وأقام الحجّ للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور، وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة، ومن استخلف عليه حين شخص حاجًّا.
وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عبّاد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح بن عليّ (١).
* * *
стр. 1682
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث
[ذكر خبر خروج عبد الله بن عليّ وهزيمته]
فمما كان فيها من ذلك قدُوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزولُه الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفة طَلْحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكُوفة فصلَّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ووافاه أبو مسلم بالحِيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه.
وذكر عليّ بن محمد عن الوليد، عن أبيه، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، فسلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمْر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غَسّان -واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العباس- إلى عبد الله بن عليّ ببيعة أبي جعفر؛ وذلك بأمرِ أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن عليّ بأفواه الدروب متوجّهًا يريد الروم؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دُلوك، أمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه، وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يُوجّه الجنود إلى مَرْوان بن محمد دعا بني أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي، فلم ينتدب له غيري؛
стр. 1683
فعلى هذا خرجتُ من عنده، قتلتُ من قتلت. فقام أبو غانم الطائيّ وخُفاف المروروذيّ في عدّة من قوّاد أهل خُراسان، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخُفاف وأبو الأصبغ وجميعُ مَنْ كان معه من أولئك القوّاد، فيهم حُمَيد بن قَحْطبة وخُفاف الجرجانيّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غِفار وتُرَارخُدا وغيرهم من أهل خُراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تلّ محمد، فلما فرغ من البَيعة ارتحل فنزل حَرّان، وبها مُقاتل العكيّ -وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس- فأراد مقاتلًا على البيعة فلم يجبْه، وتحصّن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حِصْنه فقتله.
وسرّح أبو جَعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم، فلما بلغ عبدَ الله إقبالُ أبي مسلم أقام بحرّان، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحَرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائرًا من الأنبار؛ ولم يتخلَّف عنه من القوّاد أحدٌ، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعيّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حُميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان، وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود (١).
قال عليّ: قال هشام بن عمرو التّغلبيّ: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدّث الناس يومًا، فقيل: أي الناس أشدّ؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان، وقال آخر: أهل الشأم، فقال أبو مسلم: كلّ قوم في دولتهم أشدّ الناس، قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن عليّ فصدمونا صدمةً
стр. 1684
أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا، وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة، فقتل منا ثمانية عشر رجلًا، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموْا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجُلْنَا جَوْلة، فقلت لأبي مسلم: لو حرّكتُ دابتي حتى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: وأنت أيضًا فتحرّك دابتك، فقال: إن أهل الحِجَى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، نادِ: يا أهل خُراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة لمن اتقى.
قال: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال:
مَنْ كان ينوي أَهله فلا رجَعْ ... فَرَّ من الموت وفي الموت وقَعْ
قال: وكان قد عُمِل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللًا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها: إنّ في ناحيتِك انتشارًا، فاتّق ألّا نؤتَى من قِبَلك؛ فافعل كذا، قدّم خيلك كذا، أو تأخّر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض.
قال: فلما كان يوم الثلاثاء -أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومئة -أو سبع وثلاثين ومئة- التقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا.
فلما رأى ذلك أبو مسلم مكَر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة -وكان على ميمنته- أن أعْرِ الميمنة، وضُمَّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم، فلما رأى ذلك أهلُ الشأم أعرَوْا ميسرتهَم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم، ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مُرْ أهل القلب فليحملوا مع مَنْ بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم، رجال أهل القلب والميمنة.
قال: وركبهم أهلُ خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن عليّ لابن سراقة الأزديّ- وكان معه: يابن سراقة، ما ترى؟ قال: أرى والله أن تصبر
стр. 1685
وتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبلُ عبتَه على مَرْوان، فقلتَ: قبح الله مَرْوان! جزع من الموت ففرّ! قال: فإني آتي العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر، فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يُحصِي ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ومضى عبد الله بن عليّ وعبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بن عليّ فأتى سليمانَ بن عليّ بالبصرة، فأقام عنده، وآمن أبو مسلم الناسَ فلم يقتل أحدًا، وأمر بالكفّ عنهم (١).
[ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراسانيّ]
وفي هذه السنة قُتل أبو مسلم.
* ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: حدَّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزديّ والنعمان أبو السريّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحجّ -وذلك في سنة ست وثلاثين ومئة- وإنما أراد أن يصلي بالناس.
فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينيةَ وأذْرَبيجان: إن أبا مسلم كتب إليّ يستأذن في الحجّ وقد أذنتُ له؛ وقد ظننتُ أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أولِّيهُ إقامة الحجّ للناس، فاكتب إليّ تستأذنني في الحج؛ فإنك إذا كنتَ بمكة لم يطمع أن يتقدّمك، فكتب أبو جعفر إلى
стр. 1686
أبي العباس يستأذنه في الحجّ فأذن له، فوافى الأنبار، فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عامًا يحجّ فيه غيرَ هذا! واضطغنها عليه (١).
стр. 1687
ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر عليّ عنهم قصة أبي مسلم في أول الخبر، قالوا: ولما انهزم عبد الله بن عليّ بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبي الخصيب وهمّ بقتله، وجاء القوّاد إلى أبي مسلم، فقالوا: نحن ولينا أمر هذا الرجل، وغنِمْنا عسكره، فَلِمَ يَسأل عما في أيدينا؛ إنما لأمير المؤمنين مِنْ هذا الخُمْس؟ ! .
فلما قدم أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره أنّ أبا مسلم همّ بقتله، فخاف أن يمضيَ أبو مسلم إلى خُراسان، فكتب إليه كتابًا مع يقطين؛ أن قد وليتك مصر والشأم؛ فهي خير لك من خُراسان، فوجّه إلى مِصر من أحببت، وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين؛ فإن أحبّ لقاءك أتيتَه من قريب. فلما أتاه الكتاب غضب، وقال: هو يوليني الشأم ومصر، وخراسان لي! واعتزم بالمضيّ إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبي جعفر بذلك.
وأما عليّ فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدّم ذكرنا لهم أنهم قالوا: كتب أبو مسلم إلى أبي جعفر: أما بعد: فإني اتخذت رجلًا إمامًا ودليلًا على ما افترضه الله على خلقه؛ وكان في محلّة العلم نازلًا .. وفي قرابته من رسول الله ﷺ قريبًا؛ فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعًا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه؛ فكان كالذي دُلّي بغرور؛ وأمرني أن أجرّد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقِيل العثرة، ففعلت توطيدًا لسلطانكم حتى عرَّفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتَّوْبة، فإن يعف عني فقِدْمًا عُرِف به ونسِب إليه؛ وإن يعاقبني فيما قدمَت يداي وما الله بظلام للعبيد.
وخرج أبو مسلم يريد خُراسان، مراغمًا مشاقًا، فلما دخل أرضَ العراق،
стр. 1688
ارتحل المنصور من الأنْبار فأقبل حتى نزل المدائن، وأخذ أبو مسلم طريق حُلوان، فقال: رُبّ أمرٍ لله حُلوان، وقال أبو جعفر لعيسى بن عليّ وعيسى بن موسى ومَنْ حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين؛ وأن يلتمس رضاه، وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبي حميد المروروذيّ، وقال له: كلم أبا مسلم بأليَن ما تكلِّم به أحدًا، ومنِّه وأعلمه أني رافعه وصانِع به ما لم يصنعه أحد، إن هو صلح وراجع ما أحبّ؛ فإن أبي أن يرجع فقلْ له: يقول لك أمير المؤمنين: لستُ للعباس، وأنا برئ من محمد، إن مضيتَ مشاقًّا، ولم تأتني؛ إن وكلت أمرَك إلى أحد سواي. وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي؛ ولو خُضْتَ البحر لخضتُه، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك (١) ولا تقولنّ له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير.
