آزر: أنا أضَنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أور، فجعلها في سَرَب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسيَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابنًا قد خبأته، أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا، فائْتِ به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السَّرَب نظر إلى الدوابّ والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بَعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنه فرس، وعن الشاة أنها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حينَ خرج من السَّرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسَه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، فلم يلبث أن غاب، فَقَال ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي لا أحبُّ رَبًّا يغيب. قال ابن عباس: وخرَج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغًا قد طلع فقال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يقول: غاب، ﴿قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، فلما غابت قال الله له: أسلم، قال: قد أسلمت لرب العالمين. ثم أتى قومه فدعاهم فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾. يقول: مخلصًا: فجعل يدعو قومَه وينذرهم.
وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولَدَه فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤﴾ قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا. ثم قال له أبوه: يا إبراهيم، إن لنا عيدًا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول: أشتكي رجليّ، فتوطؤوا رجليه،
стр. 2032
وهو صريِع، فلما مضوْا نادى في آخرهم وقد بقِيَ ضَعْفي الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو في بهْو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغرُ منه، حتى بلَغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعامًا، فوضعوه بين يدي الآلهة، قالوا: إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الالهة في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم ﵇، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربًا باليمين، فأخذ حديدةً فبقَر كلَّ صنم في حافتيه، ثم علّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (١). (١: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨).
٣٥١ / أ - فكان جماعة من أهل التأويل، منهم قَتادة والسُّديّ يقولون في ذلك: لعلّهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك، وقالوا: كرهوا أن يَأخذوه بغير بيّنه (٢). (١: ٢٣٩).
٣٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مجاهد، قال: تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد مَن الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من أعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكرْدُ هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٣). (١: ٢٤٠).
٣٥٣ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ قال: قالها رجل من أعراب فارس -يعني الأكراد (٤). (١: ٢٤٥).
стр. 2033
٣٥٤ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وَهب بن سليمان، عن شعيب الجُبّاليّ، قال: إن اسمَ الذي قال حرّقوه "هينون"، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (١) (١: ٢٤١).
٣٥٥ - ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فأمر نمرود، بجمْع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم -فيما يُذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحبّ أن تدرك: لئن أصابته لتحطبنّ في نار إبراهيم التي يحرَق بها احتسابًا في دينها، حتى إذا أرادوا أن يُلقُوه فيها قدّموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثَّقَلين - فيما يذكرون - إلى الله صيحةً واحدة: أيّ ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرَق بالنار فيك! فَائْذَن لنا في نُصرته، فيذكرون - والله أعلم - أن الله حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصْره، فقد أذنت له في ذلك، فإنْ لم يدعُ غيري فأنا وليُّه، فخلُّوا بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوْه فيها قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، فكانت كما قال الله (٢). (١: ٢٤١).
٣٥٦ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ قال ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبًا حتى أنْ كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبًا لإبراهيم، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهجَها وحرّها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا! إبراهيم يحرَق فيك. فقال: أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في
стр. 2034
الأرض، ليس في الأرض أحد يعبُدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. وكان جَبْرئيل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفِئَتْ، ظنت أنها تُعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجْره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظلّ، وأنزل الله نارًا وانتفع بها بنو آدم، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه (١). (١: ٢٤١/ ٢٤٢).
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
٣٥٧ - قال: وبعَث الله ملك الظلّ في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه، فمكث نُمرود أيامًا لا يشكّ إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه، ثم ركب فمرّ بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم جالسًا فيها إلى جنبه رجلٌ مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رأيتُ إبراهيم حيًّا في النار، ولقد شُبِّه عليّ، ابنُوا لي صَرْحًا يشرِف بي على النار حتى أستثبت، فبنوْا له صَرْحًا، فأشرف عليه فاطّلع منه إلى النار، فرأى إبراهيم جالسًا فيها، ورأى الملك قاعدًا إلى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرودُ: يا إبراهيم! كبيرٌ إلهك الذي بلغْت قدرتُه وعزته أن حال بين ما أرى وبينك، حتى لم تضرّك يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم واخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال: يا إبراهيم! مَن الرجلُ الذي رأيتُ معك في مثل صورتك قاعدًا إلى جنبك؟ قال: ذلك مَلك الظل، أرسله إليّ ربي ليكون معي فيها ليؤنسني، وجعلها عليّ بردًا وسلامًا. فقال نمرود - فيما حدثت -: يا إبراهيم! إني مقرّب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من عزَّته وقدرته،
стр. 2035
ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادتَه وتوحيده؛ إني ذابح له أربعة آلاف بقرة. فقال له إبراهيم: إذًا لا يقبَل الله منك ما كنتَ على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني! فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع تركَ ملكي، ولكنِّي سوف أذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كفّ عن إبراهيم، ومنعه الله منه (١). (١: ٢٤٢/ ٢٤٣).
٣٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسنَ شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربُّ ربُّك يا إبراهيم (٢)! (١: ٢٤٣).
٣٥٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا مُعْتَمر بن سليمان التيميّ، عن بعض أصحابه قال: جاء جَبْرئيل إلى إبراهيم ﵇ وهو يُوثَق ويقمَط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا (٣). (١: ٢٤٣).
٣٦٠ - حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثني المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن أبي سليمان، قال: ما أحرقَت النار من إبراهيم إلا وثاقه (٤). (١: ٢٤٣).
٣٦٠ / أ - قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم ﵇ رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له: ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا بنت بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان. وآمنت به سارَة وهي ابنة عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وكانت لها أخت
стр. 2036
يقال لها: ملكا امرأة ناحور (١). (١: ٢٤٤).
وقد قيل: إن سارَة كانت ابنة ملك حرّان.
ذكر من قال ذلك:
٣٦١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حَرَّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزَوجها على ألّا يغيّرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلي دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا! فأبي أبوه الإجابة إلي ما دعاه إليه. ثم إن إبراهيم ومَنْ كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، أيها المعبودون من دون الله ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ أيها العابدون ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ثم خرج إبراهيم مهاجرًا إلي ربّه وخرج معه لوطٌ مهاجرًا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان علي عبادة ربه حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى. وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال، وكانت لا تعصي إبراهيم شيئًا، وبذلك أكرمها الله ، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلي إبراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتلَه عنها. فقال لإبراهيم: زيّنها، ثم أرسلْها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلي سارة وأمرها فتهيأت، ثم أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده، فيبست إلي صدره، فلما رأي ذلك فرعون أعظمَ أمرها، وقال: ادعي الله أن يطلق عني، فوالله لا أريبك ولأحسنَنّ إليك، فقالت: اللهمّ إن كان صادقًا فأطلق يده، فأطلق الله يده، فردّها إلي إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية كانت له قبطية (٢). (١: ٢٤٤/ ٢٤٥).
стр. 2037
٣٦١ / أ- قال أبو جعفر: رجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق.
قال: وكانت هاجر جارية ذات هيئة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: إني أراها امرأة وضيئة فخذها، لعلَّ الله يرزقك منها ولدًا، وكانت سارّة قد مُنِعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنّت، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يَهبَ له من الصالحين، وأخرت الدعوة حتى كبِر إبراهيم وعقمت سارة، ثم إن إبراهيم وقع علي هاجر، فولدت له إسماعيل ﵉ (١). (١: ٢٤٧).
٣٦٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: سألت الزهريّ: ما الرحم التي ذكر رسول الله لهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. فيزعمون -والله أعلم- أن سارة حزنت عند ذلك علي ما فاتها من الولد حزنًا شديدًا، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلي الشام، وهاب ذلك الملك الذي كان بها، وأشفق من شرّه حتى قدمها، فنزل السَّبْع من أرض فلسطين، وهي بريّة الشأم، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السَّبْع علي مسيرة يوم وليلة. وأقرب من ذلك، فبعثه الله نبيًّا، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسَّبع، فاحتفر به بئرًا واتخذ به مسجدًا، فكان ماء تلك البئر معينًا طاهرًا، فكانت غنمه ترِدُها. ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذي، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرَّملة وإيليا، ببلد يقال له قَطّ -أو قِطّ- فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب. واتبعه أهلُ السبع، حتى أدركوه وندموا علي ما صنعوا، وقالوا: أخرجْنا من بين أظهرنا رجلًا صالحًا، فسألوه أن يرجع إليهم، فقال: ما أنا براجع إلي بلد أخْرِجت منه، قالوا له: فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضِب فذهب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون مَعينًا طاهرًا كما كان، فاشربوا منها، فلا تَغترفنّ منها امرأةٌ حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما وقفت علي البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها وهي علي ذلك، حتى أتت امرأة طامث، فاغترفتْ منها، فنكص ماؤها إلي الذي هو عليه اليوم، ثم ثبت.
стр. 2038
قال: وكان إبراهيم يُضيف من نزل به، وكان الله قد أوسع عليه، وبسط له في الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله هلاك قوم لوط، بعث إليه رسلَه يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردّهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربِّهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا علي إبراهيم، وأنْ يبشّروه وسارة بإسحاق، ومنْ وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا علي إبراهيم وكان الضيفُ قد حُبِس عنه خمس عشرة ليلة حتى شقَّ ذلك عليه -فيما يذكرون- لا يضيفه أحد، ولا يأتيه، فلما رآهم سرّ بهم رأي ضيفًا لم يضفه مثلهم حسنًا وجمالًا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحدٌ إلا أنا بيدي، فخرج إلي أهله، فجاء كما قال الله : ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ قد حَنَذه -والحناذ: الإنضاج يقول الله جل ثناؤه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فقرّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم عنه، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ حين لم يأكلوا من طعامه، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ لما عرفت من أمر الله ، ولما تعلم من قوم لوط، فبشّروها ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بابن، وبابن ابن، فقالت- وَصَكّت وَجْهَهَا، يقال: ضربت علي جبينها: ﴿يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. وكانت سارَة يومئذ- فيما ذكر لي بعض أهل العلم- ابنةَ تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومئة سنة، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق ويعقوب يولد من صلب إسحاق وأمنَ ما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ (١). (١: ٢٤٧/ ٢٤٨ / ٢٤٩).
٣٦٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائيّ، قال: ألقيَ إبراهيمُ في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا علي ميلين، فلما علمتْ سارة بما أراد بإسحاق مرِضت يومين، وماتت اليوم الثالث، وقيل: ماتت سارة
стр. 2039
وهي ابنة مئة وسبع وعشرين سنة (١). (٢٤٩: ١).
٣٦٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قومَ لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا علي إبراهيم، فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيمُ أجَلّهمْ، فراغ إلي أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرَّضف وهو الحنيذ حين شواه، وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول جلّ ثناؤه: (وامرأته قائمة وهو جالس) في قراءة ابن مسعود، فلما قرَّبه إليهم قال: ألا تأكلون! قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله علي أوَّله وتحمدونه علي آخره، فنظَر جبرئيل إلي ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ﴾ يقول: لا يأكلون، ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا! هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! (٢) (١: ٢٤٩/ ٢٥٠).
ذكر أمر بناء البيت
٣٦٥ - قال: ثم إن الله أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق -فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر. فلم يدر إبراهيم في أيّ موضع يبني؛ إذ لم يكن بيّن له ذلك، فضاف بذلك ذرعًا، فقال بعضُ أهل العلم: بعث الله إليه السكينة لتدلّه علي موضع البيت، فمضت به السكينة، ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل، وهو طفل صغير.
وقال بعضهم: بل بعث الله إليه جَبرئيل ﵇، حتى دلّه علي موضعه، وبيّن له ما ينبغي أن يعمل (٣). (١: ٢٥١).
стр. 2040
ذكر من قال: الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة:
٣٦٦ - حدثنا هنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلي علي بن أبي طالب، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومَنْ دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بُنِيَ. إن الله أوحي إلي إبراهيم أن ابنِ لي بيتًا فيِ الأرض، فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل السكينة، وهي ريح خجُوج ولها رأسان، فاتبع أحدُهما صاحبه حتى انتهت إلي مكة فتطوَّتْ علي موضع البحت كتطوّي الحية، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقرّ السكينة، فبني إبراهيم وبقيَ حَجَر، فذهب الغلام يبني شيئًا، فقال إبراهيم: أبْغِني حجرًا كما آمرك؛ فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركّب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، مَن أتاك بهذا الحَجَر؟ فقال: أتاني به مَنْ لم يتّكل علي بنائك، أتاني به جبرئيل من السماء. فأتماه (١). (١: ٢٥٢).
٣٦٧ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: حدثنا مؤمّل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ ﵇ قال: لما أمِرَ إبراهيمُ ببناء البحت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأي علي رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلَّمه؛ وقال: يا إبراهيم! ابْنِ علي ظلّي -أو على قَدْري- ولا تزد ولا تنقص، فلما بيني خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلي مَنْ تَكلُنَا؟ قال: إلي الله، قالت: انطلق فإنه لا يُضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، فصعِدت هاجَر الصفا، فنظرتْ فلم تر شيئًا، ثم أتت المرْوَة فنظرتْ فلم تر شيئًا، ثم رجعتْ إلى الصَّفَا، فنظرتْ فلم تر شيئًا، حتى فعلتْ ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، مُتْ حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبرئيل، فقال: مَنْ أنت؟ قالت: أنا هاجر، أم ولد إبراهيم، قال: إلي مَنْ وكلَكما؟ قالت: وكلَنا إلي الله، قال: وكَلَكما إلي كافٍ، قال: ففحص الغلام
стр. 2041
الأرضَ بإصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رَواء (١). (١: ٢٥٢).
٣٦٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما عهد الله إلي إبراهيم وإسماعيل: أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتي مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها ريح الخَجُوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنَست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ (٢). (١: ٢٥٢).
٣٦٩ - وحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن عليّ بن أبي طالب ﵇ أنه كان يقول: لما أمر الله إبراهيمَ بعمارة البيت والأذان بالحج في الناس خرَج من الشأم ومعه ابنه إسماعيل، وأم إسماعيل هاجَر، وبعث الله معه السكينة، وهي ريح لها لسان تكلّم به، يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلي مكة، فلما أتت موضع البيت استدارت به، ثم قالت لإبراهيم: ابْنِ عليَّ، ابْنِ عليّ، ابْنِ عليّ، فوضع إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل، حتى انتهيا إلي موضع الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنيّ، ابغ لي حجَرًا أجعله علمًا للناس، فجاءه بحجَر، فلم يرضَه وقال: أبغي غير هذا، فذهب إسماعيل ليلتمس له حَجَرًا، فجاءه وقد أتِيَ بالركن، فوضعه في موضعه، فقال: يا أبت، مَنْ جاءك بهذا الحجر؟ قال: مَنْ لم يكلْني إليك يا بُنيّ (٣)! (١: ٢٥٣).
وقال آخرون: إنَّ الذي خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته علي موضع البيت جَبرَئيل ﵇، وقالوا: كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلي مكة لما كان من غيرة سارَة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل.
стр. 2042
ذكر من قال ذلك:
٣٧٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه: أن سارَة قالت لإبراهيم: تسرّ هاجر، فقد أذنت لك فوطئها، فحملت بإسماعيل، ثم إنه وقع علي سارة فحملت بإسحاق، فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل، فغضبت سارة علي أمّ إسماعيل، وغارت عليها، فأخرجتها، ثم إنها دعتها فأدخلتها. ثم غضبت أيضًا فأخرجتها ثم أدخلتها، وحلفت لتقطعنّ منها بَضْعة؛ فقالت: أقطع أنفها، أقطع أذنها، فيشينها ذلك، ثم قالت: لا بل أخفضها، فقطعت ذلك منها، فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلًا تعفي به عن الدم، فلذلك خفضت النساء، واتخذت ذيولًا، ثم قالت: لا تساكِني في بلد. وأوحي الله إلي إبراهيم أن يأتيَ مكة، وليس يومئذ بمكة بيت، فذهب بها إلي مكة وابنها فوضعهما، وقالت له هاجَر: إلي من تركتنا ها هنا؟ ثم ذكر خبرها، وخبر ابنها (١). (١: ٢٥٣/ ٢٥٤).
٣٧١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله لما بوّأ لإبراهيم مكان البيت ومعالمَ الحرَم، فخرج وخرج معه جَبرئيل، يقال: كان لا يمرّ بقرية إلا مال: بهذه أمرت يا جَبرئيل؟ فيقول: جَبرئيل، امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضاه سَلَم وسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق، خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ رَبْوة حمراء مَدرة، فقال إبراهيم لجَبرَئيل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلي موضع الحِجْر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلي- ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ثم انصرف إلي أهله بالشأم وتركهما عند البيت، قال: فظميء إسماعيل ظمأ شديدًا، فالتمست له أمه ماء فلم تجده، فاستسمعت: هل تسمع صوتًا؟ لتلتمس له شرابًا، فسمعت كالصوت عند الصفا، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا، ثم سمعت صوتًا نحو المرْوة، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا، ويقال: بل قامت علي الصفا
стр. 2043
تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل، ثم عمِدت إلي المرْوة ففعلت ذلك. ثم إنها سمعت أصواتَ سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركتْه، فأقبلت إليه تشتدّ، فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده، فشرب منها، وجاءتها أمّ إسماعيل فجعلتها حسْيًا، ثم استقت منها في قربَتها تذخَرُه لإسماعيل، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم مَعينًا طاهرًا ماؤها أبدًا. قال مجاهد: ولم نزل نسمع: أن زمزم هَزْمَةُ جَبرَئيل بعقبِه لإسماعيل حين ظميء (١). (١: ٢٥٤/ ٢٥٥).
٣٧٢ - فقال إبراهيم -فيما ذكر لنا- ما حدثنا به ابن حُمَيد قال: حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذِّن في الناس بالحجّ، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليّ البلاغ، فنادي إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجُّ إلي البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض: أفلا تري الناس يجيئون من أقصي الأرض يُلبُّون! (٢) (١: ٢٦٠).
٣٧٣ - حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان الضبّي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما بني إبراهيم البيتَ أوحي الله إليه: أن أذِّنْ في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربَّكم قد اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجُّوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء؛ من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء: لَبَّيك اللهم لبَّيك (٣)! (١: ٢٦٠).
٣٧٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين بن واقد عن أبي الزبير، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، قال: قام إبراهيم ﵇ خليل الله علي الحجَر فنادي: يا أيها الناس، كتب عليكم الحجّ، فأسمَع مَنْ في أصلاب الرجال وأرحام
стр. 2044
النساء، فأجابه مَنْ آمن ممن سبق في علم الله أن يحجَّ إلي يوم القيامة: لبّيك اللهم لبّيك! (١) (١: ٢٦٠/ ٢٦١).
٣٧٥ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سُفيان عن سلمة، عن مجاهد، قال: قيل لإبراهيم: أذن في الناس بالحج، فقال: يا ربّ! كيف أقول؟ قال: قل: لبَّيك اللهم لبيك، قال: فكانت أولَ التلبية (٢). (١: ٢٦١).
٣٧٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة: أنّ عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثيّ: كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلي الحجّ؟ قال: بلغَني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت، وانتهي إلي ما أراد الله من ذلك، وحضر الحجّ استقبل اليمن، فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم استقبل المشرق فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته فأجيب: أن لبّيك اللهمّ لبيك! ثم إلي المغرب فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته، فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم إلي الشأم فدعا إلي الله وإلي حج بيته فأجيب: أن لبّيك اللهمّ لبيك؛ ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية، فنزل به منى ومن معه من المسلمين، فصلَّي بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهم حتى أصبح، فصلّي بهم صلاة الفجر، ثم غَدا بهم إلي عرفة، فقال بهم هنالك، حتى إذا مالت الشمس جَمَع بين الصلاتين: الظهر والعصر، ثم راح بهم إلي الموقف من عَرفة، فوقف بهم علي الأراك، وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يُريه ويعلِّمه، فلما غرَبت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتي المزدلفة، فجمع فيها بين الصلاتين: المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بها وبمن معه، حتى إذا طلع الفجر صَلّي بهم صلاة الغداة، ثم وقف به علي قُزَح من المزدلفة فيمن معه، وهو الموقف الذي يقف به الإمام حتى إذا أسفر دفَع به وبمن معه يُريه ويعلّمه كيف يصنع، حتى رمي الجمرة الكبرى، وأراه المنحَر من مني، ثم نحر وحلق، ثُم أفاض به من مِني ليُريَه كيف يطوف،
стр. 2045
ثم عاد به إلي منى ليُريَه كيف يرمي الجمار، حتى فرغ له من الحج وأذن به في الناس (١). (١: ٢٦٢).
قال أبو جعفر: وقد رُويَ عن رسول الله وعن بعض أصحابه أن جبْرئيل هو الذي كان يُرِي إبراهيم المناسك إذا حجّ.
ذكر الرواية بذلك عن رسول الله:
٣٧٧ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى -وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى- قال: أخبرنا ابن أبي ليلي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي قال: أتي جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراحَ به إلي مني، فصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر بمني، ثم غدا به إلي عرفات، فأنزله الأراك -أو حيث ينزل الناس- فصلّي به الصلاتين جميعًا: الظهر والعصر، ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلِّي أحدٌ من الناس المغرب، أفاض حتى أتي به جمعًا، فصلَّي به الصلاتين جميعًا: المغرب والعشاء، ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلّي أحد من الناس الفجر صلّي به، ثم وقفَ حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلي مني، فرمي الجمرة، ثم ذبح وحلق، ثم أفاض إلي البيت، ثم أوحي الله إلي محمد: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) (١: ٢٦٢).
٣٧٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عمْران بن محمد بن أبي ليلي، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله نحوه (٣). (١: ٢٦٢).
٣٧٨ / أ- ثم إن الله تعالى ذكره ابتلي خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه.
واختلف السّلَف من علماء أمة نبينا في الذي أمرَ إبراهيم بذبحه من ابنيه، فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم،
стр. 2046
وقد روي عن رسول الله كلا القولين، لو كان فيهما صحيح لم نَعْدُه إلي غيره، غيرَ أنّ الدليلَ من القرآن علي صحة الرواية التي رويت عنه أنه قال: "هو إسحاق" أوضح وأبين منه علي صحة الأخرى (١) (١: ٢٦٣).
٣٧٩ - والرواية التي رويت عنه أنه قال: "هو إسحاق" حدثنا بها أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي في حديث ذكر فيه: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: "هو إسحاق" (٢). (١: ٢٦٣).
وقد روي هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه، غير أنه موقوف علي العباس غير مرفوع إلي رسول الله.
ذكر من قال ذلك:
٣٨٠ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: "هو إسحاق" (٣). (١: ٢٦٣).
٣٨١ - وأما الرواية التي رُويت عنه أنه هو إسماعيل، فما حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، قال: حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابيّ، عن عبد الله بن محمد العُتبيّ من ولد عُتْبة بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي، قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: علي الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدْ عليّ مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين، فضحك رسول الله، فقيل له: وما الذبيحان يا رسول الله؟ فقال: (إنّ عبد المطلب لما أمِر بحفر زمزم نَذر لله: لئن سهَّل الله له أمرَها ليذبحنّ أحد ولده)، قال: فخرج السهم علي عبد الله،
стр. 2047
فمنعه أخوالهُ وقالوا: افْد ابنَك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل وإسماعيل الثاني (١). (١: ٢٦٣/ ٢٦٤).
ونذكر الآن من قال من السلف: إنه إسحاق، ومن قال: إنه إسماعيل.
ذكر من قال هو إسحاق:
٣٨١ / أ- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: هو إسحاق (٢). (١/ ٢٦٤).
٣٨٣ - حدثنا الحسين بن يزيد الطَّحَّان، قال: حدثنا ابن إدريس، عن داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الذي أمر بذبحه إبراهيم هو إسحاق (٣). (١: ٢٦٤).
٣٨٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: الذبيح هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٤).
٣٨٥ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق (٥). (١: ٢٦٤).
٣٨٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (٦). (١: ٢٦٤).
٣٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، قال: حدثنا
стр. 2048
محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن الزهريّ، عن العلاء بن جارية الثقفيّ، عن أبي هريرة، عن كعب، في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: من ابنه إسحاق (١). (١: ٢٦٥).
٣٨٨ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار: أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من ابنيه إسحاق (٢). (١: ٢٦٥).
٣٨٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفيّ، أخبره أن كعبًا قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبيّ؟ قال أبو هريرة: بلَي، قال كعب: لما أرِيَ إبراهيمُ ذبحَ إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدًا منهم أبدًا، فتمثّل الشيطان لهم رجلًا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل علي سارة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديًا بإسحاق؟ قالت: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارة: فلِمَ غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله! قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربَّه أمره بذلك، قالت سارَة؛ فهذا حسنٌ بأن يطيعَ ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارّة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي علي أثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غاديًا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله، ما غَدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك.
قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لم؟ قال: زعم أن ربَّه أمره بذلك، قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليُطيعنَّه، فتركه الشيطان وأسرع إلي إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديًا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوتَ به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربَّك
стр. 2049
أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان أمرني ربي لأفعلنّ، قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلّم إسحاق أعفاه الله، وفداه بذبح عظيم. قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بُنَيَّ، فإن الله قد أعفاك، فأوحي الله إلي إسحاق: إني أعطيك دعوة أستجيب لك فيها، قال إسحاق: اللهمّ فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبدٍ لقيَك من الأولين والآخرين لا يشرِك بك شيئًا فأدخِلْه الجنة (١).
(١: ٢٦٥/ ٢٦٦).
٣٩٠ - حدثني عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال موسى: يا ربّ، يقولون: يا إلَه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فيم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئًا قطّ إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جادَ لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلّما زدتُه بلاء زادني حسن ظن (٢). (١: ٢٦٦).
٣٩١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمّل، قال: حدثنا سفيان عن زيد ابن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى: أي ربّ بمَ أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم؟ فذكر نحوه (٣). (١: ٢٦٦).
٣٩٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابِط، قال: هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٦).
٣٩٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن سفيان، عن أبي سنان الشيبانيّ، عن ابن أبي الهذيل، قال: الذبيح هو إسحاق (٥). (١: ٢٦٦).
٣٩٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سفيان بن عقبة عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال يوسفُ للملك في وجهه ترغب أن تأكل
стр. 2050
معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله! (١) (١: ٦٦/ ٢٦٧).
٣٩٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، قال: قال يوسف للملك، فذكر نحوه (٢). (١: ٢٦٧).
٣٩٦ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبر ذكَره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي: أن إبراهيم ﵇ أريَ في المنام فقيل له: أوْف نذرك الذي نذرت: إن رزقك الله غلامًا من سارَة أن تذبحه (٣). (١: ٢٦٧).
٣٩٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا زكرياء وشعبة عن أبي إسحاق، عن مسروق في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٧).
ذكر من قال هو إسماعيل:
٣٩٨ - حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: الذبيح إسماعيل (٥). (١: ٢٦٧).
٣٩٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا بيان عن الشعبي، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: إسماعيل (٦). (١: ٢٦٧).
٤٠٠ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا
стр. 2051
أبو حمزة محمد بن ميمون السكريّ عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيل (١). (١: ٢٦٧).
٤٠١ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم عن علي بن زيد، عن عمار مولى بني هاشم، وعن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: هو إسماعيل، يعني: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). (١: ٢٦٨).
٤٠٢ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عليّة، قال: حدثنا داود عن الشعبي، قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل (٣). (١: ٢٦٨).
٤٠٣ - وحدثني به يعقوب مرة أخرى، قال: حدثنا ابن عُلَية، قال: سئل داود بن أبي هند: أيّ ابني إبراهيم أُمِر بذبحه؟ فزعم أن الشعبيّ قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل (٤). (١: ٢٦٨).
٤٠٤ - حدثنا ابن المثنّي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شعبة عن بَيان، عن الشعبيّ، عن ابن عباس: أنه قال في الذي، فداه الله بذبح عظيم، قال: هو إسماعيل (٥). (١: ٢٦٨).
٤٠٥ - حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، قال: حدثنا ليث عن مجاهد عن ابن عباس، قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل (٦). (١: ٢٦٨).
٤٠٦ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: المفدّي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود (٧). (١: ٢٦٨).
стр. 2052
٤٠٧ - وحدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدَّثنا أبو عاصم عن مبارك، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الذي فداه الله قال: هو إسماعيل (١). (١: ٢٦٨).
٤٠٨ - حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا حجاج عن حماد، عن أبي عاصم الغنويّ، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس مثله (٢). (١: ٢٦٨).
٤٠٩ - حدثني إسحاق بن شاهين، قال: حدثني خالد بن عبد الله عن داود، عن عامر، قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسماعيل (٣). (١: ٢٦٩).
٤١٠ - حدثنا ابن المثنّي، قال: حدثني عبد الأعلى، قال: حدثنا داود عن عامر أنه قال في هذه الآية: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل، قال: وكان قَرْنا الكبش مَنُوطين بالكعبة (٤). (١: ٢٦٩).
٤١١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: الذبيحُ إسماعيل (٥). (١: ٢٦٩).
٤١٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: رأيتُ قرني الكبش في الكعبة (٦). (١: ٢٦٩).
٤١٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك بن فَضالة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن يوسف بن مِهران، قال: هو إسماعيل (٧). (١: ٢٦٩).
٤١٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا سفيان عن ابن
стр. 2053
أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: هو إسماعيل (١). (١: ٢٦٩).
٤١٥ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عن الحسن: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل (٢). (١: ٢٦٩).
٤١٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ وهو يقول: إن الذي أمر الله إبراهيمَ بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنّا لنجدُ ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن إِبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه: أنه إسماعيل، وذلك أن الله يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ويقول: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾؛ يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الله من الموعود ما وَعده، وما الذي أُمِر بذبحه إلا إسماعيل (٣). (١: ٢٧٠).
٤١٧ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سَلمَة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ: أنه حدّثهم: أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، وهو خليفة إذ كان معه بالشأم، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنتُ أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلي رجل كان عنده بالشام كان يهوديًّا فأسلم، فحسن إسلامه، وكان يري أنه من علماء اليهود. فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيمَ أمر بذبحه. فقال: إسماعيل. والله يا أمير المؤمنين إن يَهود لتَعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب علي أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره علي ما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون: أنه إسحاق، لأنّ إسحاق أبوهم (٤). (٢٧٠: ١).
٤١٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن
стр. 2054
دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ: أنه كان لا يشكّ في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل (١). (١: ٢٧٠).
٤١٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول ذلك كثيرًا (٢). (١: ٢٧٠).
٤٢٠ - وأما الدلالة من القرآن التي قلنا: إنها علي أن ذلك إسحاق أصحّ، فقوله تعالى مخبرًا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومَه مهاجرًا إلي ربّه إلي الشام مع زوجته سارة، فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾، وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل، ثم أتبع ذلك ربنا الخبر عن إجابته دعاءه، وتبشيره إياه بغلام حليم، ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعيَ، ولا يُعْلَم في كتاب ذكرٌ لتبشير إبراهيم بولَد ذكَر إلا بإسحاق، وذلك قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ ثم ذلك كذلك في كلِّ موضع ذُكر فيه تبشير إبراهيم بغلام؛ فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارَة، فالواجبُ أن يكون ذلك في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه به من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتلَّ بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد أتته البشارة من الله قَبْل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده، فإنها علَّة غير موجبة صحةَ ما قال، وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعيَ. وجائز أن يكون يعقوب وُلد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه، وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتلّ في ذلك بقرْن الكبش أنه رآه معلقًا في الكعبة، وذلك أنه غيرُ مستحيل أن يكون حُمِل من الشأم إلي الكعبة فعلِّق هنالك (٣). (١: ٢٧١).
стр. 2055
ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبحه
والسبب في أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الذي أمره بذبحه فيما ذُكر: أنه إذ فارق قومَه هاربًا بدينه مهاجرًا إلي ربه متوجِّهًا إلي الشأم من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولدًا ذكرًا صالحًا من سارَة فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [يعني بذلك ولدًا صالحًا من الصالحين] كما أخبر الله تعالى عنه فقال: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾. فلما نزل به أضيافُه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلي المؤتفكة قوم لوط بشَّروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره، فقال إبراهيم إذ بشر به: هو إذًا لله ذبيحٌ. فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له: أوْفِ بنذرك الذي نذرتَ لله.
ذكر من قال ذلك: (١) (١: ٢٧٢).
٤٢١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك. وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْداني، عن عبد الله- وعن ناس من أصحاب رسول الله قال: قال جبرئيل ﵇ لسارة: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربتْ جبينها عجبًا، فذلك قوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾. قالت سارة لجبْرَائيل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عودًا يابسًا فلواه بين أصابعه فاهتزّ أخضَر، فقال إبراهيم: هو إذًا لله ذبيح، فلما كبر إسحاق أتِيَ إبراهيم في النوم فقيل له: أوْف بنذرك الذي نذرتَ؛ إن رزقك الله غلامًا من سارة أن تذبحه. فقال لإسحاق: انطلق فقرّبْ قربانًا إلي الله. وأخذ سكينًا وحبلًا، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بهِ بين الجبال قال له الغلام: يا أبت، أين قربانك؟ قال: يا بنيّ إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا تري.
стр. 2056
قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، قال له إسحاق: اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه سارة فتحزن، وأسرعْ مَرّ السكين علي حَلقي ليكون أهون للموت عليّ، وإذا أتيتَ سارة فاقرأ ﵍. فأقبل عليه إبراهيم ﵇ يقبّله وقد ربطه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خدّ إسحاق، ثم إنه جرّ السكين علي حلقه فلم يُحِك السكين، وضرب الله صفيحة من نحاس علي حلْق إسحاق، فلما رأي ذلك ضرب به علي جبينه، وحزّ في قَفاه قوله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ يقول: سلما لله الأمر، فنودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا بالحق. التفت، فإذا بكبش، فأخذه وخلّي عن ابنه، فأكبّ علي ابنه يقبّله وهو يقول: يا بنيّ اليوم وُهبتَ لي، فذلك قوله : ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ رجع إلي سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم، أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني! (١) (١: ٢٧٢/ ٢٧٣).
٤٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: كان إبراهيم فيما يقال: إذا زارها -يعني هاجر- حُمِل علي البراق يغدُو من الشأم، فيقيل بمكة، ويروح من مكة، فيبيت عند أهله بالشأم، حتى إذا بلغ معه السعيَ، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أُري في المنام أنَّه يذبحه (٢). (١: ٢٧٣/ ٢٧٤).
٤٢٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له: يا بنيّ خذ الحبل والمُدْية، ثم انطلق بنا إلي هذا الشِّعب ليحطب أهلك منه، قبل أن يذكر له شيئًا مما أمر به. فلما وجه إلي الشِّعب اعترضه عدوّ الله إبليس ليصدّه عن أمر الله في صورة رجل، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، فقال: والله إني لأري الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بنيّك هذا، فأنت تريد ذبحه، فعرفه إبراهيم؛ فقال: إليك عنّي، أي عدوّ الله، فوالله لأمضينّ لأمر ربي فيه، فلما
стр. 2057
يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض إسماعيل وهو وراءَ إبراهيم يحمل الحبل والشَّفرة، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: يحطب أهلنا من هذا الشّعب، قال: والله ما يريد إلا أنْ يذبحك، قال: لِمَ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه، فسمعًا وطاعةً. فلما امتنع منه الغلام ذهب إلي هاجر أم إسماعيل وهي في منزلها، فقال لها: يا أمّ إسماعيل، هل تدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل؟ قالت: ذهب به يحطبنا من هذا الشِّعب، قال: ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كَلّا هو أرحمُ به وأشد حبًّا له من ذلك، قال: إنّه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: إن كان ربه أمره بذلك فتسليمًا لأمر الله. فرجع عدوّ الله بغيظه لم يصب من آل إبراهيم شيئًا مما أراد، وقد امتنع منه إبراهيم وآل إبراهيم بعون الله، وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة، فلما خلا إبراهيم بابنه في -الشِّعب وهو فيما يزعمون شعب ثَبِير- قال له: يا بنيّ، إني أري في المنام أني أذبحك. قال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين (١). (١: ٢٧٤/ ٢٧٥).
٤٢٤ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: إن إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي، لا يُصبْك مني شيءٌ فينقص أجري، فإن الموت شديد، وإفي لا آمن أن أضطربَ عنده إذا وجدت مسّه، واشحذْ شفرتك حتى تُجهز عليّ فتريحني، وإذا أنت أضجعتَني لتذبحني فكبَّني لوجهي علي جبيني ولا تُضجعْني لشقيّ، فإني أخشي إن أنت نظرت في وجهي أن تدركك رقةٌ تحولُ بينك وبين أمر الله فيّ، وإن رأيت أن ترُدَّ قميصي علي أمّي فإنه عسى أن يكون هذا أسلَي لها عنِّي، فافعل. قال: يقول له إبراهيم: نعْمَ العونُ أنت يا بنيّ علي أمر الله. قال: فرَبطه كما أمره إسماعيل فأوثقه، ثم شحذ شفرَته ثم تلّه للجبين واتقي النظر في وجهه، ثم أدخل الشَّفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها في يده، ثم اجتنبها إليه ليفرغ منه، فنودي: أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه، يقول الله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وإنما تتَلّ الذبائح علي خدودها، فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن إسماعيل في إشارته علي أبيه بما أشار إذ قال: كبني
стр. 2058
علي وجهي قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (١) (١: ٢٧٥).
٤٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قَتادة بن دعامة، عن جعفر بن إياس، عن عبد الله بن عباس، قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفًا. فأرسل إبراهيم ابنه فاتَّبع الكبش، فأخرجه إلي الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتي به المنحر من مني فذبحه، فوالذي نَفسُ ابن عباس بيده، لقد كان أول الإسلام، وإن رأسَ الكبش لمعلَّق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقد وَخُش -يعني: قد يبس (٢). (١: ٢٧٥/ ٢٧٦).
٤٢٦ - حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثني حجاج عن حماد، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطُّفَيل، قال: قال ابن عباس: إن إبراهيم لما أمِر بالمناسك عَرَض له الشيطان عند المسْعي فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جَبرئيل ﵇ إلي جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم تلّه للجبين، وعلي إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفّنني فيه غير هذا فاخلعه عني، فأكفنّي فيه، فالتفت إبراهيم ﵇ فإذا هو بكبش أعْيَن أبيض أقرن فذَبحه، فقال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش (٣) (١: ٢٧٦).
٤٢٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثني أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قالي، حدثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، قال: وضع وجهه للأرض قال: لا تذبحني وأنت تنظر إلي وجهي عسى أن ترحمني؛ فلا تجهز عليّ؛ اربط
стр. 2059
يديّ إلي رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض (١) (١: ٢٧٦).
٤٢٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن عليّ ﵇: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كبش أبيض أقرن أعيَن مربوط بسَمُر في ثبير (٢). (١: ٢٧٦).
٤٢٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كبش. قال عبيد بن عمَير: ذبح بالمقام، وقال مجاهد: ذبح بمنى في المنحر (٣). (١: ٢٧٧).
٤٣٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن ابن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇ هو الكبش الذي قرَّبه ابن آدم فتُقبِّل منه (٤). (١: ٢٧٧).
٤٣١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعي في الجنة أربعين سنة، وكان كبشًا أملحَ، صوفه مثل العهن الأحمر (٥) (١: ٢٧٧).
٤٣٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كان وعلًا (٦). (١: ٢٧٧).
٤٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمرو ابن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فُدِيَ إسماعيلُ إلا بتيس كان من الأرْوَي، أهبِط عليه من ثَبير، وما يقول الله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحته فقط، ولكنه
стр. 2060
الذبح علي دينه، فتلك السنَّة إلي يوم القيامة، فاعلموا: أن الذبيحةَ تدفع ميتة السوء، فضحُّوا عباد الله (١). (١: ٢٧٧).
٤٣٤ - وقَد قال أمية بن أبي الصّلْت في السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبح ابنه شعْرًا، ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التي رويناها عن السديّ، وأن ذلك كان من إبراهيم عن نذرٍ كان منه، فأمره الله بالوفاء به، فقال:
وَلإبْرَاهِيمَ المُوَفِّي بالنَّذْ ... ر احْتِسَابًا وَحَامِلِ الأجْزَالِ
بِكْرِهِ لم يكن لِيَصبِرَ عنه ... أوْ يَرَاهُ في مَعْشَرٍ أقْيَالِ
أي بُنَيَّ إنِّي نَذَرْتُكَ للـ ... ـه شَحِيطًا فاصْبِرْ فِدىً لك خالي
وَاشْدُدِ الصَّفْدَ لا أحِيدُ عَنِ السِّـ ... ـكِّينِ حيدَ الأسِيرِ ذي الأغْلالِ
وَلَهُ مُدْيَةٌ تَخَايَلُ في اللَّحْـ ... ـم جذَامٌ حَنِيَّةٌ كَالْهِلَالِ
بَينَمَا يَخْلَعُ السَّرَابِيلَ عَنْهُ ... فكَّهُ رَبُّهُ بكَبْشٍ جُلَالِ
فخذَنْ ذا فَأَرْسِلِ ابْنَكَ إنِّي ... للَّذِي قد فَعَلْتُمَا غَيرُ قَالِ
وَالِدٌ يَتَّقِي وَآخَرُ مَوْلُو ... د فَطَارَا مِنْهُ بِسمْعِ فَعَالِ
رُبَّمَا تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْـ ... ـرِ لَهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ الْعِقَالِ (٢) (١: ٢٧٨/ ٢٧٧).
٤٣٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين -يعني ابن واقد- عن زيد، عن عكرمة: قوله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: قال: أسلما جميعًا لأمر الله؛ رضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه. قال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إليّ فترحمني، وأنظر أنا إلي الشفرة فأجزع، ولكن أدخل الشفرة من تحتي، وامض لأمر الله، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، فلما فعل ذلك ناديناه ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٢٧٨).
стр. 2061
ذكر ابتلاء الله إبراهِيم بكلمات
٤٣٦ - وكان مما امتحن الله به إبراهيم ﵇ وابتلاه به -بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نُمرود بن كوش، ومحاولته إحراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه، بعد أن بلغ معه السعي ورجا نفعه ومعونته علي ما يقرّبه من ربه ورفعه القواعد من البيت، ونسكه المناسك- ابتلاؤه ﷻ بالكلمات التي أخبر الله عنها أنه ابتلاه بهنّ فقال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١) (١: ٢٧٨/ ٢٧٩).
٤٣٦ / أ- وقد اختلف السَّلف من علماء الأمة في هذه الكلمات التي ابتلاه الله بهنَّ فأتمهنّ، فقال بعضهم: ذلك ثلاثون سهمًا، وهي شرائع الإسلام.
ذكر من قال ذلك: (٢) (١: ٢٧٩).
٤٣٧ - حدثنا محمد بن المثنّي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: قال ابن عباس: لم يُبْتَلَ أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم ﵇، ابتلاه الله تعالى بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتب الله تعالى له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾: عَشْرٌ منها في الأحزاب، وعشر منها في بَرَاءَةَ، وعَشْر منها في المؤمنين، وسأل سائل، وقال: إنَّ هذا الإسلام ثلاثون سهمًا (٣). (١: ٢٧٩).
٤٣٨ - حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطيّ، قال: حدثنا خالد الطحان عن داود، عن عكْرمة، عن ابن عباس، قال: ما ابتُليَ أحد بهذا الدين فقام به كلّه غير إبراهيم ﵇؛ ابتُلي بالإسلام فأتمّه، فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ فذكر عشرًا في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ... ﴾ وعشرًا في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ وعشرًا في سورة المؤمنين إلي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وعشرًا في
стр. 2062
سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١). (١: ٢٧٩).
٤٣٩ - وحدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثنا عليّ بن الحسن، قال: حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، وما ابتُلي أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، فكتب الله له براءة من النار (٢) (١: ٢٨٠).
وقال آخرون: ذلك عشر خصال من سنن الإسلام، خمس منهنَّ في الرأس، وخمس في الجسد.
ذكر من قال ذلك:
٤٤٠ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قصُّ الشارب؛ والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وفرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلْق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسْل أثر الغائط والبول بالماء (١: ٢٨٠).
٤٤١ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن ابن عباس بمثله، غير أنه لم يذكر أثر البول (٣). (١: ٢٨٠).
٤٤٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه بالختان، وحَلْق العانة، وغسل القُبُل والدُّبر، والسواك، وقصّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. قال أبو هلال: ونسيت خَصْلة (٤). (١: ٢٨٠).
стр. 2063
٤٤٣ - حدثني عبدان المروزيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن مطر، عن أبي الجَلْد، قال: ابتُلي إبراهيم ﵇ بعشرة أشياء هن في الإنسان سنّة: المضمضة، والاستنشاق، وقصّ الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدّبر والفرج (١) (١: ٢٨٠/ ٢٨١).
وقال آخرون نحو قول هؤلاء، غير أنهم قالوا: ستٌّ من العشر في جَسد الإنسان، وأربع منهن في المشاعر.
ذكر من قال ذلك:
٤٤٤ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا ابن لَهِيعَة عن ابن هبيرة، عن حَنَش، عن ابن عباس في قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلْق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والغُسل يوم الجمعة، وأربع في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة (٢). (١: ٢٨١).
وقال آخرون: [بل] ذلك قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومناسك الحج.
ذكر من قال ذلك:
٤٤٥ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، منهنّ إني جاعلك للناس إمامًا وآيات النسك (٣). (١: ٢٨١).
٤٤٦ - حدثني أبو السائب: قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح مولى أم هانيء في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ
стр. 2064
بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن آيات النسك ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ (١). (١: ٢٨١).
٤٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى بن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا، قال: نعم، ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: تجعل البيت مثابة للناس، قال: نعم، قال: وتجعل هذا البلد أمْنًا، قال؛ نعم، [قال]: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمَّةً مسلمة لك، قال: نعم، [قال]: وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال: نعم، [قال]: وترزق أهله من الثمرات من آمن [منهم]؟ قال: نعم (٢). (١: ٢٨٢).
٤٤٨ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج: فاجتمع علي هذا القول مجاهد وعكْرمة (٣). (١: ٢٨٢).
٤٤٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (٤). (١: ٢٨٢).
٤٥٠ - حدثني المثني بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبْل عن ابن أبي نَجيح، قال: أخبرني به عكرمة، قال: فعرضته علي مجاهد فلم ينكره (٥). (١: ٢٨٢).
٤٥١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا
стр. 2065
أسباط، عن السُّديّ: الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١). (١: ٢٨٢/ ٢٨٣).
٤٥٢ - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ الآية. قال فذلك كلُّه من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم (٢). (١: ٢٨٣).
٤٥٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: منهن ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكن البيت، ومحمد بعث في ذريتهما (٣). (١: ٢٨٣).
وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحجّ خاصَّة.
ذكر من قال ذلك:
٤٥٤ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سَلْم بن قتيبة، قال: حدثنا عمر بن نبهان عن قَتادة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: مناسك الحج (٤). (١: ٢٨٣).
٤٥٥ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن
стр. 2066
قَتادة، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: هي المناسك (١). (١: ٢٨٤).
٤٥٦ - حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه قال: بلَغنا عن ابن عباس أنه قال: إنَّ الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيمُ هي المناسك (٢). (٢٨٤: ١).
٤٥٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيريّ، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: مناسك الحجّ (٣). (١: ٢٨٤).
٤٥٨ - حدثني ابن المثنى، قال: حدثني الحِمَّانيّ، قال: حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس مثله (٤). (١: ٢٨٤).
٤٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قَتادة، قال: قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك (٥). (١: ٢٨٤).
وقال آخرون: بل ابتلاه بأمور، منهنَّ الخِتان.
ذكر من قال ذلك:
٤٦٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلْم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعْبيّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن الختان (٦). (١: ٢٨٤).
٤٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبيّ يقول ... فذكر مثله (٧). (١: ٢٨٤).
стр. 2067
٤٦٢ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبي -وسأله أبو إسحاق عن قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهنّ الختان يا أبا إسحاق (١). (١: ٢٨٥).
وقال آخرون: ذلك الخلالُ الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهنّ أجمع فصبرَ عليهنّ.
ذكر من قال ذلك:
٤٦٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن أبي رَجَاء، قال: قلتُ للحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان (٢). (١: ٢٨٥).
٤٦٤ - حدَّثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سَعيد عن قَتادة، قال: كان الحسنُ يقول: إن الله ابتلاه بأمرٍ فصبر عليه؛ ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلي الله تعالى؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصَبر علي ذلك، وابتلاه بذبح ابنه وبالختان، فصَبر علي ذلك (٣). (١: ٢٨٥).
٤٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عمّن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه [بذبح ولده، وبالنار و] بالكوكب، وبالشمس، وبالقمر (٤). (١: ٢٨٥).
٤٦٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سَلْم بن قتيبَةَ، قال: حدثنا أبو هلال عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس
стр. 2068
وبالقمر، فوجده صابرًا (١). (١: ٢٨٥).
٤٦٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار، قال: حدثني غسّان بن الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن -هو ابن ثَوْبَان- عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله: "اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقَدُوم" (٢). (١: ٢٨٦).
وقد روي عن النبي في الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم خبران:
٤٦٨ - أحدهما: ما حدثنا أبي كريب، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: "أتدرون ما وفَّى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "وفَّى عملَ يومه أربعَ ركعات في النهار" (٣). (١: ٢٨٦).
٤٦٩ - والآخر منهما ما حدَّثنا به أبو كريب، قال: حدثنا رشْدين بن سعد، قال: حدثنا زبان بن فائد عن سَهْل بن مُعاذ بن أنس، عنِ أبيه، قال: كان النبيّ يقول: "ألا أخبرُكم لم سمي الله إبراهيم خليله: ﴿الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾؟ لأنه كان يقول كُلَّما أصبح، وكلّما أمسي: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... ﴾ حتى ختم الآية (٤). (١: ٢٨٦).
أمر نمرود بن كوش بن كنعان
٤٧٠ - ونرجع الآن إلي الخبر عن عدوّ الله وعدو إبراهيم -الذي كذَّب بما جاء به من عند الله، وردَّ عليه النصيحة التي نَصحها له جهلًا منه، واغترارًا بحلم الله تعالى عنه- نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرَّد علي ربه، مع إملاء الله إياه، وتركه تعجيل العذابَ له علي كفره به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلي توحيد الله والبراءة من
стр. 2069
الآلهة والأوثان، وأنّ نمرودَ لما تطاول عُتُوُه وتمرّده علي ربِّه مع إملاء الله تعالى له -فيما ذكر- أربعمئة عام، لا تزيده حجج الله التي يحتجَّ بها عليه، وعبرُه التي يُريها إياه إلا تماديًا في غيّه، عذبه الله -فيما ذكر- في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلْقه، وذلك بعوضة سلطها عليه [توغلت في خياشيمه فمكث أربعمئة سنة يعذب بها في حياته الدنيا] (١). (١: ٢٨٧).
ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحلّ الله به من نقمته:
٤٧١ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أنّ أولَ جبار كان في الأرض نُمرود، وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا مرّ به ناس قال: مَنْ ربُّكم؟ قالوا: أنت، حتى مرّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
قال: فردَّه بغير طعام، قال: فرجع إبراهيمُ إلي أهله فمرَّ علي كثيب أعفر، فقال: هلّا آخذُ من هذا فآتيَ به أهلي فتطيبَ أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه، فأتي أهلَه. قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأتُه إلي متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحدٌ، فصنعت له منه، فقرّبته إليه -وكان عهد أهله ليس عندهم طعام- فقال: منْ أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئتَ به، فعلم أن الله قد رزقه، فحمِد الله.
ثم بعث الله إلي الجبار مَلَكًا: أن آمنْ بي وأتركك علي ملكك، قال: فهل ربّ غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبي عليه، ثم أتاه الثالثة فأبي عليه، فقال له المَلك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبّار جموعَه، فأمر الله الملك، ففتح عليهم بابا من البَعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومَهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يُصبْه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضةً فدخلتْ في منخره، فمكث أربعمئة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به مَنْ جمع يديه ثم ضرب
стр. 2070
بهما رأسه. وكان جبَّارًا أربعمئة عام، فعذبه الله أربعمئة سنة كملكه وأماته الله، وهو الذي بنى صرْحًا إلي السماء، فأتي الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (١). (١: ٢٨٧/ ٢٨٨).
٤٧٢ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي، قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرِج -يعني من مدينته- قال: فأخْرِج فلقي لوطًا علي باب المدينة -وهو ابن أخيه- فدعاه فآمن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرُخ من فراخ النسور؛ فربَّاهن باللحم والخمر، حتى إذا كبرن وغلظن واستعجلن، قرنهنّ بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلًا من لحم لهنّ، فطرن به، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلي الأرض، فرأي الجبال تدبُّ كدبيب النمل، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأي الأرض محيطًا يها بحر كأنها فَلْكة في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة؛ فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعتْه منقضّات، فلما نظرت الجبال إليهنَّ وقد أقبلن منقضَّاتٍ وسمعن حفيفهنّ فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قوله : ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾، وهي في قراءة ابن مسعود: (وَإِن كَادَ مَكْرُهُمْ) فكان طيرانهنَّ به من بيت المقدس، ووقوعهنّ في جبل الدخان، فلما رأي أنه لا يطيق شيئًا أخذ في بناء الصرح، فبني حتى إذا أسنده إلي السماء ارتقي فوقه ينظر -بزعمه- إلي إله إبراهيم، فأحدث ولم يُحدِث، وأخذ الله بنيانه من القواعد: ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾، يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقض [بهم]، ثم سقَطَ فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السُّريانية (٢). (١: ٢٨٨/ ٢٨٩).