التوراة: لم يكن التناسل، ولا ولد لنوح ولدٌ إلا بعد الطوفان، وبعد خروج نوح من الفُلْك.
قالوا: إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه، غير أنهم بادوا وهلكوا، فلم يبق لهم عَقِب، وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون لسائر ولد آدم؛ كما قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١) (١: ١٩١).
٢٩٧ - وقيل: إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعًا؛ كان أحدهما يقال له: كنعان، قالوا: وهو الذي غرق في الطوفان، والآخر منهما يقال له: عابر، مات قبل الطوفان (٢) (١: ١٩١).
٢٩٨ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد لنوح سام، وفي ولده بياض وأدْمَة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشُّقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرِق، والعرب تسميه يام؛ وذلك قول العرب: إنما هامَ عمّنا يام؛ وأمّ هؤلاء واحدة (٣) (١: ١٩١).
٢٩٩ - فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان، ويقولون: لم يزل المُلْك فينا من عهد جيُومَرْت، وقالوا: جيُومَرْت هو آدم يتوارثه آخرٌ عن أول إلى عهد فيروز بن يَزْدجرْد بن شَهْريار، قالوا: ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع، ومُلْك القوم قد اضمحلّ، وكان بعضهمُ يقرّ بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد جيومَرْت كانت بالمشرق، فلم يصل ذلك إليهم (٤) (١: ١٩٢).
٣٠٠ - وقد ذكرتُ اختلافَ الناس في جيومَرْت ومَن يخالف الفرس في عينه،
стр. 1997
ومن هو، ومَنْ نسبه إلى نوح ﵇ (١) (١: ١٩٢).
٣٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عَثْمة، قال: حدَّثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب، عن النبي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: "سام وحام ويافث" (٢) (١: ١٩٢).
٣٠٢ - ورُوي عن علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ. وعن محمد بن صالح، عن الشعبيّ قالا: لما هَبط آدم من الجنة، وانتشر ولدُه أرّخ بنُوه من هبوط آدم؛ فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحًا فأرَّخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق، فهَلَك مَنْ هلك ممن كان على وجه الأرض. فلما هبط نوح وذريته وكلّ من كان في السفينة إلى الأرض قَسّم الأرض بين ولده أثلاثًا: فجعل لسام وسطًا من الأرض، ففيها بيتُ المقدس، والنيل، والفُرات، ودجْلة، وسَيْحان، وجيْحان، وفَيْشون؛ وذلك ما بين فيشون إلى شرقيّ النيل، وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال. وجعل لحام قسمه غربيَّ النيل، فما وراءه إلى منخر ريح الدَّبُور. وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى مَنْخَر ريح الصبا؛ فكان التاريخ: من الطوفان إلى نار إبراهيم، ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم، ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله (٣). (١: ١٩٣).
ذكر بيوراسب، وهو الإزدهاق
٣٠٣ - والعرب تسميه الضحاك، فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضادًا، والهاء حاءً، والقاف كافًا، وإياه عَنَى حبيب بن أوس بقوله:
مَا نَال مَا قَدْ نَال فِرْعَوْنٌ وَلَا ... هَامَانُ في الدُّنْيَا وَلَا قَارُونُ
بَلْ كَانَ كالضَّحَّاكِ في سَطَوَاتِهِ ... بالعالمين، وأنت أفْرِيدُونُ
стр. 1998
وهِو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ في قوله:
وَكَان مِنَّا الضَّحَّاكُ يَعْبُدُهُ الْـ ... ـخَابِلُ والجِنّ في مَسَارِبِهَا
قال: واليمن تدّعيه (١) (١: ١٩٤).
٣٠٤ - حدثت عن هشام بن محمد بن السائب - فيما ذكر من أمر الضحاك هذا - قال: والعجم تدّعي الضّحّاك وتزعم أن جمَّ كان زوّجَ أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملّكه على اليمن، فولدت له الضحاك.
قال: واليمن تدّعيه، وتزعم أنه من أنفسها، وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، وأنه ملّكَ على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، وهو أولُ الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن ﵇ (٢) (١: ١٩٤).
٣٠٥ - وأما الفرس فإنها تنسُب الإزدهاق هذا غير النسبة التي ذكر هشام عن أهل اليمن، وتذكر أنه بيوَراسب بن أرونداسب بن زينكاو بن ويرَوْشك بن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جيُومَرت.
ومنهم من ينسُبه هذه النسبة؛ غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول: هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار بن وندرِيسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومَرت.
والمجوس تزعم: أن تاج هذا هو أبوالعرب، ويزعمون: أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان، وأنه قتل أباه تقرُّبًا بقتله إلى الشياطين، وأنه كان كثيرَ المقام ببابل، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، وللآخر نفوار (٣). (١٩٥: ١).
وقد ذكر عن الشعبيّ أنه كان يقول: هو "قرشت" مسخه الله "ازدهاق".
ذكر الرواية عنه بذلك:
٣٠٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة بن الفضل عن يحيى بن العلاء،
стр. 1999
عن القاسم بن سلْمان، عن الشعبيّ، قال: أبجد، وهوّز، وحطّي، وكَلمن، وسعفص، وقرشت؛ كانوا ملوكًا جبابرة، فتفكر قرشت يومًا، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين! فمسخه الله فجعله "أجدهاق"، وله سبعة أرؤس، فهو الذي بدُنباوَند، وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم: أنه ملَك الأقاليم كلَّها، وأنه كان ساحرًا فاجرًا (١). (١: ١٩٥/ ١٩٦).
٣٠٧ - وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ملَك الضحاك بعد جم - فيما يزعمون، والله أعلَم - ألفَ سنة، ونزل السّواد في قرية يقال لها: نَرْس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرضَ كلها، وسار بالجَوْر والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أولَ مَن سنّ الصَّلب والقطع، وأوّلَ من وضع العُشور، وضرب الدراهم، وأول مَنْ تغنَّى وغُنِّيَ له. قال: ويقال إنه خرج في منكبه سِلْعتان فكانتا تضربان عليه، فيشتدّ عليه الوجع حتى يطليَهُما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك في كلّ يوم رجلين ويَطْلى سِلْعتيه بدماغيهما، فإذا فعل ذلك سكَن ما يجِد، فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء، واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ الضَّحاكَ خبرُه راعه، فبعث إليه: ما أمرك. وما تريد؟ قال: ألست تزعم أنك ملك الدنيا، وأن الدنيا لك! قال: بلى، قال: فليكن كَلَبُك على الدنيا، ولا يكونَنّ علينا خاصة؛ فإنك إنما تقتلنا دون الناس. فأجابه الضحاك إلى ذلك، وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كلّ يوم أن يُقسَّما على الناس جميعًا، ولا يخصّ بهما مكان دون مكان.
قال: فبلغنا: أنّ أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذي رفع اللواء، وأنّ ذلك اللواء لم يزل محفوظًا عند ملوك فارس في خزائنهم، وكان فيما بلغنا جلدَ أسد، فألبسه ملوكُ فارس الذهبَ والديباجَ تيَمُّنًا به.
٣٠٧ / أ- قال: وبلغنا أنّ الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وُلد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٢). (١: ١٩٦).
стр. 2000
٣٠٧ / ب - قال: وبلغنا أن أفريدون -هو من نسل جم الملك الذي كان [من] قبل الضحاك، ويزعمون أنه التاسع من ولده، وكان مولده بدُنْباوَنْد، خرج حتى ورد منزلَ الضحاك وهو عنه غائب بالهند، فحوى على منزله وما فيه، فبلغ الضحاك ذلك، فأقبل وقد سلبه الله قوّته، وذهبت دولتُه فوثب به أفريدُون فأوثقه وصيَّره بجبال. دُنباوَند؛ فالعجمُ تزعم: أنه إلى اليوم مُوثَق في الحديد يُعذَّب هناك (١). (١: ١٩٧).
٣٠٨ - وذكر غيرُ هشام: أنّ الضحاك لم يكن غائبًا عن مسكنه، ولكن أفريدون بن أثفيان جاء إلى مسكن له في حِصْن يُدعَى زرنج ماه مهروز مهر، فنكح امرأتين له: تسمى إحداهما: أروناز والأخرى سنوار. فوهل بيوراسب لما عاين ذلك، وخرّ مُدلَّهًا لا يعقل، فضرب أفريدون هامتَه بجُرْزٍ له ملتوي الرأس، فزاده ذلك وهَلًا وعزوبَ عقل، ثم توجَّه به أفريدُونُ إلى جبل دُنْبَاوند، وشدَّه هنالك وثاقًا، وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز - وهو المِهرجان في اليوم الذي أوثق فيه بيوراسب - عيدًا، وعلا أفريدُون سرير الملك (٢) (١: ١٩٧).
٣٠٩ - وذُكر عن الضحاك: أنه قال يومَ ملك وعُقد عليه التاج: نحن ملوك الدنيا، المالكون لما فيها.
والفرس تزعم: أن الملْك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنْج وجم وطَهْمُورث، وأن الضحاك كان غاصبًا وأنه غصَب أهلَ الأرض بسحره وخبثه، وهوَّل عليهم بالحيَّتين اللتين كانتا على مَنكِبيه، وأنه بني بأرض بابل مدينة سماها حوب، وجعل النّبَط أصحابَه وبطانته، فلقي الناسُ منه كلَّ جهد، وذَبَح الصبيان (٣). (١: ١٩٨).
٣١٠ - ويقول كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه، كلُّ واحدة منهما كرأس الثعبان، وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب. ويذكر على طريق التهويل أنهما حيّتان يقتضيانه
стр. 2001
الطعام، وكانتا تتحركان تحث ثوبه إذا جاع كما يتحرّك العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع والغضب. ومن الناس من يقول: كان ذلك حيّتين، وقد ذكرتُ ما رُوي عن الشعبيّ في ذلك، والله أعلم بحقيقته وصحته (١). (١: ١٩٨).
٣١١ - وذكر بعضُ أهل العلم بأنساب الفرْس وأمورهم: أنّ الناس لم يزالوا من بِيورَاسب هذا في جَهْد شديد، حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجلٌ من العامة من أهل أصبَهان يقال له: كابي، بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه. وقيل: إنه لما بلغ الجزع من كابي هذا على ولده أخذ عصًا كانت بيده، فعلَّق بأطرافها جرابًا كان معه، ثم نصب ذلك العَلَم، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته، فأسرع إلى إجابته خلق كثير؛ لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجَوْر، فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك العلَم، فعظَّموا أمره، وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم عَلَمهم الأكبر الذي يتبركون به، وسموه دِرَفْش كابيان، فكانوا لا يسيّرونه إلا في الأمور العظام، ولا يُرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجِّهوا في الأمور العظام.
وكان من خبر كابي: أنه شخصَ عن أصبَهان بمن تبعه والتفَّ إليه في طريقه، فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه، قُذف في قلب الضحاك منه الرُّعب، فهرب عن منازله، وخلَّى مكانه، وانفتح للأعاجم فيه ما أرادوا، فاجتمعوا إلى كابي وتناظروا، فأعلمهم كابي أنه لا يتعرض للملْك؛ لأنه ليس من أهله، وأمرهم أن يملِّكوا بعض ولد جم، لأنه ابن الملك الأكبر أو شهنْق بن فرواك الذي رسم الملك، وسبق إلى القيام به، وكان أفريدُون بن أثفيان مستخفيًا في بعض النواحي من الضحاك، فوافى كابي ومَنْ كان معه، فاستبشرَ القومُ بموافاته، وذلك أنه كان مُرشَّحًا للملك برواية كانت لهم في ذلك، فملَّكوه، وصار كابي والوجوه لأفريدُون أعوانًا على أمره، فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك، واحتوى على منازل الضحاك، اتَّبعه فأسره بدُنباوند في جبالها (٢). (١: ١٩٨/ ١٩٩).
стр. 2002
٣١٢ - وبعض المجوس تزعمُ أنه جعله أسيرًا حبيسًا في تلك الجبال، موكَّلًا به قوم من الجنّ.
ومنهم من يقول: إنه قتله، وزعموا: أنه لم يُسمَع من أمور الضحاك شيء يستحسَن غير شيء واحد؛ وهو أن بَليَّته لما اشتدت ودام جَوْرُه وطالت أيامه، عظُم على الناس ما لقُوا منه، فتراسل الوجوه في أمره، فأجمعوا على المصير إلى بابه، فوافى بابَه الوجوهُ والعظماء من الكُور والنواحي، فتناظروا في الدخول عليه والتظلّم إليه، والتأتِّي لاستعطافه، فاتفقوا على أن يقدِّموا للخطاب عنهم كابي الأصبهانيّ، فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم، فأذِن لهم، فدخلوا وكابي متقدّم لهم، فمَثل بين يديه، وأمسك عن السلام، ثم قال: أيها الملك، أيّ السلام أسلّم عليك؟ أسلام مَنْ يملك هذه الأقاليم كلَّها، أم سلام مَنْ يملك هذا الإقليم الواحد؟ -يعني: بابل- فقال له الضحاك: بل سلام مَنْ يملك هذه الأقاليم كلَّها، لأني ملك الأرض. فقال له الأصبهانيّ: فإذا كنت تملك الأقاليم كلَّها، وكانت يدك تنالها أجمع، فما بالُنا قد خُصصْنا بمؤنتك وتحامُلك وإساءتك من بين أهل الأقاليم! وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الأقاليم؟ وعدَّد عليه أشياء كان يُمكنه تخفيفَها عنهم، وجرّد له الصدق والقول في ذلك، فقدح في قلب الضحّاك قولُه، وعمِل فيه حتى انخزل وأقرّ بالإساءة، وتألّف القوْم ووعدهم ما يُحبُّون، وأمرهم بالانصراف لينزلوا ويتّدعوا، ثم يعودوا ليقضي حوائجهم، ثم ينصرفوا إلى بلادهم (١). (١: ١٩٩/ ٢٠٠).
٣١٣ - وزعموا: أن أمه ودك كانت شرًّا منه وأرْدَى، وأنها كانت في وقت مُعاتبة القوم إياه بالقُرْب منه تتعرف ما يقولونه، فتغتاظ وتُنكره، فلما خرج القوم دخلت مُستشيطةً مُنكرة علَى الضحاك احتماله القوم، وقالت له: قد بلغني كلّ ما كان وجُرْأةُ هؤلاء القوم عليك حتى قَرَّعوك بكذا، وأسمعوك كذا، أفلا دمَّرْتَ عليهم ودمدمتهم، أو قطعت أيديهم!
فلما أكثرتْ على الضحاك قال لها مع عتوّة: يا هذه! إنك لم تفكِّري في شيء إلا وقد سبقتُ إليه؛ إلا أن القوم بَدَهوني بالحق، وقَرّعوني به، فلما هممت
стр. 2003
بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيّل الحق فمثل بيني وبينهم بمنزلة الجبل، فما أمكنني فيهم شيء، ثم سكَّتها وأخرجها، ثم جلس لأهل النواحي بعد أيام، فوفّى لهم بما وعدهم، وردّهم وقد لان لهم، وقضى أكثرَ حوائجهم، ولا يُعرَف للضحاك - فيما ذُكر- فعلة استحسنت [منه] غير هذه (١). (١: ٢٠٠).
٣١٤ - وقد ذُكر: أن عُمر الأجدهاق هذا كان ألف سنة، وأن ملكه منها كان ستمئة سنة، وأنه كان في باقي عمره شبيهًا بالملك لقدرته ونفوذ أمره. وقال بعضهم: إنه ملك ألف سنة، وكان عمره ألف سنة ومئة سنة، إلى أن خرج عليه أفريدون فقهره وقتله (٢). (١: ٢٠٠/ ٢٠١).
٣١٥ - وقال بعض علماء الفرس: لا نعلم أحدًا كان أطوَل عمرًا - ممن لم يُذكر عمره في التوراة - من الضحاك هذا، ومن جامر بن يافث بن نوح أبي الفرس؛ فإنه ذُكر أن عمره كان ألف سنة (٣). (١: ٢٠١).
٣١٦ - وإنما ذكرنا خبر بيوَراسب في هذا الموضع؛ لأنّ بعضهم زعم: أن نوحًا ﵇ كان في زمانه، وأنه إنما كان أرسل إليه وإلى من كان في مملكته، ممن دان بطاعته واتبعه على ما كان عليه من العتوّ والتمرّد على الله، فذكرنا إحسان الله وأياديَه عند نوح ﵇ بطاعته ربّه وصبْره على ما لقيَ منه من الأذى والمكروه في عاجل الدنيا، بأن نجّاه ومن آمن معه واتبعه من قومه، وجعل ذرِّيته هم الباقين في الدنيا، وأبقى له ذكرَه بالثناء الجميل، مع ما ذخر له عنده في الآجل من النعيم المقيم والعيش الهنيء، وإهلاكه الآخرين بمعصيتهم إياه وتمَرّدهم عليه، وخلافهم أمره، فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم، وجعلهم عبْرة وعظة للغابرين؛ مع ما ذَخَر لهم عنده في الآجل من العذاب الأليم (٤). (٢٠١: ١).
٣١٧ - قد ذكرنا قبلُ عن رسول الله: أنه قال في قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا
стр. 2004
ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾: إنهم سام، وحام، ويافث (١) (١: ٢٠١).
٣١٨ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإنّ حام أبو السودان، وإنّ يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عمّ الترك (٢). (١: ٢٠١).
٣١٩ - وقيل: كانت زوجة يافث أربسيسة بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم ﵇، فولَدَت له سبعة نفر وامرأة.
فممّن ولدت له من الذكور جومر بن يافث وهو - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - أبو يأجوج ومأجوج، ومارح بن يافث ووائل بن يافث، وحوّان بن يافث، وتوبيل بن يافث، وهوشل بن يافث، وترسل بن يافث، وشبكة بنت يافث. قال: فمن بني يافث كانت يأجوج ومأجوج والصقالبة والترك فيما يزعمون. وكانت امرأة حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم. فولدت له ثلاثة نفر: كوش بن حام بن نوح، وقوط بن حام بن نوح، وكنعان بن حام. فنكح كوش بن حام بن نوح قرنبيل بنت بتاويل بن ترس بن يافث، فولدت له الحبشة والسند والهند فيما يزعمون. ونكح قوط بن حام بن نوح بختِ بنت بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح، فولدت له القبط - قبط مصر- فيما يزعمون. ونكح كنعان بن حام بن نوح أرتيل بنت بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح، فولدت له الأساود: نُوبة، وفَزَّان، والزَّنْج، والزَّغَاوة؛ وأجناس السود أن كلّها (٣). (١: ٢٠٢).
٣٢٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في الحديث قال: ويزعمُ أهل التوراة: أنّ ذلك لم يكن إلا عن دَعوة دعاها نوح على ابنه حام، وذلك أن نوحًا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطّها، ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبًا فواريا عورتَه، فلما هبّ من نومته علم ما صنع حام وسام
стр. 2005
ويافث، فقال: ملعون كنعان بن حام؛ عبيدًا يكونون لإخوته، وقال: يبارك الله ربّي في سام، ويكون حام عبْد أخويه، ويقرض الله يافث، ويحُلّ في مساكن حام، ويكون كنعان عبدًا لهم. قال: وكانت امرأة سام بن نوح صليب بنت بتاويل بن محويل بن خَنُوخ بن قين بن آدم، فولدت له نفرًا: أرفخشد بن سام، وأشوذ بن سام، ولاوذ بن سام، وعويلم بن سام، وكان لسام إرم بن سام، قال: ولا أدري إرم لأم أرفخشد وإخوته أم لا؟
ورجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة بنت يافث بن نوح فولدت له فارس وجرجام وأجناس فارس، ووُلد للاوذ مع الفرس طَسْم وعمليق، ولا أدري أهو لأمّ الفرس أم لا؟ فعمليق أبو العماليق. كلهم أمم تفرقت في البلاد، وكان أهل المشرق وأهل عُمان وأهل الحجاز وأهل الشام وأهل مصر منهم، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون، ومنهم كانت الفراعنة بمصر، وكان أهل البحرَين وأهل عمان منهم أمة يُسمَّوْن جاسم، وكان ساكِني المدينة منهم، بنو هفّ وسعد بن هزَّان، وبنو مطر، وبنو الأزرق. وأهل نجد منهم بديل وراحل وغِفَار، وأهل تيماء منهم. كان ملك الحجاز منهم بتيماء اسمُه الأرقم، وكانوا ساكني نجد مع ذلك. وكان ساكني الطائف بنو عبد بن ضخم، حيٌّ من عَبْس الأوَل.
قال: وكان بنو أُمَيْم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وَبار بأرض الرمل، رمل عالج، وكانوا قد كثروا بها ورَبُلوا؛ فأصابتهم من الله نقمة من معصية أصابوها، فهلكُوا وبقيَت منهم بقية، وهم الذين يقال لهم النسناس.
قال: وكان طسم بن لاوذ ساكنَ اليمامة وما حولها، قد كثروا بها وَرَبلُوا إلى البحرين؛ فكانت طسم والعماليق وأمَيْم وجاسم قومًا عَرَبًا، لسانهم الذي جُبِلوا عليه لسانٌ عربيّ. وكانت فارس من أهل المشرق ببلاد فارس، يتكلمون بهذا اللسان الفارسيّ.
قال: وولد إرَم بن سام بن نوح عَوْص بن إرم، وغَاثر بن إرم، وحويل بن إرَم، فولد عوص بن إرم غَاثر بن عوْص، وعاد بن عوص، وعَبيل بن عوص. وولد غَاثر بن إرم ثمود بن غاثر، وجَدِيس بن غاثر. وكانوا قومًا عربًا يتكلمون بهذا اللسان المضَريّ، فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة، لأنه
стр. 2006
لسانهم الذي جُبِلوا عليه، ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم: العرب المتعرّبة، لأنهم إنما تكلَّموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم. فعاد وثمود والعماليق وأمَيم وجاسم وجديس وطسم هم العرب؛ فكانت عاد بهذه الرمل إلى حَضْرَمَوْتَ واليمن كله، وكانت ثمود بالحِجْر بين الحجاز والشام إلى وادي القُرَى وما حوله، ولحِقَتْ جديس بطسم، فكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرَين، واسم اليمامة إذ ذاك جَوّ، وسكنت جاسم عُمانَ فكانوا بها (١). (١: ٢٠٢/ ٢٠٣ / ٢٠٤).
٣٢١ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لمّا ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوْها، وهي بين الفرات والصَّراة، وكانت اثني عشر فرسخًا في اثني عشر فرسخًا، وكان بابها موضع دُورَان اليوم، فوق جسر الكوفة يَسْرَةً إذا عبَرت، فكثروا بها حتى بلغوا مئة ألف، وهم على الإسلام (٢). (١: ٢٠٣).
٣٢٢ - وقال غير ابن إسحاق: إن نوحًا دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده، ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده، وبدأ بالدعاء ليافث وقدّمه في ذلك على سام، ودعا على حام بأن يتغيّر لونه، ويكون ولده عبيدًا لولد سام ويافث.
قال: وذكر في الكتب: أنه رقّ على حام بعد ذلك، فدعا له بأن يُرزَق الرأفة من إخوته، ودعا من ولد ولده لكوش بن حام ولجامِر بن يافث بن نوح، وذلك أن عدّة من ولد الولد لحقوا نوحًا فخدموه، كما خدمه ولده لصلبه، فدعا لعذة منهم.
قال: فولد لسام عابر وعُلَيم وأشوذ وأرفخشد ولاوَذ وإرم، وكان مقامه بمكة.
قال: فمن ولد أرفخشد الأنبياء والرسل وخيار الناس، والعرب كلها،
стр. 2007
والفراعنة بمصر. ومن ولد يافث بن نوح ملوك الأعاجم كلَّها من الترك والخزَر وغيرهم، والفرس الذين آخرُ مَنْ مَلَك منهم يَزْدَجِرْد بن شهريار بن أبرويز، ونسبُه ينتهى إلى جيومرت بن يافث بن نوح.
قال: ويقال: إن قومًا من ولد لاوذ بن سام بن نوح وغيره من إخوته نزعوا إلى جامر هذا، فأدخلهم جامر في نعمته ومُلكه، وأن منهم ماذي بن يافث، وهو الذي تُنسب السيوف الماذيّة إليه. قال: وهو الذي يقال: إن كيرش الماذويّ قاتل بلشصر بن أولمرودخ بن بختنصر من ولده.
قال: ومن ولد حام بن نوح النوبة، والحبشة، وفَزّان، والهند، والسند، وأهلُ السواحل في المشرق والمغرب.
قال: ومنهم نمرود، وهو نمرود بن كوش بن حام.
قال: وولد لأرفخْشد بن سام ابنه قينان، ولا ذِكْرَ له في التوراة، وهو الذي قيل: إنه لم يستحقّ أن يذكر في الكتب المنزلة، لأنه كان ساحرًا، وسمى نفسه إلهًا، فسيقت المواليد في التوراة على أرفخشد بن سام ثم على شالخ بن قينان بن أرفخشد من غير أن يذكر قينان في النسب، لما ذكر من ذلك.
قال: وقيل في شالخ: إنه شالخ بن أرفخشد من ولد لقينان. وولد لشالخ عابر. وولد لعابر ابنان: أحدهما فالغ، ومعناه بالعربية قاسم - وإنما سمى بذلك لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه - وسمي الآخر قحطان. فولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ، فنزلا أرضَ اليمن، وكان قحطان أوَّل مَنْ ملك اليمن، وأول من سُلِّم عليه بـ "أبَيتَ اللَّعْنَ"، كما كان يقال للملوك. وولد لفالغ بن عابر أرغوا - وولد لأرغوا ساروغ، وولد لساروغ ناحورا، وولد لناحورا تارَخ -واسمه بالعربية آزر- وولد لتارَخ إبراهيم صلوات الله عليه. وولد لأرفخشد أيضًا نمرود بن أرفخشد، وكان منزله بناحية الحِجْر. وولد للاوَذ بن سام طسم وجديس، وكان منزلهما اليمامة. وولد للاوَذ أيضًا عمليق بن لاوذ، وكان منزله الحرم وأكناف مكة، ولحق بعض ولده بالشام؛ فمنهم كانت العماليق، ومن العماليق الفراعنة بمصر. وولد للاوَذ أيضًا أمَيم بن لاوذ بن سام، وكان كثير الولَد، فنزع بعضُهم إلى جامر بن يافث بالمشرق.
стр. 2008
وولد لإرم بن سام عَوْص بن إرم، وكان منزله الأحقاف. وولد لعوص عاد بن عوص.
وأما حام بن نوح، فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان، فمن ولد كوش نُمرود المتجبر الذي كان ببابل، وهو نمرود بن كوش بن حام، وصارت بقية ولَد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزّان.
قال: ويقال: إن مصرايم ولَدَ القبْط والبربر، وإن قوطًا صار إلى أرض السند والهند فنزلها، وإنّ أهلَها من ولده.
وأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعج وموادى وبوان وثوبال وماشج وتيرش. ومن ولد جامر ملوك فارس. ومن ولد تيرش الترك والخزر. ومن ولد ماشج الأشبان. ومن ولد موعج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقيّ أرض الترك والخزر. ومن ولد بوان الصّقالبة وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقَع بها مَنْ وقع من ولد العيص وغيرهم؛ وقصد كلُّ فريق من هؤلاء الثلاثة: سام وحام ويافث أرضًا، فسكنوها ودفعوا غيرَهم عنها (١). (١: ٢٠٥/ ٢٠٦).
٣٢٣ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: إنك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العال من ولد سام بن نوح. وقال ابن عباس: والعرب والفرس والنَّبَط والهند والسّند من ولَد سام بن نوح (٢). (١: ٢٠٦).
٣٢٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه: قال: الهند والسند بنو توقير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ومُكران بن البند، وجرهم، اسمه هذرم بن عابر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ. ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن
стр. 2009
سام بن نوح، في قول من نسبَه إلى غير إسماعيل. والفرس بنو فارس بن تيرش بن ناسور بن نوح. والنَّبَط بنو نبيط بن ماش بن إرم بن سام بن نوح. وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام بن نوح. وعمليق - وهو عَريب - وطسم وأمَيم بنو لوذ بن سام بن نوح. وعمْليق هو أبو العمالقة، ومنهم البربر وهم بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صِنهاجة وكُتامة، فإنهما بينو فريقيش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ.
قال: وكان يقال لعاد في دهرهم عادُ إرَم، فلما هلكت عاد قيل لثمود إرم، فلما هلكت ثمود قيل لسائر بني إرم: إرمان؛ فهم النَّبَط، فكلُّ هؤلاء كان على الإسلام وهم ببابل، حتى ملَكَهم نُمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوْا وكلامهُم السريانية، ثم أصبحوا، وقد بلبَل الله ألسنتَهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلامَ بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانًا، ولبني حام ثمانية عشر لسانًا، ولبني يافث ستة وثلاثون لسانًا، ففهّم الله العربيةَ عادًا وعَبِيل وثمود وجَديس وعِمْليق وطَسْم وأمَيم وبني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.
وكان الذي عقد لهم الألوية ببابل بوناظر بن نوح، وكان نوح فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس: تزوج امرأة من بني قابيل، فولدت له غلامًا، فسمّاه بوناظر، فولده بمدينة بالمشرق يقال لها معلون شمسًا، فنزل بنو سام المِجْدَل سزة الأرض، وهو ما بين ساتِيدَما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوةَ والكتاب والجمال والأدْمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدّبور، ويقال لتلك الناحسة الداروم، وجعل الله فيهم أدْمة وبياضًا قليلًا، وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعُشَر والغار والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم. ونزل بنو يافث الضفون مجرى الشمال والصبا؛ وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى الله أرضَهم فاشتدّ بردها، وأخلى سماءهم، فليس يجري فوقَهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدْي والفرقدين، فابتُلوا بالطاعون. ثم لحقت عاد بالشَّحْر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فلحقتْهم
стр. 2010
بعدُ مهْرَةُ بالشِّحْر. ولحقت عبيل بموضع يثرب. ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضُهم إلى يترب، فأخرجوا منها عَبيل، فنزلوا موضع الجُحفة، فأقبل السيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجُحفة. ولحقت ثمود بالحجْر وما يليه فهلكوا ثَمَّ ولحقت طسم وجَديس باليمامة فهلكوا، ولحقت أميم بأرض أبَار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشِّحْر، ولا يصلُ إليها اليوم أحد، غلبت عليها الجن. وإنما سميت أبار بأبار بن أُمَيم. ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن، فسمِّيت اليمن حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بالشأم فسميت الشأم حيث تشاءموا إليها، وكانت الشأم يقال لها أرض بني كَنْعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوْهم عنها، فكانت الشأم لبني إسرائيل. ثم وثبت الروم علي بني إسرائيل فقتلوهم، وأجلوْهم إلى العراق إلا قليلًا منهم، ثم جاءت العرب فغلبوا على الشأم، وكان فالغ - وهو فالغ بن عابربن أرفخشد بن سام بن نوح -هو الذي قسَم الأرض بين بني نوح كما سمينا (١). (١: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩).
٣٢٥ - ويقال إن عمليق أول مَنْ تكلّم بالعربية حين ظَعنوا من بابل؛ فكان يقال لهم ولجُرهم: العربُ العاربة. وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وعَبِيل ابنا عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، والروم بنو لنطى بن يونان بن يافث بن نوح. ونمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب بابل؛ وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه (٢). (١: ٢٠٧).
٣٢٦ - وأما الأخبار عن رسول الله وعن علماء سلفنا في أنساب الأمم التي هي في الأرض اليوم، فعلى ما حدثني أحمد بن بشير بن أبي عبد الله الوراق، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسول الله: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش" (٣). (١: ٢٠٩).
٣٢٧ - حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا
стр. 2011
سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرة بن جندَب، عن النبي، قال: "ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو الزّنج، ويافث أبو الروم" (١). (١: ٢٠٩).
٣٢٨ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا عبّاد بن العوّام عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسول الله: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحَبش" (٢). (١: ٢٠٩).
٣٢٩ - حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثني روح، قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرة، عن النبي، قال: "ولد نوح سام وحام ويافث". قال عبد الله: قال رَوْح: أحفظ "يافث"، وسمعت مرة "يافت" (٣). (٢٠٩: ١).
٣٣٠ - وقد روي هذا الحديث عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة وعمران بن حصين، عن النبي (٤). (٢٠٩: ١).
٣٣١ - حدثني عمران بن بكّار الكَلاعيّ قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، قال: سمدت سعيد بن المسيّب يقول: ولد نوح ثلاثة، وولد كل واحد ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فولَد سام العربَ وفارس والروم؛ وفي كلِّ هؤلاء خير. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج؛ وليس في واحد من هؤلاء خير، وولَد حام القبْطَ والسودان والبربر (٥). (١: ٢١٠).
стр. 2012
٣٣٢ - وروى عن ضمْرة بن ربيعة، عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: ولَد حام كلَّ أسود جَعْد الشعر، وولَد يافث كلَّ عظيم الوجه صغير العينين، وولد سام كلَّ حسن الوجه حَسَن الشعر. قال: ودعا نوح على حام ألّا يعدُو شَعْرُ ولده آذانَهم، وحيثما لقي ولده ولدَ سام استعبدوهم (١). (١: ٢١٠).
٣٣٣ - وزعم أهلُ التوراة: أن سام ولد لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمئة سنة، ثم ولد لسام أرفخشد بعد أن مضى من عمر سام مئة سنة وسنتان، فكان جميع عمْر سام - فيما زعموا - ستمئة سنة. ثم ولد لأرفخشد قينان، وكان عمر أرفخشد أربعمئة سنة وثمانيًا وثلاثين سنة. وولد قينان لأرفخشد بعد أن مضى من عمره خمس وثلاثون سنة، ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مَضَى من عمره تسع وثلاثون سنة، ولم يذكر مدة عمر قَينان في الكتب فيما ذكر لمَا ذكرنا من أمره قبل. ثم ولد لشالَخ عابر بعد أن مضى من عمره ثلاثون سنة، وكان عمر شالخ كله أربعمئة سنة وثلاثًا وثلاثين سنة.
ثم ولد لعابر فالغ وأخوه قحطان، وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمئة وأربعين سنة، فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان همُّوا ببناء مدينة تجمعهم فلا يتفرّقون، أو صرْح عالٍ يحرزهم من الطوفان إن كان مرة أخرى فلا يغرقون، فأراد الله أن يُوهن أمرَهم، ويُخلِف ظنَّهم ويعلّمهم: أن
стр. 2013
الحول والقوة له، فبدّد شملهم، وشتّت جمعهم، وفرّق ألسنتهم. وكان عمر عابر أربعمئة سنة وأربعًا وسبعين سنة.
ثم ولد لفالغ أرغوا، وكان عمر فالغ مئتين وتسعًا وثلاثين سنة، وولد أرغوا لفالغ وقد مضى من عمره ثلاثون سنة، ثم ولد لأرغوا ساروغ، وكان عمر أرغوا مئتين وتسعًا وثلاثين سنة، وولد له ساروغ بعد ما مضى من عمره اثنتان وثلاثون سنة. ثم ولد لساروغ ناحور، وكان عمر ساروغ مئتين وثلاثين سنة. وولد له ناحور، وقد مضى من عمره ثلاثون سنة.
ثم ولد لناحور تارخ أبو إبراهيم، صلوات الله عليه، وكان هذا الاسم اسمه الذي سمّاه أبوه، فلما صار مع نُمرود قَيِّمًا على خِزانة آلهته سماه آزر. وقد قيل: إن آزر ليس باسم أبيه؛ وإنما هو اسم صنم؛ فهذا قولٌ يروى عن مجاهد. وقد قيل: إنه عيبٌ عابه به بمعنى "معوّج"، بعد ما مضى من عمر ناحور سبع وعشرون سنة، وكان عمر ناحور كله مئتين وثمانيًا وأربعين سنة.
وولد لتارَخ إبراهيم، وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة، وكان بعضُ أهل الكتاب يقول: كان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة ومئتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك بعد خلْق آدم بثلاثة آلاف وثلاثمئة سنة وسبع وثلاثين سنة.
وولد لقحطان بن عابر يَعْرُب، فولد يعرُب يَشْجُبَ بن يعرُب، فولد يشجب سبأ بن يشجب، فولد سبأ حمْيَرَ بن سبأ وكَهْلانَ بن سبأ وعمرو بن سبأ، والأشعر بن سبأ وأنْمَار بن سبأ ومرَّ بن سبأ وعاملة بن سبأ. فولد عمرو بن سبأ عديّ بن عمرو، فولد عديّ لخم بن عديّ وجُذَام بن عَديّ (١). (١: ٢١٠/ ٢١١).
٣٣٤ - وقد زعم بعضُ نسَّابي الفرس: أن نوحًا هو أفريدون الذي قهر الازدهاق، وسلَبه ملكَه. وزعم بعضُهم أن أفريدون هو ذو القرنين صاحب إبراهيم ﵇ الذي قضى له ببئر السبع، الذي ذكر الله في كتابه. وقال بعضُهم: هو سليمان بن داود.
стр. 2014
وإنما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال: إنه نوح، وإن قصته شبيهة بقصة نوح في أولاد له ثلاثة، وعدله وحسن سيرته، وهلاك الضحاك على يده. وأنه قيل: إن هلاك الضحاك كان على يد نوح وأنّ نوحًا إنما كان أرسل - في قول من ذكرت عنه أنه قال: كان هلاك الضحاك على يدي نوح - حين أرسل إلى قومه، وهم كانوا قومَ الضحاك.
فأما الفرس فإنهم ينسبُونه النسبة التي أنا ذاكرها؛ وذلك أنهم يزعمون: أن أفريدون من ولد جم شاذ الملك الذي قتله الازدهادق، على ما قد بَيَّنا من أمره قبلُ، وأن بينه وبين جم عَشَرة آباء (١). (١: ٢١١/ ٢١٢).
٣٣٥ - وقد حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب، قال: بلغنا: أن أفريدون - وهو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك، قال: ويزعمون أنَّه التاسع من ولَده، وكان مولده بدُنْباوند - خرج حتى ورد منزلَ الضحاك، فأخذه وأوثقه، وملك مئتي سنة، وردّ المظالم، وأمرَ الناس بعبادة الله والإنصاف والإحسان، ونظر إلى ما كان الضحاك غَصَب الناس من الأرضين وغيرها، فردَّ ذلك كلَّه على أهله، إلا ما لم يجد له أهلًا، فإنه وقَفه على المساكين والعامة. قال: ويقال: إنه أوّل مَنْ سمى الصوافي، وأولُ من نظر في الطبّ والنجوم، وإنه كان له ثلاثة بنين: اسم الأكبر سَلم، والثاني طوج، والثالث إيرج، وأن أفريدُون تخوّف ألا يتفق بنوه، وأن يبغيَ بعضُهم على بعض، فمسَّم ملكه بينهم ثلاثًا، وجعل ذلك في سهامٍ كتب أسماءهم عليها، وأمرَ كلَّ واحد منهم فأخذ سهمًا، فصارت الروم وناحية المغرب لسلْم، وصارت الترك والصين لطوج، وصارت للثالث - وهو إيرج - العراق والهند، فدفع التاج والسرير إليه، ومات أفريدُون فوثب بإيرَج أخواه فقتلاه، وملكا الأرض بينهما ثلاثمئة سنة.
قال: والفرس تزعُم: أنّ لأفريدون عشرَة آباء، كلهم يسمى أثفيان باسم واحد. قالوا: وإنما فعلوا ذلك خوفًا من الضحّاك على أولادهم، لرواية كانت عندهم، بأنَّ بعضهم يغلب الضحاك على ملكه، ويُدرك منه ثأر جم، وكانوا يعرَفون ويميّزون بألقاب لقِّبوها، فكان يقال للواحد منهم: أثفيان صاحب البقر
стр. 2015
الحمر، وأثفيان صاحب البقر البُلْق، وأثفيان صاحب البقر الكدْر. وهو أفريدون بن أثفيان بُوكاو -وتفسيره: صاحب البقر الكثير- ابن أثفيان نيككاو- وتفسيره: صاحب البقر الجياد، ابن أثفيان سيركاو - وتفسيره صاحب البقر السمان العظام - ابن أثفيان بوركاو - وتفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش - ابن أثفيان أحشين كاو - وتفسيره: صاحب البقر الصفر- ابن أثفيان سياه كاو - وتفسيره صاحب البقر السود- ابن أثفيان أسبيذكاو - وتفسيره صاحب البقر البيض - ابن أثفيان كيركاو - وتفسيره: صاحب البقر الرمادية - ابن أثفيان رمين - وتفسيره: كلّ ضرب من الألوان والقطعان - ابن أثفيان بنفر وسن ابن جم الشاذ (١). (١: ٢١٢/ ٢١٣).
٣٣٦ - وقيل: إن أفريدُون أوّل من سُمّي بالكيِّيّة فقيل له: كَي أفريدون، وتفسير الكييّة: أنها بمعنى التنزيه، كما يقال: روْحاني، يعنون به: أن أمرَه أمر مخلص منزّه يتصل بالروحانية. وقيل: إن معنى "كَي" أي: طالب الدخل، ويزعم بعضهم: أن "كَي" من البهاء، وأن البهاء تغشَّى أفريدُون حين قتل الضحاك؛ وتذكر العجم من الفرْس: أنه كان رجلًا جسيمًا وسيمًا بهيًّا مجربًا، وأن أكثر قتاله كان بالجرْز، وأن جُرْزه كان رأسه كرأس الثور، وأن ملك ابنه إيرَج العراق ونواحيها كان في حياته، وأن أيام إيرَج داخلة في ملك أفريدون، وأنه ملك الأقاليم كلَّها، وتنقل في البلدان، وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال: نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحّاك، القامعون للشيطان وأحزابه، ثم وعظ الناسَ، فأمرهم بالتناصف وتعاطي الحقّ وبذل الخير بينهم، وحثّهم على الشكر والتمسك به، ورتّب سبعة من القوهياريين - وتفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب - وصيّرَ إلى كلِّ واحد منهم ناحية من دُنْبَاوند وغيرها على شبيه بالتمليك. قالوا: فلما ظفر بالضَّحاك قال له الضحاك: لا تقتلْني بجدّك جم، فقال له أفريدُون منكرًا لقوله: لقد سمتْ بك همتك، وعظُمت في نفسك حين قدّرتها لهذا، وطمعت لها فيه! وأعلمه أن جدَّه كان أعظم قدرًا من أن يكون مثله كفئًا له في القَود، وأعلمه أنه يقتله بثور كان في دار جَدّه. وقيل: إن أفريدُون أول من ذلّل الفيَلة وامتطاها، ونَتَج البغال، واتخذ الإوزّ والحمام، وعالج
стр. 2016
الدّرياق، وقاتل الأعداء فقتلهم ونفاهم، وأنه قسّم الأرضَ بين أولاده الثلاثة: طوج وسَلْم وإيرَج، فملَّك طُوجًا ناحية الترك والخزَر والصين، فكانوا يسمونها صين بُغَا، وجمع إليها النواحيَ التي اتصلت بها، وملّك سَلْمًا ابنه الثاني الروم والصقالبة والبُرْجان وما في حدود ذلك، وجعل وسط الأرض وعامرها - وهو إقليم بابل، وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتّصل به من السند والهند والحجاز وغيرها - لأيرج وهو الأصغر من بنيه الثلاثة، وكان أحبَّهم إليه. وبهذا السبب سُمِّي إقليم بابل إيرانشهر، وبه أيضًا نشبت العداوة بين ولد أفريدون وأولادهم بعد، وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضًا بالدماء والترات.
وقيل: إن طوجًا وسَلْمًا لمَّا علما أن أباهما قد خصّ إيرَج وقدّمه عليهما أظهرا له البغضاء، ولم يزل التحاسد ينمِي بينهم إلى أن وثب طُوج وسَلْم على أخيهما إيرَج، فقتلاه متعاونين عليه، وأن طوجا رماه بوَهَق فخنقه، فمن أجل ذلك استعملت الترك الوَهَق، وكان لإيرَج ابنان؛ يقال لهما: وندان وأسطوبة، وابنة يقال لها: خوزك، ويقال: خوشك، فقتل سَلْم وطوج الابنين مع أبيهما، وبقيت الابنة (١). (١: ٢١٣/ ٢١٤).
٣٣٧ - وقيل: إن اليوم الذي غلب فيه أفريدون الضحاك كان روزمهر من مهرماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدًا لارتفاع بليّة الضحاك عن الناس، وسماه المِهرجان؛ فقيل: إن أفريدُون كان جبارًا عادلًا في ملكه، وكان طولُه تسعة أرماح، كلُّ رمح ثلاثة أبواع، وعرض حُجْرته ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، وأنه كان يتبَع مَنْ كان بقيَ بالسودان من آل نمرود والنَّبَط، وقصدهم حتى أتى على وجوههم، ومحا أعلامَهم وآثارهم؛ وكان ملكه خمسمئة سنة (٢). (١: ٢١٤/ ٢١٥).
ذكر الأحدات التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ﵉
٣٣٧ / أ- قد ذكرنا قبلُ ما كان من أمر نوح ﵇ وأمر ولَده واقتسامهم
стр. 2017
الأرضَ بعده، ومساكنَ كلِّ فريق منهم، وأيّ ناحية سكن من البلاد. وكان ممن طغا وعتا على الله بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولًا فكذبوه وتمادوا في غيِّهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح: أحدهما عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، والثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهم كانوا العربَ العاربة (١). (١: ٢١٦).
٣٣٧ / ب- فأما عاد فإنّ الله أرسل إليهم هودَ بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح. ومن أهل الأنساب مَنْ يزعم: أن هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفَخْشَد بن سام بن نوح، وكانوا أهلَ أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صدّاء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء. فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره، وتَرْك ظلم الناس، فكذَّبوه وقالوا: مَن أشدُّ منا قوّة! فلم يؤمن بهودٍ منهم إلّا قليل، فوعظهم هود إذ تمادوْا في طغيانهم، فقال لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.فكان جوابهم له أن قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾. وقالوا له: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، فحبس الله عنهم -فيما ذكر- القَطْرَ سنين ثلاثًا؛ حتى جهِدوا، فأوفدوا وفدًا ليستسقوا لهم (٢). (١: ٢١٦/ ٢١٧).
٣٣٨ - وأما ابن إسحاق فإنه قال كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: أن عادًا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهِّزوا منكم وفدًا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قَيل بن عتر ولُقَيم بن هزّال بن هزيل بن عُتَيل بن صدَّ بن عاد الأكبر، ومَرْثَد بن سعد بن عُفير - وكان مسلمًا يكتم إسلامه - وجُلْهُمَةَ بن الخبيريّ، خال معاوية بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد ابن فلان ابن فلان ابن صدّ بن عاد الأكبر، فانطلق كلُّ رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدةُ وفدهم سبعين رجلًا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن
стр. 2018
بكر وهو بظاهر مكة خارجًا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره. وكانت هزيلة بنت بكر أختَ معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة بنت الخيبري عند لُفَيم [بن هزّال بن عُتَيل بن صد بن عاد الأكبر]، فولدت له عبيد بن لُقَيم بن هزال وعمرو بن لُقيم بن هزّال وعامر بن لُقَيم بن هزّال وعُمَير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر، وهم عاد الأخيرة التي بقيَت من عاد الأولى. فلما نزل وفد عاب على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنّيهم الجرادتان -قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرُهم شهرًا، ومقامهم شهرًا، فلما رأى معاوية بن بكر طولَ مقامهم، وقدْ بعثهم قومُهم يتغوَّثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شقَّ ذلك عليه فقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون عليّ، والله ما أدري: كيف أصنع بهم! أستحي أن آمرَهم بالخروج إلى ما بُعثوا إليه، فيظنُّوا أنه ضيقٌ مني بمقامهم عندي، وقد هلك مَنْ وراءهم من قومهم جهدًا وعطشًا، أو كما قال:
فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرًا نغنّيهم به لا يدرون مَنْ قاله، لعلّ ذلك أن يحرّكهم! فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك:
ألا يا قيلُ، وَيْحَك قم فَهَينِمْ ... لعلّ الله يَسْقِينَا غَمَامَا
فيسقِي أرضَ عادٍ، إنَّ عادًا ... قد أمسوا لا يُبِينُون الكَلاما
من العطشِ الشَّديد، فليس نرجو ... به الشيخَ الكبيرَ ولا الغلاما
وقَدْ كانتْ نساؤُهُمُ بخيرٍ ... فقد أمستْ نِساؤُهُمُ عَيَامَى
وإنّ الوحشَ تأتيهمْ جهارًا ... ولا تخشَى لعادِي سِهاما
وأنتم ها هنا فيما اشْتَهَيتُمْ ... نهارَكُمُ وليلَكمُ التَماما
فقبِّح وفدكُمْ من وَفْدِ قومٍ ... ولا لُقُّوا التحيَّة والسلاما!
فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنّتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنَّتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومُكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتمْ عليهم، فادخلُوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مَرْثَد بن سعد بن عُفَير: إنكم والله لا تُسْقَوْن بدعائكم؛ ولكنْ إن أطعتم
стр. 2019
نبيَّكم، وأنبْتم إليه سُقِيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلهُمَة بن الخيبريّ، خال معاوية بن بكْر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به:
أبَا سَعْدٍ فإنَّكَ مِنْ قَبِيلٍ ... ذَوي كرمٍ وأمُّك مِنْ ثَمُودِ
فإنّا لَنْ نُطِيعَك مَا بقِينَا ... ولَسْنَا فاعلينَ لِمَا تُرِيدُ
أتأمرنا لنترك آل رِفْدٍ ... وزَمْل وآل صُدٍّ والعُبود
ونترك دينَ آباءٍ كرام ... ذوي رأيٍ ونتبَعُ دينَ هُودِ
ورفد وزمل وصدّ قبائل من عاد، والعبود منهم. ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنّا مَرْثد بن سعد فلا يقدمنّ معنا مكة؛ فإنه قد اتبع دينَ هود، وترك ديننا. ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولَّوا إلى مكة خرج مَرْثد بن سعد من منزل معاوية، حتى أدركهم بها قبل أن يدعُوا الله بشيء مما خرجوا له. فلما انتهى إليهمْ قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون. فقال: اللهمَّ أعطِني سُؤلي وحدي، ولا تُدخلْني في شيء مما يدعوك به وفد عاد. وكان قَيل ابن عتر رأس وفد عاد. وقال وفد عاد: "اللهمَّ أعطِ قيلًا ما سألك، واجعلْ سُؤلنا مع سؤله". وقد كان تخلَّف عن وفد عاد لقمان بن عاد، وكان سيدَ عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهمَّ إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي. وقال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقًا فاسقِنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله سحائب ثَلاثًا: بيضاء وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مُناد من السحاب: يا قيل، اخترْ لنفسك وقومك من هذا السحاب. فقال: قد اخترتُ السحابة السوداء، فإنها أكثرُ السحاب ماءً، فناداه مناد: اخترت رمادًا رِمْدَدًا، لا تُبقي من عاد أحدًا، لا والدًا تترك ولا ولدًا، إلّا جعلته هَمِدًا، إلّا بني اللُّوذيّة المُهْدَى - وبنو اللُّوذِيّة بنو لُقَيم بن هَزّال بن هُزَيل بن هزيلة بنت بكر؛ كانوا سُكانًا بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومَن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد.
وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قَيْل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيثُ. ولما رأوْها استبشروا بها، وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ مَا
стр. 2020
اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، أي كلَّ شيء أمرت به. فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريح - فيما يذكرون - امرأة من عاد يقال لها مَهْدد، لما تبيّنت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مَهْدَد؟ قالمت: رأيت ريحًا فيها كشُهُب النار، أمامها رجالٌ يقودونها. فسخّرها الله عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، كما قال الله: والحُسُومُ: الدائمة؛ فلم تَدَعْ من عادٍ أحدا إلا هلك.
فاعتزل هود - فيما ذُكر - ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يُصيبه ومن معه منها إلا ما تَلين عليه الجلود، وتلتذّ الأنفس؛ وإنها لتمُرُّ من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغُهم بالحجارة. وخرج وَفْد عاد من مكَّة حتى مرُّوا بمعاوية بن بكر وأبيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مُسْيَ ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبرَ، فقالوا: فأين فارقت هودًا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكُّوا فيما حدَّثهم، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق وربِّ مكَّة. ومثوِّب بن يعْفر بن أخي معاوية بن بكر معهم. وقد كان قيل - فيما يزعمون والله أعلم - لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقَيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مُنَاكمِ فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيلَ إلى الخلد، فإنه لا بدَّ من الموت، فقال مرْثَد بن سعد: ياربّ، أعطني برًّا وصدقا، فأعطيَ ذلك، وقال لقمان بن عاد: أعطني عُمْرًا، فقيل له: اختر لنفسك، إلّا إنه لا سبيل إلى الخُلْد: بقاء أيعار ضأن عُفر، في جبل وعر، لا يُلقى به إلا القطِر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسْر حلوتَ إلى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعُمِّر - فيما يزعمون - عُمْرَ سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكَر منها لقوَّته؛ حتى إذا مات أخذ غيرَه، فلم يزلْ يفعل ذلك، حتى أتى على السابع. وكان كلّ نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة، فلمَّا لم يبق غيرُ السابع قال ابن أخ للقمان: أي عمّ، ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر؛ فقال له لقمان: أي ابن أخي: هذا لُبَدٌ - ولُبَد بلسانهم الدهر - فَلمَّا أدرك نسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداةً من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لُبَد، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه؛ إنما هي بعينه. فلما لم ير لقمان لُبدًا نهض مع النسور؛ نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لُبَد، فوجد لقمان في نفسه
стр. 2021
وَهْنًا لم يكن يجده قبل ذلك، فلمّا انتهى إلى الجبل رأى نسره لُبدًا واقعًا من بين النسور، فناداه: انهضْ لُبَد، فذهب لُبَد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه وقد سقطت؛ فماتا جميعًا.
وقيلَ لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اخترْ لنفسك كما اختار صاحباك، فقال: أختارُ أن يصيبَني ما أصاب قومي، فقيل: إنه الهلاك، قال: لا أبالي؛ لا حاجة لي في البقاءِ بعدهم. فاصابه ما أصاب عادًا من العذاب فهلك، فقال مَرْثَد بن سعد بن عُفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك:
عَصَتْ عادٌ رسولَهُمُ فَأمْسوْا ... عطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السماءُ
وسُيِّرَ وَفْدُهُمْ شهرًا ليُسقوْا ... فأَرْدَفَهُمْ مع العَطَشِ العَمَاءُ
بكفْرِهِمُ بربِّهِمُ جِهارًا ... علَى آثارِ عَادِهِم العفاءُ
ألا نَزَعَ الإلهُ حُلومَ عادٍ ... فإنَّ قلوبهمْ قفرٌ هَواءُ
مِنَ الخَبرِ المُبَيَّن أنْ يَعُوهُ ... وما تُغْني النصِيحةُ والشّفَاءُ
فنفسي وَابْنَتَايَ وَأُمُّ وَلدِي ... لنَفْسِ نَبيِّنَا هودٍ فداءُ
أتانا والقلوبُ مُصمَّداتٌ ... على ظُلْمٍ وقد ذَهَبَ الضِّميَاءُ
لَنَا صَنَمٌ يقال له صَمُودٌ ... يقابله صُدَاءٌ والْهباءُ
فأبصَرَهُ الذينَ له أنابوا ... وأَدْرَكَ مَنْ يكذِّبه الشَّقاء
فَإنِّي سَوْفَ ألحَقُ آلَ هودٍ ... وإخْوَته إذَا جَنَّ المَساءُ (١)
(١: ٢٢٠/ ٢٢١ / ٢٢٣/ ٢٢٢ / ٢٢٤).
٣٣٩ - وقيل: إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخَلَجان.
حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا أبي عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريحُ على عاد من الوادي، قال سبعة رَهْط منهم، أحدهم الخَلَجان: تعالوْا حتى نقومَ على شَفير الوادي فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثيم ترمي به فتندقّ عنقه، فتتركهم كما قال الله : ﴿صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧)﴾ حتى لم يبق منهم إلّا
стр. 2022
الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزّه فاهتزّ في يده، ثم أنشأ يقول:
لَمْ يثقَ إلَّا الخَلجانُ نفسُهُ ... نالكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِي أمْسُهُ
بِثَابِتِ الْوَطء شديدٍ وَطْسُهُ ... لوْ لم يَجِئني جئتُهُ أجُسُّهُ
فقال له هود: ويحك يا خلَجان! أسلِم تَسْلَم، فقال له: وما لي عند ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البُخْت، قال هود: تلك ملائكة ربّي، قال: فإن أسلمت أيُعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رأيت ملِكًا يعيذ من جنده! قال: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه؛ أو كلامًا هذا معناه.
قال أبو جعفر: فأهلك الله الخَلَجان، وأفنى عادًا خلا مَنْ بقيَ منهم، ثم بادوا بعد، ونجّى الله هودًا ومَن آمن به. وقيل: كان عمر هودٍ مئة سنة وخمسين سنه (١) (١: ٢٢٤/ ٢٢٥).
٣٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾؛ إنّ عادًا أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قصّ الله في القرآن، فكَذَّبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيَهم العذاب فقال لهم: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ وإن عادًا أصابهم حين كفروا قَحْط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا؛ وذلك أن هودًا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريحَ العقيم، وهي الريح التي لا تُلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تَطيرُ بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوْها تبادروا إلى البيوت، حَتَّى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهمْ من البيوت، فأصابتهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾، والنحس هو الشؤمُ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ استمرّ عليهم بالعذاب ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، حسمت كلّ شيء مرّت به، حتى أخرجتْهم من البيوت، قال الله ﵎: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ عن البيوت، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، انقعر من أصوله. ﴿خَاويَةٌ﴾ خوت
стр. 2023
فسقطت، فلما أهلكَهم الله أرسل عليهِم طيرًا سودًا، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله : ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾. ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾. والصرصر: ذاتُ الصوت الشديد (١).
٣٤١ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهبًا يقول: إن عادًا لما عذّبهم الله بالريح التي عُذِّبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعُروقها وتهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيتٍ هبَّتْ به الرِّيح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم (٢). (١: ٢٢٦).
٣٤٢ - وأما ثمود فإنهم عتوْا على ربّهم، وكفروا به، وأفسدوا في الأرض؛ فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خَادر بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، رسولًا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.
وقيل: صالح، هو صالح بن أسِف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح.
فكان من جوابهم له أن قالوا له: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾. وكان الله قد مدّ لهم في الأعمار، وكانوا يسكنون الحِجْر إلى وادي القرى، بين الحجاز والشام، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمرّدهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له: إن كنت صادقًا فائْتِنا بآية (٣). (١: ٢٢٦/ ٢٢٧).
٣٤٣ - فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل؛
стр. 2024
قال: قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين. قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هَضْبة من الأرض؛ فإذا هي تتمخّض كما تتمخَّض الحامل، ثم تفرّجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فلما ملّوها عقروها، فقال لهم: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾. قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر: أن صالحًا قال لهم: إن آية العذاب أَن تصبحوا غدًا حُمْرًا، واليوم الثاني صُفرًا، واليوم الثالث سُودًا، فصبّحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنّطوا واستعدّوا (١). (١: ٢٢٧).
٣٤٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة، قال: قلنا له: حدِّثنا حديث ثمود، قال: أحدِّثكم عن رسول الله عن ثمود. كانت ثمود قوم صالح عمّرهم الله في الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبنى المسكن من المَدر فيتهدَّم والرجل منهم حيّ، فلما رأوْا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتًا فرِهين، فنحتوها وجابوها وجوّفوها، وكانوا في سَعة من معايشهم، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربَّك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله. فدعا صالح ربَّه، فأخرج لهم الناقة فكان شربُها يومًا وشربهم يومًا معلومًا، فإذا كان يوم شِرْبها خلُّوا عنها وعن الماء، وحلبوها لبنًا؛ ملؤوا كلَّ إناء ووعاء وسقاء، فإذا كان يوم شِرْبهم صرَفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئًا، فملؤوا كلّ إناء ووعاء وسقاء، فأوحى الله إلى صالح أنّ قومَك سيعقرون ناقتك، فقال لهم؛ فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: إلّا تعقروها أنتم أوشك أن يولَد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامةُ ذلك المولود؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه، قال: فإنه غلام أشقرُ أزرق أصهب أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفئًا، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوِّج ابنَك؟ قال: لا أجد له كفئًا، قال: فإن ابنتي كفءٌ له؛ وأنا أزوّجك، فزوّجه فولد منهما ذلك المولود.
стр. 2025
وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولودٌ فيكم؛ اختاروا ثمانيَ نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهنّ شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية؛ فإذا وجدوا المرأة تمخَض نظروا ما ولدهُا؟ فإن كان غلامًا قتلنه، وإن كانت جارية أعرَضْن عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله صالح، فأراد الشُّرَطُ أن يأخذوه، فحال جدّاه بينه وبينهم. وقالوا: إن أراد صالح هذا قتلناه، وكان شرَّ مولود، وكان يشبّ في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشبّ في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر شبابَ غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جدَّيه، فصاروا تسعة، وكان صالح ﵇ لا ينام معهم في القرية، بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل؛ فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكّرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه (١). (١: ٢٢٨/ ٢٢٩).
٣٤٥ - قال حجاج: قال ابن جريج: لما قال لهم صالح ﵇: إنه سيولد غلام يكون هلاكُهم على يديه، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم، فقتلوهم إلا واحدًا، قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنّا لم نقتل أولادنا لكان لكلّ واحد منا مثلُ هذا، هذا عمل صالح! فائْتمروا بينهم بقتله، وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فنرصده عند مصَلَّاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن. فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأنزل الله عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رُضْخًا، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم؛ فإذا هم رُضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله، أما رضيَ صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم! فاجتمع أهل القرية على عَقْر الناقة أجمعون، فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.
قال أبو جعفر: ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله، قال: فأرادوا أن
стр. 2026
يمكروا بصالح، فمشوْا حتى أتوا على سَرَب على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيّتناهم، فأمر الله الأرضَ فاستوت عليهم، قال: فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة، فقال الشقيّ لأحدهم: ائتها فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك, فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث أحدًا إلا تعاظمه أمرها؛ حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض. فأتى رجلٌ منهم صالحًا فقال: أدرك الناقة فقد عُقِرت. فأقبل؛ فخرجوا يتلقوْنه ويعتذرون إليه: يا نبي الله، إنما عقرها فلان؛ إنه لا ذنب لنا، قال: انظروا هل تُدركون فصيلَها! فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه. فلما رأى الفصيلُ أمه تضطرب أتى جبلًا - يقال له: القارة - قصيرًا فصعده وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكَى حتى سالت دموعُه، ثم استقبل صالحًا، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى. فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم؛ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غيرُ مكذوب؛ إلا أن آية العذاب أنّ اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودّة، فلما أصبحوا إذا وجوهُهم كأنما طُليت بالحَلوق، صغيرُهم وكبيرهم، ذكَرهُم وأنثاهم، فلما أمسَوْا صاحُوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومٌ من الأجَل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرّة؛ كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجُّوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوْا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجَل، وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودّة كأنما طُليت بالقار، فصاحوا جميعًا: ألا قد حضركم العذاب، فتكفّنوا وتحنّطوا وكان حَنوطهم الصَّبر والمقْر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوْا أنفسَهم إلى الأرض، فجعلوا يقلِّبون أبصارهم إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرَّة، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب؛ من فوقهم من السماء، أو من تحت أرجلهم من الأرض خشعًا وفرقًا؛ فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوت كلّ صاعقة وصوت كلّ شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطَّعت
стр. 2027
قلوبُهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين (١). (١: ٢٢٩/ ٢٣٠).
فأما أهلُ التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة. وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه.
قال: ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عاد وثمود وأمورهم بعضَ ما قيل. ما يعلَم به مَنْ ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك.
ومن أهل العلم من يزعم أن صالحًا ﵇ توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.
قال أبو جعفر: نرجع الآن إلى: (٢). (١: ٢٣٢).
ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وذكر من كان في عصره من ملوك العجم
٣٤٦ - إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخْشَد بن سام بن نوح.
واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي وُلد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسُّوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السَّواد. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كُوثَى. وقال بعضهم: كان مولده بالوَرْكاء بناحية الزوابي وحدود كَسْكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نُمْرود من ناحية كُوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحرّان، ولكن أباه تارخ نقَله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد إبراهيم ﵇
стр. 2028
في عهد نمرود بن كوش. ويقول عامة أهل الأخبار: كان نمرود عاملًا للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إليه على أرض بابل وما حولها. وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون: كان ملكًا برأسه، واسمه الذي هو اسمه فيما قيل: زرهي بن طهماسلفان (١). (١: ٢٣٣).
٣٤٧ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن آزر كان رجلًا من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملكُ المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له: الهاصر، وكان مُلْكه - فيما يزعمون - قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس.
قال: ويقال: لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك: نُمْرود بن أرغوا، وذي القرنين، وسليمان بن داود (٢). (١: ٢٣٣).
وقال بعضهم: نمرود هو الضحّاك نفسه.
٣٤٨ - حدّثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم: أن الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٣). (١: ٢٣٤).
٣٤٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: إن أول ملكٍ مَلَكَ في الأرض شرقها وغربها نُمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبخت نصّر: مؤمنان وكافران (٤). (١: ٢٣٤).
стр. 2029
٣٥٠ - وقال ابن إسحاق فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق: فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم ﵇ خليل الرحمن حجة على قومه ورسولًا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم ﵉ من نبيّ قبله إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد أتى أصحابُ النجوم نمرود، فقالوا له: تعلَّم أنا نجد في علمنا: أن غلامًا يُولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينَكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حُبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية - حَدَثة فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم ﵇، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سَدّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه. يزعمون - والله أعلم - أن الله جعل رزقَ إبراهيم ﵇ فيها ما يجيئه من مصّه، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات. فصدّقها فسكت عنها، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة؛ ولم يمكث إبراهيم ﵇ في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق المسموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله غيره. ثم نظر في السماء ورأى كوكبًا، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، ثم أتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾، ثم اطلع للقمر فرآه بازغًا فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ثم اتبعه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كلّ شيء رآه قبل ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.
стр. 2030
ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبَرِيء من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، فأخبرته أمّ إبراهيم ﵇ أنه ابنه، فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسرّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا، وكان آزر يصنع أضنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم ﵇ فيما يذكرون فيقول: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه! فلا يشتريها منه أحد، فإذا بارتْ عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيه رؤوسها، وقال: اشربي - استهزاء بقومه، وبما هم عليه من الضلالة - حتى فشا عَيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته. من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يباديَ قومه بخلاف ما همْ عليه وبأمر الله والدعاء إليه ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول الله : ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي طَعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد. فلما خرجوا عنه خالفَ إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرَّب لها طعامًا؛ ثم قال: ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون! تعييرًا في شأنها واستهزاء بها (١). (١: ٢٣٤/ ٢٣٥ / ٢٣٦).
٣٥١ - وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن أناس من صحاب النبي: كان من شأن إبراهيم ﵇: أنه طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عنه، فقالوا: يخْرُج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك مُلكك - وكان مسكنه ببابل الكوفة - فخرج من قريته إلى قرية أخرى، فأخرج الرجال وترك النساء، وأمر ألَّا يُولد مولود ذكر إلا ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله. فقال له: انظر لا تواقعْ أهلك، فقال له
стр. 2031
آزر: أنا أضَنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أور، فجعلها في سَرَب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسيَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابنًا قد خبأته، أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا، فائْتِ به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السَّرَب نظر إلى الدوابّ والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بَعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنه فرس، وعن الشاة أنها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حينَ خرج من السَّرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسَه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، فلم يلبث أن غاب، فَقَال ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي لا أحبُّ رَبًّا يغيب. قال ابن عباس: وخرَج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغًا قد طلع فقال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يقول: غاب، ﴿قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، فلما غابت قال الله له: أسلم، قال: قد أسلمت لرب العالمين. ثم أتى قومه فدعاهم فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾. يقول: مخلصًا: فجعل يدعو قومَه وينذرهم.
وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولَدَه فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤﴾ قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا. ثم قال له أبوه: يا إبراهيم، إن لنا عيدًا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول: أشتكي رجليّ، فتوطؤوا رجليه،
стр. 2032
وهو صريِع، فلما مضوْا نادى في آخرهم وقد بقِيَ ضَعْفي الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو في بهْو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغرُ منه، حتى بلَغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعامًا، فوضعوه بين يدي الآلهة، قالوا: إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الالهة في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم ﵇، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربًا باليمين، فأخذ حديدةً فبقَر كلَّ صنم في حافتيه، ثم علّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (١). (١: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨).
٣٥١ / أ - فكان جماعة من أهل التأويل، منهم قَتادة والسُّديّ يقولون في ذلك: لعلّهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك، وقالوا: كرهوا أن يَأخذوه بغير بيّنه (٢). (١: ٢٣٩).
٣٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مجاهد، قال: تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد مَن الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من أعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكرْدُ هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٣). (١: ٢٤٠).
٣٥٣ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ قال: قالها رجل من أعراب فارس -يعني الأكراد (٤). (١: ٢٤٥).
стр. 2033
٣٥٤ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وَهب بن سليمان، عن شعيب الجُبّاليّ، قال: إن اسمَ الذي قال حرّقوه "هينون"، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (١) (١: ٢٤١).
٣٥٥ - ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فأمر نمرود، بجمْع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم -فيما يُذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحبّ أن تدرك: لئن أصابته لتحطبنّ في نار إبراهيم التي يحرَق بها احتسابًا في دينها، حتى إذا أرادوا أن يُلقُوه فيها قدّموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثَّقَلين - فيما يذكرون - إلى الله صيحةً واحدة: أيّ ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرَق بالنار فيك! فَائْذَن لنا في نُصرته، فيذكرون - والله أعلم - أن الله حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصْره، فقد أذنت له في ذلك، فإنْ لم يدعُ غيري فأنا وليُّه، فخلُّوا بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوْه فيها قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، فكانت كما قال الله (٢). (١: ٢٤١).
٣٥٦ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ قال ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبًا حتى أنْ كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبًا لإبراهيم، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهجَها وحرّها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا! إبراهيم يحرَق فيك. فقال: أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في
стр. 2034
الأرض، ليس في الأرض أحد يعبُدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. وكان جَبْرئيل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفِئَتْ، ظنت أنها تُعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجْره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظلّ، وأنزل الله نارًا وانتفع بها بنو آدم، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه (١). (١: ٢٤١/ ٢٤٢).
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
٣٥٧ - قال: وبعَث الله ملك الظلّ في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه، فمكث نُمرود أيامًا لا يشكّ إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه، ثم ركب فمرّ بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم جالسًا فيها إلى جنبه رجلٌ مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رأيتُ إبراهيم حيًّا في النار، ولقد شُبِّه عليّ، ابنُوا لي صَرْحًا يشرِف بي على النار حتى أستثبت، فبنوْا له صَرْحًا، فأشرف عليه فاطّلع منه إلى النار، فرأى إبراهيم جالسًا فيها، ورأى الملك قاعدًا إلى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرودُ: يا إبراهيم! كبيرٌ إلهك الذي بلغْت قدرتُه وعزته أن حال بين ما أرى وبينك، حتى لم تضرّك يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم واخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال: يا إبراهيم! مَن الرجلُ الذي رأيتُ معك في مثل صورتك قاعدًا إلى جنبك؟ قال: ذلك مَلك الظل، أرسله إليّ ربي ليكون معي فيها ليؤنسني، وجعلها عليّ بردًا وسلامًا. فقال نمرود - فيما حدثت -: يا إبراهيم! إني مقرّب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من عزَّته وقدرته،
стр. 2035
ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادتَه وتوحيده؛ إني ذابح له أربعة آلاف بقرة. فقال له إبراهيم: إذًا لا يقبَل الله منك ما كنتَ على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني! فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع تركَ ملكي، ولكنِّي سوف أذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كفّ عن إبراهيم، ومنعه الله منه (١). (١: ٢٤٢/ ٢٤٣).
٣٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسنَ شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربُّ ربُّك يا إبراهيم (٢)! (١: ٢٤٣).
٣٥٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا مُعْتَمر بن سليمان التيميّ، عن بعض أصحابه قال: جاء جَبْرئيل إلى إبراهيم ﵇ وهو يُوثَق ويقمَط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا (٣). (١: ٢٤٣).
٣٦٠ - حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثني المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن أبي سليمان، قال: ما أحرقَت النار من إبراهيم إلا وثاقه (٤). (١: ٢٤٣).
٣٦٠ / أ - قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم ﵇ رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له: ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا بنت بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان. وآمنت به سارَة وهي ابنة عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وكانت لها أخت