← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلَّا بالقوم فقتِل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلَت محمد جريحًا. قال الواقدي: وفيها أسْرَى رسولُ الله ﷺ سرِيّةَ أبي عُبيدة بن الجَرَّاح إلى ذي القَصَّة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلًا، فساروا ليلتهم مُشاةً، ووافوْا ذا القَصَّة مع عَماية الصُّبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هَرَبًا في الجبال، وأصابوا نعمًا ورِثَّة ورجلًا واحدًا، فأسلم، فتركه رسولُ الله ﷺ . قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة بالجَمُوم، فأصاب امرأة من مُزَينة؛ يقال لها: حليمة، فدَلَّتْهم على محلَّة من محالّ بني سُلَيم، فأصابوا بها نَعَمًا وشاء وأسَراء؛ وكان في أولئك الأسَراء زوْج حليمة، فلمَّا قفل بما أصاب وَهَب رسول الله ﷺ للمُزَنية زوجَها ونفسَها. قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العِيص في جُمادى الأولى منها. وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع؛ فاستجار بزينب بنت النبي ﷺ فأجارَتْه. قال: وفيها كانت سمريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، في جمادى الآخرة، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا؛ فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسولُ الله سارَ إليهم، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرًا. قال: وغاب أربع ليال. قال: وفيها سريَّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في جمادى الآخرة. قال: وكان أوَّل ذلك فيما حدثني موسى بن محمّد عن أبيه، قال: أقبل دِحْيَةُ الكلبيّ من عند قيصر؛ وقد أجاز دِحْيَةَ بمال، وكساه كُسىً؛ فأقبل حتى كان بِحِسْمَى، فلقيَه ناسٌ من جُذام؛ فقطعوا عليه الطريق، فلم يحرك معه شيء؛ فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخلَ بيته فأخبره، فبعث رسول الله ﷺ زيدَ بن حارثة إلى حِسمى. قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلَّقها عمر فتزوّجها بعده يزيد بن جارية؛ فولدت له عبد الرحمن بن يزيد؛ فهو أخو عاصم لأمّه.

стр. 2592

قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى وادي القُرى في رجب. قال: وفيها سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دَوْمة الجَنْدل في شعبان؛ وقال له رسول الله ﷺ : إن أطاعوك فتزوّج ابنَة ملكهم؛ فأسلم القوم، فتزوّح عبد الرحمن تُماضر بنت الأصْبَغ، وهي أمّ أبي سَلمة، وكان أبوها رأسَهم وملكهم. قال: وفيها أجدب الناسُ جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله ﷺ في شهر رمضان بالناس. قال: وفيها سريّة علي بن أبي طالب ﵇ إلى فَدَك في شعبان. قال: وحدَّثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عُقْبة، قال: خرج عليُّ بن أبي طالب في مئة رجل إلى فدَك، إلى حيّ من بني سَعْد بن بكر؛ وذلك: أنَّه بلغ رسول الله أنّ لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر؛ فسار إليهم الليل وكَمَن النَّهار؛ وأصاب عَينًا، فأقرّ لهم أنه بُعِث إلى خيبر يعرض عليهم نصرَهم على أن يجعلوا لهم ثمر خَيبر. قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى أمّ قِرْفة في شهر رمضان. وفيها قتلت أمّ قِرْفة؛ وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلًا عنيفًا؛ ربط برجليها حبْلًا ثم ربطها بين بعيرين حتى شقَّاها شقًّا؛ وكانت عجوزًا كبيرةً (١). ٢٥٩ - وكان من قصَّتها ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة إلى وادي القُرى؛ فلقيَ به بني فزارة؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه، وارْتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد بن عمرو أحد بني سعد بني هُذَيم، أصابه أحد بني بدْر؛ فلمَّا قدم زيد نَذَر ألَّا يمسّ رأسه غسلٌ من جنابة حتى يغْزُو

стр. 2593

فَزارة؛ فلمَّا استبلّ من جراحه، بعثه رسولُ الله ﷺ في جيش إلى بني فَزارة، فلقيَهم بوادي القُرى، فأصاب فيهم؛ وقتل قيس بن المسحَّر اليعْمُريّ مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أمَّ قرفة -وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حُذيفة بن بدر، عجوزًا كبيرة- وبنتًا لها، وعبد الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قِرْفة؛ فقتلها قتلًا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم رَبطهما إلى بعيرين حتى شقَّاها. ثم قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قِرْفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع؛ كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدتَ. فسألها رسول الله ﷺ سلَمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهْب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حَزْن (١). (٢: ٦٤٣). ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك ٢٦٠ - قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ الرُّسُلَ؛ فبعث في ذي الحجة ستَّة نفر: ثلاثة مصطحبين: حاطب بن أبي بلتعة من لَخْم حليف بني أسد بن عبد العزى إلى المقوقس، وشجاع بن وهب من بني أسد بن خُزيمة -حليفًا لحرب بن أمية شهد بدرًا- إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسانيّ، ودِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر. وبعث سليط بن عمرو العامريّ عامرَ بن لؤيّ إلى هَوْذة بن علي الحنفيّ. وبعث عبد الله بن حُذافة السهمي إلى كسرى. وعمرو بن أمية الضَّمْريّ إلى النجاشيّ (٢). (٢: ٦٤٤). ٢٦١ - وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه -فيما زعم، وحدَّثنا به ابنُ حميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد فرّق رجالًا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاةً إلى الله فيما بين الحديبية ووفاته (٣). (٢: ٦٤٥). ٢٦٢ - وحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن

стр. 2594

يزيد بن أبي حَبيب المصريّ، أنه وجد كتابًا فيه تسمية مَنْ بعث رسول الله ﷺ إلى ملوك الخائبين، وما قال لأصحابه حين بعثهم، فبعث به إلى ابن شهاب الزّهريّ، مع ثقة من أهل بلدة فعرَفه. وفي الكتاب أنّ رسولَ الله ﷺ خرج على أصحابه ذاتَ غَداة، فقال لهم: إني بُعِثتُ رحمةً وكافّة؛ فأدّوا عنّي يرحمكم الله؛ ولا تختلفوا عليّ كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم، قالوا: يا رسول الله؛ وكيف كان اختلافُهم؟ قال: دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه؛ فأمَّا من قَرُبَ به فأحبّ وسلم، وأمَّا مَنْ بَعُد به فكرِه وأبي؛ فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله ، فأصبحوا من ليلتهم تلك؛ وكلُّ رجل منهم يتكلَّم بلغة القوم الَّذين بُعث إليهم. فقال عيسى: هذا أمرٌ قد عزم الله لكم عليه؛ فامضوا (١). (٢: ٦٤٥). ٢٦٣ - قال ابنُ إسحاق: ثم فرّق رسولُ الله ﷺ بين أصحابه؛ فبعث سَلِيط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخا بني عامر بن لؤي إلى هَوْذة بن عليّ، صاحب اليمامة. وبعث العَلاء بن الحَضرميّ إلى المنذِر بن ساوى أخي بني عبد القَيس صاحب البحْرَين، وعمرو بن العاص إلى جَيفر بن جُلَنْدَى وعبّاد بن جُلَنْدَى الأزديَّين صاحِبَي عُمان. وبعث حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية؛ فأدَّى إليه كتابَ رسول الله ﷺ ، وأهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ أربَع جوار، منهنَّ مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ . وبعث رسول الله دِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ ثم الخزْجي إلى قيصر، وهو هِرَقْل ملك الروم؛ فلمَّا أتاه بكتاب رسول الله ﷺ نَظر فيه ثم جعله بين فَخِذيهِ وخاصرَته (٢). (٢: ٦٤٥/ ٦٤٦). ٢٦٤ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: قال ابنُ شِهاب الزُّهريّ: حدّثني أسقف للنصارى أدركتُه في زمان عبد الملك بن مروان، أنه أدرك ذلك من أمْرِ رسول الله ﷺ وأمْر هرقل وعَقَله، قال: فلمَّا قدِم عليه كتابُ رسول الله ﷺ مع دِحْيَة بن خليفة، أخذه هِرَقْل، فجعله بين فخذيه وخاصرته. ثم كتب إلى رجل بروميَة كان يقرأ من العبرانية ما يقرؤونه؛ يذكر له أمره، ويَصفُ له شأنه، ويخبره بما جاءَ منه؛ فكتب إليه

стр. 2595

صاحب روميَة: إنَّه للنّبيُّ الذي كنا ننتظِرُه؛ لا شكَّ فيه؛ فاتَّبعه وصدِّقْه. فأمر هرقلُ ببطارقة الرُّوم؛ فجُمعُوا له في دَسْكَرة، وأمَر بها فأشرِجَتْ أبوابُها عليهم؛ ثم اطّلع عليهم من عُلِّيَّة له؛ وخافهم على نفسه، وقال: يا معشَرَ الروم! إني قد جمعتكم لخير؛ إنه قد أتاني كتاب هذا الرّجل يدعوني إلى دينه؛ وإنَّه والله لَلنبيّ الذي كنَّا ننتظره ونجده في كتبنا؛ فهلمّوا فلنتَّبِعه ونصدِّقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. قال: فَنَخَرُوا نَخْرةَ رجل واحد؛ ثم ابتدروا أبوابَ الدَّسْكرة ليخرجوا منها فوجدُوها قد أغلقت؛ فقال: كرُّوهم عليّ -وخافهم على نفسه- فقال: يا معشَر الرُّوم! إني قد قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الَّذي قد حَدَث؛ وقد رأيت منكم الذي أسَرُّ به؛ فوقعوا له سُجَّدًا؛ وأمر بأبواب الدَّسْكرة ففتِحَتْ لهم؛ فانطلقوا (١). (٢: ٦٤٩/ ٦٥٠). ٢٦٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدِحْيَة بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ : ويحك! والله إنِّي لأعلَمُ أن صاحبَك نبيٌّ مرسل؛ وأنَّه الَّذِي كنَّا ننتظره ونجده في كتابنا؛ ولكني أخاف الرُّوم على نفسي؛ ولولا ذلك لاتَّبعتُه؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر له أمرَ صاحبكم؛ فهو والله أعظم في الروم مِنّي، وأجوَز قولًا عندهم منيّ؛ فانظر ما يقول لك. قال: فجاءَه دِحْية؛ فأخبره بما جاءَ به من رسول الله ﷺ ، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبُك والله نبي مرسَل؛ نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه. ثم دخل فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبِس ثيابًا بيضًا، ثم أخذ عصاه؛ فخرج على الرّوم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد؛ يدعونا فيه إلى الله ؛ وإنيّ أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ أحمد عبده ورسوله. قال: فوثبوا عليه وَثْبَةَ رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. فلمَّا رجع دِحْية إلى

