ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحيبل (١).
وفيها ولَّى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميري (٢). وفيها عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة وولاها الفضل بن الربيع (٣).
وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدّت شوكته، وكثر تبعه، فوجَّه الرّشيد إليه يزيد بن مزيد الشيبانيّ، فراوغه يزيد، ثم لقيه وهو مغترّ فوق هيت، فقتله وجماعة كانوا معه، وتفرّق الباقون، فقال الشاعر:
وائلٌ بعضها يقتل بَعْضًا ... لا يفُلُّ الحديدَ إلَّا الحديدُ
وقالت الفارعة أخت الوليد:
أيا شجَرَ الخابورِ مالك مُورقًا ... كأَنكَ لم تجزَع على ابن طَريفِ
فَتىً لا يُحِبّ الزَّادَ إلَّا مِنَ التُّقى ... وَلا المال إلا مِن قنًا وسُيوفِ (٤)
واعتمر الرّشيد في هذه السنة في شهر رمضان، شكرًا لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف، فلمَّا قضى عمرتَه انصرف إلى المدينة، فأقام بها إلى وقت
стр. 1822
الحجّ، ثم حجّ بالناس، فمشى من مكّة إلى منًى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشيًا، ثم انصرف على طريق البصرة.
وأما الواقديّ فإنه قال: لما فرغ من عُمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجّهم (١).
وفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرفة من مكة فقدمها في المحرم منها فنزله المحدّثة أيامًا، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الأبلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة لاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من المحرم، فقدم مدينةَ السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى بها المنازلَ، وأقطع مَنْ معه الخِطط، وأقام نحوًا من أربعين يومًا، فوثب به أهلُ الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرَّقة، وسأتخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرّقة محمدًا الأمين، وولّاه العراقين (٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ (٣).
* * *
стр. 1823
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرف من مكة فقدمها في المحرم منها فنزل المحدّثة أيامًا، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الأبلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة.
لاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من المحرم، فقدم مدينة السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى بها المنازلَ، وأقطع مَنْ معه الخِطط، وأقام نحوًا مَن أربعين يومًا، فوثب به أهلُ الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرَّقة، واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرّقة محمدا الأمين، وولّاه العراقين (١).
وحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٢).
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها توفِّي الحسن بن قحطبة وحمزة بن مالك (٣).
стр. 1824
وحجّ بالناس في هذه السنة هارون الرشيد فأقام للناس الحجّ ثم صدر معجلًا وتخلّف عنه يحيى بن خالد ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه فردّ إليه الخاتم وسأله الإذن في المقام فأذن له فانصرف إلى مكة (١).
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة
فكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة وضمّه إياه إلى جعفر بن يحيى، ثم توجّهه إياه إلى مدينة السلام ومعه من أهل بيته جعفر بن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح ومن القواد علي بن عيسى فبويع له بمدينة السلام حين قدمها وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همدان وسمّاه المأمون (٢).
وحجّ بالناس فيها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٣).
* * *
стр. 1825
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة
وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي (١).
وفيها حجّ بالناس العباس بن موسى الهادي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٢).
* * *
стр. 1826
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفًا إليها من الرقة في الفرات في السفن فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا (١).
وحجّ بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٢).
* * *
стр. 1827
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة
وفيها مات عبد الصمد بن علي ببغداد في جمادى الآخرة ولم يكن ثُغر قط فأُدخل القبر بأسنان الصبي، وما نقص له سن (١).
ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين (٢).
وحجّ بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٣).
* * *
стр. 1828
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فَفيها كان خروج عليّ بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا فقتله بها وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان (١).
قال: وحجَّ هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة، وخلّف بالرّقة إبراهيم بن عثمان بن نَهيك العكيّ على الحرَم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى مَنْبج، فأنزله إياها بمن ضمّ إليه من القوّاد والجند، فلما قضى مناسكَه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما على محمّد بما اشترط عليه من الوَفاء بما فيه من تسليم ما وَلِيَ عبدُ الله من الأعمال، وصيَّر إليه من الضيّاع والغَلّات والجواهر والأموال، والآخر نسخة البَيعة التي أخذها على الخاصّة والعامّة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم (٢).
* * *
стр. 1829
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة]
فمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد وإيقاعه بالبرامكة (١).
قال وقتل جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وكانت الوزارة إليهم سبع عشر سنة (٢).
وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة فوهبه لله وجعله قربانًا له ووسيلة، وولاه العواصم (١).
стр. 1833
[ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح] (١)
[ذكر الخبر عن دخول القاسم بن الرشيد أرض الروم]
وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحاصرها، ووجّه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا، فبعثت إليه الروم تبذل له ثلاثمائة وعشرين رجلًا من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن قرة وحصن سنان صلحًا.
ومات علي بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم، وهو مع القاسم (٢).
[ذكر الخبر عن نقض الروم الصلح]
وفي هذه السنة نقض صاحب الروم الصلح الذي كان جرى بين الذي قبله وبين المسلمين، ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله.
ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك:
وكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم
стр. 1834
وصاحبتهم يومئذ - ريني - وقد ذكرنا قبل سبب الصلح الذي كان بين المسلمين وبينها - فعادت الروم على ريني فخلعتها - وملّكت عليها نقفور والروم تذكر أن نقفور هذا من أولاد جفنة من غسان وأنه قبل الملك كان يلي ديوان الخراج، ثم ماتت ريني بعد خمسة أشمهر من خلع الروم إياها؛ فذكر أن نقفور لما ملك واستوسقت له الروم بالطاعة، كتب إلى الرشيد:
من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب؛ أما بعد؛ فإن الملكة التي قبلي، أقامتك مقام الرّخّ، وأقامت نفسها مقام البَيدق، فحملتْ إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهنّ؛ فإذا قرأت كتابي فاردُدْ ما حصل قِبَلك من أموالها، وافتدِ نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.
قال: فلما قرأ الرّشيد الكتاب، استفزّه الغضب حتى لم يمكن أحدًا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه خوفًا من زيادة قول أو فعل يكون منهم، واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبدّ برأيه دونَه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام.
ثم شخص من يومِه، وسار حتى أناخ بباب هِرَقْلَة، ففتح وغنِم، واصطفى وأفاد، وخرّب وحرّق، واصطلم. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤدّيه في كلّ سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع من غزوته، وصار بالرّقة نقض نقفور العهد، وخان الميثاق. وكان البرد شديدًا، فيئس نقفور من رَجْعته إليه، وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه؛ فما تهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقًا عليه وعلى أنفسهم من الكرّة في مثل تلك الأيام، فاحتيل له بشاعر من أهل خُرّة يكنى أبا محمد عبد الله بن يوسف - ويقال: هو الحجاج بن يوسف التيميّ، فقال:
стр. 1835
نَقَضَ الذِي أَعْطَيتَهُ نِقْفور ... وعليه دائرةُ الْبَوارِ تَدورُ
أَبْشِرْ أَميرَ المؤمنين فإنه ... غُنْمٌ أَتاكَ بهِ الإِلهُ كبيرُ
فلقَدْ تَباشَرَتِ الرَّعيَّة أَنْ أَتى ... بالنَّقْضِ عَنْهُ وافِدٌ وَبشيرُ
وَرَجَتْ يمينَكَ أَنْ تعجَلَ غَزوَة ... تشفي بالنفوسَ مكانُها مَذْكورُ
أَعْطاكَ جِزْيمهُ وطأْطأَ خَدَّهُ ... حَذَرَ الصَّوارِم والرَّدَى مَحْذورُ
فأجرْتَه من وقعها وكأنها ... بأكفنا شُعَلُ الضرام تطيرُ
وصرفت بالطّول العساكر قافلًا ... عنه وجارك آمنٌ مسرور
نقفور إنك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك فعلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور
ألقاك حَينُك في زواجر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور
إن الإمام على اقتسارك قادرٌ ... قربت ديارك أم نأت بك دور
ليس الإمام وإن غفلنا غافلًا ... عمّا يسوس بحزمه ويُديرُ
ملكٌ تجرَّد للجهاد بنفسه ... فعدوّه أبدًا به مقهور
يا من يريد رضا الإله بسعيه ... واللهُ لا يخفى عليه ضمير
لا نصح ينفع من يغُشُّ إمامه ... والنّصح من نصائحه مشور
نصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهلها كفّارة وطهور
وقال التيميّ:
لَجَّتْ بِنِقْفورَ أسبابُ الرَّدَى عَبَثا ... لمَّا رَأَتْهُ بِغِيلِ الليثِ قَدْ عَبثا
ومنْ يَزُرْ غِيلَهُ لا يَخْلُ مِنْ فَزَعٍ ... إنْ فاتَ أَنيابَهُ والمِخْلَبَ الشَّبِثا
خانَ العُهودَ وَمَنْ يَنكُثْ بِها فعَلَى ... حَوْبائهِ، لا على أَعدائِهِ نكثَا
كانَ الإِمامُ الذِي تُرْجَى فواضِلهُ ... أَذاقَهُ ثمرَ الحِلْمِ الذي وَرِثا
فرَدّ أُلفَتهُ مِنْ بَعدِ أَنْ عَطَفتْ ... أَزواجُهُ مَرِهًا يُبْكينَهُ شعِثَا
فلما فرغ من إنشاده، قال: أوَ قد فعل نقفور ذلك! وعلم أن الوزراء قد
стр. 1836
احتالوا له في ذلك، فكرّ راجعًا في أشدّ محنة وأغلظ كلفة، حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد، فقال أبو العتاهية:
أَلا نادَتْ هِرَقلَةُ بالخَرابِ ... مِنَ المَلِكِ المُوَفَّقِ بِالصوَابِ
غدا هارونُ يَرْعُدُ بالمنايا ... ويَبْرُقُ بالمُذَكَّرَةِ القِضابِ
وَرَاياتٍ يَحِلّ النَّصْرُ فيها ... تَمُرّ كأَنَّها قِطَعُ السَّحابِ
أمير المؤمنين ظفرتْ فاسلَمْ ... وأبْشِرْ بالغنيمة والإيابِ (١)
[خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك]
وفيها قتل - في قول الواقدي عثمان بن نهيك وأما غير الواقدي فإنه قال في سنة ثمان وثمانين ومائة (٢).
وحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي (٣).
* * *
стр. 1837
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة]
فممّا كان فيها من ذلك غَزْو إبراهيم بن جبريل الصَائفَة، ودخوله أرضَ الروم من درب الصَّفْصاف، فخرج للقائه نِقْفور، فورَدَ عليه من ورائه أمرٌ صرفه عن لقائه، فانصرف، ومرّ بقوم من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وانهزم. وقتِل من الرّوم - فيما ذكر - أربعون ألفًا وسبعمائة، وأخذ أربعة آلاف دابة (١).
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدَابِق (٢).
وحجّ بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه على المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجّة هي آخر حَجّة حجّها الرشيد؛ فيما زعم الواقديّ وغيره (٣).
* * * *
стр. 1838
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الري] (١)
وولّى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والري وولّى عيسى بن جعفر بن سليمان عمّان فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان، فافتتح حصنًا بها وحاصر آخر، فهجم عليه ابن مخلد الأزدي وهو غارٌّ، فأسره وحمله إلى عمان في ذي الحجة وانصرف الرشيد بعد ارتحال علي بن عيسى إلى خراسان عن الري بأيام فأدركه الأضحى بقصر اللصوص فضحى بها ودخل مدينة السلام يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى وطوى بغداد ولم ينزلها ومضى من فوره متوجهًا إلى الرقة فنزل السيحين (٢).
