← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بقين من شعبان منها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ. وقال الواقديّ: كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق، وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة: وقال بعضهم: كان ابنَ أربعين سنة. وقال بعضهم: ابن ست وثلاثين سنة؛ فكانت خلافته في قول أبي معشر وهشام بن محمد وعليّ بن محمد أربعَ سنين وشهرًا، وفي قول الواقديّ أربع سنين. وكان يزيد بن عبد الملك يكنَّى أبا خالد؛ كذلك قال أبو معشر وهشام بن محمد والواقديّ وغيرهم. وقال عليّ بن محمد: توفِّي يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة خمس ومئة. وقال: ومات بإربَد من أرض البلقاء، وصلّى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بحِمْص؛ حدثني بذلك عمر بن شبّة، عن عليّ. وقال هشام بن محمد: توفِّي يزيد بن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (١).

стр. 1472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1478

خلافة هشام بن عبد الملك وفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان منها وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر. حدثني عمر بن شبة قال: حدثني علي قال: حدثنا أبو محمد القرشي وأبو محمد الزيادي والمنهال بن عبد الملك وسحيم بن حفص العجفي قالوا: ولد هشام بن عبد الملك عام قُتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين (١).

стр. 1479

ذكر ولاية خالد القسري على العراق وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق وولّى ذلك كله خالد بن عبد الله القسري في شوال. ذكر عبد الرزاق أنّ حماد بن سعيد الصنعانيّ أخبره قال: أخبرني زياد بن عبيد الله. قال: أتيت الشّأم، فاقترضت؛ فبينا أنا يومًا على الباب -باب هشام - إذ خرج عليّ رجل من عند هشام، فقال لي: ممّن أنت يا فتى؟ قلت: يمانٍ، قال: فمن أنت؟ قلت: زياد بن عبيد الله بن عبد المَدان، قال: فتبسم، وقال: قم إلى ناحية العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عني، وأمرني بالمسير، ووكّل بي من يخرجني قال: قلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبد الله القسريّ، قال: ومُرْهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر. فلما جُزْت قليلًا ناداني، فقال: يا فتى، وإن سمعت بي قد وُلّيت العراق يومًا فالحق بي. قال: فذهبتُ إليهم، فقلت: إنّ الأمير قد أرسلني إليكم بأنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ وأمره بالمسير. فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبِّل رأسي، فلما رأيتُ ذلك منهم، قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه وبِرْذونه الأصفر، قالوا: إي والله وكرامةً، قال: فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجودَ ثيابًا منّي، ولا أجودَ مركبًا منّي. فلم ألبث إلا يسيرًا حتى قيل: قد وُلِّيَ خالد العراق، فركبني من ذلك همّ. فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهمومًا! قلت: أجل قد وُلّي خالد كذا وكذا، وقد أصبتُ ها هنا رُزَيقًا عشت به، وأخشى أن أذهب إليه فيتغيَّر عليَّ فيفوتني ها هنا وها هنا، فلست أدري كيف أصنع! فقال لي: هل لك في خصلة؟ قلت: وما هي؟ قال: توكّلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبتَ ما تحبّ فلي أرزاقك، وإلّا رجعتَ فدفعتها إليك، فقلت نعم.

стр. 1480

وخرجت، فلما قدمت الكوفة لبست من صالح ثيابي، وأذن للناس، فتركتُهم حتى أخذوا مجالسَهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت ودعوت وأثنيت، فرفع رأسه، فقال: أحسنت بالرّحب والسعة، فما رجعتُ إلى منزلي حتى أصبت ستمئة دينار بين نَقْد وعَرَض. ثم كنت أختلفُ إليه، فقال لي يومًا: هل تكتب يا زياد؟ فقلت: أقرأ ولا أكتب، أصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك، وبقي لك واحدة فيها غنى الدّهر قال: قلت: أيها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: وماذا حينئذ! قلت: تشتري غلامًا كاتبًا تبعث به إليّ فيعلمني، قال: هيهات! كبرتَ عن ذلك. قال: قلت: كلّا، فاشترى غلامًا كاتبًا حاسبًا بستين دينارًا، فبعث به إليّ. فأكببتُ على الكتاب، وجعلت لا آتيه إلا ليلًا، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبتُ ما شئت وقرأت ما شئت. قال: فإنّي عنده ليلةً، إذ قال: ما أدري هل أنجحت من ذلك الأمر شيئًا؟ قلت: نعم، أكتب ما شئت، وأقرأ ما شئت، قال: إنِّي أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذكونه، فإذا طومار، فقال: اقرأ هذا الطومار، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الريّ، فقال: اخرج فقد ولّيتك عملَه، فخرجت حتى قدمت الرّيّ، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إليّ: إن هذا أعرابيّ مجنون، فإنّ الأمير لم يولّ على الخراج عربيًّا قطّ، وإنما هو عامل المعونة، فقل له: فليقرّني على عملي وله ثلثمئة ألف، قال: فنظرتُ في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لا انكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الرّيّ، فظننت أنك جمعتها لي. فأرسل إليّ صاحب الخراج أن أقرّه على عمله ويعطيني ثلثمئة ألف درهم، فكتب إليَّ أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنّك مغبون، فأقمت بها ما أقمت، ثم كتبت: إني قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولّاني الشرطة (١).

стр. 1481

وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النَضْريّ وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكِنديّ، وعلى قضاء البَصْرة موسى بن أنس. وقد قيل إنّ هشامًا إنما أستعمل خالد بن عبد الله القسريّ على العراق وخراسان في سنة ست ومئة، وإن عامله على العراق وخراسان في سنة خمس ومئة كان عمر بن هبيرة (١). ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ففي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضْري وعن مكة والطائف، وولّى ذلك كله خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة ست ومئة، فكانت ولاية النَّضْريّ على المدينة سنة وثمانية أشهر (٢). وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة. وفيها غزا (الحجاج بن عبد الملك) اللّان، فصالح أهلَها، وأدّوا الجزْية (٣). وفيها ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب.

