عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء ذريته، فلما عَلَّم الله آدم الأسماء كلّها عرض الله أهلَ الأسماء على الملائكة، فقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وإنما قال ذلك للملائكة - فيما ذكر - لقولهم إذ قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فعرض - بعد أن خلق آدم ﵇ ونفخ فيه الروح، وعلمه أسماء كلّ شيء - مما خلق من الخلق - عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّي إن جعلت منكم خليفتي في الأرض أطعتموني وسبّحتموني وقدستموني ولم تعصوني، وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك، فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم، فأنتم بألّا تعلموا ما يكون من أمركم - إن جعلتُ خليفتي في الأرض منكم، أو من غيركم إن جعلته من غيركم، فهم عنْ أبصاركم غُيَّبٌ لا ترونهم ولا تعاينونهم، ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم - أحْرَى (١). (١: ٩٩).
وهذا قول رُوي عن جماعة من السلف.
ذكر بعض من رُوي ذلك عنه:
١٢٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسْباط عن السُّدِّي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يُفْسدون في الأرض ويسفكون الدماء (٢). (١: ١٠٠).
١٢٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجْعَلُ في الأرض خليفة (٣). (١: ١٠٠).
стр. 1927
١٢٩ / أ - وقد قيل: إن الله ﷻ قال ذلك للملائكة لأنه ﷻ لما ابتدأ في خلق آدم؛ قالوا فيما بينهم: لِيخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلُق، فلنْ يخلُقَ خلقًا إلَّا كنّا أعلم منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلق آدمَ ﵇ وعلَّمَه أسماءَ كلِّ شيء عرَض الأشياء التي علّم آدم أسماءها عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلِكم: إنّ الله لم يخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، وأكرم عليه منه (١). (١: ١٠٠).
١٣٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة، قالا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل، فعَرضوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوى منهم علمًا علِمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ - وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى: أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء - ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما أخذ تعالى في خلق آدم ﵇ همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا: ليخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلُقَ خَلقًا إلَّا كنا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا: أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه، لأنا كنّا قبله، وخلِقت الأمم قبله، فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا، فعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين أنّي لم أخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالا: ففزع القوم إلى التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولهم: لِيخلقْ ربنا ما شاء، فلن يخلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منّا، ولا أعلم منا، قال: علّمه اسْمَ كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعلَ يسمِّي كلَّ شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة، قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ
стр. 1928
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: أمّا ما أبدوْا؛ فقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وأمّا ما كتموا؛ فقولهم بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم (١). (١: ١٠١/ ١٠٢).
١٣١ - حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: وذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم: لن يخلق الله تعالى خلْقًا إلَّا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ عليه، فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضّل عليهم آدم، وعلّمه الأسماء كلها؛ وقال للملائكة: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فكان الذي أبدوْا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وكان الذي كتموا بينهم [قولهم]: لن يخلق ربّنا خلقًا إلَّا كنَّا نحن أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (٢). (١: ١٠٢/ ١٠٣).
١٣١ / أ - فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهرَ، ومن خلافه أمر ربه ما كان مستترًا عنهم من ذلك، عاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه بتركه السجود لآدم، فأصرّ على معصيته، وأقام على غيه وطغيانه - لعنه الله - فأخرجه من الجنة، وطرده منها، وسلبه ما كان أتاه من ملك السماء الدنيا والأرض، وعزله عن خَزْن الجنة فقال لهُ ﷻ : ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الأرض (٣). (١: ١٠٣).
١٣٢ - وأسكن الله حينئذ آدم جنّته؛ كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمَّاد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن
стр. 1929
أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مزة الهمْدَانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله: فأخرِج إبليس من الجنة حين لُعن وأسكِن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشيًّا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ؛ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ، فقال الله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾ (١). (١: ١٠٣/ ١٠٤).
١٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس؛ أقبل على آدم ﵇ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: ثم ألقى السِّنَة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم - عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، وَلأم مكانها لحمًا، وآدم ﵇ نائم لم يهبّ من نومته، حتى خلق الله تعالى من ضِلَعه تلك زوجه حواء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال: فيما يزعمون والله أعلم لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه؛ قال له قُبُلًا: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). (١: ١٠٤).
١٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله : ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال: حواء من قُصَيرَي آدم، وهو نائم فاستيقظ فقال: "أثا" بالنَّبَطية، امرأة (٣). (١: ١٠٤).
١٣٥ - حدثنا المثنَّى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن
стр. 1930
أبي نَجِيح، عن مجاهد مثله (١). (١: ١٠٥).
القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم ﵇ وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته، وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده، ومكَّنه في جنته من رغد العيش وهنيئه، وما أزال ذلك عنهُ، فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نَكد عيش أهل الأرض وعلاج الحراثة والعمل بالمَساحي والزراعة فيها
فلما أسكن الله آدم ﵇ وزوجه أطلق لهما أن يأكلا كلّ ما شاءا أكله من كل ما فيها من ثمارها، غير ثمر شجرة واحدة ابتلاءً منه لهما بذلك، وليمضي قضاء الله فيهما وفي ذريتهما، كما قال : ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل ما نهاهما ربُّهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة، وحسّن لهما معصية الله في ذلك، حتى أكلا منها؛ فبدت لهما من سوْآتهما ما كان مُوَارى عنهما منها (٢). (١: ١٠٦).
١٣٦ - فكان وصول عدوّ الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذي حدثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْداني، عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي، قال: لما قال الله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعه الخَزَنة، فأتى الحية؛ وهي دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير؛ وهي كأحسن الدوابّ فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخَلته في فمها، فمرّت الحية على الخزَنة [فدخلت] وهم لا يعلمون، لِمَا أراد الله من الأمر،
стр. 1931
فكلّمه من فمها ولم يُبال كلامه، فخرج إليه فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنتَ مَلِكًا مثل الله ﵎ أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدًا، وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين، وإنما أراد بذلك أن يبديَ لهما ما توارى عنهما من سوءاتهما بهَتْك لباسهما، وكان قد علم أن لهما سَوْءَةً لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظُّفْر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ؛ فإني قد أكلتُ، فلم يضرّني، فلما أكل؛ بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يَخْصفان عليهما من ورق الجنة (١). (١: ١٠٦/ ١٠٧).
١٣٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن ليث ابن أبي سُلَيم، عن طاووس اليمانيّ، عن ابن عباس، قال: إن عدوّ الله إبليس عرَض نفسه على دوابّ الأرض؛ أيها تحمله حتى تدخل به الجنة حتى يكلّم آدم وزوجه، فكلّ الدواب أبي ذلك عليه، حتى كلّمَ الحية، فقال لها: أمنعُك من بني آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة، فجعلته بين نابَين من أنيابها ثم دخلت به، فكلمهما من فمها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله تعالى وجعلها تمشي على بطنها، قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتموها، وأخْفِروا ذمة عدوّ الله فيها (٢). (١: ١٠٧).
١٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: لما أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونُها متشعب بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلّهما دخل في جوف الحية، وكان للحية أربع قوائم، كأنها بُختيّة من أحسن دابة خلقها الله تعالى، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب
стр. 1932
ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأخذت حوّاء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت: انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه: يا آدم، أين أنت؟ قال: أنا هذا يا ربّ، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا ربّ، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة حتى يتحول ثمارها شوكًا! قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة كانت أفضل من الطلح والسِّدر. ثم قال: يا حوّاء! أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَمْلًا إلَّا حملتِه كرهًا، فإذا أردت أن تضعِي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في بطنك حتى غرّ عبدي، ملعونة أنت لعنة حتى تتحول قوائمُك في بطنك، ولا يكنْ لك رزق إلَّا التراب، أنتِ عدوّة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذتِ بعقبهِ، وحيث لقيَك شدَخ رأسك.
قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء (١). (١: ١٠٨).
١٣٩ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رغدًا حيث شاءا، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحيّة، فكلّم حواء، ووسوس إلى آدم فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ قال: فقطعت حوّاء الشجرة فدمِيت الشجرة، وسقط عنهما رياشهما الذي كان عيهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لمَ أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا ربّ أطعمتْني حواء. قال لحواء: لم أطعمتِه؟ قالت: أمرتْني الحية، قال للحية: لم أمرتِها؟ قالت: أمرَني إبليس، قال: ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء؛ فكما أدميتِ الشجرة تَدْمَينَ في كلّ هلال، وأما أنتِ يا حية؛ فأقطعُ قوائمك
стр. 1933
فتمشين جريًا على وجهك، وسيشدَخ رأسكَ مَنْ لقيَك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدو (١). (١: ١٠٩).
١٤٠ - حدثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدّث: أن الشيطان دخل الجنة في صورةِ دابة ذات قوائم، فكان يُرَى: أنه البعير، قال: فَلُعِن، فسقطت قوائمه فصار حيّة (٢). (١: ١٠٩).
١٤١ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع قال: وحدثني أبو العالية؛ قال: إنّ من الإبل ما كان أولها من الجنّ. قال: فأبيحت له الجنة كلّها -يعني: آدم- إلَّا الشجرة، وقيل لهما ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: نُهيتما عن شيء؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرة، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. قال: فبدأتْ حواء فأكلمتْ منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرة، مَنْ أكل منها أحدث، قال: ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَثٌ، قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، قال: فأخرج آدم من الجنة (٣). (١: ١٠٩/ ١١٠).
١٤٢ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: أن آدم ﵇ حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة، وما أعطاه الله منها؛ قال: لو أنا خُلّدنا! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه، فأتاه من قِبَل الخُلْد (٤). (١: ١١٠).
١٤٣ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: حُدّثتُ: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أحزنتْهما حين سمعاها، فقالا له: ما يُبْكيك؟ قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال:
стр. 1934
يا آدم هل أدلُّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أي: تكونان ملَكين أو تخلدان، أي إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان يقول الله : ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١). (١: ١١٠/ ١١١).
١٤٤ - حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله : ﴿فَوَسْوَسَ﴾: وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسّنها في عين آدم، قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت: لا، إلَّا أن تأتيَ هاهنا، فلما أتى قالت: لا، إلَّا أن تأكل من هذه الشجرة، قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما. قال: وذهب آدم هاربًا في الجنة، فناداه ربُّه: يا آدم، أمنّي تفرّ؟ قال: لا يا ربّ، ولكن حياءً منك، قال: يا آدم، أنَّى أُتِيتَ؟ قال: من قِبَل حواء يا رب؛ فقال الله فإنّ لها عليّ أن أدميَها في كل شهر مرة، كما أدمتْ هذه الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، وقد كنت خلقتُها حليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، وَقَدْ كنت جعلتها تحمل يَسَرًا وتضع يَسَرًا. قال ابن زيد: ولولا البليّةُ التي أصابت حواء لكان نساءُ أهل الدنيا لا يَحِضْنَ، وَلَكُنَّ حليمات، ولكُنْ يحملن يسرًا، ويضعن يسرًا (٢). (١: ١١١).
١٤٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواءَ سقتْه الخمر حتى إذا سكِر قادته إليها، فأكل منها فلما واقع آدم وحواء الخطيئة، أخرجهما الله تعالى من الجنة، وسلبَهما ما كانا فيه من النعمة والكرامة، وأهبطهما وعدوهما إبليس والحيّة إلى الأرض، فقال لهم ربهم: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (٣). (١: ١١١/ ١١٢).
وكالذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم.
стр. 1935
١٤٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل، عن إسماعيل السّديّ، قال: حدثني مَنْ سمع ابن عباس يقول: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وحواء وإبليس والحية (١). (١: ١١٢).
١٤٧ - حدثنا سفيان بن وكيع، وموسى بن هارون، قالا: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهَمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فلعن الحيّة فقطع قوائمها، وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب، وأهبط إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية (٢). (١: ١١٢).
١٤٨ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله : ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وحواء وإبليس والحية (٣). (١: ١١٢).
القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض
١٤٨ / أ - قَدْ تظاهرت الأخبار عن رسول الله بأن الله خلق آدم ﵇ يوم الجمعة، وأنه أخرجه فيه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض فيه، وأنه فيه تاب عليه، وفيه قبضه (٤). (١: ١١٣).
١٤٩ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور ومغيرة، عن
стр. 1936
زياد بن كليب أبي معشر، عن إبراهيم، عن الْقَرْثَع الضَّبيّ - وكان القرثع من القراء الأولين - قال: قال سلمان: قال لي رسول الله: "يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، يقولها ثلاثًا: "يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ فيه جَمّع أبوك"، أو "أبوكم" (١). (١: ١١٤/ ١١٥).
١٥٠ - حدثني محمد بن عُمَارة الأسديّ، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان عن يحيى، عن أبي سلَمة، أنه سمع أبا هريرة يحدّث، أنه سمع كعبًا يقول: خيرُ يومِ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم ﵇، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة (٢). (١١٥: ١).
١٥١ - حدثني الحسين بن يزيد الأَدَميّ، قال: حدثنا روْح بن عُبادة، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار، عن عُبَيد بن عمير، قال: إنّ أولَ يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعة، وهو أفضل الأيام: فيه خلق الله تعالى ذكره آدم؛ خلقه على مثل صورته، فلما فرغ عطس آدم فألقى الله تعالى عليه الحمد، فقال الله: يرحمك ربّك (٣). (١: ١١٥).
١٥٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال سلمان. قال لي رسول الله: "يا سلمان، أتدري ما يومُ الجمعة؟ " مرتين أو ثلاثًا، قال: "هوَ اليوم الذي جمّع فيه أبوكم آدم"، أو "جمّع فيه أبوكم" (٤). (١: ١١٥).
стр. 1937
ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم ﵇ من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض
١٥٣ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله : ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال: قول آدم حينَ خُلِق بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم [الجمعة] خلق الخلق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله؛ قال: يا ربّ استعجل بخلقي قبل غروب الشمس (١). (١: ١١٧).
١٥٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد مثله (٢). (١: ١١٨).
١٥٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجّاج عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: آدم حين خُلق بعد كلّ شيء، ثم ذكره نحوه؛ غير أنه قال في حديثه: استعجلْ بخلقي، قد غربت الشمس (٣). (١١٨: ١).
١٥٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينِك اليومين - يريد يوم الجمعة - وخلقه على عَجَلة وجعله عجولًا (٤). (١: ١١٨).
١٥٧ - وقد زعم بعضهم أن الله أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مَضَتَا من نهار يوم الجمعة، وقيل لثلاث ساعات مضينَ منه، وأهبطه إلى الأرض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم، فكان مقدار مُكْثهما في الجنة خمس ساعات منه. وقيل: كان ذلك ثلاث ساعات. وقال بعضهم: أخرج آدم ﵇ من الجنة الساعة التاسعة أو العاشرة (٥). (١: ١١٨).
стр. 1938
ذكر من قال ذلك:
١٥٨ - قال أبو جعفر: قرأتُ على عبدان بن محمد المروَزِيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، عن أنس، عن أبي العالية، قال: أخرِج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فقال لي: نعم؛ لخمسة أيام مضين من نَيسان (١). (١: ١١٨).
١٥٨ / أ- فإن كان قائل هذا القول أراد الله أن ﵎ أسكن آدم وزوجته الفردوْس لساعتين مضتا من نهار يوم الجُمعة من أيام أهل الدنيا التي هي على ما [هي] به اليوم؛ فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك؛ لأن الأخبار إذا كانت واردة عن السّلَف من أهل العلم، بأن آدم خُلِق في آخر ساعة من اليوم السادس من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا. فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عامًا من أعوامنا، وقد ذكرنا آن آدمَ بعد أن خَمّر ربنا طينته بقيَ قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عامًا؛ وذلك لا شك أنه عَنَى به من أعوامنا وسنيننا. ثم [من] بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمرُه، وأُسكن الفِرْدَوْس، وأهبِط إلى الأرض غير مستنكَر أن يكون كان مقداره من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة. فإن كان أراد أنه أُسكن الفِردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا، فقد قال غير الحق، وذلك أن جميعَ مَنْ حُفِظ له قول في ذلك من أهل العلم؛ فإنه كان يقول: إنّ آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس من ذلك اليوم. ثم الأخبار عن رسول الله متظاهرة بأن الله ﵎ أسكنه الجنة فيه، وفيه أهبطه إلى الأرض. فإن كان ذلك صحيحًا، فمعلوم أن آخر ساعة من نهار يوم من أيام الآخرة ومن الأيام التي اليوم الواحد منها مقداره ألف سنة من سنيننا، إنما هي ساعة بعد مُضيّ إحدى عشرة ساعة، وذلك ساعة من اثنتَي عشرة ساعة، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر من سنيننا؛ فآدم صلوات الله عليه إذ كان الأمر كذلك؛ إنما خُلِق لمضيّ إحدى عشرة ساعة من نهار يوم الجمعة من الأيام التي اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا، فمكث
стр. 1939
جسدًا ملقىً لم يُنفخ فيه الروح أربعين عامًا من أعوامنا. ثم نفخ فيه الروح. فكان مكثُه في السماء بعد ذلك ومُقدمه في الجنة، إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط إلى الأرض ثلاثًا وأربعين سنة من سنيننا وأربعة أشهر، وذلك ساعة من ساعات يوم من الأيام الستة التي خلق الله تعالى فيها الخلق (١). (١: ١١٨/ ١١٩).
١٥٩ - وقد حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتَين: صلاة الظهر وصلاة العصر، فأنزِل إلى الأرض وكان مكثه في الجنة نصف يوم، يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمئة سنة، من يومٍ كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعدّ أهل الدنيا، وهذا أيضًا قولٌ خلاف ما وردت به الأخبار عن رسول الله، وعن السلف من علمائنا (٢). (١٢٠: ١).
القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها
ثم إن الله أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه - وذلك يوم الجمعة - من السماء مع زوجته، وأنزل آدم - فيما قال علماء سلف أمة نبينا - بالهند.
ذكر من حضرنا ذكرُه ممن قال ذلك منهم:
١٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر عن قتادة، قال: أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبِطه بأرض الهند (٣). (١٢١: ١).
١٦١ - حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عِمران بن عُيَينَةَ، قال: أخبرنا
стр. 1940
عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: إن أول ما أهبط الله تعالى آدمَ أهبطه بدَهْنا أرض الهند (١). (١: ١٢١).
١٦٢ - حدِّثت عن عَمّار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: أهبِط آدم إلى الهند (٢). (١: ١٢١).
١٦٣ - حدثني ابن سنان، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس، قال: قال علي بن أبي طالب ﵇: أطيبُ أرض في الأرض ريحًا أرض الهند، أهبِط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنة (٣). (١: ١٢١).
١٦٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أُهبِط آدم بالهند، وحواء بجُدَّة، فجاء في طلبها حتى اجتمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سمّيت المزدلفة، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت عرفات، واجتمعا بجَمْع فلذلك سميت جمْعًا. قال: وأهبط آدم على جبل بالهند يقال له بَوْذ (٤). (١: ١٢١).
١٦٥ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القتّ، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنا عبد الله بن عباس: أنّ آدم نزل حين نزل بالهند (٥) (. (١: ١٢٢).
١٦٦ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: وأما أهلُ التوارة فإنهم قالوا: أهبِط آدم بالهند على جبل يقال له واسم، عند واد يقال له
стр. 1941
بهيل بين الدَّهْنَج والمندل: بلدين بأرض الهند. قالوا: وأهبطت حواء بجُدّة من أرض مكة (١). (١: ١٢٢).
١٦٦ / أ- وقال آخرون: بل أهبِط آدم بسَرَنْديب، على جبل يدعى بَوْذ، وحواء بجُدة من أرض مكة، وإبليس بمَيْسَان، والحية بأصبَهان. وقد قيل: أهبِطت الحية بالبريّة، وإبليس بساحل بحر الأُبُلَّة.
وهذا مما لا يوصل إلى علم صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة، ولا يُعلم خبرٌ في ذلك ورد كذلك غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند؛ فإن ذلك مما لا يدفع صحتَه علماء الإسلام وأهل التوارة والإنجيل، والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء (٢). (١: ١٢٢).
١٦٦ / ب - وذُكِر أن الجبل الذي أهبط عليه آدم ﵇ ذرْوته من أقرب ذُرَا جبال الأرض إلى السماء، وأن آدم حين أهبِط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم؛ فكان آدم يأنس بذلك، وكانت الملائكة تهابه، فنُقِص من طول آدم لذلك (٣). (١: ١٢٣).
ذكر من قال ذلك:
١٦٧ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان عن سَوَّار خَتن عطاء، عن عطاء بن أبي رَباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة كان رجْلاه في الأرض، ورأسُه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شَكَتْ إلى الله تعالى في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوُجِّه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية، وخُطْوته مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزلْ يطوف به حتى أنزل الله تعالى الطوفان، فرفِعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى إبراهيم الخليل
стр. 1942
- ﵇ فبناه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ (١). (١: ١٢٣).
١٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر عن قتادة، قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، فكان رأسُه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنُقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم؛ إذ فقد أصواتَ الملائكة وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم! إنّي أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتصلِّي عنده كما يصلَّى عند عرشي. فانطلق إليه آدم ﵇، فخرج وَمُدّ له في خطوه، فكان بين كلّ خطوة مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فأتى آدم ﵇ البيت، فطاف به ومَنْ بعده [من] الأنبياء (٢). (١: ١٢٣).
١٦٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما حُطّ من طول آدم ﵇ إلى ستين ذراعًا أنشأ يقول: ربِّ، كنتُ جارَك في دارك؛ ليس لي ربّ غيرك، ولا رقيب دونك، آكل فيها رغدًا، وأسكن حيث أحببت، فأهبطتَني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفّون بعرشك، وأجِد ريحَ الجنة وطيبها، ثم أهبطتَني إلى الأرض، وحططتني إلى ستين ذراعًا، فقد انقطع عني الصوتُ والنظر، وذهب عني ريح الجنة. فأجابه الله : لمعصيتك يا آدم فعلتُ ذلك بك. فلما رأى الله تعالى عُرْيَ آدم وحواء أمره أن يذبح كبشًا من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل من الجنة، فأخذ كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلتْه حواء، ونسجه هو وحواء، فنسج آدم جُبّة لنفسه، وجعل لحواء دِرْعًا وخِمارًا، فلبسا ذلك، وأوحى الله تعالى إلى آدم أن لي حرمًا بحيَال عرشي، فانطلق فابن لي فيه بيتًا، ثم حُفَّ به كما رأيت ملائكتي يحفّون بعرشي، فهنالك أستجيبُ لك ولولدك؛ مَنْ كان منهم في طاعتي، فقال آدم: أي ربّ، فكيف لي بذلك، لست أقوى عليه ولا أهتدي له! فقيَّض الله له ملَكًا؛ فانطلق به نحو مكة، فكان آدم إذا مرّ بروضة ومكان
стр. 1943
يُعجبه قال للملَك: انزلْ بنا هاهنا، فيقول له الملَك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزل به صار عمرانًا، وكلّ مكان تعدّاه صار مفاوزَ وقفارًا، فبنى البيت من خمسة أجْبُل: من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجوديّ، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به الملكُ إلى عرفات؛ فأراه المناسك كلَّها التي تفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة؛ فطاف بالبيت أسبوعًا، ثم رجع إلى أرض الهند، فمات على بَوْذ (١). (١: ١٢٤)
١٧٠ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القَتّ، قال: قال لي مجاهد: لقد حدّثني عبد الله بن عباس أن آدم ﵇ نزل حين نزل بالهند، ولقد حجّ منها أربعين حجّة على رجليه، فقلت له: يا أبا الحجاج، ألا كان يركب؟ قال: فأيّ شيء كان يحمله! فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيام، وإن كان رأسه ليبلغ السماءَ، فاشتكت الملائكة نَفسَه، فهمزه الرحمن همزةً؛ فتطأطأ مقدار أربعين سنة (٢). (١: ١٢٥).
١٧١ - حدثني صالح بن حرب أبو مَعمر مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثُمامة بن عبيدة السلميّ، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: قال نافع: سمعت ابن عمر، يقول: إن الله تعالى أوحى إلى آدم ﵇ وهو ببلاد الهند: أن حُجَّ هذا البيت. فحجّ آدم من بلاد الهند، فكان كلّما وضع قدمه صار قرية، وما بين خطوَتيه مفازة، حتى انتهى إلى البيت فطاف به، وقضى المناسك كلَّها، ثم أراد الرجوعَ إلى بلاد الهند فمضى، حتى إذا كان بمأزمَي عرفات؛ تلفتْه الملائكة؛ فقالوا: بَرَّ حَجُّك يا آدم! فدخله من ذلك عجب، فلما رأت الملائكة ذلك منه قالوا: يا آدم، إنا قد حَجَجْنَا هذا البيت قبل أن تُخْلَق بألفي سنة، قال: فتقاصرت إلى آدم نفسه (٣). (١: ١٢٥).
١٧١ / أ- وذكر أن آدم ﵇ أهبط إلى الأرض، وعلى رأسه إكليل من شجر الجنَّة، فلما صار إلى الأرض، ويبس الإكليل؛ تحاتَّ ورقه فنبت منه أنواع الطيب.
стр. 1944
وقال بعضهم: بل كان ذلك ما أخبر الله عنهما، أنهما جعلا يخصِفان عليهما من ورق الجنة، فلما يبس ذلك الورق الذي خصَفاه عليهما تحاتَّ فنبت من ذلك الورق أنواعُ الطيب والله أعلم (١). (١: ١٢٥).
١٧٢ - وقال آخرون: [بل] لا علم آدم أنّ الله مُهبِطُه إلى الأرض، جعل لا يمرُّ بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ غصنًا من أغصانها، فهبط إلى الأرض وتلك الأغصان معه، فلما يبس ورقها تحاتَّ، فكان ذلك أصل الطيب (٢). (١: ١٢٦).
ذكر من قال ذلك:
١٧٣ - حدثنا أبو همام، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القتّ قال: قال [لي] مجاهد: لقد حدَّثني عبد الله بن عباس: أن آدم حينَ خرج من الجنة كان لا يمرُّ بشيء إلا عبث به، فقيل للملائكة: دعُوه فليتزودْ منها ما شاء، فنزل حين نزل بالهند، وإن هذا الطيب الذي يُجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنة (٣). (١: ١٢٦).
ذكر من قال: كان على رأس آدم ﵇ حين أهبط من الجنة إكليل من شجر الجنة:
١٧٤ - حُدِّثت عن عصار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: خرج آدم من الجنة، فخرج منها ومعه عصا من شجر الجنة، وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة، قال: فأهبِط إلى الهند، ومنه كلّ طيب بالهند (٤). (١: ١٢٦).
١٧٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: هبط آدم عليه -يعني على الجبل الذي هبط عليه- ومعه ورق من ورق الجنة، فبثَّه في ذلك الجبل، فمنه كان أصلُ الطيب كلّه، وكلّ فاكهة لا توجد إلا بأرض الهند (٥). (١: ١٢٦).
стр. 1945
وقال آخرون: بل زوّده الله من ثمار الجنة، فثمارنا هذه من تلك الثمار.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر عن عوف، عن قَسامة بن زُهير، عن الأشعري، قال: إن الله ﵎ لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلّمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة؛ غيرَ أنّ هذه تتغيَّر وتلك لا تتغيّر (١). (١: ١٢٧).
وقال آخرون: إنما علق بأشجار الهند طيب ريح آدم ﵇.
ذكر من قال: إنما صار الطيب بالهند لأن آدم حين أهبط إليها عَلِق بأشجارها طيب ريحه:
١٧٧ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل آدم ﵇ معه ريحُ الجنة، فعلِق بشجرها وأوديتها وامتلأ ما هنالك طيبًا، فمن ثَمَّ يُؤتى بالطيب من ريح الجنة.
وقالوا: أنزل معه من طيب الجنة (٢). (١: ١٢٧).
وقال: أنزل معه الحجر الأسود، وكان أشدَّ بياضًا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنة؛ طولها عشرة أذرع على طول موسى، ومُرّ، ولُبان، ثم أنزل عليه بعد ذلك العلاةَ والمِطرقة والكلبتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل؛ فقال: هذا من هذا، فجعل يكسِر أشجارًا قد عتَقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصن حتى ذاب، فكان أوَّلَ شيء ضربه مُدْية، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنّور، وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالعذاب بالهند. وكان آدم حين هبط يمسح رأسه السماء، فمن ثَمَّ صَلِعَ، وأورث ولده الصَّلَع ونفرت من طوله دوابّ البرّ، فصارتْ وحشًا من يومئذ، وكان آدم ﵇ وهو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات
стр. 1946
الملائكة، ويجد ريح الجنة، فحُطَّ من طوله ذلك إلى ستين ذراعًا، فكان ذلك طوله إلى أن مات. ولم يُجمع حسنُ آدم ﵇ لأحد من ولده إلا ليوسف ﵇.
وقيل: إن من الثمار التي زوّد الله آدم ﵇ حين أُهْبِط إلى الأرض ثلاثين نوعًا: عشرة منها في القشور وعشرة لها نوىً، وعشرة لا قشورَ لها ولا نوىً. فأما التي في القشور منها فالجوز، واللوز، والفستق، والبندق؛ والخَشخاش، والبلُّوط، والشاهبلوط، والرانج، والرمان، والموزُ. وأما التي لها نوىً منها فالخوخ، والمشمش، والإجّاص، والرُّطَب، والغبيراء، والنبق، والزُعرور، والعناب، والمُقْل، والشاهلوج. وأما التي لا قشور لها ولا نوىً فالتُّفَّاح، والسفرجل، والكمّثرى، والعنب، والتوت، والتين، والأترج، والخرنوب، والخيار، والبِطّيخ.
وقيل: كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرَّة من حنطة؛ وقيل: إن الحنطة إنما جاءه بها جبرئيل ﵇ بعد أن جاع آدم، واستطعم ربَّه، فبعث الله إليه مع جَبْرئيل ﵇ بسبع حبات من حنطة، فوضعها في يد آدم ﵇، فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هذا الذي أخرجك من الجنة، وكان وزن الحبة منها مئة ألف درهم وثمانمئة درهم، فقال آدم: ما أصنع بهذا؟ قال: انثره في الأرض ففعل، فأنبته الله من ساعته، فجرت سنَّة في ولده البذر في الأرض، ثم أمره فحصَده، ثم أمره فجمعه وفركه بيده، ثم أمره أن يذرِّيَه، ثم أتاه بحجرين فوضعَ أحدهما على الآخر فطحنه، ثم أمره أن يعجنه، ثم أمره أن يخبزه مَلَّةً، وجمع له جبرئيل ﵇ الحجر والحديد فقدحَه، فخرجت منه النار، فهو أول مَنْ خبز الملَّة (١). (١: ٢٩).
١٧٧ / أ - وهذا [القول] الذي حكيناه عن قائل هذا القول، خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمة نبينا، وذلك أن المثنّى بن إبراهيم حدثني أن إسحاق حدثه، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عُمارة، عن المنهال بن عمرو، وعن سعيد بن جُبير، عن ابن
стр. 1947
عباس، قال: كانت الشجرةُ التي نهى الله عنها آدمَ وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوءاتهما أظفارهما، وطَفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين يُلصقان بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليًا في الجنة، فأخذت برأسه شجرٌ من الجنة فناداه: يا آدم، أمني تفرّ؟ قال: لا، ولكني استحيتك يا ربّ، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرّمتُ عليك! قال: بلى يا ربّ، ولكن وعزّتك ما حسبتُ أن أحدًا يحلف بك كاذبًا، قال: - وهو قول الله ﵎: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ - قال: فبعزتي لأهبطنَّك إلى الأرض، فلا تنال العيش إلا كدًّا. قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان فيها رَغدًا، فأهبِط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلِّم صنعة الحديد، وأمِر بالحرْث فحرثَ وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حَصَدَه، ثم داسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغْه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ (١). (١: ٢٩).
١٧٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرثَ عليه، ويمسِح العرق عن جبينه، فهو الذي قال الله : ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾؛ فكان ذلك شقاؤه (٢). (١: ١٣٠).
١٧٨ / أ- وقد قيل: إن آدم ﵇ نزل معه السِّندان، والكلبتان، والميقعة، والمِطْرقة (٣). (١: ١٣٠).
ذكر من قال ذلك:
١٧٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن عِلْباء بن أحمر؛ عن عِكْرمة؛ عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم ﵇: السِّندان، والكلبتان، والميقعة، والمِطْرقة (٤). (١٣٠: ١).
стр. 1948
١٨٠ - ثم إن الله عزّ ذكره فيما ذكر أنزل آدم من الجبل الذي أهبطه عليه إلى سفحه، وملّكه الأرض كلها، وجميع ما عليها من الجنّ والبهائم والدوابّ والوحش والطير وغير ذلك، وأن آدم ﵇ لما نزل من رأس ذلك الجبل، وفقد كلام أهل السماء، وغابت عنه أصوات الملائكة، ونظر إلى سعة الأرض وبسطتها، ولم ير فيها أحدًا غيرَه، استوحش فقال: يا ربّ، أما لأرضك هذه عامر يسبِّحك غيري (١)! (١: ١٣١). فأجِيب بما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن ادمَ لما أهْبِط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدًا غيرَه، قال: يا ربّ، أما لأرضك هذه عامر يسبِّح بحمدك ويقدس لك غيري! قال الله: إني سأجعل فيها من ولدك مَنْ يسبِّح بحمدي ويقدِّسني، وسأجعل فيها بيوتًا تُرفع لذكري، ويسبِّح فيها خلقي، ويُذكر فيها اسمي، وسأجعل من تلك البيوت بيتًا أخضُه بكرامتي، وأوثره باسمي، وأسمِّيه بيتي، أُنْطقه بعظمتي، وعليه وضعتُ جلالي؛ ثم أنا مع ذلك في كلّ شيء ومع كلّ شيء، أجعل ذلك البيت حرمًا آمنًا يحرُم بحرمته مَنْ حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرَّمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، ومن أخاف أهله فيه فقد أخْفَر ذمتي، وأباح حرمتي. أجعله أوّل بيت وُضع للناس ببطن مكة مبارَكًا، يأتونه شُعْثًا غبْرًا على كلِّ ضامر، من كل فجٍّ عميق، يرجّون بالتلبية رجيجًا، ويثُجّون بالبكاء ثجيجًا، ويعِجّون بالتكبير عجيجًا، فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وَفد إليّ ورارني وضافني، وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يُسْعِف كلًّا بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حيّا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن (٢). (١: ١٣١).
١٨١ - ثم أمر آدم ﵇ فيما ذكر - أن يأتيَ البيت الحرام الذي أهبِط له إلى الأرض، فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله، وكان ذلك ياقوتة واحدة أو درّة واحدة؛ كما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن أبان: أن البيت أهبط ياقوتةً واحدة أو درة
стр. 1949
واحدة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه. وقد ذكرتُ الأخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل (١). (١: ١٣٢).
١٨٢ - فذكر أن آدم ﵇ بكى واشتد بكاؤه على خطيئته، وندم عليها، وسأل الله قبول توبته، وغفران خطيئته، فقال في مسألته إياه: ما سأل من ذلك، كما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾ قال: أيّ ربّ! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ! ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ! ألم تسبق رحمتك غضبَك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تبتُ وأصلحت؛ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى! قال: فهو قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٢). (١: ١٣٢).
١٨٣ - حدثني بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع عن سعيد، عن قتادة، قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ذ كر لنا أنه قال: يا ربّ! أرايت إن أنا تبتُ وأصلحت! قال: إذًا أرجعك إلى الجنة. قال: وقال الحسن: إنهما قالا: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٣). (١: ١٣٢).
١٨٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان وقيس عن خُصَيف، عن مجاهد، في قوله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قولة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). (١: ١٣٣).
١٨٥ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرنا أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أنزل آدم معه حين أهبط من الجنة الحجر الأسود، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، وبكى آدم وحواء على ما فاتهما -يعني من نعيم الجنة- مئتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا
стр. 1950
أربعين يومًا، ثم أكلا وشربا، وهما يومئذ على بَوْذ؛ الجبل الذي أهبط عليه آدم ولم يقرب حواء مئة سنة (١). (١: ١٣٣).
١٨٦ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثَمة عن أبي يحيى بائع القتّ؛ قال: قال لي مجاهد، ونحق جلوس في المسجد: هل ترى هذا؟ قلتُ: يا أبا الحجاج، الحجَر؟ قال: كذلك تقول؟ قلت: أوَ ليس حجَرًا! قال: فوالله لحدثني عبدُ الله بن عباس أنها ياقوتة بيضاء، خرج بها آدم من الجنة، كان يمسح بها دموعه، [و] أن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفَي سنة، وما قدر منه إبليس على شيء، فقلت له: يا أبا الحجاج، فمن أيّ شيء اسودّ؟ قال: كان الحُيَّض يلمسْنه في الجاهلية.
فخرج آدم ﵇ من الهند يؤمّ البيت الذي أمره الله بالمصير إليه، حتى أتاه، فطاف به، ونَسَك المناسك، فذكر أنه التقى هو وحوّاء بعرفات، فتعارفا بها، ثم ازدلف إليها بالمزدلفة، ثم رجع إلى الهند مع حواء، فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما، وأرسل الله إليهما ملكًا يُعلّمهما ما يلبسانه ويستتران به، فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن والأنعام والسباع. وقال بعضُهم: إنما كان ذلك لباسَ أولادهما، فأما آدم وحواء فإن لباسَهما كان ما كانا خَصَفا على أنفسهما من ورَق الجنة. ثم إن الله عزّ ذكره مسح ظهر آدم ﵇ بِنَعْمان من عرفة؛ وأخرج ذريّته، فنثرهم بين يديه كالذرّ، فأخذ مواثيقهم، وأشهدَهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢). (١: ١٣٣/ ١٣٤).
١٨٧ - حدثنا ابن وكيع ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن عُليّة عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قال: مسح ظهر آدم فخرج كلُّ نسمة هو خالقُها إلى يوم القيامة بنعمان، هذا الذي وراء
стр. 1951
عرفة، وأخذ ميثاقهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا.
واللفظ لحديث يعقوب (١). (١: ١٣٤).
١٨٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قال: لما خلق الله آدم ﵇ أخذ ذريته من ظهره مثل الذرّ، فقبض قبضتين، فقال لأصحاب اليمين: ادخلوا الجنة بسلام، وقال للآخرين: ادخلوا النار ولا أبالي (٢). (١: ١٣٥).
وقيل: إنه أخذ ذرية آدم ﵇ من ظهره بدَحْنا.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكَّام، قال: حدثنا عمرو بن قيس عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: لما خلق الله آدم مسح ظهره بدحْنا فإخرج من ظهره كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قال: فيروْن يومئذ جَفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٣). (١: ١٣٥/ ١٣٦).
وقال بعضهم: أخرج الله ذرية آدم من صلبه في السماء قبل أن يُهبطه إلى الأرض، وبعد أن أخرجه من الجنة.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السدّيّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ,، , قال: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء، ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية كهيئة الذرّ بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه كهيئة الذرّ سودًا، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. فذلك حين يقول: "أصحاب اليمين"
стр. 1952
و"أصحاب الشمال". ثم أخذ الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة على وجه التقيَّة (١). (١: ١٣٦).
ذكر الأحداث التي كانتْ في عهد آدم ﵇ بعد أن أهبط إلى الأرض
١٩١ - فكان أولَ ذلك قتلُ قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهلُ العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو قَيْن بن آدم، ويقول بعضهم: هو قايين بن آدم. ويقول بعضهم: [هو] قاين. ويقول بعضهم: هو قابيل.
واختلفوا أيضًا في السبب الذي من أجله قتله:
فقال بعضهم في ذلك ما حدثني به موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله، قال: كان لا يولد لآدم مولودٌ إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلامَ هذا البطن جاريةَ هذا البطن [الآخر] ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلد له ابنان، يقال لهما قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرْع، وكان هابيل صاحب ضَرْع، وكان قابيل أكبرَهما، وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي وُلدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها، فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل، فأبى. وإنهما قرّبا قربانًا إلى الله أيّهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما وأتى مكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا، قال: فإن لي بيتًا بمكة فائْتِه، فقال آدم للسماء: احفظي ولديّ بالأمانة، فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرُّك. فلما انطلق آدم؛ قرّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحقّ بها منك هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي، فلما قرّبا، قرّب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب
стр. 1953
قابيلُ حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففرَكها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضِب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، إلى قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخَ بها رأسه، فمات وتركه بالعراء، لا يعلم كيف يُدْفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾، فهو قوله : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني: قابيل حين حمل أمانة آدم، ثم لم يحفظ له أهله.
وقال آخرون: كان السبب في ذلك أنّ آدم كان يولد له من حواء في كلّ بطن ذكر وأنثى، فإذا بلغ الذكر منهما زوّج منه [ولده] الأنثى التي وُلدت مع أخيه الذي ولد في البطن الآخر؛ قبله أو بعده.
فرغب قابيل بتوأمته عن هابيل (١). (١: ١٣٧/ ١٣٨ / ١٣٩).
١٩٢ - كما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جُبَير أرمي الجمرة، وهو متقنِّع متوكِّيء على يدي؛ حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصواف؛ وقف يحدّثني عن ابن عباس، قال: نُهِيَ أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وينكحها غيرُه من إخوتها، وكان يولد في كلّ بطن رجل وامرأة، فوُلدت امرأة وسيمة ووُلدت امرأة قبيحة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، قال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانًا فتُقُبِّل من صاحب الكبش، ولم يُتَقبَّلْ من صاحب الزرع، فقتله، فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصّفا، في ثَبِير،
стр. 1954
عند منزل سَمْرة الصواف، وهو على يمينك حين ترْمي الجِمار (١). (١: ١٣٩).
١٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأوّل: أن آدم ﵇ كان يغشى حواء في الجنة قبل أن تصيب الخطيئة، فحملت له بقين بن آدم وتوأمته، فلم تجد عليهما وحَمًا ولا وصَبًا، ولم تجد عليهما طلْقا حين ولدتهما، ولم تر معهما دمًا لطهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة وأصابا المعصية، وهبطا إلى الأرض واطمأنا بها تغشَّاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحمَ والوصب، ووجدت حين ولدتهما الطلْق ورأت معهما الدم، وكانت حواء - فيما يذكرون - لا تحمل إلا توأمًا ذكرًا وأنثى، فولدت حواء لآدم أربعين ولدًا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنًا، وكان الرجل منهم أيّ أخواته شاء تزوج إلا توأمته التي تولد معه، فإنها لا تحلّ له، وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء (٢). (١: ١٣٩/ ١٤٠).
١٩٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قينًا أن ينكح توأمته هابيل، وأمر هابيل أن يُنكح أخته توأمته قينًا، فسلّم لذلك هابيل ورضيَ، وأبي ذلك قين وكره تكرُّمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول: بل كانت أخت قَين من أحسن الناس، فضنّ بها عن أخيه، وأرادها لنفسه - والله أعلم أيّ ذلك كان - فقال له أبوه: يا بميَّ! إنها لا تحلّ لك، فأبى قين أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بنيّ! فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فايُّكما قبِل الله قربانه فهو أحقّ بها، وكان قَين على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرّب قَين قمحًا، وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غَنَمه - وبعضهم يقول: قرّب بقرة - فأرسل الله جلّ وعزّ نارًا بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين. وبذلك كان يُقبل القربان إذا قبله الله ؛ فلما قبل الله قربان هابيل - وكان في ذلك القضاء له بأخت قَين -
стр. 1955
غضب قَيْن، وغلب عليه الكِبْر واستحوذ عليه الشيطان، فاتبع أخاه هابيل، وهو في ماشيته فقتله، فهما اللذان قصّ الله خبرهما في القرآن على محمد؛ فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ﴾ يعني: أهل الكتاب ﴿نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ إلى آخر القصة، قال: فلما قتله سُقِط في يديه، ولم يدر كيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أولَ قتيل من بني آدم ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ (١) (١٤٠/ ١٤١: ١).
١٩٥ - قال: ويزعم أهل التوراة: أن قينًا حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا؛ فقال الله له: إن صوتَ دم أخيك ليناديني من الأرض! الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحتْ فاها، فتلقَّتْ دم أخيكِ من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. فقال قين: عَظُمَتْ خطيئتي من أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض [وأتوارى] من قدامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكلّ من لقيَني؛ قتلني. فقال الله : ليس ذلك كذلك؛ فلا يكون كلّ من قتل قتيلًا يجزى بواحد سبعة، ولكن من قتل قينًا يجزى سبعة، وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كلّ مَنْ وجده، وخرج قين من قدام الله من شرقيّ عدن الجنة (٢). (١: ١٤١).
وقال آخرون في ذلك: إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله أمرهما بتقريب قربان، فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فبغاه الذي لم يتقبَّل قربانه، فقتله.
ذكر من قال ذلك:
١٩٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا فَتقبِّل
стр. 1956
من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدُهما صاحب حرث، والآخرُ صاحب غنم، وأنهما أُمِرا أن يقرّبا قربانًا، وأن صاحب الغنم قَّرّبَ أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيّبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرّب، شرَّ حرثه: الكوزر والزُّوان، غير طيبة بها نفسه، وأن الله تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قصّ الله في كتابه وقال: أيمُ الله، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن ينبسط إلى أخيه (١). (١: ١٤١/ ١٤٢).
١٩٧ - وقال آخرون بما حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان من شأنهما: أنه لم يكن مسكين يُتصدّق عليه، وإنما كان القربان يقرّبه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قربانًا! وكان الرجلُ إذا قرّب قربانًا فرضيَه الله " أرسل إليه نارًا فأكلته، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا والآخر حراثًا، وإنّ صاحب الغنم قرّب خيرَ غَنمِه وأسمنها، وقرّب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت [بينهما] فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس، وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتقبّل منك ورُدّ عليَّ قرباني! فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنّك، فقال له أخوه: ما ذنبي! إنما يتقبّل الله من المتقين (٢). (١: ١٤٢).
١٩٧ / أ - وقال آخرون: لم تكن قصة هذين الرجلين في عهد آدم، ولا كان القربان في عصره، وقالوا: إنما كان هذان رجلين من بني إسرائيل، وقالوا: إن أوّل ميِّت مات في الأرض آدم ﵇، لم يمت قبله أحد (٣). (١: ١٤٣).
ذكر من قال ذلك:
١٩٨ - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله فيهما: ﴿وَاتلُ
стр. 1957
عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (١). (١: ١٤٣).
١٩٨ / أ - وقال بعضهم: إنّ آدم غشِيَ حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمئة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته قليما في بطن واحد، ثم هابيل وتوأمته في بطن واحد، فلما شبُّوا أراد آدم ﵇ أن يزوّج أخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيل، فامتنع من ذلك قابيل، وقرّبا بهذا السبب قربانًا، فتقبِّل قربان هابيل، ولم يتقبّل قربان قابيل، فحسده قابيل، فقتله عند عقبة حِرى ثم نزل قابيل من الجبل، آخذًا بيد أخته قليما، فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن (٢). (١: ١٤٣).
١٩٩ - حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بَوْذ إلما الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوبًا لا تأمن منْ تراه، فكان لا يمرّ به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابنٌ لقابيل أعمى، ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت يا أبتاه أباك، فرفع الأعمى يده، فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لي! قتلتُ أبي برميّتي، وقتلت ابني بلطمتي!
وذكر في التوراة: أن هابيل قُتل وله عشرون سنة، وأن قابيل كان له يوم قتله خمس وعشرون سنة (٣). (١: ١٤٣/ ١٤٤).
٢٠٠ - وذكر: أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم ﵇ فقال - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم، فقال:
تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيهَا ... فَوَجْهُ الأرضِ مُغْبرٌّ قبيحُ
стр. 1958
تَغَيَّر كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الوجه المليحِ
قال: فأجيب آدم ﵇:
أبا هابيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ... وصار الحيُّ كالميت الذبيح
وجاء بشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا ... على خَوْفٍ فجاء بها يَصِيحُ (١)
(١٤٥: ١).
٢٠١ - وذكر: أن حواء ولدت لآدم ﵇ عشرين ومئة بطن، أولهم قابيل وتوأمته قليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث (٢). (١: ١٤٥).
٢٠٢ - وأما ابن إسحاق فذُكر عنه ما قد ذكرتُ قبل؛ وهو أنّ جميعَ ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنًا، وقال: قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض (٣). (١: ١٤٥).
٢٠٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: فكان منْ بلغنا اسمه خمسة عشر رجلًا وأربع نسوة؛ منهم قين وتوأمته، وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوأمها، وشيث وتوأمته، وحزورة وتوأمها؛ على ثلاثين ومئة سنة من عمره. ثم أباد بن آدم وتوأمته، ثم بالغ بن آدم وتوأمته، ثم أثاثي بن آدم وتوأمته، ثم توبة بن آدم وتوأمته، ثم بنان بن آدم وتوأمته، ثم شبوبة بن آدم وتوأمته، ثم حيان بن آدم وتوأمته، ثم ضرابيس بن آدم وتوأمته، ثم هدز بن آدم وتوأمته، ثم يحود بن آدم وتوأمته، ثم سندل بن آدم وتوأمته، ثم بارق بن آدم وتوأمته، كلُّ رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذي يُحْمَل به فيه (٤). (١: ١٤٥/ ١٤٦).
٢٠٣ / أ - وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيُومَرْت هو آدم، وزعم بعضهم: أنه ابن آدم لصلبه من حواء.
стр. 1959
وقال فيه غيرهم أقوالًا كثيرة، يطول بذكر أقوالهم الكتاب، وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدُنا في كتابنا هذا ذِكْر الملوك وأيامهم، وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنّا ذاكروه فيه، ولم يكن ذكرُ اختلاف المختلِفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعةَ الكتاب، فإن ذكرْنا من ذلك شيئًا فلتعريف من ذكرنا؛ ليعرفه منْ لم يكن به عارفًا؛ فأما ذكر الاختلاف في نسبه فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا (١). (١٤٦: ١).
٢٠٣ / ب - وقد خالف علماءَ الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ووافق علماءُ الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته، فزعم أن جُيومَرْت الذي زعمت الفرس أنه آدم ﵇ إنما هو جامر بن يافث بن نوح، وأنه كان معمرًا سيِّدًا، نزل جبل دُنْبَاوَنْد من جبال طبَرِستان من أرض المشرق، وتملَّك بها وبفارس، ثم عظُم أمره وأمر ولده، حتى ملكوا بابل، وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلَّها، وأن جُيومَرْت منع من البلاد ما صار إليه، وابتنى المدن والحصون وعمّرها، وأعدَّ السلاح، واتخذ الخيل، وأنه تجبّر في آخر عمره، وتسمى بآدم؛ وقال: من سماني بغير هذا الاسم ضربتُ عنقه، وأنه تزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهنّ نسلُه، وأن ماري ابنه وماريانة أخته، ممن كان ولد له في آخر عمره، فأعجب بهما وقدّمهما، فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما، وأن ملكَه اتسع وعظُم (٢). (١: ١٤٦/ ١٤٧).
٢٠٣ / ج - وإنما ذكرت من أمر جُيومَرْت في هذا الموضع ما ذكرت، لأنه لا تدافُعَ بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم؛ وإنما اختلفوا فيه: هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره؟ ثم مع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزلْ منتظمًا على سياق، متسقًا بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يَزْدَجِرْد بن شهريار من ولد ولده بمَرْو- أبعده الله - أيام عثمان بن عفان ﵁، فتأريخ ما مضى من سني العالم على أعمار ملوكهم أسهلُ بيانًا، وأوضح منارًا منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم؛ إذ
стр. 1960
لا تُعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم ﵇ دامت لها المملكة، واتصل لهم الملك، وكانت لهم ملوك تجمعهم، ورؤوس تحامي عنهم من ناوأهم، وتغالب بهم من عَازَّهم، وتدفع ظالمهم عن مظلومهم، وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام ونظام، يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم، وغابرهم عن سالفهم سواهم، فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصحُّ مخرجًا، وأحسن وضوحًا (١). (١: ١٤٨).
٢٠٣ / د - وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم ﵇، وأعمار مَنْ كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك، على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جُيُومَرْت، وعلى قول من قال: إنه هو جيومرت أبو الفرس، وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها، فاتفقوا على مَنْ ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا (٢). (١: ١٤٨).
٢٠٤ - فحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرَة بن جندَب، عن النبي عليه [الصلاة و] السلام قال: "كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينّه عبد الحارث، فعاش لها ولد فسمّتْه عبد الحارث، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان" (٣). (١: ١٤٨).
٢٠٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت حواء تلد لآدم فتُعبِّدهم لله وتسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدمَ ﵇؛ فقال: إنكما لو تسمّيانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له ذكرًا، فسميّاه عبد الحارث؛ ففيه أنزل الله عزّ ذكره، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا
стр. 1961
آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية (١). (١: ١٤٨/ ١٤٩).
٢٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جُبير: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). (١٤٩: ١).
٢٠٦ / أ- قال: ولما حملت حواء في أول ولد ولدتْه حين أثقلت؛ أتاها إبليسُ قبل أن تلد فقال: يا حواء! ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما أدري مَنْ؟ فقال: أين يخرج؟ من أنفك؟ أو من عينك؟ أو من أذنك؟ قالت: لا أدري، قال: أرأيتِ إن خرج سليمًا أمطيعتي أنتِ فيما آمركِ به؟ قالت: نعم، قال: سمّيه عبد الحارث -وقد كان يسقى إبليس- لعنه الله - الحارث - فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا وكذا، فقال: إن ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه الله سليمًا فسمتْه عبد الحارث، فهو قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). (١: ١٤٩).
٢٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وابن فضيل عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: أشْرَك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم ﵇ أشْرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليسُ فقال لها: منْ أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها؛ ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا -قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل: "لم يضرّك ولم يقتلك"- أتطيعنني؟ قالت: نعم، قال: فسمّيه عبد الحارث، ففعلت. زاد جرير: فإنما كان شركه في الإسم (٤). (١/ ١٥٠).
٢٠٨ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ: فولدت -يعني: حواء- غلامًا، فأتاها إبليس فقال: سمّوه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتُك وأخرجتَني من الجنة. فأبى أن
стр. 1962
يطيعه؛ فسماه "عبد الرحمن"، فسلِّط عليه إبليس لعنة الله فقتله، فحملت بآخر فلما ولدته، قال: سميه عبدي وإلا قتلته، قال له آدم ﵇: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة. فأبى فسماه صالحًا، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسمُّوه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث، - وإنما سمي إبليس حين أبْلَس (تحيَّر) - فذلك حين يقول الله : ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ -يعني: في الأسماء (١). (١: ١٥٠).
٢٠٨ / أ- فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت؛ من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما، ومَنْ لم نذكر أقوالهم ممن عددُهم أكثر من عدد مَنْ ذكرت قوله والرواية عنه قالوا خلاف قول الحسن الذي روي عنه أنه قال: أول من مات آدم ﵇ (٢). (١: ١٥٠).
٢٠٨ / ب - وكان آدم مع ما كان الله قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبّأه، وجعله رسولًا إلى ولده، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم ﵇ بخطه، علّمه إياها جبرئيل ﵇ (٣). (١: ١٥٠).
٢٠٩ - وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمّي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله جالس وحده، فجلست إليه فقال لي: "يا أبا ذرّ! إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما"، فلما ركعتهما جلست إليه فقلت: يا رسول الله! إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: "خيرُ موضوع، استكثر أو استقلّ"، ثم ذكر قصة طويلة قال فيها: قلت: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله! كم المرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمئة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا"، يعني كثيرًا طيبًا، قال: قلت يا رسول الله! منْ كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال: قلت يا رسول الله! وآدم نبيّ مرسل؟ قال:
стр. 1963
"نعم خلقه الله بيده، ونَفخ فيه من روحه، ثم سواه قُبُلًا" (١). (١: ١٥٠/ ١٥١).
٢٠٩ / أ- وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة (٢). (١: ١٥١).
ذكر ولادة حواء شيثًا
٢٠٩ / ب - ولما مضى لآدم من عمره مئة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين - ولدت له حواء ابنه شيئًا، فذكر أهل التوراة أن شيئًا ولد فردًا بغير توأم، وتفسير "شيث" عندهم "هبة الله"، ومعناه: أنه خلف من هابيل (٣). (١٥٢: ١).
٢١٠ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثني ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لآدم شيئًا وأخته عزورا، فسمّى هبة الله، اشتُقَّ له من هابيل، قال لها جبرئيل حين ولدته: هذا هبة الله بدل هابيل، وهو بالعربية شِثّ، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدم، وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومئة سنة (٤). (١٥٢: ١).
٢١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: لما حضرت آدم الوفاة - فيما يذكرون والله أعلم - دعا ابنه شيئًا فعهد إليه عهده، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق في كلّ ساعة منهنّ، فأخبره أنّ لكل ساعة صنفًا من الخلق فيها عبادته. وقال له: يا بنيّ إن الطوفان سيكون في الأرض يلبث فيها سبع سنين. وكتب وصيته، فكان شيث -فيما ذكر- وصيَّ أبيه آدم ﵇، وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث، فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله خمسين صحيفة (٥). (١: ١٥٢).
стр. 1964
٢١٢ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابًا أنزله الله ؟ قال: "مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة" (١). (١٥٣: ١).
٢١٢ / أ- وإلى شيث أنسابُ بني آدم كلّهم اليوم؛ وذلك: أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث، انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد، فأنسابُ الناس كلهم اليوم إلى شيث ﵇ (٢). (١: ١٥٣).
٢١٢ / ب - وأما الفرس الذين قالوا إن جُيُومَرْت هو آدم؛ فإنهم قالوا: ولد لجيومَرْت ابنه ميشي، وتزوج ميشي أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشي، وسيامي بنت ميشي، فولد لسيامك بن ميشي بن جيومرت أفرواك، وديس، وبراسب، وأجوب، وأوراش بنو سيامك، وأفري، ودذي، وبري وأوراشي بنات سيامك، أمهم جميعًا سيامي بنت ميشي، وهي أخت أبيهم.
وذكروا أن الأرض كلَّها سبعة أقاليم، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برًّا أو بحرًا فهو إقليم واحد، وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم، وأما الأقاليم الستة الباقية التي لا يوصل إليها اليوم برًّا أو بحرًا فنسلُ سائر ولد سيامك، من بنيه وبناته.
فولد لأفرواك بن سِيامك من أفرى بنت سِيامك هوشَنْك بيشداذ الملك، وهو الذي خلَف جدّه جُيُومَرْت في الملك، وأول منْ جمع له ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا انتهينا إليه. وكان بعضهم يزعم أن أوشَهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء (٣). (١: ١٥٣).
٢١٢ / جـ - وأما هشام الكلبيّ فإنه فيما حدّثتُ عنه قال: بلغنا والله أعلم -أول ملك مَلك الأرض أوشهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال:
стр. 1965
والفرس تدَّعيه وتزعم: أنه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة، قال: وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمئتي سنة، فصيَّره أهل فارس بعد آدم بمئتي سنة، ولم يعرفوا ما كان قبل نوح.
وهذا الذي قاله هشام قول لا وجه له؛ لأن هوشهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام، وكلّ قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم؛ وإنما يُرجع في كل أمر التبس إلى أهله (١). (١: ١٥٤).
٢١٢ / د- وقد زعم بعض نسابة الفرس: أن أوشَهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل، وأن أباه فرواك هو قينان أبو مَهْلائيل، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان، وأن ميشي هو شيث أو أنوش، وأن جُيُومَرت هو آدم.
فإن كان الأمر كما قال: فلا شك أن أوشَهنج كان في زمان آدم رجلًا، وذلك أن مَهْلائيل فيما ذكر في الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة بنت براكيل بن محويل بن خَنوخ بن قَين بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وتسعون سنة، فقد كان له حين وفاة آدم ستمئة سنة وخمس سنين، على حساب ما روي عن رسول الله في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة.
وقد زعمت علماء الفرس: أن مُلْك أوشهنج هذا كان أربعين سنة. فإن كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت؛ فلم يُبْعِد من قال: إن مُلْكه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة (٢). (١: ١٥٤).
٢١٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قولِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قال ابن عباس: إن الله لما خلق آدم مسح ظهرَه، وأخرج ذريته كلّهم كهيئة الذرّ، فأنطقهم فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور. وأنه قال لآدم: هؤلاء ذريتك أُخِذ عليهم الميثاق: أني أنا ربهم لئلا يُشركوا بي شيئًا، وعليّ