

عبد العزيز المديهش

Полный текст (561 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 285

فَهَذِهِ حَالُ سِيْرَةِ رَسُوْلِ الله ﷺ ، وَصَاحِبَيْهِ، المُقْتَدَى بِهِمْ، فِيْ إِظْهَارِ دِيْنِ الله فِيْ جَمِيْعِ الأَمْصَارِ (١). فَهَلْ تَرَى سَافَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِتِجَارَتِهِ إِلَى دَارِ الحَرْبِ؟ ! فَأَيْنَ دَارُ الحَرْبِ مِمَّا ذَكَرَ الَّذِيْنَ سَافَرُوْا إِلَيْهَا بِالْتِّجَارَةِ؟ ! بَلْ جَمِيْعُ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ فِيْ مُدَّةِ خَلِيْفَتَيْ رَسُوْلِ الله ـ كَمَا سَبَقَ ـ يَنْصَرِفُوْنَ فِيْهَا كَيْفَ شَاءُوْا؛ وَهِيَ (٢) كَمَا قَالَ مَجْدُ الْدِّيْنِ (٣): «مَا أَحَاطَ بِهِ

стр. 286

بَحْرُ الهِنْدِ وَالشَّامِ، ثُمَّ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ، أَوْ مَا بَيْنَ عَدَنِ أبْيَنَ، إِلَى أَطْرَافِ الْشَّامِ طُوْلَاً، وَمِنْ جُدَّةَ (١) إِلَى رِيْفِ الْعِرَاقِ عَرْضَاً» (٢). قُلْتُ: قَدْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. فَأَيْنَ الْبَلَدُ الَّذِيْ سَافَرَ إِلَيْهِ الْصَّحَابَةُ لِلْتِّجَارَةِ، وَلَمْ يُظْهِرُوْا دِيْنَهُمْ فِيْهَا؟ ! فَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرَّاً، عَلَى ذَلِكَ المِنْوَالِ ﵃ أَجْمَعِيْنَ. فَإِنْ قِيْلَ: فَقَدْ سَافَرَ بَعْضُ الْصَّحَابَةِ، كَأَبِيْ بَكْرٍ، وَغَيْرِهِ، إِلَى بَلَدِ المُشْرِكِيْنَ؛ لِأَجْلِ الْتِّجَارَةِ؟ (٣)

стр. 287

فَالجْوَابُ: إِنَّ سَفَرَهُمْ ذَلِكَ ﵃ إِلَى «بُصْرَى» مَدِيْنَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْشَّامِ، بَيْنَ المَدِيْنَةِ وَدِمَشْقَ، وَقِيْلَ: حَوْرَانَ؛ (١) فَإِنَّ أَمِيْرَهَا أَذْعَنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالْنُّبُوَّةِ فِيْ الْقَدِيْمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ، أَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ

стр. 288

قَبْلَ الْنُّبُوَّةِ مَعَ أَعْمَامِهِ فِيْ قَرَيْشٍ خَارِجُوْنَ بِالْتِّجَارَاتِ إِلَى بُصْرَى، وَمَعَهُ ﷺ مَالٌ لِخَدِيْجَةَ ﵂ مُضَارِبٌ فِيْهِ لَهَا، فَلَمَّا قَدِمُوْا بُصْرَى رَآهُمْ عَظِيْمُهَا، وَهُوَ الحَارِثُ بْنُ أَبِيْ شَمِرٍ الْغَسَّانِيُّ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَعْمَى، فَأَعْجَبَهُ تَوَقُّدُ ذِهْنِهِ، وَحُسْنُ مَنْطُوْقِهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ، فَتَخَايَلَ فِيْهِ عَلَامَاتِ الْنُّبُوَّةِ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ الأَخْبَارِ فِيْ كُتُبِهِمْ، وَهُوَ حِيْنَئِذٍ نَصْرَانِيُّ، فَلَمَّا أَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نُبِئَ، آمَنَ بِهِ، وَمَنْ تَحْتَ يَدِهِ، فَكَانَتْ بَلَدَ إِسْلَامٍ، فَإِذَا كَانَ أَمِيْرُ الْبَلْدَةِ مُسْلِمٌ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمُ الإِسْلَامِ. فَسَافَرَ إِلَيْهَا مَنْ سَافَرَ مِنَ الْصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا رَوَاهُ الْزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِيْ آخِرِ كِتَابِهِ «الْفَاكِهَةُ وَالمِزَاحُ» (١) لَهُ مِنْ حَدِيْثِ أُمِّ سَلَمَةَ، فِيْ قِصَّةِ سُوَيْبِطَ