стр. 1482

وفيها مات الإمام طاووس مولى بحير بن رَيسان الحميريّ بمكة وسالم بن عبد الله بن عمر، فصلّى عليهما هشام. وكان موت طاووس بمكة وموت سالم بالمدينة (١). وفيها استقضى إبراهيم بن هشام: محمد بن صفوان الجمحي ثم عزله واستقضى الصلت الكندي (٢). [خبر غزو مسلم بن سعيد الترك] وفي هذه السنة غزا مسلم بن سعيد الترك فورد عليه عزله من خراسان من خالد بن عبد الله وقد قطع النهر لحربهم وولاية أسد بن عبد الله عليها (٣). حجّ هشام بن عبد الملك وحجّ بالناس في هذه السنة هشام بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن

стр. 1483

ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره لا خلاف بينهم في ذلك (١). وفي هذه السنة قدم خالد بن عبد الله القسري أميرًا على العراق (٢). ولاية أسد بن عبد الله القشري على خراسان وفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميرًا على خراسان (٣). وكان العامل على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسري وعامل خالد على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى وعلى شرطتها مالك بن المنذر بن الجارود وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس وعلى خراسان أسد بن عبد الله (٤). ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وفيها غزا الصائفة معاوية بن هشام وعلى جيش الشأم ميمون بن مهران فقطع البحر حتى عبر إلى قبرص وخرج معهم البعث الذي كان هشام أمر به في حجته سنة ست فقدموا في سنة سبع على الجعائل غزا منهم نصفهم وقام النصف وغزا البر مسلمة بن عبد الملك (٥).

стр. 1484

وفيها وقع بالشأم طاعون شديد (١). وفي هذه السنة غزا أسد جبال نمرون ملك الفرشتان مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يديه فهم اليوم يتولون اليمن (٢). [غزو الغُور] وفيها غزا أسد الغور وهي جبال هراة (٣). وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وهشام وغيرهما (٤). وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنة ستة مئة (٥). ثم دخلت سنة ثمان ومئة ففيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيسارية مدينة الروم مما يلي الجزيرة فتحها الله على يديه. وفيها أيضًا غزا إبراهيم بن هشام ففتح أيضًا حصنًا من حصون الروم (٦).

стр. 1485

وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي. وكان العمال في هذه السنة على الأمصار في الصلاة والحروب والقضاء هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل (١). ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها فما كان فيها من ذلك غزوة عبد الله بن عقبة بن نافع الفهري على جيش في البحر وغزوة معاوية بن هشام أرض الروم ففتح حصنًا بها يقال له طيبة له وأصيب معه قوم من أهل أنطاكية (٢). وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن خراسان وصرف أخاه أسدًا عنها (٣). فلما تعصّب أسد وأفسد الناس بالعصبية كتب هشام إلى خالد بن عبد الله: اعزل أخاك. فعزله (٤).

стр. 1486

ولاية أشرس بن عبد الله على خراسان وفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس بن عبد الله السُّلميّ، فذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذيّال العدويّ ومحمد بن حمزة، عن طرخان ومحمد بن الصلت الثقفيّ أن هشام بن عبد الملك عزل أسد بن عبد الله عن خراسان، واستعمل أشرس بن عبد الله السُّلميّ عليها، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسريّ - وكان أشرس فاضلًا خيّرًا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم - فسار إلى خُراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شُرطته عميرة أبا أمية اليشكريّ ثم عزله وولّى السمط، واستقضى على مرْو أبا المبارك الكنديّ. فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بن حيَّان، فأشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضيًا حتى عزل أشرس (١). وحجّ في هذه السنة إبراهيم بن هشام كذلك حدثني أحمد بن نابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره (٢). وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام وعلى البصرة والكوفة خالد بن عبد الله وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة اليزني وعلى شرطتها بلال بن أبي بردة وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاري من قبل خالد بن عبد الله وعلى خراسان أشرس بن عبد الله (٣). ثم دخلت سنة عشر ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك التّرك؛ سار إليهم نحو باب اللّان حتى لقيَ خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبًا من شهر، وأصابهم مطر

стр. 1487

شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مَسْلمة فسلك على مسجد ذي القرنين (١). وفيها غزا - فيما ذكر - معاوية بن هشام أرض الروم ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري وكان على جيش البحر فيما ذكر الواقدي - عبد الرحمن بن معاوية بن خديج (٢). قال عليّ: وخرج أشْرس غازيًا فنزل آمُل، فأقام ثلاثة أشهر، وقدّم قطَن بن قُتَيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل الصُّغْد وأهلُ بُخارى؛ معهم خاقان والترك، فحصروا قطَن بن قتيبة في خَنْدقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسًا، فيعبرُ في قطعة من الترك النهر. وقال قوم: أقحموا دوابَّهم عُرْيًا، فعبروا وأغاروا على سرْح الناس، فأخرج أشرس ثابت قُطْنة بكفالة عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو، فوجّهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمُل حتى استنقذوا ما بأيديهم؛ ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلًا يقال له مسعود - أحد بني حَيّان - في سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزِم مسعود؛ حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم: خابَتْ سَرِيَّة مَسْعُودٍ وما غَنِمَتْ ... إلا أَفانِينَ من شَدٍّ وتَقْريبِ

стр. 1488

حَلُّوا بأَرضٍ قِفَارٍ لا أَنِيسَ بها ... وَهُنَّ بالسَّفح أمثالُ اليعاسيبِ وأقبل العدوّ، فلما كانوا بالقرب لقيَهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جَوْلة، فقتل في تلك الجوْلة رجال من المسلمين، ثم كرّ المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالناس؛ حتى نزل بيكند، فقطع العدوّ عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم يُنبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعوا عنهم المياه منها، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قُتيبة، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمئة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبقَ في صفّ الرّباب إلا سبعة، فكاد ضرار بن حصين يؤسَرُ من الجهد الذي كان به، فحضّ الحارث بن سُريج الناس، فقال: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرًا عند الله من الموت عطشًا. فتقدّم الحارث بن سُريج وقَطَن بن قُتيبة وإسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع في فوارس من بني تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا. قال: فمرّ ثابت قُطنة بعبد الملك بن دثار الباهليّ، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في آثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنّط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقُتِل ثابت في عدّة من المسلمين؛ منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبديّ وعبد الملك بن دثار الباهليّ والوجيه الخُراسانيّ والعقّار بن عقبة العوديّ. فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد بن حسان خيلًا من بني تميم وقيس؛ تبايعوا على الموست، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم فكشفوهم؛ وركبهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى حجزهم الليل، وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بُخارى فحصر أهلها (١). قال عليّ بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدّثني هشام بن عُمارة بن

стр. 1489

القعقاع الضبيّ عن فُضيل بن غَزْوان، قال: حدّثني وجيه البُنانيّ ونحن نطوف بالبيت، قال: لقيَنا الترك، فقتلوا منّا قومًا، وصُرعتُ وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقُون حتى انتهوا إليّ، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثرًا هو واطئه، وأجلًا هو بالغُه؛ فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة. فرجع إلى خراسان؛ فاستشهد مع ثابت (١). قال: فقال الوازع بن مائق: مرّ بي الوجيه في بغلين يوم أشرس، فقلت: كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قال: أصبحتُ بين حائر وحائز؛ اللهمّ لفّ بين الصفين؛ فخالط القوم وهو متنكّب قوسه وسيفه، مشتمل في طَيلسان واستُشهد، واستُشهد الهيثم بن المنخّل العبديّ (٢). قال عليّ، عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى أشرس والترك، قال ثابت قُطْنة: اللهمّ إنّي كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفَك الليلة؛ والله لا ينظر إليّ بنو أمية مشدودًا في الحديد؛ فحمل وحمل أصحابُه، فكذب أصحابُه وثبت؛ فرُمِيَ بِرْذونه فشبّ، وضربه فأقدم، وضُرب فارتُثّ: فقال وهو صريع: اللهمّ إني أصبحتُ ضيفًا لابن بسطام، وأمسيت ضيفك؛ فاجعل قِرايَ من ثوابك الجنة (٣). وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء (٤).

стр. 1490

وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١). وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله (٢). ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرَى وغزوة سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيساريّة (٣). وفيها ولّى هشام الجرّاح بن عبد الله الحكَمي على أرمينية (٤). وفيها عزل هشام أشرَس بن عبد الله السُّلميّ عن خُرسان، وولاها الجُنيدَ بن عبد الرحمن المرّيّ (٥). ذكر السبب الذي من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد ذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذّيال، قال: كان سببُ عزل أشرس أنّ

стр. 1491

شدّاد بن خالد الباهليّ شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل الجُنَيد بن عبد الرحمن، على خراسان سنة إحدى عشرة ومئة (١). وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي وكان إليه من العمل في هذه السنة ما كان إليه في السنة التي قبلها وقد ذكرت ذلك قبل (٢). وكان العامل على العراق خالد بن عبد الله وعلى خراسان الجنيد بن عبد الرحمن (٣). ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خَرْشنَة، وحرق فرنديّة من ناحية مَلَطيَة (٤). ذكر خبر قتل الجراح الحكمي وفيها سار الترك من اللّان، فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحكَميّ فيمن معه من أهل الشأم وأذْرَبيجان، فلم يتتامّ إليه جيشُه، فاستُشهد الجرّاح ومن كان معه

стр. 1492

بمرج أردبيل؛ وافتتحت الترك أردبيل؛ وقد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية (١). ذكر محمد بن عمر أنّ الترك قتلت الجراح بن عبد الله ببلَنْجَر، وأن هشامًا لما بلغه خبرُه دعا سعيد بن عمرو الحَرَشيّ، فقال له: إنه بلغني أن الجرّاح قد انحاز عن المشركين. قال: كلّا يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، ولكنه قُتِل، قال: فما الرأي؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دوابّ البريد؛ ثم تبعث إليّ كلّ يوم أربعين دابّة عليها أربعون رجلًا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونني. ففعل ذلك هشام. فذُكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثةَ جموع وفودًا إلى خاقان بمَنْ أسَروا من المسلمين وأهل الذمّة، فاستنقذ الحَرشيّ ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم (٢).

стр. 1493

وذكر عليّ بن محمد أنّ الجنيد بن عبد الرحمن قال في بعض ليالي حربه التّرك بالشِّعب: ليلةٌ كليلة الجراح ويومٌ كيومه؛ فقيل له: أصلحك الله! إن الجراح سير إليه فقُتِلَ أهل الحجى والحفاظ فجنّ عليه الليل فانسلّ الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذربيجان وأصبح الجراح في قلّة فقتل. ذكر وقعة الجنيد مع الترك وفي هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشِّعب. وفيها قتل سَوْرة بن الحرّ؛ وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة ومئة.

стр. 1494

ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت: ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازيًا في سنة اثنتي عشرة ومئة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفًا وإبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ أحد بني أبان بن دارم، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش بالترك، فخرجتُ إليهم فما قدرتُ أن أمنع حائط سمرقند؛ فالغوث! . فأمر الجنيد الناس بالعُبور، فقام إليه المجشّر بن مزاحم السلميّ وابن بسطام الأزْديّ وابن صُبْح الخَرَقيّ، فقالوا: إن التُرك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفًّا ولا زحفًا، وقد فرَّقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ، والبختريّ بهراة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بن حريم غائب. وقال له المجشِّر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقلّ من خمسين ألفًا؛ فاكتب إلى عمارة فليأتك، وأمهل ولا تعجل، قال: فكيف بسورة ومَن معه من المسلمين! لو لم أكن إلا في بني مُرّة، أو من طلع معي من أهل الشأم لعبرتُ. وقال: أليس أحقَّ الناسِ أن يَشهَدَ الوغى وأن يقتل الأبطال ضَخْمٌ على ضخم وقال: ما علَّتي ما علّتي ما عِلّتي! ... إنْ لم أقاتِلْهُمْ فجُزّوا لِمَّتي قال: وعبر فنزل كِسَّ؛ وقد بعث الأشهب بن عبيد الحنظليّ ليعلم علمَ القوم، فرجع إليه وقال: قد أتوْك فتأهبْ للمسير. وبلغ الترك فعَوّروا الآبار التي في طريق كِسّ وما فيه من الركايا، فقال الجنيد: أيّ الطريقين إلى سَمرَقند أمثل؟ قالوا: طريق المحرَقة. قال المجشِّر بن مزاحم السلميّ: القتل بالسيف أمثلُ من القتل بالنار؛ إن طريق المحترقة فيه الشّجر والحشيش ولم يُزْرَع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيتَ خاقان أحرق ذلك كله، فقتلنا بالنار والدخان؛ ولكن خذ طريق العَقَبة، فهو بيننا وبينهم سواء. فأخذ الجُنيد طريقَ العَقَبة، فارتقى في الجبل، فأخذ المجشّر بعنان دابته، وقال: إنه كان يقال: إنّ رجلًا من قيس مترَفًا يهلك على يديه جند من جنود