стр. 2596

هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا؛ فصغاطر -والله- كان أعظمَ عندهم وأجْوَزَ قولًا مني (١). (٢: ٦٥٠/ ٦٥١). ٢٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام، قال: لما أراد هِرقْل الخروجَ من أرض الشام إلى القسطنطينية لمَا بلغه من أمر رسول الله ﷺ ؛ جمع الرُّوم، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إني عارضٌ عليكم أمورًا، فانظروا فِيمَ قد أردتها! قالوا: ما هي؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرَّجل لنبي مرسلٌ؛ إنا نجده في كتابنا نعرفه بصفتِه التي وصف لنا، فهلُمَّ فَلْنتَّبِعْه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا، فقالوا: نحن نكون تحتَ يدي العرب؛ ونحن أعظم الناس مُلْكًا، وأكثرهم رجالًا، وأفضلُهم بلدًا! قال: فهلمَّ فأعطيه الجزية في كلّ سنة، اكسِرُوا عني شوكتَه وأستريحُ من حَرْبِه بمال أعطيه إياه، قالوا: نحن نعطِي العرب الذلّ والصَّغار، بخَرْج يأخذونه منا؛ ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا؛ لا والله لا نفعل هذا أبدًا. قال: فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أعطيَه أرض سُورِيَّة، ويَدَعني وأرض الشام -قال: وكانت أرضُ سوريّة أرضَ فلسطين والأردنّ ودمشق وحِمص وما دون الدَّرْب من أرضَ سوريَّة وكان ما وراء الدَّرب عندهم الشام- فقالوا له: نحن نعطيه أرض سورية، وقد عرفت أنها سرَّة الشام؛ والله لا نفعل هذا أبدًا. فلما أبْوا عليه، قال: أما والله لترونّ أنكم قد ظفرتُمْ إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بَغْل له؛ فانطلق حتى إذا أشرف على الدَّرْب استقبل أرض الشام، ثم قال: السَّلام عليكم أرض سوريَّة تسليمَ الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيّة (٢). (٢: ٦٥١).

стр. 2597

٢٦٧ - قال ابن إسحاق: وبعثَ رسولُ الله ﷺ شُجاع بن وهب أخا بني أسد بن خُزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شَمِر الغساني؛ صاحب دمشق (١). (٢: ٦٥٢). ٢٦٨ - وقال محمد بن عمر الواقديّ: وكتب إليه معه: سلام عَلى مَن اتَّبع الهدى، وآمن به. إنّي أدعُوك إلى أن تؤمنَ بالله وحدَه لا شريك له يبقى لك ملكك. فقدم به شجاع بن وهْب، فقرأه عليهم، فقال: مَنْ ينزع منّي ملكي! أنا سائر إليه، قال النبيّ ﷺ : بادَ مُلْكه (٢)! (٢: ٦٥٢). ٢٦٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة قال: حدثنا ابنُ إسحاق، قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْرِيّ إلى النجاشيّ في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه؛ وكتب معه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشيّ الأصحم ملك الحبشة، سلمٌ أنت؛ فإني أحْمَد إليك الله الملك القُدُّوس السَّلام المُؤمِن المهيمن؛ وأشهدُ أن عيسى ابن مريم روحُ الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البَتُول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى؛ فَخلقه الله من رُوحِه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنِّي أدعوك إلى الله وحْده لا شريك له؛ والموالاة على طاعته؛ وأن تتبعني وتؤمِنَ بالذي جاءني؛ فإنّي رسول الله، وقد بعثت إليك ابنَ عمّي جعفرًا ونفرًا معه من المسلمين؛ فإذا جاءك فأقرّهم، ودع التجبّر؛ فإنّي أدعُوك وجنودَك إلى الله، فقد بلّغت ونصحت؛ فاقبلوا نصْحِي؛ والسلام على من اتّبع الهدى. فكتب النجاشيّ إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشيّ الأصْحَم بن أبجر. سلامٌ عليك يا نبيَّ الله ورحمة الله وبركاته من الله الذي لا إله إلا هو، الذي هداني إلى الإسلام. أما بعد؛ فقد بلغَني كِتابُك يا رسول الله فيما ذكرتَ من أمر عيسى، فوربّ السماء والأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرتَ ثُفرُوقًا؛ إنه كما قلت؛ وقد عرفنا ما بُعثْتَ به إلينا؛ وقد

стр. 2598

قَرَينا ابنَ عمِّك وأصحابه؛ فأشهد أنك رسولُ الله صادقًا مصدَّقًا؛ وقد بايعتك وبايعتُ ابنَ عمك؛ وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين؛ وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر؛ فإني لا أملكُ إلَّا نفسي؛ وإن شئت أن آتيَك فعلت يا رسول الله؛ فإنّي أشهد أن ما تقول حقّ، والسلام عليك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: وذُكرَ لي أن النجاشيّ بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة؛ فإذ كانوا في وَسَط من البحر غرِقَتْ بهم سفينتُهم، فهلكوا (١). (٢: ٦٥٢/ ٦٥٣). ٢٧٠ - وحُدّثت عن محمد بن عمر، قال: أرسل رسولُ الله ﷺ إلى النجاشيّ ليزوّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ ويبعث بها إليه مع مَنْ عنده من المسلمين، فأرسل النجاشيّ إلى أمّ حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله ﷺ إياها جارية له يقال لها أبرهة؛ فأعطتها أوْضَاحًا لها وفَتخًا سرورًا بذلك، وأمرها أن توكّل مَنْ يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فزوّجها، فخطب النجاشيّ على رسول الله ﷺ ، وخطب خالد فأنكَح أمّ حبيبة، ثم دعا النجاشيّ بأربعمئة دينار صداقها؛ فدفعها إلى خالد بن سعيد؛ فلما جاءت أمّ حبيبة تلك الدنانير، قالت: جاءت بها أبْرهة فأعطتها خمسين مثقالًا، وقالت: كنت أعطيتُكِ ذلك؛ وليس بيدي شيء، وقد جاء الله بهذا. فقالت أبرهة: قد أمرني الملك ألَّا آخذ منك شيئًا؛ وأن أردّ إليك الذي أخذت منك، فرددته وأنا صاحبة دُهن الملك وثيابه، وقد صدّقتُ محمدًا رسول الله وآمنتُ به؛ وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السَّلام. قالت: نعم؛ وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهنَّ من عُود وعنبر؛ فكان رسول الله ﷺ يراه عليها وعندها فلا ينكره. قالت أمّ حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث معنا النَّواتي حتى قدمنا الجار، ثم ركبنا الظّهر إلى المدينة؛ فوجدْنا رسولَ الله ﷺ بحْيبر، فخرج مَنْ خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدِم رسولُ الله؛ فدخلتُ إليه، فكان يسائلني عن النَّجاشيّ؛ وقرأت عليه من أبرهة السلام، فردّ رسول الله ﷺ عليها؛ ولما جاء أبا سفيان

стр. 2599

تزويجُ النبيّ ﷺ أمّ حبيبة قال: ذلك الفحل لا يقدَعُ أنفه (١). (٢: ٦٥٣/ ٦٥٤). قال الواقديّ: قتَل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها (٢). (٢: ٦٥٦). ٢٧١ - قال الواقديّ: وفيها كتب إلى المقوقس عظيم القبْط، يدعوه إلى الإسلام فلم يُسْلِم (٣). (٢: ٦٥٧). ٢٧٢ - قال أبو جعفر: ولما رجع رسولُ الله ﷺ من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجّة وبعض المحرّم -فيما حدثنا ابنُ حُمَيد قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق-. قال: وولي الحجّ في تلك السنة المشركون (٤). (٢: ٦٥٧). * * *

