الجوزي- تأريخ الإسلام للذهبي- البداية والنهاية لابن كثير].
ومن باب التساهل في رواية التأريخ فقد ألحقت الروايات التأريخية بقسم الصحيح والتي جاءت من طريق رواة لم يوثقهم سوى ابن حبان (المعروف بتساهله في التوثيق) بشرط انتفاء الجرح من جهات أخرى وخلو المتن من نكارة- وأضفنا تساهلًا آخر في هذا القسم [تأريخ الخلافة في عهد العباسيين، فقد اعتبرنا قول الطبري: قال عمر بن شبة أو ذكر عمر بن شبة مقبولًا غير منقطع (بعكس ما صنعنا في تحققنا لتأريخ الخلافة الراشدة والأمويين) باعتبار أن الطبري من تلاميذ ابن شبة وقد أكثر عن شيخه (ابن شبة) واطلع على كثير من رسائل وكتب ابن شبة ولو اعتبرنا ذلك انقطاعًا لما بقي لنا من تأريخ العباسيين شيء لأن الطبري قلل من اعتماده الإسناد بصورة ملحوظة تدريجيًا وكذلك فعل خليفة والبسوي فتنازلنا عن شرطنا السابق (قال الطبري حدثني ابن شبة) من باب التساهل من رواية التأريخ ولكن بشرط خلوّ المتن من أمور تخالف الروايات الأصح منها إسنادًا ولا أريد أن أطيل الكلام أكثر مما قلت في هذه العجالة ولنا وقفات أخرى بإذنه تعالى كلما دعت الحاجة [عند الأخبار الواردة في خروج محمد ذي النفس الزكية مثلًا، وأخبار أخرى].
وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والسداد وحسن الخاتمة- وهذه بضاعتنا فمن رأى عيبًا في منهج هذا البحث وأهداه لنا قبلناه شاكرين لسعيه ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وجزا الله عنا أساتذتنا في التأريخ والحديث خير الجزاء.
وسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية الكتاب.
غرة شعبان من عام ١٤٢٣ للهجرة.
* * *
стр. 1647
صحيح تأريخ الطبري
تأريخ الخلافة في عهد العباسيين
خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (١).
[ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب]
وفي هذه السنة هُزم مروان بن محمد بالزّاب.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك:
ذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجَبَلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزديّ وجّهه قحطبة إلى شهرزُور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموْصِل وبلغ مَرْوان أن عثمان قد قُتِل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلًا في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بَلْوى، قال: بل عَلْوى وبُشرى، ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دِجلة وحفر خندقًا فسار إليه أبو عَوْن، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة: كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعثَ
стр. 1650
سلمة بن محمد في ألفيْن وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمئة وعبد الحميد بن رِبعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نَضْلة في خمسمئة إلى أبي عون، ثم قال: مَنْ يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سِرْ على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سُرادقه وخلّاه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شُرْطته حيّاش بن حبيب الطائيّ، وعلى حَرسه نصير بن المحتفز ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلًا على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومئة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدُلّ عليها بالزّاب، فقاتلهم حتى أمسوْا، ورُفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبَر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن عليّ؛ فأصبح مَرْوان فقعد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقًا أسفلَ من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غِفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مَرْوان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابُه، وأسِروا وقتل منهم يومئذ عِدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مَرْوان مع الرؤوس، فقال مروان: أدخِلوا عليّ رجلًا من الأسارَى، فأتوْه بالمخارق -وكان نحيفًا- فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا، فأنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرؤوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم (١).
стр. 1651
وكانت هزيمة مروان بالزاب -فيما ذكر- صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة (١).
[ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمد]
وفي هذه السنة قتِل مَروان بن محمد بن مروان بن الحكم.
ذكر الخبر عن مقتله وقتال من قاتله من أهل الشأم في طريقه وهو هارب من الطلب:
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: لما انهزم مَرْوان من الزّاب كنتُ في عسكره، قال: كان لمروان في عسكره بالزّاب عشرون ومئة ألف؛ كان في عسكره ستون ألفًا، وكان في عسكر ابنه عبد الله مثل ذلك، والزّاب بينهم، فلقيه عبد الله بن عليّ فيمن معه وأبي عون وجماعة قوّاد، منهم حُمَيد بن قحطبة؛ فلما هُزموا سار إلى حَرّان وبها أبان بن يزيد بن محمد بن مَرْوان ابن أخيه عامله عليها، فأقام بها
стр. 1652
نيّفًا وعشرين عامًا، فلما دنا منه عبدُ الله بن عليّ حمل أهله وولده وعياله، ومضى منهزمًا، وخلّف بمدينة حرّان أبان بن يزيد؛ وتحته ابنة لمروان يقال لها أمّ عثمان، وقدم عبد الله بن عليّ، فتلقاه أبان مسوّدًا مبايعًا له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومَن كان بحرّان والجزيرة، ومضى مَرْوان حتى مرّ بقنَّسرين وعبد الله بن عليّ متبع له، ثم مضى من قنّسرين إلى حِمْص، فتلقاه أهلها بالأسواق وبالسمع والطاعة فأقام بها يومَين أو ثلاثة، ثم شخص منها؛ فلما رأوا قِلة مَن معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم، فاتّبعوه بعدما رحل عنهم؛ فلحقوه على أميال، فلما رأى غَبَرة خيلهم أكمن لهم في واديين قائدين من مواليه، يقال لأحدهما يزيد والآخر مخلّد؛ فلما دنَوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذراريّ صافّهم فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال بينهم؛ وثار الكمينان من خلفهم؛ فهزمهم وقتلتْهم خيلُه حتى انتهوا إلى قريب من المدينة.
قال: ومضى مَرْوان حتى مرّ بدمشق، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان؛ وهو ختَن لمروان، متزوج بابنة له يقال لها أمّ الوليد، فمضى وخلفه بها حتى قدم عبدُ الله بن عليّ عليه، فحاصره أيامًا، ثم فتحت المدينة، ودخلها عَنْوة معترضًا أهلها، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قُتِل، وهدَم عبد الله بن عليّ حائط مدينتها، ومرّ مروان بالأرْدنّ، فشخص معه ثعلبة بن سلامة الغامليّ وكان عامله عليها، وتركها ليس عليها والٍ، حتى قدم عبد الله بن عليّ فولى عليها، ثم قدم فلسطين وعليها من قبلُ الرّماحس بن عبد العزيز، فشخص به معه؛ ومضى حتى قدم مصر، ثم خرج منها حتى نزل منزلًا منها يقال له بوصير؛ فبيّته عامر بن إسماعيل وشعبة ومعهما خيل أهل الموصل فقتلوه بها، وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان ليلة بُيِّت مروان إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاءً وقاتلتهم الحبشة، فقتلوا عبيد الله، وأفلت عبد الله في عدّة ممن معه؛ وكان فيهم بكر بن
стр. 1653
معاوية الباهليّ، فسلم حتى كان في خلافة المهديّ، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهديّ (١).
وأما عليّ بن محمد؛ فإنه ذكر أن بشر بن عيسى والنعمان أبا السريّ ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزيّ وعمارة مولى جبريل أخبروه أنّ مروان لقي عبد الله بن عليّ في عشرين ومئة ألف وعبد الله في عشرين ألفًا (٢).
وقتل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة في قول بعضهم وفي قول آخرين: وهو ابن تسع وستين وفي قول آخرين وهو ابن ثمان وخمسين.
стр. 1654
وقتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يومًا، وكان يكنى أبا عبد الملك وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كردية انتهى (١).
[ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ الإمام]
وفي هذه السنة قتل إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
اختلف أهل السير في أمر إبراهيم بن محمد فقال بعضهم لم يقتل ولكنه مات سجن مروان بن محمد بالطاعون (١).
[ذكر خبر شخوص أبي جعفر إلى خراسان]
وفي هذه السنة شخص أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في أبي سلمة حفص بن سليمان (٢).
стр. 1659
[ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط]
وفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة؛ وقد ذكرنا ما كان من أمر الجيش الذي لقوْه من أهل خُراسان مع قَحْطبة، ثم مع ابنه الحسن بن قحطبة وانهزامه ولَحاقه بمن معه من جنود الشأم بواسط متحصّنًا بها؛ فذكر عليّ بن محمد عن أبي عبد الله السُّلَميّ عن عبد الله بن بدر وزهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبي السريّ أنّ ابن هبيرة لما انهزم تفرّق الناس عنه، وخلّف على الأثقال قومًا، فذهبوا بتلك الأموال فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم! امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر، قال: بل نأتي واسطًا فننظر، قال: ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك وتقتَل، فقال له يحيى بن حضين: إنك لا تأتي مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود، فالزم الفُرات حتى تقدم عليه؛ إياك وواسطًا؛ فتصير في حصار، وليس
стр. 1660
بعد الحصار إلا القتل، فأبى، وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه في الأمر فيخالفه؛ فخافه إن قدم عليه أن يقتله، فأتى واسطًا فدخلَها، وتحصّن بها.
