← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

١٧٤ - هشام بن محمد بن السائب الكلبي (أبو المنذر). قال الدارقطني: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وقال ابن معين: غير ثقة وليس عن مثله يروى الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه، ومعروف مولى سليمان، والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها. وقال أيضًا: وكان غاليًا في التشيع أخباره في الأغلوطات أشهر من أن تحتاج إلى الإغراق في وصفها. وقال الذهبي: تركوه كأبيه وكانا رافضيين. [لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤)، المجروحين (٣/ ٩١)]. ١٧٥ - الهلواث الكلبي المدائني (أبو الربيع). الذي يروي عن سعيد بن جبير، وعنه الثوري، فقد ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه. [الجرح والتعديل (٩/ ١٢٢ / ت ٥١٨)]. ١٧٦ - همام بن غالب (الفرزدق). الشاعر التميمي، ولد في خلافة سيدنا عمر، وتوفي سنة ١١٠ هـ ضعفه ابن حبان وقال: كان قذافًا للمحصنات فيجب مجانبة روايته. [لسان الميزان (٤/ ٤٣٣)]. ١٧٧ - همام بن منبه الصنعاني. ثقة من الرابعة، توفي سنة (١٣٢) هـ على الصحيح. [التقريب (ت ٧٣٦٧)]. ١٧٨ - الهيثم بن عدي الطائي. قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب، وقال كذلك: سكتوا عنه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي، وقال أبو داود: كذاب، وكذلك قال العجلي. [تاريخ الثقات (/ ٤٦٢ / ت ١٧٥٧)، الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٨٥)، التاريخ الكبير (٤/ ٢ / ٢١٨)، لسان الميزان (٧/ ٢٩٦/ ت ٩٠٥٦)].

стр. 142

(و) ١٧٩ - الول ي د بن هشام القحذمي. ذكره ابن حبان في الثقات كما قال ابن حجر. وقال الذهبي في الميزان: ثقة وفرّق بينه وبين الوليد بن هشام بن الوليد المجهول. [ميزان الاعتدال (ت ٩٤١٥)، لسان الميزان (٦/ ٨١٠)]. ١٨٠ - وهب بن جرير بن حازم (أبو العباس البصري) الأزدي. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حجر: ثقة من التاسعة أخرج له الستة، وقال الذهبي: ثقة حافظ حديثه في الكتب ضعّف في شعبة. [الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد (/ ١٨٨ / ت ٨٤)]. (ي) ١٨١ - يحيى بن زكريا (ابن أبي زائدة) الهمداني. وثقه أحمد وغيره وقال أبو حاتم: صدوق ثقة توفي ١٨٠ هـ. وقال ابن حجر: ثقة متقن من كبار التاسعة ع. [الجرح والتعديل (٩ / ت ٦٠٩)، التقريب (ت ٧٥٧٥)]. ١٨٢ - يزيد بن أبي حبيب المصري. ثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، توفي ١٢٨ هـ وقد قارب الثمانين. ع. [التقريب (ت ٧٧٢٩)]. ١٨٣ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال الخطيب: كان حافظًا متقنًا صنف المسند ووثقه ابن حبان والنسائي وقال أبو حاتم: صدوق. [تهذيب الكمال (١٣/ ٣٣٢ / ت ٧٦٨٣)، ثقات ابن حبان (٩/ ٢٨٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٠٢)]. ١٨٤ - يونس بن يزيد بن أبي النجّاد الأيلي. ثقة إلَّا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ. من كبار السابعة. ع. [التقريب (ت ٧٩٤٨)]. * * *

стр. 143

ا لكنى (أ) ١٨٥ - أ ب و إسحاق السبيعي (عمرو بن عبد الله الهمداني). ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة ١٢٩ هـ، وقيل قبل ذلك. ع. [التقريب (ت ٥٠٦٥)]. (ب) ١٨٦ - أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. ثقة من الثالثة. توفي ٦٠٤ هـ، وقد جاوز الثمانين. ع. [التقريب (ت ٧٩٨١)]. ١٨٧ - أبو بكر بن أبي سبرة. رموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا، من السابعة. [تحرير التقريب (٧٩٧٣)، التقريب (ت ٨٠٠٢)]. ١٨٨ - أبو بكر بن عياش الكوفي المقرئ. ثقة عابد إلَّا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة توفي ١٩٤ هـ، وقد قارب المئة، روايته في مقدمة مسلم. وقال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام صدوق ثبت في القراءة لكنه في الحديث يغلط ويهم، وقد أخرج له البخاري وهو صالح الحديث. [ميزان الاعتدال (ت ١٠٠١٦)، التقريب (ت ٨٠٤٢)]. ١٨٩ - أبو بكر الهذلي. أخباري متروك الحديث من السادسة، توفي سنة ١٦٧ هـ. [التقريب (ت ٨٠٣١)].

стр. 144

(ح) ١٩٠ - أبو حف ص الأزدي (عمر بن صالح). الذي حدث عن أبي جمرة نصر بن عمران بموضوعات، كناه س ليمان بن عبد الرحمن الدمشقي والبخاري. [إكمال تهذيب الكمال (ت ١٧٥٢)]. (س) ١٩١ - أبو السري (الأزدي، الأودي) ثابت بن زيد. روى عنه يحيى بن سعيد القطان. قال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في جملة الثقات، وقال: روى عنه يحيى بن سعيد القطان، وقال ابن حجر: ضعيف من الثامنة. وقال الذهبي: أبو السري الأزدي لين. [المقتنى في سرد الكنى (١/ ٢٩٨ / ت ٢٤٨٠)، إكمال تهذيب الكمال (ت ٨٧١)، التقريب (ت ٨٣٥)]. وأما أبو السري؛ الذي هو هناد بن السري فثقة من العاشرة. [التقريب (ت ٧٣٤٦)]. ١٩٢ - أبو السوار العدوي البصري (حسان بن حديث) أو حريف. ثقة من الثانية خ م س. [التقريب (ت ٨١٨٧)]. (ص) ١٩٣ - أبو صادق الأزدي. قال الحافظ: صدوق، وحديثه عن علي مرسل، من الرابعة، أخرج له النسائي وابن ماجة، وقال الذهبي في الكاشف: وُثق. [التقريب (ت ٨٢٠٣)، الكاشف (٣/ ٣٠٧ / ت ٢٢٠)]. ١٩٤ - أبو صفوان (عبد الله بن سعيد الأموي).