فسار أبو حُميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم؛ حتى قدموا على أبي مسلم بحُلْوان، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيه،
стр. 1689
حسدًا وبغيًا؛ يريدون إزالة النعمة وتغييرَها، فلا تفسد ما كان منك؛ وكلّمه، وقال: يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمينَ آل محمد؛ يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبطْ أجرَك، ولا يستهوينّك الشيطان. فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلِّمني بهذا الكلام! قال: إنك دعوتَنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبيّ ﷺ بني العباس، وأمرتَنا بقتال مَنْ خالف ذلك؛ فدعوتنا من أرَضين متفرّقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا بمحبّتهم، وأعزّنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلًا إلا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة؛ أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أمَلنا أن تُفسد أمرنا، وتفرّق كلمتنا؛ وقد قلت لنا: مَنْ خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتُكم فاقتلوني! فأقبَل على أبي نصر، فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا؟ ! ما هذا بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع كلامه، ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقتَ ما هذا كلامه؛ ولَمَا بعد هذا أشدّ منه، فامض لأمرك ولا ترجِعْ فوالله لئن أتيتَه ليقتلنّك؛ ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدًا، فقال: قوموا، فنهضوا فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، وقال: يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلًا أعقَل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، وقد قال القوم ما قالوا؟ قال: لا أرى أن تأتيَه، وأرى أن تأتي الرّيّ فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان والرّي لك؛ وهم جندُك ما يخالفك أحدٌ، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبي كنتَ في جندك، وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك، فدعا أبا حميد، فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأي أن آتيَه، قال: قد عزمت على خلافه؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، قال: ما أريد أن ألقاه، فلما آيسه من الرجوع، قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجَم طويلًا، ثم قال: قم، فكَسره ذلك القول ورعّبه.
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود -وهو خليفة أبي مسلم بخُراسان- حين
стр. 1690
اتّهم أبا مسلم: إنّ لك إمْرَة خراسان ما بقيتُ، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه ﷺ ، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلا بإذنه، فوافاه كتابه على تلك الحال؛ فزاده رُعبًا وهَمًّا، فأرسل إلى أبي حُميد وأبي مالك فقال لهما: إني قد كنت معتزمًا على المضيّ إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه؛ فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكلّ ما يحبّ وقال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه؛ ولك ولاية خراسان؛ وأجازه فرجع أبو إسحاق إلى أبي مُسلم، فقال له: ما أنكرتُ شيئًا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعتَ على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثّل:
ما للرجال مع القضاء مَحَالةٌ ... ذَهَبَ القضاءُ بحيلة الأَقوامِ
فقال: أمّا إذا اعتزمتَ على هذا فخار الله لك؛ واحفظْ عني واحدة؛ إذا دخلتَ عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك، وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه (١).
قالوا: قال أبو أيوب: فدخلتُ يومًا على أبي جعفر وهو في خِباء شَعر بالرومية جالسًا على مُصلَّى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم فرمى به إليّ فقرأته، ثم قال: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنَّه، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون! طلبتُ الكتابة حتى إذا بلغتُ غايتها فصرتُ كاتبًا للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى أنا إن قُتِل يرضى أصحابُه بقتله، ولا يدَعُون هذا حيًّا؛ ولا أحدًا ممن هو بسبيل منه، وامتنع مني النوم، ثم قلتُ: لعلّ الرّجل يقدَم وهو
стр. 1691
اآمن؛ فإن كان آمنًا فعسى أن ينال ما يريد؛ وإن قدم وهو حَذِر لم يقدر عليه إلا في شرّ، فلو التمست حيلة! فأرسلتُ إلى سلمة بن سعيد بن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: إن وليتُك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق؛ تدخل معك حاتم بن أبي سليمان أخي؟ قال: نعم، فقلت -وأردت أن يطلع ولا ينكر: وتجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: إنّ كَسْكَر كالت عامَ أوّل كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أوّل؛ فإن دفعتُها إليك بقَبالتها عامًا أوّل أو بالأمانة أصبتَ ما تضيق به ذرعًا، قال: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه وتكلمه غدًا، وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولّاها أنت بما كانت في العام الأوّل؛ فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولِّيَه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟ قلتُ: أنا أستأذن لك؛ ودخلت إلى أبي جعفر؛ فحدثته الحديث كله، قال: فادع سلمَة، فدعوته، فقال: إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فقد أذنتُ لك، فأقرئه السلام، وأعلمه بشوقنا إليه، فخرج سلمة فلقيه، فقال: أميرُ المؤمنين أحسنُ الناس فيك رأيًا، فطابت نفسه؛ وكان قبل ذلك كئيبًا.