وسرّح أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق الحسن وأصحابه، فنزلوا فيما بين الزّاب ودِجْلة؛ وضرب الحسن سرادقَه حِيال باب المضْمار، فأوّل وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء، فقال أهل الشأم لابن هبيرة: ائذن لنا في قتالهم، فأذن لهم، فخرجوا وخرج ابنُ هبيرة، وعلى ميمنته ابنه داود، ومعه محمد بن نباتة في ناس من أهل خراسان، فيهم أبو العوْد الخراسانيّ، فالتقوْا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة، وابن هبيرة قبالة باب المضمار، فحمل خازم على ابن هُبيرة فهزموا أهل الشأم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق، وبادر الناس باب المدينة حتى غصّ باب المضمار، ورمى أصحاب العرّادات بالعرّادات والحسن واقف، وأقبل يسير في الخيل فيما بين النهر والخندق، ورجع أهل الشأم، فكرّ عليهم الحسن، فحالوا بينه وبين المدينة، فاضطروهم إلى دجلة، فغرِق منهم ناس كثير فتلقّوههم بالسفن، فحملوهم، وألقى ابن نباتة يومئذ سلاحه واقتحم، فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام، ثم خرجوا إليهم يوم الثلاثاء فاقتتلوا، فحمل رجل من أهل الشام كلى أبي حفص هزار مرد، فضربه وانتمى: أنا الغلام السُّلَميّ، فضربه أبو حفص وانتمى: أنا الغلام العتكيّ، فصرعه، وانهزم أهل الشأم هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميًّا من وراء الفصيل.
وبلغ ابنَ هبيرة وهو في الحصار أنّ أبا أميّة التغلبيّ قد سوّد، فأرسل أبا عثمان إلى منزله، فدخل على أبي أمية في قُبّته، فقال: إنّ الأمير أرسلني إليك لأفتّش قبتك، فإن كان فيها سواد علقته في عنقك وحبلًا، ومضيت بك إليه؛ وإن لم يكن في بيتك سواد فهذه خمسون ألفًا صلة لك، فأبى أن يدَعه أن يفتشى قبّته، فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه، فتكلم في ذلك معن بن زائدة وناس
стр. 1661
من ربيعة، وأخذوا ثلاثةً من بني فزارة؛ فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة، فجاءهم يحيى بن حُضين، فكلّمهم فقالوا: لا نخلي عنهم حتى يخلى عن صاحبنا؛ فأبى ابنُ هبيرة، فقال له: ما تفسِد إلا على نفسك وأنت محصور؛ خلّ سبيل هذا الرجل، قال: لا ولا كرامة؛ فرجع ابنُ حضين إليهم فأخبرهم، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشر العجليّ، فقال ابن حضين لابن هبيرة: هولاء فرسانك قد أفسدتهم؛ وإن تماديت في ذلك كانوا أشدَّ عليك ممّن حصرك؛ فدعا أبا أميّة فكساه، وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سِجِستان، فأوفد الحسن بن قحطبة وفدًا إلى أبي العباس بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غَيلان بن عبد الله الخُزاعيّ -وكان غيلان واجدًا على الحسن لأنه سرّحه إلى رَوْح بن حاتم مددًا له- فلما قدم على أبي العباس قال: أشهدُ أنك أمير المؤمنين، وأنك حبلُ الله المتين، وأنك إمام المتقين؛ فقال: حاجتَك يا غيلان؟ قال: أستغفرك، قال: غفر الله لك، فقال داود بن عليّ: وفّقك الله يا أبا فضالة، فقال له غيلان: يا أميرَ المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك، قال: أوَليس عليكم رجل من أهل بيتي! الحسن بن قحطبة؛ قال: يا أميرَ المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك، فقال أبو العباس مثل قوله الأول، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه، وتَقَرّ أعيننا به، قال: نعم يا غيلان؛ فبعث أبا جعفر، فجعل غيلان على شُرَطه فقدم واسطًا، فقال أبو نصر لغيلان: ما أردت إلى ما صنعت؟ قال: "به بود" (١).
