يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسلَه، وكتب نَصر إلى مروان: إني وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قِبَلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فِناء.
فكتب مَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرًا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولًا؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمئة ألف، تم لا تغني شيئًا (١).
وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢) وكانت إليه مكة والمدينة والطائف.
وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة.
وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور. وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت (٣).
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر موت نصر بن سيار
فممّا كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومِس. فذكر
стр. 1612
عليّ بن محمد؛ أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبَلة بن فرّوخ التاجيّ، قالوا: لما قُتِل نُباتة ارتحل نصر بن سيَّار من بَذش، ودخل خُوار وأميرها أبو بكر العقيليّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن إلى قُومِس في المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس المروزيّ إلى الحسن في سبعمئة، فلما كانوا قريبًا منه، انحاز أبو كامل وترك عسكره، وأتى نصرًا فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذي خلّف، فوجَّه إليهم نصر جندًا فأتوْهم وهم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بن مهران الحائط، وهرب هو وأصحابُه، وخلّفوا شيئًا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هُبيرة، فعرض له عطيف بالريّ، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر، وقال: أبِي يتلعّب ابن هبيرة! أيَشغَب عليّ بضَغابيس قيس! أما والله لأدعنّه فليعرفنّ أنه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّص له الأشياء. وسار حتى نزل الريّ - وعلى الريّ حبيب بن بُديل النهشليّ - فخرج عطيف من الرّيّ حين قدمها نصر إلى هَمَذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهليّ على الصَّحْصَحيَّة، فلما رأى مالكًا في هَمَذان عدل منها إلى أصبَهان إلى عامر بن ضُبارة - وكان عُطَيف في ثلاثة آلاف - وجّهه ابن هُبيرة إلى نَصْر، فنزل الريّ، ولم يأت نصرًا. وأقام نصر بالريّ يومين ثم مرض، فكان يُحْمل حَمْلًا؛ حتى إذا كان بساوَة قريبًا من هَمَذان مات بها؛ فلما مات دخل أصحابه هَمَذان. وكانت وفاة نصر - فيما قيل - لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وهو ابن خمس وثمانين سنة (١).
وقيل إن نصرًا لما شخص من خُوار متوجِّهًا نحو الريّ لم يدخل الريّ ولكنه أخذ المفازة التي بين الرّيّ وهمذَان فمات بها (١).
رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه. قالوا: ولما مات نصر بن سيّار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية يقال لها سِمْنان، وأقبل قَحْطبة من جُرْجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيريّ؛ وكان زياد قد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن
стр. 1613
ضُبارة، فوجَّه قحطبة المسيّب بن زهير الضبيّ، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، وقتِل عامة من معه، ورجع المسيَّب بن زهير إلى قحطبة، ثم سار قَحْطبة إلى قومِس وبها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذي كان وجهه فيه الحسن، فقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الريّ. وبلغ حبيب بن بديل النهشليّ ومَنْ معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا من الريّ ودخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه.
وكتب قحطبة حين قدم الريّ إلى أبي مسلم يعلمه بنزوله الرّيّ (١).
أمر أبي مسلم مع قحطبة عند نزوله الريّ
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مَرْو إلى نيسابور فنزلها.
ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالك ومن قَحْطبة بعد نزوله الريّ
ولما كتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الرّيّ ارتحل أبو مسلم - فيما ذكر - من مَرْو، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجَّه قحطبة ابنَه الحسن بعد نزوله الرّيّ بثلاث إلى هَمَذان؛ فذكر عليّ عن شيوخه وغيرهم أنّ الحسن بن قحطبة لما توجه إلى هَمَذان؛ خرج منها مالك بن أدهم ومَن كان بها من أهل الشام وأهل خُراسان إلى نَهاوَنْد، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم، وقال: من كان له ديوان فليأخذْ رزقه، فترك قوم كثير دواوينَهم ومضوا، فأقام مالك ومَن بقيَ معه من أهل الشام وأهل خُراسان ممَّن كان مع نصر، فسار الحسن من هَمَذان إلى نهاونْد، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمدّه قحطبة بأبي الجهْم بن عطيَّة مولى باهلة في سبعمئة، حتى أطاف بالمدينة وحصرها (١).
стр. 1614
ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتِل عامر بن ضبارة.
ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:
وكان سبب مقتله أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضُبارة مضى هاربًا نحو خراسان، وسلك إليها طريق كِرْمان، ومضى عامر بن ضُبارة في أثره لطلبه، وورد على يزيد بن عمر مقتلُ نباتة بن حنظلة بجُرجان؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وأبا الحسن الجشميّ والحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ وحفص بن شبيب أخبروه، قالوا: لما قُتل نباتة كتب ابنُ هبيرة إلى عامر بن ضُبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قَحْطبة - وكانا بكرْمان - فسارا في خمسين ألفًا حتى نزلوا أصبهان بمدينة جَيّ - وكان يقال لعسكر بن ضُبارة عسكر العساكر - فبعث قَحْطبة إليهم مقاتلًا وأبا حفص المهلبيّ وأبا حمَّاد المروزيّ مولى بني سُليم وموسى بن عَقِيل وأسلم بن حسان وذؤيب بن الأشعث وكُلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بن زياد، وعليهم جميعًا العَكيّ، فسار حتى نزل قمّ. وبلغ ابنَ ضُبارة نزول الحسن بأهل نَهاوَنْد، فأراد أن يأتيَهم مُعينًا لهم، وبلغ الخبر العَكيّ، فبعث إلى قحطبة يعلمه، فوجّه زهير بن محمد إلى قاشان، وخرج العكيّ من قمّ وخلف بها طريف بن غَيلان، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يُقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قمّ، وأقبل قحطبة من الرّيّ، وبلغه طلائع العسكرين؛ فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكى ضمّ عسكر العكيّ إلى عسكره، وسار عامر بن ضُبارة إليهم وبينه وبين عسكر قَحْطبة فرسخ، فأقام أيامًا، ثم سار قَحْطبة إليهم، فالتقوْا وعلى ميمنة قَحطبة العكيّ ومعه خالدبن بَرْمك، وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعيّ ومعه مالك بن طريف - وقحطبة في عشرين ألفًا وابن ضبارة في مئة ألف، وقيل في خمسين ومئة ألف - فأمر قَحطبة بمصحف فنُصِب على رُمْح ثم نادى: يا أهل الشام، إنا ندعُوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وأفحشوا في القول، فأرسل إليهم قحطبة: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكيّ، وتهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهلُ الشام، وقُتِلوا
стр. 1615
قتلًا ذريعًا، وحَووْا عسكرهم، فأصابوا شيئًا لا يُدرَى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شُريح بن عبد الله (١).
قال علي: وأخبرنا أبو الذّيال، قال: لقي قحطبة عامر بن ضُبارة؛ ومع ابن ضُبارة ناس من أهل خُراسان؛ منهم صالح بن الحجاج النميريّ وبشر بن بِسطام بن عمران بن الفضل البرجميّ وعبد العزيز بن شماس المازنيّ وابن ضُبارة في خيل ليست معه رَجَّالة، وقحطبة معه خيل ورجَّالة. فرموا الخيل بالنُّشاب، فانهزم ابن ضُبارة حتى دخل عسكره، واتّبعه قحطبة، فترك ابن ضبارة العسكر، ونادى: إليّ، فانهزم الناس وقتِل (٢).
стр. 1616
ذكر خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها
وفي هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمنْ كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمد. وقيل: كانت الوقعة بجابَلْق من أرض أصبَهان يوم السبت لسبع بقين من رجب.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذكر عليّ بن محمد أن الحسن بن رشيد وزهير بن الهنيد أخبراه أن ابن ضُبارة لما قتِل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن، فلما أتاه الكتاب كبّر وكبّر جنده، ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السُّغديّ: ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضُبارة إلا وهو حقّ، فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة وأصحابه؛ فإنكم لا تقومون لهم، فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده. فقالت الرّجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا! فقال لهم مالك بن أدهم الباهليّ: كتب إليّ ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم عليّ. فأقاموا وأقام قحطبة بأصبهان عشرين يومًا، ثم سار حتى قدم على الحسن نهاوَنْد فحصرهم أشهرًا، ثم دعاهم إلى الأمان فأبوْا، فوضع عليهم المجانيق، فلما رأى ذلك مالك طلب الأمان لنفسه ولأهل الشام - وأهلُ خراسان لا يعلمون - فأعطاه الأمان فوفَى له قَحْطبة، ولم يقتل منهم أحدًا، وقتل من كان بنَهاوند من أهل خراسان، إلا الحكَم بن ثابت بن أبي مسعر الحنفيّ، وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بن الحارث بن شُريح وابن نصر بن سيّار وعاصم بن عمير وعليّ بن عقيل وبَيهس بن بديل من بني سليم؛ من أهل الجزيرة، ورجلًا من قريش يقال له البختريّ، من أولاد عمر بن الخطاب - وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه - وقَطَن بن حرب الهلاليّ (١).