стр. 145

روي ع نه أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وابن المديني، روي عن سعيد بن عبد الملك بن مروان، وثقه ابن حبان والدارقطني وابن معين. [تهذيب الكمال (ت ٣٢٠٦)]. (ع) ١٩٥ - أبو عبيد (القاسم بن سلام) البغدادي. الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف من العاشرة، توفي ٢٢٤ هـ. [التقريب (ت ٥٤٩٧)]. ١٩٦ - أبو عبيدة (معمر بن المثنى). صدوق أخباري رمي برأي الخوارج، من السابعة، توفي سنة ٢٠٨ هـ وقد قارب المئة. [التقريب (ت ٦٨١٢)]. ١٩٧ - أبو عمرو المدني. لم ندر من هو. وقال الأستاذ محمد خالد الغيث: لعلّه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام. صدوق. صحيح الكتاب يخطيء من حفظه. [انظر مرويات خلافة معاوية (ص ٥٢ / ت ٤١) والله أعلم. ١٩٨ - أبو العلاء التميمي. لعله أيوب بن أبي مسكين، يروي عن سعيد المقبري، وعبد الله بن شيبة. يروي عنه يزيد بن هارون. وثقه غير واحد (مسلم والنسائي وابن سعد وأحمد) وقال أبو حاتم: لا بأس به شيخ صالح يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحافظ: صدوق له أوهام. والذي عند الطبري أبو العلاء التيمي، والله أعلم. [إكمال تهذيب الكمال (ت ٦٢٤)، تحرير التقريب (ت ٦٢٣)، التقريب (ت ٦٢٤)].

стр. 146

١٩٩ - أبو عوانة (وضاح بن عبد الله اليشكري). ثقة ثبت م ن السابعة. ع. وقال الذهبي: مجمع علي ثقته. [التقريب (ت ٧٤٣٤)، الميزان (ت ٩٣٥٠)]. (غ) ٢٠٠ - أبو غسان (مالك بن إسماعيل) النهدي. ثقة صحيح الكتاب من صغار التاسعة. توفي ١٢٧ هـ. وقال ابن عدي: وهو في نفسه صدوق، وإذا حدّث عن صدوق مثله أو حدث عنه صدوق فلا بأس به وبحديثه. [الكامل (ت ٢١٣٦)، تحرير التقريب (ت ٦٣٢٤)]. (م) ٢٠١ - أبو محمد الأموي. لم يبين الطبري من هو. وقال الأستاذ محمد الغيث: لعله إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، تابعي ثقة توفي في المدينة في أول خلافة بني العباس. [مرويات خلافة معاوية (ص ٦١)]. ٢٠٢ - أبو محمد الثقفي. إن كان هارون بن أبي إبراهيم الذي يروي عن عمر بن عبد العزيز: وعنه وكيع وأبو نعيم، فقد وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم. [الجرح والتعديل (٩/ ٩٦)، تهذيب الكمال (ت ٦٥٣٤)]. وإلّا فلا ندري من هو. ٢٠٣ - أبو مخنف (لوط بن يحيى). قال أبو حاتم: متروك. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف، وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم، وقال الذَّهبي: ساقط، وقال أيضًا: أخباري تالف لا يوثق به. [الجرح والتعديل (٧/ ١٨٢)، المغني في الضعفاء (ت ٥١٢١)، لسان

стр. 147

الميزا ن (٤/ ٤٩٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٤١٩)، سير أعلام النبلاء (/ ٧/ ٣٠١ ت ٩٤)]. ٢٠٤ - أبو معاوية (محمد بن خازم). تقة، من السابعة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، وقال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره اضطراب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان حافظًا متقنًا. [الثقات (٧/ ٢٤١)، تاريخ الخطيب (٥/ ٢٤٨)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ٥٤١ / ت ١٢٨١). التقريب (ت ٥٨٥٩)]. ٢٠٥ - أبو معشر (نجيح بن عبد الرحمن السندي). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي -وذكر مغازي أبي معشر فقال-: كان أحمد بن حنبل يرضاه ويقول: كان بصيرًا بالمغازي وقد تحدث الناس عن حديثه في المغازي -هشام ونافع وابن المنذر- وقال أبو زرعة: كان حافظًا كيسًا وحدث عنه عبد الرحمن بن مهدي. وقال الحافظ: ضعيف من السادسة أسنَّ واختلط، توفي ١٧٠ هـ أخرج له الأربعة. [التقريب (ت ٧١٢٦)، تهذيب الكمال (ت ٦٣٨٦)]. (ن) ٢٠٦ - أبو نعامة العدوي (عمرو بن عيسى البصري). قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط. فعقب الشيخان المحرران (شعيب وبشار) بقولهما (في تحرير التقريب): ضعفه ابن سعد وحده، ولم يصفه أحد بالاختلاط قبل موته غير أحمد لذا مرَّضه الذهبي بقوله: قيل تغيّر بأخرة. اهـ. قلنا: والذي في ميزان الاعتدال: وروي الأثرم عن أحمد: ثقة لكنه اختلط قبل موته ولم نجد صيغة التمريض في الميزان ولا في الكاشف فلعله في موضع آخر. والله أعلم. وأما التضعيف فهو كما قالا: لم يضعفه سوى ابن سعد والله أعلم. وقال العلامة مغلطاي: خرج أبو عوانة حديثه في صحيحه وكذلك الدارمي

стр. 148

وابن الجارود والحاكم، وذكره ابن شاهين وابن خلفون في الثقات، وضعفه ابن سعد. ويبدو أن المحررين (شعيب وبشار) استندا إلي شرح مغلطاي، وقولهما أصوب من قول الحافظ في هذه الترجمة، والله أعلم. [إكمال تهذيب الكمال (ت ٤١٦٠)، التقريب (ت ٥١٠٥)، تحرير التقريب (ت ٥٥٨٩). الأبناء ٢٠٧ - ابن جعدبة. يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي أبو الحكم المدني، انتقل إلي البصرة ومات بها في زمن المهدي. وقال أبو حاتم والبخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي: كذاب. [تهذيب الكمال (ت ٧٠٣٥)]. الألقاب ٢٠٨ - الأشجعي (عبيد الله بن عبيد الرحمن) ثقة مأمون من أثبت الناس كتابًا في الثوري، من كبار التاسعة. [التقريب (ت ٤٣٤٧)]. ٢٠٩ - الهذلي. هو أبو بكر الهذلي الأخباري المتروك (انظر رقم ١٨٩). * * *

стр. 149

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة الطبري] الحمد لله الأوّلِ قبل كلِّ أوَّل، والآخِرِ بعد كلّ آخر، [والدائم بلا زوال]، والقائم علي كلّ شيء بغير انتقال، والخالقِ خلقَه من غير أصلٍ ولا مثال؛ فهو الفردُ الواحد من غير عدد؛ وهو الباقي بعد كلِّ أحد، إلي غير نهاية ولا أمَد. له الكبرياءُ والعظمة، والبهاء والعزة، والسلطانُ والقدرة، تعالى عن أن يكون له شريكِ في سلطانه أو في وحدانيته نديد، أو في تدبيره مُعين أو ظهير، أو أن يكونَ له ولد، أو صاحبة أو كُفء أحد، لا تحيط به الأوهام، ولا تحويه الأقطار، ولا تدركه الأبصار، [وهو يدرك الأبصار]، وهو اللطيف الخبير. أحمَده علي آلائه، وأشكره علي نعمائه، حمدَ مَنْ أفرده بالحمد، وشكرَ مَنْ رجا بالشكر منه المزيد، وأستهديه من القول والعمل لما يقرّبني منه ويرضيه، وأومنُ به إيمان مخلص له التوحيد، ومفرد له التمجيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده النجيب، ورسوله الأمين، اصطفاه لرسالته، وابتعثه بوَحيه، داعيًا خَلْقه إلي عبادته؛ فصدَع بأمره، وجاهدَ في سبيله، ونصَح لأمته، وعبدَه حتى أتاه اليقين من عنده، غيرَ مقصّر في بلاغ، ولا وانٍ في جهاد؛ صلى الله عليه أفضلَ صلاة وأزكاها، وسلّم. أما بعد، فإنّ الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه، خلقَ خلْقه من غير ضرورة كانت به إلى خلْقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم، بل خلق من خصّه منهم بأمره ونهيه، وامتحنه بعبادته، ليعبدوه [فيجود عليهم بنعمه]، وليحمَدوه علي نعمه فيزيدَهم من فضله ومِنَنِه، ويُسبغَ عليهم فضله وطوْله، كما

стр. 150

قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾. فلم يزده خلقُه إيّاهم -إذ خلقهم- في سلطانه علي ما لم يزل قبل خلقه إيّاهم مثقال ذرّة، ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم ميزان شعرة، لأنه لا تغيّره الأحوال، ولا يدخلُه الملال، ولا ينقصُ سلطانه الأيام والليال؛ لأنه خالقُ الدّهور والأزمان، فعمّ جميعَهم في العاجل فضلُه وجودُه، وشمَلهم كرمه وطَوْلُه، فجعل لهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، وخصّهم بعقول يصلون بها إلي التمييز بين الحق والباطل، ويعرفون بها المنافعَ والمضارّ، وجعل لهم الأرض بساطًا ليسلكوا منها سُبلًا فجاجًا، والسماء سقفًا محفوظا، [وبناء مسموكًا]؛ وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار، والأرزاقَ بالمقدار، وأجري لهم [فيها] قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين، فجعل لهم الليل لباسًا، والنهار معاشًا، وخالف -منًّا منه عليهم وتطوّلًا- بين قمر الليل وشمس النهار، فمحا آيةَ الليل وجعل آية النهار مبصرةً، كما قال ﷻ وتقدّست أسماؤه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. وليصلوا بذلك إلي العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين؛ من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم، وحين حلِّ ديونهم وحقوقهم؛ كما قال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥، ٦] إنعامًا منه بكلّ ذلك علي خلْقه، وتفضُّلًا منه به عليهم وتطولًا، فشكرَه علي نعمه التي أنعمها عليهم مِن خلقه خلقٌ عظيم، فزاد كثيرًا منهم من آلائه وأياديه، علي ما ابتدأهم به من فضله وطوْله، كما وعدهم ﷻ بقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾، وجمع لهم إلي الزيادة التي زادهم في عاجل دنياهم، الفوزَ بالنعيم المقيم، والخلودَ في جنات النعيم، في آجل آخرتهم، وأخَّر لكثير منهم الزيادة التي وعدهم فمدّهم إلي حين مصيرهم [إليه]، ووقت قدومهم

стр. 151

عليه، توفيرًا منه كرامتَه عليهم يوم تُبلى السرائر. وكفر نعمَه خلق منهم عظيم، فجحدوا آلاءَه وعبدوا سواه، فسلب كثيرًا منهم ما ابتدأهم به من الفضل والإحسان، وأحلّ بهم النقمة المهلكة في العاجل، وذَخر لهم العقوبة المخزية في الآجل، ومتّع كثيرًا منهم بنعمة أيام حياتهم استدراجًا منه لهم، وتوقيرًا منه عليهم أوزارَهم؛ ليستحقوا من عقوبته في الآجل ما قد أعدّ لهم. نعوذ بالله من عمل يقرّب من سخطه، ونسأله التوفيقَ لما يُدني من رضاه ومحبته. قال أبو جعفر: وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كلّ زمان، من [لدن] ابتدأ ربُّنا ﷻ خلقَ خلقه إلي حال فنائهم، مَن انتهي إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمَه؛ من رسول له مرسَل، أو ملِك مسلَّط، أو خليفة مستخلَف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعمًا، وإلي ما تفضل به عليه فضلًا، ومن أخَّر ذلك له منهم، وجَعله له عنده ذخرًا. ومن كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه، وعجّل له نقمه. ومَن كفر منهم نعمه فمتعه بما أنعم به عليه إلي حين وفاته وهلاكه؛ مقرونًا ذكرُ كلّ مَنْ أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه، وجُمَل ما كان حوادث الأمور في عصره وأيامه؛ إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطولُ به الكتب، مع ذكري مع ذلك مبلغ مدة أُكْله، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولي، والابتداء به قبله أحْجَي؛ من البيان عن الزمان: ما هو؟ وكم قَدْر جميعه، وابتداء أوله، وانتهاء آخره؟ وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شيء غيره؟ وهل هو فانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبَّح الخلاق، تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة علي أن لا قديم إلا الله الواحد القهار، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثري بوجيزٍ من الدلالة غيرِ طويل؛ إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصدَ الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تأريخ الملوك الماضين وجملًا من أخبارهم، وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء السالفين وبعض سيرهم، ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم. ثم أنا متبعٌ آخر ذلك كلِّه -إن شاء الله وأيّد منه بعون وقوة- ذكرَ

стр. 152

صحابة نبينا محمد ﷺ وأسمائهم وكُناهم ومبالغ أنسابهم ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كلّ إنسان منهم، والموضع الذي كانت به وفاته. ثم متبعهم ذكرَ من كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان، علي نحو ما شرطنا من ذكرهم. ثم ملحِق بهم ذكرَ من كان بعدهم من الخلَف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإبانةَ عمّن حمِدت منهم روايته، وتُقُبِّلت أخباره، ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره، ومن وُهِّن منهم نقله، وضعِّف خبره. و [ما] السببُ الذي من أجله نُبذ من نُبذ منهم خبره، والعلة التي من أجلها وُهِّن منْ وُهّن منهم نقله. وإلى الله أنا راغب في العون علي ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه؛ فإنه وليُّ الحول والقوة، وصلى الله علي محمد نبيه وآله وسلم تسليمًا. وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكرَه فيه مما شرطت أني راسمه فيه؛ إنما هو علي ما رويتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلي رواتها فيه، دون ما أدرِك بحجج العقول، واستنبِط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين، غير واصل إلي من لم يشاهدهم ولم يدرِك زمانهم؛ إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكَر النفوس. فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكِره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتِي من قِبَل بعض ناقليه إلينا؛ وإنا إنما أدينا ذلك علي نحو ما أدِّيَ إلينا (١). (١: ٣/ ٤ / ٥/ ٦ / ٧/ ٨). القول في الزمان ما هو قال أبو جعفر: فالزمانُ هو ساعات الليل والنهِار، وقد يقال ذلك للطويل من المدة والقصير منها، والعرب تقول: أتيتك زمان الحجاج أمير، وزمنَ الحجاج أمير -تعني به: إذ الحجاج أمير. وتقول: أتيتك زمان الصِّرام [وزمن الصِّرام]-

стр. 153

تعني به وقت الصرام. ويقولون أيضًا: أتيتك أزمان الحجاج أمير، فيجمعون الزمان، يريدون بذلك أن يجعلوا كلّ وقت من أوقات إمارته زمانًا من الأزمنة، كما قال الراجز: جاءَ الشِّتاء وقَمِيصي أخلاقْ ... شَراذِمٌ يَضْحَك مِنْهُ التَوَّاق فجعل القميص أخلاقًا، يريد بذلك وصفَ كل قطعة منه بالإخلاق؛ كما يقولون: أرض سباسب، ونحو ذلك. ومن قولهم للزمان: "زمن" قول أعشي بني قيس بن ثعلبة: وكُنْتُ امْرَأً زَمَنًا بالعراقِ ... عَفِيفَ المُناخِ طويل التَّغَنْ يريد بقوله: "زمنًا" "زمانًا"، فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل والنهار علي ما قد بينت ووصفت (١). (١: ٩). القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلي انتهائه وأوله إلي آخره قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما دل علي صحته الخبرُ الوارد عن رسول الله ﷺ ، وذلك ما حدَّثنا به محمد بن بشار وعلي بن سهل، قالا: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ : "أجلُكم في أجل مَنْ كان قبلكم، من صلاة العصر إلي مغرب الشمس" (٢). (١: ١١). حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن

стр. 154

نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "ألَا إنما أجلُكم في أجل مَنْ خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلي مغرب الشمس" (١) (١: ١٠). حدثنا الحسن بن عَرَفة، قال: حدثني عمار بن محمد، ابن أخت سفيان الثوريّ، أو اليقظان، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مغيرة بن حكيم، عن عبد الله ن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بقيَ لأمتي من الدنيا إلا كمقدار مغرب الشمس إذا صُلِّيت العصر" (٢). (١: ١٠). حدثني محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شريك، قال: سمعتُ سلمة بن كُهَيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس مرتفعة علي قُعيقِعان بعد العصر، فقال: "ما أعمارُكم في أعمار منْ مضي إلا كما بقيَ من هذا النهار فيما مضي منه" (٣). (١: ١١). حدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنَّى -قال ابن بشار: حدّثني خلف بن موسى، وقال ابن المثنَّي: حدثنا خلف بن موسى- قال: حدّثني أبي، عن قَتادة، عن أنس بن مالك أن رسولَ الله ﷺ خطب أصحابه يومًا -وقد كادت الشمس أن تغيب، ولم يبق منها إلا شِقّ يسير- فقال: "والذي نفس محمد بيده ما بقيَ من

стр. 155

دنياكم فيما مضي منها إلا كما بقيَ من يومكم هذا فيما مضي منه، وما تروْن من الشمس إلا اليسير" (١). (١: ١١/ ١٢). حدثنا هناد بن السّريّ وأبو هشام الرفاعيّ، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت [أنا] والساعة كهاتين" - وأشار بالسبابة والوسطي (٢). (١: ١٢). حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي بنحوه (٣). (١: ١٢). حدثنا هَنّاد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سمُرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" (٤). (١: ١٢). حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سَمُرة، قال: كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله ﷺ وأشار

стр. 156

بالمسبّحة والتي تليها- وهو يقول: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه" (١). (١: ١٢). حدثنا ابن حُميد، قال: حدثني يحيى بن واضح، قال: حدثنا فِطْر، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سَمُرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت من الساعة كهاتين" - وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطي (٢). (١: ١٢). حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين". قال شعبة: سمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، قال: لا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة (٣). (١٣: ١). حدثنا خلّاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر بن شُمَيل، قال: حدثنا شعبة، عن قَتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" (٤). (١: ١٣). حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ مثله، وزاد في حديثه: وأشار بالوسطي والسبابة (٥). (١: ١٣). حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على

стр. 157

الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أنتم [و] الساعة كهاتين"، وأشار بإصبعيه (١). (١٣: ١). حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك علي الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت [من] رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنتم والساعة كتَيْن" (٢). (١: ١٣). حدثني ابن عبد الرحيم البرْقيّ، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ، قال: حدَّثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك علي الوليد بن عبد الملك، فذكر مثله (٣). (١: ١٣/ ١٤). حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدَّثني معبد، حدَّث أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وقال بإصبعيه: هكذا (٤). (١: ١٤). حدثنا ابن المثنَّي قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شُعبة، عن أبي التيَّاح، عن أَنَس، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين": السبابة والوسطي. قال أبو موسى: وأشار وهب بالسبابة والوسطي (٥). (١: ١٤). حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التيَّاح وقتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وقرَن بين إصبعيه (٦). (١: ١٤). حدّثني محمد بن عبد الله بن بَزِيع، قال: حدَّثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا

стр. 158

أبو حازم، قال: حدثنا سهل بن سعد، قَال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا، الوسطى والتي تلي الإبهام: "بُعثت أنا والساعة كهاتين" (١). (١: ١٤). حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسولي الله ﷺ : "بُعثت أنا والساعة كهاتين"، وجمع بين إصبعيه (٢). (١: ١٤). حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة هكذا"، وقرن بين إصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام (٣). (١: ١٥). حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وجمع بين إصبعيه (٤). (١: ١٥). حدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا المسعوديّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، عن أبي جَبِيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثتُ مع الساعة كهاتين -وأشار بإصبعيه الوسطى والسبابة- كفضل هذه على هذه" (٥). (١: ١٥). حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن

стр. 159

شُبيل بن عوف، عن أبي جَبيرة، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا والساعة هكذا"- قال الطبريّ: وأرانا تميم، وضم السبابة والوسطي وقال لنا: أشار يزيد بإصبعيه السبابة والوسطي وضمهما- وقال: "سبقتُها كما سبقتْ هذه هذه في نَفس من الساعة"، أو " [في] نَفَس الساعة" (١). (١: ١٥/ ١٦). فمعلوم إذْ كان اليوم أولُه طلوع الفجر وآخرُه غروب الشمس، وكان صحيحًا عن نبينا ﷺ ، ما رويناه عنه قبل، أنه قال بعد ما صلي العصر: "ما بقيَ من الدنيا فيما مضي منها إلا كما بقيَ من يومكم هذا فيما مضي منه". وأنه قال لأصحابه: "بُعثتُ أنا والساعة كهاتين" -وجمع بين السبابة والوسطي- "سبقتُها بقدر هذه من هذه"، يعني الوسطى من السبابة. وكان قدر ما بين أوسط أوقات صلاة العصر -وذلك إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه- علي التحرِّي إنما يكون قدر نصف سبع اليوم، يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكذلك فضل ما بين الوسطى والسبابة، إنما يكون نحوًا من ذلك وقريبًا منه (٢). (١: ١٦). وكان صحيحًا مع ذلك عن رسول الله ﷺ ما حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه جبير بن نُفير، أنه سمع أبا ثعلبة الخشنيّ صاحب النبي ﷺ يقول: إن رسولَ الله ﷺ قال: "لن يُعجز الله هذه الأمة من نصف يوم"، وكان معنى قول النبيّ ذلك أن "لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم" الذي مقداره ألف سنة (٣). (١: ١٦).

стр. 160

القول في الدلالة على حدوث الأوقات والأزمان والليل والنهار قد قلنا قبلُ إن الزمان إنما هو اسم لساعات الليل والنهِار، وساعاتُ الليل والنهار إنما هي مقادير من جَرْي الشمس والقمر في الفلك، كما قال الله : ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾. فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليلِ والنهار، وكانت ساعات الليل والنهار إنما هي قَطْع الشمس والقمر درجات الفلَك، كان بيقين معلومًا أن الزمان محدَث والليل والنهار محدثان، وأن مُحدِث ذلك الله الذي تفرّد بإحداث جميع خلقه، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾. ومن جَهِل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهلَ اختلافَ أحوال الليل والنهار؛ بأن أحدَهما يَرِد على الخلق -وهو الليل- بسواد وظلمة، وأنَّ الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء، ونَسْخٍ لسواد الليل وظلمته، وهو النهار. فإذا كان ذلك كذلك، وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في

стр. 161

وقت واحد في جزء واحد- كان معلومًا يقينًا أنه لا بد [من] أن يكونَ أحدُهما كان قبل الآخر منهما؛ وأيَّهما كان منهما قبل صاحبه فإن الآخر منهما كان لا شك بعده، وذلك إبانةٌ ودليل علي حدوثهما، وأنهما خلقان لخالقهما. ومن الدلالة أيضًا علي حدوث الأيام والليالي أنه لا يومَ إلا وهو بعدَ يوم كان قبله، وقبل يوم كائن بعده، فمعلوم أن ما لم يكن ثم كان، أنه محدَث مخلوق، وأنَّ له خالقًا ومحدِثًا. وأخرى، أن الأيام والليالي معدودة، وما عدَّ من الأشياء فغير خارج من أحد العددين: شفع أو وتر؛ فإن يكن شفعًا فإن أولها اثنان، وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولًا، وإن كان وترًا فإنَّ أولها واحد، وذلك دليل علي أن لها ابتداء وأوّلًا، وما كان له ابتداء فإنه لا بد له من مبدئ، هو خالقه (١). (١: ٢٠/ ٢١). القول في الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شيء يبقي غير الله تعالى ذكره والدلالة علي صحة ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾. فإن كان كلُّ شيء هالك غير وجهه -كما قال جلّ وعزّ- وكان الليل والنهار ظلمة أو نورًا خلَقهما لمصالح خَلْقه، فلا شك أنهما فانيان هالكان، كما أخبر؛ وكما قال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ يعني بذلك أنها عُمِّيت فذهب ضوءها، وذلك عند قيام الساعة، وهذا ما لا يُحتاج إلي الإكثار فيه؛ إذ كان مما يدين بالإقرار به جميعُ أهل التوحيد من أهل الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والمجوس، وإنما ينكرُه قومٌ من غير أهل التوحيد، لم نقصِد بهذا الكتاب قصدَ الإبانة عن خطأ قولهم. فكلّ الذين ذكرنا عنهم أنهم مُقِرُّون بفناء جميع العالم حتى لا يبقي غيرُ القديم الواحد، مقرّون بأن الله محييهم بعد فنائهم، وباعثهم بعد هلاكهم، خلا قومٍ من عَبَدة الأوثان، فإنهم يُقرون بالفناء، وينكرون البعث (٢). (١: ٢٧).

стр. 162

القول في الدلالة على أن الله القديم الأول قبل كل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهَد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسمَ إلا مفترِق أو مجتمع، وأنه لا مفترِق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمعَ منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عُدِم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأنَّ الافتراقَ إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن. وإذا كانَ الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدَث بتأليف مؤلّف له إن كان مجتمعًا، وتفريق مفرّق له إن كان مفترقًا. وكان معلومًا بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعًا، ومفرّقه إن كان مفترقًا منْ لا يشبهه، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء، وهو علي كل شيء قدير فبيِّنٌ بما وصفنا أن باريء الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدثها الذي يُدبرها ويُصَرّفها قبلها، إذْ كان من المحال أن يكون شيء يُحدث شيئًا إلا ومحدثه قبله، وأن في قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾، لأبلغُ الحجج، وأدلُّ الدلائل -لمن فكَّر بعقل، واعتبر بفهم- على قِدَم بارئها، وحدوث كل ما جانسها، وأنّ لها خالقًا لا يشبهها. وذلك أن كلّ ما ذكر ربنا ﵎ في هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فإنّ ابنَ آدم يعالجه ويدبّره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم، غيرَ ممتنع عليه شيء من ذلك. ثم إنَّ ابن آدم مع ذلك غير قادر علي إيجاد شيء من ذلك من غير أصل؛ فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسَه، وأن الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده مَن هو مثله، ولا هو أوجدَ

стр. 163

نفسه، وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يُعجزه شيء أراده، ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه، وهو الله الواحد القهار. فإن قال قائل: فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فِعل قديمين؟ قيل: أنكرنا ذلك لوجود اتصال التدبير وتمام الخلق، فقلنا: لو كان المدبِّر اثنين، لم يخلُوَا من اتفاق أو اختلاف؛ فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحدَ اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالًا وجودُ الخلق على التمام والتدبير علي الاتصال؛ لأن المختلفين، فعلُ كلّ واحد منهما خلافُ فعل صاحبه؛ بأنّ أحدَهما إذا أحيا أمات الآخر، وإذا أوجد أحدُهما أفني الآخر، فكان محالًا وجودُ شيء من الخلق علي ما وُجد عليه من التمام والاتصال. وفي قول الله ذكره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾، وقوله ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أبلغُ حجة، وأوجز بيان، وأدلّ دليل على بُطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما إله غير الله، لم يخلُ أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف. وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية، وإقرار بالتوحيد، وإحالةٌ في الكلام بأن قائلَه سمَّي الواحد اثنين. وفي القول باختلافهما، القول بفساد السموات والأرض، كما قال ربنا جلّ وعزّ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لأن أحدَهما كان إذا أحدث شيئًا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله؛ وذلك أن كل مختلفين فأفعالُهما مختلفة، كالنار التي تسخِّن، والثلج الذي يبرِّد ما أسخنته النار. وأخرى، أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخلُ كلّ واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين؛ فإن كانا عاجزين فالعاجزُ مقهور وغير كائن إلهًا. وإن كانا قويين فإنّ كلّ واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، والعاجز لا يكون إلهًا. وإن كان كلّ واحد منهما قويًّا علي صاحبه؛ فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكرُه عما يشرك المشركون! فَتبيَّن إذًا أن القديمَ باريء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كلّ شيء، وهو الكائن بعد كلِّ شيء، والأول قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ

стр. 164

شيء، وأنه كان ولا وقتَ ولا زمان، ولا ليلَ ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور، إلا نور وجهه الكريم. ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شيء سواه محدَث مدبَّر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا مُعين ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر! (١) (١: ٢٨/ ٢٩ / ٣٠). وقد حدثني علي بن سهل الرمليّ، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "إنكم تُسألون بعدي عن كلِّ شيء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كلَّ شيء فمن ذا خلقه! " (٢). (١: ٣٠/ ٣١). حدثني عليّ، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصمّ: حدَّثني نَجَبة بن صَبِيغ، قال: كنت عند أبي هريرة فسألوه عن هذا فكبّر وقال: ما حدَّثني خليلي بشيء إلا قد رأيته أوْ أنا أنتظره. قال جعفر: فبلغني أنه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كلّ شيء، والله كان قبل كلّ شيء، والله كائن بعد كلّ شيء (٣). (١: ٣١).