стр. 289

ابْنِ حَرْمَلَةَ، وَالْنُّعْمَانَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ فِيْ حَيَاةِ الْنَّبِيِّ ﷺ تَاجِرَاً إِلَى بُصْرَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. (١)

стр. 290

- (قَوْلُهُ: مِثْلُ مُسَافِرَتْ أَهْلِ زَمَانِنَا عقِيْل). يَعْنِيْ بِهِ: إِلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ، عَلَى بَغْدَادٍ، وَإِلَى الْشَّامِ، وَمَا عَلَى جِهَتِهِ. قَدْ مَرَّ صَنِيْعُ الخُلَفَاءِ بِأَهْلِ ذَلِكَ (١) الْدِّيَارِ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ

стр. 291

الْنَّعَمِ، مُسْتَضْعَفِيْنَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ شَعَائِرِهِمْ شَئٌ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ الجِزْيَةَ، عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِيْنَ دِرْهَمَاً، وَعَلَى المُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ، وَعَلَى الْفَقِيْرِ المُكْتَسِبِ اثْنَتَي عَشَرَ (١). وَطَلَبَ الجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، تَنُوْخ، وَبَنِي تَغْلِبٍ؛ وَقَالُوْا: نَحْنُ عَرَبٌ، لَا نُؤَدِّيْ مَا يُؤَدِّيْ الْعَجَمُ، فَخُذْ مِنَّا مَا يَأَخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَعْنُوْنَ: الْزَّكَاةَ. وَالحَاصِلُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ـ الَّذِيْ يُسَافَرُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ ـ كَانَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَسَبْعَةً وَثَلَاثِيْنَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَقِيْلَ: مِئَةَ أَلْفَ أَلْفٍ (٢)، وَسِتِّيْنَ أَلْفَ أَلْفٍ، ثُمَّ كَانَ يَتَنَاقَصُ حَتَّى عَادَ فِيْ زَمَنِ الحَجَّاجِ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيْزِ ارْتَفَعَ فِيْ الْسَّنَةِ الأُوْلَى إِلَى ثَلَاثِيْنَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَفِيْ الْثَّانِيَةِ إِلَى سِتِّيْنَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَقِيْلَ: فَوْقَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَأَبْلُغَنَّهُ إِلَى مَا كَانَ فِيْ أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَمَاتَ فِيْ تِلْكَ الْسَّنَةِ.

стр. 292

أَخْرَجَهُ: يَحْيَى بْنُ آدَمَ فِيْ كِتَابِ «الخَرَاجِ» مِنْ طَرِيْقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيْ مِجْلَزٍ (١). وَأَمَّا «بَغْدَادُ» فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ، بَانِيْهَا المَنْصُوْرُ، أَبُوْ جَعْفَرٍ عَبْدُ الله بْنُ مُحَمِّدٍ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ العَبَّاسِ، ثَانِي الخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّيِنَ، بَنَاهَا لَمَّا تَوَلَّى الخِلَافَةَ بَعْدَ أَخِيْهِ الْسَّفَّاحِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ المَنْصُوْرِ المَذْكُوْرِ فِيْ ذَي الحِجَّةِ، سَنَةَ سَتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَمِئَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِيْ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَمِئَةٍ (٢).