قال عليّ: وحدّثنا يحيى بن الحكم الهمْدانيّ، قال: حدّثني مولى لنا قال: لمّا صالح مالك بن أدهم قَحْطبة قال بيهس بن بديل: إنّ ابنَ أدهم لمصالح علينا؛ والله لأفتكنّ به؛ فوجد أهل خُراسان أن قد فتح لهم الأبواب، ودخلوا وأدخل
стр. 1617
قَحْطبة من كان معه من أهل خراسان حائطًا (١).
وقال غير عليّ: أرسل قَحْطبة إلى أهل خُراسان الذين في مدينة نَهاوند يَدْعوهم إلى الخروج إليه، وأعطاهم الأمان، فأبوْا ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فقبلوا، ودخلوا في الأمان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوّال، وبعث أهل الشام إلى قَحْطبة يسألونه أن يشغل أهل المدينة حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون، ففعل ذلك قَحْطبة، وشغل أهل المدينة بالقتال، ففتح أهل الشام البابَ الذي كانوا عليه؛ فلما رأى أهلُ خراسان الذين في المدينة خروجَ أهل الشام، سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم، فخرج رؤساء أهلِ خراسان، فدفع قحطبة كلَّ رجل منهم إلى رجُل من قوّاد أهل خراسان، ثم أمر مناديه فنادى: مَن كان في يده أسير ممّن خرج إلينا من أهل المدينة فليضرب عنقه، وليأتنا برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحدٌ ممن كان قد هرب من أبي مسلم وصاروا إلى الحصن إلّا قتل، ما خلا أهل الشام فإنه خلَّى سبيلَهم، وأخذ عليهم ألا يمالئوا عليه عدوًّا (٢).
стр. 1618
رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنَهاوند من أهل خُراسان ومن أهل الشام الحائط، قال لهم عاصم بن عمي: ويلكم! ألا تدخلون الحائط! وخرج عاصم فلبس درعَه، ولبس سوادًا كان معه، فلقيه شاكريّ كان له بخراسان فعرَفه، فقال: أبو الأسود؟ قال: نعم، فأدخله في سَرَب، وقال لغلام له: احتفظ به ولا تطلعنّ على مكانه أحدًا، وأمَر قحطبة: مَن كان عنده أسيرًا فليأتنا به. فقال الغلام الذي كان وُكِلَ بعاصم: إن عندي أسيرًا أخاف أن أغلَب عليه، فسمعه رجلٌ من أهل اليمن، فقال: أرنيه، فأراه إياه فعرفه، فأتى قحطبة فأخبره، وقال: رأس من رؤوس الجبابرة، فأرسل إليه فقتله، ووفَّى لأهل الشام فلم يقتل منهم أحدًا (١).
ذكر خبر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق
وفي هذه السنة سار قَحْطبة نحو ابن هبيرة، ذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير بن هُنيد وإسماعيل بن أبي إسماعيل وجبلة بن فرّوخ، قالوا: لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزمًا من حُلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة، فقاتل قحطبة في عدد كثير لا يُحصى مع حوثرة بن سهيل الباهليّ، وكان مروان أمدّ ابنَ هبيرة به، وجعل على الساقة زياد بن سهل الغَطَفانيّ، فسار يزيد بن عمر بن هُبيرة، حتى نزل جَلُولاء الوقيعة وخندق، فاحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرتْه أيام وَقْعة جلولاء، وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حُلوان، ثم تقدّم من حُلوان، فنزل خانقين، فارتحل قحطبة من خانقين، وارتحل ابن هبيرة راجعًا إلى الدّسْكرة (٢).
стр. 1619
وفي هذه السنة حجّ بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعديّ؛ سعد هوازن، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد بن عطية الذي قتل أبا حمزة الخارجيّ. وكان والي المدينة من قبَل عمه، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيره (١).
وكان عامل مكة والمدينة والطائف في هذه السنة الوليد بن عروة السعديّ من قبَل عمه عبد الملك بن محمد، وعامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة.
وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ، وعلى قضاء البصرة عبّاد بن منصور الناجيّ (٢).
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن هلاك قحطبة بن شبيب
فممّا كان فيها هلاك قحطبة بن شبيب.
ذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك:
فكان السبب في ذلك أنّ قحطبة لما نزل خانقين مقبلًا إلى ابن هبيرة، وابن هُبيرة بجَلولاء، ارتحل ابن هُبيرة من جَلولاء إلى الدّسْكرة، فبعث - فيما ذُكر - قحطبة ابنه الحسن طليعةً ليعلم له خبرَ ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة راجعًا إلى
стр. 1620
خندقه بجلولاء، فوجد الحسن بنَ هبيرة في خندقه، فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هُبيرة؛ فذكر عليّ بن محمد، عن زهير بن هنيد وجبلة بن فرُّوخ وإسماعيل بن أبي إسماعيل والحسن بن رشيد، أنّ قحطبة، قال لأصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمر ابن هبيرة: هل تعلمون طريقًا يخرجنا إلى الكوفة، لا نمرّ بابنِ هُبيرة؟ فقال خلف بن المورّع الهمَذانيّ، أحد بني تميم: نعم، أنا أدلّك، فعبر به تامرًا من رُوستُقْباذ، ولزم الجادّة حتى نزل بُزُرْج سابور، وأتى عَكْبراء، فعبر دِجْلة إلى أوانا (١).
قال عليّ: وحدّثنا إبراهيم بن يَزيد الخراسانيّ، قال: نزل قحطبة بخانقِين وابن هبيرة بجَلُولاء؛ بينهما خمسة فراسخ، وأرسل طلائعه إلى ابنِ هبيرة ليعلم علمه، فرجعوا إليه، فأعلموه أنه مقيم، فبعث قَحْطبة خازمَ بن خزيمة، وأمره أن يعبر دِجْلة، فعبَر وسار بين دجلة ودُجَيل؛ حتى نزل كوثبا؛ ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الأنبار، وأن يُحْدر إليه ما فيها من السفُن وما قدَر عليه يعبرها، ويوافيه بها بدمِمّا، ففعل ذلك خازم، ووافاه قحطبة بدِممّا، ثم عبر قحطبة الفُرات في المحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
ووجه الأثقال في البرية، وصارت الفرسان معه على شاطئ الفرات وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفلُّوجة العليا، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخًا من الكوفة، وقد اجتمع إليه فَلُّ ابن ضُبارة، وأمدّه مَرْوان بحوثرة بن سهيل الباهليّ في عشرين ألفًا من أهل الشام (٢).
وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف أنّ قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكِرَت له، وذلك عند غروب الشمس ليلة الأربعاء؛ لثمان خلوْن من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحَم في عِدّة مِن أصحابه، حتى حمل على ابن هبيرة، وولى أصحابُه منهزمين؛ ثم نزلوا فم النيل، ومضى حوثرة حتى نزل قصْرَ ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم، فألقوا بأيديهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة (١).
стр. 1621
قال عليّ: أخبرنا خالد بن الأصفح وأبو الذيّال، قالوا: وُجِد قحطبة فدفنه أبو الجهم، فقال رجل من عُرض الناس: من كان عنده عَهْد من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العَكيّ: سمعت قحطبة يقول: إن حدَث بي حدث فالحسن أمير الناس، فبايع الناس حُميدًا للحسن، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاهي، فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة، وبايعوه، فقال الحسن: إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة. وقتل في هذه الليلة ابن نَبْهان السدوسيّ وحرب بن سلم بن أحوز وعيسى بن إياس العدويّ ورجل من الأساورة، يقال له مصعب، وادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حُضين (١).
قال عليّ: قال أبو الذيّال: وجدوا قحطبة قتيلًا في جدول وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جَنْبه، فظنوا أن كلّ واحد منهما قتل صاحبه (٢).
стр. 1622
ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّدًا
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد بالكوفة، وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن.