стр. 165

فإذا كان معلومًا أن خالقَ الأشياء وبارئها كان ولا شيء غيره، وأنه أحدَث الأشياء فدبَّرها، وأنه قد خلق صنوفًا من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات، وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يُجريهما في أفلاكهما، وبهما عُرِفت الأوقات والساعات، وأرِّخت التأريخات، وفصل بين الليل والنهار، فلْنقل: فيمَ ذلك الخلق الذي خُلِق قبل ذلك؟ وما كان أوله (١)؟ (١: ٣٢). القول في ابتداء الخلق ما كان أوله صحّ الخبر عن رسول الله ﷺ بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح -وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلانيّ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح- عن أيوب بن زياد، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عبادة بن الصامت: يا بنيّ سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتبْ، فجري في تلك الساعة بما هو كائن" (٢). (٣٢: ١). حدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن

стр. 166

حبيب، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: "إن أوَّل شيء خلق الله القلم، وأمره أن يكتب كلّ شيء". (١). (٣٢: ١) حدثني موسى بن سهل الرمليّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا رَباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٢). (١: ٣٢). حدثني محمد بن معاوية الأنماطيّ، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أيّ بنيّ، اتق الله واعلم أنك لن تتَّقي الله، ولن تبلغَ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقَدر خيرِه وشرّه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله خلق القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلي الأبد" (٣). (١: ٣٢/ ٣٣). وقد اختلف أهل السلف قبلنا في ذلك، فنذكرُ أقوالهم، ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى. فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي روي عن رسول الله ﷺ فيه. ذكر من قال ذلك: حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسديّ، قال: حدثنا محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان؛ عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شيء القلم

стр. 167

فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رُفع بخار الماء ففتَق منه السموات (١). (١: ٣٣). حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس نحوه (٢). (١: ٣٣). حدثنا محمد بن المثنّي، قال: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس، قال: أوَّلُ ما خلق الله من شيء القلمُ، فجري بما هو كائن (٣). (١: ٣٣). حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان -أو مجاهد-، عن ابن عباس بنحوه (٤). (١: ٣٣). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، قال: حدثنا معمر، حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال: إن أولَ شيء خُلِق القلم (٥). (١: ٣٤). حدثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضّحي مسلم بن صُبَيْح، عن ابن عباس، قال: إن أوَّلَ شيء خلق ربي القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلي أن تقوم الساعة (٦). (١: ٣٤). قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ ابن عباس،

стр. 168

للخبر الذي ذكرت عن رسول الله ﷺ [قبل]، أنه قال: أول شيء خلق اللهُ القلم. (١). (١: ٣٤). قيل: أما قولُ ابن عباس: إن الله ﵎ كان عرشه علي الماء قبل أن يخلق شيئًا، فكان أول ما خلق الله القلم -إن كان صحيحًا عنه أنه قاله- فهو خبرٌ منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه، وقد رَوَي عن أبي هاشم هذا الخبر شعبةُ، ولم يقل فيه ما قال سفيان؛ من أن الله كان علي عرشه، فكان أول ما خلق القلم، بل روي ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله القلم (٢). (١: ٣٥). وكذلك قولَ ابن إسحاق الذي ذكرناه عنه معناه أنّ الله خلق النورَ والظلمة بعد خلقه عرشه، والماء الذي عليه عرشه. وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أوْلى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعْلَم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته، وقد روينا عنه ﵇ أنه قال: "أولُ شيء خلقه الله القلم" من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدّم خلق الله إياه خلق القلم، بل عمّ بقوله ﷺ : "إن أول شيء خلقه الله القلم"، كلَّ شيء، وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غيرَ ذلك. فالرواية التي رويناها عن أبي ظَبْيان وأبي الضّحى، عن ابن عباس، أوْلى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم؛ إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان، علي ما قد ذكرت من اختلافهما فيها. أما ابن إسحاق فإنه لم يسند قولهُ الذي قاله في ذلك إلي أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرَكُ علمها إلا بخبر من الله ، أو خبر من رسول الله ﷺ ، وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله ﷺ (٣). (١/ ٣٥ - ٣٦).

стр. 169

القول في الذي ثنى خلق القلم حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شُميل، قال: حدثنا المسعوديّ، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن حرز، عن ابن حصين -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: أتي قوم رسولَ الله ﷺ فدخلوا عليه، فجعل يبشّرهم ويقولون: أعطِنا، حتى ساء ذلك رسولَ الله ﷺ ، ثم خرجوا من عنده. وجاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلّم علي رسول الله ﷺ ، ونتفقّه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: فاقبَلوا البشري إذْ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قَبِلنا، فقال رسول الله ﷺ : "كان الله لا شيء غيره، وكان عرشه علي الماء، وكُتِب في الذكر قبل كلّ شيء، ثم خلق سبعَ سموات". ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتُك قد ذهبتْ، فخرجتُ ينقطع دونها السراب، وَلوَددت أني تركتها (١). (١: ٣٨). حدثني أبو كُريب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جامع ابن شداد،

стр. 170

عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقبلوا البشرى يا بني تميم"، فقالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا، فقال: "اقبلوا البشري يا أهل اليمن"، فقالوا: قد قبِلنا، فأخبرْنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله ﷺ : "كان الله علي العرش، وكان قبل كلِّ شيء، وكتب في اللوح كل شيء يكون". قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، هذه ناقتك قد حلَّت عقالها، فقمت، فإذا السراب ينقطع بيني وبينها، فلا أدري ما كان بعد ذلك (١). (١: ٣٨).

