والشيخ المحدِّث: نذير حسين الدهلوي (ت ١٣٢٠ هـ)، وحسين بن محمد الأنصاري، ومحمد بن بشير السهسواني الهندي (ت ١٣٢٦ هـ)، وسلامة الله الهندي (١)؛ مع وجود المشاق العظيمة في الوصول إلى تلك الديار (٢).
стр. 40
من أسباب الرحلات العلمية إلى خارج البلاد:
١. التزود من العلم، خاصةً في بعض التخصصات التي لم تكن موجودة بكثرة في «نجد»، كالتوسع في دراسة علم الحديث رواية.
٢. الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار، إِبَّان النزاع بين (عبدالله وسعود) ابني الإمام فيصل آل سعود في الرياض، ثم حُكمِ آل رشيد على «نجد» (١): الرياض (سنة ١٣٠٩ هـ ـ ١٣١٩ هـ)، والقصيم (١٣٠٨ هـ ـ ١٣٢٣ هـ)، ثم النزاع بين الملك عبدالعزيز، وابن رشيد ...
стр. 41
فالعقود الأربعة من القرن الماضي كانت مضطربة، وأكثرها اضطراباً العقد الأول ثم الثاني، وفي العقد الأول سافر أكثر الذين ذهبوا للهند؛ لدراسة الحديث. (١)
وفي «بريدة» مدينة المؤلِّف، اضطرابات أخرى ـ كما سيأتي بيانها في الحالة العلمية.
مكث الشيخ في رحلته العلمية في الهند عشر سنين، وكان أقاربه يترقبون مجيئه بمعونات وبضائع، لكنه لم يأت إلا بحِمْلَي بعير من الكتب؛ ومنها نفائس نادرة.
وكانت مَكتبتُه في بيته الواقع في «السَّادَّة»، وبعد وفاته بِيعَتْ في «الجردة»، ويوجد عددٌ منها ضِمن مُقتنيات مكتبة الشيخ الواعظ: فهد بن
стр. 42
عبيد آل عبدالمحسن (١).
وقد ذكر لي الشيخ: يوسف بن محمد ابن الشيخ المؤرِّخ الفرضِيّ: إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن، أن مكتبة الشيخ: فهد سُرِقتْ بالكامل بعد وفاته. وأفادني الأستاذ: عبدالملك البريدي نقلاً عن أحد الملازمين للشيخ: فهد بن عبيد، وهو «محمد العويِّد»، أن الشيخ فهد ذهب لِيَطَّلعَ على مكتبة الشيخ المديهش، فلم يجد فيها مما ليس عنده (٢) إلا كتاب «السنة» لعبد الله ابن الإمام أحمد، فاستعاره، ونسخه في عشرين يوماً، معتنياً بِخَطِّه وتَشْكِيْلِهِ.
стр. 43
نشاطه العلمي: بعد عودته من الهند، اشتغل بالدعوة والتعليم في عَدَدٍ مِنَ قُرى وهِجَرِ القَصيْم، مِنْها: «المستجدة» (١)،
و«وهطان» (٢)، و «الأسياح» (٣)، وغيرها، فكان يُعلِّمُهُم القرآن، وكُتُبَ الشيخ الإمام: محمد بن عبدالوهاب، وأحكام العبادات، وهذا هو السبب في عدم ذكر تلاميذ له في مجالس الشروح العلمية.
стр. 44
قال العُمَري عن الشيخ: (من أئمة الهِجَرِ، وله نشاط في تعليم البادية ... ) (١)
أفادني أخي: ثامر بن عبدالله المديهش أنه قابل رجلاً معمَّراً، اسمه (صالح بن ناصر الحمود) في قرية طريف من قرى «الأسياح»، قال له: بأن الشيخ عبدالعزيز المديهش قد جاءَنا من «الشِّقَّةِ»، ونحن صبية، نلعب بالطرقات، فعلمنا القراءة والكتابة، والقرآن، والتوحيد، والفقه ... مكث عندنا سنتين، وكان محلَّ رضى الناس ومحبتهم، فجميع مَنْ في القَرْيَة يحبُّه ويجلُّه، ثم بعد ذلك ذهب إلى «الرياض» ــ فيما قيل ـ. انتهى.
وللشيخ عناية بالردِّ على المخالفين لأهل السُّنَّة والجماعة، وكان ممن عُرِفَ بنَسْخِ الكُتُبِ.
