Полный текст (6 167 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وكانت الوُلاة والعُمّال على الأمصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمّال والولاةَ في السنة التي قبلها (١) . (٥: ٢٢٩).
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
وحجّ بالناس في هذه السنة مَرْوانُ بن الحكم في قول عامة أهل السِّيرَ (٢) (٥: ٢٣١).
وكانت وُلاة الأمصار وعمّالُها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التي قبلَها (٣) . (٣: ٢٣١).
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فكان فيها مشتى مالك بن هُبيرة السَّكونيّ بأرض الروم. (٥: ٢٣٢) (٤) . الحواشي
(٦٢) وهذا يعني أنه كان آخر والٍ على مصر في عهد أمير المؤمنين معاوية والله تعالى أعلم.(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.(٤) عن زيادة بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة، قام فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار، والسكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم؛ فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيت النبي ﷺ قلتُ: أبايعك.
على الإسلام - فشرط عليّ والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني =стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لناصح لكم ثم استغفروا ثم ينزل (فتح الباري ١/ ١٦٨).
ثم عقب الحافظ على هذا الحديث قائلًا: كان المغيرة واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته عروة وقيل استناب جرير المذكور ولهذا خطب الخطبة المذكورة حكى ذلك العلائي في أخبار زياد ... وقال الحافظ: قوله (استعفوا أميركم) كذا في معظم الروايات بالعين المهملة، وفي رواية ابن عساكر (استغفروا) بغين وزيادة راء وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج (فتح الباري ١/ ١٦٩).
قلنا: وهذه لروايه عند ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٧/ ٤٥ ب).
(ولاية زياد على الكوفة)
قلنا: وأما جمع العراق لزياد في عهد معاوية فصحيح ولا خلاف فيه بين أئمة التاريخ أضف إلى ذلك أن خليفة بن خياط قد أخرج رواية في هذه الولية من طريق الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه قالا: وجمعت العراق لزياد سنة خمسين فكان على شرطه بالبصرة عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع، وعلى شرطه بالكوفة شداد بن الهيثم الهلالي، وكاتب الخراج زاذان فروخ وكاتب المرسائل عبد الرحمن بن أبي بكرة وجبير بن حية، وحاجبيه مهران مولاه ومات وهو ابن ثلاث وخمسين (تأريخ خليفة / ٢١٢).
وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٣٧): وأمر زياد على العراقَيْن البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين اهـ.
وأما عن مسألة استلحاق معاوية لزياد فقد قال الحافظ في الفتح: وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت زيادًا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولده، فاستلحقه وزوج ابنه ابنته، وأمر زيادًا على العراقين البصرة والكوفة، جمعهما له ومات سنة ثلاث وخمسين (الفتح ٧/ ٦٣٧) وراجع صحيح مسلم (١/ ٨٠).
والمسند (١/ ٢٥ - ٢٦) والفتح (١٢/ ٥٣).
- سمرة بن جندب أمير البصرة -
لقد عمل الصحابي الجليل سمرة بن جندب أميرًا على البصرة أيام الخليفة الأموي معاوية ﵁ وكان شديدًا على الخوارج الحرورية الذين خسروا معركتهم أما جيش سيدنا علي في النهروان ولقد أثنى عليه علماء التابعين كالحسن البصري وابن سيرين وغيرهم أما المبتدعة الحاقدين كالخوارج ومن على شاكلتهم فقد لفقوا أكاذيب كثيرة حول سيرته ولم نجد رواية صحيحة السند تؤكد أن سمرة سفك دماء المسلمين سوى الخوارج الذين أعلنوا =стр. 1228
[خروج قريب وزحّاف]
٢ م- حدّثني عمر قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جَرير، قال: حدَّثنا غسّان بن مضرَ، عن سعيد بن زيد، قال: خرج قَريب وزحّاف، وزياد بالكُوفة، وسَمُرة بالبصرة، فخرجا ليلًا، فنزلا بني يشَكر، وهم سبعون رجلًا، وذلك في رمضان، فأتوا بني ضبَيعة وهم سسبعون رجلًا، فمرّوا بشيخ منهم يقال له حكّاك، فقال حين رآهم: مرحبًا بأبي الشَّعْثاء! فرآه ابن حُصين فقتَلوه وتفرّقوا في مساجد الأزْد، وأتت فرقةٌ منهم رَحْبة بني عليّ، وفرقة مسجدَ المعادل، فخرج عليهم سيفُ بن وَهْب في أصحاب له، فقتَل مَنْ أتاه، وخرج على قَريب وزحّاف شبَابٌ من بني عليّ وشبابٌ من بني راسب، فرمَوْهم بالنَّبل، قال قريب: هل في القوم عبدُ الله بن أوس الطاحيّ؟ وكان يناضله؛ قيل: نعم؛ قال: فهلمّ إلى البراز؛ فقتله عبدُ الله وجاء برأسه، وأقبل زيادٌ من الكوفة فجعل يؤنِّبه، ثم قال: يا معشر طاحِيةً، لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتُكم إلى السجن. قال: وكان قَريبُ من إياد، وزخاف من طَيّئ، وكانا ابني خالة، وكانا أوّل من خرج بعد أهل النَّهر.
قال غسّان: سمعت سعيدًا يقول: إنّ أبا بلال قال: قريب لا قرّبه الله، وايمُ
الحواشي
(١) = الحرب على إمامة المسلمين منذ عهد أمير المؤمنين علي ﵁.
ولقد أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب من طريقين عن طريق (أحمد بن حنبل) أحدهما قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الصمد ثنا أبو هلال ثنا عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: كان سمرة ما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث - يحب الإسلام وأهله - وأخرجه ابن عبد البر كذلك من طريق عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ثنا محمد بن علي بن مروان عن أحمد بن حنبل به (الاستيعاب / ٢/ ٢١٤).
وقال ابن الأثير الجزري: وكان شديدًا على الخوارج وكان إذا أتي بواحد منهم قتله، ويقول شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء فالحرورية ومن قاربهم في مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه (أسد الغابة ٢ / ت ٢٢٤٣).
ولقد تحدثنا عن هذا الصحابي الجليل بالتفصيل في قسم الضعيف (٥/ ٢٣٧).стр. 1229
الله لأن أقع من السماء أحبّ إليّ من أن أصنع ما صنع -يعني الاستعراض (١) . (٥: ٢٣٧/ ٢٣٨).
٣ م- حدّثني عمر، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدّثني وهب، قال: حدّثني أبي أن زيادًا اشتدَّ في أمر الحرورّية بعد قَريب وزحّاف، فقتلهم وأمر سَمُرة بذلك، وكان يستخلفه على البَصرة إذا خرج إلى الكوفة، فقتل سَمُرة منهم بَشَرًا كثيرًا (٢) . (٥: ٢٣٨).
فتح إفريقية وبناء القيروان
وكان معاوية بن أبي سفيان قد بعث قبل أن يولي مسلمة مصر وأفريقية الحواشي
(١) رجاله ثقات وأخرجه خليفة بن خياط قال حدثنا وهب قال: حدثني غسان بن مضر قال: حدثني سعيد بن يزيد (تأريخ خليفة / ٢٢١)، مع ذكر بعض التفاصيل الأخرى والسند عند خليفة (سعيد بن يزيد) بدلًا من (سعيد بن زيد) وقال المحقق في الأصل زيد والتصويب من الحاشية.
قلنا: بل الأصوب ما كان في أصل المخطوطة (سعيد بن زيد) ويؤيد ذلك ما عند الطبري (سعيد بن زيد) وهو ثقة والله تعالى أعلم.
وأخرج خليفة بن خياط قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي عن جرير بن يزيد قال خرج قريب وزحاف في إمارة زياد في سبعين رجلًا. وذلك في شهر رمضان فأتوا بني ضبيعة وهم في مسجدهم فلقوا رجلًا منهم يقول له رؤبة بن المخبل فقتلوه قال وهب فحدثني الزبير بن الخريب عن أبي لبيد: أن رؤبة بن المخبل قال في العشية التي قتل في ليلتها في شيء حدَث به: -
إن كنت صادقًا فرزقني الله الشهادة قبل أن أرجع إلى بيتي. فلقوه تلك الليلة قبل أن يصل إلى منزله فقتلوه ثم أتوا مسجد بني قطيعة (تأريخ خليفة / ٢٢٠).
قلنا: إن كان الراوي جرير بن يزيد فهو ضعيف ولا نظنه هو لأمرين:
الأول: أن أصل المخطوطة كما ذكر المحقق هو كالآتي: (جرير بن زيد).
الثاني: أنه كذلك عند الطبري جرير بن زيد هذا ثقة وخليفة دمج هنا روايتين من طريق وهب، الرواية الأولى من طريق وهب عن أبيه عن جرير بن زيد ورجاله رجال الصحيح. والثاني من طريق وهب عن الزبير بن خريت عن أبي لبيدة ورجاله ثقات والله أعلم.- وهذا لا يعني أن جرير بن حازم لم يرو عن جرير بن يزيد الضعيف بل روى عنه كما سيأتي بعد قليل، وكما أخرج خليفة كذلك في مواضع أخرى والله أعلم.(٢) إسناده مرسل صحيح ويؤيده ما قبله.стр. 1230
عقبة بن نافع الفهري إلى إفريقية فافتتحها واختط قيروانها (١) . (٥: ٢٤٠).
وفي هذه السنة مات أبو موسى الأشعريّ، وقد قيل: كانت وفاة أبي موسى سنة اثنتين وخمسين (٢) . (٥: ٢٤٠). الحواشي
(١) قلنا: لقد ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد ونسب شطرًا منه إلى الواقدي وهو متروك إلا أن معناه صحيح فقد فتح القائد المسلم عقبة إفريقية واختط القيروان.
فقد قال خليفة في تأريخه: وفيها (أي: ٥٠ هـ) وجه معاوية عقبة بن نافع إلى أفريقية فخطّ القيروان وأقام بها ثلاث سنين ثم أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال لما افتتح عقبة بن نافع أفريقية وقف على القيروان فقال: يا أهل الوادي إنا جالّون إن شاء الله فاظعنوا -ثلاث مرات-. قال فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحت دابة، حتى يهبطن بطن الوادي ثم قال: انزلوا باسم الله (تأريخ خليفة / ٢١٠) ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو وهو صدوق. والله أعلم - وكذلك اختار الذهبي سنة (٥٠ هـ) للحديث عن هذه الواقعة فقال: وفيها أنفذ معاوية عقبة بن نافع إلى إفريقية فخط القيروان وأقام بها - (عهد معاوية / ٢٠).
ولم نجد اختلافًا بين المصادر التأريخية في نسبة فتح إفريقية وبناء القيروان إلى عقبة بن نافع في عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ وأرضاه - وانظر الاستيعاب (٣/ ١٠٧٦) وفتوح البلدان للبلاذري(٥٧٤) ونهاية الأدب (٢٠/ ٣٢٨).(٢) قلنا: وكذلك ذكر خليفة بن خياط وفاة أبي موسى ضمن أحداث سنة (٥٠ هـ) في الكوفة (تأريخ خليفة / ٢١١).
وكذلك ذكر الحافظ الذهبي وفاته ضمن وفيات سنة ٥٠ هـ (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٣٩).
