← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على المدينة والطائف حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره (١). وكان العامل على العراق النَّضر بن الحرشيّ وكان من أمره وأمر عبد الله بن عمر والضحاك الحَرُوريّ ما قد ذكرت قبلُ. وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سُرَيج (٢). ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣).

стр. 1577

قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر في قرية الدّرزِيجان، فأقام معهم وقال: ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكِرمانيّ مضريّ غير سَلَمة بن أبي عبد الله، مولى بني سُلَيم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبدًا فإني لم أره إلا غادرًا ومهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مرارًا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوْا يومًا من أيامهم، وقد شرب مَرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون للحارث، فطُعن فصُرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدتَ تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برْذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذَوْن أفرَه من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله بن دَيسَم العَنَزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيَه رمى ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان بِرْذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثدًا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال أردت أن تفضحني! أخذتَه منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلًا، فأتى حائط مَرْو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكِرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارسًا

стр. 1578

خير مني لكم راجلًا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتِل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصُلِب الحارث وصَفتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل: يا مُدْخِلَ الذلِّ على قومِهِ ... بعْدًا وسُحْقًا لك مِنْ هالِكِ! شُؤمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها ... وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ ما كانتِ الأَزدُ وأَشياعُها ... تطْمَعُ فِي عمرو ولا مالكِ ولا بَنِي سَعْدٍ إذا أَلجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لونُهُ حالِكِ ويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنيّ (١). ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجيّ وفي هذه السنة قُتِل الضحاك بن قيس الخارجي، فيما قال أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه. ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك: ذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بن جُمْهور، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم عليّ ليس بشيء؛ هذا مروان فسرْ إليه؛ فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه. فذكر هشام، عن أبي مخنف، أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقيَ مَرْوان بكفَرْتوثَا من أرض الجزيرة، فقتِل الضحاك يوم التقوْا. وأما أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبيّ صاحبَه

стр. 1579

وعاملَه على الكوفة مِلْحان بقنطرة السَّيلحِين، وبلغه خبرُ قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجّه مكانه من أصحابه رجلًا يقال له مطاعن؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته، فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضّحاك الكوفة، وكاتبه أهلُ الموصل ودعوْه إلى أن يقدم عليهم فمكَّنوه منها؛ فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرًا، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمرْوان؛ وهو رجل من بني شَيبان من أهل الجزيرة يقال له القَطِران بن أَكْمَه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطِران في عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضَّحاك على الموصل وكورها. وبلَغ مَرْوان خبرُه وهو محاصِرٌ حِمْص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من رَوابطه إلى مدينة نَصِيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصِيبين في جماعة روابطه، وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلّف بحزان قائدًا في ألف أو نحو ذلك، وسار الضحاك من الموْصل إلى عبد الله بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومئة ألف، يرزق الفارس عشرين ومئة والراجل والبغال المئة والثمانين في كلّ شهر؛ وأقام الضحاك على نَصِيبين محاصرًا لها، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبدر الذّكوانيّ مولى سليمان بن هشام، في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم مَنْ بها من خيل مروان؛ وهم نحو من خمسمئة فارس، ووجّه مَرْوان حين بلغه نزولهم الرَّقة خيلًا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع أصحابُ الضَّحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيّفًا وثلاثين رجلًا، فقطعهم مَرْوان حين قدم الزَقة، ومضى صامدًا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كَفرْتوثا، فقاتله يومَه ذلك؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجَّل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيولُ مروان فألحُّوا عليهم حتى قتلوهم عند العَتَمة، وانصرف مَنْ بقي من أصحاب الضَّحاك إلى عسكرهم، ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قُتِل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل. وجاءهم بعض مَن عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بخبره ومقتله،

стр. 1580

فبكوْه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذي كان وجّهه في عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مَرْوان، ودخل عليه فاعلمه أنّ الضحاك قتِل، فأرسل معه رسلًا من حرَسه، معهم النيران والشَّمْع إلى موضع المعركة، فقلّبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوْا به مَرْوان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضَرْبة، فكبّر أهل عسكر مَرْوان، فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيِف به فيها (١).

стр. 1581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1582

وقيل: إن الخيبريّ والضحاك إنما قتِلا في سنة تسع وعشرين ومئة. ذكر الخبر عن مقتل الخيبريّ وولاية شيبان وفي هذه السنة كان أيضًا - في قول أبي مخنف - قتل الخيبريّ الخارجيّ، كذلك ذكر هشام عنه. ذكر الخبر عن مقتله: حدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما قتِل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا الخيبريّ، وأقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد، وصافُّوه وصافّهم، وسليمان بن هشام يومئذ في مواليه وأهل بيته مع الخيبريّ؛ وقد كان قدم على الضحاك وهو بنَصِيبين، وهم في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوّج فيهم أخت شيبان الحَروريّ الذين بايعوه بعد قتل الخيبريّ، فحمل الخيبري على مَرْوان في نحو من أربعمئة فارس من الشُّراة، فهزِم مَرْوان وهو في القلب، وخرج مروان من المعكسر هاربًا، ودخل الخيبريّ فيمن معه عسكره، فجعلوا ينادون بشعارهم: يا خيبريّ يا خيبريّ، ويقتلون مَنْ أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مَرْوان فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبريّ على فرشه. وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالها، وميسرته ثابتة عليها إسحاق بن مسلم العُقَيليّ، فلما رأى أهل عسكر مَرْوان قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبريّ وأصحابه جميعًا في حجرة مَرْوان وحولها، وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزمًا، فانصرف إلى عسكره وردّ خيوله عن مواضعها ومواقفها، وبات ليلته تلك في عسكره. فانصرف أهل عسكر الخيبريّ فولّوْا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ. وكان مروان يوم الخيبريّ بعث محمد بن سعيد، وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبريّ، فبلغه أنه مالأهم وانحاز إليهم يومئذ، فأتِيَ به

стр. 1583

مروان أسيرًا فقطع يده ورجله ولسانه (١). وفي هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن عمر بن عبد العزيز؛ كذلك قال أبو معشر فيما حدثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن أسحاق بن عيسى عنه. وكذلك قال الواقديّ وغيره (٣). وكان العامل على المدينة ومكة والطائف - فيما ذكر - في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وبالعراق عمَّال الضحاك وعبد الله بن عمر. وعلى قضاء البصرة ثُمامة بن عبد الله، وبخراسان نَصْر بن سيّار وخراسان مفتونة. خبر أبي حمزة الخارجيّ مع عبد الله بن يحيى وفي هذه السنة لقي أبو حَمْزة الخارجيّ عبدَ الله بن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه. ذكر الخبر عن ذلك: حدثني العباس بن عيسى العُقيليّ، قال: حدَّثنا هارون بن موسى الفرويّ، قال: حدثني موسى بن كثير مولى الساعديين، قال: كان أوّل أمر أبي حمزة - وهو المختار بن عوف الأزديّ السَّليميّ من البصرة - قال موسى: كان أول أمر أبي حمزة أنه كان يوافي كلّ سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مَرْوان بن محمد وإلى خلاف آل مروان. قال: فلم يزل يختلف في كلّ سنة حتى وافى عبد الله بن

