قال: وحدثني محمد بن يحيى قال حدثني الحارث بن إسحاق قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد علمه حتى أتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران
стр. 1717
ومحمد بن عبد العزيز، وغيرهما فاجتمعوا عنده، فقال أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت فوالله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى؛ إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم فأنشدكم الله إلا ذهبتم إليهم فكلمتموهم! فكلموهم فقالوا مرحبًا بكم يا موالينا والله ما قمنا إلا أنفة لكم مما عمل بكم فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد (١).
[ذكر الخبر عن بناء مدينة بغداد]
وفي هذه السنة أسست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها (١).
وذكر عن السري عن سليمان بن مجالد أن المنصور وجّه في حشر الصناع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا وأمر باختيار قومٍ من ذوي الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن أحضر لذلك: الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأمر بخط
стр. 1718
المدينة وحفر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر فبدئ بذلك وكان أول ما ابتدئ به في عملها سنة خمس وأربعين ومئة (١).
[ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله]
وفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله بن حسن بالبصرة فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضًا (١).
ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان، فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي: قال لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى عدن فخافا بها وركبا البحر حتى صارا إلى السند فسعي بهما إلى عمر بن حفص فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر (٢).
وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن نوح الضبعي ابن ابنة أبي الساج الضبعي حدثه قال: حدثتني منة بنت أبي المنهال قالت نزل إبراهيم في الحي من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى وكان لا يرى بالنهار، وكان معه أم ولد له فكنت أتحدث إليها ولا ندري من هم حتى ظهر فأتيتها فقلت إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي، لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين، مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالحجاز ومرة باليمن (٣).
قال وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد (٤).
стр. 1719
وحدثني علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلُبس الثياب السود حتى البقالين، إن أحدهم ليصبغ الثوب بالأنفاس ثم يلبسه (١).
وحدثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص قال حدثني جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بني يزيد بن أبي حاتم، أتى سفيان معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال ادفع إليّ فوارس آتك بإبراهيم وبرأسه قال: أو مالك عمل! ! اذهب إلى عملك قال فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر (١).
وحدثني خالد بن خداش قال سمعت عدة من الأزد يحدثون عن جابر بن عماد وكان على شرطة سفيان -أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إني مررت في مقبرة بني يشكر فصيّحوا بي ورموني بالحجارة فقال له: أما كان لك طريق (٢)!
وحدثني أبو عمر الحوضي حفص بن عمر قال: مرّ عاقب صاحب شرطة سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم في مقبرة بني يشكر، فقيل له هذا إبراهيم يريد الخروج فقال كذبتم ولم يصرّح على ذلك (٣).
стр. 1720
اختلف في وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض: كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة خمس وأربعين ومئة (١).
قال سليمان بن أبي شيخ: حدثني أبو الصعدي قال: أتانا هارون بن سعد العجلي من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة الطهوي وكان معه ممن يشبه الطهوي في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبي، وكان شجاعًا وكان ممن قدم به -أو قدم عليه- عبدويه كروام الخراساني، وكان من فرسانهم صدقة بن بكار وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت فوجَّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف في قول بعضهم وقال بعضهم في عشرين ألفًا، وكانت بينهم وقعات (٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب وكان عامل أبي جعفر على مكة وكان والي المدينة في هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثي ووالي الكوفة وأراضيها عيسى بن موسى، ووالي البصرة سلم بن قتيبة الباهلي وكان على قضائها عباد بن منصور وعلى مصر يزيد بن حاتم (١).
* * *
стр. 1724
ثم دخلت سنة ست رأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[خبر استتمام بناء بغداد وتحوّل أبي جعفر إليها]
فمما كان فيها من ذلك استتمام أبي جعفر مدينة بغداد. ذكر محمد بن عمر أن أبا جعفر تحوّل من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد في صفر سنة ستّ وأربعين ومئة فنزلها وبنى مدينتها (١).
ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها .
قد ذكرنا قبلُ السبب الباعث لأبي جعفر علي بنائها والسبب الذي من أجله اختار البقعة التي بنى فيها مدينته ونذكر الآن صفة بنائه إياها (٢).
стр. 1725
[ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة]
وغزا الصائفة في هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني (١).
وفي هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة وولّاها محمد بن سليمان بن علي (٢).
وفي هذه السنة عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع وولَّى مكانه جعفر بن سليمان فقدمها في شهر ربيع الأول.
وعزل أيضًا في هذه السنة عن مكة السري بن عبد الله ووليها عبد الصمد بن علي وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس كذلك قال محمد بن عمر وغيره (٣).
* * *
стр. 1726
المنصور- المهدي- الهادي- الرشيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قراءة "فتثبتوا" [الحجرات: ٦].
في هذه الآية أصل عظيم من الأصول التي اعتمدها أئمة الحديث - فإن كان الرجل المعروف في ذلك الوقت ... لا يؤخذ بخبَره لأنه فاسق؛ فكيف تعتمد على مجهول العين حين يرويَ لنا خبرًا يتهم فيه أئمة أهل البيت أو خليفة المسلمين بشربِ الخمر وما إلى ذلك؟
ولو كان الأمر متوقفًا عند هذا الحدّ لكان الأمر أهون ولكن مجهول العين هذا يروي عن مجهول الحال مثلًا (كاتب لصاحب الخراج وما إلى ذلك اسمه فلان من البلدة الفلانية).
وبالأسانيد (المسلسلة بمجاهيل العين والحال) جاءت الأخبار في اتهام الخلفاء بتهم لا تصح ولم تثبت من طريق ولو ضعيف وقد تبيّن لي من خلال تخريجي للروايات التأريخية المتعلقة بهذه المرحلة الهامة من تأريخ الخلافة أن الخليفة المهدي والهادي وهارون الرشيد وغيرهم. بريئون من كل تلك التهم والأباطيل من اللهو والشرب وما إلى ذلك وبالأخص فإن المهدي والرشيد كانا قد قضيا مدة حكمهما بين غزوٍ وحجّ وتثبيت لأركان الخلافة ولم أجد ما يؤخذ عليهما (في سيرة حكمهما). سوى ما ابتدعاه من البحبحة في الإنفاق وإن كنت لم أجد من بين تلك الروايات ما هو صحيح السند في تثبيت إسرافهم في الإِنفاق على
стр. 1727
الشعراء والأدباء إلّا أن التساهل في قبول الرواية التأريخية وكثرة الروايات الضعيفة في ذلك تشير إلى أصل المسألة وذلك غير موافق لأصول السياسة الشرعية ونصوصها وسنبيّن ذلك أكثر عند ذكرنا لسيرة المهدي وكذلك الرشيد إن شاء الله تعالى. بالإضافة إلى قتل جعفر البرمكي وغير ذلك من المظالم التي سنذكرها في حينها.
وقد أُمرنا أن لا نبخس الناس أشياءهم فنذكر المحاسن كما المساويء وكفى بالمرء فضلًا أن تُعَدَّ معايبه.
ولعلّ أول من تنبّه للتشويه التأريخي الحاصل لسير خلفاء بني العباس هو العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى:
فبعد أن تحدّث عن نقد الأسانيد والمتون التأريخية وعرضها على موازين معينة لمعرفة صدقها من كذبها سرد بعض الأمثلة عن التزوير والتشويه للروايات التأريخية ومنها ردّه للروايات التأريخية المكذوبة التي تتهم جزافًا الخليفة العباسي المجاهد هارون الرشيد بشرب الخمر، يقول ابن خلدون: وأما ما تموّه به الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر، واقتران سكره بسكر الندمان فحاش لله "ما علمنا عليه من سوء". وأين هذا من حال الرّشيد، وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري، ومكاتبته سفيان الثوري، وبكائه من مواعظهم، ودعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها.
ويستطرد قائلًا: إن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته، ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع.
وأيضًا فقد كان من العلم والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين
стр. 1728
لذلك ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن، إنما خلفه غلامًا. وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها. وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطّأ: "يا أبا عبد الله إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابًا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، ووطئه للناس توطئة" قال مالك: "فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ". [مقدمة ابن خلدون: ٤٥ - ٤٦].
قلت وَرَدُّ ابن خلدون لهذه الأخبار من باب نقد المتون وبيان ما فيها من نكارات -أما نقد الأسانيد (أو النقد من الخارج) فقد بيّناه في مواضعه من تأريخ الطبري وبيّنَّا، عدم صحة هذه الروايات إسنادًا ناهيك عن هشاشة متونها كما بين ابن خلدون وكما سنبيّن في مواضعه إن شاء الله، والله الموفق.
ولكي نكون منصفين فإننا نقول من خلال تحقيقنا لمئات الروايات التأريخية من تأريخ الطبري وجدنا الآتي:
انبرى كثير من الخلفاء -سواء بسواء من بني أمية أو من بني العباس- (وهم من آل بيت رسول الله ﷺ ) - أقول انبرى هؤلاء لمحاربة أهل البدع الداعين إلى بدعهم والزنادقة والملاحدة وبالمقابل انبرى أهل الباع فوضعوا روايات مختلقة في مثالبهم أو بحثوا في سيرهم فجعلوا من الحبة قبة وسنضرب مثلًا يتعلق بخلفاء بني العباس. فقد عرف المهدي. بعدائه لأهل الأهواء والبدع وعُرِف عنه بسخائه وكثرة عطائه بل إنه -إذا صح التعبير- هو الخليفة العباسي الذي بدأ بما يسمى البحبحة في الإنفاق فأبوه المنصور كان حريصًا حرصًا شديدًا على المال العام وكذلك كان المهدي إلّا أنه بدأ ينفق على العلماء والفقهاء ثم منح بعض الشعراء المداحين جوائز سخية -فبدأ الوضاعون باستغلال ذلك والمبالغة في وصف عطايا المهدي حتى ذكروا أعدادًا خيالية غير واقعية، ولكن عوار هذه الروايات تظهر بمجرد دراسة متأنية للأسانيد، فقد أخرج الخطيب ومن طريقه ابن عساكر خبرًا
стр. 1729
عن عبد العزيز بن الماجشون أنه دخل وبعض الشعراء على المهدي وأخذوا يقولون الشعر حتى أجازهم المهدي كل واحد عشرة آلاف دينار أو يزيد وحين نرجع إلى إسناد هذه الرواية [تأريخ بغداد / ٥/ ٣٩٥] [وتأريخ دمشق / ٥٣/ ٤٣٢] نجد في الإسناد طامات -فهو من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي الذي قال الدارقطني فيه: ليس بالقوي يأتي بالمعضلات / ميزان / تر ٥٨٧] وفيه أيضًا عبد الملك بن عبد العزيز الذي ضعفه أكثر أئمة الجرح والتعديل [تحرير تقريب / تر ٢١٩٥] فكيف نصدق بأنه أنفق هذه المبالغ السخية من طريق راوٍ يأتي بالطامات؟ -والحمد لله على نعمة الإسناد- وسنتطرق إلى هذه المسألة كرة أخرى عند الحديث عن سيرة المهدي إن شاء الله تعالى. ولا بأس أن نذكر هنا بعض النقاط الهامة فيما يتعلق بالمنهج الذي اتبعناه في تخريجنا لروايات الطبري التأريخية للفترة الممتدة من سنة (١٤٧ هـ) وحتى (١٩٣ هـ) وإن كان فيه بعض التكرار فللتذكير فقط! .
١ - إذا حجّ الخليفة في عامٍ ما أو خرج مجاهدًا إلى الثغور فإن الجموع الغفيرة من الأمة سَتُشاهده -وإذا عيّن واليًا على العراق أو الشام- مثلًا، أو قاضيًا للمدينة -فإن الأمرَ معاين بل معروف ومشهور فالناس في مصر أو العراق أو الحجاز يرون يوميًا واليهم أو قاضيهم ومثل هذه الأمور نذكرها في قسم الصحيح إذا اتفق مؤرخان من المؤرخين الثقات المتقدمين المعروفين بعدم انحيازهم إلى فئة معينة (أي لا تتأئر مروياتهم بأهل البدع والأهواء) - فإذا قال الطبري أن الخليفة العباسي حجّ في سنة كذا ووافقه البسوي أو خليفة أو كلاهما ذكرنا الخبر في قسم الصحيح وكذلك أمر الصائفة والتولية والعزل ... إلخ.
٢ - أما إذا دخل رجل على الخليفة ودار بينهما حوار ولم يكن معهما إلا وزير أو حاجب والله رابعهما احتجنا إلى طريق مسند موصول صحيح أو حسن أو من مظان الحسن أو من طرق متعددة ضعيفة ولكنها تتعاضد ببعضها كي نثبت الخبر
стр. 1730
في قسم الصحيح- وإلّا كيف نقبل اتهامًا بالفساد معا إلى ذلك من طريق منقطع مسلسل بالمجاهيل؟ ؟ ! !
٣ - في حالتين نادرتين. لم نجد ما يؤيد أخبار الطبري لا عند البسوي ولا عند خليفة (وهما مؤرخان ثقتان متقدمان يتبعان النظام الحولي في تأريخهما كما عند الطبري) - فأعاننا الله بتوفيقه وكرمه في الموضعين بمصدرين كالآتي:
أ- لقد أيَّد أبو حنيفة الدينوري (٢٨٢ هـ) وهو مؤرخ صدوق ما ذكره الطبري من شُخوص الرشيد إلى الري سنة (١٨٩ هـ) ومسيره إلى خراسان سنة (١٩١) أو (١٩٢) فذكرنا خبري الطبري في قسم الصحيح.
ب- لم نجد ما يؤيد الطبري عند حديثه عن نقض الروم لصلحهم مع المسلمين سنة (١٦٧ هـ) لا عند البسوي ولا خليفة ولا الدينوري ولو تركنا الخبر لم نجد من أحداث سنة (١٦٧ هـ) سوى خبر الحج فاضطررنا إلى الاستعانة بكتاب المنتظم لابن الجوزي وهو مؤرخ ثقة ولكنه ليس متقدمًا ولكنه يتبع النظام الحولي في كتابة التأريخ ويتبع أسلوب الإسناد أحيانًا كثيرة وهي المرة الوحيدة التي استشهدنا بكتابه منعًا لحدوث فراغ في كتابة التأريخ والله أعلم.
وللمزيد عن منهج هذا التحقيق راجع مقدمتنا في المجلد السابق قسم الصحيح والله المستعان.
* * *
стр. 1731
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ذكر الأخبار عن الأحداث التي كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك إغارة استرخان الخوارزميّ في جَمْع من الترك على المسلمين بناحية إرمينية وسبيُه من المسلمين وأهلِ الذّمة خلقًا كثيرًا، ودخولُهم تفليس، وقتلهم حرب بن عبد الله الراونديّ الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان حربٌ هذا -فيما ذُكِر- مقيمًا بالموصل في ألفين من الجُنْد، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة. وكان أبو جعفر حين بلغه تحزّب الترك فيما هناك وجّه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، وكتب إلى حرب يأمره بالمسير معه؛ فسار معه حَرْب، فَقُتِلَ حرب وهُزم جبرئيل، وأصيب من المسلمين من ذكرت (١).
[ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن عليّ بن عباس] (٢)
[ذكر خبر البيعة للمهديّ وخلع عيسى بن موسى]
وفي هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهديّ، وجعله وليّ عهد من بعده، وقال بعضهم: ثم مِنْ بعده عيسى بن موسى (٣).
стр. 1732
وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة؛ حتى عزله المنصور، واستعمل محمد بن سليمان بن عليّ حين امتنع من تقديم المهديّ على نفسه.
وقيل: إنّ المنصور إنما ولّى محمد بن سليمان الكوفة حين ولّاه إياها ليستخفّ بعيسى؛ فلم يفعل ذلك محمد، ولم يزل معظمًا له مبجّلًا (١).
وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر محمد بن أبي العباس -ابن أخيه- البَصْرة فاستعفى منها فأعفاه، فانصرف عنها إلى مدينة السلام، فمات بها، فصرخت امرأته البغوم بنت عليّ بن الربيع: واقتيلاه! فضربها رجل من الحَرس بجلويز على عَجيزتها، فتعاوره خدمٌ لمحمد بن أبي العباس فقتلوه! فطُلّ دمه. وكان محمد بن أبي العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عُقبْة بن سلم، فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة إحدى وخمسين ومائة (٢).
стр. 1733
وحجّ بالناس في هذه السنة المنصور (١).
وكان عامله فيها على مكة والطائف عمّه عبد الصمد بن عليّ. وعلى المدينة جعفر بن سليمان. وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان. وعلى البصرة عُقْبة بن سلم. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله. وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).
* * *
стр. 1734
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك توجيه المنصور حُميد بن قحطبة إلى إرمينية لحرب الترك الذين قَتلوا حَربْ بن عبد الله، وعاثوا بتَفْليسَ، فسار حُميد إلى إرمينية، فوجدهم قد ارتحلوا، فانصرف ولم يلق منهم أحدًا (١).
وفي هذه السنة عسكر صالح بن عليّ بدابق -فيما ذكر- ولم يَغْزُ.
وحج بالنّاس فيها جعفر بن أبي جعفر المنصور (٢).
وكانت ولاة الأمصار في هذه السنة ولاتها في السنة التي قبلها (٣).
* * *
стр. 1735
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فَمِمّا كان فيها من ذلك غَزوة العباس بن محمد الصائفَة أرض الروم، ومعه الحسن بن قَحْطبة ومحمد بن الأشعث، فهلك محمّد بن الأشعث في الطريق (١).
وفي هذه السنة استتمَّ المنصور بناءَ سُور مدينة بغداد، وفَرَغ من خندقها وجميع أمورها (٢).
وفيها شخص إلى حديثة الموْصل، ثم انصرف إلى مدينة السلام (٣).
وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٤).
وفي هذه السنة عُزِل عبد الصمد بن عليّ عن مكة، ووليَها محمد بن إبراهيم (٥).
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها في سنة سبع
стр. 1736
وأربعين ومائة وسنة ثمان وأربعين ومائة؛ غير مكة والطائف؛ فإنّ واليهما كان في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١).
* * *
стр. 1737
ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
[ذكر خروج أستاذسيس]
فممّا كان فيها من ذلك خروج أستاذسيس في أهل هَراة وباذَغيس وسجِسْتان وغيرها من عامّة خُراسان، وساروا حتى التقوْا هم وأهل مَرْو الروذ، فخرج إليهم الأجثم المرْورُّوذِيّ في أهل مَرْو الرّوذ، فقاتلوه قتالًا شديدًا حتى قتِل الأجثم، وكثر القتل في أهل مَرْوالرّوذ، وهزم عدّة من القوّاد؛ منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرئيل بن يحيى وحمّاد بن عمرو وأبو النّجْم السِّجستانيّ وداود بن كرّاز، فوجّه المنصور وهو بالبردَان خازم ابن خزيمة إلى المهديّ؛ فولاه المهديّ محاربة أستاذ سيس، وضمّ القوّاد إليه (١).
وكتب خازم بما فتح الله عليه، وأهلك عدوّه إلى المهديّ، فكتب بذلك المهديّ إلى أمير المؤمنين المنصور (٢).
стр. 1738
وأما محمد بن عمر، فإنه ذكر أن خروج أستاذسيس والحريش كان في سنة خمسين ومائة، وأن أستاذسيس هُزم في سنة إحدى وخمسين ومائة (١).
وفي هذه السنة عزل المنصورُ جعفر بن سليمان عن المدينة، وولاها الحسن بن يزيد بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه (١).
وفيها تُوفِّيَ جعفر بن أبي جعفر المنصور، الأكبرُ بمدينة السلام، وصلى عليه أبوه المنصور، ودُفن ليلًا في مقابر قريش (٢) ولم تكن للناس في هذه السنة صائفة؛ قيل إن أبا جعفر كان ولّى الصائفة في هذه السنة أسَيدًا، فلم يدخل بالناس أرض العدّو، ونزل مرج دابِق.
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣) وكان العامل على مكة والطائف في هذه السنة عبدُ الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس -وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد- وعلى المدينة الحسن بن زيد العلويّ، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، وعلى البصرة عُقْبة بن سلم، وعلى قضائها سَوّار، وعلى مصر يزيد بن حاتم (٤).
* * *
стр. 1739
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك ما كان من إغارة الكُرْك فيها في البحر على جُدَّةَ؛ ذكر ذلك محمد بن عمر.
وفيها ولّى عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إفريقيّة، وعُزِل عن (السند) وولّى موضعه هشام بن عمرو التغلبيّ (١).
ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السِّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السِّنْد هشام بن عمرو (٢).
وفي هذه السنة قدم على المنصور ابنه المهدي من خراسان وذلك في شوال منها (٣).
стр. 1740
وفي هذه السنة جَدّد المنصور البيْعة لنفسه ولابنه محمد المهديّ من بعده، ولعيسى بن موسى من بعد المهديّ على أهل بيته في مجلسه في يوم جمعة؛ وقد عمّهم بالإذن فيه؛ فكان كلُّ مَن بايعه منهم يقبّل يده ويد المهديّ، ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبّل يده (١).
وغزا الصّائفة في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد (٢).
وزعم الواقديّ أن أبا جعفر ولّى معن بن زائدة في هذه السنة سِجسْتان (٣).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٤).
وكان العامل على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، وعلى البصرة جابر بن تَوْبة الكِلابيّ، وعلى قضائها سَوّار بن عبد الله، وعلى مِصْر يزيد بن حاتم (٥).
* * *
стр. 1741
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك كان من قَتْل الخوارج فيها معنَ بن زائدة الشيبانيّ ببُسْت سِجِسْتان (١).
وفيها غزا حُميد بن قَحْطبة كابُل، وكان المنصور ولّاه خراسان في سنة ثنتين وخمسين ومائة.
وغزا -فيما ذكر- الصائفة عبدُ الوهاب بن إبراهيم ولم يُدْرِب.
وقيل إن الذي غزا الصائفة في هذه السنة محمد بن إبراهيم (٢).
وفيها عزل المنصور جابر بن توْبة عن البصرة، وولّاها يزيد بن منصور (٣).
وفيها قتل أبو جعفر هاشم بن الأشتاخَنج، وكان عصى وخالف في إفريقيّة، فحمِل إليه هو وابن خالد المرّوروذيّ، فقتل ابن الأشتاخَنج بالقادسيّة، وهو متوجّه إلى مكة.
وحجّ بالناس في هذه السنة المنصور؛ فذكر أنه شخص من مدينة السّلام في شهر رمضان، ولا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان، وهو عامله على الكوفة
стр. 1742
يومئذ، ولا عيسى بن موسى ولا غيرهما من أهل الكوفة حتى قرُب منها (١).
وفيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر ووليها محمد بن سعيد (٢).
وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمال في السنة الخالية إلا البَصْرة فإن عاملها في هذه السنة كان يزيد بن منصور، وإلّا مِصْر فإن عاملها كان في هذه السنة محمد بن سعيد (٣).
* * *
стр. 1743
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك تَجهِيز المنصور جيشًا في البحر لحرب الكرك، بعد مقدمه البَصْرة، منصرفًا من مكة إليها بعد فراغه من حجه، وكانت الكرك أغارتْ على جُدّة، فلما قدم المنصور البصرة في هذه السنة جهز منها جيشًا لحربهم، فنزل الجسر الأكبر حين قدمها - فيما ذكر. وقدْمته هذه البصرة القَدْمة الآخرة (١).
وقيل إنه إنما قدمها القدمة الآخرة في سنة خمس وخمسين ومائة، وكانت قدمته الأولى في سنة خمس وأربعين ومائة، وأقام بها أربعين يومًا، وبنى بها قصرًا ثم انصرف منها إلى مدينة السلام (٢).
وفيها توفِّي عبيد بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضى مكانه شَرِيك بن عبد الله النّخَعِيّ (٣).
وفيها غزا الصّائفة معيوف بن يحيى الحَجوريّ، فصار إلى حصن من حصون
стр. 1744
الروم ليلًا، وأهله نيام، فسبى وأسر مَنْ كان فيه من المقاتلة، ثم صار إلى اللاذقيّة المحترقة، ففتحها وأخرج منها ستة آلاف رأس من السَّبْي سوى الرّجال البالغين (١).
وفيها ولّى المنصور بكَّارَ بن مسلم العُقيليّ على إرمينيَة (٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن أبي جعفر المهديّ (٣).
وكان على مكة والطائف يومئذ محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد بن الحسن، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى قضائها سوّار، وعلى مصر محمد بن سعيد (٤).
وذكر الواقديّ أن يزيد بن منصور كان في هذه السنة والي اليمن من قِبَل أبي جعفر المنصور (٣).
* * *
стр. 1745
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك خروجُ المنصور إلى الشام ومسيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى إفريقيّة في خمسين ألفًا -فيما ذُكِر- لحرب الخوارج الذين كانوا بها، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص. وذكر أنه أنفَق على ذلك الجيش ثلاثةً وستين ألف ألف درهم (١).
وفيها ولّى عبد الملك بن ظَبْيان النميريّ على البصرة (٢).
وغزا الصائفة في هذه السنة زُفَر بن عاصم الهلاليّ فبلغ الفرات (٣).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم، وهو عامل أبي جعفر على مكة والطائف (٤).
وكان على المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله وعلى السِّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٥).
стр. 1746
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقيّة وقتلُه أبا عاد وأبا حاتم ومَنْ كان معهما، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القَيروان (١).
وفيها وجَّه المنصور ابنَه المهديّ لبناء مدينة الرّافقة، فشخص إليها، فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسوّر سورها وخندقها، ثم انصرف إلى مدينته (٢).
وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السّلمِيّ (٣).
وفيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب (٤) وفي هذه السنة عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، في قول بعضهم، واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيِّب بن زهير (٦).
وأما عمر بن شبّة فإنه زعم أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة في سنة ثلاث وخمسين ومائة، وولّاها عمرو بن زهير الضبّيّ أخا المسيّب بن زهير في هذه السنة. قال: وهو حفر الخندق بالكوفة (٥).
وفي هذه السنة أيضًا عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة، واستعمل
стр. 1747
عليها عبد الصّمد بن عليّ، وجعل معه فُلَيْح بن سليمان مشرفًا عليه (١).
وكان على مكة والطائف محمَّد بن إبراهيم بن محمد، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٢).
* * *
стр. 1748
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
وفي هذه السنة عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها، واستعمل سوّار بن عبد الله القاضي على الصلاة، وجمع له القضاء والصّلاة. وولّى المنصور سعيد بن دعْلج شُرَط البصرة وأحداثها (١).
وفي هذه السنة غزا الصائفةَ زُفَرُ بن عاصم الهلاليّ (٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن عليّ (٣).
وكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيمًا بمدينة السلام، وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة؛ وكان إليه مع مكة الطائف. وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشُّرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعْلج، وعلى الصلاة بها والقضاء سؤار بن عبد الله، وعلى كور دِجْلة والأهواز وفارس عُمارة بن حمزة، وعلى كِرْمان والسِّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٤).
* * *
стр. 1749
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصرَه الذي على شاطئ دجلة؛ الذي يدعَى الخُلْد، وقسّم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدَقة (١).
وفيها قُتل يحيى أبو زكرياء المحتسب؛ وقد ذكرنا قبلُ سببَ قتله إياه.
وفيها حوّل المنصور الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكَرْخ وغيره من المواضع، وقد مضى أيضًا ذكرُنا سبب ذلك قبل (٢).
وفيها ولّى المنصور جعفرَ بن سليمان على البحرين، فلم يتمّ ولايته، ووجّه مكانه أميرًا عليها سعيد بن دعْلج؛ فبعث سعيد ابنَه تميمًا عليها (٣).
وفيها تُوُفِّيَ سوّار بن عبد الله وصلّى عليه ابنُ دعلج، واستعمل المنصور
стр. 1750
مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبريّ (١).
وفيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير وجرى ذلك على يد حُميد القاسم الصّيرفيّ، بأمر الربيع الحاجب (٢).
وفيها عُزِل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر، واستُعمل عليها مَطر مولى أبي جعفر المنصور (٣).
وفيها وُلّى معبد بن الخليل السِّنْد، وعُزِل عنها هشام بن عمرو، ومعبد يومئذ بخُراسان؛ كتب إليه بولايته (٤).
وغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيَد السّلميّ، ووجَّه سنانًا مولى البطّال إلى بعض الحُصون، فسبى وغنم (٥).
وقال محمد بن عمر: الذي غزا الصائفةَ في هذه السنة زُفر بن عاصم.
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٦).
قال محمد بن عمر: كان على المدينة -يعني إبراهيم هذا.
стр. 1751
وقال غيرُه: كان على المدينة في هذه السنة عبد الصمد بن عليّ، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى الأهواز وفارس عُمارة بن حمزة، وعلى كَرْمان والسِّنْد معبد بن الخليل، وعَلى مصر مَطر مولى المنصور (١).
* * *
стр. 1752
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفي هذه السنة نزل المنصور قصره الذي يعرف بالخلد (١) وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث فلقي العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا (٢).
[ذكر الخبر عن وفاة أبي جعفر المنصور] (٣)
وفيها شخص أبو جعفر من مدينة السلام، متوجهًا إلى مكة؛ وذلك في شوّال، فنزل - فيما ذكر- عند قصر عبْدوَيَهْ، فانقضّ في مقامه هنالك كوكب، لثلاث بقين من شوّال بعد إضاءة الفجر، فبقى أثرُه بَيِّنًا إلى طلوع الشمس، ثم مضى إلى الكوفة، فنزل الرُّصافة، ثم أهلّ منها بالحجّ والعُمرة، وساق معه الهدي وأشعرَه وقلَّده؛ لأيامٍ خلت من ذي القعدة. فلما سار منازل من الكوفة عرضَ له وجعه الذي توفِّيَ منه (٣).
واختلف في مبلغ سِنِّه يوم توفِّي، فقال بعضهم: كان يوم توفِّي ابن أربع وستين سنة.
وقال بعضهم: كان يومئذ ابن خمس وستين سنة.
стр. 1753
وقال بعضهم: كان يوم توفِّيَ ابن ثلاث وستين سنة.
وقال هشام بن الكلبيّ: هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة.
وقال هشام: ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يومًا.
واختُلف عن أبي معشر في ذلك، فحدثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: توفِّيَ أبو جعفر قبل يوم التروية بيوم يوم السبت، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام (١).
стр. 1754
وروى عن ابن بكَّار عنه أنه قال: إلا سبع ليال.
وقال الواقديّ: كانت ولاية أبي جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام.
وقال عمر بن شبَّة: كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين.
حجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عليّ (١).