آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية (١). (١: ١٤٨/ ١٤٩).
٢٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جُبير: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). (١٤٩: ١).
٢٠٦ / أ- قال: ولما حملت حواء في أول ولد ولدتْه حين أثقلت؛ أتاها إبليسُ قبل أن تلد فقال: يا حواء! ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما أدري مَنْ؟ فقال: أين يخرج؟ من أنفك؟ أو من عينك؟ أو من أذنك؟ قالت: لا أدري، قال: أرأيتِ إن خرج سليمًا أمطيعتي أنتِ فيما آمركِ به؟ قالت: نعم، قال: سمّيه عبد الحارث -وقد كان يسقى إبليس- لعنه الله - الحارث - فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا وكذا، فقال: إن ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه الله سليمًا فسمتْه عبد الحارث، فهو قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). (١: ١٤٩).
٢٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وابن فضيل عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: أشْرَك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم ﵇ أشْرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليسُ فقال لها: منْ أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها؛ ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا -قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل: "لم يضرّك ولم يقتلك"- أتطيعنني؟ قالت: نعم، قال: فسمّيه عبد الحارث، ففعلت. زاد جرير: فإنما كان شركه في الإسم (٤). (١/ ١٥٠).
٢٠٨ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ: فولدت -يعني: حواء- غلامًا، فأتاها إبليس فقال: سمّوه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتُك وأخرجتَني من الجنة. فأبى أن
стр. 1962
يطيعه؛ فسماه "عبد الرحمن"، فسلِّط عليه إبليس لعنة الله فقتله، فحملت بآخر فلما ولدته، قال: سميه عبدي وإلا قتلته، قال له آدم ﵇: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة. فأبى فسماه صالحًا، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسمُّوه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث، - وإنما سمي إبليس حين أبْلَس (تحيَّر) - فذلك حين يقول الله : ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ -يعني: في الأسماء (١). (١: ١٥٠).
٢٠٨ / أ- فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت؛ من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما، ومَنْ لم نذكر أقوالهم ممن عددُهم أكثر من عدد مَنْ ذكرت قوله والرواية عنه قالوا خلاف قول الحسن الذي روي عنه أنه قال: أول من مات آدم ﵇ (٢). (١: ١٥٠).
٢٠٨ / ب - وكان آدم مع ما كان الله قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبّأه، وجعله رسولًا إلى ولده، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم ﵇ بخطه، علّمه إياها جبرئيل ﵇ (٣). (١: ١٥٠).
٢٠٩ - وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمّي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله جالس وحده، فجلست إليه فقال لي: "يا أبا ذرّ! إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما"، فلما ركعتهما جلست إليه فقلت: يا رسول الله! إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: "خيرُ موضوع، استكثر أو استقلّ"، ثم ذكر قصة طويلة قال فيها: قلت: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله! كم المرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمئة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا"، يعني كثيرًا طيبًا، قال: قلت يا رسول الله! منْ كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال: قلت يا رسول الله! وآدم نبيّ مرسل؟ قال:
стр. 1963
"نعم خلقه الله بيده، ونَفخ فيه من روحه، ثم سواه قُبُلًا" (١). (١: ١٥٠/ ١٥١).
٢٠٩ / أ- وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة (٢). (١: ١٥١).
ذكر ولادة حواء شيثًا
٢٠٩ / ب - ولما مضى لآدم من عمره مئة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين - ولدت له حواء ابنه شيئًا، فذكر أهل التوراة أن شيئًا ولد فردًا بغير توأم، وتفسير "شيث" عندهم "هبة الله"، ومعناه: أنه خلف من هابيل (٣). (١٥٢: ١).
٢١٠ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثني ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لآدم شيئًا وأخته عزورا، فسمّى هبة الله، اشتُقَّ له من هابيل، قال لها جبرئيل حين ولدته: هذا هبة الله بدل هابيل، وهو بالعربية شِثّ، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدم، وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومئة سنة (٤). (١٥٢: ١).
٢١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: لما حضرت آدم الوفاة - فيما يذكرون والله أعلم - دعا ابنه شيئًا فعهد إليه عهده، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق في كلّ ساعة منهنّ، فأخبره أنّ لكل ساعة صنفًا من الخلق فيها عبادته. وقال له: يا بنيّ إن الطوفان سيكون في الأرض يلبث فيها سبع سنين. وكتب وصيته، فكان شيث -فيما ذكر- وصيَّ أبيه آدم ﵇، وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث، فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله خمسين صحيفة (٥). (١: ١٥٢).
стр. 1964
٢١٢ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابًا أنزله الله ؟ قال: "مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة" (١). (١٥٣: ١).
٢١٢ / أ- وإلى شيث أنسابُ بني آدم كلّهم اليوم؛ وذلك: أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث، انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد، فأنسابُ الناس كلهم اليوم إلى شيث ﵇ (٢). (١: ١٥٣).
٢١٢ / ب - وأما الفرس الذين قالوا إن جُيُومَرْت هو آدم؛ فإنهم قالوا: ولد لجيومَرْت ابنه ميشي، وتزوج ميشي أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشي، وسيامي بنت ميشي، فولد لسيامك بن ميشي بن جيومرت أفرواك، وديس، وبراسب، وأجوب، وأوراش بنو سيامك، وأفري، ودذي، وبري وأوراشي بنات سيامك، أمهم جميعًا سيامي بنت ميشي، وهي أخت أبيهم.
وذكروا أن الأرض كلَّها سبعة أقاليم، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برًّا أو بحرًا فهو إقليم واحد، وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم، وأما الأقاليم الستة الباقية التي لا يوصل إليها اليوم برًّا أو بحرًا فنسلُ سائر ولد سيامك، من بنيه وبناته.
فولد لأفرواك بن سِيامك من أفرى بنت سِيامك هوشَنْك بيشداذ الملك، وهو الذي خلَف جدّه جُيُومَرْت في الملك، وأول منْ جمع له ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا انتهينا إليه. وكان بعضهم يزعم أن أوشَهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء (٣). (١: ١٥٣).
٢١٢ / جـ - وأما هشام الكلبيّ فإنه فيما حدّثتُ عنه قال: بلغنا والله أعلم -أول ملك مَلك الأرض أوشهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال:
стр. 1965
والفرس تدَّعيه وتزعم: أنه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة، قال: وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمئتي سنة، فصيَّره أهل فارس بعد آدم بمئتي سنة، ولم يعرفوا ما كان قبل نوح.
وهذا الذي قاله هشام قول لا وجه له؛ لأن هوشهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام، وكلّ قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم؛ وإنما يُرجع في كل أمر التبس إلى أهله (١). (١: ١٥٤).
٢١٢ / د- وقد زعم بعض نسابة الفرس: أن أوشَهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل، وأن أباه فرواك هو قينان أبو مَهْلائيل، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان، وأن ميشي هو شيث أو أنوش، وأن جُيُومَرت هو آدم.
فإن كان الأمر كما قال: فلا شك أن أوشَهنج كان في زمان آدم رجلًا، وذلك أن مَهْلائيل فيما ذكر في الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة بنت براكيل بن محويل بن خَنوخ بن قَين بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وتسعون سنة، فقد كان له حين وفاة آدم ستمئة سنة وخمس سنين، على حساب ما روي عن رسول الله في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة.
وقد زعمت علماء الفرس: أن مُلْك أوشهنج هذا كان أربعين سنة. فإن كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت؛ فلم يُبْعِد من قال: إن مُلْكه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة (٢). (١: ١٥٤).
٢١٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قولِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قال ابن عباس: إن الله لما خلق آدم مسح ظهرَه، وأخرج ذريته كلّهم كهيئة الذرّ، فأنطقهم فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور. وأنه قال لآدم: هؤلاء ذريتك أُخِذ عليهم الميثاق: أني أنا ربهم لئلا يُشركوا بي شيئًا، وعليّ
стр. 1966
رزقهم. قال آدم: فمن هذا الذي معه النور؟ قال: هو داود، قال: يا ربّ، كم كتبت له من الأجل؟ قال: ستين سنة، قال: كم كتبت لي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمَّر، وكم يلبث، قال: يا رب زدْه، قال: هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك، قال: نعم، وقد جفّ القلم عن سائر بني آدم، فكتب له من أجل آدم أربعين سنة، فصار أجلُه مئة سنة، فلما عمَّر تسعمئة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت، فلما أن رآه آدم قال: ما لكَ؟ قال له: قد استوفيتَ أجلك، قال له آدم: إنما عمّرت تسعمئة سنة وستين سنة، وبقي [لي] أربعون سنة، فلما قال ذلك للملَك، قال الملك: قد أخبرني بهما ربي، قال: فارجع إلى ربك فسلْه، فرجع الملك إلى ربه فقال: ما لك؟ قال: يا ربّ رجعتُ إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه، قال الله : ارجع فأخبره، أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنتة (١). (١: ١٥٦/ ١٥٧).