стр. 1584

يحيى في آخر سنة ثمان وعشرينَ ومئة، فقال له: يا رجل، أسمَعُ كلاما حسنًا، وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج حتى ورد حَضْرَمَوْت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مَرْوان وآل مروان (١). ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروريّ فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ أبي الدّلفاء. ذكر الخبر عن سبب مهلكه. وكان سبب ذلك أنّ الخوارج الذين كانوا بإزاء مَرْوان بن محمد يحاربونه لمّا قتِل الضحاك بن قيس الشيبانيّ رئيس الخوارج والخيبريّ بعده ولَّوْا عليهم شيبان وبايعوه؛ فقاتلهم مرْوان، فذكر هشام بن محمد والهيثم بن عبدّي أن الخيبريّ لما قُتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج - وكان معهم في عسكرهم: إنّ الذي تفعلون ليس برأي؛ فإن أخذتم برأي، وإلا انصرفت عنكم. قالوا: فما الرأي؟ قال: إنّ أحدكم يظفر ثم يستقتِل فيقتَل، فإني أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل، فنخندق. ففعل، وأتبعه مروان والخوارج في شرقيّ دجلة ومروان بإزائهم؛ فاقتتلوا تسعة أشهر، ويزيد بن عمر بن هبيرة بقرقِيسيا في جُنْد كثيف من أهل الشام وأهل الجزيرة، فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة،

стр. 1585

وعليها يومئذ المثنَّى بن عمران من عائذة قريش من الخوراج (١). وحدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثني أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: كان مَرْوان بن محمد يقاتل الخوارج بالصّفّ، فلما قتل الخيبريّ وبويع شيبان، قاتلهم مَرْوان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ، وجعل الآخرون يكردِسون بكراديس مَرْوان كراديس تكافئهم وتقاتلهم، وتفرَّق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخَذلوهم، وحصلوا في نحو من أربعين ألفًا، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل، فيصيِّروها ظهرًا وملجأً ومِيرةً لهم، فقبلوا رأيه، وارتحلوا ليلًا، وأصبح مروان فأتبعهم؛ ليس يرحلون عن منزل إلا نزله؛ حتى انتهوْا إلى مدينة الموصل، فعسكروا على شاطئ دِجْلة، وخندقوا على أنفسهم، وعقدوا جسورًا على دِجْلة من عسكرهم إلى المدينة؛ فكانت ميرتهُم ومرافقهم منها، وخندق مَرْوان بإزائهم، فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكْرة وعشيّةً. قال: وأتِيَ مَرْوان بابن أخ لسليمان بن هشام، يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان بالموصل؛ فهو مبارز رجلًا من فرسان مَرْوان، فأسره الرجل فأتِيَ به أسيرًا، فقال له: أنشدك الله والرحِم يا عمّ! فقال: ما بيني وبينك اليوم من رَحِم، فأمر به - وعمه سليمان وإخوته ينظرون - فقطِعَت يداه وضربت عنقه. قال: وكتب مَرْوان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قَرْقيسيا بجميع مَن معه إلى عُبيدة بن سوّار خليفة الضَّحاك بالعراق، فلقي خيوله بعين التَّمْر، فقاتلهم فهزمهم؛ وعليهم يومئذ المثَّنى بن عمران من عائذة قريش والحسن بن يزيد؛ ثم تجمّعوا له بالكوفة بالنُّخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصَّرَاة ومعهم عُبيدة؛ فقاتلهِم فقتل عبيدة، وهزم أصحابه، واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم بقيّة بالعراق، واستولى ابنُ هبيرة عليها، وكتب إليه مَرْوان بن محمد من الخنادق يأمره أن يمدّه بعامر بن ضبارة المُرّيّ، فوجَّهه في نحو من ستة آلاف أو ثمانية؛ وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الحَرُوريّة، فوجَّهوا

стр. 1586

إليه قائدين في أربعة آلاف، يقال لهما ابن غوث والجَوْن، فلقوا ابن ضُبارة بالسنّ دون الموصل، فقاتلوه قتالًا شَديدًا، فهزمهم ابن ضُبارة، فلما قدم فلُّهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، وأعلمهم أنه لا مقام لهم إذا جاءهم ابنُ ضبارة من خلفهم، وركبهم مروان من بين أيديهم، فارتحلوا فأخذوا على حُلْوان إلى الأهواز وفارس، ووجّه مروان إلى ابن ضُبارة ثلاثة نفر من قوّاده في ثلاثين ألفًا من روابطه؛ أحدهم مصعب بن الصّحصح الأسديّ وشقيق وعطيف [السليماني]، وشقيق الذي يقول فيه الخوارج: قد علِمَتْ أُخْتاك يا شقيقُ ... أَنكَ مِنْ سُكْرِك ما تُفِيقُ وكتب إليه يأمره أن يتبعهم، ولا يقلع عنهم حتى يُبِيرهم ويستأصلهم، فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارسَ، وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط مَن لحق من أخريَاتهم، فتفرّقوا، وأخذ شيبان في فرقته إلى ناحية البحرين، فقتِل بها، وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند، وانصرفَ مَرْوان إلى منزله من حَرّان، فأقام بها حتى شخص إلى الزّاب (١). وأمّا أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه - قال: أمر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان في جنود كثيرة من الشام وأهل الجزيرة بقَرْقيسيا - أن يسير إلى الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنَّى بن عمران العائذيّ؛ عائذة قريش، فسار إليه ابن هبيرة على الفرات حتى انتهى إلى عين التّمْر، ثم سار فلقي المثنَّى بالرّوْحاء، فوافى الكوفة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومئة، فهزم الخوارج، ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصرَّاة، وبعث شيبان عُبيدة بن سوّار في خيل كثيرة، فعسكر في شرقيّ الصرَّاة، وابن هبيرة في غربيّها، فالتقوْا، فقتل عُبيدة وعدّة من أصحابه؛ وكان منصور بن جمهور معهم في دَوْر الصراة، فمضى حتى غلب على الماهَين وعلى الجبل أجمع، وسار ابنُ هبيرة إلى واسط؛ فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجّه نُبَاتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كُور الأهواز، وبعث إليه سليمان داود بن حاتم، فالتقوْا بالمريان على شاطئ دُجيل، فانهزم الناس، وقتل

стр. 1587

داود بن حاتم. وفي ذلك يقول خلف بن خليفة: نَفْسي لدَاوُدَ الفِدَا والحِمَى ... إذ أسلَمَ الجَيشُ أَبا حاتِمِ مُهَلَّبيٌّ مُشْرِقٌ وَجْهُهُ ... ليسَ على المعرُوفِ بالنادِم سأَلتُ من يعلَمُ لي علمَهُ ... حقًّا [وما الجاهل كالعالِم] قالوا عَهِدْناه على مَرْقَبٍ ... يحْمِكُ كالضِّرْغامَةِ الصّارِمِ ثمَّ انثنى منجَدِلا في دَمٍ ... يسفَحُ فَوْقَ البَدن الناعِم وأَقبَلَ القِبطُ على رَأْسِهِ ... واختصموا في السَّيفِ والخاتَمِ وسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفريّ بفارس. وأقام ابن هبيرة شهرًا. ثم وجّه عامر بن ضُبارة في أهل الشام إلى الموصل؛ فسار حتى انتهى إلى السن فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجيّ، فهزم عامر بن ضُبارة حتى أدخله السنّ فتحصّن فيها، وجعل مَرْوان يُمِدّه بالجنود يأخذون طريق البرّ؛ حتى انتهوا إلى دِجْلة، فقطعوها إلى ابن ضُبارة حتى كثروا، وكان منصور بن جُمهور يمدّ شيبان بالأموال من كُور الجبل؛ فلما كثر من يتبع ابن ضُبارة من الجنود؛ نهض إلى الجون بن كلاب فقتِل الجوْن، ومضى ابن ضُبارة مصعدًا إلى الموصل؛ فلما انتهى خبر الجوْن وقتله إلى شيبان ومسير عامر بن ضُبارة نحوه، كره أن يقيم بين العسكرين؛ فارتحل بمَنْ معه وفرسان الشام من اليمانية، وقدم عامر بن ضُبارة بمن معه على مَرْوان بالموصل، فضمّ إليه جنودًا من جنوده كثيرة، وأمره أن يسير إلى شيبان؛ فإن أقام أقام؛ وإن سار سار؛ وألّا يبدأه بقتال؛ فإن قاتله شيبان قاتله؛ وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتّبعه؛ فكان على ذلك حتى مرَّ على الجبل، وخرج على بيضاء إصطخر، وبها عبد الله بن معاوية في جموع كثيرة؛ فلم يتهيّأ الأمرُ بينه وبين ابن معاوية، فسار حتى نزل جيرَفت من كرْمان، وأقبل عامر بن ضُبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أيامًا، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية، فلحق بَهَرَاة وسار ابن ضُبارة بمن معه، فلقيَ شيبان بجيرفت من كِرْمان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا وانهزمت الخوارج، واستبيح عسكرهم؛ ومضى شيبان إلى سِجِسْتان، فهلك بها؛ وذلك في سنة ثلاثين ومئة (١).

стр. 1588

وأما أبو عبيدة فإنه قال: لما قتِل الخيبريّ قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فحارب مَرْوان، وطالت الحرب بينهما؛ وابن هبيرة بواسط قد قتل عُبيدة بن سوار ونفى الخوارج ومعه رؤوس قوّاد أهل الشام وأهل الجزيرة. فوجّه عامرَ بن ضُبارة في أربعة آلاف مددًا لمرْوان، فأخذ على باب المدائن، وبلغ مسيرهُ شيبان، فخاف أن يأتيَهم مروان، فوجّه إليه الجوْن بن كلاب الشيبانيّ ليشغله، فالتقيا بالسنّ، فحصر الجون عامرًا أيامًا. قال أبو عبيدة: قال أبو سعيد: فأحرجناهم والله، واضطررناهم إلى قتالنا؛ وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا؛ فلم ندَع لهم مسلكًا. فقال لهم عامر: أنتم ميّتون لا محالة؛ فموتوا كرامًا، فصدمونا صدمة لم يقم لها شيء، وقتلوا رئيسنا الجوْن بن كلاب، وانكشفنا حتى لحقنَا بشيبان، وابنُ ضُبارة في آثارنا؛ حتى نزل منّا قريبًا؛ وكنا نقاتل من وجهين؛ نزل ابن ضُبارة من ورائنا ممّا يلي العراق، ومَرْوان أمامنا مما يلي الشام؛ فقطع عنا المادّة والمِيرة، فغلت أسعارنا؛ حتى بلغ الرغيف درهمًا؛ ثم ذهب الرغيف فلا شيء يشترى بغالٍ ولا رخيص. فقال حبيب بن خدْرة لشيبان: يا أميرَ المؤمنين؛ إنك في ضِيق من المعاش؛ فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع! ففعل ومضى شهرزور من أرض الموصل، فعاب ذلك عليه أصحابُه؛ فاختلفت كلمتهم (١). وقال بعضهم: لما ولي شيبان أمر الخوارج [رجع بأصحابه] إلى الموصل فاتّبعه مروان ينزل معه حيث نزل [فقاتله شهرًا ثم انهزم] شيبان حتى لحق بأرض فارس، فوجه مروان في أثره عامر بن ضُبارة [فقطع] إلى جزيرة ابن كاوان، ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عُمان، فقتله جلندَى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الأزديّ (٢).

стр. 1589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1590

ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان وفي هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس أبا مسلم - وقد شخص من خُراسان يريده حتى بلغ قومِس - بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد (١). وفي هذه السنة غلب خازم بن خُزَيمة على مروَرُوذ، وقتل عامل نصر بن سيّار الذي كان عليها؛ وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع خُزَيمة بن خازم. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن الجُشميّ وزهير بن هُنيد والحسن بن رَشيد أخبروه أن خازم بن خزيمة لما أراد الخروج بمرْوَرُوذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه، فقال: إنما أنا رجل منكم، أريد مَرْو لعلي أن أغلب عليها، فإن ظفرتُ فهي لكم، وإن قُتلت فقد كفيتكم أمري. فكفّوا عنه، فخرج فعسكر في قرية يقال

стр. 1591

لها كَنْجَ رُستاه، وقدم عليهم من قبل أبي مسلم النضْر بن صُبيح وبسام بن إبراهيم. فلما أمسى خازم بيّت أهلَ مَرْورُوذ، فقتل بشر بن جعفر السعديّ - وكان عاملًا لنصر بن سيار على مَرْورُوذ - في أول ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع خُزيمة بن خازم عبد الله بن سعيد وشبيب بن واج (١). ذكر خبر مقتل الكرمانيّ قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قُتِل جُديع بن عليّ الكِرمانيّ وصُلب (٢). غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب على فارس (٣).

стр. 1592

مجيء أبي حمزة الخارجيّ الموسم وفي هذه السنة وافى الموسمَ أبو حمزة الخارجيّ من قِبَل عبد الله بن يحيى طالب الحق، محكمًا مظهرًا للخلاف على مَرْوان بن محمد. ذكر الخبر عن ذلك من أمره: حدّثني العباس بن عيسى العُقيليّ، قال: حدثنا هارون بن موسى الفرويّ قال: حدَّثنا موسى بن كَثير مولى الساعديّين، قال: لما كان تمام سنة تسع وعشرين ومئة، لم يدر الناس بعَرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود حرقانيّة في رؤوس الرماح وهم في سبعمئة، ففزع الناس حين رأوْهم، وقالوا: ما لكم! وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مع مَرْوان وآل مَرْوان والتبرُّؤِ منه. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان - وهو يومئذ على المدينة ومكة - فراسلهم في الهُدنة، فقالوا: نحن بحجّنا أضن، ونحن عليه أشحّ. وصالحهم على أنهم جميعًا آمنون؛ بعضهم من بعض، حتى ينفِر الناس النّفْر الأخير، وأصبحوا من الغد. فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، فلما كانوا بمنى ندَّموا عبد الواحد، وقالوا: قد أخطأتَ فيهم، ولو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلا أكلَة رأس. فنزل أبو حمزة بقُرين الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حَمْزة وعليه إزار قُطْن غليظ، فتقدّمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبَس في وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهشّ إليهما، وتبسَّم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد الله بن حسن: والله ما جئنا لتفضّل بين آبائنا، ولكنا بعثَنا إليك الأمير برسالة - وهذا ربيعة يخبرُكَها - فلما ذكر ربيعةُ نقْضَ العهد؛ قال بلج وأبرهة وكانا قائدين له: الساعة الساعة! فأقبل عليهم أبو حمزة، فقال: معاذ الله أن ننقض

стр. 1593

العهد أو نحبسَ، والله لا أفعل ولو قطِعت رقبتي هذه؛ ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم، فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النَّفْر نفر عبد الواحد في النَّفْر الأول، وخلى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال (١). ثم مضى عبدُ الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالدّيوان، فضرب على الناس البَعْث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة. قال العباس: قال هارون: أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: كنت فيمن اكتتب، ثم محوْت اسمي (٢). قال العباس: قال هارون: وحدّثني غير واحد من أصحابنا أنّ عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان علَى الناس فخرجوا؛ فلما كانوا بالحَرّة لقيتهم جُزُر منحورة فمضوا (٣). وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مَرْوان حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال محمد بن عمر وغيره (٤). وكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان، وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ - فيما ذكر -

стр. 1594

وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والفتنة بها (١). ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها ذكر دخول أبي مسلم مَرْو والبيعة بها فممّا كان فيها من ذلك دخول أبي مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة بها، ومطابقة عليّ بن جُديع الكرمانيّ إيَّاه على حرب نصر بن سيَّار (٢). وأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن الصباح مولى جبريل، أخبره عن مسلمة بن يحيى، أن أبا مسلم جعل على حَرسه خالد بن عثمان، وعلى شُرَطه مالك بن الهيثم، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع، وعلى الديوان كامل بن مظفر، فرزق كلَّ رجل أربعة آلاف، وأنه أقام في عسكره بالماخُوان ثلاثة أشهر، ثم سار من الماخُوان ليلًا في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرْمانيّ؛ وعلى ميمنته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع، وعلى مقدّمته أبو نصر مالك بن الهيثم. وخلّف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخُوانيّ، فأصبح في عسكر شيبان؛ فخاف نصر أن يجتمع أبو مسلم وابن الكرمانيّ على قتاله، فأرسل إلى أبي مسلم يعرض عليه أن يدخل مدينة مَرْو ويوادعه، فأجابه، فوادع أبا مسلم نصر، فراسل نصر بن أحوز يومَه ذلك كله، وأبو مسلم في عسكر شيبان، فأصبح نصر وابن الكرمانيّ، فغدوا إلى القتال، وأقبل أبو مسلم ليدخل مدينة مَرْو، فردّ خيل نصر وخيل ابن الكرمانيّ، ودخل المدينة لسبع -أو لتسع- خلوْن من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومئة، وهو يتلو: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ... ﴾ إلى آخر الآية. (٣) قال عليّ: وأخبرنا أبو الذيّال والمفضل الضبيّ، قالا: لما دخل أبو مسلم

стр. 1595

مدينة مَرْو، قال نصر لأصحابه: أرى هذا الرجل قد قويَ أمره، وقد سارع إليه الناس، وقد وادعتُه وسيتمّ له ما يريد؛ فاخرجوا بنا عن هذه البلدة وخلُّوه، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: لا، فقال: أما أنكم ستذكرون قولي. وقال لخاصته من مضر: انطلقوا إلى أبي مسلم فالقوْه، وخذوا بحظّكم منه، وأرسل أبو مسلم إلى نَصْر لاهز بن قريظ يدعوه فقال لاهز: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وقرأ قبلها آيات، ففطن نصر، فقال لغلامه: ضع لي وضوءًا؛ فقام كأنه يريد الوضوء، فدخل بستانًا وخرج منه، فركب وهرب (١). وقال عليّ: وأخبرنا أبو الذيّال، قال: أخبرنِي إياس بن طلحة قال: كنت مع أبي وقد ذهب عمِّي إلى أبي مسلم يبايعه، فأبطأ حتى صلَّيتُ العصر والنهار قصير؛ فنحن ننتظره؛ وقد هيَّانا له الغداء؛ فإني لقاعد مع أبي إذ مرّ نصر على بِرْذَون، لا أعلم في داره بِرْذَونًا أسرى منه، ومعه حاجبه والحكَم بن نُميلة النميريّ. قال أبي: إنه لهارب ليس معه أحد، وليس بين يديه حرْبة ولا راية، فمرّ بنا، فسلم تسليمًا خفيًّا، فلما جازَنا ضَرَب بِرْذوْنه، ونادى الحكم بن نميلة غلمَانه، فركبوا واتبعوه (٢). قال عليّ: قال أبو الذّيال: قال إياس: كان بين منزلنا وبين مرو أربعة فراسخ، فمرّ بنا نصر بعد العتَمة، فضجّ أهل القرية وهربوا، فقال لي أهلي وإخواني: اخرج لا تُقْتَل؛ وبكوْا؛ فخرجت أنا وعمّي المهلب بن إياس فلحقْنا نصرًا بعد هدء الليل؛ وهو في أربعين، قد قام برذْونه، فنزل عنه، فحمله بشر بن بسْطام بن عمران بن الفضل البُرْجمِيّ على بِرْذَوْنه، فقال نصر: إني لا آمن الطَّلَب، فمن يسوق بنا؟ قال عبد الله بن عرعرة الضّبَيّ: أنا أسوق بكم، قال: أنت لها، فطرد بنا ليلتَه حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخًا أو أقل، ونحن ستمئة؛ فسرْنا يومَنا فنزلنا العصر، ونحن ننظر إلى أبيات سَرَخْس

стр. 1596

وقصورها ونحن ألف وخمسمئة، فانطلقت أنا وعمّي إلى صديق لنا من بني حَنيفة يقال له مسكين، فبِتْنا نحن عنده لم نطعم شيئًا، فأصبحنا، فجاءنا بثَرِيدة فأكلْنا منها ونحن جياع لم نأكل يومنا وليلتنا، واجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف، وأقمنا بسَرَخْس يومين؛ فلمَّا لم يأتنا أحد صار نصر إلى طُوس، فأخبرهم خبر أبي مسلم، وأقام خمسة عشر يومًا، ثم سار وسرنا إلى نيسابور فأقام بها، ونزل أبو مسلم حين هرب نصر دار الإمارة، وأقبل ابنُ الكرْمانيّ، فدخل مَرْو مع أبي مسلم، فقال أبو مسلم حين هرب نصر: يزعم نصرٌ أني ساحر؛ هو والله ساحر (١). وقال غير من ذكرت قوله في أمر نصر وابن الكرمانيّ وشيبان الحروريّ: انتهى أبو مسلم في سنة ثلاثين ومئة من معسكره بقرية سليمان بن كثير إلى قرية تدعى الماخُوان فنزلها، وأجمع على الاستظهار بعليّ بن جُديع ومَن معه من اليمن، وعلى دعاء نَصْر بن سيار ومَن معه إلى معاونته، فأرسل إلى الفريقين جميعًا، وعرض على كلّ فريق منهم المسالمة واجتماع الكلمة والدخول في الطاعة، فقبِل ذلك عليّ بن جُديع، وتابعه على رأيه، فعاقده عليه، فلما وثق أبو مسلم بمبايعة عليّ بن جُديع إياه، كتب إلى نصر بن سيّار أن يبعث إليه وفدًا يحضرون مقالته ومقالة أصحابه فيما كان وعده أن يميل معه، وأرسل إلى عليّ بمثل ما أرسل به إلى نَصْر. ثم وصف من خبر اختيار قوّاد الشيعة اليمانيَة على المضريّة نحوًا مما وصف مَن قد ذكرنا الرواية عنه قبلُ في كتابنا هذا، وذكر أنّ أبا مسلم إذْ وجَّه شبل بن طهمان فيمن وجّهه إلى مدينة مَرْو وأنزله قصر بخاراخذاه؛ إنما وجهه مددًا لعليّ بن الكرمانيّ. قال: وسار أبو مسلم من خَنْدقه بالماخُوان بجميع مَن معه إلى عليّ بن جُديع، ومع عليّ عثمان وأخوه وأشراف اليمن معهم وحلفاؤهم من ربيعة، فلما حاذى أبو مسلم مدينة مَرْو استقبله عثمان بن جُديع في خيل عظيمة، ومعه أشراف اليمن ومن معه من رَبيعة، حتى دخل عسكر عليّ بن الكرمانيّ وشيبان بن

стр. 1597

سلمة الحروريّ ومَن معه من النقباء، ووقف على حجرة علي بن جُدَيع، فدخل عليه وأعطاه الرضا، وآمنه على نفسه وأصحابه، وخرجا إلى حجرة شيبان، وهو يسلَّم عليه يومئذ بالخلافة، فأمر أبو مسلم عليًّا بالجلوس إلى جنب شيبان، وأعلمه أنه لا يحلّ له التسليم عليه. وأراد أبو مسلم أن يُسلِّم على عليَّ بالإمْرة، فيظنّ شيبان أنه يسلم عليه. ففعل ذلك عليّ، ودخل عليه أبو مسلم، فسلّم عليه بالإمارة، وألطف لشيبان وعظمه، ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بن الحسن الأزديّ، فأقام به ليلتين، ثم انصرف إلى خندقه بالماخُوان، فأقام به ثلاثة أشهر، ثم ارتحل من خَنْدقه بالماخُوان إلى مَرْو لسبع خلوْن من ربيع الآخر؛ وخلّف على جنده أبا عبد الرحمن الماخُوانيّ، وجعل أبو مسلم على ميمنته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع، وعلى مقدّمته مالك بن الهيثم، وكان مسيره ليلًا، فأصبح على باب مدينة مَرْو، وبعث إلى علي بن جُديع أن يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الإمارة، فوجد الفريقين يقتتلان أشدّ القتال في حائط مَرْو، فأرسل إلى الفريقين أن كُقوا، وليتفرّقْ كلّ قوم إلى معسكرهم، ففعلوا. وأرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البَختريّ، وداود بن كرّاز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرّضا من آل محمد ﷺ . فلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والرَّبَعيهَ والعجم، وأنه لا طاقة له بهم؛ ولا بد إن أظهر قبول ما بعث به إليه أن يأتيه فيبايعه، وجعل يريثهم لما همّ به من الغدر والهرب إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى ما يأمنون فيه؛ فما تيسّر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة. وقال له سَلْم بن أحوز: إنه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة؛ ولكنا نخرج القابلة، فلما كان صبح تلك الليلة عبأ أبو مسلم كتائبَه، فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر، وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البَختريّ وداود بن كرّاز وعدّة من أعاجم الشيعة، فدخلوا على نصر، فقال لهم: لِشرّ ما عدتم، فقال له لاهز: لا بدّ لك من ذلك؛ فقال نصر: أما إذ كان لا بدّ منه؛ فإني أتوضأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم؛ فإن كان هذا رأيه وأمره أتيتُه ونعمَى لعينه، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي، وقام نصر، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ

стр. 1598

لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، فدخل نصر منزله، وأعلمهم أنه ينتظر انصرافَ رسوله من عند أبي مسلم، فلما جنّه الليل، خرج من خَلْف حجرته، ومعه تميم ابنه والحكم بن نُميلة النميريّ وحاجبه وامرأته؛ فانطلقوا هُرّابًا، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزلَه، فوجدوه قد هرب؛ فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتَفهم؛ وكان فيهم سَلْم بن أحوز صاحبُ شرْطة نصر والبختريّ كاتبه، وابنان له ويونس بن عبد ربّه ومحمد بن قطَن ومجاهد بن يحيى بن حُضين [والنضر بن إدريس ومنصور بن عمر بن أبي الحرقاء وعقيل بن معقل الليثيّ، وسيار بن عمر السلميّ، مع رجال من رؤساء مُضَر] فاستوثق منهم بالحديد، [ووكل بهم عيسى بن أعين]، وكانوا في الحبس عنده حتى أمر بقتلهم جميعًا، ونزل نصر سَرَخْس فيمن اتّبعه من المضريّة، وكانوا ثلاثة آلاف، ومضى أبو مسلم وعليّ بن جُديع في طلبه، فطلباه ليلتَهما حتى أصبحا في قرية تدعى نصرانيّة؛ فوجدا نصرًا قد خلف امرأته المَرْزُبَانة فيها، ونجا بنفسه. ورجع أبو مسلم وعليّ بن جديع إلى مَرْو، فقال أبو مسلم من كان وجّه إلى نصر: ما الذي ارتاب به منكم؟ قالوا: لا ندري، قال: فهل تكلم أحد منكم؟ قالوا: لاهز تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قال: هذا الذي دعاه إلى الهرب، ثم قال: يا لاهز؛ أتدغل في الدين! فضرب عنقه (١).

стр. 1599

خبر مقتل شيبان بن سلمة الخارجيّ وفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمَة الحروريّ. ذكر الخبر عن مقتله وسببه: وكان سبب مقتله - فيما ذكر - أنّ عليّ بن جُديع وشيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بن سيار لمخالفة شيبان نصرًا؛ لأنه من عمال مَرْوان بن محمد، وأنّ شيبان يرى رأي الخوارج ومخالفة عليّ بن جُديع نصرًا، لأنه يمان ونصر مضريّ، وأن نصرًا قتل أباه وصلبه، ولِمَا بَين الفريقين من العصبية التي كانت بين اليمانية والمُضرّية؛ فلما صالح عليّ بن الكرمانيّ أبا مسلم، وفارق شيبان، تنحَّى شيبان عن مَرْو، إذ علم أنه لا طاقة له بحرْب أبي مسلم وعليّ بن جُدَيع [مع اجتماعهما على] خلافه، وقد هرب نصر من مَرْو [وسار إلى سرخس]. [فذكر عليّ بن محمد أن أبا حفص] أخبره والحسن [بن رشيد وأبا الذيال أن المدة التي كانت بين أبي مسلم وبين شيبان] لما انقضت، أرسل أبو مسلم إلى شيبان يدعوه إلى البَيعة، فقال شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي؛ فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحلْ عن منزلك الذي أنت فيه، فأرسل شيبان إلى ابن الكرمانيّ يستنصره، فأبى. فسار شيبان إلى سَرَخْس، واجتمع إليه جمع كثير من بَكْر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعةً من الأزْد، فيهم المنتجع بن الزُّبير؛ يدعوه ويسأله أن يكفّ، فأرسل شيبان، فأخذ رسل أبي مسلم فسجنهم، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث

стр. 1600

ببيوَرْد، يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله. ففعل، فهزمه بسّام، واتبعه حتى دخل المدينة، فقتِل شيبان وعدّة من بكر بن وائل، فقيل لأبي مسلم: إنّ بسامًا ثائر بأبيه؛ وهو يقتل البريء والسقيم، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، فقدم، واستخلف على عسكره رجلًا (١). قدوم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم وفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفًا من عند إبراهيم بن محمد بن عليّ، ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم، فوجّهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدّمته، وضمّ إليه الجيوش، وجعل له العزلَ والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسَّمْع والطاعة. وفيها وجّه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا الذيّال والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجُشَميّ أخبروه أنّ شيبان بن سلمة الحَرُوريّ لما قتِل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور، وكتب إليه النابي بن سويد العجليّ يستغيث، فوجّه إليه نصر ابنَه تميم بن نصر في ألفين، وتهيأ نصر على أن يسير إلى طُوس، ووجّه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في قُوّاد، منهم القاسم بن مجاشع وجَهْور بن مرّار، فأخذ القاسم من قِبَل سرخس، وأخذ جهور من قِبَل أبيورد، فوجّه تميم عاصم بن عمير السغديّ إلى جهْور؛ وكان أدناهم منه، فهزمه عاصم بن عمير، فتحصّن في كبادقان، وأطلّ قحطبة والقاسم على النابي، فأرسل تميم إلى عاصم أن ارحل عن جهور وأقبل؛ فتركه، وأقبل فقاتلهم قحطبة (٢). ذكر خبر قتل نباتة بن حنظلة وفي هذه السنة قُتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن عمر بن هُبيرة على جُرجان.

стр. 1601

ذكر الخبر عن مقتله: ذكر عليّ بن محمد أنّ زهير بن هُنيد وأبا الحسن الجُشميّ وجبلة بن فَرّوخ وأبا عبد الرحمن الأصبهانيّ أخبروه أن يزيد بن عمر بن هبجرة بعث نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان، ثم سار إلى الريّ، ومضى إلى جُرجان، ولم ينضمّ إلى نصر بن سيار، فقالت القيسيّة لنصر: لا تحملنا قومِس، فتحوّلوا إلى جُرجان. وخندق نباتة؛ فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشّوه فأخره، فكان خندقه نحوًا من فرسخ (١).

стр. 1602

ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقُديد قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بقُديد بين أبي حمزة الخارجيّ وأهل المدينة. ذكر الخبر عن ذلك: حدّثني العباس بن عيسى العَقيليّ، قال: حدثنا هارون بن موسى الفرْويّ، قال حدثني غير واحد من أصحابنا، أنّ عبد الواحد بن سليمان استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كان بالحَرّة لقيتهم جُزُر مَنْحورة، فمضوْا، فلما كان بالعقيق تعلّق لواؤهم بِسَمُرة، فانكسر الرمح، فتشاءَم الناس بالخروج؛ ثم ساروا حتى نزلوا قُدَيد، فنزلوها ليلًا وكانت قرية قُديد من ناحية القصر المبنيّ اليوم، وكانت الحياض هنالك، فنزل قوم مغترّون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعْهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من القصر (١).

стр. 1603

ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة وفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجيّ مدينة رسول الله ﷺ وسلم وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام (١). قال العباس: قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريّاءَ أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة، قال: رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهلَ المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطرًا ولا عبثًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عُطلتْ، وعنِّف القائل بالحق، وقتِل القائم بالقسط: ضاقت علينا الأرض بما رحُبت، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعيَ الله ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منّا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لِحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض؛ فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، ثم لقينا رجالكم بقُديد، فدعوْناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكْم آل مروان؛ فشتّان لعمر الله ما بين الرّشد والغيّ. ثم أقبلوا يهرعون يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجِرانه، وغلتْ بدمائهم مراجله، وصدّق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهنّد ذي رَوْنقٍ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضربٍ يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهلَ المدينة، إن تنصروا مرْوان وآل مرْوان يُسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويشْفِ صُدور قوم مؤمنين. يا أهلَ المدينة، أوَّلكم خيرُ أوّل وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابدَ وثن، أو مشرك أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة مَنْ زعم أنّ الله كلف نفسًا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يُؤتِها، فهو لله عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القويّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له مِنها ولا سهم

стр. 1604

واحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرًا محاربًا لربه. يا أهلَ المدينة؛ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحدَاث، وأعراب جُفاة، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابًا أحداثًا! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيّةٌ عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله أنفسًا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالِهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنيةٌ أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية [خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مروا بآية] شوق شهقوا شوقًا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيِتْ والرماح قد أشرعت، وإلى السهام قد فُوّقَتْ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفُّوا وعيد الكتيبة لوعيد الله ، ولم يستخفُّوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله ! وكم من يدٍ زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فُلِق بعَمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان. أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١). حدثني العباس، قال قال هارون: حدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله ﷺ ، يقول: من زَنى فهو كافر، ومن شكّ فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر، ومَنْ شكّ أنه كافر فهو كافر (٢). قال العباس: قال هارون: وسمعتُ جدّي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: "من زنى فهو كافر" (٣). قال العباس: قال هارون: وحدّثني بعض أصحابنا: لما رقى المنبر قال: برَح الخفاء، أين ما بك يذهب! مَنْ زنى فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر. قال العباس: قال هارون: وأنشدني بعضهم في قُدَيد:

стр. 1605

ما للزمان ومالِيَهْ ... أفْنتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ فَلأَبكِينَّ سَرِيرَةً ... ولأَبكينّ علانيه ولأَبكِين إِذا شَجِـ ... ـيتُ معَ الكلابِ العاويَهْ فكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيَتْ من صفر. واختلفوا في قدْر مدتهم في مقامهم [بها]، فقال الواقديّ: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره: أقاموا بها بقيَّة صفر وشهري ربيع وطائفة من جُمادى الأولى (١).

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1607

وكانت عِدّة من قُتِل من أهل المدينة بقُديد - فيما ذكر الواقديّ - سبعمئة. قال أبو جعفر: وكان أبو حمزة - فيما ذكر - قد قدّم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيّ، ثم أحد بني عديّ بن كدب، وبلْج بن عيينة بن الهيصم الأسديّ من أهل البصرة، فبعث مرْوان بن محمد من الشام عبدَ الملك بن محمد بن عطيَّة أحد بني سعد في خيول الشام (١) فحدّثني العباس بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلّف بعضَ أصحابه، فسار حتى نزل الوادي (١). قال العباس: قال هارون: حدّثني بعضُ أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهريّ، أن مَرْوان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابنَ عطيّة، وأمره بالجِدّ في السير، وأعطى كلّ رجل منهم مئة دينار؛ وفرسًا عربيَّة وبغلًا لثقَلِه، وأمره أن يمضيَ فيقاتلهم، فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومَن معه؛ فخرج حتى نزل بالعُلا وكان رجل من أهل المدينة يقال له العَلاء بن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجلٌ من أصحاب ابن عطيّة، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن مَن؟ قلت: ابن أفلح، قال: مولى مَن؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالعُلا، قال: فأين نحن غدًا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلَّمني حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطيّة، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسرّ بذلك ووهب لي دراهم (١).

стр. 1608

قال العبّاس: قال هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودّع أهل المدينة للخروج إلى مروان يقاتله، قال: يا أهل المدينة، إنا خارجون إلى مَرْوان؛ فإن نظفر نعدلْ في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد ﷺ ، ونقسم فيئكم بينكم؛ وإن يكن ما تَمنّون؛ فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعضُ أصحابنا أنّ الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتلُه فقتلوهم (١). قال محمد بن عمر: سار أبو حَمْزة وأصحابه إلى مَرْوان، فلقيهم خيلُ مرْوان بوادي القرى؛ عليها ابن عطيّة السعديّ من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهلُ المدينة فقتلوهم. قال: وكان الذي قاد جيش مَرْوان عبد الملك بن محمد بن عطية السعديّ سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربيّ، مع كلّ واحد منهم بغل، ومنهم مَن عليه درعان أو دِرْع وسنّوْر وَتجافيف؛ وعدّة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوْا إلى مكة (١). وقال بعضهم: أقام ابنُ عطية بالمدينة حين دخلها شهرًا، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بن عُروة بن محمد بن عطية، ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز؛ رجلًا من أهل الشام. ولما مضى ابنُ عطيّة بلغ عبدُ الله بن يحيى - وهو بصنعاء- مسيرهُ إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحيى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطيّة يأمره أن يُغِذّ السير، ويحجّ بالناس، فخرج في نفر من أصحابه - فيما حدثني العباس بن عيسى، عن هارون - حتى نزل الجُرْف - هكذا قال العباس - ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزمين والله، فشدّوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحجّ؛ والله كتب إليّ أمير المؤمنين (٢). قال أبو جعفر: وأما ابن عمر، فإنه ذكر أنّ أبا الزبير بن عبد الرحمن حدّثه،

стр. 1609

قال: خرجتُ مع ابن عطية السعديّ؛ ونحن اثنا عشر رجلًا، بعهد مَرْوان على الحجّ، ومعه أربعون ألف دينار في خُرْجه، حتى نزل الجُرْف يريد الحجّ، وقد خلَف عسكره وخيله وراءه بصنعاء؛ فوالله إنا آمنون مطمئنون؛ إذ سمعتُ كلمة من امرأة: قاتلَ الله ابنيْ جمانة ما أشأمهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نَشز من الأرض؛ فإذا الدُّهْم من الرجال والسلاح والخيل والقذّافات؛ فإذا ابنا جُمانة المراديّان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كلّ ناحية، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص؛ فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحجّ وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص؛ فرأينا الشرّ. فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل؛ ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قُتِل، ثم قتل مَنْ معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل من هَمْدَان، قالوا: من أيّ همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم - وكنت عالمًا ببطون هَمْدان - فتركوني، وقالوا: أنت آمن؛ وكلّ ما [كان] لك في هذا الرحل فخذْه، فلو ادّعيتُ المال كله لأعطوْني. ثم بعثوا معي فرسانًا حتى بلغوا بي صَعْدة، وأمنتُ ومضيتُ حتى قدمتُ مكة (١).

стр. 1610

وكان سبب نزول نصر قومس - فيما ذكر عليّ بن محمد - أن أبا الذيَّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال بن فتّان إلى زياد بن زرارة القشيريّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميم بن نصر والنابي بن سويد العجليّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرًا؛ فوجه قحطبة العكّيّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين؛ شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومئة، ونصر نازل في قرية من قرى قومِس يقال لها بذش، ونزل مَن كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرة

стр. 1611

يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسلَه، وكتب نَصر إلى مروان: إني وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قِبَلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فِناء. فكتب مَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرًا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولًا؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمئة ألف، تم لا تغني شيئًا (١). وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢) وكانت إليه مكة والمدينة والطائف. وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور. وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت (٣). ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر خبر موت نصر بن سيار فممّا كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومِس. فذكر

стр. 1612

عليّ بن محمد؛ أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبَلة بن فرّوخ التاجيّ، قالوا: لما قُتِل نُباتة ارتحل نصر بن سيَّار من بَذش، ودخل خُوار وأميرها أبو بكر العقيليّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن إلى قُومِس في المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس المروزيّ إلى الحسن في سبعمئة، فلما كانوا قريبًا منه، انحاز أبو كامل وترك عسكره، وأتى نصرًا فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذي خلّف، فوجَّه إليهم نصر جندًا فأتوْهم وهم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بن مهران الحائط، وهرب هو وأصحابُه، وخلّفوا شيئًا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هُبيرة، فعرض له عطيف بالريّ، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر، وقال: أبِي يتلعّب ابن هبيرة! أيَشغَب عليّ بضَغابيس قيس! أما والله لأدعنّه فليعرفنّ أنه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّص له الأشياء. وسار حتى نزل الريّ - وعلى الريّ حبيب بن بُديل النهشليّ - فخرج عطيف من الرّيّ حين قدمها نصر إلى هَمَذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهليّ على الصَّحْصَحيَّة، فلما رأى مالكًا في هَمَذان عدل منها إلى أصبَهان إلى عامر بن ضُبارة - وكان عُطَيف في ثلاثة آلاف - وجّهه ابن هُبيرة إلى نَصْر، فنزل الريّ، ولم يأت نصرًا. وأقام نصر بالريّ يومين ثم مرض، فكان يُحْمل حَمْلًا؛ حتى إذا كان بساوَة قريبًا من هَمَذان مات بها؛ فلما مات دخل أصحابه هَمَذان. وكانت وفاة نصر - فيما قيل - لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وهو ابن خمس وثمانين سنة (١). وقيل إن نصرًا لما شخص من خُوار متوجِّهًا نحو الريّ لم يدخل الريّ ولكنه أخذ المفازة التي بين الرّيّ وهمذَان فمات بها (١). رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه. قالوا: ولما مات نصر بن سيّار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية يقال لها سِمْنان، وأقبل قَحْطبة من جُرْجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيريّ؛ وكان زياد قد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن

стр. 1613

ضُبارة، فوجَّه قحطبة المسيّب بن زهير الضبيّ، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، وقتِل عامة من معه، ورجع المسيَّب بن زهير إلى قحطبة، ثم سار قَحْطبة إلى قومِس وبها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذي كان وجهه فيه الحسن، فقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الريّ. وبلغ حبيب بن بديل النهشليّ ومَنْ معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا من الريّ ودخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه. وكتب قحطبة حين قدم الريّ إلى أبي مسلم يعلمه بنزوله الرّيّ (١). أمر أبي مسلم مع قحطبة عند نزوله الريّ قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مَرْو إلى نيسابور فنزلها. ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالك ومن قَحْطبة بعد نزوله الريّ ولما كتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الرّيّ ارتحل أبو مسلم - فيما ذكر - من مَرْو، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجَّه قحطبة ابنَه الحسن بعد نزوله الرّيّ بثلاث إلى هَمَذان؛ فذكر عليّ عن شيوخه وغيرهم أنّ الحسن بن قحطبة لما توجه إلى هَمَذان؛ خرج منها مالك بن أدهم ومَن كان بها من أهل الشام وأهل خُراسان إلى نَهاوَنْد، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم، وقال: من كان له ديوان فليأخذْ رزقه، فترك قوم كثير دواوينَهم ومضوا، فأقام مالك ومَن بقيَ معه من أهل الشام وأهل خُراسان ممَّن كان مع نصر، فسار الحسن من هَمَذان إلى نهاونْد، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمدّه قحطبة بأبي الجهْم بن عطيَّة مولى باهلة في سبعمئة، حتى أطاف بالمدينة وحصرها (١).

стр. 1614

ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتِل عامر بن ضبارة. ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك: وكان سبب مقتله أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضُبارة مضى هاربًا نحو خراسان، وسلك إليها طريق كِرْمان، ومضى عامر بن ضُبارة في أثره لطلبه، وورد على يزيد بن عمر مقتلُ نباتة بن حنظلة بجُرجان؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وأبا الحسن الجشميّ والحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ وحفص بن شبيب أخبروه، قالوا: لما قُتل نباتة كتب ابنُ هبيرة إلى عامر بن ضُبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قَحْطبة - وكانا بكرْمان - فسارا في خمسين ألفًا حتى نزلوا أصبهان بمدينة جَيّ - وكان يقال لعسكر بن ضُبارة عسكر العساكر - فبعث قَحْطبة إليهم مقاتلًا وأبا حفص المهلبيّ وأبا حمَّاد المروزيّ مولى بني سُليم وموسى بن عَقِيل وأسلم بن حسان وذؤيب بن الأشعث وكُلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بن زياد، وعليهم جميعًا العَكيّ، فسار حتى نزل قمّ. وبلغ ابنَ ضُبارة نزول الحسن بأهل نَهاوَنْد، فأراد أن يأتيَهم مُعينًا لهم، وبلغ الخبر العَكيّ، فبعث إلى قحطبة يعلمه، فوجّه زهير بن محمد إلى قاشان، وخرج العكيّ من قمّ وخلف بها طريف بن غَيلان، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يُقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قمّ، وأقبل قحطبة من الرّيّ، وبلغه طلائع العسكرين؛ فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكى ضمّ عسكر العكيّ إلى عسكره، وسار عامر بن ضُبارة إليهم وبينه وبين عسكر قَحْطبة فرسخ، فأقام أيامًا، ثم سار قَحْطبة إليهم، فالتقوْا وعلى ميمنة قَحطبة العكيّ ومعه خالدبن بَرْمك، وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعيّ ومعه مالك بن طريف - وقحطبة في عشرين ألفًا وابن ضبارة في مئة ألف، وقيل في خمسين ومئة ألف - فأمر قَحطبة بمصحف فنُصِب على رُمْح ثم نادى: يا أهل الشام، إنا ندعُوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وأفحشوا في القول، فأرسل إليهم قحطبة: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكيّ، وتهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهلُ الشام، وقُتِلوا

стр. 1615

قتلًا ذريعًا، وحَووْا عسكرهم، فأصابوا شيئًا لا يُدرَى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شُريح بن عبد الله (١). قال علي: وأخبرنا أبو الذّيال، قال: لقي قحطبة عامر بن ضُبارة؛ ومع ابن ضُبارة ناس من أهل خُراسان؛ منهم صالح بن الحجاج النميريّ وبشر بن بِسطام بن عمران بن الفضل البرجميّ وعبد العزيز بن شماس المازنيّ وابن ضُبارة في خيل ليست معه رَجَّالة، وقحطبة معه خيل ورجَّالة. فرموا الخيل بالنُّشاب، فانهزم ابن ضُبارة حتى دخل عسكره، واتّبعه قحطبة، فترك ابن ضبارة العسكر، ونادى: إليّ، فانهزم الناس وقتِل (٢).
следующие страницы →