стр. 293

وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ تَبَدَّلَتِ الحَالُ، وَانْعَكَسَ الأَمْرُ، وَتُرِكَ مَا ذُكِرَ، فَكَانَتْ ذَلِكَ (١) الْدِّيَارِ، دِيَارَ كُفْرٍ وَاخْتِلَافٍ، وَكَثُرَتِ المَذَاهِبُ، وَتَشَعَّبَتِ عَنْ دِيْنِ اللهِ، فَكَانَ فِيْهَا مِنَ الْيَهُوْدِ، وَالْنَّصَارَى، وَالمَجُوْسَ، وَالبَانِيَانِ (٢)، وَالشِّيْعَةِ، وَالمُعْتَزِلَةِ، وَالمُرْجِئَةِ، وَالحُلُوْلِيَّةِ، وَالاتِّحَادِيَّةِ، وَالمُشَبِّهَةِ، وَالجَهْمِيَّةِ، وَالوَثَنِيِّيْنَ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المِلَلِ الَّتِيْ كَفَرَتْ بِمَا جَاءَ بِهِ الْرَّسُوْلُ ﷺ

стр. 294

عَنْ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، وَلَازَمَهُمْ طَوَائِفُ يَنْتَسِبُوْنَ إِلَى المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ يَدْعُوْنَ غَيْرَ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، وَيَسْتَغِيْثُوْنَ بِغَيْرِهِ جِهَارَاً، وَحَكَّمُوْا الْطَّاغُوْتَ بِالْقَانُوْنِ، وَتَذْهَبُ الأَمْوَالُ بِالرِّشَا، وَبَنَوْ لِلْفُجُوْرِ أَسْوَاقَاً تُؤْخَذُ عَلَيْهَا الأَمْوَالُ، وَيْفَعَلُوْنَ فِعْلَ قَوْمِ لُوْطٍ، وَيُعَامِلُوْنَ بِالْرِّبَا، وَيَشْرَبُوْنَ الخَمْرَ، وَيَبِيْعُوْنَهَا بِالأَسْوَاقِ جِهَارَاً، وَلَمْ يَعْرِفُوْا الإِسْلَامَ إِلَّا اسْمَهُ، وَتَرَكُوْا الْصَّلَاةَ وَالْزَّكَاةَ وَالحَجَّ وَصَوْمَ رَمَضَانَ؛ وَجَمِيْعُ الْفِسْقِ ظَاهِرٌ فِيْ الْأَسْوَاقِ، وَلَمْ يُنِكِرْ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، فَسَافَرَ إِلَيْهِمْ مَنْ سَافَرَ مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِيْنَ وَقَالُوْا: إِنَّهَا بَلَدُ إِسْلَامٍ ـ لَا سَلَّمَهُمُ اللهُ ـ وَتَرَكُوْا تَعَلُّمَ دِيْنِهِمْ فَكَانُوْا لَهُمْ شِعَارَاً بِالمُجَالَسَةِ وَالمُدَاهَنَةِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَقَامُوْا لَهُمْ عَنْ مَجَالِسِهِمْ، وَسَلَّمُوْا عَلَيْهِمْ، وَعَامَلُوْهُمْ بِالرِّبَا، وَنَالُوْا مَا نَالُوْا مِنْ رُسُوْمِهِمْ الْبَاطِلَةِ، وَبِدَعِهِمُ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالْغَالِبُ مِنْهُمْ تَارِكٌ لِلْصَّلَاةِ وَالْزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ؛ عَاكِفٌ فِيْ أَسْوَاقِ المُوْمِسَاتِ، مُشَاهِدٌ لِلْمَعَازِفِ وَالْطَّبْلِ وَالمَزَامِيْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ المَنَاكِيْرِ الَّتِيْ عَمَّتْ وَطَمَّتْ ذَلِكَ (١) الْبِلَادِ. فَالمُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ، يُمَايِزُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ لِيَنْظُرَ الْرَّاجِحَ