ذكر الخبر عمّا كان من أمر من ذكرت:
ذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: خرج محمّد بن خالد بالكوفة في ليلة عاشوراء، وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثيّ، وعلى شُرَطه عبد الرحمن بن بشير العجليّ؛ وسوّد محمد وسار إلى القَصْر، فارتحل زياد بن صالح
стр. 1623
وعبد الرحمن بن بشير العِجْليّ ومَنْ معهم من أهل الشام، وخلّوا القصر، فدخله محمد بن خالد، فلما أصبح يوم الجمعة - وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة - بلغه نزولُ حوثرة ومَنْ معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيّأ للمسير إلى محمد، فتفرّق عن محمد عامة مَن معه حيث بلغهم نزول حَوْثرة مدينة ابن هبيرة، ومسيره إلى محمد لقتاله، إلّا فرسانًا من فرسان أهل اليمن، ممن كان هرب من مَرْوان ومواليه. وأرسل إليه أبو سلمة الخلال - ولم يظهر بعد - يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات؛ فإنه يخاف عليه لقلة مَن معه وكثرة مَن مع حوثرة - ولم يبلغ أحدًا من الفريقين هلاكُ قحطبة - فأبى محمد بن خالد أن يفعل حتى تعالى النهار، فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمد بن خالد؛ حيث بلغه قلّة مَن معه وخذلان العامة له، فبينا محمد في القصر إذْ أتاه بعض طلائعه، فقال له: خيلٌ قد جاءت من أهل الشام، فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد؛ إذ طلعت الرّايات لأهل الشام، فتهيَّؤوا لقتالهم، فنادى الشاميون: نحن بجَيلة، وفينا مليح بن خالد البَجليّ، جئنا لندخل في طاعة الأمير. فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بَحْدل، فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه، ارتحل نحو واسط بمن معه، وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلكه، يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة وعجل به مع فارس؛ فقدم على الحسن بن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس، ثم ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة والسبت والأحد وصبّحه الحسن يوم الإثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بني سلَمة فاستخرجوه، فعسكر بالنُّخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمّام أعين، ووجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هُبيرة (١).
وأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بن يحيى أخبره، قال: بايع أهلُ خراسان الحسن بعد قحطبة، فأقبل إلى الكوفة، وعليها يومئذ عبد الرحمن بن بشير العِجليّ، فأتاه رجل من بني ضَبّة، فقال: إن الحسن داخل اليوم أو غدًا، قال: كأنك جئت تُرهبني! وضربه ثلثمئة سوط. ثم هرب فسوّد محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، فخرج في أحد عشر رجلًا، ودعا الناس إلى
стр. 1624
البيعة، وضبط الكوفة، فدخل الحسن من الغد، فكانوا يسألون في الطريق: أين منزل أبي سلمة، وزير آل محمد؟ فدلُّوهم عليه، فجاؤوا حتى وقفوا على بابِه، فخرج إليهم، فقدّموا له دابة من دوابّ قحطبة فركبها، وجاء حتى وقف في جبَّانة السَّبِيع، وبايع أهل خراسان، فمكث أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السَّبِيع - يقال له وزير آل محمد - واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ على الكوفة - وكان يقال له الأمير - حتى ظهر أبو العباس (١).
وقال عليّ: أخبرنا جبلة بن فرّوخ وأبو صالح المروزيّ وعُمارة مولى جبرائيل وأبو السريّ وغيرهم ممّن قد أدرك أوّلَ دعوة بني العباس، قالوا: ثم وجّه الحسنَ بن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط، وضمّ إليه قُوّادًا، منهم خازم بن خزيمة ومقاتل بن حكيم العكيّ وخفَّاف بن منصور وسعيد بن عمرو وزياد بن مشكان والفَضْل بن سليمان وعبد الكريم بن مسلم وعثمان بن نَهِيك وزهير بن محمد والهيثم بن زياد وأبو خالد المروزيّ وغيرهم، ستة عشر قائدًا وعلى جميعهم الحسن بن قحطبة. ووجّه حُميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد؛ منهم عبد الرحمن بن نعيم ومسعود بن علاج؛ كلّ قائد في أصحابه. وبعث المسيّب بن زُهير وخالد بن بَرْمك إلى دَيرقُنَّى، وبعث المهلبيّ وشَراحيل في أربعمئة إلى عَين التْمر، وبسَّام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة. فلما أتى بسام الأهواز خرج عبد الواحد إلى البَصْرة، وكتب مع حفص بن السَّبِيع إلى سفيان بن معاوية بعهدِه على البصرة، فقال له الحارث أبو غسان الحارثيّ وكان يتكهّن وهو أحد بني الدّيان: لا ينفذُ هذا العهد. فقدم الكتاب على سفيان، فقاتله سَلْم بن قتيبة، وبطل عهد سفيان. وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمّام أعيَن، علي نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة، فأقام محمد بن خالد بن عبد الله بالكُوفة (٢).
стр. 1625
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال هشام بن محمد وأما الواقديّ فإنه قال: بويع لأبي العباس بالمدينة بالخلافة في جمادى الأولى في سنة ثنتين وثلاثين ومئة.
قال الواقديّ: وقال لي أبو معشر: في شهر ربيع الأول سنة ثنتين وثلاثين ومئة؛ وهو الثَّبت (١).
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
الخِلافَةُ في عَهْدِ العَبَّاسِيِّينَ
١٣٢ هـ-١٩٣ هـ
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
اطلع على بعض فصول المجلد ووافق عليه كل من
د. علي محمد الصلابي ود. إبراهيم الجاف
راجع عددًا من تراجم الرُّواة
الشيخ عقيل المقطري
المجلد الخامس
دَار ابْن كَثير
стр. 1639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1640
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
стр. 1641
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com
стр. 1642
تقريظ الأستاذ حكيم الأزهري
ولابن جرير -لو علمت- مناقبٌ ... لتأريخه تزهو على كل فاضلِ
بدا من بدء الخليقةِ وانتهى ... ثلاث مئين مع ثلاثٍ قلائلِ
هو العروة الوثقى على الدَّهر كُلِّه ... ينال بهِ منَ رامَ كلَّ المَسائلِ
وكُلَّ فتىً رام التواريخ بعدهُ ... عليه تسامَى مُسْتَمِدَّا لنائلِ
هو الطبريّ الفذُّ: ذا كُم مُحَمّد ... إمامٌ هُمامُ مُسْتطابُ المناهِلِ
وكانَ مَضى دهرٌ دهيرٌ ولم يَفز ... بتحْقيقهِ عَبْرَ القرون الأوائِلِ
سوى ما جَرَى لم يَنْقع الغلَّ بلَّة ... وكيف يُثيرُ الرَّوْضَ قطْرَة وابلِ
فجَدّ لهذا الأمر شَهمٌ مُكرَّمٌ ... هُمَامٌ طبيبٌ مُعْتنٍ بالفضائِلِ
فحَقَقهُ حقا: وَخَرَّج حازمًا ... أحاديثهُ الجُلَّى: وَكُلَّ المسَائِلِ
كذلكَ آثارَ الصَّحابَةِ كُلهِمْ ... وغيرهمو: مَنْ ناقلِينَ أماثِلِ
فيا (طاهرًا) أعني بذاك (محّمدا) ... وَقد جَدَّ مَقرونا بخير الدّلائِلِ
ونال بما قد رامَ فضلًا وَعِزَّة ... وحاز بحارَ الفضل مَن غير ساحِل
وزَارَةُ أوْقافٍ لـ (دَوْحَتِنا) ارْتَأت ... لهُ عَرْضَهُ في فاضِلِينَ أماثِلِ
هُمُو سِتَّة: أوْلَوْه خَيرَ مَزيَّةً ... فنال (امتيازًا) لا يُدانَى بقابلِ
(فعُثمان) ذاكم للـ (خَمِيس) انتِسابُهُ ... ويحيى بن ابراهيمَ يحيى لِطائِلِ
و(اكرمُ)؟ أعنِيهِ (ألضياءَ) وَمَجْدهُ ... إلى عُمَرَ الفاروق يُنْمى بنائلِ
وَأنعِم (عمادَ الدينْ) يسْمو وَأصْلُهُ ... مَن المَوْصِل الحَدْباءِ خير العَوائِلِ
стр. 1643
هو ابن (خليل): والأريبُ (مُحَمَّدُ) ... تَنَامَى بـ (صُبْحِي) فاضلٌ خَيرُ فاضلِ
وَنِسْبَتُهُ (ألحلّاقُ) انعم وسادسُ الـ ... أفاضِل فينا مَجدهُ جدُّ حَافلِ
(مُحَمَّدْ عَلي الصُّلابْ) فاضِلُ عَصره ... ومَا مِثلهُ في الحي عَدٌ الاناملِ
أريبٌ أديبٌ ذو اعتِناءٍ وهِمّةٍ ... فريا فما تلقى لهُ مَن مُمَاثِلِ
همو سِتةٌ حَيَّوا كتابًا مُحَقَّقا ... لـ (طاهِرنا) المعروفِ بَين الأفاضِلِ
أسامُوهُ عَرْضاٍ فازدْهى عِند عَرْضِهِ ... كريمًا أصيلًا في صدور المَحافِلِ
وَفيه عَنَاءٌ أعَجَز القوم فضلُهُ ... ولو كان في التَّعدادِ عَدّ الجَحافِلِ
فيا (بَرَزَنْجيّ) الأصول، وَسيِّدا ... شريفَ انتسابٍ للهدُاةِ الأفاضِلِ
رزُقتَ بما هَيَّأتَ عُمْرًا وعزة ... تروحُ بها الرُّكبانُ بينَ القوافِلِ
يقولونَ: أنعمْ طاب فينا (مُحَمّدً) ... بجُهدٍ عظيم: مُثقِلٍ كُلُّ كاهِلِ
وَأهدَى لأهل العلم جَوهَرَ جُهْدِهِ ... كريمًا: فأحيا مِنْ يَبَابٍ وماحِلِ
كتابٌ عظيمُ لم يُعْنَ فيهِ كما عُنِي به ... الفاضل المذكور دُونَ الأفاضلِ
فحَقَّقهُ تَمًّا وأخرجَ لِلورى ... جَوَاهرَهُ يَرْ تادُها كُلُّ ناهِلِ
وَقال لِسانُ الحال: يا قومُ أسْرعُوا ... إليه: فهذي عَينُ سَوْداءَ كاحِلِ
تَجلّى سنَاها في الوَرَى: إنّ حُسْنَها ... تبَدَّى: وَأزْهى في خِضابِ الأنامِلِ
جزى ربُّنا (هذا المحقّق) ما جزى ... أئَمة اهل الخير دِيماءَ هاطِلِ
وصلّى الهُ العرش دَوْمًا على الذي ... اطلَّ على الدنيا بحُسن الشمائلِ
فهلَّلت الأكوان من حُسْن سَعْدهِ ... فاسعد بالإيمان فرْحانَ جاذلِ
стр. 1644
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
وبعد فهذه مقدمة لتخريج الروايات التأريخية المتعلقة بمرحلة جديدة أي: تأريخ الخلافة في عهد العباسيين (من سنة ١٣٢ هـ فصاعدًا).
هنالك اشتراك واضح بين مصادر الطبري عن تأريخ الخلافة في نهاية الأمويين وتأريخ الخلافة في صدر الدولة العباسية بالإضافة إلى مصادر متنوعة أخرى يضيفها الطبري إلى المصادر السابقة.
وقد كتب أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل فصلًا بعنوان ملاحظات في مصادر الطبري عن مصدر الدولة العباسية وقسّم الأستاذ عماد في فصله هذا مصادر الطبري إلى نوعين:
الأول: المصادر الشخصية:
إذ قال الأستاذ عماد: اعتمد الطبري في هذه الفترة على الأشخاص رواة وأخباريين ومؤرخين وساسة وشهود عيان وتوضح ذلك سلاسل إسناده الكثيرة المتنوعة حيث جاءته مادة واسعة عن هذا الطريق، ويقف على رأس هؤلاء أولئك الشيوخ الذين أخذ الطبري عنهم بكثرة وهم:
علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) الذي أخذ عنه ما يزيد عن الخمسين رواية بعضها مطول وبعضها مختصر، وعمر بن شبة (ت ٢٦٢ هـ) الذي أخذ عنه ما يزيد عن المئة رواية، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) الذي نقل عنه مواضيع اختصاصية كالحج السنوي والوفيات وعمال الأقاليم في كل سنة وتواريخ حدوث بعض الظواهر الطبيعية كالزلازل فضلًا عن عدد من الروايات في مواضيع أخرى متفرقة. (ثم الهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ). الذي أخذ عنه عددًا من
стр. 1645
الروايات انصب معظمها على بناء بغداد وسيرة أبي جعفر المنصور / ص ١٩٧.
الثاني: يعتمد الطبري في هذه الفترة بشكل ملحوظ على الوثائق والرسائل والسجلات والدواوين، ونصوص العهود والمواثيق والخطب، والتقارير الرسمية وغيرها من الوثائق التي لها صفة رسمية أو شبه رسمية فضلًا عن عدد كبير من القصائد، وأبيات الشعر ذات العلاقة بالأحداث العامة، ومن الملاحظ أن عددًا من الوثائق التي يعتمدها الطبري ترد دون إسناد مما يشير إلى أن الطبري حصل عليها مباشرة ودونما واسطة / ص ٢٠٣ / ا. هـ.
قلت بعد دراسة طويلة لمختلف المصادر التأريخية المتقدمة تبيّن أن كثيرًا من المصنفين المتقدمين قد تأثروا بالتيارات المخالفة لبغضها البعض كاليعقوبي والمسعودي، وأسلم منهم عدد لا بأس به، فالطبري معروف بحياده وكذلك البسوي وخليفة بن خياط فهؤلاء الثلاثة كتبوا التاريخ بالنظام الحولي وعاشوا في أزمنة متقاربة وإن لم يلتقوا فقد تعاصروا- أضف إلى ذلك فإن هؤلاء الثلاثة (الطبري- البسوي- خليفة) ثقات عند أهل الحديث فكان من المناسب جدًّا أن نقارن بين ما أخرجه الثلاثة للتثبت من وقوع حادثة تاريخية من عدمها وحكمتُ بالصحة للحوادث التي اتفق عليها الثلاثة -أي المؤرخون الثلاثة أو المصادر الثلاثة-[ولقد أخبرت أستاذنا أكرم العمري بجانب من هذا المنهج ووافقني عليه].
وبالإضافة إلى هذه المصادر فقد استعنت بمصدر تاريخي آخر لإمام ثقة عند أئمة الحديث وهو البلاذري الذي ألف كتابه القيّم (أنساب الأشراف) واتبع في كثير من الأحيان منهج الرواية بالإسناد.
وأخيرًا فقد استعنا بمصادر أخرى ولكن بدرجة أقل ومنها [الموفقيات للزبير بن بكار -نسب قريش للزبيري- عيون الأخبار للدينوري- طبقات ابن سعد، تاريخ دمشق لابن عساكر- تأريخ بغداد للخطيب المنتظم -لابن
стр. 1646
الجوزي- تأريخ الإسلام للذهبي- البداية والنهاية لابن كثير].
ومن باب التساهل في رواية التأريخ فقد ألحقت الروايات التأريخية بقسم الصحيح والتي جاءت من طريق رواة لم يوثقهم سوى ابن حبان (المعروف بتساهله في التوثيق) بشرط انتفاء الجرح من جهات أخرى وخلو المتن من نكارة- وأضفنا تساهلًا آخر في هذا القسم [تأريخ الخلافة في عهد العباسيين، فقد اعتبرنا قول الطبري: قال عمر بن شبة أو ذكر عمر بن شبة مقبولًا غير منقطع (بعكس ما صنعنا في تحققنا لتأريخ الخلافة الراشدة والأمويين) باعتبار أن الطبري من تلاميذ ابن شبة وقد أكثر عن شيخه (ابن شبة) واطلع على كثير من رسائل وكتب ابن شبة ولو اعتبرنا ذلك انقطاعًا لما بقي لنا من تأريخ العباسيين شيء لأن الطبري قلل من اعتماده الإسناد بصورة ملحوظة تدريجيًا وكذلك فعل خليفة والبسوي فتنازلنا عن شرطنا السابق (قال الطبري حدثني ابن شبة) من باب التساهل من رواية التأريخ ولكن بشرط خلوّ المتن من أمور تخالف الروايات الأصح منها إسنادًا ولا أريد أن أطيل الكلام أكثر مما قلت في هذه العجالة ولنا وقفات أخرى بإذنه تعالى كلما دعت الحاجة [عند الأخبار الواردة في خروج محمد ذي النفس الزكية مثلًا، وأخبار أخرى].
وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والسداد وحسن الخاتمة- وهذه بضاعتنا فمن رأى عيبًا في منهج هذا البحث وأهداه لنا قبلناه شاكرين لسعيه ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وجزا الله عنا أساتذتنا في التأريخ والحديث خير الجزاء.
وسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية الكتاب.
غرة شعبان من عام ١٤٢٣ للهجرة.
* * *
стр. 1647
صحيح تأريخ الطبري
تأريخ الخلافة في عهد العباسيين
خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (١).
[ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب]
وفي هذه السنة هُزم مروان بن محمد بالزّاب.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك:
ذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجَبَلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزديّ وجّهه قحطبة إلى شهرزُور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموْصِل وبلغ مَرْوان أن عثمان قد قُتِل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلًا في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بَلْوى، قال: بل عَلْوى وبُشرى، ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دِجلة وحفر خندقًا فسار إليه أبو عَوْن، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة: كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعثَ
стр. 1650
سلمة بن محمد في ألفيْن وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمئة وعبد الحميد بن رِبعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نَضْلة في خمسمئة إلى أبي عون، ثم قال: مَنْ يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سِرْ على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سُرادقه وخلّاه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شُرْطته حيّاش بن حبيب الطائيّ، وعلى حَرسه نصير بن المحتفز ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلًا على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومئة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدُلّ عليها بالزّاب، فقاتلهم حتى أمسوْا، ورُفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبَر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن عليّ؛ فأصبح مَرْوان فقعد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقًا أسفلَ من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غِفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مَرْوان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابُه، وأسِروا وقتل منهم يومئذ عِدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مَرْوان مع الرؤوس، فقال مروان: أدخِلوا عليّ رجلًا من الأسارَى، فأتوْه بالمخارق -وكان نحيفًا- فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا، فأنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرؤوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم (١).