стр. 2600

ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة (غزوة خيبر) ٢٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنه حدَّثه بعضُ أسلَم: أنّ بني سهم مِنْ أسلَم، أتوْا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله؛ واللهِ لقد جُهِدْنا وما بأيدينا شيء؛ فلم يجدُوا عند رسول الله شيئًا يعطيهم إياه، فقال النبيّ: اللهمّ إنك قد عرفت حالهم، وأنْ ليست بهم قوة؛ وأن ليس بيدي شيء أعطِيهم إياه؛ فافتح عليهم أعظمَ حصونِها؛ أكثرها طعامًا ووَدَكًا. فغدا النَّاس، ففتح الله عليهم حِصْنَ الصّعب بن معاذ؛ وما بخيبر حصْنٌ كان أكثرَ طعامًا وَوَدَكًا منه (١). (٣: ١٠). قال: ولما افتتح رسولُ الله ﷺ مِنْ حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوْا إلى حصنهم الوَطِيح والسُّلالم -وكان آخر حصون خَيبر افتتح- حاصَرَهم رسول الله بضعَ عشرة ليلة (٢). (٣: ١٠). ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر، يرتجز ويقول: قَدْ علمَتْ خَيبَرُ أَنِّي يَاسِرُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاورُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ ... وَأحْجَمَتْ عَنْ صَوْلتي المَغَاورُ إنَّ حِمَايَ فيه مَوْتٌ حَاضِرُ (٣) (٣: ١١) ٢٧٤ - حدَّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا عَوْف، عن ميمون أبي عبد الله: أن عبد الله بن بُرَيدة حَدَّث عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: لما

стр. 2601

كان حين نزل رسولُ الله ﷺ بحصن أهل خيبر، أعطى رسولُ الله ﷺ اللواءَ عمر بن الخطاب، ونهض مَنْ نهض معه من الناس؛ فلقُوا أهل خيبر؛ فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ ؛ يجبِّنُه أصحابهُ ويجبّنهم، فقال رسول الله ﷺ : لأعْطِينَّ اللواء غدًا رَجُلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. فلمّا كان من الغد تطاولَ لها أبو بكر وعمر؛ فدعا عليًّا ﵇ وهو أرْمد، فتفل في عينيه، وأعطاه اللواءَ، ونهض معه من الناس مَنْ نهض. قال: فلقيَ أهل خيبر؛ فإذا مرحب يرتجز ويقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحبُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وحينًا أضرِبُ ... إذَا اللُّيُوث أَقبلتْ تَلَهَّبُ فاختلف هو وعليٌّ ضربتين، فضربه عليٌّ على هامتِه؛ حتى عضّ السيف منها بأضراسه؛ وسمع أهل العسكر صوت ضَربته؛ فما تتامَّ آخر الناس مع عليّ ﵇ حتى فتح الله له ولهم (١). (٣: ١١/ ١٢).

стр. 2602

٢٧٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن؛ عن بعض أهله، عن أبي رافع مولَى رسول الله ﷺ ، قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب حين بعثَهُ رسولُ الله ﷺ برايته؛ فلمَّا دنا مِن الحِصْن خرج إليه أهلُه؛ فقاتلهم فضربه رجل من اليهود، فطرح تُرْسَه من يده؛ فتناول عليٌّ ﵁ بابًا كان عند الحصن، فتترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل؛ حتى فتح الله عليه؛ ثمَّ ألقاه من يده حين فرغ؛ فلقد رأيتُني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نَقْلِب ذلك الباب فما نَقلِبُه (١). (٣: ١٣). ٢٧٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ولما فَتح رسولُ الله ﷺ القَمُوص، حصن ابن أبي الحُقَيق، أتِيَ رسول الله بصفيّة بنت حُيّي بن أخطب، وبأخرى معها؛ فمرّ بهما بلال -وهو الذي جاء بهما- على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفيّة صاحت وصكَّتْ وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله قال: أغرِبوا عني هذه الشيطانة؛ وأمر بصفية فحِيزت خلْفَه، وألقَى عليها رداؤَه، فعرف المسلمون أن رسولَ الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه، فقال رسولُ الله ﷺ لبلال -فيما بلغني- حين رأى من تلك اليهودية ما رأى: أنُزِعَتْ منك الرحمة يا بلال؛ حيث تمرُّ بامرأتين على قتلى رجالهما! وكانت صفيّة قد رأت في المنام وهي عروسٌ بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق؛ أن قمرًا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال:

стр. 2603

ما هذا إلا أنَّك تمنّين ملك الحجاز محمدًا، فلطمَ وجهَها لطمة اخضرَّت عينها منها؛ فأتِيَ بها رسول الله ﷺ وبها أثرٌ منها، فسألها: ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر. قال ابن إسحاق: وأتِيَ رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق -وكان عنده كنز بني النَّضير- فسأله فجحَد أن يكون يعلم مكانه؛ فأتِيَ رسولُ الله ﷺ برجل من يهود؛ فقال لرسول الله ﷺ : إني قد رأيمَا كِنانة يُطِيفُ بهذه الخَرِبَة كلّ غداة. فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك؟ قال: نعم؛ فأمر رسولُ الله ﷺ بالخربة فحُفِرَتْ؛ فأخرج منها بعض كنزهم؛ ثم سأله ما بقي، فأبى أنْ يؤديَه، فأمر به رسول الله ﷺ الزُّبيرَ بن العوام، فقال: عذِّبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزنده في صدرِه حتى أشرف على نفسه؛ ثم دفعه رسولُ الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. وحاصر رسول الله ﷺ أهلَ خيبر في حصْنيهم، الوطيح والسُّلالم؛ حتى إذا أيقنوا الهلَكَة سألوه أن يسيّرهم ويحقِن لهم دماءهم؛ ففعل. وكان رسول الله قد حاز الأموال كلها: الشِّقّ ونطاة والكتِيبة؛ وجميع حصونهم إلَّا ما كان من ذَينِكَ الحصنَين. فلما سمع بهم أهل فَدَك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيِّرهم ويحقن دماءهم لهم، ويخلُّوا له الأموال، ففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك مُحَيّصَة بن مسعود؛ أخو بني حارثة؛ فلما نزل أهلُ خيبر على ذلك؛ سألوا رسول الله أن يعامِلَهم بالأموال على النِّصف، وقالوا: نحن أعلمُ بها منكم؛ وأعمرُ لها؛ فصالحهم رسولُ الله ﷺ على النِّصف على أنا إذا شئنا أن نخرجَكم أخرجناكم؛ وصالحه أهل فدَك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يجْلِبُوا عليها بخيلٍ ولا ركاب (١). (٣: ١٣/ ١٤ / ١٥). ذكر مقاسم خيبر وأموالها ٢٧٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال:

стр. 2604

حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت المقاسم على أموال خيبر على الشِّقّ ونَطَاة والكَتِيبَة؛ فكانت الشِّقُّ ونَطاة في سُهمان المسلمين، وكانت الكتيبةُ خمس الله وخُمْس النبيّ ﷺ ؛ وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وطُعْم أزواج النبيّ، وطعم رجال مَشَوْا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فَدَك بالصُّلْح؛ منهم مُحَيِّصة بن مسعود، أعطاه رسولُ الله ﷺ منها ثلاثين وَسْق شعير، وثلاثين وَسْق تمر. وقُسِمَتْ خيبر على أهل الحديبيَة؛ مَنْ شهد منهم خيبر ومن غاب عنها، ولم يَغِبْ عنها إلَّا جابر بن عبد الله بن حَرام الأنصاريّ، فقسم له رسولُ الله ﷺ كسهم مَنْ حضرها (١). (٣: ١٩). ٢٧٨ - قال: ولما فرغ رسولُ الله ﷺ من خَيبر قذف الله الرُّعب في قلوب أهل فَدَك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر؛ فبعثوا إلى رسول الله يُصَالحونه على النِّصف من فَدَك، فقدمتْ عليه رُسُلهم بخيبر أو بالطائف، وإمّا بعد ما قدِم المدينة. فقبل ذلك منهم؛ فكانت فَدَك لرسول الله ﷺ خاصّة، لأنه لم يُوجفْ عليها بخيل ولا ركاب (٢). (٣: ٢٠). قال الواقديّ: في هذه السنة ردّ رسول الله ﷺ زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع؛ وذلك في المحرّم. ٢٧٩ - قال: وفيها قَدِمَ حاطبُ بن أبي بَلْتَعة من عند المُقَوْقس بمارية وأختها سيرين وبغلته دُلْدُل وحِمَاره يَعْفُور وكُسًا؛ وبعث معهما بخَصيّ فكان معهما، وكان حاطب قد دعاهما إلى الإسلام قبل أن يقدم بهما؛ فأسلمت هي وأختها، فأنزلهما رسول الله ﷺ على أمّ سلَيم بنت مِلْحان -وكانت ماريّة وضيئة- قال: فبعث النبيّ ﷺ بأختها سيرين إلى حسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان (٣). (٣: ٢١).