стр. 295

مِنَ المَرْجُوْحِ، فَلْيَأخُذْ بِالْرَّاجِحِ مِنَ المَرْجُوْحِ (١)، وَاللهُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ. - قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْرَّسُوْلَ يَوْمَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ (٢) يَنْفَضُّوْنَ، أَنَّ كَبِيْرَ الْعِيْرَ أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرَ، جَايِّيْنَ مِنَ الْشَّامِ، وَهِيَ بِلَادُ شِرْكٍ، وَلَمْ يُظْهِرُوْا دِيْنَهُمْ). أَقُوْلُ: قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الْعِيْرُ فِيْ الْقَدِيْمِ، قَرِيْبِ سَنَةَ هَاجَرَ الْنَّبِيُّ ﷺ مِنْ قُدُوْمِ مَكَّةَ إِلَى المَدِيْنَةِ، قَبْلَ اتِّسَاعِ الإِسْلَامِ، وَفِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ مَازَالَتْ عِيْرُ الْكُفَّارِ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ مِنَ الْشَّامِ إِلَى المَدِيْنَةِ، وَإِلَى مَكَّةَ وَتَجُوْبُ ذَلِكَ (٣) الْدِّيَارِ بِالْتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا دِيَارُهُمْ إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، فَكَانَ المُسْلِمُوْنَ يَتَصَرَّفُوْنَ بِالْكَفَرَةِ كَيْفَ شَاءُوْا، مِنْ قَتْلٍ وَصَلْبٍ وَهُدْنَةٍ، وَمُنِعَ عَنْ قُدْوْمٍ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ إِلَّا فِيْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، وَهَذِهِ الْعِيْرُ قَدِمَ بِهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَإِسْلَامُهُ قَدِيْمٌ،

стр. 296

شَهِدَ بَدْرَاً وَمَا بَعْدَهَا مِنَ المَشَاهِدِ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١). وَبَدْرٌ وَقَعَتْ فِيْ الْسَّنَةِ الْثَّانِيَةِ مِنْ الهِجْرَةِ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْعِيْرِ مُسْلِمٌ قَطُّ، وَإِنْ ذُكِرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ سَافَرَ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ الَّذِيْ (٢) لَا يُظْهِرُ دِيْنَهُ فِيْهَا، وَتَرَكَ بِلَادَ المُسْلِمِيْنَ، وَذَلِكَ فِيْ بُدُوِّ الهِجْرَةِ وَاجْتِمَاعِ المُسْلِمِيْنَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ إِلَى بِلَادِ الهِجْرَةِ؛ كَيْفَ يُقِيْمُ مَعَ الْكَفَرَةِ وَيَصْحَبُهُمْ مَعَ اسْتِقَامَةِ المُسْلِمِيْنَ فِيْ دِيَارِهِمْ؟ ! وَتَوَعُّدِهِ ﷺ مَنْ يُقِيْمُ مَعَهُمْ ـ كَمَا سَبَقَ ـ. وَقَدْ قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ لِلْعَبَّاسِ، فِيْمَا رَوَى السُّدِّيُّ قَالَ: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ، وعُقَيْلٌ، وَنَوْفَلُ، قَالَ الْنَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: (افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيْكَ)، قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله، أَلَمْ نُصَلِّ صَلَاتَكَ، وَنَشْهَدَ شَهَادَتَكَ؟ قَالَ: (يَا عَبَّاسُ، إِنَّكُمْ خَاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٣) (٤).

стр. 297

وَقِيْلَ: إِنَّ هَذِهِ الْعِيْرُ كَانَتْ لِعَبْدِ الْرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَدِحْيَةُ مُضَارِبٌ فِيْهَا لِعَبْدِ الْرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيْفٌ جِدَّاً، لَمْ تَقُمْ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ دِحْيَةَ رَئِيْسٌ فِيْ قَوْمِهِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّهَا كَانَتْ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَكَثِيْرٌ مَا يَقْدُمُ مِنَ الْشَّامِ إِلَى المَدِيْنَةِ بِتِجَارَةِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيْقٍ، وَبُرٍّ، وَزَيْتٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَبْلَ إِسْلَامِهِ. وَقَدْ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْعِيْرُ بِانْفِضَاضِ المُسْلِمِيْنَ إِلَيْهَا مِنَ المَسْجِدِ فِيْ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِيْ سَنَةِ مَسْغَبَةٍ؛ لِيَتَبَادَرُوْا مَا مَعَهُ؛ لِشِدَّةِ الحَاجَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَدِمَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا عَيْرٌ لَهُمْ بِالْتِّجَارَةِ. وَفِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ المُسْلِمُوْنَ يَدْعُوْنَ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُوْلِهِ، وَيُجَاهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِيْ المَدِيْنَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَمْ يَمْتَدَّ أَمْرُهُمْ إِلَى الأَقْطَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوْا فِيْ بُدُوِّ الأَمْرِ، فَبِذَلِكَ الْوَقْتِ قَدِمَتْ الْعِيْرُ، وَمَعَهَا

стр. 298

دِحْيَةُ الْكَلْبِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَنَزَلَتْ الْآيَةُ قَبْلَ قُدُوْمِهَا (١)، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْسَّنَةِ الْثَّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ وَقَعَتْ «بَدْرٌ»، فَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ مَعَ رَسُوْلِ الله يُقَاتِلُ فِيْهَا بَعْدَمَا أَسْلَمَ، وَفِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (٢) كَانَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ عَلَى مُلْكَيْهِمَا، فَلَمَّا أَنَّ اللهَ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَاتَّسَعَ أَمْرُهُمْ؛ بَعَثَ رَسُوْلُ الله ﷺ الْبُعُوْثَ إِلَى الأَمْصَارِ بِالْرَّايَاتِ، وَالْسَّرَايَا، وَالْدُّعَاةِ إِلَى الله، وَإِلَى رَسُوْلِهِ؛ فَمِنْهَا مَا بَعَثَ رَسُوْلُ الله ﷺ بِالْكِتَابِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ... ـ المَذْكُوْرِـ إِلَى عَظِيْمِ بُصْرَى (٣)، وَهِيَ مَدِيْنَةٌ بَيْنَ المَدِيْنَةِ

стр. 299

وَدِمَشْقٍ (١)، وَقِيْلَ: حُوْرَانَ، وَهُوَ الحَارِثُ بْنُ أَبِيْ شَمِر الْغَسَّانِيُّ، ثُمَّ دَعَا هِرَقْلُ بِالْكِتَابِ المَذْكُوْرِ مِنْ عَظِيْمِ بُصْرَى يَتَمَلَّاهُ بَعَدَ أَنْ قَدِمَ إِلَيْهِ أَبُوْسُفْيَانَ لِيَخْتَبِرَ حَالَ الْنَّبِيِّ ﷺ وَبَعَثَ فِيْهِ رَسُوْلُ الله ﷺ فِيْ آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبَيَةِ (٢)، فَبَعَدَ الْكِتَابِ، قَالَ: الحَرْبُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ وَالْكَافِرِيْنَ فِيْ مَدَائِنِ الْشَّامِ، إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَتَحَهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، فَلَمْ يُسَافِرْ مِنْهُمْ أَحْدٌ فِيْ تِلْكَ المُدَّةِ بِالْتِّجَارَةِ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا الْكُفَّارُ الَّذِيْنَ يَقْدُمُوْنَ إِلَى المَدِيْنَةِ بِالْتِّجَارَةِ، لَكِنْ بِإِذْنٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ عَلَى عَهْدٍ بَيْنَهُمْ فِيْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، عَلَى سَبِيْلِ المَصْلَحَةِ؛ لِيَنْظُرُوْا شَعَائِرَ الإِسْلَامِ، وَيَسْمَعُوْا كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصَالِحِ. - وَأَمَّا قَوْلُهُ: (إِنَّ كَبِيْرَ الْعِيْرِ أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرَ جَايِّيِنْ مِنَ الْشَّامِ). فَلَيْسَ بِصَحِيْحٍ، إِنَّمَا كَبِيْرُ الْعِيْرِ «دِحْيَةُ الْكَلْبِيِّ» ـ كَمَا سَبَقَ ـ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا مِنَ الَّذِيْ بَقِيَ (٣) مَعَ رَسُوْلِ الله ﷺ فِيْ المَسْجِدِ،

стр. 300

بَعْدَمَا انْفَضَّ الْصَّحَابَةُ مِنَ المَسْجِدِ إِلَى الْعِيْرِ؛ كَمَا فِيْ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُوْلُ الله ﷺ قَائِمٌ يَوْمَ الجُمُعَةَ، إِذْ قَدِمَتْ عِيْرٌ إِلَى المَدِيْنَةِ؛ فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُوْلِ الله ﷺ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَى عَشَرَ رَجُلَاً، فِيْهِمْ أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ... ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١)، وَفِيْ لَفْظٍ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً أَنَا فِيْهِمْ. (٢). - قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ حَرَّمَ الْسَّفَرَ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ خَوَارِجٌ، يُكَفِّرُوْنَ بِالْذُّنُوْبِ) (٣). أَقَوْلُ: إِنَّ مَنْ حَرَّمَ الْسَّفَرَ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ، لَمْ يُكَفِّرُوْا بِالْذُّنُوْبِ، وَلَمْ يُكَفِّرُوا أَيْضَاً مَنْ يُسَافِرُ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ لِلْتِّجَارَةِ، إِذَا لَمْ يَرْكَنْ إِلَيْهِمْ، بَلْ هُوَ

стр. 301

مُرْتَكِبٌ كَبِيْرَةً مِنْ الْذُّنُوْبِ، يَجِبُ هَجْرُهُ، وَتَأَدِيْبُهُ، وَزَجْرُهُ، وَإِظْهَارُ الْبَغْضَاءِ لَهُ، إِذَا تَحَقَّقَتِ المَصْلَحَةُ الْعَامَةُ، فَإِنْ حَصَلَ فِيْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، عُومِلَ بِالهَجْرِ عَلَى حَسَبِ الْطَّاقَةِ، حَتَّى يَنْزَجِرَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، شَيْئَاً فَشَيْئَاً، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الهُجْرَانُ فِيْ الْقَلْبِ إِذَا تَقَطَّعَتْ بِهِ الأَسْبَابُ. قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِيْ جَوَابِ سُؤَالٍ سُئِلَ عَنْهُ: (فَإِنَّ المَقْصُوْدَ بِهِ زَجْرُ المَهْجُوْرِ، وَتَأَدِيْبُهُ، وَرُجُوْعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتِ المَصْلَحَةُ بِذَلِكَ رَاجِحَةً بِحَيْثُ (١) يُفْضِيْ هَجْرُهُ إِلَى ضَعْفِ الْشَّرِّ وَخِفَّتِهِ، كَانَ مَشْرُوْعَاً، وَإِنْ كَانَ لَا المَهْجُوْرُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ بَلْ يَزِيْدُ الْشَّرُ، وَالهَاجِرُ ضَعِيْفٌ بِحَيْثُ يَكُوْنُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ؛ لَمْ يُشْرَعْ الهَجْرُ، بَلْ يَكُوْنُ الْتَّأَلِيْفُ لِبَعْضِ الْنَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ الهَجْرِ، وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ الْنَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ الْتَّأَلِيْفِ) انْتَهَى. (٢)

стр. 302

وَهَذِهِ ـ وَلله الْحَمْدُ ـ طَرِيْقَةُ آلِ الْشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ﵀ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ عِلْمَ الْتَّوْحِيْدِ وَالحَدِيْثِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوْا تَكْفِيْرَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ أَصْلَاً، مَا عَدَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْشِّرْكِ (١). وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِيْ الأَحَادِيْثِ مِنْ تَكْفِيْرِ بَعْضِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُوْنَهَا عَلَيْهِ كَمَا أَطْلَقَ الْشَّارِعُ ﷺ مِنْ بَابِ الْتَّهْدِيْدِ وَالْوَعِيْدِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ الْتَّخْلِيْدِ، فَإِنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيْ الْنَّارِ إِلَّا مَنْ مَاتَ عَلَى الْشِّرْكِ؛ وَهَذِهِ

стр. 303

الْطَّرِيْقَةُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ، وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الْشَّيْخُ: مُحَمُّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِيْمٍ (١) ـ أَسْعَدَهُ اللهُ فِيْ

стр. 304

الْدَّارَيْنِ، وَنَفَعَنَا بِعُلُوْمِهِ ـ فِيْ جَوَابِ مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا: (الْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِ دِيْنِهِ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ قَدِرَ عَلَى إِظْهَارِ دِيْنِهِ وَهُوَ فِيْ بَلَدٍ مُتَظَاهِرٍ فِيْهَا بِإِظْهَارِ الْشِّرِّ، مِنْ كُفْرٍ وَبِدَعٍ مُضِلَّةٍ، وَفُجُوْرٍ وَفُسُوْقٍ؛ فَالْهِجْرَةُ فِيْ حَقِّهِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ وَأَمَّا مَنْ وَالَى المُشْرِكِيْنَ مَعَ مَحَبَّةِ دِيْنِهِمْ، فَهُوَ مِثْلُهُمْ؛ وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهُمْ وَيُبْغِضُ دِيْنَهُمْ، فَهُوَ مُرْتَكِبٌ كَبِيْرَةً مِنْ كَبَائِرِ الْذُّنُوْبِ). انْتَهَى ـ أَيَّدَهُ اللهُ بِنَصْرِهِ ـ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُهُ (١) الْشَّيْخُ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الْشَّيْخِ: مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 305

عَبْدِ الْوَهَّابِ (١) فِيْ جَوَابِ سِتِّ مَسَائِلَ سُئِلَ

стр. 306

عَنْهَا (١): (الْحَمْدُ للهِ، إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِيْنِهِ، وَلَا يُوَالِيْ المُشْرِكِيْنَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَدْ سَافَرَ بَعْضُ الْصَّحَابَةِ كَأَبِيْ بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْصَّحَابَةِ ﵃ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ؛ لِأَجْلِ الْتِّجَارَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ الْنَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِيْ «مُسْنَدِهِ»، وَغَيْرُهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِيْنِهِ، وَلَا عَلَى عَدَمِ مُوَالَاتِهِمْ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْسَّفَرُ إِلَى دِيَارِهِمْ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الأَحَادِيْثُ الَّتِيْ تَدَلُّ

стр. 307

عَلَى الْنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الإِنْسَانِ الْعَمْلَ بِالْتَّوْحِيْدِ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ عَدَاوَةَ المُشْرِكِيْنَ، فَمَا كَانَ ذَرِيْعَةً وَسَبَبَاً إِلَى إِسْقَاطِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَجُزْ. وَأَيْضَاً فَقَدْ يَجُرُّ ذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَإِرْضَائِهِمْ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ لِكَثِيْرٍ مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلَى بِلَادِ المُشْرِكِيْنَ مِنْ فُسَّاقِ المُسْلِمِيْنَ ـ نَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ ـ. تَمَّ الجَوَابُ (١). ثُمَّ قَالَ فِيْ الْثَّانِيَةِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الَّتِيِ قَبْلَهَا سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ فِيْ ذَلِكَ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَالْصُّلْحِ، فَكُلُّ بَلَدٍ لَا يَقْدِرُ المُسْلِمُ عَلَى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْهَا؛ لَا يَجُوْزُ لَهُ الْسَّفَرُ إِلَيْهَا). انْتَهَى كَلَامُهُ ﵀ تَعَالَى. وَأَمَّا الخَوَارِجُ فَلَيْسُوْا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الْضَّالَّةِ، لَهُمْ مَقَالَةٌ مَخْصُوْصَةٌ، كَالْتَّكْفِيْرِ بِالْكَبِيْرَةِ؛ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ مِنْ شِرَارِ خَلْقِ اللهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَدُوْنَ إِلَى الآيَاتِ الَّتِيْ نَزَلَتْ فِيْ الْكُفَّارِ فَيَجْعَلُوْنَهَا عَلَى المُؤْمِنِيْنَ. فَقَالَ بِذَلِكَ الأَزَارِقَةُ أَصْحَابُ نَافِعِ بْنِ أَزْرَقَ، قَالُوْا: كَفَرَ عَلِيٌّ بِالْتَّحْكِيْمِ، وَابْنُ مُلْجِمٍ مُحِقٌ. وَكَفَّرَتِ الْصَّحَابَةَ ﵃ وَقَضَوْا بِتَخْلِيْدِهِمْ فِيْ الْنَّارِ. وَأَمْرُ الخَوَارِجِ مَشْهُوْرٌ، خَرَجُوْا عَلَى عَلِيٍّ، حَيْثُ اعْتَقَدُوْا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ؛ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ، وَمُوَاطَأَتَهُ إِيَّاهُمْ.

