خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة
قال الطبري: قد مضى ذكر سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له بالخلافة بعد أخيه هشام بن عبد الملك (١).
[تولية الوليد نصر بن سيار على خراسان وأمره مع يوسف بن عمر]
وفي هذه السنة ولّى الوليدُ نصرَ بن سيّار خراسان كلها وأفرده بها (٢).
[تولية الوليد بن يزيد خاله يوسف الثقفي على المدينة ومكة] (٣).
стр. 1543
وفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاري (١).
وتوفي محمد بن علي في مستهلّ ذي القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان بين وفاته ووفاة أبيه علي سبع سنين (٢).
ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن علي
وفي هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان (٣).
وكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل (٤).
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة
[ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك]
فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص الوليد بن يزيد.
ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قُتِل:
قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما وليَ الخلافة وأفضت إليه، لم يزدد في
стр. 1544
الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفُسَّاق إلا تماديًا وحدًّا - تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها - فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده، فكرهوا أمرَه.
وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده على نفسه بني عفيه بني هشام وولد الوليد، ابني عبد الملك بن مروان، مع إفساده على نفسه اليمانية، وهم عُظْم جند أهل الشأم.
ذكر بعض الخبر عن إفساده بني عمّيه هشام والوليد:
حدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن المنهال بن عبد الملك، قال: كان الوليد صاحبَ لهو وصيد ولذات؛ فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قُتل؛ ولم يزل ينتقل ويتصيد، حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتدّ علي بني هشام؛ فضرَب سليمان بن هشام مئة سوط وحلَق رأسه ولحيته، وغَرّبه إلى عَمّان فحبسه بها؛ فلم يزل بها محبوسًا حتى قتل الوليد.
قال: وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عمر بن الوليد، فيها فقال: لا أردّها، فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك. قال: وحبس الأفقم يزيدَ بن هشام، وأراد البيعة لابنيه الحكَم وعثمان فشاور سعيد بن بَيهس بن صُهيب، فقال: لا تفعل؛ فإنهما غلامان لم يحتلما؛ ولكن بايع لعَتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب وحبسه حتى مات في الحبس. وأراد خالد بن عبد الله على البَيعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أهله: أرادك أمير المؤمنين على البَيعة لابنيه فأبيتَ، فقال: ويحكم! كيف أبايع مَنْ لا أصلّي خلفه، ولا أقبل شهادته! قالوا؛ فالوليد تُقبل شهادته مع مُجونه وفسقه! قال: أمْر الوليد أمر غائب عني ولا أعلمه يقينًا؛ إنما هي أخبار الناس؛ فغضب الوليد على خالد (١).
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن يزيد بن مصَاد الكلبيّ، عن
стр. 1545
عمرو بن شَراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دَهْلك؛ فلم نزل بها حتى مات هشام، واستُخلف الوليد، فكُلِّم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملًا أرْجَى له عندي أن تناله المغفرة به من قَتْله القَدَريّة وتسييره إياهم. وكان الوالي علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمي، وكان يقول: لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهرًا حتى يقتل؛ ويكون قتلُه سبب هلاك أهل بيته. قال: فأجمع على قتل الوليد جماعة من قُضاعة واليمانيَة من أهل دمشق خاصة، فأتى حُرَيث وشبيب بن أبي مالك الغسانّي ومنصور بن جُمهُور ويعقوب بن عبد الرحمن وحِبال بن عمرو؛ ابن عمّ منصور، وحميد بن نصر اللخميّ والأصبغ بن ذؤالة وطُفيل بن حارثة والسَّريّ بن زياد بن عِلاقة خالدَ بن عبد الله، فدعوْه إلى أمرهم فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال: لا أسمَي أحدًا منكم. وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يفتكُوا به في الطريق. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخّر الحجّ العام، فقال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يُستأدَى ما عليه من أموال العراق (١).
стр. 1546
حدثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: دخل أبي بشرُ بن الوليد على عمّي العباس، فكلّمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرادّه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويردّ عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصّواب فيما يقول عمّي، فقال العباس: يا بني مروان؛ إني أظنّ الله قد أذن في هلاككم؛ وتمثّل قائلًا:
إني أَعِيذُكُمُ باللهِ مِنْ فِتنٍ ... مثلِ الجبالِ تَسَامَى ثم تندَفعُ
إنَّ البريَّةَ قد مَلَّتْ سِياسَتكُمْ ... فاسْتَمْسِكُوا بِعَمُود الدينِ وارتَدعُوا
لا تلحِمُنَّ ذِئابَ الناسِ أنفُسَكُم ... إنَّ الذئاب إذا ما أُلحِمتْ رَتَعُوا
لا تَبْقَرُنَّ بأَيديكم بُطونَكمُ ... فثَمّ لا حَسَرةٌ تغْني ولا جَزعُ (١)
حدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدثنا عمرو بن مروان الكلبي، قال: حدّثني رَزين بن ماجد، قال: غَدَوْنا مع عبد الرحمن بنَ مصاد، ونحن زُهاء ألف وخمسمئة؛ فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقًا، ووجدنا عليه رسولًا للوليد، قال: ما هذه الهيئة وهذه العُدّة! أما والله لأعلمنّ أمير المؤمنين. فقتله رجل من أهل المِزّة، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زُقاق الكلبيّين، فضاق عنا، فأخذ ناس منا سوق القمح؛ ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرُنا من التَّسليم عليه؛ حتى جاءت
стр. 1547
السَّكاسك في نحو ثلثمئة، فدخلوا من باب الشرقيّ حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدّرَج، ثم أقبل يعقوب ابن عُمير بن هانئ العبسيّ في أهل داريّا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، وأقبل عيسى بن شبيب التغلَبيّ في أهل دُومَة وحرَسْتا، فدخلوا من باب تُوما، وأقبل حُمَيد بن حبيب اللخميّ في أهل دير المرّان والأرْزَة وسَطْرا، فدخلوا من باب الفراديس، وأقبل النَّضْر بن الجَرَشيّ في أهل جَرَش وأهل الحديثة ودير زكَّا، فدخلوا من باب الشرقيّ، وأقبل ربْعيّ بن هاشم الحارثيّ في الجماعة من بني عُذْرة وسَلامان، فدخلوا من باب توما، ودخلت جُهَينة ومن والاهم مع طلحة بن سعيد، فقال بعض شعرائهم:
فجاءَتهُمْ أنصارهُمْ حين أَصْبَحُوا ... سكاسِكُها أهلُ البُيُوتِ الصَّنادِدِ
وكلبٌ فجاؤُوهُمْ بِخَيلٍ وعُدَّةٍ ... منَ البَيض والأَبدانِ ثمّ السَّواعِدِ
فأَكرمْ بهم أحياءَ أنصار سُنَّةٍ ... همُ مَنَعُوا حُرْماتِها كلَّ جاحدِ
وجاءتهُمُ شعبان والأَزدُ شُرَّعًا ... وعَبْسٌ ولخمٌ بين حامٍ وذائِد
وغَسّانُ والحَيَّانِ قيسٌ وتَغْلِبٌ ... وأَحْجَمَ عنها كل وانٍ وزاهِدِ
فما أَصْبَحُوا إلا وهُمْ أَهلُ مُلكِها ... قَد استَوثَقوا من كلِّ عاتٍ وماردِ (١)
حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني قُسَيم بن يعقوب ورَزين بن ماجد وغيرهما، قالوا: وجّه يزيد بن الوليد عبدَ الرحمن بن مصاد في مئتي فارس أو نحوهم إلى قَطَن؛ ليأخذوا عبدَ الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، وقد تحصّن في قصره، فأعطاه الأمانَ فخرج إليه، فدخلْنا القصر، فأصبنا فيه خُرْجَين، في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار. قال: فلما انتهينا إلى المِزّة قلت لعبد الرحمن بن مَصاد: اصرف أحد هذين الخُرْجين إلى منزلك أو كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبدًا، فقال: لقد عجلتُ إذًا بالخيانة، لا والله لا يتحدّث العرب أني أوّل من خان في هذا الأمر، فمضى به إلى يزيد بن الوليد. وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، وقال: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معُونة. وقال
стр. 1548
لبني الوليد بن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر: تفرّقوا في الناس يرَوْنكم وحضورهم، وقال للوليد بن رَوْح بن الوليد: أنزل الرّاهب، ففعل (١).
حدثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: قال نوح بن عمرو بن حويّ السكسكي: خرجنا إلى قتال الوليد في ليالٍ ليس فيها قمر؛ فإن كنت لأرى الحصى فأعرف أسوَده من أبيضه. قال: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليدُ بن خالد، ابن أخي الأبرش الكلبيّ في بني عامر - وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز - فلم تقاتل ميسرة الوليد ميمنةَ عبد العزيز، ومالوا جميعًا إلى عبد العزيز بن الحجاج. قال: وقال نوح بن عمرو: رأيت خدَم الوليد بن يزيد وحشَمه يوم قُتِل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخلونهم عليه.
وقتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة مشة لست وعشرين ومئة، كذلك قال أبو معشر؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر الواقديّ وعليّ بن محمد المدائنيّ.
واختلفوا في قَدْر المدة التي كان فيها خليفةً؛ فقال أبو معشر: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره. عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وقال هشام بن محمد: كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا.
واختلفوا أيضًا في مبلغ سنّه يوم قتل، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقال محمد بن عمر: قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم، قتل وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وقال آخرون: وهو ابن إحدى
стр. 1549
وأربعين سنة، وقال آخرون: ابن خمس وأربعين سنة، وقال بعضهم: وهو ابن ست وأربعين سنة (١).
خبر قتل خالد بن عبد الله القسري
وفي هذه السنة قتل خالد بن عبد الله القسري (٢).
ولاية يوسف بن عمر العراق
حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده، وعبد الله بن مغيرة عن أبيه، وأبو اليقظان، وغيرهم قالوا: جمع هشام بن عبد الملك بن مروان العراق ليوسف بن عمر الثقفي سنة عشرين ومئة فكان على شرطة الحيرة العباس بن سعد بن مرة (مرة غطفان)، وجعل شرط البصرة والكوفة إلى عمالها يولّون من شاؤوا وكاتب الخراج قحذم بن سليمان مولى آل بكرة.
وعلى رسائل الخليفة: رشد بن مولاه وعلى رسائل العمال: عقبة.
قتل يوسف سنة سبع وعشرين ومئة وهو ابن نيّف وستين سنة [تأريخ خليفة: ٢٣٩ - ٢٤٠].
ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص
وفي هذه السنة بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك؛ الذي يقال له يزيد الناقص وإنما قيل: يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد بن يزيد في أعطياتهم وذلك عشرة عشرة، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة؛ وردّ أعطياتهم إلى ما كانت عليه أيام هشام بن عبد الملك.
وقيل: أوّل من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد، حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: شتم مروان بن محمد يزيدَ بن الوليد فقال: الناقص بن الوليد؛ فسمّاه الناس الناقصَ لذلك (١).
ذكر اضطراب أمر بني مروان
وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة (٢).
стр. 1554
ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن:
فكان في ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد ما قتل الوليد بن يزيد بعمَّان. فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد قال: لما قتل الوليد خرج سليمان بن هشام من السجن، وكان محبوسًا بعمَّان، فأخذ ما كان بعمَّان من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر.
ذكر خلاف أهل حمص
وفيها كان وثوب أهل حمص بأسباب العباس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد.
ذكر الخبر عن ذلك:
حدّثني أحمد عن عليّ، قال: كان مروان بن عبد الله بن عبد الملك عاملًا للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلًا وكرمًا وعقلًا وجمالًا، فلما قُتل الوليد بلغ أهلَ حمص قتلُه، فأغلقوا أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله، فقال بعض من حضرهم: ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم؛ حتى جاء العباس بن الوليد، فمال إلى عبد العزيز بن الحجاج، فوثب أهل حمص فهدموا دار العباس وانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه، فخرج إلى يزيد بن الوليد. وكاتبوا الأجناد، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد؛ فأجابوهم. وكتب أهل حمص بينهم كتابًا؛ ألّا يدخلوا في طاعة يزيد؛ وإن كان وليَّا عهد الوليد حيَّين قاموا بالبيعة لهما وإلا جعلوها لخير من يعلمون؛ على أن يُعطيهم العطاء من المحرّم إلى المحرَّم، ويعطيهم للذريّة، وأمَّرُوا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين، فكتب إلى مروان بن عبد الله بن عبد الملك وهو بحمص في دار الإمارة، فلما قرأه قال: هذا كتاب حضره من الله حاضر، وتابعهم على ما أرادوا.
стр. 1555
فلما بلغ يزيدَ بن الوليد خبرهم، وجّه إليهم رسُلًا فيهم يعقوب بن هانئ، وكتب إليهم: إنه ليس يَدْعو إلى نفسه، ولكنه يدعوهم إلى الشورى. فقال عمرو بن قيس السَّكونيّ: رضينا بوليّ عهدنا -يعني ابن الوليد بن يزيد- فأخذ يعقوب بن عمير بلحيته، فقال: أيها العَشَمة، إنك قد فيّلت وذهب عقلُك؛ إن الذي تعني لو كان يتيمًا في حجرك لم يحلّ لك أن تدفع إليه ماله، فكيف أمر الأمَة! فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم.
وكان أمر حمص لمعاوية بن يزيد بن حُصَيْن، وليس إلى مروان بن عبد الله من أمرهم شيء، وكان معهم السّمط بن ثابت، وكان الذي بينه وبين معاوية بن يزيد متباعدًا. وكان معهم أبو محمد السفيانيّ فقال لهم: لو قد أتيتُ دمشق، ونظر إليّ أهلها لم يخالفوني. فوجّه يزيد بن الوليد مسرور بن الوليد والوليد بن رَوْح في جمع كبير، فنزلوا حُوّارين، أكثرهم بنو عامر من كلب. ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فأكرمه يزيد، وتزوّج أخته أم هشام بنت هشام بن عبد الملك. وردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، ووجَّهه إلى مسرور بن الوليد والوليد بن رَوْح، وأمرهما بالسمع والطاعة له. وأقبل أهل حِمْص فنزلوا قرية لخالد بن يزيد بن معاوية (١).
حدّثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني عمرو بن محمد ويحيى بن عبد الرحمن البهرانيّ، قالا: قام مروان بن عبد الله، فقال: يا هؤلاء؛ إنكم خرجتم لجهاد عدوّكم والطلب بدم خليفتكم وخرجتم مخرجًا أرجو أن يعظم الله به أجركم ويحسن عليه ثوابكم. وقد نجم لكم منهم قرن. وشال إليكم منهم عُنُق ولست أرى المضي إلى دمشق وتخليف هذا الجيش خلفكم فقال السمط: هذا والله العدوّ القريب الدار، يريد أن ينقض جماعتكم وهو ممايل للقدريّة. قال فوثب الناس على مروان بن عبد الله فقتلوه وقتلوا ابنه ورفعوا رأسيهما للناس وإنما أراد السمط بهذا الكلام خلاف معاوية بن يزيد فلما قتل مروان بن عبد الله ولّوا عليهم أبا محمد السفياني وأرسلوا إلى سليمان بن هشام إنا آتوك فأقم بمكانك فأقام.
стр. 1556
قال فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار ومضوا إلى دمشق وبلغ سليمان مضيّهم، فخرج مُغِذًّا فلقيهم بالسليمانية - مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء دمشق على أربعة عشر ميلًا (١) -.
قال علي: فحدثني عمرو بن مروان بن بشار والوليد بن علي قالا: لما بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجاح فوجهه في ثلاثة آلاف، وأمره أن يثبت على ثنية العقاب ودعا هشام بن مصاد فوجّهه في ألف وخمسمئة وأمره أن يثبت على عقبة السلامة وأمرهم أن يمد بعضهم بعضًا (٢).
ذكر خلاف أهل الأردن وفلسطين وفي هذه السنة وثب أهلُ فلسطين والأردنّ على عاملهم فقتلوه
ذكر الخبر عن أمرهم وأمر يزيد بن الوليد معهم:
حدّثني أحمد، عن علي بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال:
حدثني رجاء بن رَوْح بن سلامة بن روح بن زنباع، قال: كان سعيد بن عبد الملك عاملًا للوليد على فلسطين، وكان حسن السيرة، وكان يزيد بن سليمان سيّد ولد أبيه، وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين، فكان أهلُ فلسطين يحبّونهم لجوارهم؛ فلما أتى قتلُ الوليد - ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع - كتب إلى يزيد بن سليمان: إن الخليفة قد قُتِل فاقدم علينا نولّك أمرنا. فجمع له سعيد قومه، وكتب إلى سعيد بن عبد الملك - وهو يومئذ نازل بالسبع: ارتحل عنّا، فإنّ الأمر قد اضطرب؛ وقد ولينا أمرنا رجلًا قد رضينا أمره. فخرج إلى يزيد بن الوليد، فدعا يزيد بن سليمان أهل فلسطين إلى
стр. 1557
قتال يزيد بن الوليد، وبلغ أهل الأردنّ أمرهم، فولَّوا عليهم محمد بن عبد الملك - وأمرُ أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح - وبلغ يزيد أمرهم، فوجّه إليهم سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني (١).
قال عليّ: قال عمرو بن مروان: حدّثني محمد بن راشد الخُزاعيّ أنّ أهل دمشق كانوا أربعة وثمانين ألفًا، وسار إليهم سليمان بن هشام. قال محمد بن راشد: وكان سليمان بن هشام يرسلني إلى ضِبعان وسعيد ابني روح وإلى الحكم وراشد ابني جرو من بلقين، فأَعِدُهم وأمنّيهم على الدخول في طاعة يزيد بن الوليد، فأجابوا (٢).
خطبة يزيد بن الوليد بن عبد الملك
ثم خطب يزيد بن الوليد بعد قَتْل الوليد، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد ﷺ .
أيها الناس؛ إني والله ما خرجت أشَرًا ولا بطرًا ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي؛ إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمْني ربي؛ ولكني خرجتُ غضبًا لله ورسوله ودينه، داعيًا إلى الله وكتابه وسنة نبيه ﷺ ؛ لمّا هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبّار العنيد، المستحلّ لكل حرمة، والرّاكب لكلّ بدعة؛ مع أنه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب؛ وإنه لابنُ عمّي في الحسب، وكفيِّي في النسب؛ فلما رأيتُ ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألّا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من
стр. 1558
أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي.
أيها الناس، إنّ لكم عليَّ ألا أضع حجرًا على حجر، ولا لبنة على لبنة؛ ولا أكري نهرًا، ولا أكثر مالًا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدًا، ولا أنقل مالًا من بلدة إلى بلدة حتى أسدَّ ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يُعينُهم؛ فإن فَضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه؛ ممن هو أحوج إليه، ولا أجمّركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونَكم؛ فيأكل قويّكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإنّ لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كلّ شهر؛ حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيتُ لكم بما قلت؛ فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني؛ إلا أن تستتيبوني؛ فإن تبت قبلتم مني، فإن علمتم أحدًا ممن يُعرَفُ بالصلاح يُعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه؛ فأنا أوّل مَن يبايعه، ويدخل في طاعته.
أيّها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، إنما الطاعة طاعة الله؛ فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية، فهو أهل أن يُعصَى ويُقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (١).
стр. 1559
ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد
وفي هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد لأخيه إبراهيم بن الوليد على الناس البيعة، وجعله وليّ عهده، ولعبد العزيز بن الحجاح بن عبد الملك بعد إبراهيم بن الوليد؛ وكان السبب في ذلك - فيما حدثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد - أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومئة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده. قال: فلم تزل القَدرِية يحثُّونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحلّ لك أن تهمل أمْرَ الأمة فبايع لأخيك؛ حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده (١).
стр. 1560
وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، وولّاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. قال محمد بن عمر: يقال إن يزيد بن الوليد لم يولِّه، ولكنه افتعل كتابًا بولايته المدينة، فعزله يزيد عنها، وولّاها عبد العزيز بن عمر، فقدمها لليلتين بقيتا من ذي القعدة (١).
[ذكر خبر وفاة يزيد بن الوليد]
وفي هذه السنة مات يزيد بن الوليد، وكانت وفاته سلخ ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومئة، قال أبو معشر ما حدثني به أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: توفِّيَ يزيد بن الوليد في ذي الحجة بعد الأضحى سنة ست وعشرين ومئة، وكانت خلافته في قول جميع من ذكرنا ستة أشهر، وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين.
وقال هشام بن محمد: ولي ستة أشهر وأيامًا. وقال عليّ بن محمد: كانت ولايته خمسة أشهر واثني عشر يومًا.
وقال علي بن محمد: مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومئة، وهو ابن ست وأربعين سنة.
وكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين، وتوفي بدمشق.
واختلف في مبلغ سنه يوم توفِّي فقال هشام توفي وهو ابن ثلاثين سنة (٢).
وقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التي كان الوليد زادها الناس في
стр. 1561
قول الواقدي وأما علي بن محمد فإنه قال سبّه مروان بن محمد فقال: الناقص ابن الوليد فسماه الناس الناقص (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مَروان في قول الواقديّ، وقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عمر بن عبد الله بن عبد الملك. بعثه يزيد بن الوليد، وخرج معه عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف.
وكان عامله على العراق في هذه السنة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابن أبي لَيلى، وعلى أحداث البصرة المسور بن عمر بن عبّاد. وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكنانيّ (٢).
خلافة أبي إسحاق إبراهيم بن الوليد
ثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير أنه لم يتتم له أمر فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: لم يتمّ لإبراهيم أمره، وكان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمرة؛ وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمرة؛ فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.
وقال هشام بن محمد: استخلف يزيد بن الوليد أبا إسحاق إبراهيم بن الوليد؛ فمكث أربعة أشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومئة. ثم لم يزل حيًّا حتى أصيب في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، أمه أمّ ولد.
حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: كانت ولاية إبراهيم بن الوليد سبعين ليلة (٣).
стр. 1562
قال خليفة: تسمية عمال يزيد بن الوليد:
ولّى العراق منصور بن جمهور الكلبي، ويقال: افتعل عهدًا على لسانه، ولي نحوًا من أربعين يومًا وجعل على شرطه الحجاج بن أرطاة الفقيه.
مكة والمدينة والطائف: ولاها يزيد بن الوليد عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، ثم عزله وولاها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.
البصرة: قتل الوليد وعليها محمد بن القاسم بن محمد، فهرب فاصطلح أهل البصرة على عبد الله بن عبد الله بن أمية يقال له: الأفوه، فصلى بها جمعة، ثم قدم جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، ثم ولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز العراق، فكتب إلى عبد الله بن أبي عثمان فصلى بالناس حتى قدم ابن سهيل، ويقال: ولى عبد الله بن عمر بعد عبد الله بن أبي عثمان سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، فأخرجه أهل البصرة فولى عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وبعث الضحاك بن قيس الخارجي حين غلب عمارة.
الكوفة: ولاها منصور بن جمهور عبيد الله بن العباس، فعزله ابن عمر وولى أخاه عاصم بن عمر.
سجستان: قتل الوليد وعليها حرب بن قطن، فولاها منصور بن جمهور محمد بن عزار فعزله ابن عمر وولاها حرب بن قطن فأقام شهرًا ثم خرج عنها واستخلف سوار بن الأشعر المازني فلم ترض بكر بن وائل، وقاتلوا تميمًا، فبعث ابن عمر سعيد بن عمرو من آل سعيد بن العاص فلم ترض تميم وبكر.
خراسان: نصر بن سيار حتى انقضى أمر بني أمية.
السند: لما عزل منصور بن جمهور عن العراق أتى السند فغلب عليها ونزل العسكر وسماها المنصورية.
إفريقية: عبد الرحمن بن حبيب غلب عليها (١).
стр. 1563
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد
فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد إلى الشأم والحرب التي جرت بينه وبين سليمان بن هشام بعين الجرّ.
ذكر ذلك والسبب الذي كانت عنه هذه الوقعة:
قال أبو جعفر: وكان السبب ما ذكرتُ بعضه؛ من أمر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية، وغلَبته عليها، مظهرًا أنه ثائر بالوليد، منكرٌ قتله، ثم إظهاره البيعة ليزيد بن الوليد بعد ما ولّاه عمل أبيه محمد بن
стр. 1564
مروان، وإظهاره ما أظهر من ذلك، وتوجيهه وهو بحرّان محمد بن عبد الله بن عُلاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة. فحدثني أحمد، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: لما أتى مَرْوانَ موتُ يزيد أرسل إلى ابن عُلاثة وأصحابه فردّهم من مَنْبج، وشخص إلى إبراهيم بن الوليد، فسار مَرْوان في جند الجزيرة، وخلّف ابنه عبد الملك في أربعين ألف من الرَّابطة بالرقة. فلما انتهى إلى قِنَّسرين، وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشْر، كان ولاه قنَّسرين فخرج إليه فصافّه، فنادى الناس، ودعاهم مرْوان إلى مبايعته، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسيّة، وأسلموا بشرًا وأخًا له يقال له مسرور بن الوليد، - وكان أخا بشر لأمه وأبيه - فأخذه مرْوان وأخاه مسرور بن الوليد؛ فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قِتسرين، متوجّهًا إلى أهل حِمْص؛ وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد أن يبايعوا إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج، فوجّه إليه إبراهيم عبدَ العزيز بن الحجاج وجندَ أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأغذّ مَرْوان السَّير، فلما دنا من مدينة حمْص، رحل عبد العزيز عنهم، وخرجوا إلى مَرْوان فبايعوه، وساروا بأجمعهم معه، ووجّه إبراهيم بن الوليد الجنودَ مع سليمان بن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجَرّ، وأتاه مروان وسليمان في عشرين ومئة ألف فارس ومروان في نحو من ثمانين ألفًا فالتقيا، فدعاهم مَرْوان إلى الكفّ عن قتاله، والتخلية عن ابني الوليد: الحكَم وعثمان، وهما في سجن دمشق محبوسان، وضمِن عنهما ألا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، وألا يطلبا أحدًا ممن ولى قتله؛ فأبوْا عليه، وجدُّوا في قتاله؛ فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، واستحرّ القتل بينهم؛ وكثر في الفريقين. وكان مَرْوان مجرّبًا مكايدًا، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده - أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم يقال له عيسى - فأمرهم بالمسير خلف صَفّه في خيله وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فَعلة بالفؤوس، وقد ملأ الصفّان من أصحابه وأصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرْج، وبين العسكرين نهر جرّار، وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشَّجَر، فيعقدوا جسورًا، ويجوزوا إلى عسكر سليمان، ويغيروا فيه.
стр. 1565
قال: فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلّا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلْفهم، فلما رأوْا ذلك انكسروا؛ وكانت هزيمتهم، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحَردهم عليهم، فقتلوا منهم نحوًا من سبعة عشر ألفًا، وكفّ أهلُ الجزيرة وأهل قنَّسرين عن قتلهم، فلم يقتلوا منهم أحدًا، وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم. فأخذ مَرْوان عليهم البَيْعة للغلامَين: الحكم وعثمان، وخلّى عنهم بعد أن قوّاهم. بدينار دينار، وألحقهم بأهاليهم، ولم يقتل منهم إلّا رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقّار وللآخر الوليد بن مَصاد الكلبيّان؛ وكانا فيمن سار إلى الوليد ووليَ قتله. وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسريّ معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام إلى دمشق؛ وكان أحدهما -يعني الكلبيّين- على حرس يزيد والآخر على شُرَطه؛ فإنه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط، ثم أمر بهما فحبسا فهلكا في حبسه.
قال: ومضى سليمان ومَن معه من الفلّ حتى صبّحوا دمشق، واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج رؤوس من معهم. وهم يزيد بن خالد القسري وأبو علاقة السكسكي والأصبغ بن ذؤالة الكلبي ونظراؤهم فقال بعضهم لبعض: إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدًا من قتلة أبيهما والرأي أن نقتلهما. فولّوا ذلك يزيد بن خالد ومعهما في الحبس أبو محمد السفياني ويوسف بن عمر فأرسل يزيد مولى لخالد يقال له أبا الأسد في عدة من أصحابه فدخل السجن فشدخ الغلامين بالعمد وأخرج يوسف بن عمر ليقتلوه وضربت عنقه. وأرادوا قتل أبي محمد السفياني فدخل بيتًا من بيوت السجن فأغلقه وألقى خلفه الفرش والوسائد، واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بن الوليد، وتغيَّب وأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة (١).
стр. 1566
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة، وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مَرْوان، فهزمه عبدُ الله بن عمر، فلحق بالجبال فغلب عليها.
ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه
وكان إظهار عبد الله بن معاوية الخلاف على عبد الله بن عمر ونصبِه الحرب له - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف - في المحرَّم سنة سبع وعشرين ومئة. وكان سبب خروجه عليه - فيما حدثني أحمد، عن عليّ بن محمد، عن عاصم بن حفص التميميّ وغيره من أهل العلم - أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم الكوفة زائرًا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، يلتمس صلته، لا يريد خروجًا، فتزوَّج ابنة حاتم بن الشرقيّ بن عبد المؤمن بن شَبَث بن رِبْعيّ، فلما وقعت العصبيَّة قال له أهل الكوفة: ادعُ إلى نفسِك، فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مَرْوان، فدعا سرًّا بالكوفة وابن عمر بالحيرة، وبايعه ابن ضَمْرة الخُزاعيّ، فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه، فأرسل إليه: إذا نحن التقينا بالناسِ انهزمتُ بهم. وبلغ ابن معاوية، فلما التقى الناس قال ابن معاوية: إنّ ابن ضمْرة قد غَدَر، ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس؛ فلا يهولنكم انهزامه، فإنه عن غَدْر يفعل. فلما التقوْا انهزم ابن ضَمْرة، وانهزم الناس، فلم يبق معه أحد، فقال:
تَفرَّقَتِ الظباءُ على خِداشٍ ... فما يَدْرِي خداش ما يَصِيُد
فرجع ابنُ معاوية إلى الكوفة، وكانوا التقوْا ما بين الحيرة والكوفة، ثم خرج إلى المدائن فبايعوه، وأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج فغلب على حلْوان والجبال (١).
стр. 1567
وأما أبو عُبيدة: فإنه ذكر أن عبد الله بن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسَوْا قالوا لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معشرَ ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا؛ وقد أعلَقْنا دماءَنا في أعناقكم؛ فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم؛ وإن كنتم تَرَوْن الناس خاذلينا وإيّاكم؛ فخذوا لنا ولكم أمانًا؛ فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا، فقال لهم عمر بن الغضبان: ما نحن بتاركيكم من إحدى خَلَّتين: إما أن نقاتل معكم، وإما أن نأخذ لكم أمانًا كما نأخذ لأنفسنا، فطِيبوا نفسًا، فأقاموا في القصر، والزيديّة على أفواه السكك يَغْدُو عليهم أهل الشأم ويروحون، يقاتلونهم أيامًا. ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدّية ولعبد الله بن معاوية أمانًا؛ ألَّا يتبعوهم ويذهبوا حيث شاؤوا. وأرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابنُ الغضبان فرحّله ومَن معه من شيعته ومَن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة، فسار بهم رسلُ عمر حتى أخرجوهم من الجَسْر فنزل عمر من القصر (١).
стр. 1568
ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج إلى مَرْو
وفي هذه السنة وافى الحارث بن سريج مَرْو، خارجًا إليها من بلاد الترك بالأمان الذي كتب له يزيد بن الوليد، فصار إلى نصر بن سيار، ثم خالفه وأظهر الخلاف له، وبايعه على ذلك جمع كبير (١).
خلافة مروان بن محمد
وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة:
ذكر الخبر عن سبب البيعة له:
حدّثني أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد مولى عثمان بن عفان، قال: لما قيل: قد دخلت خيلُ مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب، فانتهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة، وثار مَنْ فيها من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مَرْوان دمشق فنزل عالية، وأتِيَ بالغلامين مقتولين وبيوسف بن عمر فأمر بهم فدفِنوا، وأُتِي بأبي محمد السفيانيّ محمولًا في كُبُوله، فسلم عليه بالخلافة، ومروان يومئذ يسلَّم عليه بالإمرة، فقال له: منه، فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشده شعرًا قاله الحكم في السجن.
قال: وكانا قد بلغا، ووُلد لأحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين، قال: فقال الحكم:
أَلا مَنْ مبْلِغٌ مَرْوانَ عنِّي ... وعَمى الغَمْرَ طال بذا حَنِينا
بأنِّي قد ظُلمتُ وَصارَ قَوْمِي ... على قَتْلِ الوَلِيد متابِعِينا
أَيذْهَب كلبهم بِدَمِي ومالي ... فلا غَثًّا أَصَبْتُ وَلا سمينا
стр. 1569
ومَرْوانٌ بأَرْضِ بَنِي نِزارٍ ... كليثِ الغاب مفْتَرِسٌ عَرِينا
أَلَمْ يَحْزُنكَ قَتْل فَتَى قرَيشٍ ... وشَقُّهُمُ عصا المسْلِمينا
أَلا فاقْرَ السَّلامَ على قُرَيشٍ ... وقيسٍ بالجَزِيرَةِ أَجْمَعينا
وسادَ الناقِصُ القَدَرِيّ فينًا ... وأَلقَى الحَرْبَ بَينَ بَنِي أَبينا
فلوْ شَهدَ الفَوَارس من سلَيمٍ ... وكعْب لَمْ أَكنْ لهمُ رَهينا
وَلو شَهدَتْ لُيوثُ بَني تمِيمٍ ... لما بِعْنا تُرَاثَ بَنِي أَبِينا
أَتُنْكَثُ بَيعَتِي منْ أَجْلِ أُمِّي ... فقد بايعتُمُ قَبْلِي هَجينا
فلَيتَ خُؤلتي من غير كَلْبٍ ... وكانت في ولادَة آخَرينا
فإِنْ أَهْلِك أَنَا وَوَلِيُّ عَهْدِي ... فمرْوان أَمِير المؤمِنِينا
ثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه مَن مع مروان من أهل الشام؛ فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن الحُصين بن نمير ورؤوس أهل حمص، فبايعوه، فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم، فاختار أهلُ دمشق زامل بن عمرو الجبرانيّ، وأهل حِمْص عبدَ الله بن شجرة الكنديّ، وأهل الأردنّ الوليدَ بن معاوية بن مروان، وأهل فلسطين ثابتَ بن نعيم الجذاميّ الذي كان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينيَة، فأخذ عليهم العهود المؤكّدة والأيمان المغلظة على بيعته، وانصرف إلى منزله من حَرّان (١).
стр. 1570
قال أبو جعفر: فلما استوتْ لمروان بن محمد الشام وانصرف إلى منزله بحرّان طلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهم، فقدم عليه سليمان - وكان سليمان بن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكْوانيّة - فبايعوا مروان بن محمد (١).
стр. 1571
ذكر الخبر عن انتقاض أهل حمص على مروان
وفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام فحاربهم (١).
وفي هذه السنة دخل الضّحاك بن قيس الشيباني الكوفة.
ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكّمًا ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها
اختلف في ذلك من أمره، فأما أحمد، فإنه حدّثني عن عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: كان سبب خروج الضحاك أنّ الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حرَوريّ يقال له سعيد بن بهدل
стр. 1572
الشيبانيّ في مئتين من أهل الجزيِرة؛ فيهم الضحّاك، فاغتنم قتلَ الوليد واشتغال مرْوان بالشام، فخرج بأرض كَفرْتُوثا، وخرج بِسطام البيهسيّ وهو مفارق لرأيه في مثل عِدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه؛ فلما تقارب العسكران وَجه سعيد بن بهدل الخَيبريّ - وهو أحد قواده، وهو الذي هزم مَرْوان - في نحو من مئة وخمسين فارسًا ليبيّته، فانتهى إلى عسكره وهم غازُون، وقد أمر كلّ واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به رأسَه، ليعرف بعضهم بعضًا، فبكّروا في عسكرهم فأصابوهم في غرّة، فقال الخيبريّ:
إن يك بسْطامٌ فإني الخَيبَرِي ... أَضْرِبُ بالسَّيف وأَحْمِي عَسْكَري
فقتلوا بِسطامًا وجميعَ من معه إلا أربعة عشر، فلحِقوا بمروان، فكانوا معه فأثبتهم في روابطه، وولّى عليهم رجلًا منهم يقال له مقاتل، ويكنى أبا النعثل، ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تَشْتيت الأمر بها واختلاف أهل الشام، وقتال بعضهم بعضًا مع عبد الله بن عمر، والنضْر بن سعيد الحرَشيّ وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة، مع ابن الحرَشى بالكوفة؛ فهم يقتتلون فيما بينهم غَدوة وعشيّة.
قال: فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه؛ واستخلف الضحاك بن قيس من بعده؛ وكانت له امرأة تسمى حوْماء، فقال الخيبريّ في ذلك:
سَقى الله يا حَوْماءُ قَبْرَ ابْنِ بَهْدَلٍ ... إِذا رَحَل السارونَ لَمْ يَتَرَحَّل
قال: واجتمع مع الضَّحاك نحوٌ من ألف ثمّ توّجه إلى الكوفة، ومرّ بأرض الموصل، فاتّبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النَّضْر بن سعيد الحَرَشيّ ومعه المضريّة، وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحَرشيّ، فصار أمرهم واحدًا، ويدًا على قتال الضحاك، وخندقا على الكوفة، ومعهما يومئذ من أهل الشام نحوٌ من ثلاثين ألفًا، لهم قوّة وعدّة، ومعهم قائد من أهل قِنَّسْرِين، يقال له عبّاد بن الغُزَيِّل في ألف فارس، قد كان مروان أمدّ به ابن الحَرَشيّ، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتِل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيزِ وجعفر بن عباس الكنديّ، وهزموهم أقبح
стр. 1573
هزيمة، ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسِط، وتوجّه ابنُ الحَرشيّ - وهو النّضر - وجماعة المضريّة وإسماعيل بن عبد الله القسْريّ إلى مَرْوان، فاستولى الضحاك والجزريّة على الكوفة وأرضها، وجَبَوُا السواد. ثم استخلف الضحاك رجلًا من أصحابه - يقال له مِلْحان - على الكوفة في مئتي فارس، ومضى في عظْم أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها؛ وكان معه قائد من قواد أهل قِنَّسرين يقال له عطية الثعلبي - وكان من الأشدّاء - فلما تخوّف محاصرة الضّحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومِه متوجهًا إلى مَرْوان، فخرج على القادسيّة، فبلغ مِلْحان ممرُّه، فخرج في أصحابه مبادرًا يريده، فلقيه على قنطرة السَّيلَحِين - ومِلْحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسًا - فقاتله فقتله عطية وناسًا من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان (١).
وأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، فإنه قال: حدثني أبو سعيد، قال: لما مات سعيد بن بَهدل المرّيّ، وبايعت الشراة للضحاك، أقام بشهرزُور وثابت إليه الصُّفْريّة من كلّ وجه حتى صار في أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجيّ قطّ قبله. قال: وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحط مروان من أرمينيَة حتى نزل الجزيرة، وولِّي العراق النَّضْر بن سعيد - وكان من قوّاد ابن عمر - فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضريّة إلى النّضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم أمدّ مروان النَّضْر بابن الغزيِّل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة سبع وعشرين ومئة، فأرسل ابن عمر إلى النّضْر: هذا لا يريد غيري وغيرك، فهلمَّ نجتمع عليه [فتعاقدا عليه]، وأقبل ابن عمر، فنزل تلّ الفتح وأقبل الضّحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبي ليمنَعه من العبور، فقال عبيد الله بن العباس الكنديّ: دعه يعبر إلينا، فهو أهون علينا من طلبه. فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفُّه عن ذلك، فنزل ابنُ عمر الكوفة، وكان يصلي في مسجد
стр. 1574
الأمير بأصحابه، والنضر بن سعيد في ناحية الكوفة يصلِّي بأصحابه، لا يجامع ابن عمر ولا يصلي معه؛ غير أنهما قد تكافآ واجتمعا على قتال الضحاك، وأقبل الضحاك حين رجع حمزة حتى عَبَر الفرات، ونزل النُّخَيلة يوم الأربعاء في رجب سنة سبع وعشرين ومئة، فخفّ إليهم أهلُ الشام من أصحاب ابن عمر والنضر، قبل أن ينزلوا، فأصابوا منهم أربعة عشر فارسًا وثلاث عشرة امرأة. ثم نزل الضحاك وضرب عسكره، وعبَّى أصحابه، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكشفوا ابنَ عمر وأصحابَه، وقتلوا أخاه عاصمًا؛ قتله البِرْذَون بن مرزوق الشيبانيّ، فدفنه بنو الأشعث بن قيس في دارهم، وقتلوا جعفر بن العباس الكنديّ أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرْطة عبد الله بن عمر، وكان الذي قتل جعفرًا عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابنَ عمّ له يقال له شاشلة، فكرّ عليه شاشلة، وضربه رجل من الصُّفْريّة، ففلق وجهه.