стр. 1495

خراسان؛ وقد خِفْنا أن تكونه. قال: أفْرخْ رَوْعك، فقال المجشِّر: أمّا إذا كان بيننا مثلك فلا يُفْرَخ. فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حين أصبح؛ فصار الجُنيد بين مرتحل ومقيم؛ فتلقى فارسًا، فقال: ما اسمك؟ فقال: حرب؟ قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن محرَبة، قال: من بني مَن؟ قال: من بني حَنْظلة، قال: سلط الله عليك الحرْب والحرَب والكلب. ومضى بالناس حتى دخل الشِّعب وبينه وبين مدينة سَمْرقند أربعة فراسخ، فصبّحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه أهلُ الصُّغد والشاش وفَرْغانة وطائفة من الترك. قال: فحمل خاقان على المقدّمة وعليها عثمان بن عبد الله بن الشّخِّير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم؛ وجاؤوهم من كلّ وجه؛ وقد كان الإخْريد قال للجنيد: ردّ الناس إلى العسكر؛ فقد جاءك جمع كثير؛ فطلع أوائل العدوّ والناس يتغدّوْن، فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيّان، فكره أن يُعلِم النَّاس حتى يفرغوا من غدائهم؛ والتفت أبو الذّيال، فرآهم، فقال: العدوّ! فركب الناس إلى الجنيد، فصيّر تميمًا والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل؛ وعلى مجفّفة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيّان، وعلى المجرّدة عمر -أو عمرو- بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقريّ، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحمانيّ، وعلى الأزد عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو المعنيّ؛ وعلى خيلهيم: المجفّفة والمجرّدة فُضَيل بن هناد وعبد الله بن حوذان؛ أحدهما على المجففة، والآخر على المجرّدة - ويقال: بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضميّ - فالتقوا وربيعة ممّا يلي الجبل في مكان ضيّق؛ فلم يقدم عليهم أحد؛ وقصد العدوّ للميمنة وفيها تميم والأزْد في موضع واسع فيه مجال للخيل. فترجّل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيّان، انطلق إلى أخيك فإنه حَدَث وأخاف عليه، فأبى، فقال: يا بُنيّ، إنك إن قتِلت على حالك هذه قُتِلت عاصيًا. فرجع إلى الموضع الذي خلّف فيه أخاه والبرذوْن؛ فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شدّ البرذون، فقطع حيّان مِقوَده وركبه؛ فأتى العدو؛ فإذا العدوّ قد أحاط بالموضع الذي خلف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجُنيد بنصر بن سيار في سبعة معه؛ فيهم جميل بن غزوان العدويّ، فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدُّوا على العدو فكشفوهم ثم كرُّوا عليهم؛ فقتلوا جميعًا، فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك

стр. 1496

الموضع، وقُتل عبيد الله بن زهير وابن حوذان وابن جِرْفاس والفُضيل بن هَنّاد. وجالت الميمنة والجُنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزْد - وقد كان جفاهم - فقال له صاحب راية الأزد: ما جئتنا لتحبوَنا ولا لتكرمنا؛ ولكنّك قد علمت أنه لا يوصَل إليك ومنّا رجل حيّ؛ فإن ظفرنا كان لك؛ وإن هلكنا لم تبْك علينا. ولعمري لئن ظفرنا وبقيتُ لا أكلّمك كلمة أبدًا. وتقدّم فقتل. وأخذ الرّاية ابن مُجّاعة فقُتل، فتداول الرّاية ثمانية عشر رجلًا منهم فقتلوا، ففتل يومئذ ثمانون رجلًا من الأزْد. قال: وصبَر الناس يقاتلون حتى أعيَوْا؛ فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئًا، فقطع عبيدُهم الخشب يقاتلون به، حتَّى ملّ الفريقان فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بن مُجّاعة العتكيّ ومحمد بن عبد الله بن حَوْذان الجهضميّ، وعبد الله بن بسطام المعنّي وأخوه زُنيم والحسن ابن شيخ والفُضيل الحارثيّ - وهو صاحب الخيل - ويزيد بن المفضّل الحُدّانيّ؛ وكان حجَّ فأنفق في حجه ثمانين ومئة ألف؛ فقال لأمه وحشيَّة: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له، وغُشي عليه؛ فاستُشهد بعد مَقْدَمه من الحج بثلاثة عشر يومًا، وقاتل معه عبدان له؛ وقد كان أمرهما بالانصراف فقاتلا؛ فاستُشهدا. قال: وكان يزيد بن المفضّل حمل يوم الشّعب على مئة بعير سويقًا للمسلمين؛ فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل؛ فاستقدم وهو يقول: لا إله إلا الله؛ فقاتل حتى قُتِل. وقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حَوْذان وهو على فرس أشْقر، عليه تجفاف مذهّب، فحمَل سبع مرات يقتل في كلّ حملة رجلًا، ثم رجع إلى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه تَرجمان للعدوّ: يقول لك الملك: لا تقبل وتحوّل إلينا؛ فنرفض صنَمنا الذي نعبده ونعبدك؛ فقال محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده. فقاتل واستُشهد. وقتل جُشَم بن قرط الهلاليّ من بني الحارث، وقُتِل النَّضْر بن راشد العبديّ؛ وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرَّجًا بالدماء؟ فشقّت جيبها ودعت بالويل؛ فقال: حسبك، لو أعولتْ عليّ كلّ أنثى لعصيتُها شوقًا إلى الحُور العين؛ ورجع فقاتل حتى استُشهد رحمه

стр. 1497

الله. قال: فبينا النّاس كذلك إذ أقبل رَهَج، فطلعت فُرسان؛ فنادى منادي الجُنيد: الأرضَ، الأرضَ! فترجّل وترجّل الناس، ثم نادى منادي الجُنيد: ليخندق كلّ قائد على حياله؛ فخندق الناس، قال: ونظر الجُنيد إلى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدوّ، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكيّة، قال: ألسان البقرة! لله درّه أيّ رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزْد مئة وتسعون. وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة، فأرسل الجنيد إلى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكريّ أن يقف في الناحية التي تلي كسّ ويحبس من مرّ به، ويحوز الأثقال والرّجالة؛ وجاءت الموالي رجّالة، ليس فيهم غير فارس واحد والعدوّ يتبعونهم؛ فثبت عبد الله بن معمَر للعدوّ، فاستُشهد في رجال من بَكْر، وأصبحوا يوم السَّبت، فأقبل خاقان نصفَ النهار؛ فلم ير موضعًا لقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كَثرونا، فخلّ عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنة، إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم؛ ولكن دعوهم حتى يقربوا، ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجُنيد، وقال خاقان يومئذ: إنّ العرب إذا أحرِجوا استقتلوا؛ فخلّوهم حتى يخرجوا؛ ولا تَعرّضوا لهم؛ فإنكم لا تقومون لهم. وخرج جوارٍ للجنيد يولولْنَ؛ فانتدب رجال من أهل الشأم، فقالوا: الله الله يا أهل خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد؟ ليلة كليلة الجرّاح، ويوم كيومه. ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ وفي هذه السنة قتل سَوْرة بن الحرّ التميميّ. ذكر الخبر عن مقتله: ذكر عليّ عن شيوخه: أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد: اختر بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سورة أهون عليّ، قال: فاكتب إليه فليأتِك في أهل سَمرقَند؛ فإن الترك إن بلغهم أن سورة قد توجّه إليك انصرفوا إليه فقاتلوه. فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم - وقيل: كتب أغثني - فقال عبادة بن السليل المحاربيّ

стр. 1498

أبو الحكم بن عبادة لسَوْرة: انظر أبْرَد بيت بسَمرَقند فنمْ فيه، فإنك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير أم رضي. وقال له حُلَيس بن غالب الشيبانيّ: إن التّرك بينك وبين الجنيد؛ فإن خرجت كرّوا عليك فاختطفوك. فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج؛ فكتب إليه الجُنيد: يا بن اللخناء، تخرج وإلا وجّهت إليك شدّاد بن خالد الباهليّ - وكان له عدوًّا - فاقدَم، وضع فلانًا بفرخشاذ في خمسمئة ناشب، والزم الماء فلا تفارقه. فأجمع على المسير، فقال الوَجَف بن خالد العبديّ: إنك لمهلك نفسَك والعرب بمسيرك؛ ومهلك من معك، قال: لا يُخْرَج حملي من التّنّور حتى أسير؛ فقال له عبادة وحُليس: أما إذ أبيتَ إلا المسير فخذ على النهر، فقال: أنا لا أصل إليه على النهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه؛ فإذا سكنت الزُّجَل سرتُ فأعبره. فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سَوْرة بالرحيل؛ واستخلف على سَمَرقند موسى بن أسود؛ أحد بني ربيعة بن حنظلة، وخرج في اثني عشر ألفًا، فأصبح على رأس جبل؛ وإنما دلّه على ذلك الطريق عِلْج يسمى كارتقبد؛ فتلقّاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ: فقال أبو الذيّال: قاتلهم في أرض خَوّارة، فصبر وصبروا حتى اشتدّ الحرّ. وقال بعضهم: قال له غوزك: يومك يوم حارّ فلا تقاتلهم حتى تحمَى عليهم الشمس وعليهم السلاح. تثقلهم. فلم يقاتلهم خاقان؛ وأخذ برأي غوزك، وأشعل النار في الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء، فقال سَوْرة لعبادة: ما ترى يا أبا السليل؟ قال: أرى والله أنه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة؛ فاعقِرْ هذه الدوابّ وأحرِق هذا المتاع، وجرّد السيف؛ فإنهم يُخلّون لنا الطريق. قال أبو الذّيال: فقال سَوْرة لعبادة: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي، قال: فما ترى الآن؟ قال: أن ننزل فنُشرع الرّماح، ونزحف زحفًا، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر، قال: لا أقوى على هذا؛ ولا يقوى فلان وفلان. . وعدّد رجالًا؛ ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكّهم؛ سلمتُ أم عَطبتُ؛ فجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك، وثار الغُبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك اللِّهبُ فسقطوا فيه، وسقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سَورة