стр. 308

وَيَعْتَقِدُوْنَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيْرَةً فَقَدْ كَفَرَ، وَاسْتَحَقَّ الخُلُوْدَ فِيْ الْنَّارِ، وَيَطْعَنُوْنَ لِذَلِكَ فِيْ الأَئِمَّةِ، وَلَا يَجْتَمِعُوْنَ مَعَهُمْ فِيْ الجُمُعَةِ وَالجَمَاعَاتِ ... ـ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ شَرِّهِمْ ـ. فَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْصِّفَةِ فَهُوَ خَارِجِيٌّ، وَمَنِ لَا، فَلَا. وَاللهُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ (١). وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أنَّ مَنْ حَرَّمَ الْسَّفَرَ إِلَى بِلَادِ الْشِّرْكِ الحَرْبِيَّةِ لِلْتِّجَارَةِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْذُّنُوْبِ.

стр. 309

- وَقَوْلُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ عَصَى لَا يُبْغَضُ، وَإِنَّمَا تُبْغَضُ مَعْصِيَتُهُ دُوْنَ ذَاتِهِ). أَقُوْلُ: كَيْفَ وَقَدْ عَاقَبَ اللُه ذَوَاتَ الْعُصَاةِ بِأَشَدِّ الْعُقُوْبَةِ، وَرُسُوْلُ الله ﷺ ؛ مَعَ مَا ادَّخَرَ لَهُمْ مِنْ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيْ «مُسْنَدِهِ» مِنْ حَدِيْثِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يَقُوْلُ: (إِذَا ظَهَرَتِ المَعَاصِيْ فِيْ أُمَّتِيْ؛ عَمَّهُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ الله: أَمَا فِيْهِمْ يَوْمَئِذٍ أُنَاسٌ صَالِحُوْنَ؟ قَالَ: (بَلَىْ)، قُلْتُ: فَكَيْفَ يُصْنَعُ بِأُوْلَئِكَ؟ قَالَ: (يُصِيْبُهُمْ مَا أَصَابَ الْنَّاسَ، ثُمَّ يَصِيْرُوْنَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ) (١).

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 318

وَفِيْ «المُسْنَدِ» وَ «الْسُّنَنِ» (١) مِنْ حَدِيْثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِيْ الجَعْدِ، عَنْ أَبِيْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُوْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ إِذَا عَمِلَ الْعَاصِيّ فِيْهِمْ بِالخَطِيْئَةِ، جَاءَهُ الْنَّاهِيْ تَعْذِيْرَاً، فَقَالَ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللهَ. فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، جَالَسَهُ وَوَاكَلَهُ، وَشَارَبَهُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى خَطِيْئَةٍ بِالْأَمْسِ؛ فَلَمَّا رَأَى اللهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ قُلُوْبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوْا يَعْتَدُوْنَ، وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ،

стр. 319

لَتَأَمُرُنَّ بِالمَعْرُوْفِ (١) وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأَخُذُنَّ عَلَى يَدِ الْسَّفِيْهِ، وَلَتَأطُرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أَطْرَاً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ قُلُوْبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ) (٢).

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →