٢٥٧ - حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يَحْيى بن مَعِين، وقال: حدَّثنا هِشام بن يوسف قاضي صَنْعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن موسى بن عُقْبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ قال: لما خرج طَلْحةُ، والزّبير، وعائِشة ﵃؛ عرضوا الناس بذَاتِ
стр. 1158
عِرْق، واستَصغَروا عروة بن الزُّبَيْر وأبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هِشام فرَدُّوهما (١) (٤: ٤٥٣).
ثم دخلت سنة ست وثلاثين نزول أمير المؤمنين ذا قار
٢٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، في محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما نزل عليٌّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وأرسل الحسنَ بن على وعمارًا بعد ابن عباس والأشتر، فخفّ في ذلك الأمر جميعُ من كان نَفر فيه، ولم يقدُم فيه الوجوه أتباعَهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البرّ ونصفهم في البحر، وخفّ مَن لم ينفر فيها ولم يعمل لها. وكان على طاعته ملازمًا للجماعة فكانوا أربعة آلاف، فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن عمرو، وسعْر بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب. وكان رؤساء النّفّار: زيد بن صُوحان، والأشتر مالك بن الحارث، وعديّ بن حاتم، والمسيّب بن نَجَبَة، ويزيد بن قيس ومعهم أتباعهم وأمثال لهم ليسوا دونهم إلَّا أنهم لم يؤمّروا؛ منهم حُجْر بن عديّ، وابن مَحْدُوج البكريّ، وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم. فبادروا في الوقعة إلا قليلًا، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاعَ بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا بن الحنظليّة - وكان القعقاع من أصحاب النبي ﷺ فادعُهما إلى الألْفة والجماعة، وعظِّم عليهما الفُرْقَة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة منّي؟ فقال:
стр. 1159
نلقاهم بالّذي أمرتَ به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرّأي وكلّمناهم على قدر ما نَسْمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاعُ حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة ﵂ فسلّم عليها، وقال: أي أمَّهْ؛ ما أشخصك وما أقدمكِ هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّ، إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزّبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أمَّ المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: مُتابعان، قال: فأخبراني ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنُصلحن، ولئن أنكرناه لا نُصلح. قالا: قتلة عثمان ﵁، فإنّ هذا إن تُرك كان تَرْكًا للقرآن؛ وإن عمِل به كان إحياء للقرآن. فقال: قد قَتَلْتُما قتلةَ عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قَتْلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمئة إلّا رجلًا، فغضب لهم ستة آلاف. واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الّذي أفلتَ -يعني: حرقوص بن زُهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رِجْل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون؛ وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالّذي حذِرتم وقرِبتم به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكرهون؛ وأنتم أحميتم مُضَر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نُصرةً لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدَث العظيم والذنب الكبير. فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التّسكين، وإذا سكن اختُلِجُوا، فإن أنتم بايعتمونا؛ فعلامةُ خير، وتباشير رَحْمة، ودرَكٌ بثأر هذا الرّجل، وعافية، وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرَة هذا الأمر واعتسافه؛ كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هَزاهِزهَا، فآثروا العافية؛ ترزقوها، وكونوا مَفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرَّضوا له فيصرعنا وإياكم. وايم الله إني لأقول هذا، وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألّا يتمّ حتى يأخذ الله حاجتَه من هذه الأمة التي قل متاعُها، ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذي حدَث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرّجل الرّجل، ولا النّفر الرجلَ، ولا القبيلة الرجلَ.
فقالوا: نعم إذًا! قد أحسنت وأصبت المقالةَ؛ فارجع فإن قَدم عليٌّ وهو على
стр. 1160
مثل رأيك صلَح هذا الأمر. فرجع إلى عليّ فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصّلح؛ كَرِه ذلك مَن كرهه، ورضيَه مَنْ رضيه.
وأقبلت وُفود البصرة نحو عليّ حين نزل بذي قار، فجاءت وفود تميم وبكْر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أيّ حال نهضوا إليهم، وليعلِموهم أنّ الذي عليه رأيُهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالٌ علَى بالٍ. فلمّا لقُوا عشائرَهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرُهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثلَ مقالتهم، وأدخلوهم على عليّ فأخبروه خبرَهم؛ سأل عليٌّ جرير بن شرِس عن طلحة والزّبير، فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثّل له:
ألا أَبْلغ بَني بَكْرٍ رَسولا ... فَلَيسَ إلى بَني كَعب سَبيلُ
سَيَرْجِعُ ظُلْمَكُمْ مِنْكُمْ عَلَيكُم ... طَويلُ الساعِدَينِ له فُضولُ
وتمثّل عليٌّ عندها:
ألَمْ تَعْلمْ أَبا سِمْعانَ أنَّا ... نَرُدُّ الشَّيخَ مِثلَكَ ذا الصُّداعِ!