стр. 2605

٢٨٠ - قال: وفي هذه السنة اتّخذ النبيّ ﷺ مِنْبره الذي كان يخطبُ الناس عليه، واتخذَ درَجين ومقعدة. قال: ويقال: إنه عمل في سنة ثمان. قال: وهو الثبتُ عندنا. قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ عمرَ بن الخطاب في ثلاثين رجلًا إلى عَجُز هوازن بتُرَبَةَ، فخرج بدليل له من بني هلال؛ وكانوا يسيرون الليل، ويكمُنون النهار، فأتى الخبرُ هوازنَ فهربوا؛ فلم يلقَ كيدًا، ورجع (١). (٣: ٢٢). ٢٨١ - قال: وفيها سريّة أبي بكر بن أبي قُحافة في شعبان إلى نجد، قال سلَمة بن الأكوع: غزونا مع أبي بكر في تلك السنة. قال أبو جعفر: قد مضى خبرها قبل. قال الواقديّ: وفيها سرية بَشِير بن سعد إلى بني مُرَّة بفدَك في شعبان في ثلاثين رجلًا، فأصيب أصحابه وارْتُثَّ في القتلى، ثم رجع إلى المدينة (٢). (٣: ٢٢). قال الواقديّ: وفيها سريّة غالب بن عبد الله إلى بني عبد بن ثعلبة؛ ذكر أن عبد الله بن جعفر حدَّثه عن ابن أبي عون عن يعقوب بن عتبة، قال: ٢٨٢ - قال يسار مولَى رسول الله ﷺ : يا رسولَ الله؛ إني أعلم غِرَّةً من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معه غالب بن عبد الله في مئة وثلاثين رجلًا؛ حتى أغاروا علي بني عبد، فاستاقوا النَّعَم والشاء، وحَدَرُوها إلى المدينة (٣). (٣: ٢٢/ ٢٣). ٢٨٣ - قال: وفيها سريّة بشير بن سعد إلى يُمْن وجِنَاب في شوّال من سنة سبع، ذكر أن يحيى بن عبد العزيز بن سعيد حدَّثه عن سعد بن عبادة، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: الذي أهاج هذه السريّة: أن حُسَيل بن نويرة الأشجعيّ -وكان دليل رسول الله ﷺ إلى خيبر- قدِم على النبيّ ﷺ ، فقال:

стр. 2606

ما وراءك؟ قال: تركت جمعًا من غَطَفان بالجِنَاب قد بعث إليهم عُيينة بن حِصْن ليسيروا إليكم، فدعا رسول الله بشيرَ بن سعد، وخرج معه الدليل حُسَيل بن نويرة، فأصابوا نَعَمًا وشاءً؛ ولقيَهم عبدٌ لعُيينة بن حِصْن فقتلوه، ثم لقوا جمع عُيَينة؛ فانهزم، فلقيَه الحارث بن عوف منهزمًا، فقال: قد آن لك يا عيينة أن تقصر عما ترى (١). (٢٣: ٣). عمرة القضاء ٢٨٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن الحكَم بن عُتَيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: اصطفُّوا لرسول الله ﷺ عند دار النَّدْوة لينظروا إليه وإلى أصحابه؛ فلما دخل رسولُ الله المسجد، اضطبع بردائه، وأخرج عَضُدَه اليمنى، ثم قال: رَحمَ الله أمرأ أراهُم اليوم من نفسه قُوَّةً! ثم استلم الركن. وخرج يُهْرولُ ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراهُ البيت منهم؛ واستلم الرُّكْن اليمانيّ مشى حتى يستلم الأسود، ثم هَرْوَل كذلك ثلاثة أطواف؛ ومشى سائرها. وكان ابن عباس يقول: كان النَّاس يظنُّون أنها ليستْ عليهم؛ وذلك أنّ رسولَ الله إنما صنعها لهذا الحيّ من قريش للَّذي بلغه عنهم؛ حتى حج حجَّة الوداع، فرَمَلَها، فمضت السنّة بها (٢). (٣: ٢٣/ ٢٤). ٢٨٥ - قال ابن إسحاق: فأفام رسولُ الله ﷺ بمكّة ثلاثًا، فأتاه حُوَيطِبُ بن عبد العزّى بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل، في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش وكّلَتْه بإخراج رسولِ الله ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنّا، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : ما عليكم لو تركتموني

стр. 2607

فأعْرَسْتُ بين أظهركم فصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه! قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنّا. فخرج رسول الله ﷺ وخلّف أبا رافع مولاه على ميمونة؛ حتى أتاه بها بسرف، فبنَى عليها رسول الله هنالك، وأمر رسول الله أن يُبْدِلوا الهَدْيَ وأبدَل معهم، فعزَّتْ عليهم الإبل فرخّص لهم في البقر؛ ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة، فأقام بها بقيّة ذِي الحجة -وولي تلك الحجة المشركون- والمحرم وصفرًا وشهرَي ربيع، وبعث في جمادى الأولى بعثَهُ إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة (١). (٣: ٢٥). وقال الواقديّ: حدَّثني ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، قال: أمرهم رسولُ الله ﷺ أن يعتمروا في قابل قضاء لعمْرَة الحديبية، وأن يهدوا. قال: وحدَّثني عبدُ الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكُنْ هذه العمرة قضاءً، ولكن كان شرط على المسلمين أن يعتمروا قابلًا في الشهر الذي صَدَّهم المشركون فيه. قال الواقديّ: قول ابن أبي ذئب أحبُّ إلينا، لأنهم أحصِرُوا ولم يَصِلوا إلى البيت (٢). (٢٥: ٣). وقال الواقديّ: وحدَّثني عُبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن محمد بن إبراهيم، قال: ساقَ رسولُ الله ﷺ في عمرة القضاء ستين بَدَنة (٣). (٣: ٢٥). ٢٨٦ - قال: وحدَّثني مُعاذ بن محمد الأنصاريّ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: حمل السلاح والبيض والرّماح، وقاد مئة فرس، واستعمل على السلاح بشيرَ بن سعد، وعلى الخيل محمد بن مَسْلَمة، فبلغ ذلك قريشًا فراعهم؛ فأرسلوا مِكْرز بن حفص بن الأخيَف، فلقيه بمَرّ الظَّهْران، فقال له: ما عُرِفتُ صغيرًا ولا كبيرًا إلَّا بالوفاء؛ وما أريد إدخال السلاح عليهم؛ ولكن

стр. 2608

يكون قريبًا إليّ. فرجع إلى قريش فأخبرهم (١). (٣: ٢٦). قال الواقديّ: وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجاء السُّلَمِيّ إلى بني سُلَيم في ذي القعْدة؛ بعثه رسول الله ﷺ إليهم بعد ما رجع من مكة في خمسين رجلًا، فخرج إليهم. قال أبو جعفر: فلقيه -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر- بنو سليم، فأصيب بها هو وأصحابه جميعًا. قال أبو جعفر: أما الواقديّ فإنه زعم أنه نجا ورجع إلى المدينة وأصيب أصحابه (٢). (٣: ٢٦). ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة ففيها توفِّيتْ فيما زعم الواقديّ زينب ابنة رسول الله ﷺ عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر (٣). (٣: ٢٧). ٢٨٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجل من أسلم، عن شيخ منهم، أن شِعارَ أصحاب رسول الله ﷺ تلك الليلة كانت: أمتْ أمتْ (٤). (٣: ٢٨). قال الواقدي: كانت سرّية غالب بن عبد الله بضعةَ عشرَ رجلًا (٥). (٣: ٢٨). ٢٨٨ - قال: وفيها بعث رسولُ الله ﷺ العَلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوَى العبديّ، وكتب إليه كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبيّ رسولِ الله إلى المنذر بن ساوَى. سلامٌ عليك، فإنّي أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنَّ كتابك جاءني ورسلُك. وإنه مَنْ صلَّى صلاتَنا، وأكلَ ذبيحتَنا، واستقبَل قِبلَتنا فإنه مسلم؛ له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين،

стр. 2609

ومَنْ أبَى فعليه الجزية. قال: فصالحهم رسولُ الله ﷺ على أن على المجوس الجِزْية، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم (١). (٢٩: ٣) ٢٨٩ - قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ عمرَو بن العاص إلى جَيفَر وعبّاد ابني جُلَنْدَى بعُمَان، فصدَّقا النبيّ، وأقرّا بما جاء به، وصدَّق أموالهما، وأخذ الجزية من المجوس (٢). (٢٩: ٣). ٢٩٠ - قال: وفيها سريّة شجاع بن وهب إلى بني عامر، في شهر ربيع الأوّل في أربعة وعشرين رجلًا، فشنَّ الغارة عليهم، فأصابوا نعمًا وشاءً، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا؛ لكل رجل (٣). (٢٩: ٣). ٢٩١ - قال: وفيها كانت سرّية عمرو بن كعب الغِفاريّ إلى ذات أطلاح، خرج في خمسة عشر رجلًا؛ حتى انتهى إلى ذات أطلاح، فوجد جمعًا كثيرًا، فدعوْهم إلى الإسلام، فأبوْا أن يجيبوا، فقتلوا أصحابَ عمرو جميعًا وتحامل حتى بلغ المدينة. قال الواقديّ: وذات أطلاح من ناحية الشام، وكانوا من قُضاعة، ورأسهم رَجْلٌ يقال له: سَدُوس (٤). (٢٩: ٣). ٢٩٢ - قال: وفيها قدم عمرو بن العاص مسلِمًا على رسول الله ﷺ ، قد أسلم عند النجاشيّ، وقدم معه عثمان بن طلحة العبدريّ، وخالد بن الوليد بن المغيرة، قدموا المدينة في أوّل صفر (٥). (٢٩: ٣). ٢٩٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عمّن لا أتهم: أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلَما (٦). (٣: ٣١).

стр. 2610

ذكر ما في الخبر عن الكائن كان من الأحداث المذكورة في سنة ثمان من سني الهجرة فممّا كان فيها من ذلك توجيهُ رسولِ الله ﷺ عمرو بن العاص في جُمادى الآخرة إلى السّلاسل من بلاد قُضاعة في ثلاثمئة؛ وذلك أن أمّ العاص بن وائل - فيما ذكر - كانت قُضاعيّة، فذُكر أنّ رسولَ الله ﷺ أراد أن يتألّفهم بذلك، فوجّه في أهلِ الشرف من المهاجرين والأنصار، ثم استمدّ رسول ﷺ ، فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح على المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر في مئتين، فكان جميعهم خمسمئة (١). (٣: ٣١). غزوة الخَبط ٢٩٤ - قال الواقديّ: وفيها كانت غزوة الخَبط؛ وكان الأميرَ فيها أبو عبيدة بن الجراح، بعثه رسول الله ﷺ في رجب منها، في ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار قِبَل جُهَينة، فأصابهم فيها أزْلٌ شديد وجهدٌ، حتى اقتسموا التّمر عددًا (٢). (٣٢: ٣). قال عمرو: وحدثني بكر بن سوادة الجُذاميّ عن أبي جمرة، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك، إلَّا أنه قال: جهدوا؛ وقد كان عليهم قيس بن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، وقال: بعثهم في بَعْثٍ من وراء البحر؛ وإنّ البحرَ ألقى إليهم دابّه؛ فمكثوا عليها ثلاثة أيام يأكلون منها ويقدِّدون ويغرفون شحمها؛ فلما قدِموا على رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك من أمر قيس بن سعد، فقال رسول الله ﷺ : أن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، وقال في الحوت: لو نعلم أنّا نبلغه قبل أن يُرْوح لأحببنا أن لو كان عندنا منه شيء؛ ولم يذكر الخبَط ولا شيئًا سوى ذلك (٣). (٣: ٣٣).