стр. 1499

فاندقّت فخذه، وتفرّق الناس، وانكشفت الغمة والناس متفرّقون، فقطعتهم الترك، فقتلوهم فلم ينجُ منهم غير ألفين - ويقال: ألف - وكان ممن نجا عاصم بن عمير السَّمرقنديّ، عرفه رجل من الترك فأجاره؛ واستُشهد حُليس بن غالب الشيبانيّ، فقال رجل من العرب: الحمد لله؛ استُشهد حُلَيس، ولقد رأيته يرمي البيت أيام الحجاج ويقول: درّى عُقاب، بلبن وأخشاب؛ وامرأة قائمة، فكلّما رمى بحَجر قالت المرأة: يا ربّ بي ولا ببيتك! ثم رُزق الشهادة. وانحاز المهلَّب بن زياد العجليّ في سبعمئة ومعه قريش بن عبد الله العبديّ إلى رُستاق يسمى المرغاب؛ فقاتلوا أهل قَصْر من قصورهم؛ فأصيب المهلّب بن زياد، وولَّوا أمرهم الوجَف بن خالد، ثم أتاهم الأشكند صاحب نَسف في خَيل ومعه غوزك، فقال غوزك: يا وَجَف، لكم الأمان، فقالت قريش: لا تثقوا بهم؛ ولكن إذا جنّنا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سَمَرقند؛ فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا. قال: فعصوْه وأقاموا، فساقوهم إلى خاقان؛ فقال: لا أجيز أمان غَوْزك، فقال غوزك للوجَف: أنا عبد لخاقان من شاكر يّتذه، قالوا: فلمَ غرزتنا؟ فقاتلهم الوجف وأصحابه، فقُتلوا غير سبعة عشر رجلًا دخلوا الحائط. وأمسوا، فقطع المشركون شجرة فألقوْها على ثلمة الحائط؛ فجاء قريش بن عبد الله العبديّ إلى الشجرَة فرمى بها؛ وخرج في ثلاثة فباتوا في ناووس فكمنوا فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا. وقتل سَوْرة؛ فلما قُتل خرج الجنيد من الشِّعب يريد سمرقند مبادرًا، فقال له خالد بن عبيد الله بن حبيب: سِر سر، ومجشّر بن مزاحم السّلميّ يقول: أذكرك الله أقم؛ والجنيد يتقدّم، فلما رأى المجشِّر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد، فقال: والله لا تسير ولتنزلنّ طائعًا أو كارهًا، ولا ندعك تُهلكنا بقول هذا الهجريّ. انزل. فنزل ونزل الناس فلم يتتامّ نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشّر: لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة، رجال الناس، فقال الجنيد: أيّها الناس؛ إنها النّار؛ فتراجعوا، وأمر الجنيد رجلًا فنادى: أيّ عبد قاتَلَ فهو حرٌ؛ فقاتل العبيد قتالًا شديدًا عجب الناس منه؛ جعل أحدهم يأخذ اللِّبد فيجوبه ويجعله في عنقه، يتوقَّى به. فسر الناس بما رأوْا من صبرهم، فكرّ العدوّ، وصبر الناس

стр. 1500

حتى انهزم العدوّ، فمضوا، فقال موسى بن النعر للناس: أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله إن لكم منهم ليومًا أرْوَنان. ومضى الجُنيد فأخذ العدوّ رجلًا من عبد القيس فكتفوه، وعلّقوا في عنقه رأس بلعاء العنبريّ بن مجاهد بن بلعاء؛ فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه، ومضى الجُنيد إلى سَمرقند؛ فحمل عيال مَن كان مع سَوْرة إلى مَرْو، وأقام بالسُّغْد أربعة أشهر؛ وكان صاحبَ رأي خراسان في الحرب المجشِّر بن مزاحم السُّلميّ وعبد الرحمن بن صبح الخَرَقيّ وعبيد الله بن حبيب الهجريّ، وكان المجشِّر يُنزل الناس على راياتهم، ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان عبد الرحمن بن صبح إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه؛ وكان عبيد الله بن حبيب على تعبئة القتال، وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب؛ فمنهم الفضل بن بسّام مولى بني ليث وعبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم والبَختريّ بن مجاهد مولى بني شيبان. قال: فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجُنيد سيفَ بن وصّاف العجليّ من سَمرقند إلى هشام، فجبُن عن السير وخاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه؛ وبعث نهار بن تَوْسعة أحد بني تيم اللات وزُمَيل بن سُوَيد المرِّيّ؛ مرّة غطفان. وكتب إلى هشام: إن سَوْرة عصاني، أمرتُه بلزوم الماء فلم يفعل، فتفرّق عنه أصحابه، فأتتني طائفة إلى كِسّ، وطائفة إلى نَسَف، وطائفة إلى سَمرقند، وأصيب سورة في بقيّة أصحابه. قال: فدعا هشام نهارَ بن توسعة، فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد، فقال نهار بن توسعة: لعمرُكَ ما حابَيتني إذْ بَعَثتَني ... ولكنَّما عَرّضتني للمَتَالفِ دعوتَ لها قومًا فهابوا ركوبَها .. وكنتُ امْرأ رَكَّابة للمَخاوف فأَيقنتُ إنْ لم يَدْفَع اللهُ أَنني ... طعامُ سِباعٍ أَو لطَيرٍ عوائفِ قَرينُ عَراكٍ وهوَ أيسَرُ هالك ... عليك وقد زَمَّلْتَهُ بِصَحَائِفِ فإني وإن آثرتَ منه قَرابَةً ... لأعظمُ حظًا في حِبَاءَ الخلائف على عهدِ عثمانٍ وفَدْنا وقبْلَهُ ... وكنَّا أُولي مجد تليدٍ وطارِفٍ قال: وكان عراك معهم في الوفد، وهو ابن عمّ الجنيد، فكتب إلى الجنيد:

стр. 1501

قد وجَّهت إليك عشرين ألفًا مددًا؛ عشرة آلاف من أهل البصرة عليهم عمرو بن مسلم، ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن بن نُعيم، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها تِرسَة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفًا. قال: ويقال إن الجُنيد أوفد الوفد إلى خالد بن عبد الله، فأوفد خالد إلى هشام: إنّ سَوْرة بن الحُرّ يتصيّد مع أصحاب له فهجم عليهم التّرك، فأصيبوا. فقال هشام حين أتاه مصاب سورة: إنا لله وإنا إليه راجعون! مُصاب سَوْرة بن الحرّ بخراسان والجرّاح بالباب! وأبْلى نصر بن سيّار يومئذ بلاء حسنًا، فانقطع سيفه، وانقطع سيور ركابه؛ فأخذ سيور ركابه؛ فضرب بها رجلًا حتى أثخنَه، وسقط في اللهب مع سَوْرة يومئذ عبد الكريم بن عبد الرحمن الحنفيّ وأحد عشر رجلًا معه. وكان ممّن سلم من أصحاب سَوْرة ألف رجل، فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط مبنيّة بين السماء والأرض؛ فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا من غدٍ؛ فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحة المسك ساطعة. قال: ولم يشكر الجُنيد لنصر ما كان من بلائه، فقال نصر: إنْ تحسُدُوني على حُسن البلاءِ لكُمْ ... يومًا فمِثْلُ بَلائي جَرَّ لي الحَسَدَا يأبَى الإلهُ الذي أعلى بقدرتِه ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عَضُدا وضَربيَ التركَ عنكم يوم فَرْقِكُمُ ... بالسِّيفِ في الشِّعب حتى جاوز السَّنَدَا قال: وكان الجُنيد يوم الشِّعب أخذ في الشِّعب، وهو لا يرى أنّ أحدًا يأتيه من الجبال، وبعث ابنَ الشِّخِّير في مقدمته، واتخذ ساقةً؛ ولم يتخذ مجنَّبتين. وأقبل خافان فهزم المقدّمة، وقتل مَنْ قتل منهم، وجاءه خاقان من قبَل ميسرته وجبغويه من قِبَل الميمنة، فأصيب رجال من الأزْد وتميم، وأصابوا له سرادقات وأبنية، فأمر الجنيد حين أمسى رجلًا من أهل بيته، فقال له: امش في الصفوف والدرّاجة، وتسمّع ما يقول الناس؛ وكيف حالهم؛ ففعل ثم رجع إليه، فقال رأيتُهم طيبةً أنفسهم، يتناشدون الأشعار، ويقرؤون القرآن؛ فسرّه ذلك، وحمد الله. قال: ويقال نهضت العبيد يوم الشِّعب من جانب العسكر وقد أقبلت الترك