٢١٤ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمرَ ألف سنة، قال: فعرضوا على آدم، فرأى رجلًا من ذريته له نور، فأعجبه فسأله عنه فقال: هو داود، وقد جعل عمره ستين سنة، فجعل له من عمره أربعين سنة، فلما احتُضِر آدم ﵇ جعل يخاصمهم في الأربعين السنة، فقيل له: إنك قد أعطيتها داود، قال: فجعل يخاصمهم (٢). (١: ١٥٧).
٢١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب عن جعفر، عن سعيد، في قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخرج ذريته من ظهره في صورة كهيئة الذرّ، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: مَنْ هذا؟ قال: هذا من ذريتك، نبيٌّ خلقته، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: زيدوه من عمري أربعين سنة، قال: والأقلام رطبة تجري، وأثبتت لداود ﵇ الأربعون، وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكملها إلا الأربعين سنة بعث إليه
стр. 1967
مَلك الموت قال: يا آدم أمِرتُ أن أقبضك، قال: ألم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه فقال: إن آدم يدَّعي من عمره أربعين سنة، قال: أخبرْ آدم أنه جعلها لابنه داود. والأقلام رطبة، وأثبتت لداود [الأربعون] (١). (١: ١٥٨).
٢١٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، بنحوه (٢). (١: ١٥٨).
٢١٧ - وذكر أن آدم ﵇ مرض قبل موته أحد عشر يومًا، وأوصى إلى ابنه شيث ﵇ وكتب وصيته، ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث، وأمره أن يخفيَه من قابيل وولده، لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسدًا منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به (٣). (١: ١٥٨).
٢١٨ - ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم ﵇ كله كان تسعمئة سنة وثلاثين سنة (٤). (١: ١٥٨).
٢١٩ - حدثنا الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان عمر آدم تسعمئة سنة وستًا وثلاثين سنة؛ والله أعلم (٥). (١: ١٥٨).
٢١٩ / أ- والأخبار الواردة عن رسول الله والعلماء من سَلفنا ما قد ذكرت، ورسول الله كان أعلم الخلق بذلك.
وقد ذكرت الأخبار الواردة عنه أنه قال: كان عمره ألف سنة، وأنه بعد ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له، أكمل الله له عِدّة ما كان أعطاه من العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك، ولعلّ ما كان جعل من ذلك آدم عليه
стр. 1968
السلام لداود ﵇ لم يُحسَب في عمر آدم في التوارة، فقيل: كان عمره تسعمئة وثلاثين سنة.
فإن قال قائل فإنّ الأمر وإن كان كذلك؛ فإن آدم إنما كان جعل لابنه داود من عمره أربعين سنة، فكان ينبغي أن يكون في التوراة تسعمئة سنة وستون؛ ليوافق ذلك ما جاءت به الأخبار عن رسول الله.
قيل: قد روينا عن رسول الله في ذلك أن الذي كان جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنة، وذلك في رواية لأبي هريرة عنه، وقد ذكرناها قبل. فإن يكن ذلك كذلك، فالذي زعموا أنه في التوراة من الخبر عن مدة حياة آدم ﵇ موافق لما روينا عن رسول الله في ذلك (١). (١: ١٥٩).
٢٢٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: أنه قال: لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه، واجتمعت عليه الملائكة من أجل أنه كان صفيَّ الرحمن، فقبرته الملائكة، وشيث وإخوته في مشارق الفردوس، عند قرية هي أول قرية كانت في الأرض، وكسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيام ولياليهنّ، فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية، جعلها في معراج، ومعها القرن الذي أخرج أبونا آدم من الفردوس؛ لكيلا يغفل عن ذكر الله (٢). (١: ١٥٩).
٢٢١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: سمعته يقول: بلغني أن آدم ﵇ حين مات بعث الله إليه بكفنه وحَنوطه من الجنة، ثم وليت الملائكة قبره وفي فنه حتى غيّبوه (٣). (١٦٠: ١).
٢٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبيّ بن كعب، قال: قال
стр. 1969
رسول الله: "إن أباكم آدم كان طُوالًا كالنخلة السَّحوق، ستين ذراعًا، كثير الشعر، موارَى العورة، وأنه لما أصاب الخطيئة بدت له سوءته فخرج هاربًا في الجنة فتلقاه شجرة، فأخذت بناصيته، وناداه ربّه: أفرارًا مني يا آدم! قال: لا والله يا ربّ ولكن حياءً منك مما [قد] جنيت، فأهبطه الله إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه بحَنوطه وكفنه من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه، فقال: خَلِّي عني وعن رسل ربي، فإني ما لقيت ما لقيتُ إلا منك، ولا أصابني ما أصابني إلا فيك. فلما قبض غسلوه بالسِّدْر والماء وترًا، وكفنوه في وتر من الثياب، ثم لَحَدُوا له فدفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده (١). (١: ١٦٠).
٢٢٣ - حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام [بن محمد] قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما مات آدم ﵇ قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما: صلِّ على آدم، قال: تقدم أنت فصلّ على أبيك، وكبّر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وأما خمس وعشرون فتفضيلًا لآدم (٢). (١: ١٦١).
٢٢٣ / أ - وقد اختُلف في موضع قبر آدم ﵇، فقال ابن إسحاق ما قد مضى ذكره، وأما غيره فإنه قال: دفن بمكة في غار أبي قُبَيس، وهو غار يقال له غار الكنز (٣). (١: ١٦١).
٢٢٤ - وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة دَفَن آدم ﵇ ببيت المقدس (٤). (١: ١٦١).
٢٢٥ - وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مات آدم ﵇ على بَوْذ - قال أبو جعفر يعني الجبل الذي
стр. 1970
أُهبط عليه - وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله، فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت، وأنهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان، حتى كان الطوفان، فاستخرجهما نوح، وجعلهما في تابوت، ثم حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الأرض الماء ردّهما إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان، وكانت حواء قد غَزَلت - فيما ذكر - ونسجت وعجنت وخبزت، وعملت أعمال النساء كلها (١). (١: ١٦١).
٢٢٦ - فأما شيث ﵇ فقد ذكرنا بعضَ أمره، وأنه كان وصيّ أبيه آدم ﵇ في مُخَلَّفيه بعد مضيِّه لسبيله، وما أنزل الله عليه من الصحف.
وقيل: إنه لم يزل مقيمًا بمكة يحجّ ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جمع ما أنزل الله عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم ﵇، وعمل بما فيها، وأنه بني الكعبة بالحجارة والطين.
وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم تزل القبّة التي جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان، وإنما رفعها الله حين أرسل الطوفان. وقيل: إن شيئًا لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات، فدفن مع أبويه في غار أبي قبيس، وكان مولده لمضي مئتي سنة وخمس وثلاثين سنة، من عمر آدم ﵇. وكانت وفاته وقد أتت له تسعمئة سنة واثنتا عشرة سنة. وولد لشيث أنُوش، بعد أن مضى من عمره ستمئة سنة وخمس سنين؛ فيما يزعم أهل التوراة (٢). (١: ١٦٢/ ١٦٣).
٢٢٧ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عنه: نكح شيث بن آدم أخته حزورة بنت آدم، فولدت له يانش بن شيث، ونَعمة بنت شيث، وشيث يومئذ ابن مئة سنة وخمس سنين، فعاش بعد ما وُلد له يانش ثمانمئة سنة وسبع سنين.
وقام أنُوش بعد مضيّ أبيه شيث لسبيله بسياسة الملك، وتدبير مَنْ تحت يديه من رعيته مقام أبيه شيث، ولم يزل -فيما ذُكِر- على منهاج أبيه: لا يوقَف منه
стр. 1971
على تغيير ولا تبديل. وكان جميعُ عمر أنوش - فيما ذكر أهل التوراة - تسعمئة سنة وخمس سنين (١). (١: ١٦٣).
٢٢٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولَد مميث أنُوش ونفرًا كثيرًا، وإليه أوصى شيث، ثمّ ولد لأنوش بن شيث بن آدم ابنُه قَينَان من أخته نَعمة بنت شيث بعد مضيّ تسعين سنة من عمر أنوش، ومن عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وعشرين سنة (٢) (١: ١٦٣).
٢٢٩ - وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق: نكح يانش بن شيث أختَه نعمة بنت شيث، فولدت له قَينان، ويانش يومئذ ابن تسعين سنة، فعاش يانش بعد ما ولد له قَينَان ثمانمئة سنة وخمس عشرة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كلُّ ما عاش يانش تسعمئة سنة وخمس سنين. ثم نكح قَينان بن يانش - وهو ابن سبعين سنة - دينة بنت براكيل بن محويل بن خنُوخ بن قين بن آدم، فولدت له مَهلائيل بن قَينان، فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمئة سنة وأربعين سنة، فكان كلّ ما عاش قَينان تسعمئة سنة وعشر سنين (٣) (١: ١٦٤).
٢٣٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هِشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولَد أنوش قَينَان، ونفرًا كثيرًا، وإليه الوصية، فولد قينان مهلائيل ونفرًا معه، وإليه الوصية، فولد مهلائيل يرد وهو اليارد ونفرًا معه وإليه الوصية فولد يَرْد أخْنُوخ وهو إدريس النبي ونفرًا معه، فولد مهلائيل يردد وهو البارد ونفرًا معه وإليه الوصية فولد أخْنُوخ مَتُوشَلخ ونفرًا معه وإليه الوصية، [فولد مَتُوشَلخ لمك ونفرًا معه وإليه الوصية] (٤) (١: ١٦٤).
٢٣١ - وأما التوراة فما ذكره أهلُ الكتاب أنه فيها أنّ مولد مهلائيل بعد أن
стр. 1972
مضت من عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وتسعون سنة، ومن عمر قَينان سبعون سنة.
ونكح مهلائيل بن قَينان - وهو ابن خمس وستين سنة، فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - خالتَه سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم، فولدت له يَرْد بن مهلائيل، فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يَرْد ثمانمئة سنة وثلاثين سنة، فوُلد له بنون وبنات، فكان كلُّ ما عاش مهلائيل ثمانمئة سنة وخمسًا وتسعين سنة، ثم مات (١). (١: ١٦٤).
٢٣٢ - وأما في التوراة فإنه ذكر أن فيها أن يَرْد وُلد لمهلائيل بعد ما مضى من عمر آدم أربعمئة سنة وستون سنة، وأنه كان على منهاج أبيه قَينان، غير أن الأحداث بدتْ في زمانه (٢). (١: ١٦٤).
ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد
٢٣٣ - ذُكِر: أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قبل قُربانُه وأكلته النار، لأنه كان يخدُم النار ويعبدها، فانصبْ أنت أيضًا نارًا تكون لكَ ولعقبك. فبنَى بيتَ نار، فهو أوّلُ مَنْ نَصَب النار وعبدها (٣). (١: ١٦٥).
٢٣٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: إن قينًا نكح أختَه أشوث بنت آدم، فولدت له رجلًا وامرأة: خَنُوخ بن قين، وعذب بنت قين، فنكِح خَنوخ بن قين أختَه عذَب بنت قين، فولدت له ثلاثة نفر وامرأة: عيرد بن خنُوخ ومحويل بن خَنُوخ وأنوشيل بن خنوخ، وموليث بنت خنوخ، فنكح أنُوشيل بن خنوخ موليث بنت خنوخ، فولدت لأنوشيل رجلًا اسمه لامك،
стр. 1973
فنكح لامك امرأتين: اسم إحداهما عَدّى واسم الأخرى صَلّى، فولدت له عَدّى تولين بن لامك، فكان أول من سكن القباب، واقتنى المال، وتوبيش، وكان أول من ضرب بالوَنج والصَّنْج، وولدت رجلًا اسمه توبلقين، فكان أول مَنْ عمل النحاس والحديد، وكان أولادهم جبابرة وفراعنة، وكانوا قد أعطُوا بسطة في الخلق؛ كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعًا. قال: ثم انقرض ولد قَين، ولم يتركوا عقبًا إلا قليلًا، وذرية آدم كلهم جهِلتْ أنسابهم وانقطع نسلهم، إلا ما كان من شيث بن آدم، فمنه كان النسل، وأنسابُ الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم، فهو أبو البشر، إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقبًا.
قال: ويقول أهل التوراة: بل نكح قَين أشوث، فولدت له خَنوخ، فولد لخنوخ عِيرد، فولد عيرد محويل، فولد محويل أنوشيل، فولد أنوشيل، لامك، فنكح لامك عدّى وصلّى، فولدتا له مَنْ سفَيتُ. والله أعلم (١).
٢٣٥ - فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيتُ.
وأما غيره من أهل العلم بالتوراة فإنه ذكر أن الذي اتخذ الملاهيَ من ولد قايين رجل يقال له: توبال، اتخذ في زمان مهلائيل بن قَيْنان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف، فانهمك ولد قايين في اللهو، وتناهى خبرُهم إلى من بالجبل من نسل شيث، فهمّ منهم مئة رجل بالنزول إليهم، وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد، فوعظهم ونهاهم؛ فأبوْا إلا تماديًا، ونزلوا إلى ولد قايين، فأعجبوا بما رأوْا منهم، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقتْ من آبائهم، فلما أبطؤوا بمواضعهم، ظنّ من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطًا، فتسلَّلوا ينزلون عن الجبل، ورأوا اللهو فأعجبهم، ووافقوا نساء من ولد قايين متسرّعات إليهم، وصرْن معهم، وانهمكوا في الطغيان، وفشت الفاحشة وشرب الخمر (٢). (١: ١٦٦).
٢٣٦ - حدثنا أحمد بن زُهَير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- قال: حدثنا علباء بن أحمر عن عكرمة، عن ابن
стр. 1974
عباس: أنه تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال: كانت فيما بين نُوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بَطنيْن من ولد آدم، كان أحدُهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل؛ وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلًا من أهل السهل في صورة غلام فآجر نفسه منه، وكان يخدُمه، واتخذ إبليس لعنه الله شيئًا مثل الذي يزمُر فيه الرِّعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثلَه، فبلغ ذلك مَنْ حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء للرجال، قال: وينزل الرجال لهنّ. وإن رجلًا من أهل الجَبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصَباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنزلوا عليهن، فظهرت الفاحشة فيهنّ، فهو قول الله : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١). (١: ١٦٧).
٢٣٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن أبي غَنِيّة عن أبيه، عن الحَكَم: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال: كان بين آدم ونوح ثمانمئة سنة، وكان نساؤهم أقبحَ ما يكون من النساء، ورجالُهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها، فأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٢). (١: ١٦٧).
٢٣٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لم يمُتْ آدم حتى بلغ ولدُه وولدُ ولدِه أربعين ألفًا ببَوْذ.
ورأى آدم فيهم الزنى وشربَ الخمر والفساد، فأوصى ألّا يناكح بنُو شيث بني قابيل، فجعل بنو شيث آدم في مغارة، وجعلوا عليه حافظًا، لا يقربه أحد من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بني شيث، فقال مئة من بني شيث صِباح: لو نظرنا إلى ما فعل بنو عمّنا! يعنون بني قابيل. فهبطت المئة إلى
стр. 1975
نساء صباح من بني قابيل، فاحتبس النساء الرجال، ثم مكثوا ما شاء الله. ثم قال مئة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا! فهبطوا من الجبل إليهم، فاحتبسهم النساء. ثم هبط بنو شيث كلّهم، فجاءت المعصية، وتناكحوا واختلطوا، وكثر بنو قابيل حتى ملؤوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح (١). (١: ١٦٧/ ١٦٨).
٢٣٩ - وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان، وأنه هو أوشهنْج الذي ملك الأقاليم السبعة، وبيّنت قَول مَنْ خالفهم في ذلك من نسابي العرب (٢). (١: ١٦٨).
٢٤٠ - فإن كان الأمر فيه كالذي قاله نسابو الفرس، فإني حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب: أنه هو أول مَنْ قطع الشجر، وبنى البناء، وأول من استخرج المعادن وفطَّن الناس لها، وأمر أهلَ زمانه باتخاذ المساجد، وبنى مدينتين كانتا أوّلَ ما بُني على ظهر الأرض من المدائن، وهما مدينة بابل التي بسواد الكوفة، ومدينة السوس. وكان ملكه أربعين سنة (٣). (١: ١٦٨).
٢٤١ - وأما غيره فإنه قال: هو أوّلُ مَن استنبط الحديد في ملكه، فاتخذ منه الأدوات للصناعات، وقدر المياه في مواضع المناقع، وحضّ الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الأعمال، وأمر بقتل السباع الضارية، واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش، وبذبح البقر والغنم والوحش والأكل من لحومها، وأن مُلْكَه كان أربعين سنة، وأنه بنى مدينة الرَّيّ، قالوا: وهي أوّل مدينة بنيت بعد مدينة جيومَرْت التي كان يسكنها بدُنْبَاوَند من طبرِستان (٤). (١: ١٦٨/ ١٦٩).