فلما قدم عليه سلمة سرّه ما أخبره به وصدّقه، ولم يزل مسرورًا حتى قدم.
قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمَر أميرُ المؤمنين الناس فتلقوْه؛ فلما كان عشية قدم، دخلت على أمير المؤمنين وهو في خِباء على مصلَّى، فقلت: هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقتله حين أنظر إليه، قلت: أنشدك الله؛ إنه يدخل معه الناس؛ وقد علموا ما صنع؛ فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف؛ فإذا غدا عليك رأيت رأيك، وما أردتُ بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي عليه وعلينا جميعًا من أصحاب أبي مسلم، فدخل عليه من عشيته
стр. 1692
وسلم، وقام قائمًا بين يديه، فقال: انصرف يا عبدَ الرحمن فأرحْ نفسك، وادخل الحمام؛ فإن للسفر قشَفًا، ثم اغدُ عليَّ، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس، قال: فافْتَرى عليّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم؛ وقال: متى أقدر على مثل هذه الحالة منه التي رأيته قائمًا على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي! فانصرفت وأصبحت غاديًا عليه؛ فلما رآني قال: يا بن اللخناء، لا مرحبًا بك! أنك منعتَني منه أمسِ؛ والله ما غمضتُ الليلة، ثم شتمني حتى خفتُ أن يأمر بقتلي، ثم قال: ادع لي عثمان بن نَهيك، فدعوتُه، فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدُك، والله لو أمرتَني أن أتّكِيء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت إن أمرتُك بقتل أبي مسلم؟ فوجَم ساعةً لا يتكلم، فقلت: مالك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله؛ قال: انطلِق فجيء بأربعة من وجوه الحرس جُلْد، فمضى؛ فلما كان عند الرّواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان؛ ارجع؛ فرجع، قال: اجلس؛ وأرسِلْ إلى مَنْ تثق به من الحرس، فأحضرْ منهم أربعة، فقال لوصيف له انطلق: فادعْ شبيب بن واج، وادعُ أبا حنيفة ورجلين آخرين؛ فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحوًا مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خَلْف الرواق؛ فإذا صفَّقت فاخرجوا فاقتلوه.
وأرسل إلى أبي مسلم رسلًا بعضهم على إثر بعض، فقالوا: قد ركب، وأتاه وصيف، فقال: أتى عيسى بن موسى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ألا أخرج فأطوف في العسكر، فأنظر ما يقول الناس؟ هل ظن أحد ظَنًّا، أو تكلم أحد بشيء؟ قال: بلى، فخرجتُ وتلقاني أبو مسلم داخلًا، فتبسّم وسلمت عليه ودخل، فرجعت؛ فإذا هو منبطحٌ لم ينتظر به رجوعي، وجاء أبو الجهم، فلما رآه مقتولًا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبلت على أبي الجهم، فقلت له: أمرتَه بقتله حين خالف، حتى إذا قُتِل قلتَ هذه المقالة! فنبّهت به رجلًا غافلًا،
стр. 1693
فتكلم كلام أصلح ما جاءَ منه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ ألا أردّ الناس؟ قال: بلى، قال: فمرْ بمتاع يحوّل إلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرُش فأخرجت؛ كأنه يريد أن يهييّء له رواق آخر، وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقَل فظنوه صادقًا، فانصرفوا ثم راحوا، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم، وأعطى أبا إسحاق مئة ألف.
قال أبو أيوب: قال لي أمير المؤمنين: دخل عليّ أبو مسلم فعاتبتُه ثم شتمتُه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئًا، وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو والسيوف قد اعتورتْك! وقلت: اذبحوه، فذبحوه (١).
[ذكر خروج سنباذ للطلب بدم أبي مسلم ثم قتله] وفيها خرج سُنباذ يطالب بدم أبي مسلم (١)
خروج ملبد بن حرملة الشيباني (٢).
стр. 1697
وحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقديّ وغيره؛ وهو على الموصل.