ويَذْهَلُ عَقْلهُ بالحربِ حَتى ... تقومَ فيَسْتجيبَ لِغَيرِ داعِ
فدافَعَ عن خُزاعَةَ جَمْعُ بَكْرٍ ... وما بك يا سُراقَةُ مِنْ دِفاعِ
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: فأرسل عمران بن حُصين في الناس يخذّل من الفريقين جميعًا، كما صنع الأحنف، وأرسل إلى بني عديّ فيمن أرسل، فأقبل رسولُه حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إنّ أبا نُجَيد عمران بن الحُصين يقرئكم السلام، ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حَضَن مع أعنُز خضْر وضأن، أجزُّ أصوافها، وأشرَب ألبانَها أحبُّ إليّ من أن أرميَ في شيء من هذين الصفين بسهم. فقالت بنو عديّ جميعًا بصوت واحد: إنا والله لا نَدَع ثقلَ رسول الله ﷺ لشيء. يَعنُون: أمّ المؤمنين.
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: وأهل البصرة فِرَق: فرقة مع طلحة، والزبير، وفرقة مع عليّ، وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين، وجاءت عائشة ﵂ من منزلها الذي كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحُدّان في الأزْد، وكان القتال في ساحتهم، ورأس الأزد يومئذ صَبْرة بن شَيْمان، فقال له كعب بن سور: إنّ الجموع إذا تراءَوا لم تستطع، وإنما هي
стр. 1161
بحور تَدفَّق، فأطِعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف ألّا يكون صُلح، وكن وراءَ هذه النطفة، ودع هذين الغارَين من مُضَر وربيعة، فهما أخَوان، فإن اصطلحا فالصّلح ما أردنا، وإن اقتتلا كنا حكَّامًا عليهم غدًا - وكان كعبٌ في الجاهليَّة نصرانيًّا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانيَّة؛ أتأمرني أن أغيبَ عن إصلاح بين الناس، وأن أخذُل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردّوا عليهم الصلح، وأدَع الطلبَ بدم عثمانَ! لا والله لا أفعلُ ذلك أبدًا، فأطبق أهلُ اليمن على الحضورِ (١). (٤: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩/ ٤٩٠ تكملة ٥٠٢/ ٥٠٣ / ٥٠٤).
٢٥٩ - وأما الذي يرويه المحدّثون من أمر الأحنف، فغير ما رواهُ سيفٌ عمن ذكر من شيوخه. والذي يرويه المحدّثون من ذلك ما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت حُصينًا يذكر عن عمرو بن جأوان، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينةَ ونحن نريد الحجّ، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا؛ إذ أتانا آتٍ، فقِال: قد فزِعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نَفر في وسط المسجد، وإذا عليّ، والزّبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، وإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان؛ فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مُلَيئة له صفراء قد قنَّع بها رأسه، فقال: أهاهنا عليّ؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا الزُّبَيْر؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو؛ أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: من يبتَعْ مِرْبد بني فلان؛ غفر الله له! فابتعتُه بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفًا، فأتيتُ النبيّ ﷺ فقلت: يا رسولَ الله! قد ابتعته، قال: "اجعله في مسجدنا وأجرُهُ لك"! قالوا: اللهمّ نعم، وذكر أشياء من هذا النوع. قال الأحنف: فلقيتُ طلحةَ والزّبير فقلتُ: من تأمُراني به، وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرّجل إلّا مقتولًا، قالا: عليّ؟ قلتُ: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم، فانطلقتُ حتى قدِمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتلُ عثمان ﵁ وبها عائشة
стр. 1162
أمّ المؤمنين ﵂، فلقيتُها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: عليّ، قلتُ: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم؛ فمررتُ على عليّ بالمدينة فبايعتُه، ثمّ رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلّا قد استقامَ، قال: فبينا أنا كذلك، إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة، وطلحة، والزّبير قد نزلوا جانب الخُرَيبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دَم عثمان ﵁، فأتاني أفظعُ أمر أتاني قطّ! فقلت: إنّ خذْلاني هؤلاء ومعهم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ لَشديد، وإنّ قتالي رجلًا ابن عمّ رسول الله ﷺ قد أمروني ببيعته لشديد. فلما أتيتهم قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان ﵁، قُتل مظلومًا؛ فقلت: يا أمّ المؤمنين! أنشدك بالله أقلتُ لك: مَن تأمريني به؟ فقلت: عليّ؟ فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم! قالت: نعم! ولكنه بدّل. فقلت: يا زُبير يا حواريّ رسول الله ﷺ يا طلحة! أنشدكما الله، أقلتُ لكما: ما تأمراني؟ فقلتما: عليّ. فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم! قالا: نعم! ولكنه بدّل. فقلتُ: والله لا أقاتِلُكم ومعكم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ولا أقاتِل رجلًا ابن عمّ رسول الله ﷺ ، أمرتموني ببيعته؛ اختاروا مني واحدة من ثلاث خِصال: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجِم حتى يقضيَ الله من أمره ما قضى، أو ألحق بمكة فأكون فيها حتى يقضي الله من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكونُ قريبًا. قالوا: إنا نأتمر، ثم نرسل إليك. فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسرَ ويخبرهم بأخباركم! ليس ذاكم برأي، اجعلوه هاهنا قريبًا حيث تطؤون على صِماخه وتنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، فاعتزل معه زُهاءٌ على ستة آلاف.
ثم التقى القوم فكان أوّل قتيل طلحة ﵁، وكعب بن سُور معه المصحف يذكِّر هؤلاء وهؤلاء، حتى قتل مَنْ قتل منهم، ولحق الزبير بسَفوان، من البصرة كمكان القادسيَّة منكم، فلقيه النَّعِر؛ رجل من مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواريّ رسول الله ﷺ ؟ إليّ فأنت في ذمتِي لا يوصَل إليك؛ فأقبل معه؛ فأتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزُّبَيْر قد لقي بِسَفوان فما تأمر؟ قال: جمَع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته، فسمعه
стр. 1163
عمير بن جُرموز وَفضَالة بن حابس، ونُفيع؛ فركبوا في طلبه، فلقوه مع النَّعِر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزُّبَيْر وهو على فرس له يقال له ذو الخِمار، حتى إذا ظنّ أنه قاتِله نادى عمير بن جُرموز: يا نافع! يا فضالة! فحملوا عليه فقتلوه (١). (٤: ٤٩٧/ ٤٩٨ / ٤٩٩).
٢٦٠ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: معتمِر بن سليمان، قال: نبّأني أبي عن حصين، قال: حدَّثنا عمرو بن جأوان (رجل من بني تميم) وذاك أني قلت له: أرأيتَ اعتزال الأحنف ما كان؟ فقال: سمعت الأحنفَ يقول: أتيتُ المدينةَ وأنا حاجّ؛ فذكر نحوه. الحمد لله على ما قضى وحَكَم (٢)! (٤: ٤٩٩).
نزول علي الزاوية من البصرة
٢٦١ - حدَّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا أبو نعامة العدويّ عن حُجَير بن الربيع، قال: قال لي عمران بن حصين: سرْ إلى قومك أجمعَ ما يكونون، فقم فيهم قائمًا، فقل: أرسلَني إليكم عمران بن حصين صاحبُ رسول الله ﷺ ، يقرأ عليكم السلام ورحمةَ الله، ويحلف بالله الذي لا إله إلَّا هو! لأن يكون عبدًا حبشيًّا مجدَّعًا يرعَى أعنزًا حضنيّاتٍ في رأس جبل حتى يدركَه الموت أحبّ إليّ من أن يرمى بسهم واحد بين الفريقين؛ قال: فرفع شيوخُ الحيّ رؤوسهم إليه، فقالوا: إنا لا نَدَع ثقلَ رسول الله ﷺ لشيء أبدًا (٣).
стр. 1164
٢٦٢ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن فِطْر بن خليفة، عن منذر الثوريّ، عن محمد بن الحنفيّة، قال: أقبلْنا من المدينة بسبعمئة رجل، وخرج إلينا من الكوفة سبعة آلاف، وانضمّ إلينا مَن حولنا ألفان، أكثرهم بكر بن وائل، ويقال: ستة آلاف (١). (٤: ٥٠٥/ ٥٠٦).
خبر وقعة الجمل من رواية أخرى
٢٦٣ - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهيد، قال: سمعتُ أبا بكر بن عيّاش يقول: قال علقمة: قلت للأشتر: قد كنتَ كارهًا لقتل عثمان ﵁، فما أخرجكَ بالبصرة؟
قال: إنّ هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا -وكان ابن الزبير هو الذي أكره عائشةَ على الخروج- فكنت أدعو الله أن يلقِّيَنِيه، فلقيني كفّةً لكفّة، فما رضيت بشدّة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه فصرعتُه.
قلنا فهو القائل: (اقتُلوني ومالِكًا؟ ) قال: لا، ما تركته وفي نفسي منه شيء، ذاك عبدُ الرحمن بن عتّاب بن أسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرَعَني وصرعْتُه، فجعل يقول: "اقتُلُوني ومالِكًا"، ولا يَعلَمون مَن مالِك، فلو يعلمون؛ لقتلوني.
ثم قال أبو بكر بن عياش: هذا كتابك شاهده (٢). (٤: ٥٢٠).
٢٦٤ - حدّثني به المغيرة عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قلت للأشتر: حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن طلحة بن النضر، عن عثمان بن سليمان، عن عبد الله بن الزبير، قال: وقف علينا شابّ، فقال: احذَروا هذين الرّجلين؛ فذكره - وعلامة الأشتر: أنّ إحدى قدميه بادية من شيء يجدُ بها - قال: لما التقينا قال الأشتر: لما
стр. 1165
قصد لي سوّى رمحه لرِجلي، قلت: هذا أحمقَ، وما عسى أن يدرك مني لو قطعها ألستُ قاتلَه؟ !
فلما دنا مني جمع يديه في الرمح، ثم التمس به وجهي، قلتُ: أحدُ الأقران (١). (٤: ٥٢٠).
٢٦٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن جرير، قال: حدَّثني الزبير بن الخرّيت، قال: حدّثني شيخٌ من الحرَمين يقال له: أبو جُبير، قال: مررتُ بكعب بن سُور وهو آخذ بخِطام جملِ عائشة ﵂ يومَ الجمل، فقال: يا أبا جُبير! أنا والله كما قالت القائلة:
بُنَيَّ لا تبِنْ ولا تُقاتِلْ
فحدّثني الزبير بن الخرّيت، قال: مرّ به عليّ وهو قتيل، فقام عليه فقال: واللهِ إنك -ما علمتُ- كنتَ لصليبًا في الحقّ، قاضيًا بالعدل، وكيتَ وكيتَ؛ فأثنى عليه (٢). (٤: ٥٢٨).
٢٦٦ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي؛ قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، قال: حدّثني ابن عون، عن أبي رَجاء، قال: ذكروا يومَ الجمل فقلتُ: كأنّي أنظر إلى خِدْر عائشةَ كأنه قنفذ مما رُمِيَ فيه من النّبل، فقلت
стр. 1166
لأبي رجاء: أقاتلتَ يومئذ؟ قال: واللهِ لقد رميتُ بأسهم فما أدري ما صَنعْن (١). (٤: ٥٣٣).
بعثة الأشتر إلى عائشة بجَمل اشتراه لها وخروجها من البَصرة إلى مكّة
٢٦٧ - حدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، قال: لما فرغوا يوم الجمل أمرني الأشتر فانطلقت فاشتريتُ له جملًا بسبعمئة درهم من رجل من مَهْرة، فقال: انطلِق به إلى عائشة فقل لها: بعث به إليكِ الأشتر مالكُ بن الحارث، وقال: هذا عِوَض من بعيرك، فانطلقْت به إليها، فقلت: مالكٌ يقرئكِ السلام ويقول: إنّ هذا البعير مكان بعيرك؛ قالت: لا سَلّم الله عليه؛ إذ قتل يَعسوبَ العرب -تَعني: ابن طلحة- وصنع بابن أختي ما صنع! قال: فرددته إلى الأشتر، وأعلمتُه، قال: فأخرَج ذراعين شعراوين؛ وقال: أرادوا قتلي فما أصنع! (٢) (٤: ٥٤١/ ٥٤٢).
ما قال عمَّار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل
٢٦٨ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي عن سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: سمعت أبا يزيد المدينيّ يقول: قال عمّار بن ياسر لعائشة ﵂ حين فرغ القوم: يا أمّ المؤمنين! ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبو اليَقظان! قال: نعم، قالت: والله إنّك -ما علمتُ- قوّال بالحق؛ قال: الحمد لله الذي قضى لِي على لسانك (٣). (٤: ٥٤٥/ ٥٤٦).
стр. 1167
دعاء علي معاوية إلى الطاعة والجماعة
وفي هذه السنة مات قُدَامة بن مظعون، فيما زعم الواقديّ (١). (٤: ٥٧٦).
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين مقتل عمار بن ياسر
٢٦٩ - حدَّثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدَّثنا محمد بن فُضَيل، قال: حدَّثنا مسلم الأعور، عن حبّة بن جُوَين العُرَنيّ، قال: انطلقتُ أنا وأبو مسعود إلى حُذَيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحبًا بكما، ما خلّفتما من قبائل العرب أحدًا أحبّ إليّ منكما، فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله! حدَّثنا فإنا نخاف الفِتَن؛ فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سميّة، إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإنّ آخر رزقه ضَياح من لبن". قال حبّة: فشهدتُه يومَ صِفِّين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتِي بضَياح من لبن في قدَح أرْوح له حلقة حمراء، فما أخطأ حُذَيفة مقياسَ شعرة، فقال:
اليوم ألقى الأحبَّهْ ... محمّدًا وحزبَهْ
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر؛ لعلِمنا أنا على الحقّ وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسَل، والجنة تحت البارقة (٢). (٥: ٣٨/ ٣٩).
ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر
٢٧٠ - قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمَة بن كُهَيل، عن كثير بن بَهْز الحضرميّ، قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكمَ إلا لله، فقام آخرُ فقال مِثلَ ذلك، ثم تَوالى عدّة رجال يحكّمون، فقال عليّ: الله أكبر؛ كلمة حقّ يلتمس بها باطل! أما إنّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَه، ولا نمنعكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (١). (٥: ٧٣).
стр. 1181
٢٧١ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن سَميع الحنفي؛ عن أبي رَزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع عليّ من صفين رجعوا مُباينين له، فلمّا انتهوْا إلى النَّهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحَرُوراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كُفرك. فخطب النَّاس في صلاة الظهر، فذكر أمرَهم فعابه؛ فوثبوا من نواحِي المسجد يقولون: لا حُكمَ إلا لله. واستقبله رجل منهم. واضع إصبعيه فِي أذنيه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (١). (٥/ ٧٣ / ٧٤).
٢٧٢ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثَ بن أبي سُليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل عليّ يقلّب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حُكْمُ الله يُنتَظر فيكم مرّتين، إنّ لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتِلونا (٢). (٥: ٧٤).
٢٧٣ - حدّثني يعقوب، قال: حدّثني إسماعيل، قال: أخبرَنا أيُّوب عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ذَعِرًا يجرّ رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذَعَرْتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خبّاب
стр. 1182
صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ قالوا: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدِّث به عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنةً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبدَ الله المقتول -قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن يا عبد الله القاتل"- قال: نعم؛ قال: فقدّموه على ضِفّة النهر، فضربوا عنقَه، فسال دمُه كأنه شِراكُ نعل، وبَقَروا بطنَ أمّ ولده عمّا في بطنها (١). (٥: ٨١).
٢٧٤ - قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حُميد بن هلال: إنّ الخارجة التي أقبلتْ من البصرة جاءت حتى دنتْ من إخوانها بالنَّهر، فخرجتْ عِصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهدّدوه وأفزعوه، وقالوا له: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب صاحبُ رسول الله ﷺ ، ثم أهَوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا رَوْع عليك! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبيّ ﷺ ، لعلّ الله ينفعنا به! قال: حدّثني أبي، عن رسول الله ﷺ : "أنّ فتنة تكون، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ فيها بدنُه، يمسِي فيها مؤمنًا ويصبحُ فيها كافرًا، ويصبح فيها كافرًا ويمسِي فيها مؤمنًا"، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، [فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثَنَى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمانَ في أوّل خلافته وفي آخرِها؟ قال: إنه كان محقًّا في أوّلها وفي آخرها؛ قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشدّ تَوقِّيًا على دينه، وأنفَذُ بصيرةً. فقالوا: إنك تتّبع الهوى، وتُوالِي الرّجال على أسمائها لا على أفعالها]، والله لنقتلنّك قتِلة ما قتلناها أحدًا، فأخذوه فكَتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى مُتِمٌّ حتى نزلوا تحت نَخْل مَواقر، فسقطتْ منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلِّها، وبغير ثمن! فَلَفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمّة فضربَه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحبَ
стр. 1183
الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لَمُسلِم؛ ما أحدثتُ في الإسلام حَدَثًا، ولقد أمّنتموني، قلتم: لا رَوْع عليك! فجاؤوا به فأضجَعوه فذَبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبَلوا إلى المرأة، فقالت: إنّي إنما أنا امرأة، ألّا تتقون الله! فبَقَروا بطنَها، وقتَلوا ثلاثَ نسوةٍ من طيّئ، وقتلوا أمَّ سِنان الصيّداويّة، فبلغ ذلك عليًّا ومن معه من المسلمين مِن قتلهم عبد الله بن خبّاب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارثَ بن مرّة العبديّ ليأتيَهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتبَ به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليُسائلهم، فخرج القومُ إليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أميرَ المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! عَلام تَدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالِنا! سِرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سِرْنا إلى عدوّنا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن قيس الكِنْديّ فكلّمه بمثل ذلك. وكان الناس يَرَوْن: أن الأشعث يَرَى رأيَهم لأنه كان يقول يومَ صِفيّن: أنصفنَا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًّا بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعَبَر الجسر فصلّى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل ديرَ عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دَباها، ثم على شاطئ الفرات، فلقيَه في مسيره ذلك منجّم، أشار عليه بسير وقتٍ من النهار، وقال له: إن سرتَ في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرًّا شديدًا. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنَى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجِّم لقال الجهّال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجّم فظفر (١). (٥: ٨١/ ٨٢ / ٨٣).
стр. 1184
٢٧٥ - وممّا يصحِّحه أيضًا ما حدّثني به عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدّثني أبو مريم أن شَبَث بنَ رِبْعيّ وابن الكوّاء خرَجَا من الكُوفة إلى حَروراء، فأمر عليٌّ الناسَ أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئسَ ما صنعتمْ حين تدخلون المسجدَ بسلاحكم! اذهَبوا إلى جبّانة مُراد حتى يأتيَكم أمري.
قال أبو مريم: فانطلقْنا إلى جبانة مُراد فكنّا بها ساعة من نهار، ثم بلغَنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: ففلت: أنطلق أنا حتى أنظرَ إليهم، فانطلقت حتى أتخلّل صفوفَهم، حتى انتهيت إلى شَبَث بن رِبعيّ وابن الكوّاء وهما واقفان متورّكان على دابّتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونَهما الله لمّا رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجَلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل عليّ فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجَه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبُنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكُوفة كأنه يوم فِطْر أو أضحَى.
قال: وكان عليٌّ يحدّثنا قبل ذلك: أنّ قومًا يَخرجون من الإسلام يَمرُقون
стр. 1185
من الدين كما يَمرُق السهم من الرميّة، علامتهم رجل مخْدَج اليد. قال: وسمعتُ ذلك منه مرارًا كثيرة، قال: وسمعه نافع "المخدج" أيضًا حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوتُه بُرْنُسًا، فلقيته من الغد، فسألتُه: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حَرُوراء؟ فقال: خرجت أريدُهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيَني صِبيان فنزَعوا سلاحِي، وتلعّبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحوْل أو نحوه خرج أهل النّهر، وسار عليّ إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله: أن عليًّا سار إليهم حتى إذا كان حذاءَهم على شطّ النّهروان أرسل إليهم يناشدُهم اللهَ ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم، حتى قَتَلوا رسولَه، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتَلَهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدَج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجدهُ، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشّره وقال: يا أمير المؤمنين! قد وجدناه تحت قَتيلين في ساقِيَة. فقال: اقطَعوا يدَه المخدَجة، وائْتُوني بها، فلما أُتِي بها أخذَها ثم رَفَعها، وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذبتُ.
قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: "فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر": أنّ الحرب التي كانت بين عليّ وأهل حَرُوراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حَروراءَ على عليّ التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبلُ، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلومًا أنّ الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين (١). (٥: ٩١/ ٩٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة سبع وثلاثين- عبيد الله بن عبّاس، وكان عامل عليٍّ على اليَمَن ومخاليفِها. وكان على مكة والطائف قُثَم بن العبّاس، وعلى المدينة سهل بن حُنَيف الأنصاريّ، وقيل: كان عليها تمّام بن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود
стр. 1186
الدُّؤَليّ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خُراسانَ خليد بن قرّة اليربوعيّ.
٢٧٦ - وقيل: إن عليًّا لما شخص إلى صِفِّين استَخلَف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ؛ حدّثني أحمد بن إبراهيم الدّوْرقيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريس، قال: سمعتُ ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رُفَيع: أنه لما خرج عليّ إلى صِفيّن استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ عقبة بن عمرو. وأمّا الشام فكان بها معاوية بن أبي سُفْيان (١). (٥: ٩٢/ ٩٣).