стр. 1502

والصُّغد ينحدرون؛ فاستقبلهم العبيد وشدّوا عليهم بالعَمَد، فقتلوا منهم تسعة، فأعطاهم الجنيد أسلابهم. وقال ابن السِّجْف في يوم الشِّعب؛ ويعني هشامًا: اذكْر يَتَامَى بأَرض التُّركِ ضائعَةً ... هزْلَى كأَنهُمُ في الحائطِ الحَجَلُ وارحم، وإلَّا فهَبْهَا أمةً دَمِرَتْ ... لا أنَفُسٌ بَقِيَتْ فيها ولا ثَقَلُ لا تأمُلَنَّ بقاءَ الدَّهر بَعدَهَمُ ... والمَرْءُ ما عاشَ ممْدودٌ له الأَمَلُ لاقَوْا كتائبَ مِنْ خاقانَ مُعْلِمَةً ... عنهم يَضيقُ فضاءُ السَّهلِ والجبلُ لَمَّا رَأَوْهُمْ قَليلًا لَا صرِيخَ لهمْ ... مدُّوا بأَيديهمُ لله وابْتَهَلوا وَبَايَعُوا رَبَّ موسى بيعةً صَدَقت ... ما في قُلوبِهمُ شكٌّ وَلَا دغَلُ قال: فأقام الجُنيد بسَمَرْقَنْد ذلك العام، وانصرف خاقان إلى بُخارى وعليها قَطَن بن قتيبة، فخاف الناس الترك على قَطَن، فشاورهم الجنيد، فقال قوم: الزم سَمَرْفند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود. وقال قوم: تسير فتأتي رَبِنْجَن، ثم تسير منها إلى كِسّ، ثم تسير منها إلى نَسَف، فتصل منها إلى أرض زَمّ؛ وتقطع النهر وتنزل آمُل، فتأخذ عليه بالطريق. فبعث إلى عبد الله بن أبي عبد الله، فقال: قد اختلَف الناس عليّ - وأخبره بما قالوا - فما الرأي؟ فاشترط عليه ألا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال، قال: نعم؛ قال: فإني أطلب إليك خِصالًا، قال: وما هي؟ قال: تخندق حيثما نزلْت؛ ولا يفوتنّك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعني في نزولك وارتحالك. فأعطاه ما أراد. قال: أما ما أشار به عليك في مُقامك بسَمَرْقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عنك، وإن سرتَ فأخذت بالناس غيرَ الطريق فتتَّ في أعضادهم؛ فانكسروا عن عدوّهم، فاجترأ عليك خاقان؛ وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت بهم غير الطريق تفرّق الناس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوّهم؛ وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدوّ؛ والرأي لك أن تعمد إلى عيالات مَنْ شهد الشِّعب من أصحاب سَوْرة فتقسّمهم على عشائرهم وتحملهم معك؛ فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوّك، وتعطى كلَّ رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسًا.

стр. 1503

قال: فأخذ برأيه، فخلّف في سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير في ثمانمئة: أربعمئة فارس وأربعمئة راجل، وأعطاهم سلاحًا. فشتم الناس عبدَ الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم، وقالوا: عرّضنا لخاقان والترك، ما أراد إلا هلاكنا! فقال عبيد الله بن حبيب لحرب بن صبح: كم كانت لكم الساقة اليوم؟ قال: ألف وستمئة، قال: لقد عُرِّضنا للهلاك. قال: فأمر الجنيد بحمْل العيال. قال: وخرج والناس معه، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسيّ وزياد بن خَيران الطائيّ، فسرّح الجُنيد الأشهب بن عبيد الحنظليّ، ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له: كلما مضيت مرحلة فَسَرّحْ إليّ رجلًا يعلمني الخبر. قال: وسار الجُنيد؛ فلما صار بقصْر الريح أخذ عطاء الدّبُوسيّ بلجام الجُنيد وكبحَه، فقرع رأسه هارون الشاشيّ مولى بني حازم بالرّمح حتى كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خلّ عن الدبوسيّ، وقال له: مالك يا دبوسيّ؟ فقال: انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلّحه سلاحًا تامًّا، وقلّدْه سيفًا وجعبة وتِرسًا، وأعطه رمحًا، ثم سر بنا على قدر مشيه؛ فإنا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجّالة. ففعل ذلك الجُنيد؛ فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكَرْمِينيَة أوّل يوم من رمضان. فلما ارتحل الجُنيد من كرْمِينيَة قدم محمد بن الرُّنديّ في الأساورة آخر الليل؛ فلما كان في طرف مفازة كَرْمِينية رأى ضعف العدوّ؛ فرجع إلى الجنيد فأخبره؛ فنادى منادي الجنيد: ألا يخرج المكتَّبون إلى عدوّهم؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادَى رجل: أيها الناس، صرتم حروريّة فاستقتلتم. وجاء عبد الله بن أبي عبد الله إلى الجنيد يضْحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: إنه ضَحِك تعجّبًا، فالحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطّشة؛ فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار كالّين وأنت معك الزّاد، فقاتلوا قليلًا ثم رجعوا. وكان عبد الله بن أبي عبد الله قال للجُنيد وهم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: وهل من حيلة؟ قال: نعم، تمضي برايتك قَدْر ثلاث غِلاء، فإنّ خاقان ودّ أنك أقمت فينطوي عليك إذا شاء. فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبي عبد الله على الساقة.

стр. 1504

فأرسل إليه: انزل، قال: أنزل على غير ماء! فأرسل إليه: إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك؛ فنزل وأمر الناس أن يسقوا، فذهب الناس الرّجالة والناشبة؛ وهم صَفّان؛ فاستقوْا وباتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله بن أبي عبد الله: إنكم معشَر العرب أربعة جوانب؛ فليس يعيب بعضهم بعضًا؛ كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدَّمة - وهم القلب - ومجنِّبتان وساقة؛ فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانبًا منكم - وهم الساقة - كان بوارُكم، وبالحَري أن يفعل؛ وإنا أتوقّع ذلك في يومي، فشدُّوا الساقة بخيل. فوجّه الجُنَيد خيل بني تميم والمجففة، وجاءت الترك فمالت على الساقة؛ وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلْم بن أحوَز على رجل من عظماء الترك فقتله. قال: فتطيّر الترك، وانصرفوا من الطَواويس؛ ومضى المسلمون؛ فأتوا بُخَارى يوم المهرجان. قال: فتلقّوْنا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشرة عشرة، فقال عبد المؤمن بن خالد: رأيتُ عبد الله بن أبي عبد الله بعد وفاته في المنام فقال: حدّث الناس عني برؤيا يوم الشعب (١). اهـ. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.

стр. 1505

وقد قيل: إن الذي حجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام (١). وكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها الذين كانوا في سنة إحدى عشرة ومئة، وقد ذكرناهم قبل (٢). ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث قتل عبد الوهاب بن بخت فممّا كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بُخت، وهو مع البطّال عبد الله بأرض الرّوم (٣). وحجّ بالناس في هذه السنة - في قول أبي معشر - سليمان بن هشام بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وقال بعضهم: الذي حجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي (٤). وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم الذين كانوا عمالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة وقد مضى ذكرنا لهم (٥).

стр. 1506

ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام على الصّائفة اليمنى؛ فذُكر أنّ معاوية بن هشام أصاب رَبَض أقرن، وأن عبد الله البطال التقى وقسطنطين في جَمْعٍ فهزمهم؛ وأسر قسطنطين؛ وبلغ سليمان بن هشام قيساريّة (١). وفي هذه السنة عزلَ هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن المدينة، وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم. قال الواقديّ: قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الأول؛ وكانت إمْرة إبراهيم بن هشام على المدينة ثماني سنين. وقال الواقديّ: في هذه السنة ولي محمد بن هشام المخزوميّ مكة. وقال بعضُهم: بل ولي محمد بن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومئة، فلما عزل إبراهيم أقرّ محمد بن هشام على مكة (٢). وفي هذه السنة وقع الطاعون - فيما قيل - بواسط وفيها قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعدما هزم خاقان وبنى الباب فأحكم ما هنالك (٨٣). وفي هذه السنة ولّى هشام مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان. واختلف فيمَن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومئة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم؛ وهو على المدينة. وقال بعضهم حجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة فأقام

стр. 1507

خالد بن عبد الملك تلك السنة لم يشهد الحج. قال الواقدي: حدثني بهذا الحديث. عبد الله بن جعفر عن صالح بن كيسان. قال الواقدي: وقال لي أبو معشر: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومئة خالد بن عبد الملك ومحمد بن هشام على مكة. قال الواقدي: وهو الثبت عندنا (١). وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها غير أن عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بن عبد الملك وعامل مكة والطائف محمد بن هشام وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٢). ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرضَ الروم (٣). وفيها وقع الطاعون بالشام (٤). وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل؛ وهو أمير مكة والطائف كذلك قال أبو معشر، فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه (٥). وكان عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها في سنة أربع عشرة ومئة، غير أنه اختُلف في عامل خراسان في هذه السنة، فقال المدائنيّ: كان عاملها الجنيد بن

стр. 1508

عبد الرحمن، وقال بعضهم. كان عاملها عمارة بن حُرَيم المرّيّ. وزعم الذي قال ذلك أنّ الجنيد مات في هذه السنة، واستُخلف عمارة بن حُرَيم، وأما المدائنيّ فإنه ذكر أن وفاة الجنيد كانت في سنة ست عشرة ومئة (١). ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الروم الصائفة. وفيها كان طاعون شديد بالعراق والشأم وكان أشد ذلك - فيما ذكر - بواسط (٢). وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله خراسان وفيها كانت وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان (٣). ذكر خلع الحارث بن سريج وفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله (٤). وحجّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ العهد؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره (٥). وكانت عمال الأمصار في هذه السَّنة عمالها في التي قبلها إلا ما كان من

стр. 1509

خُراسان فإن عاملها في هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلاليّ (١). ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرى وغزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرّق سراياه في أرض الروم (٢). وفيها بعث مروان بن محمد - وهو على أرمينية - بعثين، فافتتح أحدهما حصونًا ثلاثة من اللّان ونزل الآخر على تُومانشاه، فنزل أهلها على الصلح (٣). وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله، فولّاها خالد أخاه أسدَ بن عبد الله. وقال المدائنيّ: كان عزل هشام عاصمًا عن خراسان وضمّ خراسان إلى خالد بن عبد الله في سنة ستّ عشرة ومئة (٤). وحجّ بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك (٥). وكان العامل فيها على المدينة وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن

стр. 1510

إسماعيل وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (١). وفيها توفيت فاطمة بنت علي وسكينة ابنة الحسين بن علي (٢). ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك أرض الروم (٣). وفي هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها محمد بن هشام بن إسماعيل. ذكر الواقديّ أن أبا بكر بن عمرو بن حَزْم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمْرته على المدينة؛ فصعد المنبر، وصلى بالنّاس ستة أيام، ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملًا على المدينة (٤). وفي هذه السنة مات عليّ بن عبد الله بن العباس؛ وكان يكنى أبا محمد، وكانت وفاته بالحُمَيمة من أرض الشأم؛ وهو ابن ثمان -أو سبع- وسبعين سنة (٥). وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف. وقد قيل إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد بن عبد الملك، وكان إلى
следующие страницы →