ففي أوان طلبه تردد في عقيدة شيخه الكبيرقاضي بريدة: سليمان بن علي بن مقبل، ثم تبيَّنَ له صلاحه، فلزمه، وندم على ما فرَّط.
المسائل التي تراجع عنها كانت مبثوثة مبسوطة في مؤلفات أهل السنة: كابن تيمية، وابن القيم، وأئمة الدعوة، وفي دروس مشايخه: آل سليم، فتأثُّرُه، ثم اعتقاده ـ أول الأمر قبل توبته ـ دليل على وجود الاضطراب الناشئ عن هشاشة الموقف العقدي، والنفسي.
وللشيخ ﵀ طلاب في بريدة يزدادون عصبية وبغضاً للمشايخ: آل سليم، وآل الشيخ، وتلامذتهم، يؤزهم كبيرُهم: عبدالله بن علي بن عمرو، مع ما عُرِف عن ابن عمرو من الوشاية بهم؛ يكفيك شيوع نبزهم أهلَ السنة والجماعة من آل سليم وتلامذتهم ب (المغاليث)، وغير ذلك من الأذايا المتعددة، ومع ذلك لم تَذكُر الرواة، وكتبُ التاريخ، والتراجم، موقفاً رشيداً قوياً من الشيخ ابن جاسر ضد هذا البغي والعدوان، وأعظم العدوان وشايات ابن عمرو وكذبه ضد علماء آل الشيخ وآل سليم وأتباعهم.
وقد قيل بأن الشيخ ابن جاسر كان ممن يراسل ابن رشيد. (١)
стр. 72
لكن لم تكن رسائله كرسائل ابن عمرو، ولما ذكر الشيخ العبودي ـ حفظه الله ـ رسالة عبدالله بن عمرو لآل رشيد، المليئة بالوشاية والكذب، والعداء لعلماء الدعوة، ذكر أنَّ أُسلوبَها أسلوب جماعة ابن جاسر، وقال: (حتى الشيخ إبراهيم بن جاسر الذي هو زعيم تلك الجماعة، لانعرف له رسائل من هذا النوع).
وورد أنه أنكر على الملك عبدالعزيز ﵀ قتلَهُ لابن عمرو! (١)
على كُلٍّ، انفردَ تلميذُه:
٢. عبدالله بن علي بن عمرو، بمنهج واضح، وعداء سافر، للدعوة السلفية، وأتباعها، ودعاتها. وكان هو ومؤيدوه، ولاؤهم التام لآل رشيد حكام حائل (٢). وقد ردَّ عليه الشيخ ابن سحمان، وغيرُه في عدد من الرسائل ـ وسبق ذكر ذلك في ترجمته (ص ٥٤) ـ.
стр. 73
وربما يدخل في هذا القسم: علي بن عبدالرحمن بن حمد بن عرفج من خبوب بريدة، وقد ردَّ عليه الشيخ: فهد بن سلطان، وأرسل رده إلى المشايخ: محمد بن عمر بن سليم، ومحمد بن عبدالله بن سليم، وإبراهيم بن عجلان ﵏، وذلك سنة (١٣٠٧ هـ)، وهي موجودة بخط الشيخ: محمد بن ناصر العبودي سنة (١٣٦٥ هـ) (١).
ويبدو أن من جماعة ابن عمرو، ومؤيديه:
مَنْ غَلَب عليه الجهلُ، واتَّصَلَ بمُبْتَدِعَةِ التُّركِ، والشَّامِ، فظهر منه أقاويل غريبة في الاعتقاد.
стр. 74
ومنهم: المردود عليه في هذا الكتاب «البراهين المعتبرة».
٣. وهناك قسم بعيد عن هؤلاء، لكنه اتَّخذ مسلكاً خالف فيه الجماعة، وهم قومٌ ينسبون علماء آل الشيخ، وآل سليم، ومن اتبعهم، إلى التساهل، وهولاء هم: عيسى الملاحي (ت ١٣٥٣ هـ) (١)، وعبدالله بن حماد الرسي (٢)، وابن عقلا في الهلالية، وابن فريح في البكيرية، وهؤلاء لم يستمروا طويلاً، وقد انقطع أتباعهم (٣).
وكأنَّ الشِّدَّة والتراخي مردُّها إلى عقول البشر وأهوائهم، أو إلى العلم بدليله، وأئمة الدعوة يجهلون ذلك! !