стр. 2611

قال الواقديّ: وإنما سميت غزوة الخبَط، لأنهم أكلوا الخَبط حتى كأنَّ أشداقهم أشداق الإبل العَضِهة (١). (٣: ٣٣). قال: وفيها كانت سَرِيّة وجّهها رسول الله ﷺ في شعبان، أميرها أبو قتادة (٢) (٣: ٣٤). ٢٩٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدثني ابن إسحاق عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ، قال: تزوّجتُ امرأةً من قومي، فأصدقتُها مئتي درهم، فجئت رسولَ الله ﷺ أستعينه على نكاحي، فقال: وكم أصدقتَ؟ قلت: مئتي درهم يا رسول الله! قال: سبحان الله! لو كنتم إنَّما تأخذون الدراهم من بطن وادٍ ما زدتم! والله ما عندي ما أعينُك به. قال: فلبثتُ أيامًا؛ وأقبل رَجُلٌ من بني جُشَم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس -أو قيس بن رفاعة- في بطنٍ عظيم من جُشَم؛ حتى نزل بقومه ومَنْ معه بالغابة؛ يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله ﷺ . قال: وكان ذا اسمٍ وشرف في جُشَم. قال: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين، من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به؛ أو تأتونا منه بخبر وعلم. قال: وقدَّم لنا شارفًا عجفاء، فحمل عليها أحدنا؛ فوالله ما قامت به ضعفًا حتّى دَعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلّت وما كادت. ثم قال: تَبلَّغوا على هذهِ واعتقبوها. قال: فخرجنا ومعنا سلاحُنا من النّبل والسيوف؛ حتى جئنا قريبًا من الحاضر عُشَيشِيَةً مع غروب الشمس، فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبيّ، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبّرت وشدَدت على العسكر فكَبِّرا وشُدَّا معي. قال: فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّة أو نصيب منهم شيئًا غَشِيَنَا الليل حتى

стр. 2612

ذهبت فحمة العشاء؛ وقد كان لهم راعٍ قد سرَح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوّفوا عليه. قال: فقام صاحبهُم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفَه، فجعله في عنقه ثم قال: والله لأتبعنَّ أثر راعينا هذا؛ ولقد أصابه شرٌّ. فقال نَفرٌ ممّن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك! فقال: والله لا يذهب إلَّا أنا، قالوا: فنحنُ معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد. قال: وخرج حتى مرّ بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلّم، ووثبتُ إليه فاحتززت رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر وكبَّرت؛ وشدّ صاحباي وكبّرا؛ فوالله ما كان إلا النَّجاء ممَّن كان فيه عندك بكلّ ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم؛ وما خفّ معهم من أموالهم. قال: فاستقنا إبلًا عظيمة، وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معي قال فأعانني رسول الله ﷺ من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرًا، فجمعتُ إليَّ أَهلي (١). (٣: ٣٤/ ٣٥). ٢٩٦ - وأما الواقديّ، فذكر أن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمَةَ، حدّثه عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ بعث ابن أبي حَدْرَد في هذه السريّة مع أبي قَتادة، وأنَّ السريّة كانت ستة عشر رجلًا، وأنَّهم غابوا خمس عشرة ليلة، وأن سُهمانهم كانت اثني عشر بعيرًا يُعْدَلُ البعير بعشرٍ من الغنم، وأنهم أصابوا في وُجوههم أربعَ نسوة؛ فيهنّ فتاة وضيئة، فصارت لأبي قتادة، فكلَّم مَحْمِيَة بن الجَزْء فيها رسولَ الله ﷺ ، فسأل رسولُ الله ﷺ أبا قتادة عنها، فقال: اشتريتها من المغنم، فقال: هبْها لي، فوهبها له، فأعطاها رسولُ الله محمية بن جَزْء الزُّبيديّ (٢). (٢: ٣٥). وقال الواقديّ: إنّما كان رسولُ الله ﷺ بعثَ هذه السريّة حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان، وكانوا ثمانيةَ نفر (٣). (٣: ٣٦).

стр. 2613

ذكر الخبر عن غزوة مؤتة ٢٩٧ - قال ابن إسحاق فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عنه، قال: لما رجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينة من خَيبر؛ أقام بها شهرَي ربيع، ثم بعث في جمادى الأولى بَعثَه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة (١). (٣: ٣٦). ثم إن القوم تهيَّؤوا للخروج، فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله ﷺ فودَّعه، ثم خرج القوم، وخرج رسول الله يشُيّعهم؛ حتى إذا ودَّعهم وانصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة: خَلَفَ السَّلامُ على امْرِيءٍ ودَّعْتُهُ ... في النَّخْلِ خَيرَ مُشَيّعٍ وخَلِيلِ ثم مضوا حتى نزلوا مُعان من أرض الشام؛ فبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضمّت إليه المستعربة من لَخْمٍ وجُذام وبلقَين وَبهْراء وبَلِيّ في مئة ألف منهم؛ عليهم رجلٌ من بَلِيّ، ثم أحد إرَاشة يقال له: مالك بن رافلة، فلمَّا بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مُعان ليلتَين، ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ونخبره بعدد عدونا، فإما أن يُمِدَّنا برجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، وقال: يا قوم؛ والله إنَّ الذي تكرهون، لَلَّذي خرَجْتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلَّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلِقوا، فإنما هي إحدَى الحسْنَيَين؛ إما ظهور؛ وإمّا شهادة، فقال الناس: قد والله صَدَق ابنُ رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في مَحبسهم ذلك: جَلَبْنَا الخيلَ من آجامِ قُرْحٍ ... تغَرُّ مِنَ الحَشِيشِ لها العكُومُ حذوناها من الصَّوَّان سِبتًا ... أزل كأن صفحته أديم أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم فرُحنا والجياد مسومات ... تَنفَّس في مناخرها السَّموم فلا وأبى مآب لنأتينها ... ولو كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنَّتها فجاءت ... عوابسَ والغبارُ لها بريم

стр. 2614

بذي لجبٍ كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانِسُها النجوم فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتنا فتنكح أو تئيم ثم مضى الناس. (٣: ٣٧/ ٣٨) (١). ٢٩٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه حدَّث عن زيد بن أرْقم، قال: كنتُ يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حِجْره، فخرج في سفره ذلك مُرْدفِي على حَقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلةً إذ سمعته وهو يتمثّل أبياته هذه: إذَا أدَّيتِنِي وَحَمَلْتِ رحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الحِسَاءِ فشَأْنُكِ أنْعُمٌ وَخَلاكِ ذَمٌّ ... ولا أَرجِع إلى أَهْلي وَرَائِي وجاءَ المسلمون وغادَرُوني ... بأرض الشام مشتهِيَ الثَّواءِ وَرَدَّكِ كلُّ ذي نَسَبٍ قرِيبٍ ... إلى الرَّحمنِ مُنْقَطِعَ الإخَاء هنالك لا أُبالي طَلْعَ بَعْلٍ ... ولا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِواءُ قال: فلما سمعتهنّ منه بكيت، فخفقني بالدِّرَّة، وقال: ما عليك يا لُكَع! يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شُعْبَتَي الرَّحْل! ثم قال عبد الله في بعض شعره وهو يرتجز: يا زَيدَ زيدَ اليَعْمُلاتِ الذّبَّلِ ... تطاول اللَّيلُ هُدِيتَ فانْزِلِ قال: ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتُخوم البلقاء، لَقِيتْهم جموع هِرَقل من الرّوم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مَشَارِف. ثم دنا العدُوُّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مُؤْتة؛ فالتقى الناس عندها، فتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عُذْرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عَبَايَة بن مالك، ثم التقى الناس؛ فاقتتلوا؛ فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم؛ ثم أخذها جعفر بن أبي طالب؛ فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء

стр. 2615

فعقرها، ثم قاتل القوم حمى قُتِل؛ فكان جعفرٌ أوّلَ رجل من المسلمين عَقَر في الإسلام فرسه (١). (٣: ٣٨/ ٣٩). ٢٩٩ - قال: وقد كان قُطْبَة بن قتادة العذريّ الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة قائد المستعربة فقتله. قال: وقد قالت كاهنة من حَدَس حين سمعت بجيش رسول الله ﷺ مقبلًا قد قالت لقومها من حَدَس -وقومها بطن يقال لهم: بنو غَنْم-: أنْذِرُكم قومًا خُزْرًا، ينظرون شَزْرًا، ويقودون الخيل بُترًا، ويُهريقون دمًا عَكْرًا. فأخذوا بقولها؛ فاعتزلوا من بين لَخْم؛ فلم يزالوا بعدُ أثْرَى حَدَس. وكان الذين صَلَوُا الحرب يومئذ بنو ثعلبة؛ بطن من حَدَس؛ فلم يزالوا قليلًا بعد؛ ولما انصرف خالد بن الوليد بالناس أقبل بهم قافلًا (٢). (٣: ٤١/ ٤٢). ٣٠٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دَنوْا من دخول المدينة، تلقاهم رسولُ الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابّه، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابنَ جعفر؛ فأتِيَ بعبد الله بن جعفر فأخذه، فحمله بين يديه، قال: وجعل الناس يحثُون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرَّار! فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله: ليسوا بالفُرَّار؛ ولكنهم الكُرَّار؛ إن شاء الله! (٣). (٣: ٤٢).

стр. 2616

٣٠١ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ عن بعض آل الحارث بن هشام -وهم أخواله- عن أم سلمة زوْج النبيّ ﷺ ، قال: قالت أمّ سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلَمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين! قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلَّما خرج صاح الناس: أفَرَرتم في سبيل الله! حتى قعد في بيتهِ، فما يخرج. وفيها غزا رسول الله ﷺ أهل مكة (١). (٣: ٤٢). ذكر الخبر عن فتح مكة ٣٠٢ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق، قال: ثمّ أقامَ رسولُ الله ﷺ بالمدينة بعد بعثه إلى مُؤتة جمادى الآخرة، ورجب. ثم إنَّ بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له: الوتير. وكان الذي هاج ما بين بني بكر وبني خُزاعة رجلٌ من بَلْحضرميّ، يقال له: مالك بن عبَّاد -وحِلْف الحضرميّ يومئذ إلى الأسود بن رَزْن- خرج تاجرًا، فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه؛ وأخذوا ماله؛

стр. 2617

فعدتْ بنو بكْر على رجل من خُزاعة فقتلوه، فعَدتْ خُزاعة قُبيل الإسلام علي بني الأسود بن رَزْن الدّيليّ؛ وهم مَنْخَر بني بكر وأشرافهم: سلْمى، وكلثوم، وذؤيب؛ فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم (١). (٣: ٤٢/ ٤٣) ٣٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدثنا سلَمة، قالِ: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجل من بني الدِّيل، قال: كان بنو الأسود يُودَوْن في الجاهليّة دِيَتَين ديتين، ونُودى دية ديةً لفضلهم [فينا] (٢). (٣: ٤٣). قال الواقديّ: كان ممن أعان من قريش بني بكر على خُزاعة ليلتئذٍ بأنفسهم متنكّرين صَفْوان بن أميّة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وسُهَيل بن عمرو؛ مع عيرهم وعبيدهم (٣). (٤٤: ٣). ومضى بُديل بن ورقاء وأصحابه، فلقُوا أبا سفيان بعُسفان، قد بعثتْه قريش إلى رسول الله ليشدّد العقد ويزيد في المدّة؛ وقد رهبوا الذي صنعوا؛ فلما لقيَ أبو سفيان بُديلًا، قال: مِنْ أين أقبلت يا بديل؟ . وظنَّ أنه قد أتى رسولَ الله، قال: سِرْت في خُزاعة في السَّاحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أوَ ما أتيتَ محمدًا؟ قال: لا. قال: فلما راح بُديل إلى مكَّة قال أبو سفيان: لئنِ كان جاء المدينة لقد عَلَف بها النَّوى؛ فعَمد إلى مَبْرَك ناقته، فأخذ من بعرها ففتَّه؛ فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمدًا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدِم على رسولِ الله ﷺ المدينة؛ فدخل على ابنتِه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلما ذهب ليجلس على فِراش رسول الله ﷺ ، طوَتْه عنه، فقال: يا بنيَّة! والله ما أدرِي أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنّي! قالت: بل هو فراشُ رسول الله، وأنت رجل مشرك نجِس، فلم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله، قال: والله لقد أصابكِ يا بنيّة بعدي شرٌّ! ثم خرَج حتى أتى رسولَ الله ﷺ ، فكلَّمه فلم يردُدْ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلِّم له رسولَ الله، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمَر بن الخطاب، فكلَّمه

стр. 2618

فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فوالله لو لم أجدْ إلا الذرَّ لجاهدتُكم. ثم خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-، وعنده فاطمة ابنة رسول الله، وعندها الحسن بن عليّ؛ غلامٌ يَدِبُّ بين يديها، فقال: يا عليّ! إنك أمسُّ القوم بي رَحِمًا، وأقربُهم منّي قرابة، وقد جئتُ في حاجة؛ فلا أرجعَنَّ كما جئت خائبًا، اشفع لنا إلى رسول الله! قال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عَزَمِ رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلِّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: يابنة محمَّد؛ هل لكِ أن تأمري بُنيَّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيِّد العرب إلى آخر الدهر! قالت: والله ما بلغ بُنَيِّي ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله أحد. قال: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليّ فانصحني. فقال له: والله ما أعلمُ شيئًا يُغني عنك شيئًا، ولكنَّك سيّد بني كنانة؛ فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحقْ بأرضك. قال: أوَ ترَى ذلك مُغْنيًا عني شيئًا! قال: لا والله ما أظنّ؛ ولكن لا أجدُ لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيّها الناس؛ إني قد أجَرْتُ بين الناس؛ ثم ركب بعيره فانطلق (١). (٣: ٤٦/ ٤٧). فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلَّمته، فوالله ما ردَّ عليّ شيئًا، ثم جئت ابنَ أبي قُحافة، فلم أجد عنده خيرًا، ثم جئت ابنَ الخطاب؛ فوجدته أعْدَى القوم، ثمّ جئت عليّ بن أبي طالب، فوجدته أليَنَ القوم؛ وقد أشار عليّ بشيء صنعتُه؛ فوالله ما أدري هل يغنيني شيئًا أم لا! قالوا: وبماذا أمَرَك؟ قال: أمرني أن أجيرَ بين الناس ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد على أن لَعِبَ بك، فما يُغني عنَّا ما قلت، قال: لا والله، ما وجدتُ غير ذلك، قال: وأمرَ رسولُ الله ﷺ الناس بالجهاز؛ وأمر أهله أن يجهّزوه؛ فدخل أبو بكر على ابنتهِ عائشة وهي تحرّك بعض جِهاز رسول الله ﷺ ، فقال: أي بنَية! أأمركم رسول الله بأن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهَّز، قال: فأين ترينَه يريد؟ قالت: والله ما أدري (٢). (٣: ٤٧). ثم إنَّ رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة؛ وأمرهم بالجدّ والتهيُّؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتها في بلادها.

стр. 2619

فتجهَّز الناس، فقال حسان بن ثابت الأنصاري يُحرِّضُ الناس، ويذكر مصابَ رجال خُزاعة: أَتانِي ولم أَشْهَدْ ببطْحَاءِ مكَّة ... رجال بني كعب تُحَزُّ رقابُها بأيدي رجالٍ لم يَسُلُوا سيوفهم ... وقتلَى كثيرٌ لم تُجَنَّ ثيابُها ألا ليت شعرِي هل تَنالنَّ نُصْرَتِي ... سُهَيلَ بنَ عمرو حرُّها وَعِقَابُها! وصفْوان عَوْدٌ حُزَّ من شُفُرِ اسْتِهِ ... فهذَا أَوَانُ الْحَربِ شُدّ عصَابُها فلا تأمننَّا بابن أُمِّ مُجَالدٍ ... إذا احتُلبتْ صِرْفًا وأعصَلَ نابُها فلا تجْزَعُوا منْها فإنَّ سيوفنا ... لَهَا وقعةٌ بالموْت يُفْتَحُ بابُها وقول حسان: بأيدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيوفَهمْ يعني: قريشًا. وابن أمّ مجالد، يعني: عِكْرمة بن أبي جَهْل (١). (٣: ٤٧/ ٤٨). ٣٠٤ - وقال الواقديّ: خرج رسولُ الله ﷺ إلى مكّة، فقائلٍ يقول: يريد قريشًا، وقائل يقول: يريد هَوازن، وقائل يقول: يريد ثقِيفًا؛ وبعث إلى القبائل فتخلّفت عنه؛ ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرّايات حتى قدم قُدَيدًا، فلقيتْه بنو سُليم على الخيل والسلاح التامّ؛ وقد كان عُيينة لحقَ رسول الله بالعَرْج في نفر من أصحابه، ولحقه الأقرع بن حابس بالسُّقْيَا، فقال عيينة: يا رسولَ الله؛ والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجّه يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : حيث شاء الله. ثم دعا رسول الله ﷺ أن تعمى عليهم الأخبار؛ فنزل رسولُ الله ﷺ مَرَّ الظَّهْران، ولقيه العباس بالسُّقيا، ولقيه مخرمة بن نوفل بنِيق العُقاب (٢). (٣: ٥١/ ٥٢). ٣٠٥ - وحُدِّثت أن النبيّ ﷺ قال لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتِلا إلَّا مَنْ قاتلكما؛ فلمّا قدم خالد علي بني بكْر والأحابيشُ بأسفل مكة. قاتلهم فهزمهم الله ، ولم يكن بمكّة قتال غير ذلك؛ غير أن كُرْز بن جابر أحد بني محارب بن فهْر وابن الأشعر -رجلًا من بني كعب- كانا في خيل الزبير فسلكَا