فمكث أيامًا على الشُّرط ثم قال لأبي جعفر: لا أقوي على الشرط ولكني أدلك على من هو أجلد مني قال من هو؟ قال جمهور بن مرار قال: لا أقدر على عزلك لأن أمير المؤمنين استعملك قال اكتب إليه فأعلمه فكتب إليه أبو العباس:
стр. 1662
أن اعمل برأي غيلان، فولى شرطه جمهورًا وقال أبو جعفر للحسن: ابغني رجلًا أجعله على حرسي، قال: من قد رضيته لنفسي؛ عثمان بن نهمك. فولي الحرس (١).
وقد قيل: إنّ أبا العباس وجّه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفًا من عند أبي مسلم إلى ابن هبيرة لحربه، فشخص أبو جعفر حتى قدم على الحسن بن قحطبة؛ وهو محاصر بن هبيرة بواسط، فتحوّل له الحسن عن منزله، فنزله أبو جعفر، فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تجنّى عليه أصحابه، فقال اليمانية: لا نُعين مروان وآثاره فينا آثارُه، وقالت النزاريَّة: لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانيّة؛ وكان إنما قاتل معه الصعاليك والفتيان؛ وهمّ ابن هبيرة أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين؛ فكتب إليه فأبطأ جوابه؛ وكاتب أبو العباس اليمانيّة من أصحاب ابن هبيرة؛ وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان؛ ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية أبي العباس فلم يفعلا؛ وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانًا، وكتب به كتابًا، مكث يشاور فيه العلماء أربعين يومًا حتى رضيَه ابنُ هبيرة، ثم أنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس، فأمره بإمضائه؛ وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان أبو العباس لا يقطع أمرًا دون أبي مسلم، وكان أبو الجهم عينًا لأبي مسلم على أبي العباس، فكتب إليه بأخبارِه كلها،
стр. 1663
فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسَد؛ لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.
ولما تمّ الكتاب خرج ابنُ هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمئة من البخاريّة؛ فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلّام بن سليم، فقال: مرحبًا بك أبا خالد! انزل راشدًا؛ وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا بالقوّاد فدخلوا، ثم قال سلّام: ادخل أبا خالد؛ فقال له: أنا ومن معي؟ فقال: إنما استأذنتُ لك وحدك، فقام فدخل، ووضِعتْ له وسادة، فجلس عليها، فحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصرَه حتى غاب عنه؛ ثم مكث يقيم عنه يومًا، ويأتيه يومًا في خمسمئة فارس وثلثمئة راجل؛ فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيّها الأمير، إنّ ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء، فإذا كان يسير في هذه الفرسان والرّجالة، فما يقول عبد الجبار وجهور؟ ! فقال أبو جعفر لسلام: قل لابن هُبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته [نحوًا من ثلاثين].
فقال له سلّام ذلك، فتغير وجهه، وجاء في حاشيته نحوًا من ثلاثين، فقال له سلّام: كأنك تأتي مباهيًا! فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال: ما أردنا بك استخفافًا، ولا أمرَ الأمير بما أمر به إلا نظرًا لك؛ فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة (١).
وفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر واليًا على الجزيرة وأذْرَبيجان وأرمينيَة، ووجه أخاه يحيى بن محمد بن عليّ واليًا على الموْصل.
стр. 1666
وفيها عزل عمّه داود بن عليّ عن الكوفة وسوادها، وولّاه المدينة ومكة واليمن واليمامة، وولّى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بن موسى.
وفيها عَزَل مروانُ -وهو بالجزيرة عن المدينة- الوليد بن عُروة، وولاها أخاه يوسف بن عروة؛ فذكر الواقديّ أنه قدم المدينة لأربع خلوْن من شهر ربيع الأول.
وفيها استقضى عيسى بن موسى على الكوفة ابن أبي ليلى.
وكان العامل على البصرة في هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبيّ.
وعلى قضائها الحجاج بن أرطأةَ وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى الجزيرة وأرمينيَة وأذْرَبيجان عبد الله بن محمد، وعلى الموْصل يحيى بن محمد، وعلى كُور الشأم عبد الله بن عليّ، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى خُراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن بَرْمك.
وحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عليّ بن عبد الله بن العباس (١).
* * *
стр. 1667
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك ما كان من توجيه أبي العباس عمّه سليمان بن عليّ واليًا على البصرة وأعمالها، وكُور دجلة والبَحْرين وعُمان ومِهْرِ جانقَذق وتوجيهه أيضًا عمه إسماعيل بن عليّ على كُور الأهواز.
وفيها قتَل داود بن عليّ من كان أخذ من بني أميّة بمكة والمدينة.
وفيها مات داود بن عليّ بالمدينة في شهر ربيع الأول؛ وكانت ولايتُه -فيما ذكر محمد بن عمر- ثلاثةَ أشهر.
واستخلف داود بن علي حين حضرته الوفاة على عمله ابنَه موسى؛ ولما بلغت أبا العباس وفاتُه وجّه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خاله زيادَ بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن في جمادى الأولى، فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن، ثم وجّه زياد بن عبيد الله من المدينة إبراهيمَ بن حسان السُّلميّ؛ وهو أبو حماد الأبرص- إلى المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه (١).
стр. 1668
وحجّ بالناس في هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثي كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن حدّثه عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك الواقدي وغيره (١).
وكان على الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجا نقذق سليمان بن علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى الأهواز إسماعيل بن علي، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى قنّسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بن علي، وعلى فلسطين صالح بن عليّ، وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد المنصور، وعلى الموصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينية صالح بن صبيح، وعلى أذربيجان مجاشع بن يزيد.
وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك (٢).
* * *
стр. 1669
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث
[ذكر قتال منصور بن جمهور]
وفي هذه السنة وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور بن جمهور، وفرض لثلاث آلاف رجل من العرب والموالي بالبصرة ولألف من بني تميم خاصّة، فشخص واستخلف مكانه على شُرْطة أبي العباس المسيّب بن زُهير حتى ورد السِّنْد، ولقي منصور بن جمهور في اثني عشر ألفًا، فهزمه ومَنْ معه، ومضى فمات عطشًا في الرمال.
وقد قيل: أصابه بطن، وبلغ خليفة منصور وهو بالمنصورة هزيمة منصور، فرحل بعيال منصور وثقله، وخرج بهم في عدّة من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر (١).
* * *
وفيها توفّى محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن، فكتب أبو العباس إلى عليّ بن الربيع بن عبيد الله الحارثي، وهو عامل لزياد بن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها (٢).
стр. 1670
وفي هذه السنة تحوّل أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار -وذلك فيما قال الواقديّ وغيره- في ذي الحجة (١).
وفيها عُزِل صالح بن صبيح عن أرمينيَة، وجعل مكانه يزيد بن أسيد، وفيها عُزل مجاشع بن يزيد عن أذْرَبيجان، واستعمل عليها محمد بن صول.
وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال، وحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى، وهو على الكوفة وأرضها.
وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن عليّ بن الربيع الحارثيّ، وعلى البصرة وأعمالها وكُورِ دجلة والبحرين، وعمان والعرْض ومهرجا نقذق سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى السند موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى فلسطين صالح بن عليّ، وعلى مصر أبو عوْن، وعلى موصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينيَة يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول.
وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد أبو جعفر وعلى قنَّسرين وحِمْص وكور دمشق والأردنّ عبد الله بن عليّ (٢).
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة (١) ذكر ما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر خروج زياد بن صالح (٢)
стр. 1673
وحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عليّ، وهو على البصرة وأعمالها، وعلى قضائها عباد بن منصور (١).
وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثيّ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون، وعلى حمْص وقنَّسرين وبعلبكّ والغُوطة وحَوْران والجوْلان والأردنّ عبد الله بن عليّ، وعلى البلقاء وفلسطين صالح بن عليّ، وعلى الموصل إسماعيل بن عليّ، وعلى أرمينيَة يزيد بن أسيد، وعلى أذْرَبيجان محمد بن صَوْل، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك (٢).
* * *
стр. 1674
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر قدوم أبي مسلم على أبي العباس]
ففي هذه السنة قدم أبو مسلم العراق من خُراسان على أبي العباس أمير المؤمنين.
* ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من أمره في ذلك:
ذكر عليّ بن محمد أن الهيثم بن عديّ أخبره والوليد بن هشام عن أبيه، قالا: لم يزلْ أبو مسلم مقيمًا بخراسان، حتى كتب إلى أبي العباس يستأذنه في القُدوم عليه، فأجابه إلى ذلك، فقدم على أبي العباس في جماعة من أهل خُراسان عظيمة ومَنْ تبعه من غيرهم من الأنبار؛ فأمر أبو العباس النَّاس يتلقونه، فتلقاه الناسُ، وأقبل إلى أبي العباس، فدخل عليه فأعظمه وأكرمه؛ ثم استأذن أبا العباس في الحجّ فقال: لولا أن أبا جعفر يحجّ لاستعملتُك على الموسم، وأنزله قريبًا منه، فكان يأتيه في كلّ يوم يسلم عليه، وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدًا؛ لأن أبا العباس كان بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور بعدما صفت له الأمور بعهده على خُراسان وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعده؛ فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان، وأقام أبو جعفر أيامًا حتى فرغ من البيعة، ثم انصرف وكان أبو مسلم قد استخفّ بأبي جعفر في مقدمه ذلك، فلما قدم على أبي العباس أخبره بما كان من استخفافه به.
قال عليّ: قال الوليد عن أبيه: لما قدم أبو مسلم على أبي العباس، قال: أبو جعفر لأبي العباس: يا أميرَ المؤمنين، أطعْني واقتل أبا مسلم؛ فوالله إنّ في
стр. 1675
رأسه لغَدْرة، فقال: يا أخي، قد عرفتَ بَلاءَه وما كان منه، فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما كان بدولتنا، والله لو بعثتَ سنَّورًا لقام مقامه، وبلغ ما بلغ في هذه الدولة، فقال له أبو العباس: فكيف نقتله؟ قال: إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك دخلتُ فتغفلتُه فضربتُه من خلْفه ضربة أتيت بها على نفسه، فقال أبو العباس: فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قد قُتل تفرّقوا وذلّوا، قال: عزمتُ عليك إلا كففتَ عن هذا، قال: أخاف والله إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشاك غدًا، قال: فدونكه، أنت أعلم.
قال: فخرج أبو جعفر من عنده عازمًا على ذلك، فندِم أبو العباس وأرسل إلى أبي جعفر: لا تفعل ذلك الأمر.
وقيل: إن أبا العباس لما أذِن لأبي جعفر في قتل أبي مسلم، دخل أبو مسلم على أبي العباس، فبعث أبو العباس خصيًّا له، فقال: اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر؛ فأتاه فوجده محتبيًا بسيفه، فقال للخَصيّ: أجالسٌ أمير المؤمنين؟ فقال له: قد تهيّأ للجلوس، ثم رجع الخصيّ إلى أبي العباس فأخبره بما رأى منه، فردَّه إلى أبي جعفر وقال له: قل له الأمر الذي عزمتَ عليه لا تُنفِذْه. فكفّ أبو جعفر (١).
стр. 1676
[حج أبي جعفر المنصور وأبي مسلم]
وفي هذه السنة حجّ أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم.
* ذكر الخبر عن مسيرهما وعن صفة مقدمهما على أبي العباس:
أما أبو مسلم فإنه -فيما ذُكِر عنه- لما أراد القدوم على أبي العباس، كتب يستأذنه في القدوم للحجّ، فأذن له، وكتب إليه أن أقدم في خمسمئة من الجُنْد، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترتُ الناس ولستُ آمن على نفسي، فكتب إليه أن أقبِلْ في ألف؛ فإنما أنت في سلطان أهلِك ودولتك، وطريق مكة لا تحتمل العسكر؛ فشخص في ثمانية آلاف فرّقهم فيما بين نيسابور والريّ، وقدِم بالأموال والخزائن فخلّفها بالريّ، وجمع أيضًا أموال الجبل، وشخص منها في ألف وأقبل؛ فلما أراد الدّخول تلقاه القوّاد وسائر الناس، ثم استأذن أبا العباس في الحجّ، فأذن له، وقال: لولا أنّ أبا جعفر حاجّ لوليتك الموسم.
وأما أبو جعفر فإنه كان أميرًا على الجزيرة، وكان الواقديّ يقول: كان إليه مع الجزيرة أرمينيَة وأذربيجان، فاستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكيّ، وقدم على أبي العباس فاستأذنه في الحج؛ فذكر عليّ بن محمد عن الوليد بن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجًّا، وحجّ معه أبو مسلم سنة ست وثلاثين ومئة، فلما انقضى الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم، فلما كان بين البستان وذات عِرْق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس؛ وكان أبو جعفر قد تقدّم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمرٌ فالعَجل العجل، فأتاه الرسول فأخبره، فأقبل حتى لحق أبا جعفر، وأقبلا إلى الكوفة.
стр. 1677
وفي هذه السنة عقد أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ لأخيه أبي جعفر الخلافة مِنْ بعده، وجعله وليّ عهد المسلمين، ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكتب العهد بذلك، وصيَّره في ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى (١).
[ذكر الخبر عن موت أبي العباس السفاح]
وفيها توفِّيَ أبو العباس أمير المؤمنين بالأنبار يوم الأحد، لثلاث عشرة خلتْ من ذي الحجة، وكانت وفاته فيما قيل بالجدريّ.
وقال هشام بن محمد: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ذي الحجة، واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم: كان له يوم توفِّيَ ثلاث وثلاثون سنة، وقال هشام بن محمد: كان يوم توفي ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم: كان له ثمان وعشرون سنة.
وكانت ولايته من لَدُن قتل مَرْوان بن محمد إلى أن توُفيَ أربع سنين، ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر، وقال بعضهم:
стр. 1678
وتسعة أشهر، وقال الواقديّ: أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة أيام يقاتل مروان (١).
стр. 1679
خلافة أبي جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد
وفي هذه السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة؛ وذلك في اليوم الذي توفي فيه أخوه أبو العباس، وأبو جعفر يومئذ بمكة؛ وكان الذي أخذ البيعة بالعراق لأبي جعفر بعد موت أبي العباس عيسى بن موسى، وكتب إليه عيسى يُعلمه بموت أخيه أبي العباس وبالبيعة له (١).
رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فقال عليّ: حدّثني الوليد، عن أبيه، قال: لما أتى الخبرُ أبا جعفر كتب إلى أبي مسلم وهو نازل بالماء، قد تقدّمه أبو جعفر، فاقبل أبو مسلم حتى قدم عليه.
رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فلما جلس أبو مسلم، ألقى إليه الكتاب، فقرأه وبكى واسترجع، قال: ونظر أبو مسلم إلى أبي جعفر، وقد جزع جزعًا شديدًا فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال: أتخوّف شرّ عبد الله بن عليّ وشيعة عليّ، قال: لا تخفه؛ فأنا أكفيك أمره إن شاء الله، إنما عامة جندِه،
стр. 1680
ومَن معه أهل خُراسان، وهم لا يعصونني، فُسُرّيَ عن أبي جعفر ما كان فيه، وبايع له أبو مسلم وبايع الناسُ، وأقبلا حتى قدما الكوفة، وردّ أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة، وكان قبل ذلك واليًا عليها وعلى المدينة لأبي العباس (١).
وقيل: إن أبا العباس كان قد عزَل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثيّ عن مكة، وولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس (٢).
وفي هذه السنة قدِم عبد الله بن عليّ على أبي العباس الأنبار، فعقد له أبو العباس على الصّائفة، في أهل خراسان وأهل الشأم، والجزيرة والموصل، فسار فبلغ دلوك، ولم يُدْرِبْ حتى أتته وفاة أبي العباس (٣).
وفي هذه السنة بعث عيسى بن موسى وأبو الجهم يزيد بن زياد أبا غسان إلى عبد الله بن عليّ ببيعة المنصور، فانصرف عبدُ الله بن عليّ بمن معه من الجيوش، قد بايع لنفسه حتى قدم حَرّان (٤).
стр. 1681
وأقام الحجّ للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور، وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة، ومن استخلف عليه حين شخص حاجًّا.
وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عبّاد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح بن عليّ (١).
* * *
стр. 1682
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث
[ذكر خبر خروج عبد الله بن عليّ وهزيمته]
فمما كان فيها من ذلك قدُوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزولُه الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفة طَلْحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكُوفة فصلَّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ووافاه أبو مسلم بالحِيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه.
وذكر عليّ بن محمد عن الوليد، عن أبيه، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، فسلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمْر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غَسّان -واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العباس- إلى عبد الله بن عليّ ببيعة أبي جعفر؛ وذلك بأمرِ أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن عليّ بأفواه الدروب متوجّهًا يريد الروم؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دُلوك، أمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه، وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يُوجّه الجنود إلى مَرْوان بن محمد دعا بني أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي، فلم ينتدب له غيري؛
стр. 1683
فعلى هذا خرجتُ من عنده، قتلتُ من قتلت. فقام أبو غانم الطائيّ وخُفاف المروروذيّ في عدّة من قوّاد أهل خُراسان، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخُفاف وأبو الأصبغ وجميعُ مَنْ كان معه من أولئك القوّاد، فيهم حُمَيد بن قَحْطبة وخُفاف الجرجانيّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غِفار وتُرَارخُدا وغيرهم من أهل خُراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تلّ محمد، فلما فرغ من البَيعة ارتحل فنزل حَرّان، وبها مُقاتل العكيّ -وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس- فأراد مقاتلًا على البيعة فلم يجبْه، وتحصّن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حِصْنه فقتله.
وسرّح أبو جَعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم، فلما بلغ عبدَ الله إقبالُ أبي مسلم أقام بحرّان، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحَرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائرًا من الأنبار؛ ولم يتخلَّف عنه من القوّاد أحدٌ، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعيّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حُميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان، وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود (١).
قال عليّ: قال هشام بن عمرو التّغلبيّ: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدّث الناس يومًا، فقيل: أي الناس أشدّ؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان، وقال آخر: أهل الشأم، فقال أبو مسلم: كلّ قوم في دولتهم أشدّ الناس، قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن عليّ فصدمونا صدمةً
стр. 1684
أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا، وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة، فقتل منا ثمانية عشر رجلًا، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموْا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجُلْنَا جَوْلة، فقلت لأبي مسلم: لو حرّكتُ دابتي حتى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: وأنت أيضًا فتحرّك دابتك، فقال: إن أهل الحِجَى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، نادِ: يا أهل خُراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة لمن اتقى.
قال: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال:
مَنْ كان ينوي أَهله فلا رجَعْ ... فَرَّ من الموت وفي الموت وقَعْ
قال: وكان قد عُمِل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللًا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها: إنّ في ناحيتِك انتشارًا، فاتّق ألّا نؤتَى من قِبَلك؛ فافعل كذا، قدّم خيلك كذا، أو تأخّر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض.
قال: فلما كان يوم الثلاثاء -أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومئة -أو سبع وثلاثين ومئة- التقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا.
فلما رأى ذلك أبو مسلم مكَر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة -وكان على ميمنته- أن أعْرِ الميمنة، وضُمَّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم، فلما رأى ذلك أهلُ الشأم أعرَوْا ميسرتهَم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم، ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مُرْ أهل القلب فليحملوا مع مَنْ بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم، رجال أهل القلب والميمنة.
قال: وركبهم أهلُ خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن عليّ لابن سراقة الأزديّ- وكان معه: يابن سراقة، ما ترى؟ قال: أرى والله أن تصبر
стр. 1685
وتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبلُ عبتَه على مَرْوان، فقلتَ: قبح الله مَرْوان! جزع من الموت ففرّ! قال: فإني آتي العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر، فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يُحصِي ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ومضى عبد الله بن عليّ وعبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بن عليّ فأتى سليمانَ بن عليّ بالبصرة، فأقام عنده، وآمن أبو مسلم الناسَ فلم يقتل أحدًا، وأمر بالكفّ عنهم (١).
[ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراسانيّ]
وفي هذه السنة قُتل أبو مسلم.
* ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: حدَّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزديّ والنعمان أبو السريّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحجّ -وذلك في سنة ست وثلاثين ومئة- وإنما أراد أن يصلي بالناس.
فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينيةَ وأذْرَبيجان: إن أبا مسلم كتب إليّ يستأذن في الحجّ وقد أذنتُ له؛ وقد ظننتُ أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أولِّيهُ إقامة الحجّ للناس، فاكتب إليّ تستأذنني في الحج؛ فإنك إذا كنتَ بمكة لم يطمع أن يتقدّمك، فكتب أبو جعفر إلى