٤. وتفرع من القسم السابق: عبدالرحمن بن سليمان بن بطي، ومن اتبعهم من الأعراب الجهال، المعروفين ب «الإخوان» (٤)، وتأثر بهم بعض الحاضرة، فحصل منهم التنطع بما لامزيد عليه، حتى حرَّموا لبس العقال،
стр. 75
وهجروا لابسه، وأوجبوا العمامة، والهجرة من البادية إلى القرى، وأحلوا دماء وأموال ونساء مَنْ لم يُهاجِر، وكذا كفروا من سافر إلى بلاد تخالف ما هم عليه، وأباحوا دماءهم، وعمَّت بهم البلوى، واستكبروا على نصائح ومراسلات الأئمة، فقيض الله عليهم الملك عبدالعزيز ﵀ وانتهى آخرهم بوقعة «السبلة» (سنة ١٣٤٧ هـ) ـ والحمد لله رب العالمين ـ.
وهكذا البدع تتوالد، ويكثر رؤوسها، ويبقى الحق، وينتصر أهله، وليعتبر المعتبرُ بالنزاعات العقدية في كل زمن: الإمام أحمد، ابن تيمية، محمد بن عبدالوهاب، وغيرهم ﵏
أين مخالفوهم، وذِكرهم وعلمهم في الآخرين؟ !
إنَّ في ذلك لَعِبْرَةً!
هذا، والمشهور في الخلاف ـ كما سبق ـ إنما هو بين جماعتين: آل سليم وأتباعهم؛ وابن جاسر ومَن اتَّبَعه.
وكان أهل العلم يُسمُّون أتباع ابن جاسر، وابن عمرو، بـ ... (الضِّدِّ)؛ لأنهم ضد علماء آل سليم، والجماعة.
وهؤلاء يُسمُّونَ علماء آل سليم، وتلامذتهم ب (المغاليث)، جمع مغلوث، وهو الكَلْبُ المُصَاب بِدَاءِ الكَلَبِ، يريدون بذلك أنهم يهاجمون الناس، ولايتركون أحداً منهم.
стр. 76
وقد أرسل الملك عبدالعزيز ﵀ في (٨/جمادى/١٣٣٥ هـ) رسالة إلى أهل القصيم؛ ورسالة أخرى (سنة ١٣٣٧ هـ) في إزالة هذا الاختلاف، وبيان أن منهج البلاد منهج أئمة الدعوة السلفية، والرجوع إلى علمائها، واحترامهم. (١)
ولعلي أتمم الفائدة، وأربط ما قيل بمن عاصر الأحداث وشاهد، وهو: الشيخ المؤرِّخ المعمر: إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن ﵀ (١٣٣٤ ـ ١٤٢٥ هـ) في كتابه «تذكرة أولي النهى والعرفان» (٢).
ذكر الشيخ من الاضطرابات أول القرن الماضي ما حصل في سنة
стр. 77
(١٣٠٠ هـ) من منافرة بين أمير بريدة: حسن بن مهنا، والشيخ القاضي: محمد بن عبدالله بن سليم، فعزم الشيخ على السفر إلى عنيزة ... ثم استعطفه الأمير، فرجع (١).
وقال في حوادث (سنة ١٣٠٦ هـ): [وفي هذه الفترة لاتزال المشاغبات والنزاع مستمراً نتيجة الخلاف الذي جرى في المسائل الدينية بين: الشيخ: محمد بن عبدالله بن سليم، وبين بعض المنتسبين إلى العلم؛ وحاصل هذا النزاع: أن المخالفين للشيخ يقولون بجواز التوسل إلى الله بذوات العلماء والصلحاء، وجواز السفر إلى بلدان المشركين والإقامة بها، ويقولون: إن الهجرة منقطعة؛ لقوله ﷺ : (لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية).
ولا ريب أن هذه الأقوال مطروحةٌ، وهذا الحديث يفيد أنه لايهاجر من مكة بعدما فتحت وكانت بلاداً إسلامية.
وقد نتج عن هذا الخلاف افتراق؛ وتَحَزَّبَ لذلك أحزاب، وتوترت العلاقات بين القائلين بالجواز والمانعين له، حتى كان لكل طائفةٌ ردود ومؤلفات وانتصارات، وامتدَّت هذه المحنة قريباً من ربع قرنٍ ـ فإنا لله
стр. 78
وإنا إليه راجعون ـ، والمسألة يطول شرحها وتفاصيلها، وتحتاج إلى بسط لايتسع له هذا الموضع.
ولا ريب أن الحقَّ الذي لامرية فيه، هو ماكان عليه الشيخ: محمد ابن عبدالله بن سليم، واتباعه ـ رفع الله قدرَه، وأشاد في العالمين ذِكْرَهُ ـ، وما كان مع المخالفين ما يُستَنَد عليه، وندين الله بقول الشيخ: محمد بن عبدالله بن سليم، ونعتقده، ونسأل الله تعالى الثبات عليه إلى أن نلقاه، إنه جواد كريم]. انتهى (١).
وقال عن الحياة العلمية (سنة ١٣١١ هـ): [كان هناك في نجد الشيخ العالم القدوة الذي أصبح كالشجى في حلوق أعداء الشريعة: عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، لايزال ينشر أعلام التوحيد، ولاتأخذه في الله لومة لائم، مقيماً في الرياض مدرساً ومعلماً.
كما أن الشيخ: سليمان بن سحمان قد جدَّ في نصرة الحق، ولا تزال إذْ ذاك أقلامُه تصنّف وتبوب، وينظم الشعر، ويردي بحجته ولسانه بنيان أهل البدع؛ فلا يدع جافياً ولا غالياً إلا ألقاه في قعر الحضيض، فجزاه الله
стр. 79
عن الإسلام خيراً.
وكان في القصيم أعني: «بريدة» رجالُ دينٍ يُشار إليهم بالأصابع، ويدفع الله بهم عن المسلمين، فمن بينهم: شيخ الطريقة (١): محمد بن عبدالله بن سليم، قد جدَّ واجتهد في البيان والتعليم، وكان له مقامات قامها لله، وفي ابتغاء مرضاته، أضف إلى ذلك شجاعةً وقوَّةً في إظهار الدين والحق، وكان له أتباع في هذه الطريقة تمسَّكوا بالدين، وبسنة سيد المرسلين، ولم يستكينوا ولم يهنوا:
فمن بينهم فضيلة العارف القدوة الزاهد: عبدالله بن محمد بن فدَّا، ويكفيك به شرفاً وديناً وعقلاً ثباته على الشريعة، وتمسُّكه بها، على كثرة من المعاند والمشاقق، وانتشار كل خب ووغدٍ من كل مارقٍ ومنافقٍ.
ومنهم الألمعيٌّ المشهور بالعلم والدين: علي بن مقبل، وصاحب الجود والسخاء: حمد بن مبارك، وأخوه إبراهيم بن مبارك، وساكن الشماسية: فوزان بن عبدالعزيز، وأخوه: سعود بن عبدالعزيز، وزعيم بريدة إذْ ذاك: عبدالكريم بن ناصر بن جربوع، ومنهم الشيخ: عبدالله بن
стр. 80
محمد بن سليم، القاضي بعد أبيه.
ومنهم الشيخ: عبدالله بن سليمان بن بليهد، وعثمان بن حمد بن مضيان، وحسين بن عبدالعزيز بن عرفج، ومحمد بن حمد بن مضيان، وسليمان بن عبدالله بن حميد، وعبدالرحمن بن غيث، وعبدالرحمن بن عبدالعزيز بن عويِّد، وعبدالعزيز بن عبدالله بن فدا، وصالح بن إبراهيم ابن فوزان الملقَّب «العويدة»، وصالح بن كريديس، وابن قوبع.
وجرى إذْ ذاك في تلك السنة محاورات في المسائل الدينية، ومن بين أولئك الرجال، فضيلة الشيخ: عبدالله بن محمد بن دخيِّل، قاضي المذنب، وقد وشى به أعداؤه نحو الأمير ابن رشيد؛ يريدون عزله، فما نالوا إلاَّ الخزيَ والعار، وردَّ عليهم الأمير بقوله: إن بلدكم يسمَّى الذنب، فببركة هذا الشيخ سُمِّي المذنب.
ومن الرجال أيضاً: سالم بن حجي، فيا سبحان الله إنَّ الزمان بمثلهم لبخيلُ]. انتهى (١).
стр. 81
قلتُ: وصف الزمان بالبخل من باب التجوز في العبارة، ومراد الشيخ معروف، ولم يكن ظنه صحيحاً!
فقد جاء بعدهم مفخرة القرون المتأخرة: محمد بن إبراهيم، وعبدالرحمن بن سعدي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبدالعزيز بن باز، ومحمد بن صالح بن عثيمين، ناصر الدين الألباني، وبكر أبو زيد، وعبدالله بن جبرين، وأحمد شاكر، ومحمد الخضر حسين، وغيرهم كثير، وأحسبُ أن لهم من الأثر في الأمة أعظم بكثير، وفي كلٍّ خير، ولكل زمن رجاله، والخير باقٍ في الأمة ـ والحمد لله ـ.