стр. 171

وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقِل، قال: سمعت وهب بن مُنبّه: يقول: الأيام سبعة (١). (١/ ٤٣). وكلا القولين -اللذَيْن روينا أحدَهما عن الضحاك وعطاء، من أن الله خلق الأيام الستة، والآخر منهما عن وهب بن منبّه من أن الأيام سبعة- صحيح مؤتلف غير مختلف، وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الأيام التي خلق الله فيهنَّ الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والأرض وما فيهنّ إلي أن فرغ من جميعه ستة أيام، كما قال جل ثناؤه ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وأن معنى قول وهب بن منبّه في ذلك كان أنّ عدد الأيام التي هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة (٢). (١: ٤٣). وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلقَ السموات والأرض يومُ الأحد؛ لإجماع السلَف من أهل العلم على ذلك.

стр. 172

فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك، فإنه إنما استدل -بزعمه- على أن ذلك كذلك؛ لأنّ الله عزّ ذكره فرَغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة، وذلك اليوم السابع، وفيه استوي علي العرش، وجعل ذلك اليوم عيدًا للمسلمين؛ ودليلُه علي ما زعم أنه استدل به علي صحة قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل علي خطئه فيه، وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من [محكَم] تنزيله، أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى ذكره ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾. ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكَرَهن قبل ذلك، فمعلوم إذْ كان الله إنما خلق السموات والأرضينَ وما فيهنَّ في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله ﷺ بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة - أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهنَّ؛ لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام، لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل؛ فتبين إذًا -إذْ كان الأمرُ كالذي وصفنا في ذلك- أن أوَّل الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهنّ من خلقه يوم الأحد؛ إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام، كما قال ربنا ﷻ . فأما الأخبارُ الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه بأنّ الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة، فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى (١). (١: ٤٥/ ٤٦).

стр. 173

القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما وقال آخرون: خلق الله الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن يَدْحُوَها، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله حيث ذكر خلْق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوَها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١). (١: ٤٨). حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢)﴾، يعني أنه خلق السموات والأرض، فلمّا فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بثَّ أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء؛ وأرسى الجبال -يعني بذلك دحوَها- ولم تكن تصلح أقواتُ الأرض ونباتُها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله : ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ألم تسمع أنه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢)؟ (٤٨: ١). وغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول، وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلقَ الأرض ولم يدحُها، ثم خلَق السموات فسواهنَّ، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك؛ وذلك أن معنى الدَّحْو غيرُ معنى الخلق، وقد قال الله : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا

стр. 174

وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ (١). (١: ٤٨/ ٤٩). فإن قال قائل: فإنَّك قد علمتَ أن جماعةً من أهل التأويل قد وجهَت قول الله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ إلى معنى "مع ذلك دحاها"، فما برهانُك على صحة ما قلت، من أن "ذلك" بمعنى "بَعْد" التي هي خلاف "قبل"؟ قيل: المعروف من معنى "بعد" في كلام العرب هو الذي قلنا من أنها بخلاف معنى "قبل" لا بمعنى "مع"؛ وإنما تُوَجَّه معاني الكلام إلى الأغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله، لا إلى غير ذلك (٢). (١: ٤٩). وإذا كان الأمرُ كذلك كان خلقُ الأرض قبل خلق السموات، ودَحْوُ الأرض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها، بعد خلْق السموات، كما ذكرنا عن ابن عباس (٣). (١: ٥٠/ ٥١).

стр. 175

القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة تعرف حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: ليلًا ونهارًا كذلك خلقهما الله . (١). (١: ٧٧). قال ابن جريج: وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، قال: ظلمة الليل وسَدَف النهار (٢). (٧٧: ١). حدثنا بِشْر بن معاذ، قال: حَدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، كنا نحدّث أن محوَ آية الليل سوادُ القمر الذي فيه، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، منيرة، وخلق الشمس أنورَ من القمر وأعظم (٣). (١: ٧٧). حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن

стр. 176

أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: ليلًا ونهارًا، كذلك جعلهما الله (١). (١: ٧٧). ولو صحَّ سندُ أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به؛ ولكن في أسانيدهما نظر؛ فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر؛ غير أنا بيقين نعلم أن الله خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما، فخالف بينهما، فجعل أحدهما مضيئًا مُبصرًا به، والآخر ممحوّ الضوء (٢). (١: ٧٨). وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما، مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك، وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب؛ لأنَّ قصْدنا في كتابنا هذا ذكرُ ما قدمنا الخبر عنه أنَّا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل، على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب، وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقَّت بالليالي والأيام التي إنما هي مقادير ساعات جري الشمس والقمر في أفلاكهما علي ما قد ذكرنا في الأخبار التي رويناها عن رسول الله ﷺ ، وكان ما كان قبل خلق الله عزّ ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار (٣). (١: ٧٨/ ٧٩). ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه قال أبو جعفر: وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال كما قال الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ وجائز أن يكون فسوقُه عن أمر ربّه كان من أجل أنه كان من الجنّ، وجائز أن يكون من أجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده في عبادة ربه، وكثرة

стр. 177

علمه، وما كان أوتي من مُلك السماء الدنيا والأرض وخَزْن الجنان. وجائز أن يكون لغير ذلك من الأمُور، ولا يُدرَك علم ذلك إلَّا بخبرٍ تقوم به الحجة، ولا خبرَ في ذلك عندنا كذلك، والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه (١). (١: ٨٨).

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →