فخلق الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ والحوت في الماء، والماء على ظهر صَفاة، والصَّفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرَّك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرضُ، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١). (١: ٥٢/ ٥٣).
٦٠ / أ - قال أبو جعفر: فقد أنبأ قولُ هؤلاء الذين ذكرتُ: أنّ الله تعالى أخرج من الماء دخانًا حين أراد أن يخلُق السموات والأرض، فسما عليه - يَعنون بقولهم: "فسما عليه" علا على الماء، وكلُّ شيء كان فوق شيء عاليًا عليه فهو له سَماءُ - ثم أيبس بعد ذلك الماء، فجعله أرضًا واحدة: أن الله خلق السماء غير مسوّاة قبل الأرض، ثم خلَق الأرض.
وإن كانَ الأمر كما قال هؤلاء، فَغيرُ محال أن يكون الله تعالى أثارَ من الماء دخانًا فعلَّاه على الماء، فكان له سماء، ثم أيبس الماء فصار الدخان الذي سما عليه أرضًا، ولم يدحُها، ولم يقدِّر فيها أقواتها، ولم يُخرِج منها ماءها ومرعاها، حتى استوى إلى السماء؛ التي هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه، فسوَّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض التي كانت ماءً فيبَّسه ففتقه، فَجعلها سبع أرضين، وقدَّر فيها أقواتها، ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾، كما قال . فيكون كلّ الذي روي عن ابن عباس في ذلك - على ما رويناه - صحيحًا معناه (٢). (١: ٥٣).
٦٠ / ب - وأما يومُ الإثنين فقد ذكرنا اختلافَ العلماء فيما خلق فيه، وما رُوي في ذلك عن رسول الله ﷺ قبلُ.
وأما ما خلق في يوم الثلاثاء والأربعاء، فقد ذكرنا أيضًا بعضَ ما رُوي فيه،
стр. 1892
ونذكر في هذا الموضع بعضَ ما لم نذكر منه قبل (١). (١/ ٥٣).
٦١ - فالذي صحّ عندنا: أنه خلَق فيهما ما حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن السُّديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : وخلق الجبال فيها -يعني: في الأرض- وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء؛ وذلك حين يقول الله : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾؛ يقول: مَنْ سأل؛ فهكذا الأمر، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، وكان ذلك الدخان مِن تنفّس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتَقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة (٢). (١: ٥٣/ ٥٤).
٦٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلَام، قال: إن الله تعالى خلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء (٣). (١: ٥٤).
٦٣ - حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب بن غلّاب، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلقَ الجبال يوم الثلاثاء، فذلك قول الناس: هو يوم ثَقيل (٤). (١: ٥٤).
٦٤ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما رويناه عن النبي، قال: "إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال وما فيهنّ من المنافع، وخلَق يوم الأربعاء الشجرَ، والماء، والمدائن، والعمران، والخراب. حدثنا
стр. 1893
بذلك هنّاد، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن أبي سعد البقّال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبي (١). (١: ٥٤).
٦٥ - وقد روي عن النبي أن الله خلق الجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، حدثني به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصُّدائيّ، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي.
والخبرُ الأولُ أصحُّ مخرجًا، وأوْلَى بالحق، لأنه قول أكثر السلف (٢). (١: ٥٤/ ٥٥).
٦٦ - وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات، ففتقتْ بعد أن كانت رَتْقًا، كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن عبد اللهِ بن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وكان ذلك الدخان من تنفُّس الماء حين تنفس وجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة (٣). (٥٥: ١).
٦٦ / أ - وإنما سُمّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلْقها من الملائكة، والخلْق الذي فيها من البحار وجبال البرَد وما لم يُعْلَم، ثم زيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا، تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلْق ما أحبّ استوى على العرش. فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٤). (١: ٥٥).
стр. 1894
٦٧ - حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلَام، قال: إن الله تعالى خلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجل، فتلك الساعةُ التي تقوم فيها الساعة (١). (١: ٥٥/ ٥٦).
٦٨ - حدثني تميم [بن المنتصر]، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب بن غلَّاب، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق مواضع الأنهار والشَّجر يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والهوامّ والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، ففرغ من خلْق كل شيء يوم الجمعة (٢). (٥٦: ١).
٦٩ - وهذا الذي قاله مَنْ ذكرنا قوله من أن الله خلق السموات والملائكة وآدم في يوم الخميس والجمعة هو الصحيح عندنا؛ للخبر الذي حدثنا به هنّاد [بن السريّ] قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبيّ - قال: هناد، وقرأتُ سائر الحديث - قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوَم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أوّل ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال؛ مَنْ يحيا ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كلّ شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود، وأخرجه منها في آخر ساعة (٣). (١: ٥٦).
٧٠ - حدثني القاسم بن بشر [بن معروف]، والحسين بن عليّ الصُّدائيّ، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله بيدي فقال: "وبثّ فيها -يعني: في الأرض- الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلْق في آخر ساعة، من
стр. 1895
ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" (١). (١: ٥٦).
٧٠ / أ - فإذا كان الله تعالى ذكره خلَق الخَلْق من لدن ابتداء خلق السموات والأرض إلى حين فراغه من خلْق جميعهم في ستة أيام، وكان كلُّ يوم من الأيام الستة التي خلقهم فيها مقدارُه ألف سنة من أيام الدنيا، وكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة [كلّ] ما هو كائن إلى قيام الساعة ألف عام، وذلك يوم من أيام الآخرة التي قَدْر اليوم الواحد منها ألف عام من أيام الدنيا - كان معلومًا: أن قَدْر مدة ما بين أول ابتداء ربنا في خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام. يزيد إن شاء الله شيئًا أو ينقص شيئًا، على ما قد روينا من الآثار والأخبار التي ذكرناها، وتركنا ذكرَ كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذكرها (٢). (١: ٥٦/ ٥٧).
٧٠ / ب - وإذا كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا: أن مدّة ما بين فراغ ربّنا تعالى ذكره - من خلق جميع خلقه إلى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبلُ، واستشهدنا من الشواهد، وبما سنشرح فيما بعد - سبعة آلاف سنة، تزيد قليا، أو تنقص قليلًا - كان معلومًا بذلك أن مدةَ ما بين أول خلق] خلقه الله تعالى إلى قيام الساعة وفناء جميع العالم، أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا؛ وذلك أربعة عشر يومًا من آيام الآخرة، سبعةُ أيام من ذلك - وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا - مدة ما بين أول ابتداء الله جلَّ وتقدس في خلق أول خلقه إلى فراغه من خلق آخرهم - وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه، وسبعة أيام أخر، وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا، من ذلك مدّة ما بين فراغه جلّ ثناؤه من خلق آخر خلقه - وهو آدم - إلى فناء آخرهم وقيام الساعة، وَعوْد الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير القديم الباريء الذي له الخلق والأمر الذي كان قبل كلِّ شيء، فلا شيء كان قبله، والكائن بعد كلّ شيء فلا شيء يبقى غير وجهه الكريم (٣). (٥٧: ١).
стр. 1896
٧٠ / ج - فإن قال قائل: وما دليلُك على أن الأيامَ الستة التي خلق الله فيهنّ خلْقه كان قدْر كلّ يوم منهنّ قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم، وإنما قال الله في كتابه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، فلم يُعلمنا أن ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا: أنه خلق ذلك في ستة أيام، والأيام المعروفة عند المخاطَبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التي أوّلُ اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن قولك: إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجّه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه، وقد وجهتَ خبرَ الله في كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام، وأمرُ الله إذا أراد شيئًا أن يكوّنه أنفذُ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، مقدارهنّ ستة آلاف عام من أعوام الدنيا، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، وذلك كما قال ربنا ﵎: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾؟
قيل له: قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا: إنا إنما نعتمد في معظم ما نَرسمه في كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفِكَر؛ إذ أكثره خبرٌ عما مضى من الأمور، وعما هو كائن من الأحداث، وذلك غير مدرَك علمه بالاستنباط والاستخراج بالعقول.
فإن قال: فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر؟
قيل: ذلك ما لا نعلم قائلًا من أئمة الدين قال خلافه.
فإن قال: فهل من رواية عن أحد منهم بذلك؟
قيل: عِلْم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه، وقد رُوِيَ ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم. فإن قال: فاذكرهم لنا (١). (١: ٥٧/ ٥٨).
стр. 1897
٧١ - قيل: حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا حَكام: عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، فكلّ يوم من هذه الأيام كألف سنة مما تعدون أنتم (١). (١: ٥٩).
٧٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض (٢). (١: ٥٩).
٧٣ - حدثنا عبدة، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: يعني هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهن السموات والأرض وما بينهما (٣). (١: ٥٩).
٧٤ - حدثني المثنَّى، حدثنا عليّ عن المسيّب بن شريك، عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: من أيام الآخرة، كلّ يوم كان مقداره ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة (٤). (١: ٥٩).
٧٥ - حدثنا ابن حُميد قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح: عن كعب، قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفرغ منها يوم الجمعة، قال: فجعل مكانَ كلّ يوم ألف سنة (٥). (٥٩: ١).
٧٦ - حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بِشْر،
стр. 1898
عن مجاهد، قال: يوم من الستة الأيام كألف سنة مما تَعُدّون (١). (١: ٦٠).
٧٦ / أ - فهذا هذا. وبعد: فلا وجهَ لقول قائل: وكيف يوصف الله تعالى ذكره بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام قدْر مدتها من أيام الدنيا ستة آلاف سنة؛ وإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، لأنه لا شيء يتوهَّمه متوهم في قول قائل ذلك إلَّا وهو موجود في قول قائل: خلق ذلك كله في ستة أيام مدتها مدة ستة أيام من أيام الدنيا؛ لأن أمرَه ﷻ إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (٢). (١: ٦٠).
القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه
٧٧ - وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة بهما تعرف قد قلنا في خلق الله عزّ ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة، وبيَّنا: أن الأوقات والأزمنة إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قَطْع الشمس والقمر درَجات الفلك؛ فلنقل الآن: بأيّ ذلك كان الابتداء؛ بالليل أم بالنهار؛ إذ كان الاختلاف في ذلك موجودًا بين ذوي النظر فيه؛ بأن بعضَهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذي هو نهار هجم الليلُ بظلامه، فكان معلومًا بذلك أن الضياء هو المتورّد على الليل، وأن الليل إن لم يُبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الأول خَلْقًا، وأن الشمس هو الآخر منهما خلقًا، وهذا قولٌ يُروَى عن ابن عباس (٣). (١: ٦١).
стр. 1899
٧٧ / أ - حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن عن سُفيان، عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: سئل: هل الليل كان قبل النهار؟ قال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رَتْقًا، هلْ كان بينهما إلَّا ظلمة! ذلك لتعلموا أن الليلَ كان قبل النهار (١). (١: ٦١).
٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوريّ عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: إنّ الليل قبل النهار، ثم قال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢). (١: ٦١).
٧٩ - حدثنا محمد بن بشَار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيّ، قال: لم يكن عُقْبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال ومضان - يقوم تلك الليلة حتى يصومَ يومها، ثم يقوم بعد ذلك. فذكرتُ ذلك لابن حُجَيرة فقال: الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل (٣)؟ (١: ٦١/ ٦٢).
٧٩ / أ - وقال آخرون: كان النهارُ قبل الليل، واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عزّ ذكره كان ولا ليلَ ولا نهار ولا شيء غيره، وأن نورَه كان يضيء به كلّ شيء خلقه بعدما خلقه حتى خلق الليل (٤). (١: ٦٢).
ذكر من قال ذلك:
٨٠ - حدثني علي بن سهل، حدثنا الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السّلام، عن أيوب بن عبد الله الفهريّ أنّ ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإن مقدار كلّ يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة (٥). (١: ٦٢).
٨٠ / أ - قال أبو جعفر: وأوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال:
стр. 1900
كان الليل قبل النهار، لأن النهار هو ما ذكرتُ من ضوء الشمس؛ وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها، كما قال : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، فإذا كانت الشمس خُلقت بعد ما سُمكت السماء، وأغطش ليلها، فمعلوم أنها كانت - قبل أن تخلق الشمس، وقبل أن يُخرج الله من السماء ضحاها - مظلمة لا مضيئة.
وبعد، فإن في مشاهدتِنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلًا بيّنًا على أنّ النهار هو الهاجم على الليل لأنّ الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلًا [أو نهارًا] أظلم الجو، فكان معلومًا بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره. والله أعلم (١). (١: ٦٢/ ٦٣).
٨٠ / ب - فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبرَ عن رسول الله ﷺ بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف.
فأما ابن عباس فرُوي عنه أنه قال: خلق الله يوم الجمعة الشمسَ والقمرَ والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، حدثنا بذلك هنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، عن النبي (٢). (١: ٦٣).
٨١ - وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: "خلَق الله النور يوم الأربعاء"، حدثني بذلك القاسم بن بشر والحسين بن عليّ، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ (٣). (١: ٦٣).
٨١ / أ - وأيّ ذلك كان؛ فقدْ خلق الله قبل خلقه إياهما خَلْقًا كثيرًا غيرهما، ثم خلقهما لما هو أعلم به من مصلحة خلْقه، فجعلهما دائبَي الجري، ثم فَصَل بينهما، فجعل إحداهما آية الليل، والأخرى آية النهار، فمحا آية الليل،
стр. 1901
وجعل آية النهار مبصرة. وقد رُوي عن رسول الله في سبب اختلاف حالتي آية الليل وآية النهار أخبارٌ أنا ذاكر منها بعضَ ما حضرني ذكره. وعن جماعة من السلف أيضًا نحو ذلك (١). (١: ٦٣).
٨٢ - فممّا روي عن رسول الله في ذلك، ما حدثني محمد بن أبي منصور الآمُليّ، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن صبْح أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيّان، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبي ذَرّ الغِفاريّ، قال: كنتُ آخذُ بيد رسول الله ونحنُ نتماشَى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت؛ قال: قلتُ: يا رسول الله، أين تغرُب؟ قال: تغرب في السماء، ثم تُرْفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا؛ حتى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها، ثم تَقول: يا ربّ، مِنْ أين تأمرني أن أطلع، أمن مغربي أم منْ مطلعي؟ قال: فذلك قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ حيث تحبَس تحت العرش، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال: يعني بـ "ذلك" صُنْعَ الربّ العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جَبرائيل بحُلّة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النهار، في طوله في الصيف، أو قصره في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحلة كما يلبسَ أحدكم ثيابه، ثم تَنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها، قال النبي: فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال ثم لاتُكسى ضوءًا، وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبْرَائيل ﵇ يأتيه بالحُلّة من نور الكرسيّ. قال: فذلك قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ قال أبو ذرّ: ثم عدلتُ مع رسول الله فصلينا المغرب. فهذا الخبر عن رسول الله [يُنْبِيء] أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أنّ ضوء الشمس من كسوة كسيتْها من ضوء العرش، وأن نورَ القمر من كسوة كُسِيَها من
стр. 1902
نور الكرسيّ (١). (١: ٦٣/ ٦٤ / ٦٥).
٨٣ - فأما الخبر الآخر الذي يدلّ على غير هذا المعنى؛ فما حدثني محمد بن أبي منصور، قال: حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا أبو نعيم عن مقاتل بن حيان، عن عِكْرمة قال: بينا ابن عباس ذاتَ يوم جالس إذْ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس! سمعتُ العجب من كعب الحَبْر يذكر في الشمس والقمر. قال: وكان متكئًا فاحتفز ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عَقِيران، فيُقذَفان في جهنم. قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شِقّة ووقعت أخرى غضبا، ثم قال: كذب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أجلّ وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تسمع لقول الله ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ﴾، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذب عبدين يُثنَى عليهما؛ أَنهما دائبان في طاعته! قاتل الله هذا الحَبْر وقبّح حَبْرِيته! ما أجرأه على الله وأعظم فِرْيته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مرارًا، وأخذ عُوَيدًا من الأرض، فجعل ينكته في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله، ثم إنه رفع رأسه، ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعتُ من رسول الله يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: إن رسول الله سئل عن ذلك، فقال: إن الله ﵎ لما أبرم خلْقه إحكامًا فلم يبق من خلقه غيرُ آدم خَلَق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسًا، فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحوّلها قمرًا، فإنه دون الشمس في العِظَم؛ ولكن إنما يُرَى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض (٢). (١: ٦٥/ ٦٦).
стр. 1903
٨٤ - قال: فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يُعرَف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، وكان لا يدرِي الأجير إلى متى يعمل، ومتى يأخذ أجره. ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ولا تدري المرأة كيف تعتدّ، ولا يدري المسلمون متى وقت الحج، ولا يدري الدُّيّان متى تحلّ ديونهم، ولا يدري الناس متى ينصرفون لمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسادهم. وكان الربّ أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جِبرئيل ﵇ فأمرّ جناحه على وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات، فطمس عنه الضوءَ، وبقي فيه النور، فذلك قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: فالسَّوَاد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثرُ المحو. ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمئة وستون عروة، ووكل بالشمس وعجلتها ثلاثمئة وستين ملكًا من الملائكة من أهل السماء الدنيا، قد تعلّق كلّ ملك منهم بعروة من تلك العُرَا، ووكلَ بالقمر وعجلته ثلاثمئة وستينَ ملكًا من الملائكة من أهل السماء، قد تعلق بكلّ عروة من تلك العُرَا مَلَك منهم.
ثم قال: وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قُطْرَي الأرض وكنفِي السماء ثمانين ومئة عين في المغرب، طينة سوداء، فذلك قوله : ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ إنما يعني حمأةً: سوداء من طين، وثمانين ومئة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غَلْيًا كغلي القِدْر إذا ما اشتد غليُها. قال: فكلّ يوم [وكلّ] ليلة لها مطلعٌ جديد ومغرب جديد، ما بين أولها مطلعًا، وآخرها مغربًا أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا، وأولها مغربًا أقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ يعني آخرها هاهنا وآخرها ثَمَّ، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب، ثم جمعهما فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، فذكر عِدّة تلك العيون كلها.
стр. 1904
قال: وخلق الله بحرًا، فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله لا يقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سرعة السَّهم ثم انطلاقه في الهواء مستويًا، كأنه حَبْلٌ ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخُنَّس في لُجّة غَمْر ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، والفلك دوران العجلة في لُجّة غمر ذلك البحر. والذي نفس محمد بيده، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كلّ شيء في الأرض، حتى الصخور والحجارة، ولو بدا القمر من ذلك لافتتن أهلُ الأرض حتى يعبدوه من دون الله، إلَّا من شاء الله أن يعصم من أوليائه.
قال ابن عباس: فقال علي بن أبي طالب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ذكرتَ مجرى الخُنَس مع الشمس والقمر، وقد أقسم الله بالخُنَّس في القرآن إلى ما كان من ذكرك، فما الخُنَّس؟ قال: يا عليّ، هنّ خمسةُ كواكب: البِرْجيس، وزُحَل، وعُطارد، وبَهْرام، والزُّهرة، فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس والقمر، العاديات معهما، فأما سائر الكواكب فمعلَّقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد، وهي تحومُ مع السماء دورانًا بالتسبيح والتقديس والصلاة لله، ثم قال النبي: فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك مرة هاهنا ومرة هاهنا، فذلك دوران السماء، ودوران الكواكب معها كلِّها سوى هذه الخمسة، ودورانها اليوم كما ترون، وتلك صلاتها، ودورانُها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرّحا من أهوال يوم القيامة وزلازله، فذلك قوله : ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠) فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال: فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلاثمئة وستون مَلَكًا ناشري أجنحتهم، يَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلًا كان أو نهارًا، فإذا أحبّ الله أن يبتليَ الشمس والقمر فيُرِي العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعًا عن معصيته وإقبالًا على طاعته، خرّت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر وهو الفلك، فإذا أحبّ الله أن يُعَظِّم الآية ويشدّد تخويفَ العباد؛ وقعت الشمس
стр. 1905
كلّها فلا يبقى منها على العجلة شيء، فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم، وهو المنتهى من كسوفها. فإذا أراد أن يجعل آيةً دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء، ويبقى سائرُ ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف، وبلاء للشمس أو للقمر، وتخويفٌ للعباد، واستعتاب من الربّ ، فأيّ ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين: فرقة منها يُقبلون على الشمس فيجرّونها نحو العجلة، والفرقة الأخرى يُقبلون على العجلة فيجرُونها نحو الشمس، وهم في ذلك يقرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل، ليلًا كان أو نهارًا، في الصيف كان ذلك أو في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع، لكيلا يزيد في طولهما شيء، ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك، وجعل لهم تلك القوة، والذي ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلًا قليلًا من غمر ذلك البحر الذي يعلوهما، فإذا أخرجوها كلَّها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة، فيحمدون الله على ما قوّاهم لذلك، ويتعلقون بعُرَا العجلة، ويَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب، فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين، فتسقط من أفق السماء في العين.
ثم قال النبيّ، وعجب من خلق الله: ولَلْعجب من القدرة فيما لم نَرَ أعجب من ذلك؛ وذلك قول جبرئيل ﵇ لسارة: ﴿اأَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذلك أن الله خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التي بالمشرق بالسريانيّة "مرقيسيا" وبالعربية "جابَلق" واسم التي بالمغرب بالسريانية "برجيسيا" وبالعربية "جابَرس" ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب، ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كلّ يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تَنُوبُهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج.
стр. 1906
وإن جِبْرئيل ﵇ انطَلَق بي إليهم ليلة أسرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعوتُ يأجوجَ ومأجوج إلى عبادة الله فأبوْا أن يجيبوني، ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا، فهم في الدين [إخواننا]، مَنْ أحسن منهم فهو مع محسنكم، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه، فكفروا بالله وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر مَنْ عصى الله في النار؛ فإذا ما غربت الشمس رُفِع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة؛ حتى يُبلَغ بها إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش فتخرّ ساجدة، وتسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيُحْدَرُ بها من سماء إلى سماء؛ فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجْر، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضيء الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضيء النهار.
قال: وجعل الله عند المشرق حجابًا من الظلمة على البحر السابع، مقدار عدة الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تُصرَم، فإذا كان عند الغروب أقبل مَلَك قد وُكل بالليل فيقبض قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبلُ المغربَ؛ فلا يزال يُرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلًا قليلًا وهو يراعي الشَّفق، فإذا غاب الشفق أرسلَ الظلمة كلَّها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قُطري الأرض وكنَفِي السماء، ويجاوزان ما شاء الله خارجًا في الهواء، فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة دفه حتى يبلغ المغرب، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق، فضمّ جناحيه، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل. فإذا ما نقل ذلك الحجابُ من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، وانقضت الدنيا، فضوء النهار من قِبَل المشرق، وظلمة الليل من قبَل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما، إلى السماء السابعة العليا، إلى محبسهما تحت العرش، حتى يأتِيَ الوقت الذي ضرب الله لتوبة العباد، فتكثر
стр. 1907
المعاصي في الأرض ويذهب المعروفُ، فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكرُ فلا يَنهى عنه أحد.
فإذا كان ذلك حبِست الشمس مقدار ليلة تحت العرش، فكلّما سجدت وأستأذنت: من أين يطلع؟ لم يُحَرْ إليها جواب؛ حتى يوافيَها القمر ويسجد معها ويستأذن: من أين تطلع؟ فلا يُحار إليه جواب، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعرِف طول تلك الليلة إلَّا المتهجدون في الأرض؛ وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين؛ في هوان من الناس وذلة من أنفسهم، فينام أحدُهم تلك الليلة قَدْرَ ما كان ينام قبلها من الليالي، ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلّاه فيصلي ورْده، كما كان يصلي قبل ذلك، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فينكر ذلك ويظنّ فيه الظنون من الشرّ ثم يقول: فلعلّني خففتُ قراءتي، أو قضَرت صلاتي، أو قمت قبل حيني!
قال: ثم يعود أيضًا فيصلِّي ورْده كمثل ورْده، الليلة الثانية، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فيزيده ذلك إنكارًا، ويخالطه الخوف، ويظنّ في ذلك الظنون من الشرّ، ثم يقول: فلعلي خففت قراءتي، أو قصّرت صلاتي، أو قمت من أوّل الليل! ثم يعود أيضًا الثالثة وهو وجِل مُشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلي أيضًا مثل ورْده، الليلة الثالثة، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل. فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف، ويستخفّه البكاء، ثم ينادي بعضُهم بعضًا، وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجِّدون من أهل كلّ بلدة إلى مسجد من مساجدها، ويجأرون إلى الله بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، والغافلون في غفلتهم، حتى إذا ما تمّ لهما مقدارُ ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول: إن الرب يأمركما أن ترجِعا إلى مغارِبكما فتطلعا منها، وأنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نورَ. قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة.
قال: فبينا الناس ينْتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خَلْف أقفيتهم
стр. 1908
من المغرب أسودين مكوّرين كالغِرارتين، ولا ضوءَ للشمس ولا نورَ للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك؛ فيتصايح أهلُ الدنيا وتَذْهَل الأمهات عن أولادها، والأحبَّة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بما أتاها. قال: فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم خسارة. قال: فيرتفعان مثل البعيرين القرينين، ينازع كلُّ واحد منهما صاحبَه استِباقًا، حتى إذا بلغا سُرّة السماء - وهو منتصفها - أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردّهما إلى المغرب، فلا يُغربهما في مغاربهما من تلك العيون، ولكن يغربهما في باب التوبة.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: أنا وأهلى فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة؟ قال: يا عمر! خلق الله بابا للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب، مكللًا بالدّر والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع؛ فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتبْ عبد من عباد الله توبة نصوحًا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلَّا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترفع إلى الله .
قال معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه، كما لا يعودُ اللبن إلى الضَّرع. قال: فيردّ جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيّرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أغلِق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة، ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلَّا مَنْ كان قبل ذلك محسنًا، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك، قال فذلك قوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾.
فقال أبَيّ بن كعب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا! فقال: يا أبيّ! إن الشمس والقمر بعد ذلك يُكسيان النور والضوء، ويطلعان على الناس ويغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية، فيُلحّون على الدنيا حتى يُجروا
стр. 1909
فيها الأنهار، ويغرسوا فيها الشجر، ويبنوا فيها البنيان. وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرًا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور.
فقال حذيفة بن اليمان: أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة! والذي نفس محمد بيده، لتقومنّ الساعة ولينفخنّ في الصور والرجل قد لَطّ حوضه فلا يسقي منه، ولتقومنّ الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه. ولَتقومنّ الساعة والرجلُ قد رفع لقمته إلى فيه فلا يَطْعَمها، ولتقومن الساعةُ والرجل قد انصرف بلبن لِقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله هذه الآية: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
فإذا نُفِخ في الصور، وقامت الساعة، وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد، إذْ يدعو الله بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقعا في زلزال وبلبال، تُرعَد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرّا لله ساجدين؛ فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا ودُؤوبنا في عبادتك، وسرعتَنا للمضيّ في أمرك أيام الدنيا، فلا تُعذبنا بعبادة المشركين إيانا، فإنا لم ندعُ إلى عبادتنا، ولم نذهَلْ عن عبادتك! قال: فيقول الرب ﵎: صدقتما، وإني قضيت على نفسي أن أبدئ وأعيد، وإني معيدكما فيما بدأتكما منه، فارجعا إلى ما خلقتما منه، قالا: إلهنا، ومِم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. قال: فيلتمع من كلّ واحد منهما برقة تكاد تَخْطَف الأبصار نورًا، فتختلط بنور العرش، فذلك قوله : ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
قال عكرمة: فقمت مع النفر الذين حَدّثوا به، حتى أتينا كعبًا فأخبرناه بما كان من وجْد ابن عباس من حديثه، وبما حدث عن رسول الله؛ فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال: قد بلغني ما كان من وجدك من حديثي، وأستغفر الله وأتوب إليه، وإني إنما حدّثت عن كتاب دارسٍ قد تداولته الأيدي، ولا أدري ما كان فيه من تبديل اليهود، وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرّحمن وعن سيد الأنبياء وخير النبيين، فأنا أحبّ أن تحدِّثني الحديث فأحفظه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول.
قال عكرمة: فأعاد عليه ابن عباس الحديث، وأنا أستقريه في قلبي بابًا بابًا،
стр. 1910
فما زاد شيئًا ولا نقص، ولا قدّم شيئًا ولا أخّر، فزادني ذلك في ابن عباس رغبة، وللحديث حفظًا (١). (١: ٦٦/ ٦٧ / ٦٨/ ٦٩ / ٧٠/ ٧١ / ٧٢/ ٧٣ / ٧٤/ ٧٥).
٨٥ - ومما روي عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن الكوّاء لعليٍّ ﵇: يا أمير المؤمنين! ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ فهذه محوهُ (٢). (١: ٧٥).
٨٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلْق، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابنُ الكواء عليًّا ﵇ فقال: ما هذا السوادُ في القمر؟ فقال عليّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، هو المحو (٣). (١: ٨٦).
٨٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: كنت عند عليّ ﵇، فسأله ابن الكوّاء عن السواد الذي في القمر فقال: ذاك آية الليل محيتْ (٤). (١: ٨٦).
٨٨ - حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا عمران بن حُدير عن رفيع أبي كثيرة، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكوّاء فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال: قاتلك الله! هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك! ثم قال: ذاك محو الليل (٥). (١: ٨٦).
٨٩ - حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبان المصريّ، قال: حدثنا ابن عفير، قال: حدثنا ابن لهيعة عن حُييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رجلًا قال لعلى ﵁: ما السوادُ الذي في القمر؟
стр. 1911
قال: إن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١). (١: ٧٦).
٩٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: هو السواد بالليل (٢). (١: ٧٦/ ٧٧).
٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: كان القمرُ يضيء كما تُضيء الشمس، والقمرُ آية الليل، والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، السواد الذي في القمر (٣). (١: ٧٧).
٩٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جُرَيج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: السواد الذي في القمر، كذلك خلقه الله (٤). (١: ٧٧).
٩٢ / أ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين، فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرةً يبصر بها، ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه. وجائز أن يكون الله تعالى ذكرُه خَلَقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله مَنْ ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما.
وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تُكساها من ضوء العرش، ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي (٥). (١: ٧٨).
٩٢ / ب - وإذ كنّا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله في إنشاء
стр. 1912
ما أراد إنشاءه من خَلْقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سِني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار، وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربّها والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصحّ التأريخات، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تُدرَك معرفة ساعات الليل وأوقاته، وبالآخر تُدرك علم ساعات النهار وأوقاته. فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكًا، وأنعم عليه فكفر نعمتَه، وجحد ربوبيته، وَعتَا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله. ثم نُتْبعه ذكر من استنّ في ذلك سنّته، واقتفى فيه أثره، فأحلّ الله به نقمته، وجعله من شيعته، وألحقه به في الخزي والذلّ. ونذكر منْ كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو مِن الرسل والأنبياء إن شاء الله (١). (١: ٧٩).
٩٢ / ج - فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله.
وكان الله قد أحسن خلقه وشرفه وكرّمه وملّكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذُكر، وجعله مَع ذلك من خُزّان الجنة، فاستكبر على ربه وادعى الربوبية، ودعا مَنْ كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطانًا رجيمًا، وشوّه خَلْقه، وسلبه ما كان خوّله، ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نارَ جهنم، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرّب من غضبه، ومن الحَوْر بعد الكوْر.
ونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادّعائه ما لم يكن له ادّعاؤه، ثم نُتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، والسبب الذي به
стр. 1913
زال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه، وجميل آلائه، وغير ذلك من أموره، إن شاء الله مختصرًا (١). (١: ٧٩/ ٨٠).
ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك
٩٣ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض (٢). (١: ٨١).
٩٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نَمِر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلةً من الجنّ وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض (٣). (١: ٨١).
٩٥ - حدثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حَمَّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي: جُعل إبليس على سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكه خازنًا (٤). (١: ٨١).
٩٦ - حدثني عبدان المَرْوَزيّ، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال:
стр. 1914
كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض (١). (١: ٨١/ ٨٢).
٩٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلًا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا (٢). (١: ٨٢).
ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه وادعائه الربوبية
٩٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ قال: قال ابن جريج: من يقلْ من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلَّا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس (٣). (١: ٨٣).
٩٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيمًا! فقال: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٤). (١: ٨٣).
١٠٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور عن (٢)
стр. 1915
معمر، عن قتادة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾، قال: هي خاصة لإبليس (١). (١: ٨٣).
القول في الأحداث التي كانت في أيام ملك إبليس وسلطانه والسبب الذي به هلك وادعى الربوبية
١٠١ - فمن الأحداث التي كانت في ملك عدو الله - إذ كان لله مطيعًا - ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثناه أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن خلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازنًا من خزّان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ، قال: وخُلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مَارج من نار، وهو لسانُ النار الذي يكون في طرفها إذا ألهِبَتْ، قال: وخلق الإنسان من طين، فأوّل مَنْ سكن الأرض الجنّ فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضُهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس من جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لَم يصنعه أحد، قال: فاطّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه (٢). (١: ٨٤).
١٠٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجنّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، قال: فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقتلهم، فكانت الدماءُ وكان الفساد في الأرض (٣). (١: ٨٤).
стр. 1916
ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه
١٠٣ - اختلف السلف من الصحابة والتابعين في ذلك، وقد ذكرنا أحد الأقوال التي رُويت في ذلك عن ابن عباس، وذلك ما ذكر الضحاك عنه: أنه لما قتّل الجن الذين عصَوُا الله، وأفسدوا في الأرض وشرَّدهم، أعجبته نفسه ورأى في نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره (١). (١: ٨٥).
١٠٤ - والقول الثاني من الأقوال المرويَّة في ذلك عن ابن عباس: أنه كان مَلك سماء الدنيا وسائسها، وسائس ما بينها وبين الأرض، وخازن الجنة، مع اجتهاده في العبادة، فأعجب بنفسه، ورأى أن له بذلك الفضل، فاستكبر على ربه (٢) (١: ٨٥).
ذكر الرواية عنه بذلك:
١٠٥ - حدثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبيّ، قال: لما فرغ الله من خلْق ما أحبّ استوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلك سماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سُمّوا الجن لأنهم خزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره كبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلَّا لمزيّةٍ؛ هكذا حدثني موسى بن هارون (٣). (٨٥: ١).
١٠٦ - وحدثني به أحمد بن أبي خَيثمة عن عمرو بن حماد، قال: لمزيّة لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر في نفسه اطَّلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤). (١: ٨٦).
стр. 1917
١٠٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، عن خَلَّاد بن عطاء، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عَزَازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك الذي دعاه إلى الكِبْر، وكان من حي يسمَّون جنًّا (١). (١: ٨٦).
١٠٨ - وحدثنا به ابن حُميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاووس -أو مجاهد أبي الحجاج- عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلَّا أنه قال: كانَ ملَكًا من الملائكة اسمه عَزَازيل، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمَّوْن الجنّ من بين الملائكة (٢). (٨٦٠١).
١٠٩ - حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا شيبان، قال: حدثنا سَلّام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب، قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (٣). (١: ٨٦).
١٠٩ / أ - والقول الثالث من الأقوال المروية عنه أنه كان يقول: السبب في ذلك: أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله ، فأمرهم بأمر فأبوْا طاعته (٤). (١: ٨٦).
ذكر الرواية عنه بذلك:
١١٠ - حدثني محمّد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبِيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، قال: فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم، ثم خلق خلقًا آخر فقال: إني خالق بشرًا من طين فاسجدوا لآدم، فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، قال: ثم خلق هؤلاء فقال: ألا تسجدوا لآدم! قالوا: نعم، قال: وكان إبليس من
стр. 1918
أولئك الذين أبوْا أن يسجدوا لآدم (١). (١: ٨٧).
١١٠ / أ - وقال آخرون: بل السبب في ذلك: أنّه كان من بقايا الجنّ الذين كانوا في الأرض، فسفكوا فيها الدماء، وأفسدوا فيها، وعصوْا ربهم؛ فقاتلتهم الملائكة (٢). (١: ٨٧).
ذكر من قال ذلك:
١١١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو سعيد اليحمَديّ إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني سَوَّار بن الجعْد اليحمَديّ عن شهر بن حَوْشب، قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسرَه بعضُ الملائكة فذهب به إلى السماء (٣). (١: ٨٧).
١١٢ - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلّال، قال: حدثني سُنَيد بن داود، قال: حدثنا هُشَيم، قال: أخبرَنا عبد الرحمن بن يحيى عن موسى بن نُمَير وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسُبِي إبليس، وكان صغيرًا، وكان مع الملائكة يتعبد معهم، فلما أُمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا، وأبي إبليس، فلذلك قال الله : ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٤). (١: ٨٧).
١١٢ / أ - وقد قيل: إن سببَ هلاكه كان من أجل أنّ الأرضَ كان فيها قبل آدم الجنّ؛ فبعث الله إبليسَ قاضيًا يقضِي بينهم، فلم يزل يقضي بينهم بالحق ألف سنة حتى سمي حَكَمًا، وسمّاه الله به، وأوحى إليه اسمه، فعند ذلك دخله الكبر، فتعظّم وتكبّر، وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حَكَمًا البأسَ والعداوة والبغضاء، فاقتتلوا عند ذلك في الأرض ألْفَي سنة فيما زعموا؛ حتى إن خيولهم تخوض في دمائهم، قالوا: وذلك قول الله ﵎: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ وقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
стр. 1919
الدِّمَاءَ﴾! فبعث الله تعالى عند ذلك نارًا فأحرقتهم. قالوا: فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرَج إلى السماء، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدًا لم يعبده شيء من خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهدًا في العبادة حتى خلق الله آدم، فكان من أمره ومعصيته ربّه ما كان (١). (١: ٨٨).
القول في خلق آدم ﵇ -
١١٢ / ب - وكان مما حدث في أيام سلطانه وملكه خلق اللهُ تعالى ذكره أبانا
стр. 1920
آدم أبا البشر؛ وذلك لما أراد ﷻ أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء إبليس على الكِبْر ولم يعلمه الملائكة، وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار، وملكه وسلطانه للزوال، فقال عزّ ذكره لما أراد ذلك للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فأجابوه بأن قالوا [له]: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾! فروي عن ابن عباس: أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذين قد كانوا عهدوا من أمر الجنّ الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك، فقالوا لربهم جلّ ثناؤه لما قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أتجعلُ فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها، فكانوا يسفكون فيها الدماء ويُفسدون فيها ويعصونك، ونحن نُسَبِّحُ بحَمْدك ونُقَدّس لك، فقال الربّ تعالى ذكره لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، يقول: أعلم ما لا تعلمون من انطواء إبليس على التكبر، وعزْمِه على خلافه أمري، وتسويل نفسه له الباطل واغتراره، وأنا مبدٍ ذلك لكم منه لتروْا ذلك منه عِيانًا.
وقيل أقوال كثيرة في ذلك، قد حكينا منها جُمَلًا في كتابنا المسمى: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع (١). (١: ٨٩).
١١٣ - فلما أراد الله أن يخلق آدم ﵇ أمر بتربته أن تؤخذ من الأرض، كما حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: ثم أمر -يعني: الربّ ﵎ بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طينٍ لازب - واللازب الَّلزِج الطيِّب - من حَمَإ مَسْنونٍ، مُنتن، قال: وإنما كان حَمَأ مسنونًا بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده (٢). (١: ٨٩/ ٩٠).
١١٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهَمْدَانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي، قال:
стр. 1921
قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ يعني من شأن إبليس، فبعث الله جَبرئيل ﵇ إلى الأرض ليأتيَه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني شيئًا وتَشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ! إنها عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها. فرجع، فقال كما قال جَبرئيل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلَط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فبَلَّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا - واللازب هو يلتزق بعضه ببعض - ثم تُرك حتى تغير وأنتن، وذلك حين يقول: ﴿مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنْتِن (١). (١: ٩٠).
١١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القُمِّيّ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: بعث ربّ العزة إبليس، فأخذ من أديم الأرض، من عذبها ومِلْحها، فخلق منه آدم، ومن ثَمَّ سُمّيَ آدم، لأنه خلق من أديم الأرض، ومن ثَمَّ قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، أي هذه الطينة أنا جئتُ بها (٢). (١: ٩١).
١١٦: حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شُعْبة عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جُبَير، قال: إنما سُمِّي آدم لأنه خُلق من أديم الأرض (٣). (١: ٩١).
١١٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مِسْعَر عن أبي حَصيِن، عن سعيد بن جُبَير، قال: خُلِق آدم من أديم الأرض فُسمِّي آدمَ (٤). (١: ٩١).
١١٨ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا
стр. 1922
عمرو بن ثابت عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ ﵁، قال: إن آدم خُلِق من أديم الأرض، فيه الطيِّب والصالح والرديء، فكلّ ذلك أنت راءٍ في ولده الصالحَ والرديء (١). (١: ٩١).
١١٨ / أ - وذكر: أن الله تعالى ذكره لما خَمَّرَ طينة آدم تركها أربعين ليلة، وقيل أربعين عامًا جسدًا ملقى (٢). (١: ٩٢).
ذكر من قال ذلك:
١١٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أمر الله ﵎ بتربة آدم فرفعت، فخلق آدمَ من طين لازب من حمإ مسنون. قال: وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التّراب؛ قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقىً، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوّت، قال: فهو قول الله ﵎: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾؛ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثمّ يدخل في فيه ويخرج من دُبُره، ويدخل في دُبُره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، ولشيء ما خُلقتَ، ولئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنَّك، ولئن سُلّطتَ عليّ لأعصينك (٣). (١: ٩٢).
١٢٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حَمّاد؛ قال: حدثنا أسباط عن السدّيّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْدَانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢]؛ فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول حين يتكبر: تتكبّرُ عمّا عملتُ بيدي ولم أتكبّر أنا عنه! فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدّهم فزعًا إبليس، فكان يمرّ به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوّت
стр. 1923
الفخّار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾، ويقول: لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه وخرج من دُبُره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأُهلكنّه (١). (١: ٩٣).
١٢١ - وحدثنا عن الحسن بن بلال، قال: حدثنا حمَّاد بن سلمة عن سليمان التَيميِّ، عن أبي عثمان النهْدِيّ، عن سلْمان الفارسيّ، قال: خمّر الله تعالى طينة آدم ﵇ أربعين يومًا، ثم جمعه بيديه، فخرج طيّبُه بيمينه، وخبيثه بشماله، ثم مسح يديه إحداهما على الأخرى، فخلط بعضَه ببعض، فمن ثمَّ يخرج الطيّب من الخبيث، والخبيث من الطيّب (٢). (١: ٩٣).
١٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقال - والله أعلم: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين يومًا قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالًا كالفخّار، ولم تمسّه نار، قال: فلما مضى له من المدَّة ما مضى وهو طين صلصال كالفخّار؛ وأراد أن ينفخ فيه الروح؛ تقدّم إلى الملائكة فقال لهم: إذا نفختُ فيه من روحي فقَعُوا له ساجدين (٣). (١: ٩٣/ ٩٤).
стр. 1924
فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبَل رأسه (فيما ذكر عن السَّلَف قبْلنا: أنهم قالوه).
ذكر من قال ذلك:
١٢٣ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: فلما بلغ الحين الذي أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه؟ عطَس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربّك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح على رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فقال الله له: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين، قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ -يعني: ما ينبغي لك- ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، والصَّغَار الذلّ (١). (١: ٩٤).
١٢٤ - حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك، عن ابن عباس، قال: فلما نفخ الله فيه -يعني في آدم- مِنْ روحه أتت النفخة من قِبَل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلَّا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطَس فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله، فقال: يرحمك الله يا آدم، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلّهُم أجمعون إلَّا إبليس
стр. 1925
أبى واستكبر، لما كان حدَّث به نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد، وأنا خير منه وأكبر سنًّا، وأقوى خَلْقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، يقول: إن النار أقوى من الطين، قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله تعالى، أيأسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (١). (١: ٩٥).
١٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: فيقال - والله أعلم -: إنه لما انتهى الروحُ إلى رأسه عطس فقال: الحمد لله، قال: فقال له ربه: يرحمك ربّك، ووقعت الملائكة حين استوى سجودًا له، حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به، وقام عدوّ الله إبليس من بينهم، فلم يسجد متكبرًا متعظمًا بغيًا وحسدًا، فقال: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قال: فلما فرغ الله تعالى من إبليس ومعاتبته وأبى إلَّا المعصية أوقع الله تعالى عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة (٢). (١: ٩٥).
١٢٥ / أ - وقال آخرون: بل إنما عُلِّم اسمًا خاصًّا من الأسماء، قالوا: والذي عُلِّمه أسماء الملائكة (٣) (١: ٩٨).
ذكر من قال ذلك:
١٢٦ - حدثني عبدة المرْوَزيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء الملائكة (٤). (١: ٩٩).
وقال آخرون مثلَ قولِ هؤلاء في أن الذي علّم آدم [من] الأسماء [اسمًا] خاصًّا من الأشياء؛ غير أنهم قالوا: الذي عُلّم من ذلك أسماء ذريته.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧ - حدثني يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله
стр. 1926
عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء ذريته، فلما عَلَّم الله آدم الأسماء كلّها عرض الله أهلَ الأسماء على الملائكة، فقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وإنما قال ذلك للملائكة - فيما ذكر - لقولهم إذ قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فعرض - بعد أن خلق آدم ﵇ ونفخ فيه الروح، وعلمه أسماء كلّ شيء - مما خلق من الخلق - عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّي إن جعلت منكم خليفتي في الأرض أطعتموني وسبّحتموني وقدستموني ولم تعصوني، وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك، فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم، فأنتم بألّا تعلموا ما يكون من أمركم - إن جعلتُ خليفتي في الأرض منكم، أو من غيركم إن جعلته من غيركم، فهم عنْ أبصاركم غُيَّبٌ لا ترونهم ولا تعاينونهم، ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم - أحْرَى (١). (١: ٩٩).
وهذا قول رُوي عن جماعة من السلف.
ذكر بعض من رُوي ذلك عنه:
١٢٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسْباط عن السُّدِّي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يُفْسدون في الأرض ويسفكون الدماء (٢). (١: ١٠٠).
١٢٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجْعَلُ في الأرض خليفة (٣). (١: ١٠٠).
стр. 1927
١٢٩ / أ - وقد قيل: إن الله ﷻ قال ذلك للملائكة لأنه ﷻ لما ابتدأ في خلق آدم؛ قالوا فيما بينهم: لِيخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلُق، فلنْ يخلُقَ خلقًا إلَّا كنّا أعلم منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلق آدمَ ﵇ وعلَّمَه أسماءَ كلِّ شيء عرَض الأشياء التي علّم آدم أسماءها عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلِكم: إنّ الله لم يخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، وأكرم عليه منه (١). (١: ١٠٠).
١٣٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة، قالا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل، فعَرضوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوى منهم علمًا علِمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ - وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى: أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء - ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما أخذ تعالى في خلق آدم ﵇ همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا: ليخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلُقَ خَلقًا إلَّا كنا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا: أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه، لأنا كنّا قبله، وخلِقت الأمم قبله، فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا، فعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين أنّي لم أخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالا: ففزع القوم إلى التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولهم: لِيخلقْ ربنا ما شاء، فلن يخلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منّا، ولا أعلم منا، قال: علّمه اسْمَ كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعلَ يسمِّي كلَّ شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة، قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ
стр. 1928
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: أمّا ما أبدوْا؛ فقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وأمّا ما كتموا؛ فقولهم بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم (١). (١: ١٠١/ ١٠٢).
١٣١ - حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: وذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم: لن يخلق الله تعالى خلْقًا إلَّا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ عليه، فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضّل عليهم آدم، وعلّمه الأسماء كلها؛ وقال للملائكة: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فكان الذي أبدوْا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وكان الذي كتموا بينهم [قولهم]: لن يخلق ربّنا خلقًا إلَّا كنَّا نحن أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (٢). (١: ١٠٢/ ١٠٣).
١٣١ / أ - فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهرَ، ومن خلافه أمر ربه ما كان مستترًا عنهم من ذلك، عاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه بتركه السجود لآدم، فأصرّ على معصيته، وأقام على غيه وطغيانه - لعنه الله - فأخرجه من الجنة، وطرده منها، وسلبه ما كان أتاه من ملك السماء الدنيا والأرض، وعزله عن خَزْن الجنة فقال لهُ ﷻ : ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الأرض (٣). (١: ١٠٣).
١٣٢ - وأسكن الله حينئذ آدم جنّته؛ كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمَّاد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن
стр. 1929
أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مزة الهمْدَانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله: فأخرِج إبليس من الجنة حين لُعن وأسكِن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشيًّا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ؛ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ، فقال الله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾ (١). (١: ١٠٣/ ١٠٤).
١٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس؛ أقبل على آدم ﵇ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: ثم ألقى السِّنَة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم - عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، وَلأم مكانها لحمًا، وآدم ﵇ نائم لم يهبّ من نومته، حتى خلق الله تعالى من ضِلَعه تلك زوجه حواء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال: فيما يزعمون والله أعلم لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه؛ قال له قُبُلًا: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). (١: ١٠٤).
١٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله : ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال: حواء من قُصَيرَي آدم، وهو نائم فاستيقظ فقال: "أثا" بالنَّبَطية، امرأة (٣). (١: ١٠٤).
١٣٥ - حدثنا المثنَّى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن
стр. 1930
أبي نَجِيح، عن مجاهد مثله (١). (١: ١٠٥).
القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم ﵇ وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته، وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده، ومكَّنه في جنته من رغد العيش وهنيئه، وما أزال ذلك عنهُ، فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نَكد عيش أهل الأرض وعلاج الحراثة والعمل بالمَساحي والزراعة فيها
فلما أسكن الله آدم ﵇ وزوجه أطلق لهما أن يأكلا كلّ ما شاءا أكله من كل ما فيها من ثمارها، غير ثمر شجرة واحدة ابتلاءً منه لهما بذلك، وليمضي قضاء الله فيهما وفي ذريتهما، كما قال : ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل ما نهاهما ربُّهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة، وحسّن لهما معصية الله في ذلك، حتى أكلا منها؛ فبدت لهما من سوْآتهما ما كان مُوَارى عنهما منها (٢). (١: ١٠٦).
١٣٦ - فكان وصول عدوّ الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذي حدثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْداني، عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي، قال: لما قال الله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعه الخَزَنة، فأتى الحية؛ وهي دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير؛ وهي كأحسن الدوابّ فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخَلته في فمها، فمرّت الحية على الخزَنة [فدخلت] وهم لا يعلمون، لِمَا أراد الله من الأمر،