وكان على المدينة زياد بن عبيد الله، والعباس بن عبد الله بن معبد على مكة، ومات العباس عند انقضاء الموسم؛ فضمّ إسماعيل عمله إلى زياد بن عبيد الله؛ فأقرَّه عليها أبو جعفر.
وكان على الكوفة في هذه السنة عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عمر بن عامر السَّلميّ، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم، وعلى الجزيرة حُميد بن قَحْطبة، وعلى مصر صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١).
* * *
стр. 1698
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
فما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة وقهرًا لأهلها وهدمه سورها، وعفوه عمّن فيها من المقاتلة ومنها غزو العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس -في قول الواقدي- الصائفة مع صالح بن علي بن عبد الله، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، وخرج معهم عيسى بن علي بن عبد الله فوصله أيضًا بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن علي ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية.
وقد قيل: إن خروج صالح والعباس إلى ملطية للغزو كان في سنة تسع وثلاثين ومئة (١).
وفي هذه السنة بايع عبد الله بن علي لأبي جعفر وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن عليّ.
стр. 1699
[ذكر خلع جمهور بن مرّار بن منصور] وفيها خلع جمهور بن مرار العجلي المنصور (١) [ذكر خبر قتل ملبد الخارجي]
وفي هذه السنة قتل ملبد الخارجي (٢).
وحج بالناس في هذه السنة الفضْل بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقدي وغيره، وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من الشأم حاجًّا، فأدركته ولايته على الموسم والحجّ بالناس في الطريق، فمرّ بالمدينة فأحرم منها.
وزياد بن عبيد الله على المدينة ومكة والطائف، وعلى الكوفة وسوادها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وأبو داود خالد بن إبراهيم على خراسان، وعلى مصر صالح بن عليّ (٣).
* * *
стр. 1700
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة
وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهراني. وفيها عزل سليمان بن علي عن ولاية البصرة (١) وعما كان إليه من أعمالها- وقد قيل: إنه عزل عن ذلك في سنة أربعين ومئة.
وفيها ولّى المنصور ما كان إلى سليمان بن علي من عمل البصرة سفيان بن معاوية وذلك فيما قيل يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان.
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس (٢) بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد الله الحارثي وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم (٣).
* * *
стр. 1701
ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
[ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار] (١)
وفيها خرج أبو جعفر حاجًّا فأحرم من الحيرة ثم رجع بعدما قضى حجته إلى المدينة فتوجه منها إلى بيت المقدس (٢).
وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان فإن عاملها كان عبد الجبار (٣).
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه] (٤)
وفي هذه السنة فُرغ من بناء المصيصة على يدي جبرائيل بن يحيى الخراساني (٥).
стр. 1702
ورابط محمد بن إبراهيم الإمام بمَلطْية:
واختلفوا في أمر عبد الجبار وخبره، فقال الواقديّ: كان ذلك في سنة ثنتين وأربعين ومئة، وقال غيره: كان ذلك في سنة إحدى وأربعين ومئة (١).
وذكر عن عليّ بن محمد أنه قال: كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر خلوْن من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئة، ويقال لأربع عشرة ليلة، وكانت هزيمته يوم السبت لستّ خلوْن من ربيع الأول سنة ثنتين وأربعين ومئة (٢).
وذكر عن أحمد بن الحارث، أن خليفة بن خياط حدّثه، قال: لما وجّه المنصور المهديَّ إلى الريّ -وذلك قبل بناء بغداد؛ وكان توجيهه إياه لقتال عبد الجبار بن عبد الرحمن، فكفى المهديّ أمْرَ عبد الجبار بمن حاربه وظفر به- كرِه أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهديّ؛ فكتب إليه أن يغزوَ طبَرستان، وينزل الريّ، ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ؛ وكان الأصبهبذ يومئذ محاربًا للمصمُغان ملك دُنباوند معسكرًا بإزائه؛ فبلغه أن الجنودَ دخلت بلاده، وأن أبا الخصيب دخل سارِية، فساء المصمُغان ذلك، وقال له: متى صاروا إليك صاروا إليّ؛ فاجتمعا على محاربة المسلمين؛ فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده، فحارب المسلمين، وطالت تلك الحروب، فوجّه أبو جعفر عمر بن العلاء الذي يقول فيه بشار:
فقُلْ للخليفة إنْ جئتَهُ ... نَصيحًا ولا خَيرَ في المُتَّهَمْ
إذا أَيقَظتْك حُرُوبُ العِدا ... فَنبِّهْ لها عُمَرًا ثمّ نَمْ
فَتىً لا يَنامُ على دِمْنَةٍ ... ولا يَشْرَبُ الماءَ إلا بِدمْ
وكان توجيهه إياه بمشورة أبْرويز أخي المصمُغان، فإنه قال له: يا أمير
стр. 1703
المؤمنين؛ إن عمر أعلم الناس ببلاد طَبَرِستان، فوجَهه؛ وكان أبرويز قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الروانديّة فضمّ إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة، فدخل الرُّويان ففتحها، وأخذ قَلْعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب، فألحّ خازم على القتال، ففتح طبَرستان، وقتل منهم فأكثر، وصار الأصبهبذ إلى قلعته، وطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره، فكتب المهديّ بذلك إلى أبي جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلى وعدّة معه، فأحصوْا ما في الحِصْن وانصرفوا، وبدا للأصبهبذ، فدخل بلاد جِيلان من الدَّيلم، فمات بها؛ وأخذِت ابنته -وهي أمّ إبراهيم بن العباس بن محمد- وصمدت الجنود للمصمُغان؛ فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهديّ، وبصيمر أم ولد عليّ بن رَيطة بنت المصمُغان، فهذا فتح طبرستان الأول.
قال: ولما مات المصمُغان تحوّز أهل ذلك الجبل فصاروا حَوْزيّة لأنهم توحّشوا كما توحّش حمر الوحش (١).
وعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكيّ من أهل خراسان (٢).
* * *
стр. 1704
وفيها تُوفِّيَ موسى بن كعب؛ وهو على شُرَطِ المنصور، وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه.
وفيها عُزل موسى بن كعب عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث ثم عزل عنها، ووليها نَوْفل بن الفُرات.
وحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على قِنَّسرين وحمص ودمشق، وعلى المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى خُراسان المهديّ، وخليفته عليها السريّ بن عبد الله، وعلى مصر نَوْفل بن الفرات (١).
* * *
стр. 1705
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر نكث إصبهبذ طبرستان العهد]
وفي هذه السنة نقض إصبهبذ طَبَرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين.
* ذكر المخبر عن أمره وأمر المسلمين:
ذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الإصبهبذ وما فعل بالمسلمين، وجّه إليه خازم بن خزيمة وروْح بن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى أبي جعفر، فأقاموا على حصنِه محاصرين له ولمن معه في حصنه، وهم يقاتلونهم حتى طال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي؛ ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن فقال له: إني رُكِب مني أمرٌ عظيم؛ ضُرِبتُ وحُلِق رأسي ولحيتي، وقال له: إنما فعلوا ذلك في تهمةٍ منهم لي أن يكون هواي معك، وأخبره أنه معه، وأنه دليل له على عورة عسكرهم، فقبل منه ذلك الإصبهبذ، وجعله في خاصّتِه وألطفه؛ وكان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال، وتضعه عند فتحه وإغلاقه؛ وكان قد وكّل به الإصبهبذ ثقاتٍ أصحابه، وجعل ذلك نُوَبًا بينهم، فقال له أبوالخطيب: ما أراك وثقت بي، ولا قبلت نصيحتي! قال: وكيف ظننتَ ذلك؟ قال: لتركك الاستعانة بي فيما يعينك، وتوكيلي فيما لا تثق به إلا بثقاتك؛ فجعل يستعين به بعد ذلك، فيرى منه ما يحبّ إلى أن وثق به، فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته وإغلاقه؛ فتولَّى له ذلك حتى أنس به، ثم كتب أبو الخصيب إلى رَوْح بن حاتم وخازم بن خزيمة، وصيّر الكتاب في نُشّابة، ورماها إليهم، وأعلمهم أن قد ظفر
стр. 1706
بالحيلة، ووعدهم ليلة، سمّاها لهم في فتح الباب، فلما كان في تلك الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، وسبَوا الذراريّ، وظُفر بالبحتريّة، وهي أم منصور بن المهدي، وأمّها باكند بنت الإصبهبذ الأصمّ -وليس بالإصبهبذ الملك؛ ذاك أخو باكند- وظفر بشَكْلة أم إبراهيم بن المهديّ، وهي بنت خونادان قَهرمان المصمُغان، فمصّ الإصبهبذ خاتمًا له فيه سمّ فقتل نفسه، وقد قيل: إن دخول رَوح بن حاتم وخازم بن خزيمة طَبَرستان كان في سنة ثلاث وأربعين ومئة (١).
وفي هذه السنة بني المنصور لأهل البصرة قبْلتهم التي يصلون إليها في عيدهم بالحمّان، وولى بناءه سلمة بن سعيد بن جابر، وهو يومئذ على الفُرات والأبُلَّة من قِبَل أبي جعفر، وصام أبو جعفر شهر رمضان، وصلى بها يوم الفطر (٢).
وفيها تُوُفّي سليمان بن عليّ بن عبد الله بالبَصْرة ليلة السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلّى عليه عبد الصمد بن عليّ (٣).
وفيها عُزِل عن مصر نوفل بن الفرات، ووليها محمد بن الأشعث، ثم عُزل
стр. 1707
عنها محمد ووليها نوفل بن الفرات، ثم عزل نَوْفل ووليها حميد بن قحطبة (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢) وكان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر حميد بن قحطبة (٣).
وفيها -في قول الواقدي- ولَّى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة والثغور وضمّ إليه عدّة من القوّاد، فلم يزل بها حينًا (٣).
* * *
стр. 1708
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[غزو الدّيلم]
ففي هذه السنة ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم.
* ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الدّيلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة عظيمة، فوجّه إلى البصرة حبيب بن عبد الله بن رغبان، وعليها يومئذ إسماعيل بن عليّ، وأمره بإحصاء كل مَنْ له فيها عشرة آلاف درهم فصاعدًا، وأن يأخذ كلّ من كان ذلك له بالشخوص بنفسه لجهاد الدّيلم، ووجّه آخر لمثل ذلك إلى الكوفة (١)،
[عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف]
وفيها عُزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، ووليَ ما كان إليه من ذلك السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، وأتى السريّ عهده على ذلك وهو باليمامة، فسار إلى مكة، ووجّه أبو جعفر إلى اليمامة قُثَم بن العباس بن عبد الله بن عباس (٢).
стр. 1709
[عزل حميد بن قحطبة عن مصر]
وفيها عُزل حُميد بن قحطبة عن مصر، ووليَها نوفل بن الفرات، ثم عزل نوفل ووليَها يزيد بن حاتم.
وحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبيد الله بن عباس، وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها (١).
وكان والي مكة فيها السري بن عبد الله بن الحارث، ووالي البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).
* * *
стр. 1710
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث .
وفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم بن خزيمة (١).
[ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن]
وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر رياح بن عثمان المري المدينة وعزل محمد بن خالد بن عبد الله القسري عنها (٢).
* * *
стр. 1711
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وخروج أخيه إبراهيم بن عبد الله بعده بالبصرة ومقتلهما (١).
قال أبو زيد: حدثني عبيد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي قال رحل محمد وإبراهيم بن أبي جعفر فأتيا عدن ثم سارا إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة (١).
قال: وحدثني الفضل بن دكين أبو نعيم قال: حبس من بني حسن ثلاثة عشر رجلًا وحبس معهم العثماني وابنان له في قصر ابن هبيرة، وكان في شرقي الكوفة مما يلي بغداد فكان أوّل من مات منهم إبراهيم بن حسن ثم عبد الله بن حسن فدفن قريبًا من حيث مات وإلا يكن بالقبر الذي يزعم الناس أنه قبره، فهو قريب منه.
وكان والي مكة في هذه السنة السري بن عبد الله ووالي المدينة رياح بن عثمان المرّي، ووالي الكوفة عيسى بن موسى ووالي البصرة سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوّار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).
* * *
стр. 1715
وحدثني عبد الملك بن قريب الأصمعي قال رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس متقلدًا سيفًا فقال لي يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار؟ قلت بلى جعلني الله فداك قال: استل سيفي فاستللته فرأيت فيه ثمان عشرة فقارة (١).
وفي هذه السنة استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثير بن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن، فمكث واليًا عليها شهرًا ثم قدم عبد الله بن الربيع الحارثي واليًا عليها من قبل أبي جعفر المنصور (٢).
وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع فهرب منهم (٣)
قال وحدثني عثامة بن عمرو السهمي قال: حدثني المسور بن عبد الملك قال لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبي سبرة وكان جاء بجباية طيئ وأسد فدفعهما إلى محمد؛ أشفق القرشيون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع خرج ابن أبي سبرة من السجن فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلّي بالناس حتى رجع ابن الربيع (٤).
стр. 1716
قال: وحدثني محمد بن يحيى قال حدثني الحارث بن إسحاق قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد علمه حتى أتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران
стр. 1717
ومحمد بن عبد العزيز، وغيرهما فاجتمعوا عنده، فقال أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت فوالله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى؛ إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم فأنشدكم الله إلا ذهبتم إليهم فكلمتموهم! فكلموهم فقالوا مرحبًا بكم يا موالينا والله ما قمنا إلا أنفة لكم مما عمل بكم فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد (١).
[ذكر الخبر عن بناء مدينة بغداد]
وفي هذه السنة أسست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها (١).
وذكر عن السري عن سليمان بن مجالد أن المنصور وجّه في حشر الصناع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا وأمر باختيار قومٍ من ذوي الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن أحضر لذلك: الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأمر بخط
стр. 1718
المدينة وحفر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر فبدئ بذلك وكان أول ما ابتدئ به في عملها سنة خمس وأربعين ومئة (١).
[ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله]
وفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله بن حسن بالبصرة فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضًا (١).
ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان، فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي: قال لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى عدن فخافا بها وركبا البحر حتى صارا إلى السند فسعي بهما إلى عمر بن حفص فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر (٢).
وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن نوح الضبعي ابن ابنة أبي الساج الضبعي حدثه قال: حدثتني منة بنت أبي المنهال قالت نزل إبراهيم في الحي من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى وكان لا يرى بالنهار، وكان معه أم ولد له فكنت أتحدث إليها ولا ندري من هم حتى ظهر فأتيتها فقلت إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي، لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين، مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالحجاز ومرة باليمن (٣).
قال وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد (٤).
стр. 1719
وحدثني علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلُبس الثياب السود حتى البقالين، إن أحدهم ليصبغ الثوب بالأنفاس ثم يلبسه (١).
وحدثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص قال حدثني جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بني يزيد بن أبي حاتم، أتى سفيان معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال ادفع إليّ فوارس آتك بإبراهيم وبرأسه قال: أو مالك عمل! ! اذهب إلى عملك قال فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر (١).
وحدثني خالد بن خداش قال سمعت عدة من الأزد يحدثون عن جابر بن عماد وكان على شرطة سفيان -أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إني مررت في مقبرة بني يشكر فصيّحوا بي ورموني بالحجارة فقال له: أما كان لك طريق (٢)!
وحدثني أبو عمر الحوضي حفص بن عمر قال: مرّ عاقب صاحب شرطة سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم في مقبرة بني يشكر، فقيل له هذا إبراهيم يريد الخروج فقال كذبتم ولم يصرّح على ذلك (٣).
стр. 1720
اختلف في وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض: كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة خمس وأربعين ومئة (١).
قال سليمان بن أبي شيخ: حدثني أبو الصعدي قال: أتانا هارون بن سعد العجلي من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة الطهوي وكان معه ممن يشبه الطهوي في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبي، وكان شجاعًا وكان ممن قدم به -أو قدم عليه- عبدويه كروام الخراساني، وكان من فرسانهم صدقة بن بكار وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت فوجَّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف في قول بعضهم وقال بعضهم في عشرين ألفًا، وكانت بينهم وقعات (٢).