عيَّنه الملك عبد العزيز ﵀ في «الأجْفُرُ» (٢) قاضِيَاً ومُعَلِّماً، وكان
أمير «الأجْفُر» ـ يومئذٍ ـ نِدَى ابن هَيِّر، ثم صار الشيخ بعد ذلك إماماً في السَّادَّةِ في بُرَيْدَة، وفيها توفي، وكان له أيضاً مَنْزِلٌ بِ «خَبِّ رُوْضَان».
وقد لقي ﵀ محِناً وبلايا أثناء تنقُّلِه للدعوة والتعليم في الهِجَرِ؛ لأن منطقة القصيم إذ ذاك كانت تحت حكم آل رشيد؛ ولهم أُذُنٌ في القصيم يَشُونَ بمن تَظْهَرُ منه مُتابعةٌ لعلماء الدعوة المباركة (١)، خاصة من يسعى في
стр. 47
نشر العلم والدعوة ـ كما سيأتي بيانه ـ.
قال الشيخ المؤرخ الفرَضي: إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن ﵀: [وقد أحببتُ أنْ أورِدَ قِصَّةً عَجِيْبَةً يُستَدلُّ بها على امتحان أولياء الله ورسولِه، ويَتذَكَّرُ بها المؤمِنُ ما مَنَّ الله به على المسلمين بولاية آل سعود ـ أدام الله لملكهم الخلود ـ.
وهي: أنه لما أراد السعي إلى «وهطان» فضيلةُ الشيخ: صالح بن قرناس (١)؛
لعرسه وزواجه، وصهره أبو حلوة، وكان قد صيَّحَ في الناس:
مَنْ أرادَ رِفْقَةَ الشيخ، فَلْيَأَتِ بِدَابَّتِهِ مَعَهُ، فجاء خمس عُمَانيات، وثلاثون حماراً، وصَفَّ أهلها ينتظرون الذهاب مع الشيخ المذكور.
فَجِئَ بِ: عبد الله الباحوث (١)، وعبدالعزيز بن مديهش، وسليمان بن
стр. 50
ثويني (١)، وعلي بن يحيى (٢)، وعبدالعزيز بن يحيى، وعثمان بن مضيان (٣)،
стр. 51
وصالح اللهيمي (١)(٢)؛ تَسُوْقُهُمْ رِجَالُ الأمِير، أذَلَّ ما كانوا قط؛ فوافق في ساعةِ مجيئهم خُروجُ الشيخِ صالح لِيَرْكبَ، ويَذْهَبَ وَرُفْقَتَه.
وقد كان الناس حوالي بيته، الذي يُعْرَف ب «بيت صعب»، في جنوبي بريدة، وكان أولئك المذكورون قد بُعِثَ إلى ابن رشيد بمَسَبَّتِهِم، وأنَّهم ليسوا على طريقة المسلمين، وقد ضلُّوا وأضلُّوا.
стр. 52
فتَكلَّم خادِمُ الأميرِ يقولُ: هؤلاء المغاليث (١)، قدْ حَضَرُوا ... ـ ياشيخ ـ فكيف يُصْنَعُ بِهِمْ؟
وكان هؤلاء المُشَارُ إليهم من فُقَرَاءِ الإخوان، أهلِ الدِّيْنِ والفَضْلِ، وَمِنْ شِيعَةِ آل سَلِيْم، تَقَعُ أوْطَانُهُمْ حوالي «بُرَيْدَةَ» في: «الشماسية»، و «وهطان»، و «الصوير»، وغيرها.
وما كانوا مغاليث، بل كانوا هُدَاةً مُهْتَدِيْنَ، معهُمْ تمسُّكٌ في العقِيدةِ، ومحبَّةٌ للمؤمنين، وقد كان واحدُهُمْ يحمِلُ كُتُبَهُ، وحَقِيْبَتَهُ تحتَ إِبْطِهِ، ويتزاورون ويتحابون في ذات اللهِ.
فلمَّا أخبرَ الخادِمُ بمجيِئهِم، كان إلى جانبِ الشيخ صالح مَنْ كَان يُدْعَى ب: عبد اللهِ بن عمرو آل رشيد (٢)؛
وقَدْ أمسكَ بِيَدِ الشيخِ، ويُوْشِي بِهِمْ ـ نسأل الله العافية ـ.
فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِصَحِيْحٍ، فَإِنِّي لَا أَتَقَدَّمُ بِهِمْ حَتَّى يُقَدِّمُوْنِيْ.