٢٤٢ - وقالت الفرس: إن أوشْهَنْج هذا وُلِد ملكًا، وكان فاضلًا محمودًا في سيرته وسياسة رعيّته، وذكروا أنه أوّل من وَضع الأحكام والحدود، وكان ملقَّبًا بذلك، يُدعَى فيشداذ ومعناه بالفارسية: أوّلُ مَنْ حكم بالعدل، وذلك أن "فاش" معناه أوّل، وأن "داذ" عدل وقضاء، وذكروا أنه نزل الهند، وتنقّل في البلاد،
стр. 1976
فلما استقام أمرُه واستوثق له الملك عقد على رأسه تاجًا، وخطب خطبة، فقال في خطبته: إنه ورِث الملك عن جده جيُومَرت، وإنه عذاب ونقمة على مَرَدَة الإنس والشياطين. وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده، ومنعهم الاختلاط بالناس، وكتب عليهم كتابًا في طِرْس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق ألّا يعرضوا لأحد من الإنس، وتوعّدهم على ذلك، وقتل مردَتهم وجماعة من الغيلان، فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والأودية، وأنه ملك الأقاليم كلها، وأنه كان بين موت جيومَرت إلى مولد أوشهنْج وملْكه مئتان سنة وثلاث وعشرون سنة.
وذكروا أن إبليس وجنوده فرحوا بموت أوشهنج، وذلك أنهم دخلوا بموته مساكنَ بني آدم، ونزلوا إليهم من الجبال والأودية (١). (١: ١٦٩).
٢٤٣ - ونرجع الآن إلى ذكر يرد - وبعضهم يقول هويارد - فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن بنت براكيل بن محويل بن خَنُوخ بن قين، بعد ما مضى من عمر آدم أربعمئة وستون سنة، فكان وصيّ أبيه وخليفتَه فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل، واستخلفه عليه بعد وفاته، وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل - فيما ذكروا - خمس وستون سنة، فقام من بعد مَهْلَك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم (٢). (١: ١٦٩).
٢٤٤ - ثم نكح يَرْد - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، وهو ابن مئة سنة واثنتين وستين سنة - بركنا بنت الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قين بن آدم. فولدت له أخْنُوخ بن يرد - وأخنوخ إدريس النبيّ، وكان أوّل بني آدم أعطي النبوّة - فيما زعم ابن إسحاق - وخطّ بالقلم، فعاش يَرْد بعد ما وُلد له أخْنوخ ثمانمئة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كلّ ما عاش يرد تسعمئة سنة وائنتين وستين سنة ثم مات (٣). (١: ١٧٠).
٢٤٥ - وقال غيره من أهل التوراة: ولد ليرد أخْنُوخ - وهو إدريس - فنبأه الله ، وقد مضى من عمر آدم ستمئة سنة واثنتان وعشرون سنة، وأنزل عليه
стр. 1977
ثلاثون صحيفة. وهو أول من خطّ بعد آدم وجاهد في سبيل الله، وقَطّع الثياب وخاطها، وأوّل من سَبى من ولد قابيل، فاسترقّ منهم، وكان وصيّ والده يرْد فيما كان آباؤه أوصوْا به إليه، وفيما أوصى به بعضهم بعضًا، وذلك كلُّه من فعله في حياة آدم.
قال: وتوفِّيَ آدم ﵇ بعد أن مضى من عمر أخْنُوخ ثلاثمئة سنة وثمانيَ سنين، تتمّةُ تسعمئة وثلاثين سنة التي ذكرنا أنها عمر آدم. قال: ودعا أخْنوخ قومَه ووعظَهم، وأمرهم بطاعة الله ومعصية الشيطان، وألا يُلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه، وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قايين.
قال: وفي التوراة: إن الله ﵎ رفع إدريس بعد ثلاثمئة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره، وبعد خمسمئة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر أبيه، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمئة وخمسًا وثلاثين سنة تمام تسعمئة واثنتين وستين سنة، وكان عمرُ يارد تسعمئة واثنتين وستين سنة، وولد أخْنُوخ وقد مضت من عمر يارد مئة واثنتان وستون سنة (١). (١: ١٧٠).
٢٤٦ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: في زمان يَرْد عُملت الأصنام، ورَجع مَنْ رجع عن الإسلام (٢). (١: ١٧٠).
٢٤٧ - وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قال لي رسول الله: "يا أبا ذرّ! أربعة -يعني من الرسل - سريانيّون: آدم، وشيث، ونوح، وأخْنُوخ، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة" (٣). (١٧١: ١).
стр. 1978
٢٤٧ / أ - وقد زعم بعضهم: أن الله بعث إدريس إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمَع له عِلْم الماضين، وأن الله زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة، قال: فذلك قول الله : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
وقال: يعني بالصحف الأولى [الصحف] التي أنزلت على ابن آدم هبة الله، وإدريس ﵉ (١) (١: ١٧١).
٢٤٨ - وقال بعضُهم: ملك بيوَراسب في عهد إدريس، وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه، فاتّخذه في ذلك الزمان سحرًا، وكان بيوراسب يعمل به، وكان إذا أراد شيئًا من جميع مملكته أو أعجبته دابّة أو امرأة نفخ بقصَبة كانت له من ذهب، وكان يجيءُ إليه كلّ شيء يريده، فمن ثَمَّ تنفخ اليهود [في الشبّورات] (٢) (١: ١٧١).
٢٤٩ - وأما الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان بن خُبانداذ بن خُيايذار بن أوشهنج.
وقد اختلف في نسب طهمورث إلى أوشهنج، فنسبه بعضهم النسبة التي ذكرت. وقال بعض نسَّابة الفرس: هو طهمُورث بن أبيونكهان بن أنكهد بن أسكهد بن أوشهنج (٣). (١: ١٧١).
٢٥٠ - وقال هشام بن محمَّد الكلبيّ -فيما حُدثتُ عنه: ذكر أهلُ العلم أن أولَ ملوك بابل طهمورث، قال: وبلغنا - والله أعلم - أن الله أعطاه من القوَّة ما خضع له إبليس وشياطينه، وأنه كان مُطيعًا لله، وكان ملكه أربعين سنة.
وأما الفرس فإنها تزعم أن طهمورث ملك الأقاليم كلّها، وعقد على رأسه تاجًا، وقال يوم ملك: نحن دافعون بعون الله عن خليقته المَرَدة الفَسَدة. وكان محمودًا في ملكه، حَدِبًا على رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها، وتنقّل في البلدان، وأنه وثب بإبليس حتى ركبه، فطاف عليه في أداني الأرض
стр. 1979
وأقاصيها، وأفزعه ومردةَ أصحابه حتى تطايروا وتفرّقوا، وأنه أولى من اتخذ الصوف والشعر للباس والفُرُش، وأول من اتخذ زينةَ الملوك من الخيل والبغال والحمير، وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشي وحراستها من السباع والجوارح للصيد، وكتَبَ بالفارسية، وأن بيوَراسب ظهر في أولى سنة من ملكه، ودعا إلى ملّة الصابئين (١). (١: ١٧٢).
٢٥١ - ثم رجعنا إلى ذكر أخنوخ، وهو إدريس ﵇.
ثم نكح - فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة - عنِ ابن إسحاق -: أخنوخ بن يَرْد هدّانة - ويقال: أدّانة - ابنة باويل بن محويل بن خنُوخ بن قَين بن آدم، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له مَتُوشلَخ بن أخْنوخ، فعاش بعد ما ولد له مَتُوشَلَخ ثلاثمئة سنة، وولد له بنون وبنات؛ فكان كل ما عاش أخنوخ ثلاثمئة سنة وخمسًا وستين سنة ثم مات (٢). (١: ١٧٢).
٢٥٢ - وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر عن التوراة: وُلد لأخْنُوخ بعد ستمئة سنة وسبع وثمانين سنة خَلَتْ من عمر آدم مَتُوشَلَخ، فاستخلفه أخْنُوخ على أمر الله، وأوصاه وأهل بيته قبل أن يُرفع، وأعلمهم أن الله سيعذِّب ولد قايين ومَنْ خالطهم ومال إليهم، ونهاهم عن مخالطتهم، وذُكِر أنه كان أولى من ركب الخيل، لأنه اقتفى رسمَ أبيه في الجهاد، وسلك في أيامه في العمل بطاعة الله طريق آبائه. وكان عمر أخْنُوخ إلى أن رفع ثلاثمئة سنة وخمسًا وستين سنة. وولد له مَتُوشلخ بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنه (٣) (١٧٢: ١/ ١٧٣).
٢٥٣ - ثم نكح - فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق - مُتوشلخ بن أخنوخ عربا بنت عزرائيل بن أنوشيل بن خَنوخ بن قين بن آدم، وهو ابن مئة سنة وسبع وثلاثين سنة. فولدت له لمك بن مَتُوشلخ، فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمئة سنة، فولد له بنون وبنات، وكان كل ما عاش مَتُوشلخ تسعمئة
стр. 1980
سنة وتسع عشرة سنة. ثم مات ونكح لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بتنوس بنت براكيل بن محويل بن خنوخ بن قَين بن آدم ﵇، وهو ابن مئة سنة وسبع وثمانين سنة. فولدت له نوحًا النبي، فعاش لمك بعد ما ولد له نوح خمسمئة سنة وخمسًا وتسعين سنة، [وولد له بنون وبنات]، فكان كلُّ ما عاش سبعمئة سنة وثمانين سنة، ثم مات. ونكح نوح بن لمك عمذرة بنت براكيل بن محويل بن خنُوخ بن قين بن آدم، وهو ابن خمسمئة سنة، فولدت له بنيه: سام، وحام، ويافث بني نوح (١). (١: ١٧٣).
٢٥٤ - وقال أهل التوراة: ولد لمتُوشلَخ بعد ثمانمئة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك، فأقام على ما كان عليه آباؤه: من طاعة الله وحفظ عهوده. قالوا: فلما حضرت مَتُوشلَخ الوفاة استخلف لمك على أمره، وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به. قالوا: وكان لمك يَعظ قومه، وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتَّعظون، حتى نزل جميع مَنْ كان في الجبل إلى ولد قايين.
وقيل: إنه كان لمتُوشَلَخ ابن آخر غير لمَك، يقال له: صابئ - وقيل: إن الصابئين به سُمّوا صابئين - وكان عمر مَتُوشَلَخ تسعمئة وستين سنة، وكان مولد لمَك بعد أن مضى من عمر مَتُوشَلخ مئة وسبع وثمانون سنة. ثم ولد لمَك نوحًا بعد وفاة آدم بمئة سنة وست وعشرين سنة، وذلك لألف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله آدم إلى مولد نوح ﵇، فلما أدرك نوح قال له لمَك: قد علمت أنه لم يبق في هذا الموضع غيرُنا، فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة؛ فكان نوح يدعو إلى ربّه، ويعظ قومَه فيستخفُّون به، فأوحى الله إليه أنه قد أمهلهم؛ فأنظِرهم ليراجعوا ويتوبوا مدة، فانقضت المدة قبل أن يتوبوا ويُنيبوا.
وقال آخرون غير من ذكرت قوله: كان نوح في عهد بِيوراسب، وكان قومه يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى الله جلَّ وعزَّ تسعمئة وستة وخمسين سنة؛ كلَّما
стр. 1981
مضى قرنٌ تبعهم قرن، على ملّةٍ واحدة من الكفر، حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم (١). (١: ١٧٤).
٢٥٥ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام وقال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: وَلَد مَتُوشلَخ لمك ونفرًا معه، وإليه الوصية، فولَد لمك نوحًا، وكان للَمَك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهَى عن منكر، فبعث الله إليهم نوحًا؛ وهو ابن أربعمئة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مئة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعَها وركبها وهو ابن ستمئة سنة، وغرق من غرق، ثم مَكث بعد السفينة ثلاثمئة سنة وخمسين سنة (٢). (١: ١٧٤).
٢٥٦ - وأما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جم الشيذ - والشيذ معناه عندهم: الشعاع، لقّبوه بذلك فيما زعموا لجماله - وهو جم بن ويونجهان، وهو أخو طمهورَث. وقيل: إنه ملَك الأقاليم السبعة كلَّها، وسُخِّر له ما فيها من الجنّ والإنس، وعُقِد على رأسه التاج. وقال حين قعد في ملكه: إن الله ﵎ قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا، وسنُوسع رعيتنا خيرًا. وإنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح، ودلَّ على صنعة الإبريسم والقَزّ وغيره مما يُغْزَل، وأمر بنسج الثياب وصبْغها، ونحت السروج والأكُف وتذليل الدوابّ بها.
وذكر بعضُهم: أنه توارَى بعد ما مضى من ملكه ستمئة سنة وست عشرة سنة وستَّة أشهر، فخلت البلادُ منه سنة، وأنه أمر لمُضِيّ سنةٍ من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الأسلحة وآلة الصنّاع من الحديد. ومن سنة خمسين من مُلْكه إلى سنة مئة بغزل الإبريسم والقَزّ والقطن والكَتّان وكلّ ما يُستطاع غزلُه وحياكة ذلك وصبْغته ألوانًا وتقطيعه أنواعًا ولبسه. ومن سنة مئة إلى سنة خمسين ومئة صنَّف الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة فقهاء، وطبقة كتَّابًا وصناعًا وحرّاثين، واتخذ طبقة منهم خَدَمًا، وأمرَ كلّ
стр. 1982
طبقة من تلك الطبقات بلزوم العمل الذي ألزمها إياه. ومن سنة مئة وخمسين إلى سنة خمسين ومئتين حاربَ الشياطين والجنَّ وأثخنهم وأذلّهم وسُخِّروا له وانقادوا لأمره. ومن سنة خمسين ومئتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمئة وكَّلَ الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعملِ الرخام والجصّ والكَلْس والبناء بذلك، بالطين البنيان والحمامات، وصنعة النُّورة، والنّقْل من البحار والجبال والمعادن والفلوات كلّ ما ينتفع به الناس، والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر، وأنواع الطيب والأدوية فنفذوا في كلّ ذلك لأمره. ثم أمر فصُنِعت له عَجَلة من زجاج، فصفّد فيها الشياطين وركبها، وأقبل عليها في الهواء من بلده، من دَنْبَاوند إلى بابل في يوم واحد، وذلك يوم هرمزأز فروردين ماه، فاتخذ الناس للأعجوبة التي رأوا من إجرائه ما أجرى على تلك الحال نوروز؛ وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيدًا، والتنعم والتلذذ فيها، وكتب إلى الناس اليوم السادس، وهو خُرداذروز يخبرهم: أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله، فكان من جزائه إياه عليها أن جنَّبهم الحرَّ والبردَ والأسقام والهرَم والحسد، فمكث الناس ثلاثمئة سنة بعد الثلاثمئة والست عشرة سنة التي خلت من مُلْكه، لا يصيبهم شيء مما ذكر أن اللهَ جَلّ وعزّ جنّبهم إياه.
ثم إن جمَّ بَطَر بعد ذلك نعمة الله عنده، وجمع الإنس والجن، فأخبرهم أنه وليُّهم ومالكهم والدافع بقوته عنهم الأسقام والهرم والموت، وجَحَد إحسان الله إليه، وتمادى في غيّه فلم يُحِرْ أحد ممن حضره له جوابًا، وفقد مكانه بهاءه وعزّه، وتخلّت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة أمره، فأحسّ بذلك بِيوراسب الذي يسمى الضحاك فابتدر إلى جَم لينتهسه فهرب منه، ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك، فامتلخ أمعاءه واسترطها، ونشره بمنشار.
وقال بعض علماء الفرس: إن جمَّ لم يزل محمودَ السيرة إلى أن بقيَ من ملكه مئة سنة فخلّط حينئذ، وادّعى الربوبية، فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره، ووثب عليه أخوه اسفتور وطلبه ليقتله، فتوارى عنه، وكان في تواريه ملكًا ينتقل من موضع إلى موضع، ثم خرج عليه بيوراسب فغلَبه على ملكه، ونشره بالمنشار.
стр. 1983
وزعم بعضُهم أن مُلْك جم كان سبعمئة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يومًا (١). (١: ١٧٥/ ١٧٦).
٢٥٧ - وقد ذكرت عن وهب بن منبّه، عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصّة جم شاذ الملك، ولولا أنّ تاريخه خلاف تاريخ جَم لقلت إنها قصة جَم. وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبّه: أنه قال: إن رجلًا ملك وهو فتىً شاب، فقال: إني لأجدُ للمُلْك لذة وطعمًا، فلا أدري: أكذلك كلّ الناس أم أنا وجدتُه من بينهم؟ فقيل له: بل المُلْك كذلك، فقال: ما الذي يقيمه لي؟ فقيل له: يقيمه لك أن تطيعَ الله فلا تعصيه. فدعا ناسًا من خيار مَنْ كان في ملكه فقال لهم: كونوا بحضرتي في مجلسي؛ فما رأيتم أنه طاعة لله فأمُروني أن أعمل به، وما رأيتم أنه معصيةٌ لله فازجروني عنه أنزجر؛ ففعل ذلك هو وهم، واستقام له ملكه بذلك أربعمئة سنة مطيعًا لله . ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال: تركت رجلًا يعبد الله ملكًا أربعمئة سنة! فجاء فدخل عليه فتمثّل له برجل، ففزع منه الملك، فقال: من أنت؟ قال إبليس: لا تُرَعْ؛ ولكن أخبرني مَنْ أنت؟ قال الملك: أنا رجلًا من بني آدم، فقال له إبليس: لو كنت من بني آدم لقد متَّ كما يموت بنو آدم؛ ألم تَر كمْ قد مات من الناس وذهب من القرون! لو كنتَ منهم لقد متَّ كما ماتوا؛ ولكنَّك إله، فادعُ الناس إلى عبادتك. فدخل ذلك في قلبه، ثم صعد المنبر، فخطب الناس فقال: أيها الناس، إني قد كنت أخفيت عنكم أمرًا بَانَ لي إظهاره؛ لَكَمْ تعلمون أني ملكتكم منذ أربعمئة سنة، ولو كنتُ من بني آدم لقد متّ كما ماتوا؛ ولكني إلهٌ فاعبدوني! فأرعش مكانه، وأوحى الله إلى بعض مَنْ كان معه فقال: أخبره أني قد استقمت له ما استقام لي، فإذا تحول عن طاعتي إلى معصيتي فلم يستقم لي، فبعزّتي حلفتُ لأسلِّطن عليه بخت ناصر؛ فليضربَنَّ عنقه، وليأخذنّ ما في خزائنه. وكان في ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلّط عليه بخت ناصر؛ فلم يتحول الملك عن قوله، حتى سلَّط الله عليه بخت ناصر، فضرب عنقه، وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهبًا.
стр. 1984
قال أبو جعفر: ولكن بين بخت ناصر وجم دهر طويل؛ إلا أن يكون الضّحاك كان يُدعى في ذلك الزمان بخت ناصر (١). (١: ١٧٦/ ١٧٧).
٢٥٨ - وأما هشام بن الكلبيّ فإني حُدّثت عنه أنه قال: ملك بعد طهْمورث جم، وكان أصبَحَ أهلِ زمانه وجهًا، وأعظمهم جسمًا، قال: فذكروا أنه غبَرَ ستمئة سنة وتسع عشرة سنة مطيعًا لله مستعليًا أَمره مستوثقة له البلاد. ثم إنه طَغى وبغى؛ فسلّط الله عليه الضَّحاك، فسار إليه في مئتي ألف، فهرب جم منه مئة سنة؛ ثم إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار. قال: فكان جميع ملك جم، منذ ملك إلى أن قتل سبعمئة وتسع عشرة سنة (٢). (١: ١٧٧).
٢٥٩ - وقد روي عن جماعة من السلف: أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ كلُّهم على ملة الحقّ، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بعث إليهم نوح ﵇، وقالوا: إن أول نبيّ أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح ﵇ (٣)(٤) (١: ١٧٨).
ذكر من قال ذلك:
стр. 1985
- ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح ﵇ -
٢٦٠ - قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح ﵇، وأن منهم مَن يقول: كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله . وأنّ منهم من يقول: كانوا أهلَ طاعة بيوَراسب، وكان بيوراسب أولَ من أظهر القول بقول الصابئين؛ وتبِعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح ﵇. وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد (١). (١: ١٧٩).
٢٦٠ / أ - والعمل بما أمر الله به رسلَه وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنُوخ. ونوح يوم ابتعثه الله نبيًّا إليهم - فيما ذكر - ابن خمسين سنة (٢). (١: ١٧٩).
٢٦١ - وقيل أيضًا ما حدثنا به نصر بن علي الجهضميّ، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عَوْن بن أبي شدّاد، قال: إن الله ﵎ أرسل نوحًا إلى قومه وهو ابنُ خمسين وثلاثمئة سنة، فلبِث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمئة سنة (٣). (١: ١٧٩).
٢٦٢ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمئة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مئة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمئة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمئة وخمسين سنة (٤) (١: ١٧٩).
٢٦٣ - قال أبو جعفر: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا كما قال الله يدعوهم إلى الله سرًّا وجهرًا، يمضي قرنٌ بعد قرن، فلا يستَجيبون له، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم، فلما أراد الله إهلاكهم دعا عليهم نوح ﵇ فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ
стр. 1986
وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا﴾، فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها، فعظمت وذهبت كلَّ مذهب، ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة، فيتخذ منها سفينة، كما قال الله له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، فقطَعها وجعل يعملها (١). (١٨٠: ١).
٢٦٤ - وحدثنا صالح بن مسمار المروزيّ، والمثنى بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره: أنّ عائشة زوج النبي أخبرته: أن رسول الله قال: "لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبيّ". قال رسول الله: "كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ، حتى كان آخر زمانه غَرَس شجرة فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة فيمرّون فيسألونه فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البرّ فكيف تجري! فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها وفار التنور وكثُر الماء في السكك خشيَتْ أمّ الصبيّ عليه - وكانت تحبّه حبًّا شديدًا - فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثَه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بيدها، حتى ذهب به الماء، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أمّ الصبيّ" (٢). (١: ١٨٠).
٢٦٥ - حدثني ابن أبي منصور، قال: حدَّثنا عليّ بن الهيثم، عن المسيّب بن شَريك، عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك، قال: قال سلْمان الفارسيّ: عمل نوح السفينة أربعمئة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة، حتى كان طوله ثلثمئة ذراع، والذراع إلى المنكب (٣). (١: ١٨١).
٢٦٦ - فعمل نوح بوحي الله إليه، وتعليمه إياه، عملَها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن طول السفينة ئلاثمئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها
стр. 1987
في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها (١) (١٨١: ١).
٢٦٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستمئة ذراع.
٢٦٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن مفضّل بن فضالة، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدّثنا عنها! فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفّه، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا قبر حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب، فقال له عيسى ﵇: هكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني متّ وأنا شابٌ؛ ولكني ظننتُ أنها الساعة، فمن ثَمَّ شبتُ. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع وعرضها ستمئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدوابّ أوحى الله إلى نوح أن اغمزْ ذنَب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضربْ بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلَيْها، فعلم أنّ البلاد قد غرقت. قال: فطوْقها الخضرة التي في عنقها، دعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثمّ تألف البيوت. قال: فقالت الحواريون: يا رسول الله! ألا ننطلق به إلى أهلنا، فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذن الله، فعاد ترابًا (٢). (١: ١٨١/ ١٨٢).
стр. 1988
٢٦٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نَجَر نوح السفينة بجبل بَوْذ، من ثَمّ تبدّى الطوفان. قال: وكان طول السفينة ثلاثمئة ذراع بذراع جدّ أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستة أذرع، وكانت مطبَّقة، وجعل لها ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض (١). (١: ١٨٢).
٢٧٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن عُبَيد بن عُمَير الليثيّ: أنّه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به -يعني قوم نوح بنوح- فيخنقُونه حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق؛ قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (٢) (١: ١٨٢).
٢٧٠ / أ- قال: ويقولون - فيما بلغني -: يا نوح قد صرت نجّارًا بعد النبوّة! قال: وأعقم الله أرحام النساء فلا يولدَ لهم (٣) (١: ١٨٣).
٢٧١ - قال: ويزعم أهل التوراة: أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يَطليَه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سُفْلًا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كُوّىً. ففعل نوح كما أمره الله ، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه: ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾. وقد جعل التنّور آية فيما بينه وبينه، فقال: إذا جاء أمرنا وفار التنّور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب. فلما فار التنور حَمَل نوح في الفلك مَن أمره الله تعالى به - وكانوا قليلًا كما قال- وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر، ذكرًا وأنثى. فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر: نوحٌ وبنوه
стр. 1989
وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره الله به من الدوابّ، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرًا (١). (١: ١٨٣).
٢٧٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة، وآخرَ ما حمل الحمار. فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذَنَبه فلم تستقلّ رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك! ادخلْ، فينهض فلا يستطيع، حتى قال نوح: ويحك! ادخلْ وإن كان الشيطان معك، قال كلمة زلّت عن لسانه، فلما قالها نوح خَلّى الشيطان سبيلَه، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدو الله! قال: ألم تقل: "ادخل وإن كان الشيطان معك! " قال: اخرج عني يا عدوّ الله، فقال: ما لك بدٌّ من أن تحملَني، فكان - فيما يزعمون - في ظهر الفُلْك، فلما اطمأنّ نوح في الفُلْك وأدخَل فيه كلَّ من آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغَوْط الأكبر، وفتحت أبواب السماء، كما قال الله لنبيه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فدخل نوح ومن معه الفلك وغطَّاه عليه وعلى من معه بطبقةٍ، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يومًا وأربعون ليلة: ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة، وكثر واشتدّ وارتفع؛ يقول الله لنبيه محمد: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، والدُّسُر: المسامير، مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال، ونادى نوح ابنَه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ وكان شقيًّا قد أضمر كفرًا، ﴿قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يكون، قال [نوح]: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلا مَنْ رَحِمَ وَحَال بَينَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وكثر الماء وطغى، وارتفع فوق الجبال
стр. 1990
-كما يزعم أهل التوراة- خمسة عشر ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق، [من] كلّ شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوحٌ ومن معه في الفلك، وإلّا عوج بن عنق - فيما يزعم أهل الكتاب - فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال (١). (١: ١٨٤/ ١٨٥).
٢٧٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أرسل الله المطر أربعين يومًا وأربعين ليلة، فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدوابّ والطير كلُّها إلى نوح، وسُخّرت له، فحمل منها كما أمره الله : ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾، وحمل معه جسد آدم، فجعله حاجزًا بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضينَ من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرّم، فلذلك صام مَنْ صام يوم عاشوراء. وأخرج الماء نصفين، فذلك قول الله ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ يقول: منصبّ، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ يقول: شققنا الأرض، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فصار الماء نصفين: نصف من السماء ونصف من الأرض، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة، فطافت بهم الأرض كلَّها في ستة أشهر لا تستقرُّ على شيء، حتى أتت الحرَم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفع البيت الذي بناه آدم ﵇؛ رفع من الغرق، - وهو البيت المعمور والحجر الأسود - على أبي قَبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم، حتى انتهت إلى الجوديّ -وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل- فاستقرّت بعد ستة أشهر لتمام السبع، فقيل بعد السبعة الأشهر: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فلما استقرّت على الجوديّ ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ يقول: أنشفي مائك الذي خرج منك، ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾؛ يقول: احبسي ماءك، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نشّفته الأرض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخر ما بقي من الطوفان في الأرض ماءٌ بحِسْمَى بقي في الأرض أربعين
стр. 1991
سنة بعد الطوفان ثم ذهب (١) (١: ١٨٥/ ١٨٦).
وكان التنور الذي جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء منه تنورًا كان لحوّاء من حجارة، وصار إلى نوح.
٢٧٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشَيم عن أبي محمد، عن الحسن، قال: كان تنّورًا من حجارة، كان لحواء حتى صار إلى نوح، قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك (٢) (١: ١٨٦).
وقد اختلف في المكان الذي كان به التنور الذي جعل الله فوران مائه آية ما بينه وبين نوح، فقال بعضهم: كان بالهند.
ذكر من قال ذلك:
٢٧٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: في ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ قال: فار بالهند (٣). (١: ١٨٦).
٢٧٦ - وقال آخرون: كان ذلك بناحية الكوفة (٤) (١: ١٨٦).
ذكر من قال ذلك:
٢٧٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا خَلَف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، قال: نبعَ الماء في التنور، فعلمتْ به امرأتهُ فأخبرته، قال: وكان ذلك في ناحية الكوفة (٥) (١: ١٨٧).
٢٧٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا علي بن ثابت عن السريّ بن إسماعيل، عن الشعبيّ: أنه كان يحلف بالله: ما فار التنّور إلا من ناحية الكوفة (٦) (١: ١٨٧).
стр. 1992
واختلف في عدد مَنْ ركب الفُلْك من بني آدم، فقال بعضهم: كانوا ثمانين نفسًا.
ذكر من قال ذلك:
٢٧٩ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب، قال: حدثني حسين بن واقد الخراسانيّ، قال: حدثنا أبو نَهيك، قال: سمعت ابنَ عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلًا، أحدهم جُرْهم (١). (١: ١٨٧).
٢٨٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابنُ عباس: حمل نوحٌ معه في السفينة ثمانين إنسانًا (٢). (١: ١٨٧).
٢٨١ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين -يعني: القليل الذين قال الله : ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ (٣). (١: ١٨٧).
٢٨٢ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرَني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: حَمَل نوح في السفينة بنيه: سام، وحام، ويافِث. وكنائنه؛ نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعين من بني شيث؛ ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة (٤). (١: ١٨٧).
وقال بعضهم: بل كانوا ثمانية أنفس.
ذكر من قال ذلك:
٢٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا: أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه،
стр. 1993
ونساؤهم، فجميعهم ثمانية (١). (١: ١٨٨).
٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنيَّة، عن أبيه، عن الحكم: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه (٢). (١: ١٨٨).
٢٨٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: حُدّثتُ: أن نوحًا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم، وأسماءُ بنيه: يافث، وحام، وسام. فأصاب حامٌ امرأتَه في السفينة، فدعا نوح أن تُغيَّر نطفته، فجاء بالسّودان (٣). (١: ١٨٨).
وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.
ذكر من قال ذلك:
٢٨٦ - حدثني الحارث، قال: حدثني عبد العزيز، قال: حدثنا سُفيان، عن الأعمش: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن، وثلاثة بنين له (٤) (١: ١٨٨).
٢٨٧ - وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم (٥) (١: ١٨٨).
ذكر من قال ذلك:
٢٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: حمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث ونساءهم، وستة أناسيّ ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم. وأرسل الله ﵎ الطوفان لمضي ستمئة سنة من عمر نوح - فيما ذكره أهل العلمِ من أهل الكتاب وغيرهم - ولتتمة ألفي سنة ومئتي سنة وست وخمسين سنة من لدُن أهبط آدم إلى الأرض (٦) (١: ١٨٩).
стр. 1994
٢٨٩ - وقيل: إن الله أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، وإن نوحًا أقام في الفُلك إلى أن غاض الماء، واستوت الفُلك على جبل الجوديّ بقَردي، في اليوم السابع عشر من الشهر السادس. فلما خرج نوح منها اتخذ بناحية قَرْدي من أرض الجزيرة موضعًا، وابتنى هناك قرية سماها ثمانين؛ لأنه كان بنَى فيها بيتًا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون، فهي إلى اليوم تسمى سُوق ثمانين (١) (١: ١٨٩).
٢٩٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: هبط نوح ﵇ إلى قرية، فبنى كلُّ رجل منهم بيتًا، فسميت سوق ثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.
قال أبو جعفر: فصار هو وأهله فيه، فأوحى الله إليه: أنه لا يعيدُ الطوفانَ إلى الأرض أبدًا (٢) (١: ١٨٩).
٢٩١ - وقد حدثني عباد بن يعقوب الأسديّ، قال: حدثنا المحاربيّ عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله: "في أول يوم من رجب ركِب نوح السفينة، فصام هو وجميع مَنْ معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرّم، فأرست السفينة على الجوديّ يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرًا لله " (٣). (١: ١٩٠).
٢٩٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: كانت السفينة أعلاها الطير، وسطها الناس، وأسفلُها السباع وكان طولُها في السماء ثلاثين ذراعًا، ودَفَعَتْ من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب، وأرستْ على الجوديّ يوم عاشوراء، ومرّت بالبيت، فطافت
стр. 1995
به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمَن، ثم رجعت (١) (١: ١٩٠).
٢٩٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازيّ، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: مَنْ كان منكم صائمًا فليتمّ صومه، ومن كان منكم مُفْطِرًا فليَصُم (٢) (١: ١٩٠).
٢٩٤ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنها -يعني: الفُلك- استقلّتْ بهم في عشر خَلَوْن من رجب، فكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت على الجوديّ شهرًا، وأهبط بهم في عشر خَلَوْن من المحرّم يوم عاشوراء (٣) (١: ١٩٠).
٢٩٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: ما كان زمان نوح شبرٌ من الأرض إلا إنسان يدعيه (٤) (١: ١٩٠).
٢٩٦ - ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثني نصر بن علي الجَهْضَميّ، قال: أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عَوْن بن أبي شداد، قال: عاش -يعني: نوحًا- بعد ذلك -يعني: بعد الألف سنة إلا خمسين عامًا التي لبثها في قومه ثلاثمئة وخمسين سنة.
٢٩٦ / أ- وأما ابن إسحاق، فإن ابن حُمَيد حدثنا، قال: حدثنا سلَمة عنه، قال: وعُمِّر نوح - فيما يزعم أهل التوراة - بعد أن أهبِط من الفلك ثلاثمئة سنة وثمانيًا وأربعين سنة، قال: فكان جميعُ عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم قبضه الله إليه.
وقيل: إن سامًا ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة. وقال بعضُ أهل
стр. 1996
التوراة: لم يكن التناسل، ولا ولد لنوح ولدٌ إلا بعد الطوفان، وبعد خروج نوح من الفُلْك.
قالوا: إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه، غير أنهم بادوا وهلكوا، فلم يبق لهم عَقِب، وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون لسائر ولد آدم؛ كما قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١) (١: ١٩١).
٢٩٧ - وقيل: إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعًا؛ كان أحدهما يقال له: كنعان، قالوا: وهو الذي غرق في الطوفان، والآخر منهما يقال له: عابر، مات قبل الطوفان (٢) (١: ١٩١).
٢٩٨ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد لنوح سام، وفي ولده بياض وأدْمَة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشُّقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرِق، والعرب تسميه يام؛ وذلك قول العرب: إنما هامَ عمّنا يام؛ وأمّ هؤلاء واحدة (٣) (١: ١٩١).
٢٩٩ - فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان، ويقولون: لم يزل المُلْك فينا من عهد جيُومَرْت، وقالوا: جيُومَرْت هو آدم يتوارثه آخرٌ عن أول إلى عهد فيروز بن يَزْدجرْد بن شَهْريار، قالوا: ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع، ومُلْك القوم قد اضمحلّ، وكان بعضهمُ يقرّ بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد جيومَرْت كانت بالمشرق، فلم يصل ذلك إليهم (٤) (١: ١٩٢).
٣٠٠ - وقد ذكرتُ اختلافَ الناس في جيومَرْت ومَن يخالف الفرس في عينه،
стр. 1997
ومن هو، ومَنْ نسبه إلى نوح ﵇ (١) (١: ١٩٢).
٣٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عَثْمة، قال: حدَّثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب، عن النبي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: "سام وحام ويافث" (٢) (١: ١٩٢).
٣٠٢ - ورُوي عن علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ. وعن محمد بن صالح، عن الشعبيّ قالا: لما هَبط آدم من الجنة، وانتشر ولدُه أرّخ بنُوه من هبوط آدم؛ فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحًا فأرَّخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق، فهَلَك مَنْ هلك ممن كان على وجه الأرض. فلما هبط نوح وذريته وكلّ من كان في السفينة إلى الأرض قَسّم الأرض بين ولده أثلاثًا: فجعل لسام وسطًا من الأرض، ففيها بيتُ المقدس، والنيل، والفُرات، ودجْلة، وسَيْحان، وجيْحان، وفَيْشون؛ وذلك ما بين فيشون إلى شرقيّ النيل، وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال. وجعل لحام قسمه غربيَّ النيل، فما وراءه إلى منخر ريح الدَّبُور. وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى مَنْخَر ريح الصبا؛ فكان التاريخ: من الطوفان إلى نار إبراهيم، ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم، ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله (٣). (١: ١٩٣).
ذكر بيوراسب، وهو الإزدهاق
٣٠٣ - والعرب تسميه الضحاك، فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضادًا، والهاء حاءً، والقاف كافًا، وإياه عَنَى حبيب بن أوس بقوله:
مَا نَال مَا قَدْ نَال فِرْعَوْنٌ وَلَا ... هَامَانُ في الدُّنْيَا وَلَا قَارُونُ
بَلْ كَانَ كالضَّحَّاكِ في سَطَوَاتِهِ ... بالعالمين، وأنت أفْرِيدُونُ
стр. 1998
وهِو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ في قوله:
وَكَان مِنَّا الضَّحَّاكُ يَعْبُدُهُ الْـ ... ـخَابِلُ والجِنّ في مَسَارِبِهَا
قال: واليمن تدّعيه (١) (١: ١٩٤).
٣٠٤ - حدثت عن هشام بن محمد بن السائب - فيما ذكر من أمر الضحاك هذا - قال: والعجم تدّعي الضّحّاك وتزعم أن جمَّ كان زوّجَ أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملّكه على اليمن، فولدت له الضحاك.
قال: واليمن تدّعيه، وتزعم أنه من أنفسها، وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، وأنه ملّكَ على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، وهو أولُ الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن ﵇ (٢) (١: ١٩٤).
٣٠٥ - وأما الفرس فإنها تنسُب الإزدهاق هذا غير النسبة التي ذكر هشام عن أهل اليمن، وتذكر أنه بيوَراسب بن أرونداسب بن زينكاو بن ويرَوْشك بن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جيُومَرت.
ومنهم من ينسُبه هذه النسبة؛ غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول: هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار بن وندرِيسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومَرت.
والمجوس تزعم: أن تاج هذا هو أبوالعرب، ويزعمون: أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان، وأنه قتل أباه تقرُّبًا بقتله إلى الشياطين، وأنه كان كثيرَ المقام ببابل، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، وللآخر نفوار (٣). (١٩٥: ١).
وقد ذكر عن الشعبيّ أنه كان يقول: هو "قرشت" مسخه الله "ازدهاق".
ذكر الرواية عنه بذلك:
٣٠٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة بن الفضل عن يحيى بن العلاء،
стр. 1999
عن القاسم بن سلْمان، عن الشعبيّ، قال: أبجد، وهوّز، وحطّي، وكَلمن، وسعفص، وقرشت؛ كانوا ملوكًا جبابرة، فتفكر قرشت يومًا، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين! فمسخه الله فجعله "أجدهاق"، وله سبعة أرؤس، فهو الذي بدُنباوَند، وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم: أنه ملَك الأقاليم كلَّها، وأنه كان ساحرًا فاجرًا (١). (١: ١٩٥/ ١٩٦).
٣٠٧ - وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ملَك الضحاك بعد جم - فيما يزعمون، والله أعلَم - ألفَ سنة، ونزل السّواد في قرية يقال لها: نَرْس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرضَ كلها، وسار بالجَوْر والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أولَ مَن سنّ الصَّلب والقطع، وأوّلَ من وضع العُشور، وضرب الدراهم، وأول مَنْ تغنَّى وغُنِّيَ له. قال: ويقال إنه خرج في منكبه سِلْعتان فكانتا تضربان عليه، فيشتدّ عليه الوجع حتى يطليَهُما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك في كلّ يوم رجلين ويَطْلى سِلْعتيه بدماغيهما، فإذا فعل ذلك سكَن ما يجِد، فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء، واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ الضَّحاكَ خبرُه راعه، فبعث إليه: ما أمرك. وما تريد؟ قال: ألست تزعم أنك ملك الدنيا، وأن الدنيا لك! قال: بلى، قال: فليكن كَلَبُك على الدنيا، ولا يكونَنّ علينا خاصة؛ فإنك إنما تقتلنا دون الناس. فأجابه الضحاك إلى ذلك، وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كلّ يوم أن يُقسَّما على الناس جميعًا، ولا يخصّ بهما مكان دون مكان.
قال: فبلغنا: أنّ أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذي رفع اللواء، وأنّ ذلك اللواء لم يزل محفوظًا عند ملوك فارس في خزائنهم، وكان فيما بلغنا جلدَ أسد، فألبسه ملوكُ فارس الذهبَ والديباجَ تيَمُّنًا به.
٣٠٧ / أ- قال: وبلغنا أنّ الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وُلد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٢). (١: ١٩٦).
стр. 2000
٣٠٧ / ب - قال: وبلغنا أن أفريدون -هو من نسل جم الملك الذي كان [من] قبل الضحاك، ويزعمون أنه التاسع من ولده، وكان مولده بدُنْباوَنْد، خرج حتى ورد منزلَ الضحاك وهو عنه غائب بالهند، فحوى على منزله وما فيه، فبلغ الضحاك ذلك، فأقبل وقد سلبه الله قوّته، وذهبت دولتُه فوثب به أفريدُون فأوثقه وصيَّره بجبال. دُنباوَند؛ فالعجمُ تزعم: أنه إلى اليوم مُوثَق في الحديد يُعذَّب هناك (١). (١: ١٩٧).
٣٠٨ - وذكر غيرُ هشام: أنّ الضحاك لم يكن غائبًا عن مسكنه، ولكن أفريدون بن أثفيان جاء إلى مسكن له في حِصْن يُدعَى زرنج ماه مهروز مهر، فنكح امرأتين له: تسمى إحداهما: أروناز والأخرى سنوار. فوهل بيوراسب لما عاين ذلك، وخرّ مُدلَّهًا لا يعقل، فضرب أفريدون هامتَه بجُرْزٍ له ملتوي الرأس، فزاده ذلك وهَلًا وعزوبَ عقل، ثم توجَّه به أفريدُونُ إلى جبل دُنْبَاوند، وشدَّه هنالك وثاقًا، وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز - وهو المِهرجان في اليوم الذي أوثق فيه بيوراسب - عيدًا، وعلا أفريدُون سرير الملك (٢) (١: ١٩٧).
٣٠٩ - وذُكر عن الضحاك: أنه قال يومَ ملك وعُقد عليه التاج: نحن ملوك الدنيا، المالكون لما فيها.
والفرس تزعم: أن الملْك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنْج وجم وطَهْمُورث، وأن الضحاك كان غاصبًا وأنه غصَب أهلَ الأرض بسحره وخبثه، وهوَّل عليهم بالحيَّتين اللتين كانتا على مَنكِبيه، وأنه بني بأرض بابل مدينة سماها حوب، وجعل النّبَط أصحابَه وبطانته، فلقي الناسُ منه كلَّ جهد، وذَبَح الصبيان (٣). (١: ١٩٨).
٣١٠ - ويقول كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه، كلُّ واحدة منهما كرأس الثعبان، وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب. ويذكر على طريق التهويل أنهما حيّتان يقتضيانه