стр. 1839
وحجّ بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى (١).
* * *
стр. 1840
ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث]
فمن ذلك ما كان من ظهور رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند مخالفًا لهارون وخلعه إياه، ونزعه يده من طاعته (١).
وفي هذه السنة غزا الرشيد الصائفة، واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور وكتب إلى الآفاق بالسمع والطاعة ودفع إليه خاتم المنصور يتيمّن به وهو خاتم الخاصة نقشه "الله ثقتي آمنت به" (٢).
[فتح الرشيد هرقلة]
وفيها فتح الرشيد هرقلة، وبثّ الجيوش والسرايا بأرض الروم؛ وكان دخْلها - فيما قيل - في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع وسوى المطوّعة وسوى من لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك علي ذي الكلاع ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحًا في أرض الروم في سبعين ألفًا، وافتتح
стр. 1841
شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودَبْسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصّفْصاف وملَقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة في شَوّال - وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يومًا عليها، وولّى حُمَيد بن مَعيوف سواحل بحر الشأم إلى مصْر، فبلغ حُميد قُبْرُس، فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفًا، فأقدمهم الرّافقة، فتولّى بيعهم أبو البختريّ القاضي، فبلغ أسقف قُبرس ألفي دينار (١).
وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب؛ واتخذ قلنسوة مكتوبًا عليها "غاز حاجٌّ"، فكان يلبسها، فقال أبو المعالي الكلابيّ:
فَمنْ يَطلُبْ لقاءَكَ أَو يُرِدْهُ ... فَبِالحَرَمَين أَو أَقصى الثغورِ
ففِي أَرْضِ العَدُوِّ على طِمِرٍّ ... وفي أَرضِ التَّرفّهِ فَوْقَ كُورِ
وما حازَ الثغورَ سِواكَ خَلْقٌ ... مِنَ المُتخلَّفينَ على الأُمورِ (٢)
ثم صار الرّشيد إلى الطُّوَانة، فعسكر بها، ثم رحل عنها، وخلَّف عليها عقبة بن جعفر، وأمره ببناء منزل هنالك، وبحث نقفور إلى الرشيد بالخرَاج والجزية، عن رأسه وولّى عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار؛ منها عن رأسه أربعة دنانير؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين، وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هِرَقلة كتابًا نسخته:
لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك، فإِنّ لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرَقلة، كنت قد خطَبتُها على ابني، فإن رأيتَ أن تسعفني بحاجتي فعلت. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 1842
واستهداه أيضًا طيبًا وسرادقا من سرادقاته؛ فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرَت وزُيِّنَت وأجْلِست على سرير في مضربه الذي كان نازلًا فيه، وسلِّمت الجارية والمضرَب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والأخبصة والزّبيب والترياق، فسلَّم ذلك كله إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقْفور وقْر دراهم إسلامية على بُرذون كُميت كان مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بُزْيون، واثني عشر بازيًا، وأربعة أكلب من كلاب الصّيد، وثلاثة براذين. وكان نقفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه ألا يعمّر هرقلة وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة آلاف دينار (١)
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خروج خارجيّ يقال له ثروان بن سيف بناحية حَوْلايا؛ فكان يتنقّل بالسواد، فوجّه إليه طوق بن مالك فهزَمه طوق وجرحه، وقتل عامة أصحابه، وظنّ طوق أنه قد قتل ثروان، فكتب بالفتح، وهرب ثروان مجروحًا (١).
وفيها غلُظ أمر رافع بن ليث بسَمَرْقند.
وفيها كتب أهل نَسَف إلى رافع يعطونه الطاعة، ويسألونه أن يوجّه إليهم منْ يعينهم على قتل عيسى بن عليّ، فوجَّه صاحب الشاش في إتراكه قائدًا من قوّاده، فأتوْا عيسى بن عليّ، فأحدقوا به وقتلوه في ذي القعدة، ولم يعرضوا لأصحابه (٢).
وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيريّ أرضَ الروم في عشرة آلاف، فأخذت الرّوم عليه المضيق، فقتلُوه على مَرْحلتين من طَرَسوس في خمسين رجلًا، وسلِم الباقون (٣).
وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة (٤).
стр. 1845
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي وكان والي مكة (١).
* * *
стр. 1846
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحدات
[ذكر الخبر عن مسير الرشيد إلى خراسان]
وفيها وافَى الرّشيد من الرّقّة في السّفُن مدينة السلام، يريد الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع؛ وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر، واستخلف بالرّقة ابنه القاسم، وضمّ إليه خُزيمة بن خازم، ثم شخص من مدينة السلام عشيّة الإثنين، لخمس خلوْن من شعبان بعد صلاة العصر، من الخيزُرانيّة، فبات في بستان أبي جعفر، ثم سار من غد إلى النهروان، فعسكر هنالك، وردّ حمادًا البربريّ إلى أعماله، واستخلف ابنه محمدًا بمدينة السلام (١).
وفيها تحرّك الخرمية بناحية أذربيجان فوجّه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فارس فأسر وسبى ووافاه بقرماسين فأمر بقتل الأسارى وبيع السَّبي (٢).
стр. 1847
وفيها مات عيسى بن جعفر بطرارستان وقيل بالدسكرة وهو يريد اللحاق بالرشيد (١).
وفيها تحرّك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطفّ البصرة (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور (٣).
* * *
стр. 1848
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]
فمن ذلك وفاة الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة في المحرم (١).
[ذكر الخبر عن مقام الرشيد بطوس] (٢)
[ذكر الخبر عن موت الرشيد]
وتوفِّي - فيما ذكر في موضع يدعى المثقب في دار حميد بن أبي غانم، نصف الليل ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح ومن خدمه مسرور وحسين ورشيد.
وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا أولها ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وآخرها ليلة السبت لثلاث ليالٍ خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وقال هشام بن محمد: استخلف أبو جعفر الرشيد هارون بن محمد ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وهو يومئذ
стр. 1849
ابن اثنتين وعشرين سنة، وتوفي ليلة الأحد غرّة جمادى الأولى - وهو ابن خمس وأربعين سنة - ثلاث وتسعين ومائة إلى فملك ثلاثًا وعشرين سنة وشهرًا وستة عشر يومًا (١).
ذكر ولاة الأمصار في أيام هارون الرشيد (٢)
ولاة المدينة: إسحاق بن عيسى بن عليّ، عبد الملك بن صالح بن عليّ،
محمد بن عبد الله، موسى بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عليّ بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبد الله بن مُصعب الزبيريّ، بكّار بن عبد الله بن مصعب، أبو البَخْتريّ وهب بن وهب.
стр. 1854
ولاة مكة: العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قُثَم بن العباس، محمد بن إبراهيم، عبيد الله بن قُثَم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، عليّ بن موسى بن عيسى، محمد بن عبد الله العثمانيّ، حماد البربريّ، سليمان بن جعفر بن سليمان، أحمد بن إسماعيل بن عليّ، الفضل بن العباس بن محمد.
ولاة الكوفة: موسى بن عيسى بن موسى، يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق بن الصباح الكنديّ، جعفر بن جعفر بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن عيسى بن موسى.
ولاة البصرة: محمد بن سليمان بن عليّ، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، جعفر بن أبي جعفر، عبد الصمد بن عليّ، مالك بن عليّ الخزاعي، إسحاق بن سليمان بن عليّ؛ سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين؛ إسحاق بن عيسى بن عليّ.
ولاة خراسان: أبو العباس الطوسيّ، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن جعفر، الغطريف بن عطاء، سليمان بن راشد على الخراج، حمزة بن مالك، الفضل بن يحيى، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى خليفته بها، عليّ بن الحسن بن قَحْطبة، عليّ بن عيسى بن ماهان، هَرْثمة بن أعينَ.
* * *