ثم ذكر الشيخ: ابن عبيد في حوادث (سنة ١٣١٣ هـ): وفيها كثرت الشكايات على ابن رشيد ضد الشيخين: عبدالله بن عبداللطيف، ومحمد بن عبدالله بن سليم، وأتباعهما ... (١)
وقال ضمن حوادث (سنة ١٣١٤ هـ): لاتزال الحركة الدينية في القصيم في غاية النشاط والتقدم، وكان لدى أهل الدين في ذلك الوقت قوة عزيمة وصدق، مع قلة المساعد، وضعف المعاضد، ولكنه كما قيل: من كان مع الله؛ كان الله معه، ومن عامل الله؛ فما فقد شيئاً ... (٢)
стр. 82
ثم ذكر ابن عبيد من حوادث (سنة ١٣١٩ هـ): لازال ابن سليم في منفاه في النبهانية، وممنوع من التدريس بسبب وشاية إلى ابن رشيد أنه يمالئ عليهم! (١)
نفاه ابن رشيد؛ لأن الشيخ أكرم الإمام عبدالرحمن آل سعود، وآل صباح، ومن معهم، فأقام لهم وليمة لما دخلوا بريدة سنة (١٣١٨ هـ)، فغضب ابن رشيد، ونفاه إلى «النبهانية»، وبقي فيها إلى أن دخل الملك عبدالعزيز «بريدة» سنة (١٣٢٢ هـ) (٢).
стр. 83
مختصر في بيان أكبر مسألة تعرض لها المؤلف في رده
كتاب «البراهين» يتضمن رداً على رسالة لأحد المبتدعة، تضمنت مخالفات عقدية عِدَّة: من تجويز السفر إلى بلاد المشركين من غير إظهار الدين، والإنكار على مَن أظهر دينه بين المشركين، والتطيُّر، والحلولية، وغيرها، وقد نقلها المؤلف بحروفها في أول الكتاب .
وأبرز هذه المسائل وأطولها المسألة الأولى.
وهي مسألة شَغَلَتْ أهلَ العِلم قرابة ثمانين سنة، وأخذت حيزاً كبيراً من المؤلفات، والمراسلات، والردود بين أهل العلم من أواخر القرن الثالث عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر، وقد دارت رحى هذه السجالات في منطقة القصيم، إما مؤلِّف منها، أو مردود عليه ..
ولو قال قائل: لايوجد عالم في نجد أوائل القرن الماضي إلا وله مؤلَّفٌ أو رسالة، أو فتوى مطولة عن هذه المسألة؛ لم يكن بعيداً؛ فهي بحق نازلة ـ بتفصيلاتها ـ شَغَلَتْ الرأيَ العِلْمِيَّ، والعَامَ أيضاً.
ومما زاد في المسألة حِدَّة وطُولاً، وتداولاً وامتحاناً، ثلاثة أمور:
стр. 84
١) الجانب السياسي، حيث ولاء آل رشيد وأتباعهم من أهل العلم ـ وهم قِلَّة، يرأسهم في القصيم: عبدالله بن عمرو آل رشيد ـ؛ إلى الدولة التركية، ووَلَاءُ العلماء في الرياض وبريدة لآل سعود، ومعروفٌ مَوقِفُ عُلَماءِ الدَّعوَةِ من الدَّوْلة التركية آنذاك ..
وبناء عليه؛ لم يتحرج مؤيدوا آل رشيد من المقام في الدولة التابعة للترك، أو تحت وطأة الاستعمار، مع وجود الشركيات الظاهرة، والعداء للدعوة السلفية المباركة.
٢) كثرة الرحلات التجارية من نجد إلى خارج الجزيرة العربية: العراق، والشام، ومصر، والهند، فيما يُعرف ب «عقيلات»، وغالبهم إن لم يكن كلُّهم من منطقة القصيم.
٣) التطبيقات العملية الحادَّة من لدن الأعراب، المعروفين ب «الإخوان» (١)،
حيث إنهم خاضوا بجهلهم وجفائهم في هذه المسائل،
وأرهقوا الولاة، والعلماء، والديار؛ فكفَّروا المسلمين، ومن ثمَّ سفكوا دماءهم، واستحلوا أموالهم ..
ومن أسباب تكفيرهم المسلمين: زعمهم أنَّهم لم يهاجروا من البادية إلى القرى!
وكذا من قدم من «عقيلات» من خارج الجزيرة، لأنهم جاؤوا من الكفار، فهم كفار!
ولهم بسالة وشجاعة وإقدام، كما هو حال سلفهم «الخوارج» في كل قرن (١)، من لدن القرن الأول إلى زماننا ـ نسأل الله أن يقي المسلمين
стр. 87
شرَّهم، ويقطع دابرهم ـ.
هذه الأسباب زادت من تداول هذه المسألة.
والمؤلف ﵀ لم يخرج في رَدِّهِ، واختِيَارِهِ عمَّا قرَّرَهُ عُلماءُ الدَّعوةِ وأتباعُهُم ـ رحمهم الله تعالى ـ.
وهذه المسألة تدور حول أبواب كبيرة من أبواب الاعتقاد:
١. أصلها من باب أوثق عرى الإيمان: الولاء للمؤمنين، والبراءة من الكافرين (١).
стр. 88
٢. وعليه: فالهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام، باقية إلى قيام الساعة (١)،
وهي واجبة إلا لمن قدر على إظهار دينه، بشرط أمن الفتنة (٢).
٣. وأُلْحِقَ بدار الكفر دار البدعة والفسق، إذا لم يقدر المؤمن على إظهار السُّنَّة فيها (١).
٤. ودار الكفر عند أئمة الدعوة هي الدار التي يجري عليها أحكام الكفار، ولو كان أهلها مسلمين، فالبلاد التي لايطبَّق فيها شرع الله، ممن
стр. 91
استولى عليها أهل القبور والأوثان، أو ما يسمى بالمستعمرات الأجنبية، هذه تعتبر عند أئمة الدعوة «دار كفر» (١).
٥. وضابط إظهار الدين: الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والتحذير من الشرك، وإظهار العداوة للكافرين، وإعلان البراءة منهم ومن شركهم، حتى يَدَعُوا ما هم عليه، مع مباينتهم وعدم الخلطة معهم.
إضافة إلى إظهار العبادات: كالصلاة، والصيام، وغيرها.
وردُّوا على مَنْ قَصَرَ إظهار الدِّين على إظهار العبادات فقط (٢).
стр. 92
٦. وذكروا أن إظهار الدين في تلك الديار على الوجه الصحيح الذي بيَّنوه، مما لايمكن تطبيقه في ذلك الزمن، والمظهر لدينه إما أن يُخْرَجَ، وإما أن يُعَذَّبَ، أو يُقْتَلْ (١).
٧. وبيَّنُوا أن أكثر المسافرين إلى تلك الديار للتجارة وغيرها، هم أكثر إثماً من المسلمين المقيمين من أهلها، الذين لم يتمكنوا من إظهار الدين.
٨. وذكروا أن غالب المسافرين إلى تلك الديار ـ في زمانهم ـ، لم يكونوا ممن يظهرون دينهم (٢).
هذه خُلاصَةٌ مُوْجَزَةٌ في نُقَاطٍ، مِمَّا فَهِمْتُهُ من كُتبِ أئِمَّةِ الدَّعوَة.
وربما ينعت بعض المتعجلين هذه الاختيارات العلمية بالتعنُّت، وما علِمَ أن أئمة الدعوة يعلمون من ملابسات الموضوع، وخفاياه، وتبعاته، ما
стр. 93
لايعلمه مَن جاء بعدهم؛ لمعايشتهم أهل ذلك الزمان، وعلمهم بوقائع متواترة؛ فجاءت اختياراتهم؛ لظواهر النصوص الشرعية، وإعمال المصالح والمفاسد، وقياماً بما تقتضيه السياسة الشرعية، وسداً للذريعة الموصلة إلى وَهَنِ الدِّين، واختلاطه، وفساده، ومن مجموع هذه الأنظار وغيرها، جاءت تحقيقاتهم قويمة في ألفاظها، سديدة في معانيها؛ للأمن العقدي، والفكري؛ ولتقوية بلدان أهل السنة والجماعة.
قال الشيخ: عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ ﵀ في معرض تعداده لأوجه التحريم في مسألة السفر إلى بلاد المشركين: (إن سَدَّ الذرائع، وقطع الوسائل، من أكبر أصول الدين وقواعده؛ وقد رتَّبَ العلماء على هذه القاعدة، من الأحكام الدينية تحليلاً وتحريماً، ما لا يحُصَى كثرةً، ولا يخفى على أهل العلم والخبرة.
وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية ـ قدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ ـ لهذه القاعدة في كتاب التوحيد، فقال: «باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك»، وساق بعض أدلة هذه القاعدة.
стр. 94
وقد قرأتَ (١) علينا في الرسالة المدنية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، أن اعتبار هذا من محاسن مذهب مالك، قال: ومذهب أحمد قريب منه في ذلك.
ولو أفتينا بتحريم السفر، رعاية لهذا الأصل فقط، وسداً لذرائعه المفضية، لكنا قد أخذنا بأصل أصيل، ومذهب جليل) (٢).
وسأعرض بعد هذه الخلاصة كلاماً موجزاً من كُتُبِهِمْ ﵏.
ولأنَّ المسألة ـ في عصرنا هذا ـ لها تَفْصيْلاتٌ أكْثرُ تعْقِيدَاً؛ فإنِّي أعرضُ كلامَ أئمة العلم والفتيا في زماننا ـ، خاصةً: ما حرَّرَهُ فقيه العصر الشيخ الإمام: محمد بن صالح العثيمين ﵀ في فتوى مُقَيَّدَةٍ بِقَلَمه، مُفَصَّلَةٍ مُقَسَّمَةٍ، جَامِعَةٍ شَعَثَ أجزاء المسألة ـ فرحمه الله رحمةً واسعة ـ.
أجمع أهل العلم على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، حكى الإجماع ابنُ كثير في «تفسيره» (٢/ ٣٨٩)، وابن هبيرة في «الإفصاح» (٩/ ١٦٢)، وانظر: «الأجوبة السمعيات» (ص ٨٢).
стр. 95
وقال البهوتي ﵀: [«وتكره التجارة والسفر إلى أرض العدو، وبلاد الكفر مطلقاً» أي: مع الأمن والخوف، «وإلى بلاد الخوارج، والبغاة، والروافض، والبدع المُضِلَّة، ونحو ذلك»؛ لأن الهجرة منها ـ أن لو كان فيها ـ مُستَحبَّةٌ إنْ قَدِرَ عَلى إظهار دِيْنِه، «وإن عَجَزَ عن إظهار دينه فيها؛ حَرُمَ سَفَرُهُ إليها»؛ لأنه تعريضٌ بنفسه إلى المعصية] (١).
وقال الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: وما ذكرت من حال من يكون بين ظهراني المشركين، فإن كان يقدر على إظهار التوحيد، بحيث يظهر لهم القول بأن هذه الأمور الشركية، التي تفعل عند القبور وغيرها، باطل وضلالة، وأنا بريء منه وممن يفعله، فمثل هذا لا تجب عليه الهجرة. وإن كان لا يقدر على إظهار ذلك، مع اعتقاد بطلانه، وأنه الشرك العظيم، فهذا ترك واجباً عليه، ولا يكفُر بذلك (٢).
قال الشيخ العلامة: حمد بن علي بن عتيق (ت ١٣٠١ هـ تقريباً) ﵀ في مسألة إظهار الدين: [إنَّ كثيراً من الناس، قد ظن أنه إذا قدر على أنْ يتلفَّظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلوات، ولا يرد عن المساجد،
стр. 96
فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين، أو في أماكن المرتدين. وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.
فاعلم أنَّ الكفرَ له أنواعٌ وأقسامٌ تتعدَّدُ بِتَعدُّد المكفرات، وقد تقدم بعض ذلك، وكلُّ طائفة من طوائف الكفر فلا بد أن يشتهر عندها نَوعٌ منه، ولا يكون المسلم مُظهِراً لدينه، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها، ويُصرِّح لها بعداوته، والبراءة منه، فمن كان كفره بالشرك، فإظهار الدين عنده التصريح بالتوحيد، أو النهي عن الشرك والتحذير منه، ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح بأن محمداً رسول الله ﷺ ، والدعوة إلى اتباعه. ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده فعل الصلاة، والأمر بها، ومن كان كفره بموالاة المشركين والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين عنده التصريح بعداوته، والبراءة منه ومن المشركين.
وبالجملة فلا يكون مظهراً لدينه، إلا من صرَّح لمن ساكنه من كل كافر ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافراً، وبراءته منه، ولهذا قال المشركون للنبي ﷺ : عابَ ديننَا وسفَّهَ أحلامَنا، وشتمَ آلهتنا.
стр. 97
وقال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ (١) ... فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول لهم: (يا أيها الناس .. ) إلى آخره، أي: إذا شككتم في الدين الذي أنا عليه، فدينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه، وقد أمرني ربي أن أكون من المؤمنين الذين هم أعداؤكم، ونهاني أن أكون من المشركين الذين هم أولياؤكم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ (٢) إلى آخر السورة.
فأمر الله رسوله ﷺ أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه، أنا بريء منه، وديني الذي أنا عليه أنتم برآء منه. والمراد: التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه بريء منهم ومن دينهم.
стр. 98
فمن كان متبعاً للنبي ﷺ ، فعليه أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا لما عمل الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين، لما أمرهم بذلك إلى بلد الغربة.
إلى أن قال:
والمقصود منه: أن الرجل لا يكون مظهراً لدينه حتى يتبرأَ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويصرِّح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدوٌ لهم، فإن لم يحصل ذلك لم يكن إظهار الدين حاصلاً. (١)
قال الشيخ: إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: (واستثناء المستضعفين في هذه الآية، يبطل دعوى من قصر إظهار الدين على مجرد العبادة، لأنه إذا حمل على ذلك، فقد تساوى المستثنى والمستثنى منه، إذ هو مناط الرخصة في زعم المجيز؛ ولا يُتصور في المستضعف أنه يترك عبادة ربه، فما فائدة تعلق الوعيد بالقادر على الهجرة، دون من لم يقدر؟ وقد عُلِم أن الاستثناءَ مِعيارُ العموم .... (٢)
стр. 99
وقال بعد بيان مطوَّل:
فالحاصل هو ما قدمناه من أن إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة، هو الامتياز عن عباد الأوثان بإظهار المعتقد، والتصريح بما هو عليه، والبعد عن الشرك، ووسائله؛ فمن كان بهذه المثابة إن عرف الدين بدليله، وأمن الفتنة، جاز له الإقامة، والله أعلم. (١)
وقال: وقد علمتَ معنى إظهار الدين فيما مرَّ من كلامهم، وقد جعلوا هنا حكم المسافر حكم المقيم صريحاً، موافقين للسلف في ذلك، فجزاهم الله عن الإسلام خيراً.
قال الشيخ عبد اللطيف ﵀ في بعض رسائله: ولا بد في إباحة السفر إلى بلاد المشركين، من أمن الفتنة؛ فإن خاف بإظهار الدين الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو شبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه (٢).
وقال: والحاصل أن المسلم لا يكون مظهراً لدينه، سواءٌ كان مسافراً
стр. 100
أو مقيماً، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، وهو الذي يفهم من كلام السلف. أما قول: يا كافر! وقولك: أوجدنا عليه دليلاً، ولو من تاريخ، أو غيره، فهذا لفظ لا يقول به أحد، ولا نعلم أحدا قال باشتراطه، لأنه مما لا مصلحة فيه حتى لو الداعي إلى الدين.
فإن الله قال لموسى وهارون، في حق من ادعى الربوبية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١)، بل يكتفي من ذلك بإظهار التوحيد، وإنكار الشرك والبراءة منهم، والتصريح لهم بذلك؛ والله أعلم. (٢)
قال الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: (وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك. إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال) (٣).
وأما مسألة بلد الكفر، وبلد الإسلام:
فقد سُئل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: عَنْ بَلَدِ «مَارِدِينَ» هَلْ
يُعَامَلُ المُسْلِمُ فِيهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُقَاتَلُ الْخَارِجُ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ (١).
قال الشيخ: عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: (مذهب الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجري عليها أحكام الكفر ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر، وما ظهر فيها هذا وهذا فقد أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان، فلا تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه، كما نقله عنه ابن مفلح وغيره (٢).
قال الشيخ: عبدالرحمن السعدي ﵀:
(قد ذكر أهلُ العِلم ﵏ الفَرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكُفَّار.
فبِلاد الإسلام: التي يحكمها المسلمون، وتجري فيها الأحكام الإسلامية،
стр. 103
ويكون النفوذ فيها للمسلمين، ولو كان جمهور أهلها كفاراً.
وبلاد الكفر ضدها، فهي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفر، ويكون النفوذ فيها للكفار. وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين، بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم، دار كفار؛ ولو كان بها كثير من المسلمين. وكل أحد يعرف ولا يشك أن العراق والبحرين وغيرهما من البلاد المجاورة ونحوها: من المستعمرات الإنجليزية، وأنهم لهم النفوذ والحكم بها، ولكنهم يدخلون في الكفار المهادنين، لما بينهم وبين المسلمين من الأمان في عدم تعدي أحدهما على الآخر، وارتباط التجارة، كما هو معروف لكل أحد ... (١)
وسئل فضيلة الشيخ: محمد بن عثيمين ﵀: بماذا تصير بلد الإسلام دار حرب، وهل الدول التي تحكم بالقانون الوضعي دار إسلام أم دار حرب، وما هو إظهار الدين في بلد الكفر؟
فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
دارُ الإسلام لا يمكن أن تكون دار حرب، إلا أن تكون حرباً على
стр. 104
أعداء الله، ودار الإسلام هي التي تُعْلَن فيها شعائر الإسلام، كالأذان وصلاة الجماعة وصلاة الجمعة وما أشبه ذلك، ويكون أهلها ينتمون إلى الإسلام مطبِّقون لشرائعه.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله فهذا قد يؤدي إلى الكفر، وقد يؤدي إلى ما دون الكفر، كما ذكر الله في سورة المائدة: الكافرون، والظالمون، والفاسقون، حسب ما تقتضيه حال هذا الذي حَكَمَ بغير ما أنزل الله، وإذا قدر أنه وصل إلى درجة الكفر فإنه لا يغير دار الإسلام ما دام أهلها مسلمون كارهين لما عليه هذا الحاكم.
وأما إظهار الدين في دار الكفر، فدار الكفر إذا كان الإنسان لا يستطيع إظهار دينه فيها فإنَّه يجب عليه الهجرة منها، وإن كان يستطيع فإنَّه ينبغي أن يخرج منها؛ لأنَّ بقاءه فيها على خطر، فإذا كان في بلد الكفر يصلِّي ويتصدق ويقيم الجماعة والجمعة ولا أحد يمنعه من ذلك، فهذا قادر على إظهار دينه، لكن مع ذلك لا نُحبُّ له أن يبقى في دار الكفر (١).
قال العلامة: سليمان بن سحمان ﵀: وأما قولهم: ويسلمون على المسافرين: فنقول: اعلم يا أخي أنّا قد بينا فيما تقدم براءة المشايخ مما نسبه
стр. 105
عنهم هؤلاء المفترون من إباحة السفر إلى بلاد المشركين.
وأما السلام على المسافرين فقد بينا في مسألة الهجر, أن ذلك من باب التأديب والتعزير لأهل الذنوب والمعاصي, وأن ذلك مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدته, وأما إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته فليس بمشروع. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ.
إلى أن قال ابن سحمان: فإذا تحققت هذا، فقد هجر المشايخ المسافرين إلى بلاد المشركين مدة طويلة, فلما لم ينجع فيهم الهجر, ولم ينزجروا عن السفر, رأوا أن درأ المفسدة التي تفضي إلى المقاطعة والمدابرة والتباغض والتحاسد والشحناء أرجح من مصلحة الهجر, كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لا تقاطعوا, ولا تدابروا, ولا تباغضوا, ولا تحاسدوا, وكونوا عباد الله إخواناً» (١).
قال الشيخ العلامة: محمد بن صالح العثيمين ﵀:
[السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.
стр. 106
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك.
فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة وفيه إضاعة المال لأن الإنسان ينفق أموالاً كثيرة في هذه الأسفار.
أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.
وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة، وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن والحمد لله أصبحت بلاداً سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها).
وسئل ﵀ عن حكم الإقامة في بلاد الكفار؟
فأجاب ﵀: وأما الإقامة في بلاد الكفار فإن خطرها عظيم على دين الإسلام، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فساقاً، وبعضهم رجع مرتداً عن دينه وكافراً به وبسائر الأديان ـ والعياذ بالله ـ حتى صاروا إلى
стр. 107
الجحود المطلق والإستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك.
فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسين:
الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم مبتعداً عن موالاتهم، ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم، مما ينافي الإيمان بالله قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١) الآية
وقال تعالى: ﴿ ... يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ
стр. 108
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١).
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «أن من أحب قوماً فهو منهم، وأن المرء مع من أحب».
ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطراً على المسلم لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي ﷺ : «من أحب قوماً فهو منهم».
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة، لوجوب الهجرة حينئذ، قال في «المغني» (ص ٤٥٧ ج ٨) في الكلام على أقسام الناس في الهجرة: أحدها من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه من إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه
стр. 109
الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ا. هـ.
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفار إلى أقسام:
القسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال ﷺ : «بلغوا عني ولو آية».
стр. 110
القسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذر الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضاً لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه، لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامة، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عيناً للمسلمين؛ ليعرف ما يدبروه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل