من كان لا يعلم متى يَموت فإني أعلَم متى أمُوت، أموتُ إذا عاينْتُ قُتيبة؛ قال: كلّا أيقتلُك مع الأمان! فركب ومضَى معه جبغويه - وقد بَرَأ من الجُدَريّ - وصُولُ وعثمانُ ابنا أخي نيزَك - وصول طَرْخان خليفة جبْغويه، وخنس طرخان صاحب شرطه - قال: فلما خرج من الشِّعب عطفت الخيلُ التي خلفها سليم على فوّهة الشعب؛ فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزَك لسُلَيم: هذا أوّل الشرّ؛ لا تفعل، تخلُّف هؤلاء عنك خيرٌ لك.
وأقبَل سليم ونيزَك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مُسلم، فأرسل رسولًا إلى قتيبة يُعلِمه، فأرسَل قتيبةُ عمرو بن أبي مهزَم إلى عبد الرحمن؛ أن اقدم بهم عليّ، فقَدِم بهم عبدُ الرحمن عليه، فحبَس أصحابَ نيزَك، ودفع نيزَك إلى ابن بسّام اللّيثي، وكتب إلى الحجّاج يستأذنه في قتل نيزَك، فجعل ابن بسام نيزَك في قُبّته، وحفر حول القبة خَنْدقًا، ووَضَع عليه حَرَسًا، ووجّه قتيبةُ معاويةَ بن عامر بن علقمة العُلَيميّ، فاستخرج ما كان في الكُرز مَنْ مَتاع ومن كان فيه، وقَدِم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتابَ الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتابُ الحجاج بعد أربعين يومًا يأمُره بقَتْل نيزَك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عَقْد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم؛ قال: كذبتَ، وقام فدَخَل ورَدَّ نيزَك إلى حَبْسه، فمكث ثلاثة أيام لا يَظهرَ للناس. قال: فقام المهلب بن إياس العدويّ، وتكلّمِ في أمْر نيزَك، فقال بعضهم: ما يحِلّ له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحلّ له تركُه، وكثرت الأقاويلُ فيه.
وخرج قتيبة اليومَ الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما تَروْن في قَتْل نيزَك؟ فاختَلَفوا، فقال قائلٌ: اقتله، وقال قائل: أعطيتَهُ عَهْدًا فلا تَقتُله؛ وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين. ودخل ضرار بن حصين الضبيّ فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إنّي سمعتك تقول: أعطيتُ اللهَ عَهْدًا إنْ أمكتَك منه أن تقتُلَه، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدًا، فأطرَق قُتيبةُ طويلًا، ثمّ قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلتُ: اقتُلُوه، اقتُلُوه، اقتُلوه؛ وأرسَل إلى نيزَك فأمر
стр. 1402
بقتله وأصحابه فقتِل مع سبعمئة (١). (٦: ٤٥٤ - ٤٥٨).
قال عليّ: أخبَرَنا مصعَب بن حيّان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفَن بن جَزْء الكلابيّ، وسوّار بن زَهْدم الجَرْميّ، فقال الحجاج: إن كان قُتيبة لحقيقًا أن يَبعَث برأسِ نيزَك مع وَلَدِ مُسْلم، فقال سَوَّار:
أقولُ لمحفَنٍ وجَرى سنيحٌ ... وآخَرُ بارح مِنْ عَنْ يَمِيني
وَقَدْ جَعلَتْ بوائقُ من أمورٍ ... ترفَّع حولَه وتكفّ دوني
نشدْتُكَ هَلْ يسُرّك أن سَرْجي ... وسَرْجك فوق أبغُل باذيينِ
قال: فقال محْفَن: نعم وبالصّين. (٦: ٤٥٨ - ٤٥٩).
قال عليّ: أخَبَرنا حمزة بن إبراهيم وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريرة؛ عن مَرْزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يومًا بنيزَك وهو محبوس، فقال: ما رأيُك في السَّبَل والشذّ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلتُ إليهما؟ قال: لا؛ قال: فأرسَل إليهما قتيبة فقَدما عليه، ودعا نيزَك وجبغويه فَدخَلا، فإذا السَّبَل والشذّ بين يديه على كرسيّين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذّ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لي عدوًّا - فهو أسَنّ منّي، وهو المَلِك وأنا كَعَبْده، فائْذن لي أدنُ منه، فأذن له، فدنا منه. فقبّل يده وسجَد له، قال: ثم استأذَنَه في السَّبَل، فأذن له فَدنَا منه فمبّل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أن من الشذّ، فإني عَبْدُه، فأذن له، فدنا منه فقبّل يَده، ثم أذن قتيبة للسَّبَل والشذّ فانصرَفَا إلى بلادهما، وضم إلى الشذّ الحجَّاج القينيّ، وكان من وُجوه أهلِ خُراسان. وقتل قتيبةُ نيزَك، فأخذ الزبيرُ مولَى عابس الباهليّ خُفًّا لنيزَك فيه جوهر، وكان أكثرَ من في بلاده مالًا وعقارًا؛ من ذلك الجوهر الذي أصابه في خُفّة، فسَوّغه إياه قُتَيبة، فلم يَزَل مُوسرًا حتى هَلَك بكابُل في ولاية أبي داود. (٦: ٤٥٩).
стр. 1403
ولاية خَالِد بن عبد الله القسْريّ على مكة
وفي هذه السنة ولَّى الوليدُ بن عبد الملك مكةَ خالدَ بنَ عبد الله القَسْريّ فلَم يزل واليًا عليها إلى أن مات الوليد (١). (٦: ٤٦٤).
وحجّ بالناس في هذه السنة الوليدُ بن عبد الملك، حدّثني أحمدُ بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي مَعشر، قال: حجّ الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين (٢). (٦: ٤٦٥).
قال: وأقام الحجّ الوليد بن عبد الملك.
وكانت عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين، غير مكة فإنّ عاملَها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القَسْريّ في قول الواقديّ.
وقال غيرُه: كانت ولايَة مكّة في هذه السنة أيضًا إلى عمر بن عبد العزيز (٣). (٦: ٤٦٧).
ثمّ دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك غَزْوة مَسلمةَ بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرضَ الرّوم، ففُتح على يَدي مسلمةَ حُصون ثلاثة، وجَلا أهلُ سُوسَنَة إلى جَوْف أرض الرّوم.
стр. 1404
فتح الأندلس
وفيها غزا طارِقُ بن زياد مولَى موسى بن نصير الأندلسَ في اثني عشرَ ألفًا، فلقي مَلك الأندلس (١). (٦: ٤٦٨)
وفيها غَزَا - فيما زَعَم بعضُ أهل السيَر - قتيبةُ سجسْتانَ يريد رُتبيل الأعظم والزّابل، فلما نزَل سجسْتانَ تلقته رُسُلُ رُتبِيل بالصُّلح، فَقبل ذلك وانصرف، واستَعمَل عليهم عبد ربّه بن عبد الله بن عُمَير اللَّيثيّ (٢). (٦: ٤٦٨)
وحَجّ بالناس في هذه السنة عمرُ بن عبد العزيز وهو على المدينة، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر. وكذلك قال الواقديّ وغيرُه.
وكان عُمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها في السنة التي قَبْلَها (٣). (٤٦٨: ٦)
ثمّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
فممّا كان فيها من ذلك غَزْوة العبّاس بن الوليد أرضَ الرّوم، فتَح الله على يديه سَمَسْطِيَّة (٤). (٤٦٩: ٦).
وفيها كانت أيضًا غَزْوة مَرْوان بن الوليد الرّومَ، فبَلَغ خَنْجَرة وفيها كانت غزوة مَسلَمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم، فافتَتح ماسا وحصن الحديد وغَزالةَ
стр. 1405
وبرجمة من ناحيةِ ملطية (١). (٦: ٤٦٩)
صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد
وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالحَ ملك خُوارَزْم صُلْحًا مجدّدًا (٢). (٤٦٩: ٦)
فتح سمرقند
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قُتيبة بن مُسلم منصرفَه من خُوارزم سَمَرقْند، فافتَتَحها (٣). (٦: ٤٧٢)
فتح طليطلة
وفي هذه السنة عَزَل موسى بن نُصير طارقَ بنَ زياد عن الأندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة (٤). (٦: ٤٨١)
خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز
وفيها عُزِل عمر بن عبد العزيز عن المدينة. (٦: ٤٨١)
стр. 1406
فتوح محمد بن القاسم الثقفي
وفيها (٩٣) افتتح محمد بن القاسم الثقفي الديبل، ثم سار إلى بيرون (١).
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غَزْوة العباس بن الوليد أرضَ الرّوم، فقيل: إنه فَتَح فيها أنطاكية.
وفيها غَزَا - فيما قيل - عبدُ العزيز بن الوليد أرضَ الرّوم حتى بلَغ غَزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطيّ أرض بُرْج الحمام، ويزيد بن أبي كَبشة أرضَ سُورِية.
وفيها كانت الرَّجفة بالشأم.
وفيها افتَتَح القاسمُ بن محمد الثقفيّ أرض الهناء (٦: ٤٨٣).
ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جُبَير
وفي هذه السنة قتل الحجاجُ سعيد بنَ جُبَير.
ذكر الخبر عن مقتله:
стр. 1407
وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرَج عليه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج جعله على عطاء الجُنْد حين وجّه عبدَ الرحمن إلى رُتْبيل لقتاله، فلما خلع عبدُ الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خَلَعه معه، فلما هُزِم عبدُ الرحمن وهَرَب إلى بلاد رُتْبيل هَرَب سعيد.
فحدّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش، قال: كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان - وكان سعيد، قال الطبريّ: أظنه أنه لما هَرَب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكَتَب إليه -: إنّ سعيدًا عندَك فخُذْه فجاء الأمرُ إلى رجل تحرَّج، فأرسل إلى سعيد: تحوَّلْ عني، فتنحَّى عنه، فأتى أذْرَبيجان، فلم يزَل بأذْرَبيجان فطَال عليه السنون، واعتَمَر فخَرَج إلى مكة فأقامَ بها، فكان أناس من ضربه يستخفُون فلا يُخبرون بأسمائهم. قال: فقال أبو حَصِين وهو يحدّثنا هذا. فبلَغنا أنّ فلانًا قد أمِّر على مكة. فقلت له: يا سعيد، إنّ هذا الرجل لا يُؤمَن، وهو رَجُل سَوْء، وأنا أتقيه عليك، فاظعَن واشخص، فقال: يا أبا حَصين، قد والله فررت حتى استحييتُ من الله! سيجيئُني ما كَتَب الله لي. قلتُ: أظنك والله سعيدًا كما سمتْك أمك. قال: فقَدِم ذلك الرجل إلى مَكة، فأرسلَ فأخذ فلان له وكلّمه. فجعل يديره (١). (٦: ٤٨٧ - ٤٨٨).
وذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس، قال: كتَبَ الحجاج إلى الوليد: إنّ أهلَ النفاق والشقاق قد لجؤوا إلى مكة، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ يأذَن لي فيهم! فكتَبَ الوليدُ إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ؛ فأخَذ عطاءً وسعيد بنَ جُبَير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار؛ فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لأنهما مكيّان، وأما الآخَرون فبعث بهم إلى الحجّاج، فمات طلقٌ في الطريق، وحُبِس مجاهدٌ حتى مات الحجاج. وقُتِل سعيدُ بن جُبير. (٦: ٤٨٨).
стр. 1408
حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا الأشجعيّ، قال: لما أقبل الحرَسِتان بسعيد بن جُبير نزَل منزلًا قريبًا من الرَّبذَة، فانطلَق أحد الحرَسيين في حاجته وبقي الآخَر، فاستيقَظ الذي عندَه، وقد رأى رُؤْيا، فقال: يا سعيد، إني أبرأ إلى الله من دمك! إنّي رأيتُ في منامي؛ فقيل لي: ويلَك! تبرّأ من دَمِ سعيد بن جُبَير. اذهبْ حيث شئتَ لا أطلُبك أبدًا؛ فقال سعيد: أرجو العافية - وأرجو، وأبى حتى جاء ذاك؛ فنزَلا من الغد، فأري مثلها، فقيل: ابرَأ من دمِ سعيد. فقال: يا سعيد، اذهَبْ حيثُ شئتَ إني أبرأ إلى الله من دَمِك، حتى جاء به (١). (٦: ٤٨٨ - ٤٨٩).
قال وهب بن جَرير: حدَّثنا أبي، قال: سمعت الفضل بن سويد قال: بعَثَني الحجاج في حاجة، فجيء بسعيدِ بن جُبَير، فرجعتُ فقلت: لأنظرن ما يصنَع، فقمتُ على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد، ألم أشرِكْك في أمانتي! ألم أستَعْمِلْك! ألم أفْعَل! حتى ظننتُ أنه يخلي سبيله؛ قال: بلى، قال: فما حَمَلك على خروجك عليّ؟ قال: عُزِم عليّ. قال: فطار غَضبًا وقال: هيه! رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقًّا، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حَقًّا!
اضرِبا عنقَه، فضمربت عُنقُه، فنَدَر رأسه عليه كمّة بيضاء لا طية صغيرة (٢). (٤٨٩: ٤).
وحُدّثت عن أبي غسانَ مالك بن إسماعيل، قال: سمعتُ خلف بنَ خليفة يَذكُر عن رجل قال: لما قُتل سعيدُ بن جبير فنَدرَ رأسُه لله، هلل ثلاثًا: مرّة يُفصح
стр. 1409
بها، وفي الثِّنتَين يقول مِثلَ ذلك فلا يُفصِح بها (١). (٦: ٤٨٩).
قال أبو جعفر؛ وكان يقال لهذه السنة سنةُ الفُقَهاء، ماتَ فيها عامّة فُقَهاء أهل المدينة، مات في أوّلها عليّ بن الحُسَين ﵇، ثمّ عُروة بن الزُّبَيْر، ثم سعيدُ بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام (٢). (٤٩١: ٦).
واستقضَى الوليدُ في هذه السنة بالشأم سليمانَ بن حبيب.
واختلف فيمن أقامَ الحج للناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حَدّثني أحمدُ بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى عنه - قال: حَجّ بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة أربع وتسعين.
وقال الواقديّ: حجّ بالناس سنة أربع وتسعين عبدُ العزيز بن الوليد بن عبد الملك - قال: ويقال: مَسلَمة بن عبد الملك.
وكان العاملُ فيها على مكة خالد بن عبد الله القَسْريّ. وعلى المدينة عثمان بن حيّان المُرّيّ، وعلى الكوفة زياد بن جَرير، وعلى قَضائها أبو بكر بن أبي موسى. وعلى البَصْرة الجرّاح بن عبد الله، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرّة بن شريك، وكان العراق
стр. 1410
والمشرق كله إلى الحجاج (١). (٦: ٤٩١).
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
ففيها كانت غَزْوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففتَحَ اللهُ على يديه ثلاثةَ حُصون فيما قيل: وهي: طولس، والمرزبانين، وهَرَقْلة، وفيها فتح آخر الهند إلا الكَيرَج والمَنْدَل. (٦: ٤٩٢).
بقية الخير عن غزو الشاش
وفيها غزا قُتيبة بن مُسلِم الشاش.
ذكر الخبر عن غزوته هذه:
رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد، قال: وبعث الحجاج جيشًا من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا، فلما كان بالشاش -أو بكُشماهن- أتاه موتُ الحجاج في شوّال، فغمَّه ذلك، وقَفَل راجعًا إلى مَرْوَ.
وتمثل:
لَعمري لنِعمَ المرءُ من آلِ جَعفَرٍ ... بحَورَانَ أمسى أعلَقَتْه الحَبَائلُ
فإنْ تَحْيَ لا أملَلْ حياتي وإن تَمُتْ ... فما في حَيَاة بَعد مَوتِكَ طائلُ
قال: فرجع بالناس ففرّقهم، فخلَّف في بخارَى قومًا، ووجّه قومًا إلى كسّ ونَسَف، ثمّ أتَى مَرْوَ فأقام بها، وأتاه كتابُ الوليد: قد عَرَف أميرُ المؤمنين بلاءَك وجِدك في جهادِ أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعُك وصانع بك كالذي يجب لك، فالمم مغازيك، وانتظرْ ثوابَ ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبَك؛ حتى كأني أنظرُ إلى بلادك والثغر الذي أنتَ به (٢). (٦: ٤٩٢ - ٤٩٣).
وفيها مات الحجاج بن يوسفَ في شوّال - وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة
стр. 1411
وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة - وقيل: كانت وفاتُه في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان (١). (٦: ٤٩٣).
وفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاةُ على الصلاة ابنَه عبدَ الله بن الحجاج. وكانت إمرةُ الحجاج على العراق فيما قال الواقديّ عشرين سنة.
وفي هذه السنة افتَتَح العبّاس بن الوليد قِنَّسْرين.
وفيها قُتِلَ الوضّاحيّ بأرض الرّوم ونحو من ألفِ رجل معه.
وفيها - فيما ذكر - وُلد المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ.
وفيها ولّى الوليدُ بن عبد الملك يزيدَ بنَ أبي كَبْشة على الحَرْب والصلاة بالمصرين: الكوفةَ والبَصْرة، وولَّى خراجَهما يزيدَ بنَ أبي مسلم.
وقيل: إن الحجاج كان استخْلَف حين حضرتْه الوَفاة على حرب البلدين والضَلاة بأهلهما يزيد بن أبي كَبْشة، وعلى خراجهما يزيدَ بنَ أبي مسلم،
стр. 1412
فأقرّهما الوليد بعدَ موتِ الحجاج على ما كان الحجاج استخلَفهما عليه. وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم، أقرّهم بعدَه على أعمالهم التي كانوا عليها في حَياته.
وحَجَّ بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ.
وكان عُمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، إلا ما كان من الكُوفة والبَصْرة، فإنهما ضُمّتَا إلى مَن ذكرتُ بعد موتِ الحَجّاج (١). (٦: ٤٩٣ - ٤٩٤)
ثم دخلت سنة ستّ وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
ففيها كانت - فيما قال الواقديّ - غَزْوَة بِشْر بن الوَليد الشاتية، فقَفَل وقد ماتَ الوليد. (٦: ٤٩٥)
ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك
وفيها كانت وَفاةُ الوَليد بن عبد الملك، يومَ السبت في النّصف من جُمادَى الآخِرة سنة ست وتسعين في قول جميع أهل السَير (٢). (٦: ٤٩٥).
واختُلف في قَدْر مذة خلافته، فقال الزُّهْري في ذلك - ما حُدّثت عن ابن وَهْب عن يونس عنه: ملك الوليدُ عشرَ سنين إلا شهرًا.
وقال أبو معشر فيه ما حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكَرَه، عن إسحاقَ بن عيسى، عنه: كانت خلافةُ الوليدِ تسعَ سنينَ وسبعةَ أشهر. وقال هشام بن
стр. 1413
محمد: كانت ولايةُ الوَليد ثمان سنين وستة أشهر.
وقال الواقديّ: كانت خلافتُه تسعَ سنين وثمانيةَ أشهر وليلتين.
واختلف أيضًا في مبلَغ عمره، فقال محمد بن عمر: توفي بدِمَشق وهو ابنُ ست وأربعين سنة وأشهر.
وقال هشامُ بن محمد: توفي وهو ابنُ خمس وأربعين سنة.
وقال عليّ بن محمد: تُوُفَي وهو ابنُ اثنتين وأربعين سنةً وأشهر.
وقال علي: كانت وفاةُ الوليدِ بدَير مُرَّان، ودفِنَ خارجَ باب الصّغير. ويقال: في مَقابر الفَراديس.
ويقال: إنه توفي وهو ابنُ سبع وأربعين سنة.
وقيل: صلى عليه عمرُ بن عبد العزيز (١). (٦: ٤٩٥)
وكان له - فيما قال عليّ - تسعة عشر ابنًا: عبد العزيز، ومحمّد، والعباس، وإبراهيم، وتمَّام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشّر، ومسرور، وأبو عُبيدة، وصَدَقة، ومنصور، ومروان، وعَنْبسة، وعمر، ورَوْح، وبِشْر، ويزيد، ويحيى.
أمُّ عبد العزيز ومحمد وأمّ البنين بنتَ عَبد العزيز بن مَرْوان، وأم أبي عُبيدة فزارّية، وسائرهم لأمهات شتى. (٦: ٤٩٦)
ذكر الخبر عن بعض سيره:
حدّثني عُمَر، قال: حدّثني عليّ، قال: كان الوليدُ بن عبد الملك عند أهل الشأم أفضل خلائفهم، بني المساجدَ مسجدَ دمَشق ومسجدَ المدينة، ووضَع المَنار، وأعطَى الناسَ، وأعطَى المُجَذَّمين، وقال: لا تسألوا الناس. وأعطَى كلَّ مُقْعَد خادمًا، وكلَّ ضَرير قائدًا. وفُتِحَ في ولايته فُتوع عِظام، فتَحَ موسى بنَ نُصير الأندلس، وفتَح قتيبة كاشْغَر، وفتَح محمد بن القاسم الهند.
стр. 1414
قال: وكان الوليدُ يمرّ بالبقال فيَقف عليه فيأخذ حُزْمة البَقْل فيقول: بكَمْ هذه؟ فيقول: بفَلْس؛ فيقول: زدْ فيها.
قال: وأتاه رجلٌ من بني مخزوم يسألُه في دَينِه، فقال: نعم، إن كنت مستحقًا ذلك، قال: يا أميرَ المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقًّا لذلك مع قرابتي! قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادْنُ مني، فدَنا منه، فنَزَع عمامتَه بقَضيب كان في يده، وقَرَعه قَرَعات بالقَضيب، وقال لرجل: ضُمَّ هذا إليك، فلا يُفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام إليه عثمانُ بن يزيدَ بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ عليّ دينًا، فقال: أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشرَ آيات من الأنفال، وعشْر آيات من براءة، فقرأ، فقال: نَعَم، نَقْضي عنكم، ونصل أرحامَكم على هذا.
قال: ومَرِض الوليدُ فرهقتْه غشْيَة، فمكث عامة يومِه عندَهم ميتًا، فبُكيَ عليه، وخرجت البُرُد بموته، فقَدِم رسولٌ على الحجاج، فاسترْجَع، ثمّ أمر بحبل فَشُدّ في يديه. ثم أوثق إلى أسطوانة، وقال: اللهمّ لا تسلط عليَّ من لا رحمةَ له، فقد طالما سألتُك أن تجعل منيتي قبل مَنِيته! وجعل يدعُو، فإنه لكذلك إذ قَدِم عليه بريدٌ بإفاقته.
قال عليّ: ولما أفاق الوليدُ قال: ما أحدٌ أسَرَّ بعافية أميرِ المؤمنين من الحجاج؛ فقال عمرُ بن عبد العزيز: ما أعظم نعمةَ الله علينا بعافيتك، وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خرّ الله ساجدًا، وأعتق كل مملوك له، وبعث بقوارير من أنْبَج الهند فما لَبث إلا أيامًا حتى جاء الكتاب بما قال:
قال: ثمّ لم يمُت الحجّاجُ حتى ثَقُل على الوَليد، فقال خادمٌ للوليد: إني لأوضّئ الوليدَ يومًا للغَداء، فمدّ يدَه، فجعلتُ أصبّ عليه الماء، وهو ساه والماء يسيلُ ولا أستطيعُ أن أتكلم، ثمّ نضَح الماءَ في وجهي، وقال: أناعسٌ أنتَ! ورَفَع رأسه إليّ وقال: ما تَدْري ما جاء الليلة؟ قلتُ: لا؛ قال: وَيحَك!
стр. 1415
مات الحجاج! فاسترجعتُ. قال: اسكُتْ ما يُسرّ مولاك أن في يده تفاحةً يشُمّها (١). (٤٩٦: ٦ - ٤٩٧).
قال عمر: قال عليّ: وأخبرنا أبو عاصم الزّياديّ عن الهِلْواث الكلبيّ، قال: كنا بالهِنْد مع محمد بن القاسم، فقَتَل الله داهِرًا، وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلَعوا سليمانَ، فلما ولي سليمانُ جاءنا كتابُ سليمانَ: أن ازرَعوا واحرُثوا، فلا شأمَ لكم، فلم نزلْ بتلك البلاد حتى قام عمرُ بن عبد العزيز فأقفَلنا. (٤٩٩: ٦).
[فتح قتيبة كاشغر وغزو الصين]
وفي هذه السنة افتتح قتيبةُ بن مسلم كاشغر، وغَزَا الصين.
ذكر الخبر عن ذلك:
رَجْع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد بالإسناد الذي ذكرتُ قبلُ قال: ثمّ
стр. 1420
غزا قتيبةُ في سنة ست وتسعين، وحَمَل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يُحرِز عياله في سَمرقَنْد خوفًا من سليمان، فلما عبر النهر استعمل رجلًا من مواليه يقال له الخُوارَزْمِيّ على مَقطَع النهر، وقال: لا يجوزَن أحدٌ إلا بجَواز؛ ومَضى إلى فَرْغانة، وأرسَل إلى شِعْب عصام من يُسَهّل له الطريق إلى كاشغر، وهي أدنَى مدائن الصين، فأتاه موتُ الوَليد وهو بفرْغانة.
قال: فأخبَرنا أبو الذّيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زُهير: لما عبر قتيبةُ النهرَ أتيتهُ فقلت له: إنك خرجتَ ولم أعلم رأيك في العِيال فنأخذَ أهبْةَ ذلك. وبَنيَّ الأكابر معي، ولي عيال قد خلَفْتهم وأم عجوز، وليس عندهم مَن يقوم بأمرِهم، فإن رأيت أن تَكتُب لي كتابًا مع بعض بَنيَّ أوجّهه فيقدم عليّ بأهلي! فكتَبَ، فأعطاني الكتابَ فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخَر، فألوَيت بيدي، فجاء قومٌ في سفينة فقالوا: مَن أنتَ؟ أين جَوازك؟ فأخبرتُهم، فقَعدَ معي قومٌ وردّ قومٌ السفينةَ إلى العامل، فأخبروه. قال: ثمّ رجعوا إليّ فحملوني، فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائعٌ، فرميتُ بنفسي، فسألَني عن الأمر، وأنا آكلُ لا أجيبه، فقال: هذا أعرابيّ قد ماتَ من الجوع، ثمّ ركبتُ فمضيتُ فأتيتُ مروَ، فحملت أمي، ورجعتُ أريدُ العسكر، وجاءنا موتُ الوَليد، فانصرفتُ إلى مرْو.
وقال: وأخبرَنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبةُ كثير بن فلان إلى كاشغَر، فسبَى منها سَبْيًا، فختم أعناقَهم مما أفاء الله على قُتيبة، ثمّ رجع قتيبة وجاءهم موتُ الوليد.
قال: وأخبرَنَا يحيى بن زَكرياء الهَمْدانيّ عن أشياخ من أهلِ خرُاسان والحَكَم بن عثمان، قال: حدّثني شيخ من أهل خُراسانَ. قال: وَغَل قتيبة حتى قرب من الصين. قال: فكتَبَ إليه مَلِك الصين أن ابعثْ إلينا رجلًا من أشراف مَن مَعَكم يُخبرنا عنكم، ونُسائِله عن دينكم. فانتخَب قتيبةُ من عسكره اثني عشرَ رجلًا - وقال بعضهم: عشرة - من أفناء القبائل، لهم جَمال وأجْسام وألسُن وشُعور وبأس، بعد ما سأل عنهم فوَجَدهم مِن صالح مَن هم منه. فكلّمهم قتيبةُ، وفاطَنَهم فرأى عقولًا وَجمالًا، فأمر لهم بعُدّة حسنة من السلاح والمَتاع الجيّد من الخَزّ والوَشْي والليّن من البَياض والرّقيق والنعال والعِطْر، وحَملَهم
стр. 1421
على خيول مطهّمة تُقادُ معهم، ودوابّ يرَكَبونها. قال: وكان هُبيرة بن المشَمْرَج الكلابيّ مفوهًا بسيطَ اللسان، فقال: يا هُبيرة، كيف أنتَ صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كُفيتَ الأدبَ وقلْ ما شئت أقُله. وآخذ به، قال: سِيروا على بركة الله، وبالله التوفيق، لا تَضعوا العمائمَ عنكم حتى تقدموا البلادَ، فإذا دخلتمْ عليه فأعلموهُ أني قد خفتُ ألّا أنصرِفَ حتى أطأ بلادَهم، وأختمَ ملوكهم، وأجْبي خَراجَهم.
قال: فساروا، وعليهم هبيرة بن المشَمرَج، فلما قدموا أرسلَ إليهم مَلِكُ الصين يدعوهم، فدَخلَوا الحمام، ثمّ خرجوا فلبسوا ثيابًا بيضا تحتها الغَلائل، ثم مَسّوا الغالية، وتدخّنوا ولبسوا النعال والأردية. ودخلوا عليه وعندَه عظماءُ أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحدٌ من جلسائه فنَهضوا، فقال الملك لمَن حَضَره: كيف رأيتم هؤلاء؛ قالوا: رأينا قومًا ما هُمْ إلّا نساء، ما بقيَ منا أحد حين رآهم ووَجَد رائحتَهم إلا انتشَر ما عندَه.
قال: فلما كان الغد أرسَل إليهم فَلِبسوا الوشيَ وعَمائمَ الخَزّ والمَطارِف، وغدَوْا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجِعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبَهُ بهيئة الرّجال من تلك الأولى، وهم أولئك، فلما كان اليوم الثالث أرسَلَ إليهم فشَدّوا عليهم سلاحَهم، ولَبسوا البَيضَ والمَغافِرَ، وتقلَّدوا السيوف، وأخَذوا الرّماح، وتنكبوا القسِيّ، وركبِوا خيولَهم، وغَدوا فنَظَر إليهم صاحبُ الصين فرأى أمثال الجِبال مُقْبِلة، فلما دَنوا ركزوا رِماحَهم، ثمّ أقَبلوا نحوَهم مشمّرين، فقيل لهم قبلَ أن يدخلوا: ارجعوا، لما دَخَل قلوبَهم من خَوْفهم.
قال: فانصَرَفوا فَركِبوا خيولهم، واختَلَجوا رِماحَهم، ثم دفعوا خيولَهم كأنهم يتطارَدون بها، فقال المَلِك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاء قطّ، فلما أمسَى أرسَل إليهم الملك، أن ابعَثوا إليّ زعيمَكم وأفضَلَكم رجلًا، فبَعثوا إليه هُبَيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيمَ مُلْكي، وإنه ليس أحدٌ يمَنَعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البَيضة في كفِّي وأنا سائلك عن أمر فإنْ لم تَصدقني قَتلتُكم. قال: سَل؛ قال: لِمَ صَنعتم من الزيّ في اليوم الأول والثاني والثالث؟ قال: أما زيُّنا الأوّل فلِباسنا في أهالينا وريحنا
стр. 1422
عندَهم، وأما يومُنا الثاني فإذَا أتينا أمراءنَا، وأما اليومُ الثالث فَزّيّنا لعدّونا، فإذا هاجَنَا هيج وفزع كنا هكذا، قال: ما أحسنَ ما دبّرتم دَهْركم! فانصرِفوا إلى صاحبكم فقولوا له: يَنصرِف، فإني قد عرفتُ حِرصَه وقلة أصحابه، وإلا بعثتُ عليكم من يُهلِككم ويُهلِكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أوّل خيلهِ في بلادك وآخِرها في منابت الزّيتون! وكيف يكون حَرِيصًا من خلّف الدنيا قادرًا عليها وغَزاك! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنّ لنا آجالًا إذا حَضَرْت فأكرمها القتلُ، فلسنْا نَكرهه ولا نَخافُه؛ قال: فما الذي يُرضِي صاحبَك؟ قال: إنه قد حلف ألّا ينصرف حتى يطأ أرضَكم، ويختم ملوكَكم، ويُعطَى الجِزْية، قال: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من ترابِ أرضِنا فيطؤه، ونَجث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونجث إليه بِجزية يرضاها، قال: فدعا بصِحاف من ذهب فيها تُرابٌ، وبَعث بحرير وذهب وأربعةِ غِلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسَنَ جَوائزهم، فساروا فقَدِموا بما بَعَث به، فَقِبل قتيبةُ الجِزْية، وختم الغِلْمة وردّهم، ووَطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السَّلُوليّ:
لا عَيبَ في الوَفْدِ الذينَ بَعَثتَهُمْ ... للصين إِنْ سَلَكوا طريقَ المَنَهج
كسرُوا الجفونَ على القذَى خوفَ الرَّدَى ... حاشَا الكريم هُبَيرةَ بن مُشَمرجِ
لَم يَرضَ غيرَ الخَتْمِ في أَعناقِهم ... ورهائِنٍ دُفِعَتْ بِحَملِ سَمَرَّج
أَدَّى رسالتَك التي استَرعَيتَهُ ... وأَتاك مِن حِنثِ اليمين بمخرجِ
قال: فأوفَد قتيبةُ هبيرةَ إلى الوليد، فمات بقربةَ من فارِسَ، فرَثاه سوادَةُ، فقال:
للهِ قبرُ هُبيرَة بن مُشمرَجٍ ... ماذا تَضَمَّنَ من نَدىً وجَمَال!
وبديهةٍ يَعيَا بها أَبناؤها ... عند احتفالِ مَشاهدِ الأَقوال
كان الربيعَ إذا السّنون تَتَابعَت ... والليثَ عند تَكعكع الأَبطالِ
فَسَقَتْ بقربةَ حيثُ أَمسى قبرُه ... غرٌّ يَرُحنَ بمسبِلٍ هطَّالِ
بكَتِ الجيادُ الصافنات لفَقدِه ... وبَكاه كلُّ مُثَقَّفٍ عَسَّالِ
وبكتْهُ شُعْثٌ لم يجدنَ مُواسِيًا ... في العام ذي السَّنَوات والإِمحالِ
قال: وقال الباهليّون: كان قتيبة إذا رجع من غَزاتِه كلّ سنة اشتَرَى اثنَي عشر فرسًا من جِياد الخيل؛ واثنى عشرَ هجينًا، لا يُجاوز بالفرَس أربعة آلاف، فيقام
стр. 1423
عليها إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعَسكَر قيّدت وأضمِرتْ، فلا تقطَع نهرًا بخيل حتى تخفّ لُحومُها، فيَحمِل عليها من يَحمِله في الطلائع، وكان يبعثِ في الطلائع الفُرسان من الأشراف، ويبعث معهم رجالًا من العجم فمن يستنصح على تلك الهجن، وكان إذا بعث بطَليعة أمرَ بلَوْح فنُقِش، ثمّ يشقّه شقّتين فأعطاه شقّة، واحتبس شقة، لئلا يمثَل مثلها، ويأمره أن يَدفِنها في موضع يصفُهُ له من مخاضَة معروفة، أو تحتَ شجرة معلومة، أو خربة، ثمّ يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادِقٌ في طليعته أم لا.
وقال ثابت قُطنة العَتَكيّ يذكر مَنْ قُتِل من ملوك الترك:
أَقَرَّ العَينَ مقتلُ كارزنكٍ ... وكَشْبيز وما لاقَى بيار
وقال الكُميتُ يَذكُر غَزوة السُّغْد وخُوارزْم:
وبعدُ في غزوةٍ كانت مُباركةً ... تردِي زراعةَ أَقوامٍ وتَحتَصِدُ
نالتْ غَمامتُها فِيلًا بَوابِلهَا ... والسُّغْد حين دنا شؤبُوبُها البَرِدُ
إِذ لا يزالُ له نَهبٌ يُنَفَّلهُ ... منَ المقاسِمِ لا وَخْشٌ ولا نَكَدُ
تلك الفُتوحُ التي تُدْلي بِحُجَّتِهَا ... على الخليفةِ إِنَّا معشرٌ حُشُدُ
لَم تَثنِ وجهَكَ عن قومٍ غَزوتَهُم ... حتى يُقال لهم: بُعدًا وقد بعِدُوا
لم ترضَ مِن حِصنهمْ إِن كان ممتَنِعًا ... حتى يُكَبَّرَ فيه الواحدُ الصَّمَدُ (١)
(٦: ٥٠٠ - ٥٠٤).
خلافة سليمان بن عبد الملك
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بُويع سليمانُ بن عبد الملك بالخلافة، وذلك في اليوم الذي تُوفِّي فيه الوليدُ بن عبد الملك، وهو بالرَّمْلة (٢). (٦: ٥٠٥).
وفيها عَزَل سليمانُ بن عبد الملك عثمانَ بن حيّان عن المدينة، ذكرَ
стр. 1424
محمد بن عمرَ، أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة ستّ وتسعين.
قال: وكان عملُه على المدينة ثلاثَ سنين. وقيل: كانت إمرتُه عليها سنتين غير سَبْعِ ليال (١). (٦: ٥٠٥)
خبر مقتل قتيبة بن مسلم
وفي هذه السنة قُتِل قتيبة بن مسلمِ بخُراسان (٢). (٦: ٦٠٥)
وكذلك قال خليفة (ص ٣١٨).
ذكر الخبر عن سبب مقتله:
وكان سبب ذلك أن الوليد بنَ عبد الملك أراد أن يجعلَ ابنهَ عبدَ العزيز بن الوليد وليّ عهدِه، ودَسّ في ذلك إلى القوّاد والشعراء، فقال جرير في ذلك:
إِذا قيلَ أَيّ الناس خيرُ خليفةٍ؟ ... أشارَتْ إِلى عبد العزيزِ الأَصابعُ
رَأَوْهُ أَحقَّ الناس كلِّهِم بها ... وما ظَلموا، فبايَعوه وسَارعُوا
وقال أيضًا جرير يحضّ الوَليد على بيَعة عبد العزيز:
إِلى عبد العزيزِ سَمَت عيونُ الرَّ ... عيّةِ إِذ تَحيَّرَت الرِّعاءُ
إِليه دَعتْ دَواعِيهِ إِذا مَا ... عمَادُ المُلكِ خَرَّت والسَّماءُ
وقال أُولو الحكومةِ من قُرَيش ... علينا البيعُ إِن بلغ الغلاءُ
رَأَوْا عبدَ العزيز وليَّ عَهْدٍ ... وما ظلموا بذاكَ ولا أَسَاؤُوا
فماذا تنظرونَ بها وفيكمْ ... جسُورٌ بالعظائم واعتلاءُ!
فَزَحِلفها بِأَزْمَلِهَا إِليه ... أميرَ المؤمنين إِذا تَشاءُ
فإِنَّ الناسَ قد مَدُّوا إِليه ... أكُفَّهُمْ وقد بَرِحَ الخفاءُ
فبايَعهَ على خلَعْ سليمانَ الحجاجُ بن يوسفَ وقتيبة، ثم هلك الوليد وقامَ سليمانُ بن عبد الملك، فخافه قتيبة. (٦: ٥٠٦ - ٥٠٧)
стр. 1425
قال عليّ بن محمد: أخبَرَنا بِشْرِ بن عيسى والحَسَن بن رشيد وكُلَيب بن خَلَف عن طُفيل بن مِرْداس، وجَبَلة بن فروخ عن محمد بن عزيز الكِنْديّ، وجَبَلة بن أبي روّاد ومسلمة بن محارب عنِ السَّكِن بن قتَادة؛ أن قتيبةَ لما أتاه موتُ الوليدِ بن عبد الملك وقيامُ سليمان. أشفقَ من سليمانَ لأنه كان يَسعى في بَيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج. وخاف أن يولّي سليمانُ يزيدَ بنَ المهلب خُراسان. قال: فكتب إليه كتابًا يُهنّئه بالخلافة. ويعزّيه على الوليد. ويُعلمه بلاءَه وطاعتَه لعبد الملك والوليد. وأنه له على مِثل ماكان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يَعزِلْه عن خُراسان. وكتب إليه كتابًا آخرَ يُعلِمه فيه فتُوحَه ونِكايتَه وعظمَ قَدرِه عند مُلوك العَجَم، وهيبته في صدورهم، وعظم صوته فيهم، ويذمّ المهلب وآل المهلَّب. ويحلف بالله لئن استعمل يزيدَ على خُراسان ليخلعنّه. وكتب كتابًا ثالثانيه خَلْعُه. وبعث الكُتُب الثلاثة مع رجل من باهِلة. وقال له: ادفع هذا الكتاب، فإن كان يزيدُ بن المهلب حاضرًا، فقرأه ثم ألقاه إليه؛ فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قَرَأه وألقاه إلى يزيدَ؛ فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأ الأوّل ولم يدفعْه إلى يزيد؛ فاحتبس الكتابَين الآخرَين.
قال: فقَدِم رسولُ قتيبةَ فدخل على سليمانَ وعندَه يزيدُ بن المهلب. فَدَفَع إليه الكتاب، فقرأه. ثم ألقاه إلى يزيد. فدفع إليه كتابًا آخرَ فقرأه، ثمّ رَمَى به إلى يزيدَ، فأعطاه الكتاب الثالث. فقرأه فتمعرَّ لونُه ثم دَعَا بطِين فختمه ثم أمسكه بيده (١). (٥٠٧: ٦ - ٥٠٨).
رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد. قال: ثمّ أمر - يَعنيِ سليمان - برسولِ قتيبةَ أن يُنزَّل. فحوِّل إلى دار الضيافة. فلما أمسَى دعا به سليمان. فأعطاه صُرّةً فيها دنانير. فقال: هذه جائزتُك. وهذا عهدُ صاحبك على خُراسان فسرْ، وهذا رسولي معك بعَهْده. قال: فخرج الباهليّ، وبعث معه سليمانُ رجلًا منِ عبد القيس. ثمّ أحد بني لَيث يقال له صَعْصعة -أو مُصعَب - فلما كان بحُلوان تلقاهم الناس بخَلْعِ قُتيبة. فرجع العبديّ، ودفع العهدَ إلى رسول قتيبة. وقد
стр. 1426
خلع، واضطرب الأمرُ. فدفع إليه عهدَه، فاستشار إخوتَه. فقالوا: لا يَشق بك سليمان بعدَ هذا (١). (٥٠٨: ٦).
وفي هذه السنة عَزَل سليمانُ بن عبد الملك خالدَ بنَ عبد الله القَسريّ عن
стр. 1427
مكّة، وولّاها طَلْحة بنَ داودَ الحضْرَميّ.
وفيها غزا مَسلَمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم الصائفةَ، ففتح حِصْنًا يقال له حِصْن عَوْف.
وفي هذه السنة تُوُفِّي قرّة بن شريك العَبْسيّ وهو أميرُ مصرَ في صفر في قول بعض أهل السّيَر.
وقال بعضهم: كان هلاكُ قرّة في حياة الوليد في سنة خمس وتسعين في الشهر الذي هلك فيه الحجّاج.
وحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ، كذلك حدّثني أحمدبن ثابت عمّن ذكَرَه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيرُه.
وكان الأميرُ على المدينة في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وعلى مكة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حَرْب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خرَاجها صالح بن عبد الرّحمن، وعلى البَصرة سُفْيان بن عبد الله الكِنْديّ من قبَل يزيد بن المهلّب، وعلى قضاء البَصْرة عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حَرْب خُراسان وكيعُ بن أبي سُود (١). (٦: ٥٢٢).
ثمّ دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة عن الأحداث
فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القُسْطنطينيّة واستعماله ابنَه داودَ بن سليمان على الصائفة، فافتتح حصنَ المرأة. (٦: ٥٢٣).
قال عليّ بن محمد: حدَّثنا مسلَمة بن مُحارِب وأبو العَلاء التّيميّ والطفيل بن مِرْداس العمّي وأبو حفص الأزْديّ عمّن حدّثه عن جَهْم بن زَحْر بن قيس، والحسن بن رشيد عن سليمانَ بن كثير، وأبو الحسن الخُراسانيّ عن الكَرَمانيّ،
стр. 1428
وعامر بن حفص وأبو مخنَف عن عثمانَ بن عمرو بن محصَن الأزديّ وزهير بن هنيد وغيرهم - وفي خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض، فألّفت ذلك - أنّ سليمان بنَ عبد الملك ولى يزيدَ بنَ المهلَّب العِراقِ ولم يولِّه خُراسان، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك بن المهلب وهو بالشأم ويزيدُ بالعراق: كيف أنتَ يا عبدَ الملك إنْ وليتُك خُراسان؟ قال: يجدني أميرُ المؤمنين حيثُ يحبّ، ثمّ أعرضَ سليمانُ عن ذلك. قال: وكتب عبدُ الملك بن المهلب إلى جرير بن يزيدَ الجَهْضميّ وإلى رجال من خاصّته: إنّ أمير المؤمنين عَرَضِ عليّ ولاية خُراسانَ فبلغ الخبرُ يزيدَ بنَ المهلب، وقد ضَجِر بالعراق، وقد ضيّق عليه صالح بنُ عبد الرحمن، فليس يصل معه إلى شيء، فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال: إني أريدك لأمر قد أهمَّني، فأحبّ أن تَكفينيه، قال: مُرْني بما أحببْت، قال: أنا فيما ترى من الضيق، وقد أضجَرني ذلك، وخُراسان شاغِرةٌ برجلها، وقد بَلَغني أنّ أميرَ المؤمنين ذكَرَها لعبدِ الملك بن المهلب، فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرِّحني إلى أميرِ المؤمنين، فإني أرجو أن آتيَك بعَهْدك عليها، قال: فاكتم ما أخبرْتُك به، وكتب إلى سليمان كتابين: أحدهما يَذكُر له فيه أمرَ العراق. وأثنى فيه على ابن الأهتم وذكَر له علمه بها، ووجّه ابن الأهتم وحمَله على البَريد، وأعطاه ثلاثين ألفًا. فسار سبعًا، فقَدم بكتاب يزيدَ على سليمان، فدخل عليه وهو يتغدَّى، فجلس ناحيةً، فأتيَ بدجاجَتين فأكَلَهما.
قال: فدخل ابنُ الأهتم فقال له سليمان: لك مجلسٌ غيرُ هذا تعود إليه. ثمّ دعا به بعدَ ثالثة، فقال له سليمان: إنّ يزيدَ بنَ المهلب كتب إليّ يذكُر علمَك بالعراق وبخُراسان، ويُثْني عليك، فكيف علمُك بها؟ قال: أنا أعلَم الناس بها؛ بها وُلدتُ، وبها نشأتُ، فلي بها وبأصْلها خبر وعِلم. قال: ما أحوَجَ أميرَ المؤمنين إلى مثلك يُشاوره في أمرها! فأشرْ عليّ برَجُل أولِّيه خُراسان، قال: أميرُ المؤمنين أعلم بمن يريد يولي، فإن ذكر منهم أحدًا أخبرتُه برأيي فيه، هل يَصلُح لها أو لا؛ قال: فسمَّى سليمانُ رجلًا من قريش؛ قال: يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خُراسان، قال: فعبدُ الملك بن المهلب، قال: لا، حتى عدّد رجالًا، فكان في آخر من ذكر وكيع بن أبي سُود، فقال: يا أميرَ المؤمنين، وكيعٌ رجلٌ شجاعٌ صارم بَئيس مقدام. وليس بصاحبها مع هذا، إنه لم يقُد ثلاثمئةٍ قط فرأى
стр. 1429
لأحد عليه طاعة. قال: صدقتَ ويْحك، فمن لها قال: رجلٌ أعلَمه لم تُسمّه، قال: فمن هو؟ قال لا أبوح باسمه إلا أن يَضمَن لي أميرُ المؤمنين ستر ذلك. وأن يُجيرَني منه إنْ علم؛ قال: نعم، سَمّه مَن هو؟ قال: يزيدُ بن المهلب؛ قال: ذاك بالعراق، والمُقام بها أحبّ إليه من المقام بخُراسان، قال: قد علمتُ يا أميرَ المؤمنين، ولكن تُكرِهه على ذلك، فيَستخلف على العراق رجلًا ويسير؛ قال: أصبتَ الرأيَ. فكَتَب عهدَ يزيد على خُراسان، وكتب إليه كتابًا: إن ابنَ الأهتم كما ذكرتَ في عَقْلِه ودينه وفضله ورأيه. ودفع الكتابَ وعَهْد يزيدَ إلى ابن الأهتم، فسار سَبْعًا. فقدم على يزيدَ فقال له: ما وراءك؟ قال: فأعطاه الكتاب، فقال: ويحك! أعندَك خير؟ فأعطاه العهد، فأمر يزيدُ بالجهاز للمسير من ساعته، ودعا ابنه مخلَدًا فقدّمه إلى خراسان. قال: فسار من يومِه، ثمّ سار يزيدُ واستخلف على واسطَ الجَرّاح بنَ عبد الله الحَكَميّ، واستعمَل على البَصْرة عبدَ الله بن هلال الكلابيّ، وصيّر مروانَ بن المهلب على أموالِه وأمورِه بالبَصرة، وكان أوثَقَ إخوتِه عندَه، ولمروان يقول أبو البَهاء الإياديّ:
رأيتُ أبا قبيصةَ كلَّ يومٍ ... على العَلَّاتِ أكرَمَهُمْ طِبَاعَا
إذَا ما هُمْ أَبوْا أن يَسْتطيعوا ... جسِيمَ الأَمْرِ يحْمِل ما اسْتَطَاعَا
وإنْ ضاقت صدُورُهُم بأَمرٍ ... فضلتَهُمُ بذاك ندىً وبَاعَا
(٦: ٥٢٤ - ٥٢٦).
وفي هذه السنة شَخَص يزيدُ بن المهلّب إلى خُراسانَ أميرًا عليها، فذكر عليّ بن محمد عن أبي السريّ المروزي الأزْديّ، عن عمه، قال: وليَ وكيع خُراسان بعد قتل قُتيبةَ تسعةَ أشهر أو عشرة. وقدم يَزيدُ بن المهلب سنة سبع وتسعين (١). (٦: ٥٢٨).
قال عليّ: فذَكَر المفضّل بن محمد عن أبيه، قال أدنَى يزيدُ أهلَ الشأم وقومًا من أهل خراسان، فقال نهارُ بن تَوْسِعة:
وما كنَا نُؤمِّلُ من أَمِيرٍ ... كما كُنَّا نؤمّلُ من يزيدِ
стр. 1430
فأَخْطَأَ ظنُّنَا فيه وقِدْمًا ... زهِدْنا في معاشَرَة الزَّهيد
إذا لم يُعطِنا نَصَفًا أَميرٌ ... مشَينَا نحْوَهُ مِثلَ الأُسُود
فمهلًا يا يَزيدُ أنِبْ إلينا ... ودَعْنَا من معَاشرَةِ العبيدِ
نَجِيءُ فلا نَرَى إلَّا صُدودًا ... على أنا نُسلم من بعيدِ
ونَرجعُ خائبينَ بلا نوالٍ ... فما بَالُ التجَهُّمِ والصُّدُودِ!
(٥٢٨: ٦).
قال عليّ: أخبرَنا زيادُ بن الرّبيع. عن غالب القطّان، قال: رأيتُ عمَر بنَ عبد العزيز واقفًا بعَرفات في خلافة سليمان. وقد حَجّ سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العَجَب لأمير المؤمنين، استعمَل رجلًا على أفضل ثَغْر للمسلمين! فقد بلَغَني عمّن يقدم من التجار من ذلك الوَجْه أنه يُعطي الجارية من جواريه مثل سهم ألفِ رجل. أما والله ما الله أراد بولايته - فعرفتُ أنه يعني يزيدَ والجهنية - فقلتُ: يشكر بلاءَهم أيام الأزارقة. (٦: ٥٢٨ - ٥٢٩)
وفي هذه السنة حجّ بالناس سليمانُ بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمن ذكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١). (٦: ٥٢٩).
وفيها عَزَل سليمانُ طلحةَ بن داودَ الحضْرميّ عن مكة، قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن نافع عن ابن أبي مُلَيكة، قال: لما صدَر سليمانُ بن عبد الملك من الحجّ عَزَل طلحةَ بنَ داودَ الحضْرميّ عن مكة، وكان عَمَلُه عليها ستة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالدبن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وكانت عُمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان، فإن عامِلَها على الحَرْب والخَراج والصّلاة يزيدُ بن المهلب.
وكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حَرْملة بن عُمير اللَّخْميّ أشهُرًا، ثمّ
стр. 1431
عزَلَه وولّاها بشير بن حسّان النَّهْديّ (١). (٦: ٥٢٩).
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية
فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القُسْطَنْطينيّة، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه، فشَتَا بها وصاف. (٥٣٠: ٦).
وفي هذه السنة فُتِحتْ مدينَة الصّقالبة، قال محمد بن عمر: أغارتْ بُرْجان في سنة ثمان وتسعين على مَسلَمة بن عبد الملك وهو في قلّة من الناس، فأمَدّه سليمانُ بن عبد الملك بمَسْعدة -أو عَمْرو بن قَيس - في جَمْع فمَكَرتْ بهم الصّقالبة، ثمّ هزمَهم اللهُ بعد أن قَتَلوا شَراحيلَ بن عبد بن عَبدَة. (٣٣٢٦).
[غزو جرجان وطبرستان]
وفي هذه السنة غزا يزيدُ بن المهلب جُرْجان وطَبرسْتان (٢). (٦: ٥٣٢).
وأما غيرُ أبي مخنَف، فإنه قال في أمر يزيدَ وأمرِ أهلِ جُرْجان ما حدّثني أحمد بن زُهير، عن عليّ بن محمد، عن كُليب بن خَلَف وغيره؛ أن سعيدَ بن العاص صالح أهلَ جُرْجان، ثمّ امتنَعوا وكَفروا، فلم يأتِ جُرْجان بعدَ سعيد
стр. 1432
أحد، ومَنَعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلُك طريقَ خُراسانَ منِ ناحيته أحدٌ إلا على وَجَل وخَوْف من أهلِ جُرْجان؛ كان الطريق إلى خُراسان من فارسِ إلى كَرمان، فأوّل من صيّر الطريقَ من قومس قُتيبة بن مسلم حينَ وليَ خُراسان. ثم غزا مصقَلة خُراسانَ أيام معاويةَ في عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرُويَان، وهي متاخمةُ طبَرسْتان فهلكوا في وادٍ من أوديَتها، أخَذ العدوّ عليهم بمضايِقه، فقتلُوا جميعًا، فهو يُسمَّى وادي مصقَلة.
قال: وكان يُضرَب به المَثَل: حتى يَرجعَ مصقلة من طَبرسْتان، قال عليّ عن كُليب بن خَلَف العَمّى عن طُفَسا بن مرْداس العميّ وإدريس بن حَنْظلة: إنّ سعيدَ بنَ العاص صالح أهل جُرْجان، فكانوا يجيئون أحيانًا مئة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مئتي ألف، وأحيانًا ثلثمئة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منَعوه، ثم امتنعوا وكَفَروا فلم يُعطُوا خَراجًا، حتى أتاهُم يزيدُ بن المهلب فلم يُعازّه أحدٌ حين قَدِمها، فلما صالح صول وفتح البُحيرة ودهستان صالح أهلَ جُرْجَانَ على صُلْح سعيد بن العاص. (٦: ٥٣٦).
حدّثني أحمد عن علي، عن كُلَيب بن خَلَف العمي، عن طُفيل بن مِرْداس، وبشر بِن عيسى عن أبي صَفْوان، قال علي: وحدّثني أبو حفص الأزْديّ عن سليمان بن كثير، وغيرهم؛ أنّ صولا التركيّ كانَ ينزل دهستان والبُحيرة - جزيرة في البَحْر بَينَها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهما من جُرجَان مما يلي خُوارَزم - فكان صول يُغير على فيروزَ بن قول، مَرْزبان جُرْجان، وبينهم خمسة وعشرون فَرْسخًا، فيصيب من أطرافهم ثمّ يرجع إلى البُحيرة ودهسْتان، فوقع بين فَيروز وبينَ ابن عمّ له يقال له المرْزُبان منازعة، فاعتَزَله المَرْزُبان، فنزل البياسان، فخاف فيروز أن يُغيرَ عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخُراسان، وأخذ صُول جُرْجان، فلما قَدِم على يزيدَ بن المهلب قال له: ما أقدَمك؟ قال: خفتُ صُولا، فهَرَبْتُ منه، قال له يزيد: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيء واحد، إن ظفرتُ به قتلتُه، أو أعطى بيده، قال: ما هُوَ؟ قال: إن خرَج مِنْ جرجان حتى يَنزِل البُحَيرة، ثم أتيتَهُ ثَمَّ فحاصرْتَهُ بها ظفرتَ به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتابًا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيمَ بجُرْجان، واجعلْ له على ذلك جُعْلًا، ومنِّه، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرّبُ به إليه لأنه يعظمه،
стр. 1433
فيتحوّل عن جُرجانَ، فيَنزل البُحيرة. (٦: ٥٣٦ - ٥٣٧).
فكتَبَ يزيدُ بن المهلب إلى صاحب طَبَرسْتَان: إني أريد أن أغزوَ صولا وهو بجُرْجان، فخفتُ إن بَلَغه أني أريدُ ذلك أن يتحوّل إلى البحيرة فينزلها، فإن تحوّل إِليها لم أقدر عليه؛ وهو يسمَع منك ويستنصحك، فإن حَبستَه العام بجُرجان فلم يأت البُحيرة حملتُ إليك خمسينَ ألفَ مثقال؛ فاحتلْ له حيلةً؛ تَحبسه بجُرجان، فإنه إن أقام بها ظَفرتُ به، فلما رأى الإصبهبذ الكتابَ أراد أن يتقرّب إلى صُول، فبعث بالكتاب إليه، فلما أتاه الكتابُ أمَر الناسَ بالرّحيل إلى البُحيرة وحمل الأطعمة ليتحصّن فيها، وبَلَغ يزيدَ أنه قد سار من جُرْجان إلى البحيرة، فاعتزَم على السَّير إلى الجُرْجان، فخرج في ثلاثين ألفًا، ومعه فيروزُ ابنُ قول، واستخلَف على خُراسان مخلَد بن يزيد، واستَخلف على سَمَرقنْد وكس ونَسَف وبُخارى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طَخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب. وأقبَل حتى أتى جُرْجان - ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال مُحيطةٌ بها، وأبوابٌ ومخارم، يقوم الرجلُ على باب منها فلا يقدم عليه أحدٌ - فدخلها يزيد لم يعازّه أحد، وأصابَ أموالًا، وهَرَب المَرْزُبان، وخرج يزيد بالناس إلى البُحيرة، فأناخَ على صول، وتمثّل حينَ نَزَل بهم:
فخرّ السيفُ وارْتَعَشَتْ يَداهُ ... وكانَ بنَفسِهِ وُقِيَستْ نُفُوسُ
قال: فحاصَرَهم، فكانَ يخرُج إليه صُول في الأيَّام فيُقاتله ثمّ يرجع إلى حِصْنه، ومع يزيد أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة، ثم ذكر من قصة جَهْم بن زَحْر وأخيه محمد نحوًا مما ذكره هشام، غير أنه قال في ضَرْبة التركى ابنَ أبي سبرة: فنَشَب سَيف التركي في دَرَقة ابن أبي سَبْرة.
قال علي بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن عَنْبسة، قال: قاتَلَ محمد بن أبي سبْرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتَورُوه بأسيافهم، فانقطع في يده ثلاثة أسياف.
ثم رّجع إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعني الترْك - محصُورين يَخرجون فيقَاتلون، ثمّ يَرجعون إلى حِصنهم ستة أشهر، حتى شربوا ماء الأحساء، فأصابهم داءٌ يسمَّى السؤاد، فَوَقَع فيهم الموتُ، وأرسَل صُول في ذلك يطلبُ الصّلح، فقال لزيدُ بن المهلب: لا، إلا أن ينؤل على حُكْمي، فأبى. فأرسَل
стр. 1434
إليه: إني أصالِحُك على نفسي ومالي وثلثمئة من أهلِ بيتي وخاصّتي، على أن تؤمّنني فتنزل البُحيرة. فأجابَه إلى ذاك يزيدُ، فخرج بمالِه وثلثمئة ممن أحَبّ، وصار مع يزيدَ، فقَتلَ يزيدُ من الأتراك أربعةَ عشر ألفًا صَبْرًا، ومنَّ على الآخرين فلم يَقتُل منهم أحدًا. وقال الجُنْد ليزيدَ: أعطنا أرزاقَنا، فدَعَا إدريس بن حنظلة العمّيّ، فقال: يا بن حَنْظلة، أحْصِ لنا ما في البُحَيرة حتى نُعطِيَ الجندَ، فدَخَلها إدريسُ، فلم تقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: فيها ما لا أستَطيع إحصاءَه، وهو في ظُروف، فنُحصي الجواليق ونعلّم ما فيها، ونقول للجند: ادخُلوا فخذُوا، فمن أخَذَ شيئًا عرّفَنا ما أخَذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعَسَل. قال: نعْمَ ما رأيت، فأحصَوا الجَواليق عَدَدًا، وعَلّموا كلّ جوالق ما فيه، وقالوا للجند: خُذُوا، فكان الرجلُ يخرُج وقد أخذ ثيابًا أو طعامًا أو ما حَمَل من شيء فيُكتَب على كلّ رجل ما أخَذ، فأخذوا شيئًا كثيرًا. (٦: ٥٣٧ - ٥٣٨).
قال عليّ: قال أبو محمد الثَّقَفيّ: أصاب يزيدُ بن المهلب تاجًا بجُرْجان فيه جَوْهر، فقال: أتَرون أحدًا يزَهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع الأزديّ، فقال: خذْ هذا التاجَ فهو لك؛ قال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمتُ عليك، فأخذَه، وخرج فأمر يزيدُ رجلًا ينظر ما يصنع به، فلقِيَ سائلًا فدَفَعه إليه، فأخذ الرجلُ السائل، فأتَى به يزيدَ وأخبَرَه الخبر، فأخذ يزيدُ التاجَ، وعَوَّض السائل مالًا كثيرًا (١). (٦: ٥٣٩).
قال عليّ: وكان سليمانُ بن عبد الملك كلما افتَتح قتيبةُ فَتْحًا قال ليزيد بن المهلب: أما تَرَى ما يَصنَع الله على يدي قُتيبة؛ فيقول ابنُ المهلب: ما فعلَتْ جُرْجان التي حالت بين الناس والطريق الأعظم، وأفسدَت قُومِس وأبرشَهْر! ويقول: هذه الفتوحُ ليستْ بشيء، الشأنُ في جُرجانَ، فلما ولي يزيدُ بن المهلب لم يكن له همة غير جُرْجان. قال: ويقال: كان يزيدُ بن المهلب في
стр. 1435
عشرين ومئة ألف، معه من أهل الشأم ستون ألفًا (١). (٦: ٥٣٩).
قال عليَّ في حديثه، عن شيوخه، الذين قد ذكرتُ أسماءَهم قبلُ وكتب يزيدُ إلى سليمان بن عبد الملك:
أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فَتْحًا عظيمًا، وصَنَع للمسلمين أحسَنَ الصُّنْع، فلرَبّنا الحمدُ على نِعمه وإحسانه، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جُرجان وطَبَرستان، وقد أعيا ذلك سابُورَ ذا الأكْتاف وكسرى بن قُباذ وكسرى بن هُرْمُز. وأعيَا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومَن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين؛ كرامةً من الله له، وزيادة في نعمه عليه. وقد صار عندي من خُمس ما أفاءَ اللهُ على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذي حقٍّ حقه من الفيء والغَنيمة ستةُ آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.
فقال له كاتبه المغيرة بن أبي درّة مولَى بني سَدُوس: لا تكتُب بتسمية مال، فإنك مِنْ ذلك بين أمرين: إما استكْثرَه فأمَرَك بحَمله، وإما سخَت نفسُه لك به فسوّغكَه فتكلفت الهديّة. فلا يأتيه من قبَلك شيء إلا استقبله، فكأني بك قد استغرقت ما سمّيت ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المالُ الذي سميت مخلّدًا عندهم عليك في دواوينهم، فإن وليَ وال بعدَه أخذَك به، وإن ولي من يتحامَل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمضِ كتابَك، ولكن اكتب بالفتح، سَلهْ القُدومَ فتُشافههُ بما أحببتَ مُشَافهةً، ولا تقصّر، فإنك إن تقصّر عما أحببتَ أحرَى من أن تكثِّر.
فأبى يَزيدُ وأمضَى وقال: بعضُهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف (٢). (٥٤٤: ٦ - ٥٤٥).
стр. 1436
وفي هذه السنةَ فُتِحت مدينة الصّقالبة.
وفيها غزا داود بن سليمانَ بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففَتح حِصْنَ المرأة مما يليَ مَلطيَة.
وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أميرٌ على مكة، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت. عمن ذَكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سَبْع، وقد ذكرْناهم قبلُ، غير أنّ عامل يزيد بن المهلب على البَصْرة في هذه السنة كان - فيما قيل - سُفْيان بن عبد الله الكِنْديّ (١). (٦: ٥٤٥).
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفاة سليمان بن عبد الملك
فمن ذلك وفاةُ سليمانَ بن عبد الملك، تُوفِّيَ - فيما حُدثت عن هشام، عن أبي مخنَف - بدابِق من أرض قِنَّسْرين يوم الجمعة لعشر ليال بقينَ من صفر، فكانت ولايتُه سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام.
وقد قيل: توفِّي لعشرِ ليال مضين من صفر. وقيل: كانت خلافتُه سَنَتين وسبعة أشهر وقيل: سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.
وقد حدّث الحسن بن حماد، عن طلحة أبي محمد، عن أشياخه، أنهم قالوا: استخلفَ سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين. وصلى عليه عمرُ بن عبد العزيز.
وحدثني أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر، قال: توفِّي سليمانُ بن عبد الملك يومَ الجمعة لعشر خلوْنَ من صفر سنة تسع
стр. 1437
وتسعين، فكانت خلافتُه ثلاثَ سنين إلا أربعة أشهر (١). (٦: ٥٤٦).
ذكر الخبر عن بعض سيره
حدّثتُ عن عليّ بن محمد، قال: كان الناسُ يقولون: سليمانُ مفتاحُ الخَير، ذَهَب عنهم الحجاج، فولى سليمانُ، فأطلق الأسارى، وخَلَّى أهلَ السجون، وأحسنَ إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز، فقال ابن بِيض:
حاز الخلافة والداكَ كلاهُمَا ... من بَينِ سُخْطَةِ سَاخِطٍ أو طَائعِ
أبَوَاكَ ثمّ أخُوكَ أَصْبَحَ ثالثًا ... وعلى جَبِينِكَ نورُ مُلكِ الرابعِ
(٥٤٦: ٦).
حدثني عبدُ الله بن أحمد، قال: حدّثني، أبي قال: حدّثني سليمان قال: حدّثني عبد الله بن محمد بن عُيَينة، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس، قال: شهد سليمانُ بن عبد الملك جَنَازةً بدابِق، فدُفنتْ في حقل، فجعلَ سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسنَ هذه التربة! ما أطيَبها! فما أتى عليه جمعةٌ -أو كما قال- حتى دُفن إلى جنب ذلك القبر (٢). (٥٤٩: ٦).
خلافة عمر بن عبد العزيز
وفي هذه السنة استُخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم.
ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه:
حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني الهيثم بن واقد، قال: استُخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يومَ الجمعة لعشر مضَين من صفر سنة تسع وتسعين.
قال محمد بن عمر: حدّثني داود بن خالد بن دينار، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حَيوة، يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمانُ بن عبد الملك ثيابًا خُضرًا من خَزّ، ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشابّ، فخرج إلى الصّلاة فصلى بالناس الجمعة. فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقُل عهدَ في كتاب كتبَه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلُغ فقلت: ما تصنع يا أميرَ المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظُر فيه. ولم أعزم عليه، قال: فمكث يومًا أو يومين، ثمّ خرّقه، فدعاني، فقال: ما ترى في داودَ بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقُسْطنطينية وأنت لا تدري أحَيٌّ هو أم ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيَك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعْلَمُه والله خيرًا فاضلًا مسلمًا؛ فقال: هو والله على ذلك، ثم قال: والله لئن وليته ولم أوَلّ أحدًا سواه لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه أبدًا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعدَه، ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم، قال: فيزيد بن عبد الملك أجعلُه بعدَه، فإن ذلك مما يسكنهم ويرضَوْن به؛ قلتُ: رأيك. قال: فكتب.
بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتابٌ من عبد الله سليمان أمير المؤمنين