وَأَنتَ يَا سْعُوْدَ بْنَ فُوْزَان، يَوَمَاً بِ «المِذْنَبِ»، ويَوْمَاً بِ «الشمَاسِيَّةِ»، فَلَوْ اسْتَرحَتَ، فَأَرَحْتَ النَّاسَ؟ !
فأجاب: بأنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ إِخْوَانِهِ فِي الزِّيَارَةِ.
فَلمَّا فَرَغَ الأَمِيْرُ مِنْ كَلَامِهِ، سَكَتَ قَلِيْلَاً، وَقَالَ: تَعْلَمُوْنَ بِأَنِيْ مُدَبَّرٌ، وَإِلَّا فَأَشْهَدُ بِأَنَّكُمْ عَلَى الحَقِّ، قُوْمُوْا إِلى أَوْلَادِكُمْ بِالسَّلَامَةِ، فَقَامُوْا مِنْ عِنْدِهِ شَاكِرِيْنَ.
وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَخْشَى عَلَيْهِمُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)] انتهى (٢).
مؤلفاته: لم يصل إلى علمي سوى هذا الكتاب، والمؤلف ـ فيما يبدو ـ تأثَّرَ بشيوخه من آل سليم ممن لم يشتغلوا بالتأليف؛ اكتفاءً بالمؤلفات السابقة، والتدريس؛ وهذا الرأي يذهب إليه قِلَّة من أهل العلم (٣).
стр. 59
إضافة إلى ما اشتهر عنهم من الزهد في الدنيا، والبعد عمَّا يَظُنُّ أنه يُشتَهَرُ به، ازدراء بنفسه، واكتفاءً بالأعلام العلماء في زمانِهِ، ولكلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيْهَا، فاستبقوا الخيرات.
ويمكن أن يقال: بأن اشتغال بعضهم بالتنقل في عدد من الهجر؛ للدعوة إلى الله تعالى، والقضاء فيها أيضاً، مع الاضطرابات السياسية، وضعف المعيشة، حال دون التفرغ للتأليف، وكلٌّ مُرَابطٌ في سبيل الله تعالى.
стр. 60
الحياة العلمية في «بُريدة» زمن المؤلف (١)، ومنها يُعْلَم سبب تأليف الكتاب:
الحياة العلمية في زمنٍ مَّا، تتبع الحياة السياسية؛ استقراراً واضطراباً،
стр. 61
قوّةً وضعفاً؛ لأن السياسة تُرغِّبُ وتُلزِمُ بقوة السلطان ما تراه مناسباً لها؛ باختلاف البواعث، ولكل راية أتباع، ولكل أتباع متحمِّسون، تختلف مراتبهم العلمية، ودرجاتهم العقلية.
وإن بين الرياض والقصيم ارتباطاً وثيقاً جداً؛ فالاضطراب في الرياض عاصمة الدولة السعودية يعكس أثراً على القصيم نقصاً واضطراباً.
وقد سبقت الإشارة في (ص ٤٢) إلى الفتنة بين أبناء الإمام فيصل؛ وما تبع ذلك من استيلاء محمد بن عبدالله بن رشيد على بلدان «نجد»: «الرياض» (من سنة ١٣٠٩ هـ إلى ١٣١٩ هـ) و «القصيم» (من سنة ١٣٠٨ هـ إلى ١٣٢٣ هـ).
وبما أن منطقة القصيم منطقة استراتيجية في الجزيرة، خاصةً بين المتنازعين (آل سعود، وآل رشيد)، وهي مليئة بالعلماء الكبار؛ كان فيها اضطرابٌ ونزاعٌ حادَّين يوازي قيمتها وثقلها.
وليس من شرط النزاع العلمي تكافؤ الأدلة والحجج؛ فإن الباطل يرتفع ـ في الظاهر ـ، لينازع الحق؛ بتأييد السلطان، وحمله الناس عليه؛ ترغيباً تارةً، وترهيباً تارات عديدة.
وهذا ما حصل في «بريدة»؛ فيها أهل السنة والجماعة من علماء آل سليم، ومن انتهج نهجهم، وتلامذتهم؛ وهم الأكثرون، وكانوا على وِفَاقٍ
стр. 62
ووِئَام وصلة مستمرة بآل الشيخ وتلامذتهم في الرياض (١)، وجميعهم من أتباع دعوة الإمام المجدد: محمد بن عبدالوهاب ﵀، ودَعْوَتُهُ: اتِّبَاعُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
يَذْكرُ أهلُ العلم: محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ، وإبراهيم بن عبيد، وعبدالله البسام، ومحمد العبودي، ومحمد بن عثمان القاضي، أنَّ أهل العلم في بريدة على قسمين:
١) آل سليم، وأتباعهم، وهم الأكثرون.
٢) ابن جاسر، ومن مشاهير أصحابه: عبدالله بن عمرو، وعلي المطلق، وابن صقيه الأعمى، وصالح الدخِيل، وعبدالرحمن الجلاجل، وسابق الفوزان والد فوزان السابق، وإبراهيم بن علي الرشودي، وكَثِيرٌ من أهل عقيل «عقيلات»، وآل سيف ـ عدا ناصر بن سليمان بن سيف ـ، والتويجري أهل صباخ، والرشود الصالح أهل صباخ (٢).
стр. 63
ويبدو أن هؤلاء العلماء نظروا إلى انقسام الجماعات العِلْمِية، دون النظر إلى مجموعات قليلة شَذَّت بمسائل، ماتت بموتهم، أو أفرادٍ من العوام تناقلوا بفهومهم القاصرة، ولُغَتِهم العَامِّيَّة ما كتبهُ أهلُ الأهواء ممن اتبعوهم، فلم يَعْتَبِرُوا مَنْ هذا شأنُه قِسْماً من أقسام الخلاف العلمي في «بريدة».
وهناك من المعاصرين من جعلهم ثلاثة أقسام: آل سليم وتلامذتهم، وفَصَلَ الشيخَ: ابنَ جاسرٍ عن تلميذه: ابن عَمْرو.
وجعلَ خلاف ابن جاسر من الخلاف المشروع السائغ الذي يُقبل فيه الاجتهاد.
وجميع مَن سبق ـ عدا العبودي ـ يحصرُ الخلافَ بينهم في مسألة: تكفير دولة الترك، وما ينبني على ذلك من الولاء والبراء، والسفر إلى البلدان الداخلة تحت حكمهم.
والصحيح أنَّ الخلاف ليس محصوراً بذلك ـ كما سيأتي ـ، وهناك مسائلُ عقدية تراجع عنها الشيخ ابن جاسر، وربما بقي من أتباعه من يعتقِدُ صِحَّتَها.
стр. 64
والظاهر ـ والله أعلم ـ أنَّ ابن عَمْرٍو هُوَ الذي فرّق أهل العلم في «بريدة» إلى فريقين، كما قاله الشيخ ابن مانع ـ كما سبق في ترجمته ـ، وقد تبنَّى ابنُ عمرو مسائلَ مخالفة، واحتمى لها، ونافح عنها، وانتهج نهجاً ليس عليه شيخه ابن جاسر، ولابن عمرو أتباع؛ نظراً لبيانه، وسلاطته، وقربه من حكام آل رشيد، وحماسه المنقطع النظير؛ عِداءً لدعوة التوحيد وأهله.
وعند التفصيل يظهر ـ والله أعلم ـ أنهم أربعة أقسام؛ لأن الباطل دوماً يتشعب، ومَن خرج عن جادة الصواب؛ وجد أمامه السبل تتفرق به، وعلى كل سبيل صاحب هوى يحمل الراية، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وإن كان بعضهم كثيرٌ عليه أنْ يُجْعَلَ في قسمٍ خاص ـ ولو كان قسماً سيئاً ـ، وليس من تلازم بين المخالفة وأن يُصنَّفَ المخالِفُ في قسم شهير من أقسام المخالفين، والغالب وجود ارتباط وتشابه.
فربما نجد مَنْ انفرد بآراءٍ لايمكن وصفه بأنه من أتباع هؤلاء وهؤلاء، لذلك يهمنا القسمان الشهيران اللذان ذكرهما غالب العلماء، وإن
стр. 65
شئتَ احتراماً للشيخ ابن جاسر ﵀، أفردتَ عنه التلميذَ ابن عمرو، المناوئَ لأهل السُّنَّةِ.
فيقال: هناك قسمان اثنان كبيران: آل سليم، وآل جاسر، ثم تفرع عنه ابن عمرو ...
والبقية لاتكاد تُذْكَرُ، لِزوال خلافهم سريعاً بزوالهم، وإما لأنهم من العوام كالأعراب الإخوان، الذين خلافهم ليس خلافاً علمياً وإن تكلموا بكلام أهل العلم، وتأثروا ببعضهم، فإنما هم نقَلةُ شُبَه ـ دون فهم ـ، وحمَلَةُ أهواء.
