عُتبة بن ربيعة، وتوفِّي وهو ابن ثلاث عشرة سنةً وثمانية عشر يومًا (١).
وفي هذه السنة بايع أهلُ البصرة عبيد الله بن زياد، على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناسُ على إمام يرتضُونه لأنفسهم، ثم أرسل عبيد الله رسولًا إلى الكُوفة يدعوهم إلى مِثل الذي فعل من ذلك أهل البصرة، فأبوْا عليه، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم، ثمّ خالفه أهلُ البصرة أيضًا، فهاجت بالبصرة فتنة، ولحق عبيد الله بن زياد بالشأم (٢).
ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد
وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حَماد بن سلَمة، عن عليّ بن يزيد، عن الحسن، قال: كتب الضحاك بن قيس إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلامٌ عليك، أمّا بعد، فإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا (٣) [٥: ٥٠٤].
стр. 1297
حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن حمّاد، قال: حدَّثنا محمد بن أبي عُيَينة، قال: حدّثني شهرك، قال: شهدتُ عُبيدَ الله بن زياد حين مات يزيد بن معاوية قام خطيبًا، فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل البصرة، انسبوني، فوالله لتجدُنّ مُهاجرَ وَالدي ومولدي فيكم، وداري، ولقد وليتُكُم وما أحصَى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصَى اليومَ ديوانُ مقاتِلتكم ثمانين ألفًا، وما أحصى ديوان عُمالكم إلا تسعين ألفًا، ولقد أحصيَ اليوم مئة وأربعين ألفًا، وما تركتُ لكم ذا ظِنَّةٍ أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا، وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي، وقد اختلف أهلُ الشأم، وأنتم اليوم أكثرُ الناس عددًا، وأعرَضُه فِناءً، وأغناه عن الناس، وأوسَعُهُ بلادًا، فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترْتضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أوّلُ راض مَن رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشأم على رجل ترتَضُونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جدِيلتكم حتى تُعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجةٌ، وما يستغنِي الناس عنكم.
فقامت خُطباءُ أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتَك أيُّها الأمير، وإنا والله ما نعلم أحدًا أقوى عليها منك، فهلمَّ فلنبايعْك؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم؛ فأبوْا عليه، وأبَى عليهم، حتى كرّروا ذلك عليه ثلاث مرّات، فلما أبوْا بَسَط يدَه فبايعوه، ثمّ انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظنّ ابن مرجانة أنَّا نستقاد له في الجماعة والفُرقة، كَذبَ والله! ثمّ وثبوا عليه (١). [٥: ٥٠٤ - ٥٠٥].
стр. 1298
(الأصح من بين عدة روايات ضعيفة)
قال أبو عبيدة: فسمعتُ غيلانَ بن محمد يحدّث عن عثمان البَتّي، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جَوْشن، قال: تبعتُ جنازةً فلما كان في سوق الإبل إذا رجلٌ على فرس شهباء متقنّعٌ بسلاح وفي يده لواء، وهو يقول: أيها الناس، هلموا إليّ أدعُكم إلى ما لم يدعُكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم، -يعني عبدَ الله بن الزبير. قال: فتجمّع إليه نُوَيس، فجعلوا يصفِّقون على يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلمّا رجعنا إذا هو قد انضمّ إليه أكثرُ من الأوّلين، ثم أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصّلت السلميّ ودار الحارثيّين قِبَلَ بني تميم في الطريق الذي يأخذ عليهم، فقال: ألا مَن أرادني فأنا سَلمَة بن ذُؤيب- وهو سلمَة بن ذُؤيب بن عبد الله بن محكم بن زيد بن رياح بن يربوع بن حنظلة-
стр. 1299
قال: فلقيَني عبد الرحمن بن بكر عند الرّحبة، فأخبرته بخبر سلَمة بعد رجوعي، فأتى عبد الرحمن عبيدَ الله فحدّثه بالحديث عنّي، فبعث إليّ، فأتيتُه، فقال: ما هذا الذي خبّر به عنك أبو بَحْر؟ قال: فاقتصصت عليه القِصّة حتى أتيتُ على آخرها، فأمر فنودي على المكان: الصلاة جامعة، فتجمّع الناس، فأنشأ عبيد الله يقصّ أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى مَنْ يرتضونه، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفَّكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمرُ بالأمر فلا يُنفَّذ، ويُردّ عليّ رأي، وتحُول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلَمة بن ذُؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرّق جماعتَكم، ويضرب بعضكم جباهَ بعض بالسيف، فقال الأحنف صَخْر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النَّزَّال بن مُرَّة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والناس جميعًا: نحن نأتيك بسلَمة؛ فأتوا سلَمة، فإذا جمعُهُ قد كَثُف، وإذا الفَتْق قد اتّسع على الرّاتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قَعَدُوا عن عبيد الله بن زياد فلم يأتوه (١). [٥: ٥٠٧ - ٥٠٨].
[هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد]
قال أبو جعفر: وأمّا عمر فحدّثني قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، عن الزُّبَيْر بن الخِرِّيت، عن أبي لبيد الجَهْضَميّ، عن الحارث بن قيس، قال: عَرَض نفسه -يعني عُبيد الله بن زياد-
стр. 1300
عليّ، فقال: أمّا والله إني لأعرف سوءَ رأي كان في قومك؛ قال: فوقفتُ له، فأردفتُه على بغلتي -وذلك ليلًا- فأخذتُ علي بني سُلَيم، فقال: مَن هؤلاء؟ قلت: بنو سُلَيم؛ قال: سَلِمنا إن شاء الله؛ ثم مَرَرْنا ببني ناجية وهم جُلوسٌ ومعهم السلاح -وكان الناس يتحارَسون إذ ذاك في مجالسهم- فقالوا: مَن هذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امضِ راشِدًا، فلما مضينا قال رجل منهم: هذا والله ابن مرْجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كُورِ عمامته، فقال: يا أبا محمد، مَن هؤلاء؟ قال: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية؛ قال: نَجوْنا إن شاء الله، ثمّ قال: يا حارث، إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عليك؟ قد علمتَ منزلةَ مسعود بن عمرو في قومه وشَرَفَه وسنَّه وطاعةَ قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومِك؛ قلت: نعم؛ فانطلقتُ به، فما شعر مسعودٌ بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالسٌ ليلتئذٍ يوقِد بقضيب على لبنةٍ، وهو يعالج خُفَّيه قد خلع أحدَهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهِنا عرفَنا وقال: إنه كان يُتَعَوَّذُ من طوارق السوء، فقلتُ له: أفتُخْرِجه بعدما دخل عليك بيتَك! قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود -وامرأة عبد الغافر يومئذ خَيرةُ بنت خُفاف بن عمرو- قال: ثمّ رَكِبَ مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة مِن قومه، فطافوا في الأزد ومجالسِهم، فقالوا: إنّ ابن زياد قد فُقِدَ، وإنا لا نأمن أن تلطّخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أين توجّه؟ فقالوا: ما هو إلا في الأزد (١). [٥: ٥١٠ - ٥١١].
قال وهب: حدَّثنا الزبير بن الخرِّيت، عن أبي لبيد، أنّ أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرَهم النعمان بن صُهْبان الراسبيّ ورجلًا من مضرَ ليختارا لهم رجلًا
стр. 1301
فَيُولّوه عليهم، وقالوا: من رضيتما لنا فقد رَضيناه، وقال غير أبي لبيد: الرجل المضريّ قيسُ بن الهيثم السُّلَميّ. قال أبو لبيد: ورأيُ المضريّ في بني أمية، ورأيُ النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من فلان -لرجل من بني أميَّة- قال: وذلك رأيُك؟ قال: نعم؛ قال: قد قلّدتُك أمري، ورضيتُ من رضيتَ. ثمّ خرجا إلى الناس، فقال المضريّ: قد رضيتُ من رضِيَ النعمان، فمن سقى لكم فأنا به راضٍ؛ فقالوا للنعمان: ما تقول! فقال: ما أرى أحدًا غيرَ عبد الله بن الحارث -وهو ببّة- فقال المضريّ: ما هذا الذي سمّيتَ لي؟ قال: بلى، لعَمري إنه لهوَ، فرضيَ الناس بعبد الله وبايعوه (١). [٥١٢: ٥].
قال أبو عبيدة: فحدّثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، عن ناشب بن الحسحاس وحميد بن هلال، قالا: أتينا منزلَ الأحنف بحضرة المسجد، قالا: فكنّا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجْمَر فقالت: ما لَك وللرياسة! تجمَّرْ فإنما أنت امرأة؛ فقال: است المرأة أحقُّ بالمجْمر؛ فأتَوْه فقالوا: إنّ عُلَيّة بنت ناجية الرياحيّ -وهي أخت مَطرَ، وقال آخرون: عزّة بنت الحرّ الرياحيةِ- قد سُلِبتْ خَلاخيلها من ساقَيها، وكان منزلُها شارعًا في رحبة بني تميم على المِيضأة، وقالوا: قَتلوا الصّباغ الذي على طريقك، وقتلوا المُقعَد الذي كان على باب المسجد، وقالوا: إنّ مالك بن مسمع قد دخل سكّة بني العدوّية من قِبل الجبّان، فحرّق دورًا، فقال الأحنف: أقيموا البيّنة على هذا، ففي دون هذا ما يُحِلّ قتالهم؛ فشهدوا عندَه على ذلك، فقال الأحنف: أجاء عبّاد؟ وهو عبّاد بن حصين بن يزيدَ بن عمرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حِلَّزة بن بيان بن سعد بن الحارث الحبِطة بن عمرو بن تميم؛ قالوا: لا، ثمّ مكث غيرَ طويل، فقال: أجاء
стр. 1302
عبّاد؟ قالوا: لا؛ قال: فهل هاهنا عَبْس بن طلْق بن ربيعة بن عامر بن بسْطام بن الحَكم بن ظالم بن صَرِيم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم؛ فدعاه، فانتزع مِعجرًا في رأسه، ثم جَثَا على ركبتيه، فعقده في رُمح ثم دفعه إليه، فقال: سر. قالا: فلما ولّى قال: اللهمّ لا تُخزِها اليوم، فإنك لم تخزها فيما مضى. وصاح الناس: هاجت زبراء -وزبراء أمَة للأحنف، وإنما كنوا بها عنه- قالا: فلما سار عَبْس جاء عبّاد في ستين فارسًا فسأل، ما صنع الناس؟ فقالوا: ساروا؛ قال: ومَنْ عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصّريميّ؛ فقال عبّاد: أنا أسير تحت لواء عبس! فرجع والفرسان إلى أهله (١). [٥: ٥١٨ - ٥١٩].
ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد
وفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخُراسان.
ذكر الخبر عن ذلك:
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرنا مسلمة بن محارب، قال: بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخُوارَزم إلى يزيدَ بن معاوية مع عبد الله بن خازم، وأقام سلم واليًا على خُراسانَ حتى مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، فبلغ سلمًا موته، وأتاه مقتل يزيد بن زياد في سجستان وأسرُ أبي عبيدة بن زياد، وكتم الخبر سلم، فقال ابن عَرَادة:
يا أَيُّها الملِكُ المُغَلِّقُ بابَهُ ... حدَثَتْ أُمورٌ شأْنُهُنَّ عظيمُ
قَتْلى بجُنْزةَ والذينَ بكابلٍ ... ويزيدُ أعلِنَ شأْنُهُ المكتُومُ
стр. 1303
أَبَني أُمَيّةَ إنَّ آخِرَ مَلِكِكُمْ ... جسدٌ بِحوَّارِينَ ثُمَّ مُقِيمُ
طَرقَتْ مَنِيَّتُهُ وعِنْدَ وسادِه ... كوبٌ وَزِقٌّ رَاعِفٌ مَرثومُ
ومرِنَّةٌ تبْكي على نَشْوانِهِ ... بالضَّنْجِ تَقْعُدُ تارةً وتقومُ
قال مسلمة: فلما ظهر شعر ابن عرَادة أظهر سلمٌ موتَ يزيدَ بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناسَ إلى البيعة على الرّضا حتى يستقيم أمرُ الناس على خليفة، فبايعوه، ثم مكثوا بذلك شهرين، ثم نكثوا به (١). [٥: ٥٤٥].
قال عليّ بن محمد المدائنيّ: حدَّثنا الحسن بن رشيد الجُوزَجانيّ، عن أبيه، قال: لما مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيدَ وثب أهلُ خُراسان بعُمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلُّ قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب ابن خازم على خُراسان، ووقعت الحرب. [٥٤٦: ٥].
قال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الذّيال زهير بن هُنيد، عن أبي نعامة، قال: أقبل عبد الله بن خازم فغلب على مرْوَ، ثم سار إلى سليمان بن مرثد فلقيَه بمرْوَ الرَّوذ، فقاتله أيامًا، فقتل سليمان بن مرثد عبد الله بن خازم وتوجَّه إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمئة، وبلغ عمرًا إقبالُ عبد الله إليه وقتله أخاه سليمان، فأقبل إليه، فالتقَوْا على نهر قبل أن يتوافَى إلى ابن خازم أصحابُه، فأمرَ عبد الله من كان معه فنزلوا، فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب العدويّ، فقالوا: لم يجئ حتى أقبل وهو على حاله، فلما أقبل قيل له: هذا زهير قد جاء؛ فقال له عبد الله: تقدّم، فالتَقَوْا فاقتتلوا طويلًا، فقتِل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عبد الله بن خازم إلى مَرْو (٢). [٥: ٥٤٧].
стр. 1304
ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبةَ، وكانت قد مال حيطانُها مما رُميَت به من حجارة المجانيق، فذكر محمد بن عمر الواقديّ أنّ إبراهيم بن موسى حدّثه عن عكرمة بن خالد، قال: هدم ابن الزبير البيتَ حتى سوّاه بالأرض، وحفر أساسه، وأدخل الحِجْر فيه، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، ويصلُّون إلى موضعه، وجعل الرّكن الأسوَد عنده في تابوت في سَرَقةٍ من حرير، وجعل ما كان من حُليّ البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبَة في خزانة البيت، حتى أعادها لمّا أعاد بناءَه.
قال محمد بن عمر: وحدّثني معقل بن عبد الله، عن عطاء، قال: رأيت ابنَ الزُّبَيْر هدم البيت كله حتى وضعه بالأرض (١). [٥: ٥٨٢].
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير.
стр. 1305
وكان عامله على المدينة فيها أخوه عبيد الله بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطميّ، وعلى قضائها سعيد بن نِمرْان.
وأبَى شُرَيح أن يقضي فيها، وقال فيما ذكر عنه: أنا لا أقضي في الفتنة. وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن مَعمَر التيمي، وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة، وعلى خُراسان عبد الله بن خازم (١). [٥: ٥٨٢].
ثم دخلت سنة خمس وستين
قال أبو جعفر: وكان هلاك مروانَ في شهر رمضانَ بدمشق، وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقديّ؛ وأمّا هشام بن محمد الكلبي فإنه قال: كان يومَ هَلَك ابنَ إحدى وستين سنة؛ وقيل: تُوفِّي وهو ابن إحدى وسبعين سنة؛ وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة؛ وكان يُكنى أبا عبد الملك، وهو مروان بن الحكَم بن
стр. 1308
أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، وأمُّه آمنة بنت علقمة بن صَفْوان بن أميّة الكنانيّ، وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر؛ وقيل: عاش بعد أن بويع له بالخلافة عشرة أشهر إلّا ثلاث ليال، وكان قبل هلاكه قد بعث بعثَين: أحدهما إلى المدينة، عليهم حُبَيش بن دُلجَة القَينيّ، والآخر منهما إلى العراق، عليهم عُبيد الله بن زياد، فأما عبيد الله بن زياد فسار حتى نزل الجزيرة، فأتاه الخبر بها بمَوْت مروان، وخرج إليه التوّابون من أهل الكوفة طالبين بدَم الحسين، فكان من أمرهم ما قد مضى ذكرُه، وسنذكر إن شاء الله باقيَ خبره إلى أن قُتل (١). [٥: ٦١١].
ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع بالبصرة الطاعونُ الذي يقال له الطاعون الجارف، فهلك به خلقٌ كثير من أهل البَصْرة.
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي عن المصعب بن زيد أن الجارفَ وقع وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحمِلها حتى استأجروا لها أربعة عُلُوج فحملوها إلى حُفْرتها وهو الأمير يومئذ (٢).
стр. 1309
مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج
وفي هذه السنة اشتدّت شوكة الخوَارج بالبصرة، وقتل فيها نافعُ بن الأزرق.
ذكر الخبر عن مقتله:
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، عن محمد بن الزبير، أن عبيد الله بن عبيد الله بن مَعمر بعث أخاه عثمان بن عبيد الله إلى نافع بن الأزرق في جيش، فلقيهم بدولاب، فقُتِل عثمان وهُزِمَ جيشُه (١). [٥: ٦١٣].
قال عمر: قال زهير: قال وهب: وحدّثنا محمد بن أبي عيينة، عن سبْرة بن نخْف، أنّ ابن معمر عبيد الله بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق، فهُزِم جندهُ وقُتِل؛ قال وهب: فحدّثنا أبي أنّ أهل البَصْرة بعثوا جيشًا عليهم حارثةُ بن بدر، فلقيهم، فقال لأصحابه:
كَرْنبُوا ودَوْلِبُوا ... وحيثُ شئتمْ فأذهَبُوا (٢)
[٥: ٦١٣].
حدَّثنا عمر، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدَّثنا وهب، قال: حدَّثنا أبي ومحمد بن أبي عيينة، قالا: حدثنا معاوية بن قرّة، قال: خرجنا مع ابن عُبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحُوز، وقُتِل ابن عُبيس (٣). [٥: ٦١٣].
стр. 1310
ثم دخلت سنة ست وستين
ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة دَعَا المثنَّى بن مخرِّبة العبديّ إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها؛ فحدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمَّد، عن عبد الله بن عطيَّة اللَّيثي وعامر بن الأسود، أن المثنّى بن مخرّبة العبديّ كان مِمَّن شهد عينَ الوَرْدة مع سليمانَ بن صُرَد، ثمّ رجع مع مَن رجع مِمَّن بقي من التَّوّابين إلى الكوفة، والمختار محبوس، فأقام حتَّى خرج المختار من السجن، فبايعه
стр. 1311
المثنَّى سرًّا، وقال له المختار: الحقْ بَبَلدك بالبصرة فارْعَ الناسَ، وأسِرّ أمْرَكَ، فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجالٌ من قومه وغيرهم فلمَّا أخرج المختارُ ابنَ مطيع من الكوفة ومَنَعَ عمرَ بنَ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الكوفة خرج المثنَّى بن مخرّبة فاتَّخذ مسجدًا، واجتمع إليه قومه، ودعا إلى المختار، ثمّ أتى مدينة الرّزق فعسكر عندَها، وجمعوا الطعامَ في المدينة، ونحَروا الجُزُر، فوجَّه إليهم القُباعُ عبَّادَ بن حصين وهو على شُرْطته، وقيس بن الهيثم في الشّرَط والمقاتلة، فأخذوا في سكَّة الموالي حتَّى خرجوا إلى السَّبخة، فوقفوا، ولزِم الناسُ دورَهم، فلم يخرج أحد، فجعل عبَّاد ينظر هل يرى أحدًا يسأله! فلم ير أحدًا؛ فقال: أما هاهنا رجلٌ من بني تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بني عديّ، عديّ الرِّباب: هذه دار ورَّاد مولَى بني عبد شَمْس؛ قال: دُقّ الباب، فدقَّه، فخرج إليه ورَّاد، فشَتَمه عبَّاد وقال: ويَحْك! أنا وَاقفٌ هاهنا، لِمَ لَمْ تخرج إليَّ! قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شُدَّ عليك سلاحَك واركب، ففعل، ووَقفَوا، وأقبل أصحابُ المثنَّى فواقفوهم، فقال عبَّاد لورّاد: قف مكانَك مع قيس، فوقف قيس بن الهيثم وورّاد، ورجع عبَّاد فأخذ في طريق الذّبَّاحين، والنَّاس وقوفٌ في السَّبَخة، حتَّى أتى الكلأ، ولمدينة الرّزَق أربعة أبواب: باب مِمَّا يلي البصرة، وباب إلى الخلّالين، وبابٌ إلى المسجد وبابٌ إلى مهب الشمال؛ فأتى الباب الَّذِي يلِي النهر مِمَّا يلي أصحاب السقَط، وهو بابٌ صغيرٌ، فوقف ودعا بسلَّم فوضعه مع حائط المدينة، فصعد ثلاثون رجلًا، وقال لهم: الزموا السطح، فإذا سمعتم التكبير فكروا على السطوح، ورجع عبَّاد إلى قيس بن الهيثم وقال لورّاد: حَرّشِ القومَ؛ فطارَدَهم ورّاد، ثم التبس القتال فقُتِل أربعون رجلًا من أصحاب المثنَّى، وقُتِل رجل من أصحاب عبَّاد، وسمع الَّذين على السطوح في دار الرزق الضجَّة والتكبير، فكبَّروا، فهرب من كان في المدينة، وسمع المثنَّى وأصحابه التكبير من ورائهم، فانهزموا، وأمر عبَّاد وقيس بن الهيثم الناسَ بالكفّ عن اتباعهم وأخذوا مدينة الرّزق وما كان فيها، وأتى المثنَّى وأصحابُه عبدَ القيس ورجع عبَّاد وقيس ومَنْ معهما إلى القُباع فوجّههما إلى عبد القيس، فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر، وأتاهم عبَّاد من طريق
стр. 1312
المِرْبد، فالتَقَوْا فأقبل زياد بن عَمْرو العَتَكيّ إلى القُباع وهو في المسجد جالس على المنبر، فدخل زياد المسجدَ على فرسه؛ فقال: أيُّها الرجل. لتردّن خيلَك عن إخواننا أو لنقاتلنَّها. فأرسل القُباع الأحنفَ بنَ قيس وعمرَ بنَ عبد الرحمن المخزوميّ ليُصلحا أمرَ الناس، فأتَيَا عبد القيس، فقال الأحنف لبكْر والأزْد وللعامَّة: ألستم على بيعة ابن الزبير! قالوا: بلى، ولكنَّا لا نُسلِم إخوانَنَا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أيّ بلاد أحبّوا، ولا يُفسدوا هذا المِصرَ على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاؤوا، فمشى مالكُ بن مُسِمْعَ وزيادُ بن عمرو ووجوهُ أصحابهم إلى المثنَّى، فقالوا له ولأصحابه: إنَّا والله ما نحن على رأيكم، ولكنَّا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإنَّ من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون، فقَبِل المثنَّى قولَهما وما أشارا به، وانصرف. ورجع الأحنف وقال: ما غَبِنت رأيي إلا يومِي هذا، إني أتيت هؤلاء القومَ وخلَّفت بكرًا والأزد ورائي، ورجع عبّاد وقيس إلى القُباع، وشخص المثنَّى إلى المختار بالكُوفة في نفرٍ يسير من أصحابه، وأصيب في تلك الحرب سُويد بن رئاب الشَّنّيّ، وعقبة بن عشيرة الشنِّيّ، قَتَلَه رجل من بني تميم وقُتل التميميّ فَوَلَغ أخو عقبة بن عشيرة في دَم التميميّ، وقال: ثأري. وأخبر المثنَّى المختار حين قَدم عليه بما كان من أمر مالك بن مِسمعَ وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبّهما عنه حتَّى شخص عن البصرة، فطَمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أمَّا بعد، فاسمعا وأطيعا أوتِكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنَّة، فقال: مالكٌ لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاقَ إعطاءَنا الدنيا والآخرة! فقال زياد لمالك مازحًا: يا أبا غسَّان، أمَّا أنا فلا أقاتل نسيئةً، مَن أعطانا الدّراهَم قاتَلْنا معه، وكتب المختارُ إلى الأحنف بن قيس.
من المختار إلى الأحنف ومَن قِبَله، فسَلْم أنتم، أمَّا بعد، فويلُ أمّ ربيعةَ من مضَر، فإنّ الأحنفَ مُورد قومَه سَقَر، حيث لا يستطيع لهم الصَّدَر، وإني لا أملك ما خُطّ في القَدَر، وقد بلغني أنَّكم تسمُّونني كذّابًا.
وقد كُذّب الأنبياء من قَبْلي، ولستُ بخير من كثير منهم.
وكتب إلى الأحنف.
стр. 1313
إذا اشتريتَ فَرسًا من مالِكَا ... ثمّ أخذتَ الجَوْبَ في شِمالِكَا
فاجعلْ مِصاعًا حذما مِن بالِكا (١) [٦: ٦٦ - ٦٩]
حدّثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة، قال: حدَّثنا الحسن بن حمَّاد، عن حِبّان بن عليّ، عن المجالد، عن الشَّعبيّ، قال: دخلتُ البَصْرة فقعدتُ إلى حَلْقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لي بعضُ القوم: مَن أنْتَ؟ قلت: رجلٌ من أهل الكوفة، قال: أنتم موالٍ لنا؛ قلت: وكيف؟ قال: قد أنقذناكم من أيدي عبيدكم مِن أصحاب المختار، قلتُ: تدري ما قال شيخُ هَمْدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف بن قيس: وما قال؟ قلت: قال:
أَفَخَرْتُمْ أَنْ قَتَلتمْ أَعبُدًا ... وهزمتمْ مَرَّةً آلَ عزَلْ
وإذَا فاخَرْتُمُونا فاذْكُروا ... ما فعلْنا بكُم يومَ الجمَلْ
بينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنُونَهُ ... وفتى أبيضَ وضَّاح رِفَلْ
جاءَنا يَهْدِجُ في سابغةٍ ... فذَبَحْناه ضُحىً ذَبْحَ الحمَلْ
وعفْونا فَنَسِيتُمْ عفوَنا ... وكَفَرتُمْ نِعْمَةَ اللهِ الأجَلّ
وقَتَلتمْ خَشَبِيِّين بهمْ ... بدلًا من قومِكمْ شرَّ بَدَلْ
فغضب الأحنف، فقال: يا غلام، هات تلك الصحيفة. فأتِيَ بصحيفة فيها: بسم الله الرّحمن الرحيم. من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس، أمَّا بعد، فويلُ أم ربيعةَ ومضرّ، فإنّ الأحنف مُوردٌ قومَه سَقرَ، حيثُ لا يَقدرون على الصَّدَر، وقد بلغني أنَّكم تُكذّبوني، وإن كُذّبتُ فقد كُذّب رسلٌ مِن قَبْلي، ولستُ أنا خيرًا منهم. فقال: هذا منَّا أو منكم! (٢) [٦: ٦٩ - ٧٠].
стр. 1314
قال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير مِن قِبَل أخيه عبد الله، وعلى البصرة الحارثُ بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالبًا عليها، وبخُراسان عبد الله بن خازم [٦: ٨].
* * *
ثم دخلت سنة سبع وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث مقتل عبيد الله بن زياد
وحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، قال: حدّثني الحسن بن كثير، قال: كان شريكُ بن جدير التغلِبيّ مع عليّ ﵇، أُصيبتْ عينه معه، فلمَّا انقضت حربُ عليّ لحق ببيت المقدس، فكان به، فلمَّا جاءه قتلُ الحسين، قال: أعاهِدُ الله إن قدرت على كذا وكذا -يَطلُب بدم الحسين- لأقتلنّ ابنَ مرجانة أو لأموتنّ دونَه، فلمَّا بلغه أن المختار خرج يَطلُب بدم الحسين أقبل إليه. قال: فكان وجَّهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجُعِل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إنِّي عاهدتُ الله على كذا وكذا، فبايعه ثلثمئة على الموت، فلمَّا التقَوا حَمَل فجعل يَهتِكها صفًّا صفًّا مع أصحابه حتَّى وصلوا إليه، وثار الرّهَج فلا يُسمَع إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد؛ التَّغلبيّ وعبيدُ الله بن زياد، قال: وهو الَّذِي يقول:
стр. 1315
كلُّ عيش قد أَرَاهُ قَذِرًا ... غير رَكز الرمحِ في ظلّ الفَرَسْ (١)
[٦: ٩٠ - ٩١]
حدّثت عن عليّ بن حَرْب المَوْصليّ، قال: حدّثني إبراهيمُ بن سليمانَ
стр. 1318
الحنفِيّ، ابن أخي أبي الأحوص، قال: حدَّثنا محمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثد، عن سُوَيد بن غَفْلة، قال: بَينا أنا أسيرُ بظهْر النّجف إذ لَحقني رجل فَطعنني بمِخْصَرة مِن خَلفي، فالتفتُّ إليه، فقال: ما قولُك في الشيخ؟ قلتُ: أيّ الشيوخ؟ قال: عليّ بن أبي طالب؛ قلتُ: إني أشهد أني أحبّه بسَمعي وبصري وقلبي ولساني، وقال: وأنا أشهِدك أني أبغِضه بسَمْعي وبصري وقلبي ولساني، فسِرْنا حتى دخلْنا الكوفة، فافترقْنا، فمكَث بعد ذلك سِنينَ -أو قال: زمانًا- قال: ثمّ إني لفي المسجد الأعظم إذ دخل رجلٌ معتمّ يتصفح وجوهَ الخلق، فلم يزل ينظر فلم يُرَ لُحىً أحمق من لُحَى همْدان، فجلس إليهم، فتحوّلتُ فجلستُ معهم، فقالوا: من أين أقبلتَ؟ قال: من عند أهلِ بيتِ نبيّكم، قالوا: فماذا جئتنَا به؟ قال: ليس هذا موضع ذلك، فوعدهم من الغد موعدًا، فَغَدا وغدوت، فإذا قد أخرج كتابًا معه في أسفله طابع من رصاص، فدفعه إلى غلام، فقال له: يا غلام، اقرأه -وكان أميًّا لا يكتب- فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرّحيم، هذا كتابٌ للمختار بن أبي عُبيد كتبه له وصيّ آلِ محمد؛ أمّا بعد فكذا وكذا.
فاستفرَغَ القوم البُكاء، فقال: يا غلام، ارفَع كتابَك حتى يُفيق القوم، قلتُ: معاشر هَمْدان، أنا أشهَد بالله لقد أدركني هذا بظَهر النّجف، فقَصَصتُ عليهم قصّتَه، فقالوا: أبَيتَ واللهِ إلَّا تَثْبيطًا عن آل محمد، وتَزْيِينًا لنَعْثَلِ شَقّاقِ المَصَاحِف، قال: قُلتُ: معاشرَ همْدان، لا أحدّثكم إلا ما سمعت أُذنَاي، ووعاه قلبي من عليّ بن أبي طالب ﵇، سمعتُه يقول: لا تُسمّوا عثمانَ شَقاقَ المصَاحف، فوالله ما شقّقها إلّا عن ملإ منّا أصحاب محمد، ولو وليتُها لعَملتُ فيها مثلَ الذي عمل، قالوا: آللهَ أنتَ سمعتَ هذا من عليّ؟ قلت: والله لأنا سَمعتُه منه، قال: فتفرّقوا عنه، فعند ذلك مال إلى العبيد، واستعان بهم، وصنع ما صنع (١). [٦: ١١٣ - ١١٤].
قال أبو جعفر: وكان العاملُ لابن الزُّبَيْر في هذه السنة على المَدينة جابرُ بن
стр. 1319
الأسودُ بن عوف الزّهْريّ، وعَلَى البَصرة والكوفة أخوه مُصعَب، وعلى قضاءِ البَصْرة هشِامُ بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبدُ الله بن عُتبة بن مسعود، وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم السُّلَميّ، وبالشأم عبدُ الملك بن مَرْوان. [٦: ١٣٩].
ثم دخلت سنة تسع وستّين
ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو
ففيها كان خروجُ عبد الملك بن مَرْوان -فيما زعَم الواقديّ- إلى عينِ وَرْدة، واستَخلف عمرَو بن سعيد بن العاص على دِمشق فتحصّن بها، فَبَلَغ ذلك عبدَ الملك، فرجع إلى دمَشق فحاصره -قال: ويقال: خرج معه- فلمَّا كان ببُطْنانِ حَبيب، رجع إلى دِمشقِ فتحصّن فيها، ورجع عبد الملك إلى دِمشق.
وأمَّا عَوانة بن الحَكَم فإنَّه قال -فيما ذكَر هشام بن مُحمَّد عنه: - إنّ عبدَ الملك بن مَرْوان لمَّا رجع من بُطْنَان حبيب إلى دمَشق مَكَث بدِمَشق ما شاء الله، ثمّ سار يريد قَرقِيِسياءَ، وفيها زُفَر بن الحارث الكلابِيّ ومعه عَمرُو بن سعيد، حتَّى إذا كان ببُطنان حَبيب فَتَك عَمرُو بن سعيد، فرجع لَيلًا ومعه حُميد بن حُريث بن بَحْدل الكلبيّ وزُهير بن الأبرد الكلبيّ، حتى أتى دمشقَ وعليها عبدُ الرّحمن بن أمّ الحَكَم الثَّقَفيّ قد استَخلفَه عبدُ الملك، فلمَّا بلغه رجوعُ عَمرو بن سعيد هَرَب وترَك عملَه، ودخَلَها عمرو فَغَلَب عليها وعلى خَزائنها.
* * *
وقال غيرُهما: كانت هذه القصّة في سنة سبعين، وقال: كان مسير عبد المَلك من دِمشقَ نحوَ العراق يريد مُصعب بنَ الزُّبَيْر، فقال له عمرو بن سعيد بن العاص: إنَّك تَخرُج إلى العراق، وقد كان أبوك وعَدَني هذا الأمرَ من بعده، وعلى ذلك جاهدت معه، وقد كان من بلائي معه ما لم يَخفَ عليك، فاجعل لي هذا الأمر من بَعدِك، فلم يُجبه عبدُ الملك إلى شيء، فانصرف عنه
стр. 1320
عمرو راجعًا إلى دِمشقَ، فرجع عبدُ الملك في أَثره حتَّى انتهى إلى دِمشق (١) [٦: ١٤٩].
قال الطبري: وأقام الحجَّ للناس في هذه السنة عبدُ الله بن الزبير.
وكان عاملَه فيها على المصرَين: الكوفة والبَصْرة أخوه مصعب بن الزُّبَيْر وكان على قضاء الكوفة شُرَيح وعلى قضاء البَصْرة هِشام بن هُبيرة وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم. [٦: ١٤٩].
ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السَّنة ثارت الرّوم، واستجاشوا على مَن بالشأم من ذلك من المسلمين، فصالح عبد الملك ملكَ الروم، على أن يؤدّى إليه في كلّ جمعة ألفَ دينار خوفًا منه على المسلمين (٢). [٦: ١٥٠].
قال الطبري: وحجّ بالنَّاس في هذه السَّنة عبدُ الله بن الزُّبَيْر.
وكان عُمَّاله على الأمصار في هذه السنة عمَّاله في السنة الَّتي قبلها على المعاون والقضاء (٣). [٦: ١٥٠].
стр. 1321
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك مسيرُ عبد الملك بن مَرْوان فيها إلى العراق لحرب مُصعب بن الزبير (١). [٦: ١٥١].
فحدّثني عمر بن شَبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: أقبل عبدُ الملك من الشأم يريد مُصعبًا -وذلك قبل هذه السنة، في سنة سبعين- ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسِيد، فقال خالد لعبد الملك: إن وجَّهتَني إلى البصرة وأتْبعْتَني خيلًا يسيرة رجوتُ أن أغلب لك عليها. فوجَّهه عبد الملك، فقدمها مستخفيًا في مواليه وخاصّته، حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهليّ (٢). (١٥٢: ٦).
قال عمر: قال أبو الحسن: قال مسلمة بن محارب: أجار عمرو بن أصمع خالدًا، وأرسل إلى عبَّاد بن الحُصين وهو على شُرطة ابن معمرَ -وكان مُصعب إذا شخص عن البصرة استخلَف عليها عبيدَ الله بن عبيد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عبَّاد بن الحُصين- بأنّي قد أجَرْتُ خالدًا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظَهرًا. فوافاه رسولُه حين نزل عن فرسه، فقال له عبّاد: قل له: والله لا أضع لبدَ فرسي حتى آتيَكَ في الخيل. فقال عمرو لخالد: إني لا أغرّك، هذا عبَّاد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك، ولكن عليك بمالك بن مسْمَع.
قال أبو زيد: قال أبو الحسن: ويقال إنَّه نزل على عليّ بن أصمع، فبلغ ذلك عبَّادًا فأرسل إليه عبَّاد: إني سائر إليك (٣). [٦: ١٥٢].
حدّثني عمر بن شبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن مسلمة وعَوانة أنّ
стр. 1322
خالدًا خرج من عند ابن أصمع يركُض، عليه قميص قُوهيّ رقيق، قد حَسَره عن فخذيه، وأخرَج رجليه من الرّكابين؛ حتى أتى مالكًا، فقال: إني قد اضطررتُ إليك، فأجرْني، قال: نعم، وخرج هو وابنه، وأرسل إلى بكْر بن وائل والأزد؛ فكانت أوّل راية أتته رايةُ بني يشكرُ. وأقبل عبَّاد في الخيل، فتواقَفُوا، ولم يكن بينهم، فلما كان من الغد غدوْا إلى حُفرة نافع بن الحارث التي نُسبت بعدُ إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم قد أتوْه؛ منهم صعصعة بن معاوية، وعبد العزيز بن بشْر، ومرّة بن مِحْكَان، في عدد منهم؛ وكان أصحاب خالد جُفريَّة ينسبون إلى الجُفْرة، وأصحاب ابن معمر زُبَيريَّة، فكان من الجُفْريَّة عبيد الله بن أبي بَكْرة وحُمْران والمغيرة بن المهلّب، ومن الزبيريّة قيس بن الهيثم السُّلَميّ، وكان يستأجر الرجل يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرةً فقال: غدًا أعطيكها، فقال غَطَفان بن أنيف، أحد بني كعب بن عمرو:
لِبئس ما حكَمت ياجلاجِلُ ... النَّقْدُ دَينٌ والطِّعانُ عاجِلُ
وأنْتَ بالبابِ سميرٌ آجِلُ
وكان قيس يعلّق في عنق فرسه جلاجل، وكان على خيل بني حنظلة عمرو بن وبرة القحيفيّ، وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كلّ يوم، فيعطيهم عشرة عشرة، فقيل له:
لبئس ما حكمت يابنَ وَبرَة ... تُعطَى ثلاثينَ وتُعْطِي عَشَرهْ
ووجَّه المصعب زَحْر بن قيس الجُعْفيّ مَددًا لابن معمَر في ألف، ووجَّه عبدُ الملك عبيد الله بنَ زياد بن ظَبْيانَ مددًا لخالد، فكَره، أن يدخلَ البَصرة، وأرسل مطرَ بنَ التّوأم فرجع إليه فأخبره بتفرّق الناس، فَلحق بعبد الملك (١). (٦/ ١٥٢ - ١٥٣).
قال أبو زيد: "قال أبو الحسن: حدّثني مسلمة أنّ المُصعَب لمَّا انصَرف عبدُ الملك إلى دمَشق لم يكن له همَّة إلّا البصرة، وطَمِع أن يُدرك بها خالدًا، فوجده قد خرج، وأمّن ابنُ مَعمر النَّاس، فأقام أكثرهم، وخاف بعضهم مُصعَبًا
стр. 1323
فشخص، فغضب مُصعَب على ابن مَعمَر، وحلف ألّا يوليه، وأرسل إلى الجُفريّة فسبَّهم وأنّبهم (١). (٦/ ١٥٤).
حدّثني عمر، قال: حدَّثنا محمَّد بن سَلّام، عن عبد القاهر بن السَّريّ، قال: همَّ أهلُ العراق بالغَدْر بمُصعَب، فقال قيسُ بن الهيثم: ويحكم! لا تُدخلوا أهلَ الشأم عليكم، فوالله لئن تَطعَّموا بعيشكم لَيُصْفِينّ عليكم منازلَكم، والله لقد رأيتُ سيّدَ أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسَلَه في حاجة، ولقد رأيتُنا في الصّوائف وأحدُنا على ألف بعير، وإنّ الرجل من وجوههمْ ليَغزُو على فرسه وزادهُ خَلْفَه.
قال: ولمَّا تدَانَى العسكران بدَير الجاثَليق من مَسْكنَ، تَقدّم إبراهيمُ بن الأشتر فحَمَل على محمَّد بن مَرْوان فأزاله عن موضعه، فوجَّه عبدُ الملك بن مروان عبدَ الله بن يزيد بن معاوية، فقرب من محمد بن مروان، والتقى القومُ فَقُتِل مُسلم بن عمرو الباهليّ، وقتِل يَحيَى بن مبشِّر، أحد بني ثعلبة بن يَرْبوع، وقتل إبراهيم بن الأشتر، فهرب عتَّاب بن وَرْقاء -وكان على الخيل مع مصعَب- فقال مصعب لقطنَ بن عبد الله الحارثيّ: أبا عثمان، قدّم خيلك، قال: ما أرى ذلك، قال: ولِمَ؟ قال: أكرَه أن تُقتَل مذْحجٌ في غير شيء، فقال لحجَّار بن أبجَر: أبا أسيد، قدّم رايتَك، قال: إلى هذه العَذرة! قال: ما تتأخَّر إليه والله أنتن وألأم؛ فقال لمحمَّد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيس مثل ذلك، فقال: ما أرَى أحدًا فَعَلَ ذلك فأفْعله. فقال مصعب: يا إبراهيم ولا إبراهيمَ ليَ اليوم! [٦: ١٥٧ - ١٥٨].
حدّثني أبو زيد، قال: حدّثني محمَّد بن سلام، قال: أخبِر ابنُ خازم بمسير مُصعب إلى عبد الملك، فقال: أمَعَه عمر بن عُبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استَعمله على فارس، قال: أفمعَه المهلَّبِ بن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعَه عبَّاد بن الحُصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخُراسان!
خُذينِي فجُرّينِي جَعارِ وأَبْشِري ... بلَحْمِ امِرئٍ لم يَشْهَدِ اليوْمَ ناصِرُهْ
стр. 1324
فقال مصعب لابنه عيسى بن مُصعَب: يا بُنيّ، اركَب أنتَ ومن معك إلى عمِّك بمكَّة فأخبره ما صنع أهلُ العراق، ودّعني فإني مقْتول.
فقال ابنهُ: واللهِ لا أخبر قريشًا عنك أبدًا، ولكن إن أردت ذلك فالحقْ بالبصرة فهم على الجماعة، أو الحَقْ بأمير المؤمنين، قال مصعب: واللهِ لا تتحدّث قريش أني فررت بما صنعتْ ربيعةُ من خذلانها حتى أدخُل الحرمَ مُنْهزِمًا، ولكن أقاتل، فإنْ قُتلت فلعَمْري ما السَّيف بعار، وما الفرار لي بعادة ولا خُلُق، ولكن إن أردت أن تَرجع فارجع فقاتلْ، فرجع فقَاتل حتَّى قتل. [٦: ١٥٨].
قال عليّ بن محمَّد عن يحيى بن سعيد بن أبي المُهاجر، عن أبيه إن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان: إنّ ابن عمِّك يعطيك الأمان، فقال مصعب: إنّ مثلي لا ينصرف عن مثلِ هذا الموقف إلَّا غالبًا أو مغلوبًا. [٦: ١٥٨ - ١٥٩].
قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ ما ذكرتُ من مَقتَل مصعب والحرب الَّتي جرتْ بينه وبين عبد الملك كانت في سنة اثنتين وستين، وأن أمر خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ومصيره إلى البَصْرة من قِبَل عبد الملك كان في سنة إحدى وسبعين، وقُتِل مصعب في جُمَادَى الآخرة (١). [٦: ١٦٢].
ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة
وفي هذه السَّنة دخل عبدُ الملك بن مروان الكوفةَ وفرّق أعمال العراق والمصرَين الكوفة والبصرة على عُمَّاله في قول الواقِديّ؛ وأمَّا أبو الحسن فإنَّه ذكرَ أنّ ذلك في سنة اثنتين وسبعين.
وحدّثني عمرُ، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: قُتِل مصعب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلتْ من جمادى الأولى أو الآخرة سنة اثنتين وسبعين (٢). [٦: ١٦٢].
стр. 1325
الخليفة عبد الملك يستقبل الوفود التي جاءت لبيعته بعد مقتل مصعب
وقال عليّ بن محمَّد: حدّثني القاسم بن مَعْن وغيرُه أنّ مَعْبَد بنَ خالد الجَدَليّ قال: ثمّ تقدّمْنا إليه معشرَ عَدْوان، قال: فقدَّمنا رجلًا وَسيما جَمِيلًا، وتأخَّرت -وكان مَعبد دميمًا- فقال عبدُ الملك: من؟ فقال الكاتب: عَدْوان، فقال عبدُ الملك:
عَذيرُ الحيِّ من عَدْوا ... نَ كانوا حَيَّةً الأَرضِ
стр. 1326
بغى بعضُهُمُ بَعْضًا ... فَلَم يَرْعَوْا على بَعضِ
ومنهمْ كانتِ السَّادَا ... ت والمُوفُون بالقَرْضِ
ثمّ أقبلَ على الجميل فقال: إيه! فقال: لا أدري، فقلتُ مِن خَلْفِه:
ومنهمْ حَكَمٌ يقضِي ... فلا يُنقَض ما يَقضِي
ومنهمْ من يجِيزُ الحـ ... ـجَّ بالسُّنة والفَرْضِ
وهُمْ مُذْ ولدِوا شَبّوا ... بسِر النسب المحض
قال: فتركني عبدُ الملك، ثمّ أقبَل على الجميل فقال: من هو؟ قال: لا أدري؛ فقلتُ مِن خلفه: ذو الإصبع؛ قال: فأقبَل على الجميل فقال: ولِمَ سمّي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري؛ فقلتُ مِن خلفهِ: لأنّ حيَّةً عضّت إصبعَهَ فقطَعَتْها، فأقْبَل على الجميل فقال: ما كان اسمُه؟ فقال: لا أدري؛ فقلتُ من خلفه: حُرْثان بن الحارث، فأقبَل على الجميل، فقال: من أيِّكُم كان؟ قال: لا أدري، فقلت مِن خلفِه: مِن بني ناج، فقال:
أبَعْدَ بني ناجٍ وسَعْيِك بينهمْ ... فلا تُتْبِعنْ عَينَيك ما كان هالِكَا
إذا قُلْتُ مَعْرُوفًا لأُصلِح بينهمْ ... يقول وُهَيبٌ: لا أُصالح ذَلكا
فأَضحِي كظَهْر العَير جُبّ سَنَامُهُ ... تُطيفُ به الِولدانُ أحدبَ بَاركا
ثمّ أقبَل على الجميل، فقال: كم عطاؤك؟ قال: سَبْعمئة، فقال لي: في كَمْ أنتَ؟ قلتُ: في ثلثمئة؛ فأقبل على الكاتبَينِ، فقال: حُطَّا من عطاء هذا أربعمئة، وزيداها في عطاء هذا فرجعتُ وأنا في سبعمئة، وهو في ثلثمئة (١). [٦: ١٦٣ - ١٦٤].
стр. 1327
ذكر خبر ولاية خالد بن عبد الله على البصرة
وفي هذه السنة بعث عبدُ الملك خالدَ بن عبد الله على البَصرة واليًا، حدّثني عمر، قال: حدّثني علي بن محمَّد، قال: مكث حمرانُ على البصرة يسيرًا، وخرج ابن أبي بَكرة حتَّى قَدِم على عبد الملك الكوفة بعد مقتل مُصعَب، فولَّى عبدُ الملك خالدَ بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة وأعمالِها، فوجَّه خالدٌ عُبيدَ الله بن أبي بَكْرة خليفَته على البصرة، فلمَّا قَدِم على حُمْران، قال: أقَدْ جئت لا جئت! فكان ابنُ أبي بَكْرة على البَصْرة حتَّى قدِم خالد (١). [٦: ١٦٥].
قال الطبري: وفي هذه السنة رَجع عبدُ الملك -فيما زَعَم الواقديّ- إلى الشأم.
قال: وفيها نزَع ابنُ الزبير جابرَ بنَ الأسودَ بن عوف عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف. قال: وهو آخر وال لابن الزُّبَيْر على المدينة، حتَّى قدم عليها طارقُ بن عَمرو مولى عثمان، فَهَرب طلحة، وأقام طارقٌ بالمدينة حتَّى كتب إليه عبد الملك.
وحَجَّ بالناس في هذه السَّنة عبدُ الله بن الزُّبَيْر في قول الواقديّ (٢). [٦: ١٦٥ - ١٦٦].
стр. 1328
أمر عبد الله بن خازم السُّلمي مع عبد الملك
وفي هذه السنة كتب عبدُ الملك إِلى عبد الله بن خازم السّلَميّ يدعوه إلى بَيعته ويُطعِمه خُراسانَ سبعَ سنين، فَذكر عليُّ بن محمَّد أن المفضَّل بنَ محمَّد ويحيى بن طُفَيل وزُهيرَ بنَ هُنَيد حدّثوه -قال: وفي خبر بعضِهم زيادةٌ على خبر بعض- أنّ مُصعَب بنَ الزبير قُتِل سنة اثنتين وسبعين وعبدُ الله بن خازم بأبْرشَهْر يُقاتِل بحِير بن وَرْقاء الصُّرَيميّ صُرَيم بن الحارث؛ فكَتَب عبدُ الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سورة بن أشْيم النُّمَيريّ: إنّ لك خُراسانَ سبعَ سنين على أن تُبايع لي.
فقال ابنُ خازم لسَوْرة: لولا أن أحرّب بين بني سُلَيم وبني عامر لقتلتُك ولكن كلْ هذه الصحيفة، فأكلَها.
قال: وقال أبو بكر بن محمَّد بن واسع: بل قدِم بعهد عبد الله بن خازم سوادةُ بن عُبيد الله النُّمَيريّ (١). [٦: ١٧٦].