قلنا: ولأبي موسى فضل سنّ سنة المصافحة كما أخرج أحمد في مسند (٣/ ١٥٥) عن أنس
قال: قال رسول الله ﷺ (يقدم عليكم غدًا قوم أرق قلوبًا للإسلام منكم) قال فقدم الأشعريون
فيهم أبو موسى فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبه ... محمدًا وحزبه
فلما أن قدموا تصافحوا فكانوا أول صن أحدث المصافحة، وإسناده صحيح وأخرجه أحمد (٣/ ١٠٥) وابن سعد (٤/ ١٠٦) عن أنس ﵁.
وأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق(٤٣١) عن سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف صاحب معاوية أن أبا موسى قدم على معاوية فنزل في بعض الدور بدفق فخرج معاوية من الليل يستمع قراءته. =стр. 1231
- ذكر هروب الفرزدق من زياد -
وفي هذه السنة كانت وفاةُ الحكمِ بن عمرو الغفاريّ بمَرْوَ منصرفَه من غزوة أهل جبل الأشهل (١) . (٥: ٢٥٠).
ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو (جبل الأشهل) وسبب هلاكه
٤ م- حدّثني عمر، قال: حدّثني حاتم بن قبَيصة، قال: حدَّثنا غالب بن سليمان، عن عبد الرحمن بن صُبْح، قال: كتب إليه زياد: والله لئن بقيتُ لك لأقطعنّ منك طابَقًا سحتًا، وذلك أنّ زيادًا كتب إليه لما وَرَد بالخبر عليه بما غنم: إنّ أمير المؤمنين كتب إلّي أن أصطفيَ له صفرأءَ وبيضاء والروائع فلا تحرّكنّ شيئًا حتى تخرِج ذلك.
فكتب إليه الحكم: أما بعد، فإنّ كتابَك ورد، تذكُر أنّ أمير المؤمنين كتب إليك أن أصطفيَ له كلَّ صفراءَ وبيضاء والروائع، ولا تحرّكَنّ شيئًا؛ فإن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه واللهِ لو كانت السموات والأرض رَتْقًا على عبد اتّقى الله جعل الله له مخرجًا.
وقال للناس: اغدوا على غنائمكم، فغدا الناس، وقد عزل الخُمْس، فقسم بينهم تلك الغنائم؛ قال: فقال الحكَم: اللهمّ إن كان لي عندَك خير فاقبضني؛ الحواشي
(١) قلنا: وكذلك ذكر خليفة بن خياط وفاته ضمن وفيات سنة (٥٠ هـ) (تأريخ خليفة / ٢١١).
وكذلك ذكره الذهبي ضمن وفيات سنة (٥٠ هـ).
وقال: للحكم صحبة ورواية ونزل البصرة وكان رجلًا صالحًا فاضلًا قد ولي غزو خراسان فسباهم وغنم وتوفي بمرو - وقال أيضًا وكان محمود السيرة توفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة خمسين (عهد معاوية / ٤١)، وانظر طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨، ٢٩).
(صفة الصفوة ١/ ٦٧٢).стр. 1232
فمات بخُراسان بمَرْو (١) . (٥: ٢٥١/ ٢٥٢).
- ثم دخلت سنة إحدى وخمسين -
ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان
وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيدُ بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربيّ (٢) . (٥: ٢٨٦). الحواشي
(١) في إسناده حاتم بن قبيصة مجهول الحال، والحديث رواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأريخ قال حدثنا سليمان بن حرب قال ثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن الحسن قال: غنم الحكم بن عمرو بخراسان غنائم فيها ذهب وفضة، فكتب زياد أو ابن زياد أن أمير المؤمنين كتب أن أستصفي كل صفراء وبيضاء. قال فقال الحكم: لو أن السموات والأرض كانتا رتقًا على رجل فاتقى الله لجعل الله له من ذلك مخرجًا. قال فدعا القوم فقسم بينهم غنائمهم. قال الحسن: فمات الحكم في الطريق ولم يلتق به (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٥).
قلنا: ورجال إسناده رجال الصحيح - وهذه الرواية لم تذكر الزيادة التي أخرجها الطبري من طريق حاتم بن قبيصة (كتب زياد والله لئن بقيت لك لأقطعن منك طابقًا سحتًا).
وأخرج البلاذري قال: وحدثني أبو عبد الرحمن الجعفي قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل من أهل الصغانيان كان يطلب معنا الحديث أتدري من فتح بلادك؟ قال: لا.
قال: فتحها الحكم بن عمرو الغفاري (فتوح البلدان / ٥٧٧).
وقال الحافظ ابن حجر: والصحيح أنه لما ورد عليه كتاب زياد بالعتاب دعا على نفسه فمات (الإصابة ٢/ ٩٣ / ت ١٧٨٩).
وأخرج ابن عساكر عن قتادة: لما انتهى الحكم بن عمرو إلى زياد كتب بذلك إلى معاوية وجعل كتاب الحكم في جوب كتابه .. الخبر) وفي آخره قال معاوية: (أتأمروني أن أعمد إلى رجل آثر كتاب الله على كتابي وسنة رسول الله ﷺ على سنتي فأقطع يديه ورجليه؟ بل أحسن وأجمل وأصاب فكانت هذه مما يعد من مناقب معاوية) (مختصر تأريخ ابن عساكر / ترجمة معاوية / ٥٢).(٢) قلنا: أما زياد وشريح وعميرة بن يثربي فقد سبق أن ذكرنا ذلك، وأما سعيد بن العاص فقد ذكر الحافظ ابن كثير من طريق سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: رأبت الحسين بن علي قدم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن، وقال: لولا أنها سنة ما قدمته (البداية والنهاية ٨/ ٤٦). =стр. 1233
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين
كانت عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال عليها الذين كانوا في سنة إحدى وخمسين (١) (٢٨٧: ٥).
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين
ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي
وفي هذه السنة كانت وفاة الرّبيع بن زياد الحارِثيّ، وهو عامل زِياد على خُراسان (٢) . (٥: ٢٩١).
وكان العامل فيها على المدينة سعيدَ بن العاص، وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سمُرة بن جندب، وعلى خُراسانَ خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ (٣) . (٥: ٢٩٢). الحواشي
(١) صحيح.(٢) ذكر الطبري وفاته ضمن أحداث سنة(٥٣) هـ ولكن الذهبي ذكر وفاته ضمن أحداث سنة(٦٠) هـ وقال: ولي خراسان لمعاوية وكان الحسن البصري كاتبًا له.
وذكر الذهبي عن أبي أحمد الحاكم في (الكنى) قوله: لما بلغ الربيع بن زياد مقتل حجر بن عدي دعا فقال: اللهم إن كان للربيع بن زياد عندك خير فاقبضه إليك وعجّل فزعموا أنه لم يبرح من مجلسه حتى مات ﵀ (عهد معاوية / ٢٠٦).
قلنا: وإن صح هذا فهذا يعني أن اختيار الطبري أقرب في أن الربيع توفي سنة ٥٣ هـ والله أعلم.(٣) صحيح.
- ذكر عزل معاوية سعيدًا واستعمال مروان -
ذكر الطبري عدة روايات في سبب هذا العزل ولكنها معضلة الإسناد أو في إسنادها مبهم وفي بعضها نكارة وذكرناها جميعًا في قسم الضعيف.
وأما بالنسبة لتعاقب سعيد بن العاص ومروان بن الحكم على ولاية المدينة فقد سبق وأن =стр. 1234
وكان على المدينة في هذه السنة مَرْوانُ بن الحَكَم، وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد؛ وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبدُ الله بن عَمرو بن غَيلان (١) . (٥: ٢٩٨).
ثم دخلت سنة ست وخمسين
(ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد)
وفيها دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد (٢) . الحواشي
(١) صحيح.(٢) أخرج الطبري أربع روايات في هذه المسألة أسانيدها ضعيفة جدًّا وسنذكر هنا أصح ما ورد في الباب (وإن كان فيه مقال والله أعلم).
١ - أما معاوية ﵁ فقد أجمع أهل الحل والعقد على بيعته أميرا للمؤمنين بعد أن صالحه سيدنا الحسن بن علي ﵄ وسلّم له الخلافة ولم يكن ببال معاوية في بداية حكمه أن يولي ابنه يزيد ولكن تولدت في ذهنه هذه الفكرة فيما بعد فقد ذكر الحافظ ابن كثير عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أمري قلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمر من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة إما كريم قريش سعيد بن العاص، وإما فتى قريش حياء ودهاء وسخاء، عبد الله بن عامر وإما الحسن بن علي فرجل سيد كريم وإما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله الشديد في حدود الله مروان بن الحكم وإما رجل فقيه عبد الله بن عمر، وإما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير (البداية والنهاية ٨/ ٨٨).
قلنا: وعبد الملك وقبيضة كلاهما ثقة فإن صحّ هذا يعني أن أمير المؤمنين معاوية ﵁ كان لا يفكر في تولية ابنه يزيد حتى وفاة الحسن بن علي ﵁ لأن سياق الرواية يدل على أن الحسن كان حيًّا في حينه.
٢ - وعلى ما يبدو (والله أعلم) فإن مشاركة ابنه يزيد مع كبار الصحابة في غزو القسطنطينية =стр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ونجاحه في بعض مهامه المناطة به وخاصة بعد وفاة الحسن دفعت معاوية ﵁ إلى التفكير في تولية زياد الحكم من بعده واستتباب الأمور له قبل أن يتوفاه الله ظنًّا منه أن كلمة المسلمين ستجتمع على ابنه يزيد وينعم المجتمع الإسلامي بالأمن فاجتهد معاوية ﵁ فاختار ابنه يزيد للخلافة من بعده ولكن اجتهاده هذا كان مرجوحًا لأنه بذلك أحدث شرخًا كبيرًا بتعطيله ركنًا أساسيًا من أركان السياسة الشرعية وأعني ركن الشورى والله أعلم - ونحن لا نظن بصحابة رسول الله ﷺ إلا خيرًا فنقول: أراد أمير المؤمنين معاوية أن يجمع أمر المسلمين من بعده على رجل أنسب للحكم فوجد ابنه الرجل المناسب فاجتهد فلم يصب في اجتهاده وخالف الشورى فلم يأخذ برأي أهل الحل والعقد قبل أن يعلن عن اجتهاده هذا، نعم هذا ما نظنه في معاوية ﵁ وإن كنا أمرنا باجتناب الظن. فاجتنابنا للظن في حق الصحابة أولى ولم ترد رواية صحيحة السند تبين أن معاوية أراد شرًّا بالمسلمين حين ولاهم ابنه من بعده ولا يستبعد أن يكون لعاطفة الأبوة دور في ذلك الاختيار ولكن لا دليل على ذلك ولقد ذكر ابن كثير فقال:
ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته وكان ظن أن لا يقوم أحد من الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به:
إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا.
٣ - ولقد قلنا في بداية حديثنا هذا أن الروايات التي تتحدث عن أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد لا تخلو أسانيدها من مقال ولكن أعرضنا عن الروايات الضعيفة الأسانيد جدًّا وسنذكر أقلها ضعفًا أي أصحّ ما علمنا في الباب والله أعلم. فلقد أخرج خليفة:
حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: نا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حجَّ فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدِمَ معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحقُّ بهذا الأمر منه، ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافَهُ، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنتَ تحدثني أنك لا تحب أن تَبيت ليلةً سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تَشُقَّ عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذِّرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل. =стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوَدِدتَ أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لترُدّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنَّها عليك جذعة ثم وثب فقام.
فقال معاوية: اللهم اكفنيه بمَا شئت، ثم قال: على رِسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام - فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك - حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير إنما أنت ثعلب روَّاغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كلنت قد مللتَ الإمارة فاعتزلها، وهلُمَّ ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ ! لا نجمع البيعة لكما والله أبدًا.
ثم قام، فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عواز، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد! قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: منه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام. (تأريخ خليفة / ٢١٣، ٢١٤).
قلنا: ورجال هذا الإسناد رجاله الصحيح سوى النعمان بن راشد وهو صدوق سيئ الحفظ.
٤ - وأما ما ورد من تهديد سيدنا معاوية لأعيان الصحابة (العبادلة الأربعة) وممارسة التخويف والضغط فلا يصح إسناده ومن ذلك ما أخرجه خليفة من طريق جويرية بن أسماء قال: (سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية ... الخبر) وهذا يعني أن في الإسناد مجاهيل فكيف نعتمد عليها في الاحتجاج والله أعلم.
٥ - ولعل من قائل يقول إذا كان هذا الأمر المستحدث (ولاية العهد لابن الخليفة) مخالفًا لأصول السياسة الشرعية المتبعة في عهد الخلافة الراشدة فلماذا بايع عدد من الصحابة ليزيد وفي مقدمتهم فقيه الصحابة عبد الله بن عمر؟
قلنا: إنهم فعلوا ذلك اعتمادًا على أصل من أصول السياسة الشرعية ألا وهو الأخذ بالمصلحة الشرعية الراجحة عند (خوف الفتنة) وافتراق الأمة، كما أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: نا سفيان عن محمد بن المنكدر. قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرًا رضينا وإن كان بلاءً صبرنا - (تأريخ خليفة / ٢١٧). =стр. 1237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح- وفي رواية أخرى أخرجها خليفة أوضح من سابقتها إذ قال خليفة:
وحدثنا عبد الرحمن قال: نا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، أرأيتم بابًا لو دخل فيه أمة محمد وسِعهم، أكانَ يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ ! قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتيك من الحياء إلا خير" (تأريخ خليفة / ٢١٧).
قلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير داود بن عبد الله الأودي وهو ثقة، مجدع الأطراف (البداية والنهاية ٨/ ٨٣).
قلنا: وإن كان إسناد هذا القول إلى معاوية صحيحًا فهو بيت القصيد وفي رواية أخرى ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٨٧) عن ابن سيرين وقال رجاله رجال الصحيح وخلاصته أن عمرو بن حزم الأنصاري استأذن على معاوية ثم دار بينهم حوار حول من الأولى بالحكم بعد معاوية هل أبناء الصحابة المعروفون ومنهم علية القوم الذين نالوا شرف الصحبة حين كانوا في مقتبل عمرهم (كعبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر).
وتحدث معه عمرو بكل صراحة ووضوح أداءً منه لفريضة النصح لإمام المسلمين وعامتهم وتقبل معاوية هذا النصح الجريء وأبدى قناعاته قائلًا (وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحق من أبنائهم).
قلنا: وهذا يعني أنه ﵁ كان يرى ابنه أولى بالحكم منهم وبالإضافة إلى حرصه على جمع المسلمين على رجل من بعده يحفظ للأمة المسلمة أمانها وأمنها فوقع اختياره على ابنه يزيد ولم يصب في اجتهاده.
وكان معاوية يدعو ربه قائلًا (اللهم إن كنت تعلم أني وليته لأنه فيما أراه أهلًا لذلك، فأتم له ما وليته وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتم ما وليته).
ولقد بيّن الإمام الذهبي اسم هذا الصحابي الذي روى عنه حميد بن عبد الرحمن الحميري إذ قال الذهبي ﵀: وقال حميد بن عبد الرحمن: دخلنا على بشير وكان صحابيًّا حين استخلف يزيد فقال: يقولون إنما يزيد ليس بخير أمة محمد ﷺ وأنا أقول ذلك، ولكن يجمع الله أمة محمد أحب إليّ من أن تفترق. (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٦٩). =стр. 1238
ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان
وكان العامل على المدينة في هذه السنة مَرْوان بن الحكم، وعلى الكوفة الضحّاك بن قيس، وعلى البَصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى خُراسان سعيد بن عثمان (١) . (٥: ٣٠٤)
- ثم دخلت سنة سبع وخمسين -
وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحّاك بن قيس، وعلى البصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى خُراسان سعيد بن عثمانَ بن عفّان (٢) . (٥: ٣٠٨)
ذكر قتل عروة بن أديّة وغيره من الخوارج
وفي هذه السنة اشتدّ عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعةً كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أديّة، أخو أبي بلال مرداس بن أدَيّة. الحواشي
(١) صحيح.(٢) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة / ٢٢٤).стр. 1239
* ذكر سبب قتله إيّاهم:
٥ م- حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عيسى بن عاصم الأسديّ، أنّ ابن زياد خرج في رِهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أديّة أخو أبي بلال، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كنَّ في الأمم قبلنا، فقد صِرْن فينا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وخَصْلتين أخريين لم يحفظهما جرير. فلما قال ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يجترئ على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام ورَكِب وتَرك رِهانه، فقيل لعُرْوة: ما صنعتَ! تعلمنَّ والله ليقتلنّكَ، قال: فتوارى، فطَلَبه ابنُ زياد، فأتى الكُوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطِعتْ يداه ورِجْلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: أرَى أنك أفسدتَ دنيايَ وأفسدتُ آخرتَك؛ فقَتَله، وأرسل إلى ابنته فقتلها (١) . (٥: ٣١٢/ ٣١٣).
٦ م- حدّثني عمر، قال: حدَّثنا زُهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: حدّثني يونس بن عبيد؛ قال: خرج مِرداس أبو بلال -وهو من بني ربيعة بن حنظلة- في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فبعث إليهم ابنُ زياد جيشًا عليهم ابن حصن التميميّ، فقتلوا في أصحابه وهزموه، فقال رجلٌ من بني تَيم الله بن ثعلبة:
أَألَفا مُؤْمِنٍ منكم زَعمتمْ ... ويَقتُلُهمْ بآسَكَ أَربَعونا
كذبتُمْ ليس ذاك كما زَعمتمْ ... ولكِنّ الخوارجَ مؤمِنونا
هي الفِئةُ القليلة قد عَلمتُمْ ... على الفِئةِ الكثيرة يُنْصَرُونا
قال عمر: البيت الأخير ليس في الحديث، أنشدنيه خلّاد بن يزيدَ الباهليّ (٢) . (٥: ٣١٣/ ٣١٤).
وكان الوالي على المدينة الوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بَشير، وعلى قضائها شُرَيح، وعلى البَصرة عُبيد الله بن زياد، وعلي قضائها هشامُ بن هُبيرة، وعلى خُراسانَ عبدُ الرحمن بن زياد، وعلى سجِستَان الحواشي
(١) رجاله ثقات.(٢) رجاله ثقات.стр. 1240
عبّاد بن زياد، وعلى كَرْمان شريك بن الأعور من قِبَل عُبيد الله بن زياد (١) . (٥: ٣٢١).
ثم دخلت سنة ستين
قال الطبري: ففي هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة بن أبي أمية رودس (٥/ ٣٢٢) ولكنه لم يذكر في ذلك رواية (٢) .
ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان
وفي هذه السنة هلك معاويةُ بن أبي سُفْيانَ بدمشق، فاختُلف في وقت وفاته الحواشي
(١) صحيح.(٢) لقد أخرج يعقوب بن سفيان قال: نا زيد وعبد العزيز قالا: نا ابن وهب حدثني الليث بن سعد عن رشيد بن كيسان الفهمي قال:
كنا برودس وأميرنا جنادة بن أمية الأزدي، فكتب إلينا معاوية بن أبي سفيان: إنه الشتاء ثم الشتاء فتأهبوا له، فقال تُبيع بن امرأة كعب الأحبار تقفلون إلى كذا وكذا، فقال الناس: وكيف نقفل وهذا كتاب معاوية: إنه الشتاء ثم الشتاء، فأتاه بعض أهل خاصته من الجيش فقال: ما يسميك الناس إلا الكذاب لما تذكر لهم من القفل الذي لا يرجونه. فقال تبيع: فإنهم يأتيهم إذنهم في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا، وآيةُ ذلك أن تأتي ريح فتقلع هذه التينة التي في مسجدهم هذا، فانتشر قوله فيهم فأصبحوا ذلك اليوم في مسجدهم ينتظرون ذلك، وكان يومًا لا ريح فيه، فانتظروا حتى احتاجوا إلى المقيل والغداء وملوا فانصرفوا إلى مساكنهم أو إلى مراكبهم حتى إذا انتصف النهار، وقد بقي في المسجد بقايا من الناس، فأقبلت ريح عصار، فأحاطت بالتينة فاقتلعتها، وتصايح الناس في منازلهم: خرت التينة، خرَّت التينة، فأقبلوا من كل مكان حتى اجتمعوا على الساحل، فرأوا شيئًا لائحًا يتجول في الماء حتى تبين لهم أنه قارب، فأتاهم بموت معاوية وبيعة يزيد ابنه، وأذنهم بالقفل؛ فشكروا تُبَيعًا وأثنوا عليه خيرًا، ثم قالوا: وأخرى قد بقيت قد دخل الشتاء، ونحن نخاف أن تنكسر مراكبنا، فقال تبيع: لا ينكسر لكم عود يضركم، ولا ينقطع لكم حبل يضركم حتى تردوا بلادكم، فساروا فسلمهم الله . (المعرفة والتأريخ ١/ ٣٢٣).
أما خليفة فقد ذكر هذه الغزوة ضمن أحداث سنة(٥٩) هـ فقد أخرج خليفة بن خياط قال: قال بقي: وقُرئ على يحيى بن عبد الله بن بكير وأنا أسمع عن الليث قال: وفي سنة تسع وخمسين غزوة جنادة الحجري وعلقمة بن الأخثم رودس (تأريخ خليفة ٢٢٧).стр. 1241
بعد إجماعِ جميعهم على أنّ هلاكه كان في سنة ستّين من الهجرة (١) . (٥: ٣٢٣).
ذكر الخبر عن مدة ملكه
٧ م- حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني من سمع إسحاقَ بن عيسى يذكر عن أبي معشر، قال: بويع لمعاوية بأذْرُحَ، بايعه الحسنُ بن عليّ في جُمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفِّيَ معاوية في رجب سنة ستين، وكانت خلافتُه تسع عشرةَ سنةً وثلاثةَ أشهر (٢) . (٥: ٣٢٤).
ذكر العلة التي كانت فيها وفاته
٨ م- حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ، عن سليمان بن أيوب، عن الأوزاعيّ وعليّ بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن ميمون، عن أبيه؛ أنّ معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إنّ رسولَ الله ﷺ كساني قميصًا فرفعتُه. وقلّم الحواشي
(١) صحيح.(٢) إسناده ضعيف وهو صحيح، وقد مر بنا قبل قليل قول الطبري (فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة وفي رجب منها).
وكذلك أكد الحافظ ابن كثير كلام الطبري هذا (البداية والنهاية (٨/ ١١٩).
وأخرج يعقوب بن سفيان قال نبأنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث قال: توفي معاوية في رجب لأربع ليالٍ خلت منه سنة ستين فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣٢٤) وكذلك أخرجه خليفة عن الليث قال: وفي سنة ستين توفي أمير المؤمنين معاوية في رجب لأربع ليالٍ خلت منه (تأريخ خليفة ٢٢٩).