ومع ما سبق يقع في نفسي على الأقل تأدباً أن أجعل أهل الحق ـ وهم الأكثرون ـ داخلون في التقسيم، ألا يكونوا هم الأصل، والمفارِق لهم في الهامش؟ !
إنَّ أهل السنة والجماعة في «بريدة» من أتباع علماء الدعوة السلفية المباركة؛ لاقَوا من صنوف الأذى ما لاقوا، تحت ولاية: محمد بن عبدالله ابن رشيد، وابن أخيه بعده: عبدالعزيز بن متعب؛ فقد أُبعدوا عن التدريس، والإمامة، والخطابة، والقضاء، وسُجِنوا، وأُهِينُوا؛ ومع ذلك صبروا، وصابَروا، ورابَطُوا؛ فنصرهم الله وأكرمهم بولاية شرعية سُنِّيَّة سَنِيَّةٍ بحُكْمِ الملك عبدالعزيز ﵀ (سنة ١٣٢٢ هـ).
стр. 66
وقبل ذلك خالف الجماعةَ:
١. الشيخ المحدِّث: إبراهيم بن جاسر (١) ﵀، فقد خالفهم في
مسألة الأتراك، وتبعاتها، وفي مسائل عقدية ـ كما في ترجمته ـ وذكر العبودي أنها سبع مسائل، وسبق في ترجمته أنه تراجع عن أربع منها، ولا يظهر أن الشيخ ﵀ صاحب هوى، بل مجتهدٌ له أجرُ الاجتهاد، وما أمر الإدراك المبين بلازم لسعة الحفظ، وكثرة العلم؛ والهداية في المسائل العقدية والفرعية توفيق من الله تعالى.
وعند التَأمُّلِ في ترجمته ﵀ يظهر أنه على علم بالحديث وتميز فيه، مع عدد من الفنون؛ إلا أنه ربما لم يتسع في دراسة كتب الاعتقاد؛ فأثَّر هذا الإقلال عليه في بعض المسائل؛ مع اتصافه بصفة التردد، وسرعة التأثر، بمن أعطاه الله الولاية: ابن رشيد، أو اللسانة والصلافة كتلميذه: عبدالله بن عمرو بن رشيد؛ أو غيره من الناس (١) فأدَّى به ذلك إلى الاضطراب في مسائل عقدية كبيرة، كالمسائل التي تراجع عنها وتاب.
стр. 71
ففي أوان طلبه تردد في عقيدة شيخه الكبيرقاضي بريدة: سليمان بن علي بن مقبل، ثم تبيَّنَ له صلاحه، فلزمه، وندم على ما فرَّط.
المسائل التي تراجع عنها كانت مبثوثة مبسوطة في مؤلفات أهل السنة: كابن تيمية، وابن القيم، وأئمة الدعوة، وفي دروس مشايخه: آل سليم، فتأثُّرُه، ثم اعتقاده ـ أول الأمر قبل توبته ـ دليل على وجود الاضطراب الناشئ عن هشاشة الموقف العقدي، والنفسي.
وللشيخ ﵀ طلاب في بريدة يزدادون عصبية وبغضاً للمشايخ: آل سليم، وآل الشيخ، وتلامذتهم، يؤزهم كبيرُهم: عبدالله بن علي بن عمرو، مع ما عُرِف عن ابن عمرو من الوشاية بهم؛ يكفيك شيوع نبزهم أهلَ السنة والجماعة من آل سليم وتلامذتهم ب (المغاليث)، وغير ذلك من الأذايا المتعددة، ومع ذلك لم تَذكُر الرواة، وكتبُ التاريخ، والتراجم، موقفاً رشيداً قوياً من الشيخ ابن جاسر ضد هذا البغي والعدوان، وأعظم العدوان وشايات ابن عمرو وكذبه ضد علماء آل الشيخ وآل سليم وأتباعهم.
وقد قيل بأن الشيخ ابن جاسر كان ممن يراسل ابن رشيد. (١)
стр. 72
لكن لم تكن رسائله كرسائل ابن عمرو، ولما ذكر الشيخ العبودي ـ حفظه الله ـ رسالة عبدالله بن عمرو لآل رشيد، المليئة بالوشاية والكذب، والعداء لعلماء الدعوة، ذكر أنَّ أُسلوبَها أسلوب جماعة ابن جاسر، وقال: (حتى الشيخ إبراهيم بن جاسر الذي هو زعيم تلك الجماعة، لانعرف له رسائل من هذا النوع).