قال أبو سعيد: فرأيته بعد ذلك كأنّ له وجهين، وأكبّ عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحًا، فقالت أم البرذون الصُّفْرِيّة:
نَحْنُ قَتَلْنَا عاصمًا وجَعْفَرا ... والفارِسَ الضَّبّيَّ حِينَ أَصْحَرا
ونَحْن جئنا الخَنْدق المقَعَّرا
فانهزم أصحاب ابن عمر، وأقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعة؛ فوالله ما تتاممنا حتى هَزُمونا، فدخلنا خنادقنا، وأصبحنا يوم السبت؛ فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط، ورأوا قومًا لم يروْا مثلهم قطّ أشدّ بأسًا؛ كأنهم الأسْد عند أشبالها، فذهب ابن عمر ينظر أصحابَه، فإذا عامّتهم قد هربوا تحت الليل، ولحق عظْمهم بواسط فكان ممّن لحق بواسط النضر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور بن جمهور والأصبغ بن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة، والوليد بن حسان الغسانيّ وجميع الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن بقي من أصحابه مقيمًا لم يبرح (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على المدينة والطائف حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره (١).
وكان العامل على العراق النَّضر بن الحرشيّ وكان من أمره وأمر عبد الله بن عمر والضحاك الحَرُوريّ ما قد ذكرت قبلُ. وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سُرَيج (٢).
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان
فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣).
стр. 1577
قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر في قرية الدّرزِيجان، فأقام معهم وقال: ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكِرمانيّ مضريّ غير سَلَمة بن أبي عبد الله، مولى بني سُلَيم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبدًا فإني لم أره إلا غادرًا ومهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مرارًا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوْا يومًا من أيامهم، وقد شرب مَرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون للحارث، فطُعن فصُرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدتَ تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برْذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذَوْن أفرَه من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله بن دَيسَم العَنَزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيَه رمى ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان بِرْذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثدًا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال أردت أن تفضحني! أخذتَه منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلًا، فأتى حائط مَرْو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكِرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارسًا
стр. 1578
خير مني لكم راجلًا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتِل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصُلِب الحارث وصَفتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل:
يا مُدْخِلَ الذلِّ على قومِهِ ... بعْدًا وسُحْقًا لك مِنْ هالِكِ!
شُؤمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها ... وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ
ما كانتِ الأَزدُ وأَشياعُها ... تطْمَعُ فِي عمرو ولا مالكِ
ولا بَنِي سَعْدٍ إذا أَلجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لونُهُ حالِكِ
ويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنيّ (١).
ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجيّ
وفي هذه السنة قُتِل الضحاك بن قيس الخارجي، فيما قال أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه.
ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
ذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بن جُمْهور، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم عليّ ليس بشيء؛ هذا مروان فسرْ إليه؛ فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه.
فذكر هشام، عن أبي مخنف، أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقيَ مَرْوان بكفَرْتوثَا من أرض الجزيرة، فقتِل الضحاك يوم التقوْا.
وأما أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبيّ صاحبَه
стр. 1579
وعاملَه على الكوفة مِلْحان بقنطرة السَّيلحِين، وبلغه خبرُ قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجّه مكانه من أصحابه رجلًا يقال له مطاعن؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته، فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضّحاك الكوفة، وكاتبه أهلُ الموصل ودعوْه إلى أن يقدم عليهم فمكَّنوه منها؛ فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرًا، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمرْوان؛ وهو رجل من بني شَيبان من أهل الجزيرة يقال له القَطِران بن أَكْمَه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطِران في عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضَّحاك على الموصل وكورها. وبلَغ مَرْوان خبرُه وهو محاصِرٌ حِمْص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من رَوابطه إلى مدينة نَصِيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصِيبين في جماعة روابطه، وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلّف بحزان قائدًا في ألف أو نحو ذلك، وسار الضحاك من الموْصل إلى عبد الله بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومئة ألف، يرزق الفارس عشرين ومئة والراجل والبغال المئة والثمانين في كلّ شهر؛ وأقام الضحاك على نَصِيبين محاصرًا لها، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبدر الذّكوانيّ مولى سليمان بن هشام، في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم مَنْ بها من خيل مروان؛ وهم نحو من خمسمئة فارس، ووجّه مَرْوان حين بلغه نزولهم الرَّقة خيلًا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع أصحابُ الضَّحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيّفًا وثلاثين رجلًا، فقطعهم مَرْوان حين قدم الزَقة، ومضى صامدًا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كَفرْتوثا، فقاتله يومَه ذلك؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجَّل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيولُ مروان فألحُّوا عليهم حتى قتلوهم عند العَتَمة، وانصرف مَنْ بقي من أصحاب الضَّحاك إلى عسكرهم، ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قُتِل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل. وجاءهم بعض مَن عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بخبره ومقتله،
стр. 1580
فبكوْه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذي كان وجّهه في عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مَرْوان، ودخل عليه فاعلمه أنّ الضحاك قتِل، فأرسل معه رسلًا من حرَسه، معهم النيران والشَّمْع إلى موضع المعركة، فقلّبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوْا به مَرْوان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضَرْبة، فكبّر أهل عسكر مَرْوان، فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيِف به فيها (١).