стр. 2620

كَدَاء، ولم يسلُكا طريق الزُّبَيْر الذي سلك، الذي أمِر به، فقدما على كتيبة من قريش مهبط كَداء فقُتِلا؛ ولم يكن بأعلى مكة من قِبَلِ الزبير قتال؛ ومن ثمَّ قدم النبيّ ﷺ ، وقام الناس إليه يبايعونه؛ فأسلم أهلُ مكّة، وأقام النبيّ ﷺ عندهم نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هَوازن وثَقيف فنزلوا بحُنَين (١). (٥٦: ٣). ٣٠٦ - وحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نَجيح، أن النبيّ ﷺ حين فرَّق جيشه مِنْ ذي طَوىً، أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كُديَّ؛ وكان الزبير على المُجنِّبة اليسرى، فأمر سعد بن عبادة أن يدخُل في بعض الناس من كَدَاء (٢). (٣: ٥٦). ٣٠٧ - فزعم بعضُ أهل العلم أن سعدًا قال حين وجه داخلًا: "اليوم يوم المَلحَمَة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمة". فسمعها رجل من المهاجرين، فقال: يا رسول الله! اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن تكون له في قريش صوْلةٌ! فقال رسول الله ﷺ لعليّ بن أبي طالب: أدركْه فخُذ الراية، فكن أنتَ الذي تدخُل بها (٣). (٣: ١٦). ٣٠٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صفوان بن أمَيَّة، وعِكْرمة بن أبي جَهْل، وسُهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخندمة ليقاتلوا؛ وقد كان حِمَاسُ بن قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل أن يدخل رسولُ الله ﷺ مكة ويُصلح منها، فقالت له امرأته: لمَاذا تعدّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أُخْدِمَك بعضَهم، فقال: إن تُقبلوا اليومَ فما لي عِلَّهْ ... هذَا سلاحٌ كامل وأَلّهْ وذُو غِرَارَينِ سرِيعُ السَّلَّهْ

стр. 2621

ثم شهد الخَنْدمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة، فلمَّا لقيَهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد نَاوَشُوهم شيئًا من قتال، فقُتِل كُرْزُ بن جابر بن حِسْل بن الأجَبّ بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وحُبَيش بن خالد، وهو الأشعر بن ربيعة بن أصرم بن ضبِيس بن حرَام بن حَبَشِيَّة بن كعب بن عمرو؛ حليف بني منْقَذ -وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذَّا عنه، وسلكا طريقًا غير طريقه، فقتلا جميعًا- قُتل خُنيس قبل كُرْز بن جابر؛ فجعله كرز بين رجليه؛ ثم قاتل حتى قُتِل وهو يرتجز، ويقول: قد علمتْ صَفْوَاءُ من بني فِهَر ... نَقِيَّةُ الوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدِرْ لأضْربنَّ اليومَ عن أبي صَخِرْ وكان خُنيس يكنى بأبي صَخْر؛ وأصيب من جُهينةَ سلَمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين أناسٌ قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر. ثم انهزموا، فخرج حِمَاس منهزمًا؛ حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدتِ يوم الخَنْدَمَهْ ... إذْ فرَّ صفوان وفرَّ عِكْرِمَهْ وأبو يزيدَ قائمٌ كالمؤتِمهْ ... واستْقَبَلَتْهُم بالسيوف المُسْلمَهْ يَقْطَعن كلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَهْ ... ضرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَهْ لهم نهِيتٌ خَلْفَنَا وهَمْهَمَهْ ... لم تَنْطِقِي في اللَّوْمِ أدْنَى كَلِمَهْ (١) (٣: ٥٧/ ٥٨). ٣٠٩ - وقال الواقديّ: أمر رسول الله ﷺ بقتل ستة نفر وأربع نسوة، فذكر من الرجال مَنْ سمَّاه ابن إسحاق، ومن النساء هند بنت عُتْبة بن ربيعة، فأسلمت وبايعت، وسارَة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف قتلت يومئذ، وقُريبَة؛ قتلت يومئذ، وفرتنَى عاشت إلى خلافة عثمان (٢). (٣: ٦٠). ٣١٠ - يا معشر قريش؛ إنَّ الله قد أذهب عنكم نَخْوة الجاهلية وتعظُّمَها

стр. 2622

بالآباء. الناسُ من آدَمَ؛ وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... ﴾ لآية. يا معشر قريش، ويا أهل مكة؛ ما تُرَوْن أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريمٌ وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبُوا فأنتم الطُّلَقاء. فأعتقهم رسولُ الله ﷺ ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عَنْوة، وكانوا له فيئًا، فبذلك يسمَّى أهل مكة الطلقاء (١). (٣: ٦١). ٣١١ - ثمّ اجتمع الناس بمكَّة لبيَعةِ رسول الله ﷺ على الإسلام، فجلس لهم -فيما بلغني- على الصَّفَا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفلَ من مجلسه يأخذ على الناس. فبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ولرسوله -فيما استطاعوا- وكذلك كانت بيعتُه لمن بايع رسولَ الله ﷺ من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسولُ الله ﷺ من بيعة الرّجال بايعَ النساء، واجتمع إليه نساءٌ من نساء قريش؛ فيهنَّ هند بنت عُتْبة، متنقّبة متنكّرة لحدَثِها وما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذَها رسولُ الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنوْن منه ليبايعنَه قال

стр. 2623

رسولُ الله ﷺ -فيما بلغني-: تبايعْنَنِي على ألَّا تشركْن بالله شيئًا! فقالت هند: والله إنَّك لَتأخذ علينا أمرًا ما تأخذه على الرّجال وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقْنَ، قالت: والله إن كنتُ لأصيب من مال أبي سفيان الهَنَة والهنَة، وما أدري أكان ذلك حِلًّا لِي أم لا! فقال أبو سفيان وكان شاهدًا لما تقول: أمَّا ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه في حِلٍّ، فقال رسولُ الله ﷺ : وإنَّكِ لهند بنت عتبة! فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعفُ عمَّا سلف عفا الله عنك! قال: ولا تزنينَ، قالت: يا رسولَ الله، هل تزني الحرّة! قال: ولا تقتلْنَ أولادَكُنَّ، قالت: قد رَبَّيناهم صغارًا، وقتلتَهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرَب. قال: ولا تأتينَ ببهتان تفترينَه بين أيديكُنَّ وأرجلكُنَّ، قالت: والله إنَّ إتيان البهتان لقبيح؛ ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلسَ ونحن نريد أن نعصيَكَ في معروف، فقال رسولُ الله ﷺ لعمر: بايعهنَّ واستغْفِر لهنّ رسولَ الله، فبايعهنَّ عُمر، وكان رسول الله ﷺ لا يُصَافِحُ النساء، ولا يمسّ امرأة ولا تمسُّه إلَّا امرأة أحلَّها الله له، أو ذات مَحْرَمٍ منه (١). (٣: ٦١/ ٦٢). ٣١٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن أبان بن صالِح: أن بيعة النساء قد كانت على نحوين -فيما أخبره بعض أهل العلم- كان يوضَع بين يدي رسول الله ﷺ إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهنَّ وأعطينَه غمسَ يدَه في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساءُ أيديهنَّ فيه. ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهنَّ، فإذا أعطينَه ما شرط عليهنَّ، قال: اذهبْنَ فقد بايعتُكنَّ، لا يزيد على ذلك (٢). (٣: ٦٢). ٣١٣ - قال الواقديّ: فيها قتل خِرَاشُ بن أميّة الكعبيّ جُنَيدبَ بن الأدْلع الهُذلِيّ -وقال ابن إسحاق: ابن الأثْوَع الهذليّ- وإنما قتله بذَحْل، كان في الجاهليّة، فقال النبيّ ﷺ : إنَّ خراشًا قتَّال؛ إن خراشًا قتَّال! يَعِيبُه بذلك، فأمر

стр. 2624

النبيّ ﷺ خُزَاعَةَ أن يَدُوه (١). (٣: ٦٢/ ٦٣). ٣١٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير -قال محمد بن إسحاق: ولا أعلمه إلَّا وقد حدَّثني عن عروة بن الزبير- قال: خرج صَفْوان بن أميّة يريد جُدَّة، ليركب منها إلى اليمن، فقال عُمير بن وهب: يا نبيّ الله، إنَّ صفوان بن أميّة سيّد قومه، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر؛ فأمِّنْه صلَّى الله عليك! قال: هو آمِنٌ، قال: يا رسول الله، أعطِنِي شيئًا يعرف به أمانك؛ فأعطاه عمامته التي دخل فيها مكة؛ فخرج بها عُمير حتى أدركه بجُدَّة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان، فِداك أبي وأمي! أذكِّرك اللهَ في نفسك أن تُهْلِكَها! فهذا أمانٌ من رسول الله قد جئتك به، قال: ويلك! اغرُبْ عَنِّي فلا تكلّمني! قال: أي صفوان! فداك أبي وأمّي! أفضلُ الناس، وأبرّ الناس، وأحلمُ الناسُ، وخيرُ الناس، ابن عمّتك، عِزُّه عِزّك، وشرفه شرفك، ومُلْكه ملكك! قال: إنّي أخافه على نفسي، قال: هو أحلَمُ من ذلك وأكرمُ؛ فرجع به معه، حتى قدِم به على رسول الله ﷺ . فقال صَفْوان: إنَّ هذا زعم أنك قد أمَّنتَني، قال: صدق، قال: فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر (٢). (٣: ٦٣). ٣١٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الزّهري، أنّ أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام وفاخِتَةَ بنت الوليد -وكانت فاختة عند صفوان بن أميّة، وأمّ حَكِيم عند عكْرمة بن أبي جهل- أسلمتا، فأما أم حكيم فاستأمنت رسولَ الله لعكرمة بن أبي جهل فآمنَه، فلحقت به باليمن، فجاءَتْ به؛ فلمَّا أسلم عِكْرمة وصفوان، أقرَّهما رسول الله ﷺ عندهما على النّكاح الأول (٣). (٣: ٦٣). ٣١٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق: لما دخلَ رسولُ الله ﷺ مكّة هرب هبَيرَةُ بن أبي وهب المخزوميّ