وورد أنه أنكر على الملك عبدالعزيز ﵀ قتلَهُ لابن عمرو! (١)
على كُلٍّ، انفردَ تلميذُه:
٢. عبدالله بن علي بن عمرو، بمنهج واضح، وعداء سافر، للدعوة السلفية، وأتباعها، ودعاتها. وكان هو ومؤيدوه، ولاؤهم التام لآل رشيد حكام حائل (٢). وقد ردَّ عليه الشيخ ابن سحمان، وغيرُه في عدد من الرسائل ـ وسبق ذكر ذلك في ترجمته (ص ٥٤) ـ.
стр. 73
وربما يدخل في هذا القسم: علي بن عبدالرحمن بن حمد بن عرفج من خبوب بريدة، وقد ردَّ عليه الشيخ: فهد بن سلطان، وأرسل رده إلى المشايخ: محمد بن عمر بن سليم، ومحمد بن عبدالله بن سليم، وإبراهيم بن عجلان ﵏، وذلك سنة (١٣٠٧ هـ)، وهي موجودة بخط الشيخ: محمد بن ناصر العبودي سنة (١٣٦٥ هـ) (١).
ويبدو أن من جماعة ابن عمرو، ومؤيديه:
مَنْ غَلَب عليه الجهلُ، واتَّصَلَ بمُبْتَدِعَةِ التُّركِ، والشَّامِ، فظهر منه أقاويل غريبة في الاعتقاد.
стр. 74
ومنهم: المردود عليه في هذا الكتاب «البراهين المعتبرة».
٣. وهناك قسم بعيد عن هؤلاء، لكنه اتَّخذ مسلكاً خالف فيه الجماعة، وهم قومٌ ينسبون علماء آل الشيخ، وآل سليم، ومن اتبعهم، إلى التساهل، وهولاء هم: عيسى الملاحي (ت ١٣٥٣ هـ) (١)، وعبدالله بن حماد الرسي (٢)، وابن عقلا في الهلالية، وابن فريح في البكيرية، وهؤلاء لم يستمروا طويلاً، وقد انقطع أتباعهم (٣).
وكأنَّ الشِّدَّة والتراخي مردُّها إلى عقول البشر وأهوائهم، أو إلى العلم بدليله، وأئمة الدعوة يجهلون ذلك! !
٤. وتفرع من القسم السابق: عبدالرحمن بن سليمان بن بطي، ومن اتبعهم من الأعراب الجهال، المعروفين ب «الإخوان» (٤)، وتأثر بهم بعض الحاضرة، فحصل منهم التنطع بما لامزيد عليه، حتى حرَّموا لبس العقال،
стр. 75
وهجروا لابسه، وأوجبوا العمامة، والهجرة من البادية إلى القرى، وأحلوا دماء وأموال ونساء مَنْ لم يُهاجِر، وكذا كفروا من سافر إلى بلاد تخالف ما هم عليه، وأباحوا دماءهم، وعمَّت بهم البلوى، واستكبروا على نصائح ومراسلات الأئمة، فقيض الله عليهم الملك عبدالعزيز ﵀ وانتهى آخرهم بوقعة «السبلة» (سنة ١٣٤٧ هـ) ـ والحمد لله رب العالمين ـ.
وهكذا البدع تتوالد، ويكثر رؤوسها، ويبقى الحق، وينتصر أهله، وليعتبر المعتبرُ بالنزاعات العقدية في كل زمن: الإمام أحمد، ابن تيمية، محمد بن عبدالوهاب، وغيرهم ﵏
أين مخالفوهم، وذِكرهم وعلمهم في الآخرين؟ !
إنَّ في ذلك لَعِبْرَةً!
هذا، والمشهور في الخلاف ـ كما سبق ـ إنما هو بين جماعتين: آل سليم وأتباعهم؛ وابن جاسر ومَن اتَّبَعه.
وكان أهل العلم يُسمُّون أتباع ابن جاسر، وابن عمرو، بـ ... (الضِّدِّ)؛ لأنهم ضد علماء آل سليم، والجماعة.
وهؤلاء يُسمُّونَ علماء آل سليم، وتلامذتهم ب (المغاليث)، جمع مغلوث، وهو الكَلْبُ المُصَاب بِدَاءِ الكَلَبِ، يريدون بذلك أنهم يهاجمون الناس، ولايتركون أحداً منهم.