- ذكر مدة عمره -
ذكر الطبري عدة روايات جميعها ضعيفة منها ما هو من طريق الواقدي وهو متروك ومنها ما في إسنادها مجهول واختلفت هذه الروايات بين الأعداد (٧٣ سنة، ٧٥ سنة، ٧٨ سنة، ٨٥ سنة) ولم يرجح الذهبي أيًا منها في كتابه (تأريخ الإسلام) ولكن تلميذه ابن كثير رحمه الله تعالى قال:
وكان عمره إذ ذاك ثمانيًا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم (البداية والنهاية ٨/ ١٤٦).стр. 1242
أظفاره يومًا، فأخذتُ قُلامتَه فجعلتُها في قارورة، فإذا متّ فألبسوني ذلك القميصَ، وقطّعوا تلك القُلامةَ، واسحَقوها وذُرُّوها في عيني، وفي فيّ، فعسى الله أن يرحَمني ببَركتها! ثم قال متمّثلًا بشِعر الأشهب بن رُمَيلة النَّهشليّ يمدح به القُباع:
إذا مُتّ ماتَ الجُودُ وانقطعَ النَّدَى ... من الناس إلَّا من قليل مصَرَّدِ
ورُدَّتْ أكُفُّ السائلينَ وأَمْسَكوا ... من الدّينِ والدنيا بخِلفٍ مُجدَّدِ
فقالت إحدى بناته -أو غيرها: كلّا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك؛ فقال متمثلًا:
وإذا المنيّة أنشبتْ أظفارَها ... ألفَيتَ كُلَّ تَميمةٍ لا تَنفعُ
ثم أغمِيَ عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره في أهله: اتقوا الله ، فإنّ الله سبحانه يقي من اتّقاه، ولا واقيَ لمن لا يتقي الله، ثم قضى (١) . (٥: ٣٢٦/ ٣٢٧).
٩ م- حدَّثنا أحمد، عن عليّ، عن محمد بن الحكم، عمّن حدّثه أنّ معاوية لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يُردّ إلى بيت المال، كان أراد أن يَطِيب له الباقي، لأنّ عمر قاسم عمّاله (٢) . (٥: ٣٢٧)
ذكر الخبر عن نسبه وكنيته
١٠ م- أما نسبه فإنه ابن أبي سُفيان، واسم أبي سُفْيان صَخْر بن حَرْب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، وأمّه هند بنت عتبة بن الحواشي
(١) إسناده مركب من طريقين، الأول فمن طريق علي بن مجاهد وهو متروك أما الثاني فمن طريق الأوزاعي عن عبد الأعلى بن ميمون عن أبيه وعبد الأعلى ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.
وأخرجه البلاذري من طريق هشام بن عمار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي به (الأنساب / ٤/ ١٥٣ / ح ٤٣١).(٢) وأخرجه البلاذري فبين اسم الذي أبهمه الطبري وذلك من طريق المدائني عن محمد بن الحكم عن أبيه (أنساب الأشراف ٤/ ٢٨ / ٩٧٩).стр. 1243
ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وكنيته أبو عبد الرحمن (١) . (٥: ٣٢٨).
ذكر نسائه وولده
من نسائه مَيسون بنت بَحْدل بن أنيَف بن وَلْجة بن قُنافة بن عديّ بن زهير بن حارثة بن جناب الكلبيّ، ولدت له يزيدَ بن معاوية، قال عليّ: ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمةً - ربّ المشارق - فماتت صغيرة، ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية (٢) . (٥: ٣٢٩).
ومنهنّ كَتْوة بنت قرظة أخت فأختة، فغزا قُبْرُسَ وهي معه، فماتت هنالك (٣) . (٥: ٣٢٩).
ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره
١١ م- حدّثني عبد الله بن أحمد بن شَبّوَيه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المُبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبريّ، قال: قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصرَ ودهاءَهما وعندكم معاوية! (٤) . (٥: ٣٣٠).
١٢ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبو صالح سليمان بن صالح قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بُرْدة، قال: دخلتُ على معاوية حيث أصابته قَرْحتُه، فقال: هلمّ يابن أخي نحوي فانظر، فنظرتُ فإذا هي قد سُبِرتْ، فقلت: ليس عليك بأس يا أميرَ المؤمنين، فدخل يزيدُ فقال معاوية: إن وليتَ من أمر الناس شيئًا الحواشي
(١) وراجع طبقات خليفة (١٠/ ١٣٩)، (السير والمغازي / ٢٥١) والذهبي (عهد معاوية / ٣٠٦).(٢) صحيح.(٣) صحيح.(٤) إسناده صحيح وأخرجه ابن عساكر، تأريخ دمشق (١٦/ ٣٦٠).стр. 1244
فاستوصِ بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يرَه (١) . (٥: ٣٣٢).
١٣ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن حرملة بن عمران، قال: أتى معاوية في ليلة أنّ قيصرَ قصد له في الناس، وأنّ ناتِل بن قيس الجُذاميّ غلب فلسطين وأخذ بيتَ مالها، وأنّ المصريّين الذين كان سَجَنهم هَرَبوا، وأنّ عليّ بن أبي طالب قصد له في الناس، فقال لمؤذّنه: أذّن هذه الساعة -وذلك نصف الليل- فجاءه عمرو بن العاص، فقال: لم أرسلت إليّ؟ قال: أنا ما أرسلت إليك؛ قال: ما أذّن المؤذّن هذه الساعة إلّا من أجلي؛ قال: رُمِيتُ بالقِسيّ الأربع، قال عمرو: أما هؤلاء الذين خرجا من سجنك، فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله ، وهم قوم شُراةٌ لا رحلة بهم، فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديتّه، فإنك ستؤتَى بهم، وانظر قيصرَ فوادعْه، وأعطِه مالًا وحُللًا من حُلَل مصر، فإنّه سيرضى منك بذاك، وانظر ناتل بن قيس، فلَعَمري ما أغضبه الدّين، ولا أراد إلا ما أصاب، فاكتب إليه وهب له ذلك، وهنّئه إياه، فإن كانت لك قدرةٌ عليه، وإن لم تكن لك فلا تأسَ عليه، واجعل حدّك وحديدَك لهذا الذي عنده دمُ ابن عمِّك.
قال: وكان القوم كلُّهم خرجوا من سجنه غير أبرَهة بن الصبّاح، قال معاوية: ما منعك من أن تخرج مع أصحابك؟ قال: ما منعني منه بغضٌ لعليّ، ولا حبٌّ لك، ولكني لم أقدر عليه، فخلَّى سبيلَه (٢) . (٥: ٣٣٣/ ٣٣٤).
١٤ م- حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عبد الله، وهشام بن سعد، عن عبد الملك بن عُمير، قال: أغلَظَ رجلٌ لمعاوية فأكثر، فقيل له: أتَحلَم عن هذا؟ فقال: إني لا أحولُ بين الناس وألسنتهِم ما لم يَحوُلوا بيننا وبين مُلكِنا (٣) . (٥: ٣٣٦). الحواشي
(١) إسناده صحيح وأخرجه ابن سعد مختصرًا (٤/ ٨٣) والبلاذري في (أنساب الأشراف ٤/ ٤٦).(٢) رجاله ثقات ومنهم الإمام عبد الله بن المبارك غير أن حرملة بن عمر لم يدرك معاوية فقد ولد بعد وفاة معاوية بعشرين سنة والله أعلم.(٣) رجاله ثقات.стр. 1245
١٥ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن مَعمَر، عن همّام بن منبّه، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: ما رأيت أحدًا أخلقَ للمُلك من معاوية، إن كان ليردُ الناس منه على أرجاءِ وادٍ رحْب، ولم يكن كالضّيق الخُضْخض، الحصِر -يعني ابن الزُّبَيْر (١) . (٥: ٣٣٧). الحواشي
(١) إسناده صحيح وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (ح ٢٠٩٨٥) والخبر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٢٧) من طريق همام بن منبه قال: سمعت ابن عباس دون زيادة (ابن الزبير) ولعل هذه الزيادة مدرجة من أحد الرواة والله أعلم.
الخليفة المجاهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ (٤١ - ٦٠) ه ـ
لقد أمرنا ربنا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وأمرنا سبحانه أن نتعظ وننتفع من تأريخ السالفين الغابرين فللتأريخ البشري سنن لا نتخلف عنها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ وقد وضّح القرآن الكريم عديدًا من السنن التأريخية لا مجال لذكرها هنا ولكنا نريد أن نقول ردًّا على أستاذ للتأريخ معروف قال في إحدى المؤتمرات المفتوحة: إننا نحن المسلمون نكتب أو نقرأ أحيانًا تأريخنا كما نريد لا كما هو، فنقول: أولًا هذا هو ميزان السند وماله من ضوابط نستطيع أن نميز به مبدئيًا بين الغث والسمين بين الواقعة التأريخية كما هي وبين زيادة الضعفاء وافتراء الكذابين وتحريف المبتدعة الغالين.
وبالإضافة إلى السند فلمتن الرواية التأريخية قواعد أخرى لا تخفى على الناقد البصير.
ونحن في تحقيقنا هذا بعد أن ميّزنا الرواية التأريخية الصحيحة السند عن ضعيفها وجدنا أن المتن المنكر لا بد له من سند منكر يتكئ عليه أو على الأقل سند شديد الضعف لا ينجبر ضعفه، ولقد تبيّن لنا في تحقيقنا لعهد الخلفاء الراشدين أن لا مطعن (على سيرة الخلفاء الأربعة) يستند إلى دليل تأريخي صحيح - وناقشنا التفاصيل في حينها- وأما بالنسبة لحكم الصحابي الجليل معاوية ﵁ فبعد فرزنا للروايات التأريخية الصحيحة (ونسأل الله أن قد وفقنا في ذلك) نقول:
لقد اجتهد معاوية ﵁ بصفته إمامًا أجمع المسلمون على بيعته بعد صلحه مع الحسن نقول اجتهد فأصاب في مرات عديدة ولم يصب في مرتين نسأل الله أن يرزقه أجر الاجتهاد ويغفر له ويرحمه.
أما الأولى: التي اجتهد فيها ولم يصب فهو اشتراطه أن لا يبايع أمير المؤمنين علي ﵁ حتى يقيم القصاص من قتلة سيدنا عثمان ﵁ وكان يتأول بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ولكنه لم يصب في اجتهاده هذا فلم يصب في =стр. 1246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = خروجه على طاعة الإمام الأعظم فكان أمير المؤمنين علي أولى بتفسير الآية فهو ولي أمر عثمان قبل معاوية، ولكن اجتهاده هذا وخروجه ذلك لا يطعن في عدالته كصحابي وهذا هو مذهب أئمة أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا. عليه الصحابة من خروجه على الإمام وغير ذلك- وكما قال المسور: (فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت نعم إن لي ذنوبًا إن لم يغفرها هلكت بسببها، قال فما الذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة مني فوالله لما إليّ من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمور العظام لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما نذكر من العيوب والذنوب وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات والله على ذلك ما كنت لأخيّر بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه قال: (أي المسور بين مخرمة) ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمني قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير).
والحديث أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة - ورجاله رجال الصحيح (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).
وقال ابن كثير: وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه.
قلنا: وأخرجه ابن عساكر كذلك من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قدم المسور وافدًا على معاوية ... إلخ (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٤٧).
وكذب من قال من المستشرقين بأن معاوية ﵁ خرج على أمير المؤمنين علي لأنه ينافسه على السلطة أو لأنه لا يحبه وغير ذلك من الأسباب الواهية وقد ذكرنا في خلاصة القول في وقعة صفين أن معاوية كان يقرّ بأحقية خلافة سيدنا علي ويرى عليًّا خيرًا وأفضل من سابقه ولكن اشتراط القصاص من قتلة عثمان قبل أن يبايع لعلي وكان ذلك منه اجتهادًا وإلا فهو يعلم فضل عليٍّ في العلم والحزم والإدارة والسبق إلى الإسلام.
وغير ذلك وقد كررنا مرارًا رواية أبي مسلم الخولاني عندما قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: إني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه ... الخبر) (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) و (البداية والنهاية ٨/ ١٢٩) ورجاله ثقات.
ونزيد هنا رواية أخرى أخرجها ابن عساكر في تأريخ دمشق (ترجمة معاوية) عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم- قال أريد جوابك ... الخبر) وفيه ما يدل على غضب معاوية من كلام الرجل إذ تتمة الخبر كالآتي:
(قال ويحك لقد كرهت رجلًا كان رسول الله ﷺ يغرّه بالعلم غرًا ولقد قال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي -ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه =стр. 1247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكان إذا أشكل على عمر شيء قال: ها هنا علي، قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان فبلغ ذلك عليًّا.
فقال جزاه الله خيرًا، سمعت رسول الله ﷺ بأذني وإلا صُمّتا يقول له: "أنت يا معاوية أحد أمناء الله، اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد".
(مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ترجمة معاوية / ٦).
فلنا: ولم نحصل على الجزء الأصلي من تأريخ دمشق (قبل اختصاره) والذي يحتوي على هذا الخبر كي نتحقق من سنده هل صحَّ أم لا؟ علمًا بأن والله أعلم.
وأخرج ابن عساكر أيضًا عن المغيرة قوله: لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله. فقال لها ويحك؛ إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٣٩).
ولقد سردنا هذه الروايات لنبين أن معاوية ﵁ ما كان يقاتل عليًّا منافسة على السلطة ولا جهلًا ولا إنكارًا لفضله وعلمه ولا بغضًا له وإنما وقف معاوية موقفه هذا اجتهادًا منه وظنًا منه أن موقفه صواب وعمل بالآي الكريم في حق ولي المقتول في الطلب بدم القتيل وكما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) عن أبي بردة حين دخل على معاوية وفيه: (فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره). وإسناده صحيح.
قال ابن عباس:
كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذْ أقبل عليُّ بن أبي طالب فقال رسولُ الله ﷺ لمعاوية: أتحبُّ عليًّا يا معاوية؟ فقال معاوية. إي والله الذي لا إله إلا هو إني لأحبُّه في الله حُبًّا شديدًا. فقال رسولُ الله ﷺ : إنها ستكونُ بينكم هنيهة. قال معاوية: ما يكونَ بعد ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : عَفُوُ الله ورضوانُه، والدخول إلى الجنة. قال معاوية: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
والروايات في اعتراف معاوية بأفضلية علي كثيرة منها خاصة في فضل علي ومنها عامة في فضائل علي وبقية الخلفاء الراشدين من قبله كما ذكر الذهبي رواية المدائني عن أبي عبيد الله عن عبادة بن نُسي: قال خطبنا معاوية فقال: إن من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خيرٌ مني كما أن من كان قبلي خيرٌ مني، اللهم قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي - (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٦) وهو عند البلاذري (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ١٦٢) من طريق سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسي قال: خطب معاوية فقال: "إني كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلّا من أنا خير منه كما أن من =стр. 1248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = كان قبلي كان خيرًا مني، وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه".
وقال الحافظ ابن كثير: قال ابن أبي الدنيا حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: "أيها الناس إن من زرع قد استحصد وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خيرٌ مني، وإنما يليكم من هو شرٌ مني، كما كان من وليكم قبلي خيرٌ مني ... الخبر" (البداية والنهاية ٨/ ١٤٤).
وكما قال الحافظ المحدث والمفسر والمؤرخ ابن كثير ﵀: "ثم ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي فجرى بينهما قتال عظيمٍ كما قدمنا وكان الحق والصواب مع علي ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام -كما ثبت في الحديث الصحيح "تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق" البداية والنهاية (٨/ ١٢٩).
قلنا: وهذا يعني أن عليًّا والمصلحين من جيشه هم أقرب إلى الحق والصواب في موقفهم، أما معاوية فاجتهد فلم يصب في اجتهاده - ولم يكن سيدنا معاوية فيما بعد مصرًا على صواب اجتهاده بل كان يرى أنه لم يوافق كثيرًا من الصحابة في موقفهم وإن كان أخطأ في اجتهاده فهو يرجو ربه الكريم العفو الحليم -كما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) من حديث حميد بن هلال عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته ... الخبر وفي آخره - إن وليت من أمر الناس شيئًا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا غير أني رأيت في القتال ما لم يره، وإسناده صحيح -كما بيّنا-.
وكما جاء في حديث المسور بن مخرمة عندما دخل على معاوية وانتقده بما أخذ.
ثانيًا: واجتهد معاوية ﵁ كإمام للمسلمين فاختار ابنه يزيد خلفًا له في حكم المسلمين.
ولقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة - صحيح أن الناس قد بايعوا الحسن بن علي من بعد استشهاد والده ﵄ إلَّا أن سيدنا علي لم يدع الناس إلى بيعة ابنه الحسن من بعده.
ولقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في شقه الأول وأخطأ في شقه الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية على الأمة أن تمزقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وأورعهم وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكم أمير المؤمنين معاوية ﵁ =стр. 1249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فسيدنا معاوية كان على حق وصواب عندما أيقن بضرورة اجتماع الأمة على خليفة من بعده، ولكنه لم يصب ﵁ في اختياره ليزيد.
وأما عاطفة الأبوة فلا ننفي ولا نثبت بل نسكت عن هذه المسألة ولم نهتد فيها إلى الراجح، ولا نقول أكثر من هذا في حق صاحب رسول الله ﷺ وكاتب وحيه والخليفة الذي أجمعت الأمة على بيعته حتى سمّي ذلك العام بعام الجماعة.
وللعلامة ابن خلدون كلام نفيس ﵀ في هذه المسألة إذ يقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ.
وقال أيضًا: وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه. [المقدمة / ٢١٠].
ويبدو أن عددًا من الصحابة رفضوا -بداية الأمر- تولية يزيد من بعد أبيه ولكن عددهم تقلّص حتى صاروا على عدد الأصابع ولكنهم من أهل الحل والعقد يومئذٍ، ولقد كثرت الروايات المكذوبة والمزيفة التي تتحدث عن تفاصيل ما جرى بينهم وبين معاوية ﵃ أجمعين.
ولم نجد فيها رواية صحيحة تصلح للاحتجاج بها سوى ما أخرجه أبو نعيم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر "أن معاوية أخبر أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية قال: فلما قدم معاوية وسأله عن الأحوال ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد ثم دعا معاوية بن الزبير، فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب روّاغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر. فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين أيكما نطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت حللت الأمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك، فقام معاوية حين أبوا عليه، فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبًا وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة" [حلية الأولياء (/ ٣٣٠)].
قلنا: ورجال إسناد أبي نعيم ثقات والله أعلم.
وسنفصل في مسألة البيعة ليزيد بولاية العهد عند حديثنا عن عهد يزيد [٦٠ - ٦٤] هـ إن شاء الله تعالى. =стр. 1250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والآن فهذه الصورة الحقيقية المشرقة لشخصية وسلوك أمير المؤمنين معاوية- بعيدًا عن تشويه المبتدعة والضعفاء والساقطين - في ميزان الجرح والتعديل - مع شيء من مناقبه.
١ - وأما عن مناقبه فيكفيه ﵁ منقبة ومفخرة وذخرًا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا .... الحديث" (فتح الباري ٦/ ١٢٠).
٢ - ولقد ثبت أن دعا له رسول الله ﷺ دعاءً طيبًا مباركًا فقال ﵊ لمعاوية: "اللهم علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب".
وقال الذهبي: هذا الحديث رواته ثقات (عهد معاوية / ٣٠٩) والحديث أخرجه الترمذي في سننه (كتاب المناقب / ٣٨٤) وحسّنه وأخرجه أحمد (٤/ ٢١٦).
وأخرجه البلاذري من وجه آخر عن عقبة بن رويم اللخمي ولفظه: دعا رسول الله ﷺ لمعاوية فقال: "اللهم أهده واهدِ به وعلمه الكتاب والحساب وقه العذاب". (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ٣٦٤).
ونقل ابن كثير قول ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس "أنه كان كاتب النبي ﷺ منذ أسلم" أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: "اللهم علم معاوية الكتاب" وبعده حديث ابن أبي عميرة "اللهم اجعله هاديًا مهديًا" قلت (ابن كثير): وقد قال البخاري في كتاب المناقب (ذكر معاوية بن أبي سفيان): حدثنا الحسن بن بشر ثنا المعافر عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال أوتر معاوية بعد العشاء بركعة فقال: دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلّا بواحدة قال: أصاب إنه فقيه. (البداية والنهاية ٨/ ١٣٥).
٣ - ومن مناقبه الأخرى كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال: سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإدواة بعد أبي هريرة فتبع رسول الله ﷺ بها -وكان أبو هريرة قد اشتكى- فبينما هو يوضِّئ رسول الله ﷺ إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني سأبتلى بعمل لقول النبي ﷺ حتى ابتليت". تفرد به أحمد.
ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن أبي إسحاق الهمداني سعيد بن زنبور بن ثابت عن عمرو بن يحيى بن سعيد. ورواه ابن مندة من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن معاوية قال: اتبعت رسول الله ﷺ بوضوء. فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل، =стр. 1251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فما زلت أظن أني مبتلى بعمل حتى وليت، ورواه غالب القطان عن الحسن قال سمعت معاوية يخطب وهو يقول: صببت يومًا على رسول الله ﷺ وضوءه فرفع رأسه إليّ فقال: "أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، قال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا".
وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله ﷺ "إن ملكت فأحسن" قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلّا أن للحديث شواهد. (البداية والنهاية ٨/ ١٢٦).
٤ - والعجيب أن الدكتور يوسف العش الذي شغل مناصب منها عمادة كلية الشريعة بدمشق (وأستاذ التأريخ كذلك) فقد ألّف كتابًا قيّمًا بعنوان (الدولة الأموية) واعتمد في أحداث الفتنة على الروايات الصحيحة بعد تمحيصها من الروايات الضعيفة وأجاد في مواضع كثيرة في الكتاب إلّا أنه أخْفق في تقييمه لبعض جوانب شخصية معاوية ﵁ إذ قال: إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية، الخلافة في نظره تخدم الفكرة الإسلامية عامة لا الأحكام الشرعية خاصة" (الدولة الأموية / ١٤٠).
ويقول الأستاذ يوسف العش ﵀ "غاية الحكم عند معاوية هي رفع مستوى الأمة بإجمالها لا تحقيق العدالة الفردية، وهو قد يتساهل في بعض الأحكام التفصيلية أمام المصلحة العامة، ومنذ عصر معاوية نرى قاعدة في الحكم الإسلامي هي تقديم مصلحة الدولة عامة على تفاصيل الأحكام الفقهية وعلى مصلحة الأفراد الخاصة" (الدولة الأموية / ١٤٠).
ولقد تدارك الأستاذ العش بعض ما قاله هنا فقال بعد أسطر "ولا يوجد في الواقع اختلاف بين تلك المصالح العليا وبين التفاصيل الفقهية إلا في حالات معينة" (الدولة الأموية / ١٤١).
وعلى أية حال فكلام الدكتور العش ذو تشعبات طويلة وبحاجة إلى نقد كبير إلا أننا نركز هنا على قوله: "إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية" فنقول وبالله التوفيق:
لا يوجد اختلاف بين المصالح العليا للأمة المسلمة وبين التفاصيل الفقهية حتى في الحالات المعينة التي قالها الدكتور العش: هذا أولًا. وثانيًا: فإن أمير المؤمنين معاوية كان مهتمًا بأصول السياسة الشرعية اهتمامًا بالغًا وفي الوقت عينه كان متتبعًا للأحكام الفقهية وحريصًا على تطبيقها في الحياة اليومية للناس وحتى إن كانت جزئية وسنبدأ بذكر الأمثلة ابتداءً من المخطوط العامة للسياسة الشرعية وانتهاءً بالأحكام الفقهية والتفاصيل الجزئية: =стр. 1252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المثال الأول: أخرج ابن عساكر (مختصر تأريخ ابن عساكر لابن منظور / ترجمة معاوية / ٥٠):
وعن أبي قَبِيل حُيَيّ بن هانئ:
أن معاوية صَعِد المِنْبَر يوم الجمعة فقال عند خُطْبته: أيها الناس! إنَّ المال مالُنا، والفَيءَ فيئُنا، مَنْ شئنا أعطيناه، ومَنْ شئنا منعناه، فلم يُجِبْه أحد، فلما كان الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يُجِبْه أحد، فلما كانت الجمعةُ الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجلٌ ممن حضر المسجد فقال: يا معاوية! كلًّا، إنما المالُ مالُنا، والْفيءُ فيئنا، مَنْ حال بيننا وبين هؤلاء بأسيافنا، فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأُدخل عليه قال القوم: هلك الرجل. ففتح معاوية الأبواب، فدخل الناسُ عليه، فوجدوا الرجلَ معه عليّ السرير، فقال معاوية للناس إنَّ هذا أحيانى أحياهُ الله، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: سيكون أئمةٌ من بعدي، يقولون فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم، يتقاحَمُونِ في النار كما تَقَاحَمُ القِرَدَةُ، وإني تكلَّمْتُ أَوَّلَ جُمعةٍ فلم يردَّ عليَّ أحَد، فخشِيتُ أنْ أكون منهم: ثم تكلَّمتُ الثانية فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلتُ في نفسي: إني من القوم، فتكلمتُ الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فردَّ عليّ، فأحياني أحياهُ الله، فرجوتُ أن يُخرجني الله منهم، فأعطاه وأجازه.
قيل: إنَّ هذا القائل لمعاوية هذا القول أبو بَحْرِيَّة عبد الله بن قيس السَّكْوني.
وقد أورد الحافظ الذهبي هذه الرواية بالسند فقال: قال سويد بن سعيد ثنا قمام بن إسماعيل بالإسكندرية سمعت أبا قبيل حييّ بن هانئ يخبر عن معاوية: وصعد المنبر يوم الجمعة ... الحديث كما عند ابن عساكر).
ثم قال الحافظ الذهبي: هذا حديث حسن (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٤).
قلنا: وهذا يعني أن سيدنا معاوية ﵁ كان يذكّر الناس وعلى منبر الجمعة بأصل التناصح والأخذ عليّ يد الحاكم وتقويمه إن خالف الشرع.
المثال الثاني: أخرج أبو داود في سننه (٣/ ٣٥٧) والترمذي (٣/ ٦١٩) وأبي مريم الأسدي أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عن حاجته يوم القيامة، فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس".
وجوّد الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ١٤٣).
قلنا: وهذه من اهتمامات معاوية ﵁ بمصلحة الأفراد الخاصة واتباع الحكم الشرعي متمثلًا في أوامر الله وسنة نبيه ﷺ .
المثال الثالث: أخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ١٦٣) قال:
حدثنا هشام بن عمّار حدثنا إسماعيل بن عَيّاش عن صَفْوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهَوْزَني عن أبي عامر الهَوْزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أُخبر برجل قاصٍّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أُمرتَ بالقصص؟ فقال: =стр. 1253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لا، قال: فما حملك على أنْ تقصّ بغير إذْن؟ قال: إنّما ننشر علمًا علّمناه الله، قال: لو كنتُ تقدّمتُ إليك لقطعتُ طابقًا منك.
قلنا: وصفوان بن عمر وأبو عامر الهوزني ثقتان وبقية رجال الإسناد لا تنزل مرتبتهم عن الصدوق وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهو حمصي وشيخه الذي روى عنه هنا هو صفوان وهو حمصي أيضًا فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى- وهذا يعني أن معاوية كان مهتمًا بالتفاصيل الفقهية وكان حريصًا على إدخالها في حياة الناس خلاف ما قاله الأستاذ العش.
المثال الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن حمران بن أبان عن معاوية ﵁ أنه قال: "إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي ﷺ فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر" (فتح الباري ٧/ ١٣٠).
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠٢) عن أبي سلمة قال: إن معاوية قال وهو على المنبر لكثير ابن الصلت: اذهب إلى عائشة فاسألها فقال أبو سلمة فقمت معه، وقال ابن عباس لعبد الله بن الحارث: "اذهب معه، فجئناها فسألناها" وصحح الحافظ إسناده (فتح الباري ٣/ ١٢٧) وهذا يعني أن معاوية ﵁ كان مهتمًا بتفاصيل الأحكام الفقهية في مختلف المجالات ويزيدنا إيضاحًا المثال الخامس.
المثال الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵄ يوم عاشوراء عام حج على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. (فتح الباري ٤/ ٢٨٧).
المثال السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان (عام حج) على المنبر فتناول قصة من شعر وكانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة: أين علماؤكم؟ سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم. (فتح الباري ٦/ ٥٩١).
وفي رواية أخرى عن سعيد بن المسيب "قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا، فأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا غير اليهود، وإن النبي ﷺ سماه الزور، يعني الوصال في الشعر" (فتح الباري ٦/ ٥٩٥).
وهذا اهتمام من سيدنا معاوية بأسلمة الحياة اليومية العادية حتى لو كان متعلقًا بالحياة الأسرية الخاصة.
المثال السابع: أخرج البخاري في صحيحه (فتح الباري ١١/ ٣٩٨) عن الشعبي حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من =стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = النبي ﷺ فكتب إليه سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال؛ وإضاعة المال وكثرة السؤال".
المثال الثامن: أخرج البخاري في صحيحه عن وارد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبي ﷺ يقول: خلف كل صلاة، فأملى على المغيرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وقال ابن جريج: أخبرني عدة أن واردًا أخبره بهذا، ثم وفدت بعد إلى معاوية فسمعته يأمر الناس بذلك القول (فتح الباري ١١/ ٥٢١).
المثال التاسع: أخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (فتح الباري ١٣/ ٣٤٥).
المثال العاشر: قال الحافظ ابن كثير: روى أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبي قبيل قال: كان معاوية يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس - يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان -يعني ليجري الرزق (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧).
والأمثلة كثيرة ولا نريد أن نطيل في ذكرها ولكننا ذكرناها في معرض نقدنا وردّنا على تقييم الدكتور العش ﵀ لبعض جوانب شخصية معاوية ومنهجه في الحكم - وهذا لا يعني أننا وضعنا الدكتور يوسف العش في صف أعداء التأريخ الإسلامي، كلا فالرجل حاول أن يتجنب الروايات الضعيفة والمختلفة في تحليل أحداث الفتنة أيام عثمان ﵁ واكتفى بالاحتجاج بالروايات الصحيحة وأبدى تحليلًا قيمًا في غير موضع من كتابه ولعلنا لا نلومه ﵀ فيما أخطأ فيه وذلك للسبب الآتي:
إن توارث الروايات الضعيفة لقرون طويلة دون تقسيمها إلى شطرين صحيح وضعيف وتداولها في الكتب التأريخية المتعاقبة ثم العمل الخطير الذي قام به المستشرقون في بداية القرن العشرين الميلادي عندما جاؤوا بصفة مستشارين في وزارة المعارف في مختلف البلدان العربية (إبان الاستعمار البريطاني والفرنسي وغيرهما) وقيامهم بالإشراف على تأليف كتب التأريخ من ثم اعتماد الروايات الموضوعة والضعيفة جدًّا لكتابة التأريخ الإسلامي ومن تربَّى على تلك الكتب أجيال وأجيال أقول مع كل تلك التراكمات تكونت في أذهاننا صورة خاطئة عن الحكم الإسلامي طول تأريخنا الطويل ومن تلك الصور تلك الصورة المشوهة لسيدنا معاوية ﵁، ولو رجعنا ولو مرة واحدة إلى صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات لتغيّرت الصورة تمامًا في أذهاننا فهذه الكتب =стр. 1255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تختلف عن كتب الأخباريين الذين يجمعون في كتبهم بين الضعيف والصحيح والغث والسمين، والحمد لله على نعمة الإسناد.
٥ - لقد أعطتنا الروايات التي اختلقها المبتدعة والكذابون كأبي مخنف والواقدي وغيرهما صورة وهمية تبيّن لنا أن معاوية ﵁ كان يرفل بالنعيم ويلبس كذا ويأكل كذا ويمشي كذا ... إلخ ما تصوره لنا الروايات الواهية وتزيد عليها أقلام الكتاب المعاصرين المتغربين من مسلمين ونصارى ممن أطلقوا العنان لأقلامهم فصوّروا في كتبهم ومقالاتهم سيدنا معاوية رجلًا يلبس الملابس المرصعة باللؤلؤ والمرجان ويمشي في الناس في موكب مهيب ويجلس على كرسي ملكي فخم مفخم ... إلخ.
ونحن نقول: إن كان معاوية ﵁ قد اهتم ببناء دار الخلافة على طراز جديد فقد كان له مبرره "إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو، ولابدّ لهم مما يرهبهم من آلة السلطان".
ولم نجد رواية صحيحة السند تحكي عن ترف معاوية ﵁ في البناء والملبس والمركب لذلك أعرضنا عنها ويبدو لنا والله أعلم أن معاوية كان يهتم ببعض الشكليات المتعلقة بدار الخلافة إظهارًا لهيبة المسلمين أمام الروم المتاخمين للشام في الحدود الشمالية والذين لا يفهمون إلّا ظاهرًا من الحياة الدنيا ولكن معاوية ﵁ لم يكن ليهتم بتلك الشكليات حين ينزل إلى السوق يختلط بالناس وحين يذهب إلى المسجد أو إلى الحج وما إلى ذلك ولم نجد رواية صحيحة تذكر عن موكب معاوية وخدمه وحشمه.
أخرج ابن عساكر عن يونس بن حلبس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة له، وخلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب وهو يسير في أسواق دمشق (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ٥٣٠) وإسناده كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس به (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧) وهذا إسناد ضعيف والله تعالى أعلم.
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ٢٠٣) حدثني هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: قال عمرو بن العاص وذكر معاوية وهو بمصر: إن إمامكم ممن سهّل الله خليقته، وقوّم طريقته، وأحسن صيغته، فمن كانت النعمة تُبطره، إنها لتذلله وتوصره".
قلنا: وأما شيخ البلاذري (هشام بن عمار) فصدوق، وأما الوليد بن مسلم فثقة، وأما مروان بن جناح فلا بأس به والله أعلم.
٦ - ومع كل ما ذكرنا من روايات في البخاري وغيره تدل على تواضع معاوية للعلماء وسماعه لنصيحتهم فلا زالت تراكمات القرون الطويلة تحجب الرؤية الواضحة لمكانة أمير المؤمنين معاوية ﵁ وأرضاه كيف لا وهو صاحب رسول الله وكاتب الوحي عنده ولعلّ هذه =стр. 1256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الرواية تزيدنا علمًا بخلق معاوية الرفيع وأدبه الجم وسلوكه النبيل فقد قال الحافظ ابن كثير: قال الزهري حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ... الخبر وفيه: "فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق والذي سن الخلفاء بعده وحضت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم تترك له عذرًا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله ﷺ ، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعي، وتكلمت هي ومعاوية كلامًا كثيرًا فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيبًا ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة (البداية والنهاية ٨/ ١٣٤).
٧ - حلم معاوية وسعة صدره وصبره على من طعن فيه وأغلظ له.
قال الحافظ الذهبي: وكان يضرب المثل بحلم معاوية، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٣٥).
وأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٦/ ٣٦٧ / أ) عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا، ولا أبعد أناة منه.
وأخيرًا فلنتعرف على رأي إمامين كبيرين من أئمة السلف وهما: (الإمام الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي) وكلاهما من أعلم الناس بأهل الشام: فقد أجادا وأوجزا وأبلغا في مقالهما-.
أخرج أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية وعدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديده، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم وأخذوا عن رسول الله ﷺ تأويل القرآن، ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدًا من جماعة من أمة محمد ﷺ (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).
وقال الحافظ ابن كثير أيضًا: وقال أبو زرعة عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويُشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعًا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية =стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أن قال: شد خناق الروم (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).
٨ - مقتل حجر بن عدي ﵁ في عهد سيدنا معاوية.
ولعل البعض من أهل الأهواء والبدع يطعنون في حكم سيدنا معاوية وعدله ويقولون: إنه ﵁ قتل حجرًا وأصحابه وليس له ذلك.
قلنا: إذا كان جمهور أهل السنة والجماعة يرون اجتهاد الإمام علي في قتال معاوية لأنه خرج عليه اجتهادًا صائبًا، فبالطريقة نفسها وبالمكيال نفسه نقول: إن الروايات التأريخية صحيحها وضعيفها تبين أن حجرًا قد أعلن العصيان والخروج على ولي الأمر الذي أجمعت الأمة قاطبة على بيعته كما قال ابن حزم ﵀:
ثم سلَّم الحسن الأمر إلى معاوية وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منه بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته) [الفصل (٥/ ٦)].
قلنا: والشريعة التي أجازت للإمام علي أن يقاتل من بغى وخرج عليه كذلك تجيز لمعاوية أن يقاتل من خرج عليه، وحرَّض الناس على العصيان المسلح مصداقًا لقوله ﷺ : "من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحدٍ يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه" [صحيح مسلم مع شرح النووي (٢/ ٢٤٢)].
علمًا بأن سيدنا معاوية اشتهر بالحلم والصفح وهذا يعني أن حجرًا قد جاوز الحد وبلغ مبلغًا غير مأمون على وحدة الأمة فرأى معاوية في قتله ضمانًا لوحدة الأمة كما أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق الإمام أحمد بن حنبل عن عفان بن مسلم عن ابن علية عن أيوب بن كيسان عن عبد الله بن أبي مليكة قال: "لما قدم معاوية دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرًا؟ قال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرٌ من استحيائه في فسادهم" وهذا إسناد صحيح والله أعلم.
وأخيرًا فإن سيدنا معاوية ﵁ خليفة من الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر عنهم ﷺ لاعتبارات كثيرة.
منها: كون الأمة قد أجمعت على بيعته فسُمّي ذلك العام عام الجماعة، ومعلوم أن إحدى روايات حديث الخلفاء الاثني عشر بلفظ: "لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة" كما في سنن أبي داود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء الأنبياء، بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا يكون نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول ... " الحديث. =стр. 1258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فقوله ﷺ : "فتكثر" دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا. [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)].
قلنا: ولو أضاف الإمام ابن تيمية ﵀ دليلًا آخر لكان أحسن ألا وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: "كلهم من قريش" [صحيح البخاري كتاب الأحكام (ح ٧٢٢٢)].
وفي رواية مسلم: "اثنا عشر خليفة" وفي رواية أبي داود في سننه "اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة".
قلنا: ولقد أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين معاوية وسمي ذلك العام بعام الجماعة فكيف لا يطلق عليه اسم خليفة؟
قال المباركفوري: المراد بخلافة النبوة هي الخلافة الكاملة وهي منحصرة في الخمسة فلا يعارض الحديث "لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يملك اثنا عشر خليفة" لأن المراد به مطلق الخليفة. [تحفة الأحوذي (٦/ ٣٩٦)].
ولقد استوقفتنا عبارات الأستاذ الفاضل محمد قطب ومنها قوله: ولقد عمل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز على تصحيح الأوضاع والرجوع إلى الصورة المثالية التي كانت عليها زمن الخلفاء الراشدين ... إلخ.
ولا أحد يختلف مع الأستاذ محمد قطب في عدالة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وصلاحه وزهده ... إلخ، ولكن الذي يعاتب عليه الأستاذ محمد أنه في الوقت الذي أشاد بعامين ونصف من عهد عمر بن عبد العزيز وأثنى عليه .. فإنه لم يول ذلك الإهتمام بعقدين من الزمان من عهد أمير المؤمنين معاوية نعِمَ الناس فيها بالأمن والأمان والجهاد قائم، والمسلمون في عز وكرامة وفي مقدمتهم أئمة أهل البيت.
وإذا صار عمر بن عبد العزيز خليفةً راشدًا - بالقياس لا بالنص وهو تابعي فإن أمير المؤمنين معاوية أولى بذلك اللقب وهو صحابي جليل وكاتب وحي رسول الله ﷺ ، وهو خير من عمر بن عبد العزيز بنص حديث رسول الله ﷺ "خير القرون قرني".
ولقد سئل المعافي بن عمران، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: أتجعل رجلًا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ ! معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله [البداية والنهاية (٨/ ١٣٨)].
وإذا كان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أكرم آل بيت رسول الله ﷺ لسنتين ونصف فإن أمير المؤمنين معاوية قد أكرم آل بيت رسول الله ﷺ وحباهم بكرمه وسخائه واحترامه لعقدين من الزمان حكيم فيها أرض الخلافة الإسلامية، وأئمة أهل البيت يومها على أحسن حال، وكان مروان واليًا لمعاوية على المدينة فكان الحسن والحسين يصليان خلفه أيام سيدنا معاوية ولم =стр. 1259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تكن بينهما وبين مروان والي معاوية يومها إحنٌ ولا ضغائن، كما أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ١٧٥ أ) من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه: "أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان فقيل: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ قال: لا والله".
[وانظر البداية والنهاية (٨/ ٣٥٨)].
وإذا كان عمر بن عبد العزيز حليمًا فقد كان معاوية أحلم. ولقد قبل سيدنا معاوية من الناس معارضتهم السلمية برحابة صدر وقبل منهم نصحهم وعمَّ الأمن البلاد والعباد.
ونحن نذكر الأستاذ الفاضل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا نتهمه بشيء -معاذ الله- ولكن مناقشتنا هذه تؤكد مقولتنا التي كررناها مرارًا في هذا البحث ألا وهي أن مجرد وجود الروايات المكذوبة في مثالب بني أمية في تاريخ كالطبري وغيره يكفي لرسوخ كثير من المفاهيم الخاطئة في أذهان الناس عن سيرة الخلفاء المسلمين.
ولقد ذكرنا جوانب من سيرة الخليفة الصالح معاوية ﵁ فلا داعي للتكرار ولكننا نذكر في هذا المقام مثالًا واحدًا فقط نتبين من خلاله تواضع معاوية ﵁ وحرصه على اتباع النصوص الشرعية.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي مجلز قال: دخل معاوية على عبد الله بن الزبير وابن عامر، وكان الشيخ أوزنهما، قال: فقال: منه قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يتمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" [مسند أحمد (ح ١٦٨٣٠)].
وهذه درة من درر التاريخ الإسلامي سجلها لنا الإمام أحمد ﵁.
فالخليفة الذي حكم شطر العالم يومها يكره قيام الناس له ويذكر في ذلك حديثًا عن رسول الله ﷺ .
وما من مثال من أمثلة العدل والزهد والحلم في سيرة عمر بن عبد العزيز إلَّا ويقابلها مثال على ذلك في سيرة معاوية ﵁.
ولقد ذكرنا في قسم الصحيح قسطًا منها: كارتداءه ﵁ ثوبًا مرقعًا، وركوبه بغلته مع غلام له واحد، وتجوله في السوق في دار الخلافة، وحواره مع المسور بن مخرمة، وغير ذلك كثير من علامات عدله وحكمه وصلاحه وجهاده.
وكذلك ذكرنا في حينه أنه ﵁ أوصى ولاته أن يحثوا الناس على الكتابة إليه كلما رأوا ظلامة أو حيفًا ﵁ وأرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هذه هي الصورة المشرقة لأمير المؤمنين معاوية الذي كان أميرًا عشرين عامًا في عهد الخلفاء الراشدين ثم تسلّم الخلافة من الحسن صلحًا فكان أمير للمؤمنين عشرين عامًا إلا قليلًا.
نعمت أرض الخلافة في عهده بالأمان والاستقرار وخمدت الفتن ونشطت الفتوحات مرة أخرى وشيدت المدن كالقيروان وغيرها كل ذلك وأرض الخلافة توسعت وترامت أطرافها =стр. 1260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ودخل في الإسلام أقوام كثيرون مختلفة مشاربهم وثقافاتهم وكانوا حديثي عهد بالإسلام فسخر الله لهذه الأمة معاوية ﵁ داهية العرب والمسلمين فساسهم خير سياسة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله، وبعد:
فقد آلينا على أنفسنا أن نمحص روايات الطبري فيما يتعلق بتاريخ الخلفاء الراشدين، والخليفة الأموي معاوية ﵃ أجمعين وحاولنا ما استطعنا بتوفيق الله وعنايته أن نميز بين الضعيف والصحيح ومن هنا فصاعدًا "أي: من بداية عهد يزيد وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" نبدأ بتطبيق منهج مغاير بعض الشيء لما اتبعناه في المراحل السابقة.
ولكن الأصل الذي لم نتغافل عنه ولن نتغافل عنه إن شاء الله حتى نهاية تحقيقنا لتاريخ الطبري هو الذَبّ عن عدالة الصحابة وبيان التزوير والتشويه الذين لحقا بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين ولعل التساهل الذي نبديه فيما يأتي هو قبولنا رواية الراوي الذي سكت عنه ابن أبي حاتم وذكره ابن حبان في الثقات شريطة أن تخلو روايته من النكارة ومن مسائل تتعلق بالعقيدة أو الحلال والحرام، وتخلو كذلك من الطعن في عدالة الصحابة.
والجديد أيضًا في منهجنا من سنة (٦٠ هـ) فصاعدًا هو قبولنا لأخبار عزل الولاة وتعيين آخرين غيرهم أو تعيين القضاة وتمصير المدن وبعض أحداث الفتوح دون اشتراط سند موصول والاكتفاء برأي عدة مؤرخين متقدمين (ثقات) كالطبري وابن سعد وابن خياط وغيرهم.
ونحن في هذه المسائل الآنفة الذكر نتبع مناهج معروفة لبعض أساتذة التاريخ الكبار المعتمدين كالأستاذ العمري الفاضل الذي أشار في كتابه القيم (السيرة النبوية الصحيحة) إلى اعتماد شيء من التساهل في كتابة التاريخ العام يقول الأستاذ أكرم ضياء العمري -حفظه الله-: وأما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير والخطر الناجم عنه كبير لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع، إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا =стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى (أي الأحاديث) نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة.
ونظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها تسرد الروايات بالأسانيد فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند. [دراسات تاريخية للأستاذ العمري (٢٦ - ٢٧) مع تقديم وتأخير في بعض المقاطع].
ونعود مرّة أخرى إلى ما نحن بصدده فيما يتعلق بتاريخ العقود المتبقية من تاريخ القرن الأول الفاضل، والمصادر المتقدمة التي استعنَّا بها في المقارنة.
١ - تاريخ خليفة بن خياط (٢٤٠ هـ) تحقيق الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري.
٢ - طبقات ابن سعد (٢٣٠ هـ).
٣ - المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٢٩ هـ).
٤ - أنساب الأشراف للبلاذري (٢٢٩ هـ).
٥ - بعض الروايات النادرة التي أخرجها البخاري ومسلم، وهي وإن كانت قليلة جدًّا ولكنها ثمينة المتن والمعنى.
٦ - بالإضافة إلى مصادر أخرى كتاريخ مكة، وكتاب فتوح البلدان، وكتاب المتوارين، وكتاب المحن لأبي العرب، والمعارف لابن قتيبة، وغيرها من المصادر التي سنذكرها أثناء التحقيق.
ولعل الجديد في قراءتنا الجديدة هذه أننا نستشهد ببعض الروايات الضعيفة (ضعفًا خفيفًا) ونبين ما يؤيدها من روايات صحيحة أو بالعكس فإننا نشير إلى مخالفة متونها للروايات التاريخية الصحيحة وكذلك بعض الروايات الضعيفة جدًّا لنبين مواضع التزوير والتشويه وأحيانًا نعرج على مقالات المؤرخين المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة الاستشراقية وغيرها من جامعات الغرب التي تسعى إلى إظهار روايات المتروكين والكذابين كالواقدي وأبي مخنف والكلبي ... إلخ في مقابل طمس الروايات التاريخية الصحيحة وذلك خدمة لأغراض معروفة. ونحن بدورنا نبين الخطأ في مقالات هؤلاء ونحاول أن نبين حقائق الوقائع التأريخية ومن خلالها ندافع عن عدالة الصحابة ونظهر الوجه المشرق للتاريخ الإسلامي ونستدل بالروايات التاريخية الصحيحة عند الطبري وغيره لنحصل على تلك الدرر الثمينة =стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = التي تكمن في خبايا وصفحات التاريخ الإسلامي وأخذنا على عاتقنا أن نبين حقيقة لطالما ذكرها أساتذتنا الأفاضل (العمري، وابن خليل ... وغيرهم كثير) وهي: أن تاريخ الرعيل الأول بكل ابتلاءاته ومحنه وبكل انتصاراته وشموخه هو تاريخ عقيدة والذين شاركوا في تسجيل صفحاته وتسطير مآثره فعلوا ذلك بدافع من عقيدة التوحيد ورابطة الإيمان وسنثبت هذه المقولة عند تناولنا لتفاصيل ذلك التاريخ، إن شاء الله تعالى.
ولعل بعض الباحثين يعتقد أن نقد الرواية التاريخية أمر مستحدث يأخذ به من يريد أن يكتب التاريخ كما يتمنى وخاصة عند المؤرخين المعاصرين الملتزمين بالمنهج الإسلامي في البحث وليس الأمر كذلك فلو رجعنا إلى المؤرخين المتقدمين العمالقة كالطبري مثلًا الذي ترك لنا هذا السفر الضخم نراه يؤكد وجود روايات غير صحيحة في تاريخه جمعها من باب المقارنة بين المصادر التاريخية المختلفة ومن باب الأمانة العلمية ولقد عاش الطبري في عصر كانت فيه علوم الرواية وتراجم الرجال معروفة لدى العلماء فلعله لهذا السبب ولأسباب أخرى يميز في تاريخه بين الضعيف والصحيح، ومن قبله كان العلامة المؤرخ خليفة بن خياط علمًا من أعلام التاريخ الإسلامي (وهو ثقة عند أئمة الحديث) ولقد ترك للأمة كتابه القيم (تاريخ خليفة) وهو تاريخ حولي - لم يحكم فيه ابن خياط على الأسانيد والمتون ولكنه تجنب روايات المتروكين والكذابين والوضاعين فلم يرو عن أبي مخنف (لوط بن يحيى) وأمثاله.
واعتمد في أحايين كثيرة على رواة ثقات معروفين ولقد قام الأستاذ العمري بتحقيق تاريخ خليفة الذي كان مخطوطًا فزاده بهاءً وأظهر قيمته العلمية جزاه الله خيرًا. وكلما راجعنا أسماء المؤرخين عقدًا بعد عقد وقرنًا بعد قرن وجدنا مسألة النقد التاريخي معروفة لديهم وإن لم يعتمدوه كثيرًا بينما نجد النقد واضحًا عند الحافظين الذهبي وابن كثير (خاصة) في كتابه المعروف البداية والنهاية ووصولًا إلى المؤرخين المعاصرين ومنهم الأستاذ العمري صاحب كتاب الخلافة الراشدة التي اعتمد فيها تطبيق القواعد الحديثية على الرويات التاريخية وأشرف على رسائل جامعية كثيرة في هذا المجال.
وكذلك انتهج هذا المنهج كثيرون من المؤرخين، وأسماؤهم كثيرة متقدمين ومتأخرين ومعاصرين [صاحب العواصم الإمام المالكي ابن العربي .. محب الدين الخطيب ... إلخ].
ونرى من الضروري هنا أن ندعم منهجنا هذا بنصوص من كتابات العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى:
يقول العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها.
ويتحدث أيضًا عن الحكايات التاريخية بالذات لأن العلماء تساهلوا فيها فهي ليست كالرواية =стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في الحلال والحرام فيقول ﵀: الحكايات مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد. المقدمة (١/ ٩).
والحمد لله الذي أغنانا عن تعاريف الفرنجة وغيرهم في التاريخ يقول العلامة ابن خلدون وهو يعرف التاريخ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال تطوف بها الأندية. (المقدمة ١/ ٣).
ولكن للتاريخ وجه آخر عند العلامة ابن خلدون إذ يقول: وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو كذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يُعَدّ في علومها. (١/ ٣).
ثم يبين ابن خلدون كيفية إدخال الروايات المكذوبة في أمهات الكتب دون أن يشعر كثير من الناس يقول ابن خلدون:
وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهمّوا فيها وابتدعوا زخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير من بعدهم واتبعوها وأدوها إلينا كما سمعوها ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل (المقدمة ١/ ٤).
ونحن بدورنا نحاول أن نستبعد هذه الروايات الباطلة وندافع عن عدالة الصحابة ونبرز الوجه المشرق للتاريخ الإسلامي ولا ندعي أننا سبقنا غيرنا في هذا الميدان (كما بينا سابقًا) بل نرجو أن نكون قد ضربنا ضربة المعول الأخيرة كي نجلّي وجه التاريخ الإسلامي المشرق. والحمد لله أولًا وآخرًا وعلى الله التوكل ومنه التوفيق.
يزيد بن معاوية (٦٠ - ٦٤ ه ـ)
قبل أن نناقش روايات الطبري ضمن أحداث هذه السنين نودّ أن نرجع إلى عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ فالتاريخ الإسلامي عبارة عن حلقات مترابطة فيما بينها مؤثرة في بعضها البعض تباعًا.
ولقد لخص ابن كثير -رحمه الله تعالى- عقدين من الزمان من حكم الخليفة معاوية ﵁ بكلمة وجيزة قيمة فقال ﵀: إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم فانعقدت الكلمة على معاوية وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض والمسلمون معه في راحة =стр. 1264
خلافة يزيد بن معاوية سنة ٦٠
وفي هذه السنة بويع ليزيدَ بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنّصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعضهم: لثمانٍ بقِينَ منه - على ما ذكرنا قبلُ من وفاة والده معاوية - فأقرّ عُبيَد الله بن زياد على البَصرة، والنُّعمان بن بشير على الكوفة (١) . الحواشي
(١) لقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة، صحيح أن الناس قد بايعوا للحسن بن علي بعد أبيه ﵄ إلّا أن سيدنا علي لم يَدْعُ الناس إلى بيعة ابنه من بعده، وعلى أية حال فإن الخلافة إنما تنعقد ويتم برضيّ من الأمة متمثلة بأهل الحل والعقد ولو أوصى الخليفة لمرشح من بعده فلا بد لأهل الحل والعقد أن ينظروا في ذلك وذلك يطول شرحه وليس محله هنا.
ونرجع إلى المسألة من الناحية التاريخية فنقول:
لقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في الأول وأخطأ في الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية ﵁ على الأمة أن تمزَّقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وورعًا، وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكمه ﵁، فسيدنا معاوية أصاب عندما أيقن بضرورة إجماع الأمة على خليفة قبل أن يموت ولكنه أخطأ في اختياره ليزيد لذلك المنصب أما عاطفة الأبوة فلا نستطيع أن ننفيه ولا نثبته كذلك. =стр. 1265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولا نقول أكثر من هذا في حق كاتب وحي رسول الله ﷺ وخليفة المسلمين الذي بايعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم من وجهاء الصحابة ﵃ وأرضاهم.
قال العلامة ابن خلدون: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذٍ من بني أمية. إن بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة ذلك وعدالتهم مانعة منه. اهـ. (مقدمة ابن خلدون ص ٢١٠).
وجزى الله ابن خلدون عن المسلمين وتاريخهم خيرًا فلا نزيد عليه فقد كفانا ردَّ هذه الشبهة، والحمد لله أولًا وآخرًا.
ولقد رَوى الطبري أخبارًا في هذه المسألة ذكرناها جميعًا في قسم الضعيف فلا تصح منها رواية ولو واحدة، وفي متونها نكارات وكذلك روى غير الطبري روايات أخرى تتهم سيدنا معاوية بتهم باطلة منها أنه ﵁ تحدَّث مع العبادلة من الصحابة من أهل الحل والعقد فأبوا أن يبايعوا ليزيد ولكن معاوية صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له" فقال أهل الشام: والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الأشهاد وإلا ضربنا أعناقهم. فقال: "سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحدٍ منكم بعد اليوم"، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى وارتحل معاوية فلحق بالشام. اهـ.
ولو رجعنا إلى أصل الرواية لوجدناها عند خليفة في تاريخه (ص ٢١٣) من طريق النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة.
ولو راجعنا أقوال أئمة الجرح والتعديل في النعمان بن راشد لوجدناها كما يلي:
قال أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير.
وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وذكره العقيلي وابن الجوزي وابن عدي في الضعفاء.
قلنا: فإذا كان هذا حال النعمان بن راشد فكيف نعتمد على متن رواية بهذا الإسناد وحتى لا يزعم بعض الناس أننا نكتب التاريخ كما نتمنى وكما يحلو لنا نذكر هنا رأي الأستاذ العش =следующие страницы →