стр. 2625

وعبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهْمي إلى نَجْران (١). (٣: ٦٤). ٣١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاريّ؛ قال: رمَى حسَّانُ عبدَ الله بن الزِّبَعْرى وهو بنجْران ببيت واحد، ما زاده عليه: لا تَعْدَمَنْ رجلًا أَحَلَّكَ بُغْضُهُ ... نَجْرَانَ في عَيشٍ أَحَذَّ لئِيم فلما بلغ ذلك ابنَ الزِّبعَرى، رجع إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال حين أسلم: يا رسولَ المليكِ إِنَّ لسانِي ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ إذْ أُبَارِي الشيطانَ في سننِ الرِّيـ ... ـح ومَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ آمَنَ اللَّحْمُ والعِظَامُ لرَبِّي ... ثم نفْسي الشهيدُ أنْتَ النَّذِيرُ إنّني عنكَ زاجِرٌ ثَمَّ حَيٌّ ... من لؤيٍّ فكُلُّهم مَغْرُورُ وأما هُبيرة بن أبي وَهْب، فأقام بها كافرًا، وقد قال حين بلغه إسلامُ أمّ هانئ بنت أبي طالب وكانت تحته، واسمها هند: أشَاقتك هِنْدٌ أم نآك سؤَالُها ... كذَاك النَّوَى أسبابُها وانفتالُها (٢) (٣: ٦٤). ٣١٨ - قال الواقديّ: في هذه السنة تزوّج رسولُ الله ﷺ مليكة بنت داود الليثِيَّة، فجاء إليها بعضُ أزواج النبي ﷺ ، فقالت لها: ألا تسْتَحِيين حين تزوّجين رجُلًا قتل أباك! فاستعاذت منه؛ وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رسول الله؛ وكان قتل أباها يوم فتح مكة (٣). (٣: ٦٥). ٣١٩ - قال الواقديّ: وفيها هُدِم سُواع؛ وكان برهاط لهذيل، وكان حَجَرًا؛ وكان الذي هدَمه عمرو بن العاص لما انتهى إلى الصَّنم؛ قال له السَّادن: ما تريد؟ قال: هَدْم سُواع، قال: لا تطيق تهدمُه، قال له عمرو بن العاص: أنت في الباطل بعد! فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئًا، ثم قال عمرو للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت والله.

стр. 2626

وفيها هدم مناة بالمشلّل، هدمه سعد بن زيد الأشهليُّ، وكان للأوس والخزرج (١). (٣: ٦٦). مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك ٣٢٠ - وفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بني جُذَيمة، وكان من أمره وأمرهم ما حدَّثنا به ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: قد كان رسولُ الله ﷺ بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله ؛ ولم يأمرهم بقتال؛ وكان ممَّن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تِهامة داعيًا، ولم يبعثه مقاتِلًا؛ فوطئ بني جذيمة، فأصاب منهم (٢). (٣: ٦٦). ٣٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حُنَيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: بعث رسولُ الله ﷺ حين افتتح مكة خالدَ بن الوليد داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا، ومعه قبائل من العرب: سُليم ومُدْلِج، وقبائل من غيرهم؛ فلمَّا نزلوا على الغُمَيصاء -وهي ماء من مياه بني جُذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة- على جماعتهم، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عَوْف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة -وكانا أقبلا تاجرين من اليمن- حتى إذا نزلا بهم قتلوهما؛ وأخذوا أموالهما، فلمَّا كان الإسلام، وبعث رسولُ الله ﷺ خالدَ بن الوليد، سار حتى نزل ذلك الماء؛ فلمَّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح، فإنَّ الناس قد أسلموا (٣). (٣: ٦٦/ ٦٧). ٣٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهل العلم عن رجل من بني جُذيمة، قال: لما أمرَنا خالدٌ بوضع السّلاح، قال رجل منّا يقال له: جَحْدَم: ويلكم يا بني جذيمة! إنَّه خالد! والله

стр. 2627

ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، ثمّ ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق؛ والله لا أضع سلاحي أبدًا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفِك دماءنا! إنَّ الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمِن الناس؛ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتِفُوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل مَنْ قَتَل منهم. فلما انتهى الخبرُ إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السّماء، ثم قال: اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد! ثم دعا عليَّ بن أبي طالب ﵇، فقال: يا علي: اخرج إلى هؤلاء القوم؛ فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج حتى جاءهم ومعه مالٌ قد بعثه رسول الله ﷺ به، فودَى لهم الدماء وما أصيب من الأموال؛ حتى إنه لَيدِي مِيلغَةَ الكلب؛ حتى إذا لم يبقَ شيء من دم ولا مال إلَّا وَدَاه، بقيتْ معه بقيّة من المال. فقال لهم عليٌّ ﵇ حين فرغ منهم: هل بقيَ لكم دم أو مال لم يودَ إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أعطيكم هذه البقيّة من هذا المال احتياطًا لرسولِ الله ﷺ ممَّا لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثمَّ رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم قامَ رسولُ الله ﷺ ، فاستقبل القبلة قائمًا شاهرًا يديه؛ حتى إنه ليُرى بياضُ ما تحت منكبيه؛ وهو يقول: اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات! (١) (٣: ٦٧/ ٦٨). ٣٢٣ - قال ابن إسحاق: وقد قال بعض مَنْ يَعْذِرُ خالدًا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حُذافة السهميّ، وقال: إنَّ رسولَ الله قد أمرك بقتلهم لامتناعهم من الإسلام، وقد كان جَحْدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم، ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة! ضاع الضّرب، قد كنت حذّرتكم ما وقعتم فيه (٢)! (٣: ٦٨). ٣٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني

стр. 2628

عبد الله بن أبي سَلمة، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف -فيما بلغني- كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهليّة في الإسلام! فقال: إنّما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت قد قتلتُ قاتل أبي، ولكنك إنما ثأرت بعمّك الفاكِه بن المغيرة؛ حتى كان بينهما شيءٌ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: مهلًا يا خالد! دع عنك أصحابي؛ فوالله لو كان لك أحُدٌ ذهبًا ثم أنفقتَه في سبيل الله؛ ما أدركت غَدْوةَ رجل من أصحابي ولا رَوْحته (١). (٣: ٦٨). ذكر الخبر عن غزوة رسول الله ﷺ هوازن بحنين ٣٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: أنه حدَّث أن مالك بن عوف بعث عيونًا من رجاله لينظروا له، ويأتوه بخبر الناس؛ فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالُهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْق؛ فوالله ما تماسَكْنا أن أصابَنا ما ترى! فلم ينهَهُ ذلك عن وجهه؛ أن مضى على ما يريد (٢). (٣: ٧٢). ٣٢٦ - ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر والأزلام معه في كنانته، وصرخ كلدة بن الحنبل -وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك

стр. 2629

في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك! فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري -وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدًا قال: فأردت رسول الله لأقتله فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي فلم أطق ذلك. وعلمت أنه قد منع مني. (٣: ٧٤ - ٧٥) (١). ٣٢٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن أبيه، أنه حدَّث عن جُبير بن مُطعِم، قال: لقد رأيتُ قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثلَ البِجَاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم؛ فنظرت فإذا نملٌ أسود مبثوثٌ قد ملأ الوادي؛ فلم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلَّا هزيمة القوم (٢). (٣: ٧٧). ٣٢٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: فلمَّا انهزمت هوازن استحرّ القتل من ثَقيف ببني مالك، فقُتِل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حُبيِّب؛ جَدُّ ابن أمّ حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار، فلمَّا قُتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قُتل (٣). (٣: ٧٧). ٣٢٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق

стр. 2630

عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود، قال: لمَّا بلغ رسولَ الله ﷺ قتلُ عثمان، قال: أبعَدَه الله! فإنه كان يبغِض قريشًا (١). (٣: ٧٧). ٣٣٠ - حدَّثنا عليّ بن سهل، قال: حدَّثنا مؤمّل عن عُمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبيّ ﷺ يوم حُنين على بغلة بيضاء، يقال لها دُلْدُل، فلمَّا انهزم المسلمون، قال النبيّ ﷺ لبغلته: البُدِي دُلْدُل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبيّ ﷺ حَفْنَةً من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: "حم لا يُنصَرون! ". فولّى المشركون مُدْبرين، ما ضربَ بسيف ولا طعن برمْح ولا رمى بسهم (٢). (٣: ٧٨). ٣٣١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نَصرانيٌّ أغرلُ. قال: فبينا رجلٌ من الأنصار يستلب قتلَى من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبَه، فوجده أغرل، فصرخ بأعلَى صوته: يعلم الله أن ثقيفًا غُرْل ما تختِتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنَّا في العرب، فقلت: لا تقُلْ ذلك فداك أبي وأمي! إنما هو غلامٌ لنا نصرانيٌّ، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم مُختَّنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلمَّا هُزِم الناس أسند رايتَه إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمّه وقومه من الأحلاف، فلم يُقتَل منهم إلَّا رجلان؛ رجل من بني غِيَرَة يقال له: وهب، وآخر من بني كُنَّة يقال له: الجُلاح، فقال رسولُ الله ﷺ بلَغه قتل الجُلاح: قُتل اليوم سيد شباب ثَقِيف؛ إلا ما كان من ابن هُنَيدة، وابنُ هنيدة، الحارث بن أوْس (٣). (٣: ٧٨).
следующие страницы →