← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وفيها هدم مناة بالمشلّل، هدمه سعد بن زيد الأشهليُّ، وكان للأوس والخزرج (١). (٣: ٦٦). مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك ٣٢٠ - وفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بني جُذَيمة، وكان من أمره وأمرهم ما حدَّثنا به ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: قد كان رسولُ الله ﷺ بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله ؛ ولم يأمرهم بقتال؛ وكان ممَّن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تِهامة داعيًا، ولم يبعثه مقاتِلًا؛ فوطئ بني جذيمة، فأصاب منهم (٢). (٣: ٦٦). ٣٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حُنَيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: بعث رسولُ الله ﷺ حين افتتح مكة خالدَ بن الوليد داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا، ومعه قبائل من العرب: سُليم ومُدْلِج، وقبائل من غيرهم؛ فلمَّا نزلوا على الغُمَيصاء -وهي ماء من مياه بني جُذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة- على جماعتهم، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عَوْف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة -وكانا أقبلا تاجرين من اليمن- حتى إذا نزلا بهم قتلوهما؛ وأخذوا أموالهما، فلمَّا كان الإسلام، وبعث رسولُ الله ﷺ خالدَ بن الوليد، سار حتى نزل ذلك الماء؛ فلمَّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح، فإنَّ الناس قد أسلموا (٣). (٣: ٦٦/ ٦٧). ٣٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهل العلم عن رجل من بني جُذيمة، قال: لما أمرَنا خالدٌ بوضع السّلاح، قال رجل منّا يقال له: جَحْدَم: ويلكم يا بني جذيمة! إنَّه خالد! والله

стр. 2627

ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، ثمّ ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق؛ والله لا أضع سلاحي أبدًا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفِك دماءنا! إنَّ الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمِن الناس؛ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتِفُوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل مَنْ قَتَل منهم. فلما انتهى الخبرُ إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السّماء، ثم قال: اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد! ثم دعا عليَّ بن أبي طالب ﵇، فقال: يا علي: اخرج إلى هؤلاء القوم؛ فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج حتى جاءهم ومعه مالٌ قد بعثه رسول الله ﷺ به، فودَى لهم الدماء وما أصيب من الأموال؛ حتى إنه لَيدِي مِيلغَةَ الكلب؛ حتى إذا لم يبقَ شيء من دم ولا مال إلَّا وَدَاه، بقيتْ معه بقيّة من المال. فقال لهم عليٌّ ﵇ حين فرغ منهم: هل بقيَ لكم دم أو مال لم يودَ إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أعطيكم هذه البقيّة من هذا المال احتياطًا لرسولِ الله ﷺ ممَّا لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثمَّ رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم قامَ رسولُ الله ﷺ ، فاستقبل القبلة قائمًا شاهرًا يديه؛ حتى إنه ليُرى بياضُ ما تحت منكبيه؛ وهو يقول: اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات! (١) (٣: ٦٧/ ٦٨). ٣٢٣ - قال ابن إسحاق: وقد قال بعض مَنْ يَعْذِرُ خالدًا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حُذافة السهميّ، وقال: إنَّ رسولَ الله قد أمرك بقتلهم لامتناعهم من الإسلام، وقد كان جَحْدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم، ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة! ضاع الضّرب، قد كنت حذّرتكم ما وقعتم فيه (٢)! (٣: ٦٨). ٣٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني

стр. 2628

عبد الله بن أبي سَلمة، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف -فيما بلغني- كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهليّة في الإسلام! فقال: إنّما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت قد قتلتُ قاتل أبي، ولكنك إنما ثأرت بعمّك الفاكِه بن المغيرة؛ حتى كان بينهما شيءٌ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: مهلًا يا خالد! دع عنك أصحابي؛ فوالله لو كان لك أحُدٌ ذهبًا ثم أنفقتَه في سبيل الله؛ ما أدركت غَدْوةَ رجل من أصحابي ولا رَوْحته (١). (٣: ٦٨). ذكر الخبر عن غزوة رسول الله ﷺ هوازن بحنين ٣٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: أنه حدَّث أن مالك بن عوف بعث عيونًا من رجاله لينظروا له، ويأتوه بخبر الناس؛ فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالُهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْق؛ فوالله ما تماسَكْنا أن أصابَنا ما ترى! فلم ينهَهُ ذلك عن وجهه؛ أن مضى على ما يريد (٢). (٣: ٧٢). ٣٢٦ - ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر والأزلام معه في كنانته، وصرخ كلدة بن الحنبل -وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك

стр. 2629

في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك! فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري -وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدًا قال: فأردت رسول الله لأقتله فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي فلم أطق ذلك. وعلمت أنه قد منع مني. (٣: ٧٤ - ٧٥) (١). ٣٢٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن أبيه، أنه حدَّث عن جُبير بن مُطعِم، قال: لقد رأيتُ قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثلَ البِجَاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم؛ فنظرت فإذا نملٌ أسود مبثوثٌ قد ملأ الوادي؛ فلم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلَّا هزيمة القوم (٢). (٣: ٧٧). ٣٢٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: فلمَّا انهزمت هوازن استحرّ القتل من ثَقيف ببني مالك، فقُتِل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حُبيِّب؛ جَدُّ ابن أمّ حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار، فلمَّا قُتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قُتل (٣). (٣: ٧٧). ٣٢٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق

стр. 2630

عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود، قال: لمَّا بلغ رسولَ الله ﷺ قتلُ عثمان، قال: أبعَدَه الله! فإنه كان يبغِض قريشًا (١). (٣: ٧٧). ٣٣٠ - حدَّثنا عليّ بن سهل، قال: حدَّثنا مؤمّل عن عُمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبيّ ﷺ يوم حُنين على بغلة بيضاء، يقال لها دُلْدُل، فلمَّا انهزم المسلمون، قال النبيّ ﷺ لبغلته: البُدِي دُلْدُل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبيّ ﷺ حَفْنَةً من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: "حم لا يُنصَرون! ". فولّى المشركون مُدْبرين، ما ضربَ بسيف ولا طعن برمْح ولا رمى بسهم (٢). (٣: ٧٨). ٣٣١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نَصرانيٌّ أغرلُ. قال: فبينا رجلٌ من الأنصار يستلب قتلَى من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبَه، فوجده أغرل، فصرخ بأعلَى صوته: يعلم الله أن ثقيفًا غُرْل ما تختِتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنَّا في العرب، فقلت: لا تقُلْ ذلك فداك أبي وأمي! إنما هو غلامٌ لنا نصرانيٌّ، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم مُختَّنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلمَّا هُزِم الناس أسند رايتَه إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمّه وقومه من الأحلاف، فلم يُقتَل منهم إلَّا رجلان؛ رجل من بني غِيَرَة يقال له: وهب، وآخر من بني كُنَّة يقال له: الجُلاح، فقال رسولُ الله ﷺ بلَغه قتل الجُلاح: قُتل اليوم سيد شباب ثَقِيف؛ إلا ما كان من ابن هُنَيدة، وابنُ هنيدة، الحارث بن أوْس (٣). (٣: ٧٨).

стр. 2631

٣٣٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ولما انهزم المشركون أتوُا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوْطاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نَخْلة -ولم يكن فيمن توجَّه نحو نخلة إلَّا بنو غِيَرَة من ثَقِيف- فتبعتْ خيلُ رسولِ الله ﷺ مَنْ سلك في نَخْلة من الناس، ولم تتبع مَنْ سلَك الثنايا، فأدرك ربيعةُ بن رُفيع بن أهْبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يَرْبُوع بن سَمَّال بن عوف بن امرئ القيس -كان يقال له: ابن لذْعة وهي أمّه، فغلبتْ على نسبه- دريدَ بن الصِّمَّة، فأخذ بخطام جمله؛ وهو يظن أنه امرأة؛ وذلك أنه كان في شجارٍ له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخٍ كبير؛ وإذا هو دريد بن الصِّمّة، لا يعرفه الغلام، فقال له دُريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومَنْ أنتَ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السُلمَيّ، ثمّ ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئًا، فقال: بئسما سَلَّحَتْك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرّحل في الشَّجار، ثم اضرب به وارفع عن العظام، واخفض عن الدّماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال. ثمّ إذا أتيتَ أمّكَ فأخبرْها أنك قتلتَ دُريد بن الصّمة؛ فرُبَّ يومٍ والله قد منعت نساءَك! فزعمتْ بنو سُليم: أن ربيعة قال: لما ضربتُه فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عِجَانُه وبطون فَخِذَيه مثل القِرْطاس من ركوب الخيل أعراء، فلمَّا رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمّهات لك ثلاثًا (١). (٣: ٧٨/ ٧٩). ٣٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: يزعمون: أن سَلمة بن دُريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب رُكْبته، فقتله، فقال سَلمة بن دُرَيد في قتله أبا عامر: إنْ تسْأَلوا عنّي فإِنِّي سَلَمَهْ ... ابنُ سَمَادِيرَ لمنْ تَوَسَّمَهْ أضرِبُ بالسَّيفِ رؤوسَ المُسْلِمَهْ وسمادير أمّ سَلمة، فانتمى إليها. قال: وخرج مالك بن عوْف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قَوْمه على

стр. 2632

ثنيّة من الطريق، وقال لأصحابه: قِفوا حتى تمضي ضُعفاؤكم وتلحق أخراكم؛ فوقف هنالك حتى مضى مَنْ كان لحق بهم من منهزمة الناس (١). (٣: ٨٠). ٣٣٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ بني سعد بن بكر: أن رسولَ الله ﷺ قال يومئذ لخيله التي بعث: إن قدرتم على بَجَاد -رجل من بني سعد بن بكر- فلا يفلتنّكم؛ وكان بجاد قد أحدَث حدثًا، فلمَّا ظفِر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا أخته الشَّيماء بنت الحارثِ بن عبد الله بن عبد العُزَّى، أخت رسولِ الله ﷺ من الرضاعة، فعنَّفوا عليها في السياق معهم، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أني لأختُ صاحبكم من الرضاعة؛ فلم يُصدِّقوها حتى أتوْا بها رسولَ الله ﷺ (٢). (٣: ٨٠/ ٨١). ٣٣٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاق عن أبي وَجْزَة يزيد بن عبيد السعديّ، قال: لما انتُهيَ بالشَّيماء إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسولَ الله! إنّي أختُك، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عَضَّةٌ عَضضْتَنيها في ظهري وأنا متورّكَتُك. قال: فعرَف رسولُ الله ﷺ العلامة، فبسط لها رداءَه، ثم قال: ها هنا، فأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: إن أحببتِ فعندي مُحَبّبةً مكْرَمَةً، وإن أحببتِ أمتِّعْك وترجعي إلى قومك، قالت: بل تمتعني وترّدني إلى قومي، فمتّعها رسول الله ﷺ ، وردَّها إلى قومها؛ فزعمت بنو سعد بن بكر: أنه أعطاها غلامًا له يقال له: مكحول؛ وجارية؛ فزوّجت أحدهما الآخر، فلم يزل فيهم من نَسْلهما بقيّة (٣). (٣: ٨١). ٣٣٦ - قال ابن إسحاق: استشهد يوم حُنَين من قريش، ثم من بني هاشم: أيمَنُ بن عبيد -وهو ابن أمّ أيمن، مولاة رسولِ الله ﷺ ومن بني أسد بن عبد العُزَّى يزيد بن زمْعة بن الأسود بن المطلب بن أسد- جَمَحَ به فرسٌ له يقال له: الجناح، فقُتل- ومن الأنصار سُراقة بن الحارث بن عديّ بن بلْعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعريّ. ثم جُمعت إلى رسول الله سَبَايا حُنين وأموالها؛ وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاريّ، فأمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال

стр. 2633

إلى الجِعْرانة فحبسَتْ بها (١). (٣: ٨١). ٣٣٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال ابن إسحاق: لما قَدِمَ فَلّ ثَقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال؛ ولم يشهد حُنينًا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة؛ كانا بجُرَش يتعلّمان صنعة الدّباب والضُّبُور والمجانيق (٢). (٣: ٨١/ ٨٢). ٣٣٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق عن عمرو بن شعيب: أنّ رسولَ الله ﷺ سلكَ إلى الطائف من حُنَين على نَخْلة اليمانية، ثم على قَرْن، ثم على المُلَيح، ثم على بَحْرَة الرُّغاء من لِيَّة، فابتنى بها مسجدًا، فصلّى فيه، فأقاد يومئذ ببحْرة الرّغاة حين نزلَها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجلٌ من بني ليث قتل رجلًا من هُذَيل، فقتله رسول الله ﷺ ؛ وأمر رسول الله وهو بلِيَّة بحصن مالك بن عوف فهُدِم؛ ثم سلك في طريق يقال لها: الضَّيقة، فلما توجّه فيها، سأل على اسمها، فقال: ما اسم هذه الطريق؟ فقيل له: الضَّيقة، فقال: بل هي اليسرى. ثم خرج رسول الله ﷺ على نَخْب؛ حتى نزل تحت سِدْرةٍ يقال لها: الصادرة، قريبًا من مال رجل من ثَقِيف، فأرسل إليه رسولُ الله ﷺ : إما أن تخرُج؛ وإما أن نُخرب عليك حائطك؛ فأبى أن يخرُج، فأمر رسولُ الله ﷺ بإخرابه. ثم مضى رسول الله حتى نزل قريبًا من الطائف؛ فضرب عسكره، فقُتل أناس من أصحابه بالنَّبْل؛ وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النَّبْل تنالُهم، ولم يقدر المسلمون أن يدخُلوا حائطهم، غلَّقوه دونهم؛ فلما أصيبَ أولئك النّفرُ من أصحابه بالنَّبْل، ارتفع، فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم؛ فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة (٣). (٣: ٨٣). ٣٣٩ - ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أمّ سلمة بنت أبي أمية وأخرى معها

стр. 2634

-قال الواقديّ: الأخرى: زينب بنت جحش- فضرب لهما قبّتين، فصلَّى بين القبّتين ما أقام. فلما أسلمتْ ثَقِيف، بنَى عَلى مُصلّى رسول الله ﷺ ذلك أبو أمية بن عمرو بن وهب بن مُعتِّب بن مالك مسجدًا، وكانت في ذلك المسجد سارِيَة -فيما يزعمون- لا تطلع عليها الشمس يومًا من الدهر؛ إلا سُمع لها نقيض؛ فحاصرهم رسولُ الله ﷺ ؛ وقاتلهم قتالًا شديدًا، وترامَوْا بالنّبْل حتى إذا كان يوم الشدْخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبّابة؛ ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف، فأرسلت عليهم ثقيف سككَ الحديد مُحمَّاةً بالنار، فخرجوا مِنْ تحتها، فرمتهم ثَقِيف بالنَّبْل، وقتلوا رجالًا؛ فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف، فوقع فيها الناس يقطعون. وتقدَّم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شُعبة إلى الطائف، فناديا ثقيفًا: أنْ أمّنُونا حتى نكلّمكم! فأمّنوهما؛ فدَعَوَا نساءً من نساء قريش وبني كنانة ليخرُجن إليهما -وهما يخافان عليهنَّ السّباء- فأبينَ؛ منهنَّ آمنة بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود له منها داود بن عروة وغيرها (١). (٣: ٨٣/ ٨٤). ٣٤٠ - وقال الواقديّ: حدثني كَثِير بن زيد، عن الوليد بن رَبَاح، عن أبي هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف، استشار رسول الله نَوْفل بن معاوية الدّيلي، وقال: يا نوفل! ما تَرَى في المقام عليهم؟ قال: يا رسول الله؛ ثعلب في جُحرٍ؛ إن أقمت عليه أخذتَه، وإن تركتَه لم يضرَّك (٢). (٣: ٨٤). ٣٤١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا ابن إسحاق، قال: قد بلَغني: أنّ رسولَ الله ﷺ قال لأبي بكر بن أبي قحافة، وهو محاصرٌ ثقيفًا بالطائف: يا أبا بكر! إنّي رأيتُ أنه أهْدِيَتْ لي قَعْبةٌ مملوءة زُبْدًا، فنقرَها ديكٌ فأهَراق ما فيها؛ فقال أبو بكر: ما أظنّ أن تدْرك منهم يومك هذا ما تُريد

стр. 2635

يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وأنا لا أرى ذلك (١). (٣: ٨٤/ ٨٥). ٣٤٢ - ثم إنَّ خَوْلة بنت حَكِيم بن أميّة بن حارثة بن الأوْقص السُّلَمِيَّة -وهي امرأة عثمان بن مظعون- قالت: يا رسول الله! أعْطِني إن فتح الله عليك الطائف حُلِيَّ بادية بنت غيلان بن سلمة، أو حُلِيَّ الفارعة بنت عُقَيل -وكانتا من أحْلَى نساءِ ثقيف- قال: فذكر لي: أن رسول الله ﷺ قال لها: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة! فخرجت خويلة، فذكَرَتْ ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل عمرُ على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما حديث حدَّثَتْنيه خويلة أنك قلتَه! قال: قد قلتُه، قال: أوَ مَا أذِن فيهم يا رسول الله! قال: لا، قال: أفلا أؤذِّن بالرّحيل في الناس! قال: بلى! فأذَّن عمر بالرَّحيل؛ فلما استقلّ الناس نادى سعيد بن عُبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن عِلاج الثقفيُّ: ألا إنَّ الحَيَّ مقيمٌ! قال: يقول عيينة بن حصن: أجلْ والله مَجَدَةً كرامًا! فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عُيينة! أتمدح قومًا من المشركين بالامتناع من رسول الله، وقد جئت تنصره! قال: إني والله ما جئت لأقاتِلَ معكم ثقِيفًا؛ ولكني أردت أن يفتح محمدٌ الطَّائف فأصيب من ثَقِيف جارية أتبطَّنُها لعلها أن تلد لي رجلًا؛ فإن ثقيفًا قوم مناكير. واستُشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلًا؛ سبعة من قريش ورجل من بني ليث، وأربعة من الأنصار (٢). (٣: ٨٥). أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها ٣٤٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثمَّ خرجَ رسول الله ﷺ حين انصرف من الطائف على دحْنَا؛ حتى نزل الجِعْرانة، بمن معه من المسلمين؛ وكان قدّم سَبْيَ هوازن حين سار إلى الطَّائف إلى الجِعْرانة، فحُبس بها؛ ثم أتته وفود هَوازن بالجِعْرانة؛ وكان مع رسول الله ﷺ من سَبْي هوازن من

стр. 2636

النساء والذراريّ عدد كثير، ومن الإبِل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يُحْصَى (١). (٨٦: ٣). ٣٤٤ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني يزيد بن عُبَيد السعديّ أبو وَجْزة: أنّ رسولَ الله ﷺ كان أعطى عليّ بن أبي طالب جاريةً من سَبْي حُنين يقال لها: رَيطة بنت هلال بن حَيَّان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قُصَيَّة بن نصر بن سعد بن بكر، وأعطى عثمان بن عفَّان جارية يقال لها: زينب بنت حيّان بن عمرو بن حيَّان، وأعطى عمرَ بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله بن عمر (٢). (٣: ٨٧/ ٨٨). ٣٤٥ - وأما عُيينة بن حِصْن فأخذ عجوزًا من عَجائز هَوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزًا وأرى لها في الحيّ نسبًا، وعسى أن يعظُم فداؤها! فلمَّا ردَّ رسولُ الله ﷺ السبايا بستّ فرائض أن يردَّها، فقال له زهير أبو صُرَد: خُذْها عنك؛ فوالله ما فُوها ببارد، ولا ثَدْيُها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا دَرُّها بماكد، ولا زوجها بواجد. فردَّها بستّ فرائض حين قال له زهير ما قال؛ فزعموا: أن عُيينة لقيَ الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتَها بكْرًا غريرةً، ولا نَصَفًا وثِيرَةً؛ فقال رسول الله ﷺ لوَفْد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف: ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثَقِيف؛ فقال رسول الله: أخبروا مالكًا: أنه إن أتاني مسلِمًا رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مئة من الإبل، فأتِيَ مالك بذلك؛ فخرج من الطائف إليه؛ وقد كان مالك خاف ثَقِيفًا على نفسه أن يعلموا: أن رسولَ الله ﷺ قال له ما قال، فيحبسوه، فأمر براحلته فهيّئتْ له، وأمر بفرس له فأتِيَ به الطائف؛ فخرج ليلًا، فجلس على فرسه فركضَه؛ حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تُحْبس له، فركبها، فلحق برسول الله فأدركه بالجعْرانة -أو بمكة- فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسُن إسلامه. واستعمله رسول الله ﷺ على قومه وعلى مَنْ أسلم من تلك القبائل حولَ

стр. 2637

الطائف: ثُمالة، وسلَمة، وفَهْم؛ فكان يقاتل بهم ثَقِيفًا، لا يخرج لهم سَرْحٌ إلَّا أغار عليه، حتى ضَيَّقَ عليهم، فقال أبو مِحْجَن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثَّقَفِي: هابَتِ الأعداءُ جَانِبَنا ... ثمَّ تَغْزُونا بَنو سَلَمَهْ وأتانا مالكٌ بِهِمُ ... ناقِضًا لِلعَهْدِ والحُرُمَهْ وأَتوْنا في منَازِلنا ... ولقد كنَّا أُولي نَقَمَهْ وهذا آخر حديث أبي وجْزة (١) (٣: ٨٨/ ٨٩). ٣٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: أعطى رسولُ الله ﷺ المُؤَلَّفَةَ قلوبهم -وكانوا أشرافًا من أشراف الناس يتألّفهم ويتألَّف به قلوبهم- فأعطى أبا سفيان بن حرْب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير، وأعطى حَكِيم بن حزام مئة بعير، وأعطى النُّضير بن الحارث بن كلدَة بن علقمة أخا بني عبد الدار مئة بعير، وأعطى العَلاء بن جارية الثقفيّ حليف بني زُهْرة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى صَفْوان بن أميّة مئة بعير، وأعطى سُهَيل بن عمرو مئة بعير، وأعطى حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس مئة بعير، وأعطى عُيَينَةَ بنَ حِصْن مئة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصريّ مئة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين؛ وأعطى دون المئة رجالًا من قريش؛ منهم مَخْرَمة بن نوفل بن أهَيب الزهريِّ، وعمير بن وهب الجمحيّ، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤيّ - لا يحفظ عدّة ما أعطاهم؛ وقد عرف فيما زعم: أنها دون المئة - وأعطى سعيد بن يربوع بن عَنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السَّهْمِيَّ خمسين من الإبل، وأعطى عبَّاس بن مرداس السُّلميّ أباعرَ فتسخّطها، وعاتب فيها رسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 2638

كانت نِهابًا تلافيتُها ... بكَرِّي على المُهْرِ فِي الأجْرَع وإيقاظِيَ القوْمَ أن يرْقدوا ... إذا هَجَعَ الناسُ لم أهْجَعِ فأصْبَحَ نَهْبِي ونَهْبُ العُبَي ... ـد بين عُيَينَةَ والأقْرَع وقد كنتُ في الحربِ ذَا تُدْرَأ ... فلم أُعْطَ شَيئًا ولم أمْنَعِ إلَّا أَفائِلَ أُعْطِيتُها ... عَدِيدَ قوائمها الأرْبعِ وما كانَ حِصْنٌ ولا حَابِسٌ ... يَفوقانِ مِرْداسَ في المَجْمَعِ وما كُنْتُ دونَ امْرِيءً ... منهمَا ومَنْ تَضَعِ اليَوْم لا يُرْفَعِ قال: فقال رسولُ الله ﷺ : اذْهبوا فاقطعوا عني لسانه، فزادوه حتى رضيَ؛ فكان ذلك قطْع لسانه الذي أمر به (١). (٣: ٩٠/ ٩١). ٣٤٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، أنّ قائلًا قال لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسولَ الله، أعطيتَ عُيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس مئةً مئةً، وتركتَ جُعَيلَ بن سراقة الضّمْريّ! فقال رسولُ الله ﷺ : أما والذي نفسي بيده، لَجُعَيلُ بن سراقة خيرٌ من طِلاع الأرض، كلّهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس؛ ولكنّي تألَّفْتُهما ليُسْلما، ووكلتُ جُعَيل بن سُراقة إلى إسلامه (٢). (٣: ٩١). ٣٤٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنّ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ممَّن شهد معه حنَينًا، قال: والله إنّي لأسير إلى جَنْب رسولِ الله ﷺ على ناقة لي، وفي رِجْلي نَعل غليظة؛ إذ زحمت ناقتي ناقةَ رسول الله، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله فأوجعَه، قال: فقرَع قدمِي بالسوط، وقال: أوجعتَنِي فتأخّرْ عنّي، فانصرفت؛ فلمَّا كان من الغد إذا رسول الله يلتمسني، قال قلت: هذا والله لما كنت أصبتُ من رجْل رسول الله بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقَّع، فقال لي: إنّك قد أصبتَ رجلي

стр. 2639

بالأمس فأوجعتَني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوّضَك منها؛ فأعطاني ثمانين نعجة بالضَّرْبة التي ضربني (١). (٣: ٩٣). ٣٤٩ - وكانت عُمرة رسول الله في ذي القعدة، فقدم رسولُ الله ﷺ المدينة في ذي القعدة أو في ذي الحجة، وحجَّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه، وحجّ تلك السنة بالمسلمين عتّاب بن أَسِيد؛ وهي سنة ثمانٍ؛ وأقام أهلُ الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعْدة؛ إذ انصرف رسول الله عنهم إلى شهر رمضان من سنة تسع (٢). (٣: ٩٤/ ٩٥). ٣٥٠ - قال الواقديّ: لمَّا قسم رسولُ الله ﷺ الغنائمَ بين المسلمين بالجِعرانة، أصاب كلَّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة؛ فمن كان منهم فارسًا أخذ سهم فرسه أيضًا. وقال أيضًا: قدم رسول الله ﷺ المدينةَ لليالٍ بقينَ من ذي الحجة من سفرته هذه (٣). (٣: ٩٥). ٣٥١ - قال: وفيها بعث رسولُ الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جَيفَر وعمرو ابني الجُلَنْدَى من الأزدْ مُصَدِّقًا، فخلَّيا بينه وبين الصَّدقة، فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردَّها على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس الذين بها، وهم كانوا أهل البلد، والعرب كانوا يكونون حولها (٤). (٣: ٩٥). ٣٥٢ - قال: وفيها تزوّج رسول الله ﷺ الكلابية التي يقال لها: فاطمة بنت الضّحاك بن سفيان، فاختارت الدنيا حين خُيّرت. وقيل: إنها استعاذتْ من رسول الله، ففارقها. وذكر أن إبراهيم بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ حدَّثه عن أبي وجزة السعديّ أن النبيّ ﷺ تزوّجها في ذي القعدة (٥). (٣: ٩٥). ٣٥٣ - قال: وفيها ولدت مارية إبراهيم في ذي الحجّة، فدفعه رسول الله ﷺ إلى أمّ بُرْدة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن

стр. 2640

النجار، وزوْجها البَرَاء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غَنْم بن عديّ بن النجار؛ فكانت ترضعه. قال: وكانت قابلتُها سَلْمى مولاة رسولِ الله ﷺ ؛ فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته: أنها ولدت غلامًا؛ فبشّر به أبو رافع رسول الله، فوهب له مملوكًا. قال: وغارت نساء رسول الله ﷺ ، واشتدَّ عليهنَّ حين رزِقتْ منه الولد (١). (٩٥: ٣). ثم دخلت سنة تسع وفيها قَدِم وفدُ بنِي أسد على رسولِ الله ﷺ فيما ذكر- فقالوا: قدِمنا يا رسولَ الله قبل أن ترسل إلينا رسولًا، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ... ﴾ الآية. وفيها قدم وفد بَلِيّ في شهر ربيع الأوّل، فنزلوا على رُوَيفع بن ثابت البَلَويّ. وفيها قدِم وفد الداريِّين من لخمْ، وهم عشرة (٢). (٣: ٩٦). أمر ثقيف وإسلامها ٣٥٤ - وفيها قدِم -في قول الواقديّ- عُرْوة بن مسعود الثقَفيّ على رسول الله ﷺ مسلِمًا، وكان من خبره ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق: أن رسولَ الله ﷺ حين انصرف عن أهل الطائف اتَّبع أثرَه عروة بن مسعود بن مُعَتّب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم؛ وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ كما يتحدَّث قومهم-: إنهم قاتلوك؛ وعرف رسولُ الله أنّ فيهم نخوةً بالامتناع الذي كان منهم، - فقال له عُروة: يا رسول الله! أنا أحبّ إليهم من أبكارهم - وكان فيهم كذلك محبَّبًا مَطاعًا - فخرج يدعُو قومَه إلى الإسلام، ورجا ألَّا يخالفوه لمنزلته فيهم؛ فلما أشرف لهم على عُلِّيَّة له وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه؛ رموْه بالنَّبل

стр. 2641

من كلّ وجه، فأصابه سهمٌ فقتله؛ فتزعم بنو مالك: أنه قتله رَجُلٌ منهم يقال له: أوْس بن عوف، أخو بني سالم بن مالك، وتزعم الأحلاف: أنه قتله رجلٌ منهم من بني عتّاب بن مالك، يقال له: وهب بن جابر. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلَّا ما في الشهداء الذين قُتِلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا: أنّ رسول الله ﷺ قال فيه: إن مَثَله في قومه كمثل صاحب يس في قومه (١). (٣: ٩٦/ ٩٧). ٣٥٥ - وفيها قدم وفدُ أهل الطائف على رسول الله ﷺ ، قيل: إنهم قدموا عليه في شهر رمضان. فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، قال: ثمّ أقامت ثَقِيف بعد قتل عُرْوة أشهُرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ألَّا طاقة لهم بحرب مَنْ حَوْلهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا (٢). (٣: ٩٧). ٣٥٦ - وحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عَنْ محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ: أن عمرو بن أميّة أخا بني عِلاج كان مهاجرًا لعبد ياليل بن عمرو، الذي بينهما سَيِّءٌ - وكان عمرو بن أميّة من أدهى العرب - فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل عليه داره، ثم أرسل إليه: إن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إليّ، فقال عبد ياليل للرسول: ويحك! أعمرو أرسلك؟ قال: نعم، وهو ذا واقف في دارك. فقال: إنَّ هذا لشيءٌ ما كنت أظنُه! لَعَمْرو كان أمنعَ في نفسه من ذلك. فلمَّا رآه رَحَّبَ به، وقال عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هِجْرةٌ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيتَ، وقد أسلمت العربُ كلُّها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في

стр. 2642

أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثَقِيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا تروْن أنه لا يأمن لكم سِرْبٌ، ولا يخرج منكم أحدٌ إلَّا اقتُطِع به! فائتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجُلًا، كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير - وكان في سنّ عُروة بن مسعود - وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخَشِيَ أن يُصنَع به إذا رجع كما صُنع بعروة، فقال: لست فاعلًا حتى تبعثوا معي رجالًا، فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فيكونوا ستة: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دُهْمان أخو بني يَسَار، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونُمَير بن خرَشة بن ربيعة أخو بلحارث؛ وبعثوا من الأحلاف مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشُرَحبيل بن غَيلان بن سَلمة بن معتّب؛ فخرج بهم عبد ياليل - وهو نابُ القوم وصاحب أمرهم؛ ولم يخرج بهم إلا خَشْيَةً من مثل ما صنِع بعروة بن مسعود، ليشغلَ كلُّ رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه - فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة ألفُوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله، وكانت رِعْيتُها نُوَبًا على أصحابه، فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضَبر يشتدُّ ليُبَشّرَ رسولَ الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقِيه أبو بكر الصّديق ﵁ قبل أن يدخُل على رسول الله، فأخبره عن ركْب ثقيف أنّهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم شروطًا، ويكتتبوا من رسول الله كتابًا في قومهم وبلادهم وأموالهم. فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا الذي أحدّثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله، فأخبره عن ركب ثقيف بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فرَوَّح الظَّهر معهم، وعلّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهليّة (١). (٣: ٩٧/ ٩٨). ٣٥٧ - ولما أن قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبّة في ناحية مسجده -كما يزعمون- وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ حتى اكتتبوا كتابهم؛ وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعَمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد؛ حتى أسلموا وبايعوا وفرغوا من كتابهم - وقد كان فيما سألوا رسولَ الله ﷺ أن يدَع

стр. 2643

الطاغية؛ وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين؛ فأبى رسولُ الله ذلك عليهم؛ فما برحوا يسألونه سنة سنة، فأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدَمهم؛ فأبى أن يدَعها شيئًا يسمَّى؛ وإنما يريدون بذلك فيما يُظْهِرُون أن يسلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أنْ يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلَهم الإسلام- فأبى رسولُ الله ﷺ ذلك إلَّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها؛ وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يُعفيَهم من الصلاة، وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنُعْفيكم منه؛ وأما الصَّلاة فلا خيرَ في دين لا صلاة فيه؛ فقالوا: يا محمد! أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة (١). (٣: ٩٩). ٣٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة، قال: فلمَّا خرجوا من عند رسول الله ﷺ وتوجّهوا إلى بلادهم راجعين؛ بعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدْم الطاغية، فخرجا مع القوم؛ حتى إذا قدِموا الطائف أراد المغيرة أن يقذَم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنتَ على قومك؛ وأقام أبو سفيان بماله بذي الهَدْم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعْوَل، وقام قومه دونه - بنو مُعتِّب - خَشْيَةَ أن يُرْمَى أو يصاب كما أصيب عُروة، وخرج نساءُ ثقيف حُسَّرًا يبكين عليها ويقلن: ألا ابْكِيَنْ دَفَّاعْ ... أَسْلَمَهَا الرُّضَّاع لم يُحْسِنُوا المِصَاع قال: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لك! واهًا لك! فلما

стр. 2644

هدمها المغيرة أخذ مالها وحُلِيَّها وأرسل إلى أبي سفيان وحليُّها مجموع، ومالُها من الذهب والجَزْع، وكان رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضيَ من مال اللات دينَ عروة والأسود ابْنَي مسعود، فقضى منه دينهما. وفي هذه السنة غَزَا رسولُ الله ﷺ غزوة تبوك (١). (٣: ٩٩/ ١٠٠). ذكر الخبر عن غزوة تبوك ٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: أقامَ رسولُ الله ﷺ بالمدينة بعد منصَرفه من الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب (٢). (٣: ١٠٠). ٣٦٥ - ثم أمر النَّاس بالتهيُّؤ لغزو الروم، فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كلٌّ قد حدَّث في غزوة تبوك ما بلَغه عنها، وبعض القوم يحدّث ما لم يحدّث بعض، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث: إنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أصحابه بالتهيُّؤ لغزو الرُّوم، وذلك في زمن عُسْرة من الناس، وشدّة من الحرّ، وجَدْب من البلاد؛ وحين طابت الثمار، وأحِبَّت الظلال؛ فالناس يحبُّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله ﷺ قلَّما يخرج في غزوة إلَّا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له؛ إلَّا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد له، ليتأهَّبَ الناس لذلك أهبتَه، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فتجهَّز الناس على ما في أنفسهم من الكُرْه لذلك الوجه لما فيه؛ مع ما عظَّموا من ذكر الرّوم وغزوهم؛ فقال رسولُ الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجَدّ بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جدّ العامَ في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أوَ تأذَنُ لي ولا تفتنّي! فوالله لقد عرف قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًا

стр. 2645

بالنساء منّي؛ وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألَّا أصبرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسولُ الله ﷺ وقال: قد أذنت لك؛ ففي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ... ﴾ الآية؛ أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر - وليس ذلك به- فما سقط فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم؛ وإن جهنم لمن ورائه. وقال قائل من المنافقين لبعض: لا تنفِرُوا في الحرّ، زهادةً في الجهاد، وشكًّا في الحقّ، وإرْجافًا بالرسول، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). (٣: ١٠١/ ١٠٢). ٣٦١ - ثمّ إن رجالًا من المسلمين أتوْا رسولَ الله؛ وهم البكّاؤُون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحْملوا رسولَ الله، وكانوا أهلَ حاجة، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ هو قال: فبلَغني أن يامين بن عُمَير بن كدب النضْريّ لقيَ أبا ليلى عبد الرحمن بن كدب وعبد الله بن مُغَفَّل وهما يبكيان، فقال لهما: ما يُبْكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ليحمِلنا، فلم نجد عنده ما يحمِلُنا عليه، وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحًا فارتحلاه، وزوَّدهما شيئًا من تَمْر، فخرجا مع رسولِ الله ﷺ .

стр. 2646

قال: وجاءَ المُعَذِّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله ؛ وذُكِر لي أنهم كانوا من بني غِفَار، منهم خُفاف بن إيماء بن رَحْضَة (١). (٣: ١٠٢/ ١٠٣). ٣٦٢ - ثم استتبَّ برسول الله ﷺ سفرهُ، وأجمع السير؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأتْ بهم النية عن رسول الله حتى تخلّفوا عنه من غير شكّ ولا ارتياب؛ منهم: كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أميّه أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف؛ وكانوا نفرَ صدق لا يُتَّهمون في إسلامهم، فلمَّا خرج رسولُ الله ﷺ ضرب عسكره على ثنيّة الوَدَاع، وضرب عبد الله بن أبيّ بن سَلُول عسكره على حِدَةٍ أسفل منه بحذاء ذُبَاب؛ جبل بالجبّانة أسفل من ثنيّة الوداع. وكان -فيما يزعمون- ليس بأقلّ العسكرين؛ فلمَّا سار رسولُ الله ﷺ تخلَّف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلّف من إلمنافقين وأهل الرّيب - وكان عبدُ الله بن أبيّ أخا بني عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قَينُقَاع؛ وكانوا من عظماء المنافقين؛ وكانوا ممّن يكيد الإسلام وأهله (٢). (٣: ١٠٣). ٣٦٣ - قال: وفيهم - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصريّ - أنزل الله : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ... ﴾، الآية (٣). (٣: ١٠٣). قال: فزعم بعضُ الناس أنّ زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل مُتّهمًا بشرّ حتى هلك (٤). (٣: ١٠٦). ٣٦٤ - ثم إنَّ رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكَيدر دومة -وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًّا- فقال

стр. 2647

رسولُ الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكّ بقرونها باب القصر، فقالت امرأته: هل رأيتَ مثل هذا قط! قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسْرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخٌ له يقال له: حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلمَّا خرجوا تَلَقَّتهم خيلُ رسولِ الله ﷺ فأخذتْه، وقتلوا أخاه حسّان، وقد كان عليه قَباء له من ديباج مُخوَّص بالذهمب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه (١). (٣: ١٠٨/ ١٠٩). ٣٦٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فحقن له دَمَه، وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته (٢). (٣: ١٠٩). ٣٦٦ - رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذي في أول غزوة تَبُوك. قال: فأقام رسولُ الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها (٣). (٣: ١٠٩). ٣٦٧ - ثمّ أقبلَ رسولُ الله ﷺ حتى نزل بذي أوَان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار؛ وكان أصحاب مسجد الضِّرَار قد كانوا أتوْه وهو يتجهّز إلى تَبوك،

стр. 2648

فقالوا: يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المَطِيرة والليلة الشاتية؛ وإنا نحبّ أن تأتيَنا فتصلَّي لنا فيه. فقال: إني على جَنَاح سَفرٍ، وحال شغل -أو كما قال رسول الله- ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلَّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوَان أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالكَ بن الدُّخشُم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عديّ -أو أخاه عاصم بن عديّ أخا بني العَجْلان- فقال: انطلقا إلى المسجد الظالم أهلُه فاهدِماه وحرِّقاه؛ فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدُّخشُم، فقال مالك لمعن: أنظرْني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سَعَفًا من النّخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرّقاه وهَدماه، وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى آخر القصة (١). (٣: ١١٠). ٣٦٨ - وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خذام بن خالد، من بني عُبَيد بن زيد؛ أحد بني عمرو بن عوف - ومن داره أخرج مسجد الشقاق - وثعلبة بن حاطب من بني عبيد - وهو إلى بني أمية بن زيد - ومُعَتِّب بن قُشَير من بني ضُبَيعة بن زيد، وأبو حَبيبة بن الأزعر من بني ضُبيعة بن زيد، وعئاد بن حُنيف؛ أخو سهل بن حُنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمّع بن

стр. 2649

جارية وزيد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارث، من بني ضُبَيعة، وبحَزَج -وهو إلى بني ضُبيعة - وبجاد بن عثمان - وهو من بني ضُبيعة - ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أميّة رهط أبي لُبابة بن عبد المنذر (١). (٣: ١١٠/ ١١١). أمر طيّئ وعديّ بن حاتم ٣٦٨ - قال: وفي هذه السنة -أعني سنة تسع- وجّه رسولُ الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵁ في سريّة إلى بلاد طيّئ في ربيع الآخر، فأغار عليهم، فسبَى وأخذ سيفين كانا في بيتِ الصنم؛ يقال لأحدهما: رَسُوب، وللآخرِ المخذم؛ وكان لهما ذِكْرٌ، كان الحارث بن أبي شمر نَذَرهما له، وسبَى أخت عديّ بن حاتم. قال أبو جعفر: فأما الأخبار الواردة عن عديّ بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت، وبغير ما قال الواقديّ في سبي عليّ أخت عديّ بن حاتم (٢). (٣: ١١١/ ١١٢). ٣٦٩ - حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شعبة، قال: حدثنا سماك، قال: سمعت عَبَّاد بن حُبَيش يحدّث عن عديّ بن حاتم، قال: جاءت خيلُ رسول الله ﷺ أو قال: رسلُ رسول الله- فأخذوا عمّتي وناسًا، فأتوْا بهم النبيّ ﷺ . قال: فصُفّوا له. قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، نأى الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة؛ فمنّ عليّ مَن الله عليك يا رسول الله! قال: ومن وَافِدُكِ؟ قالت: عديُّ بن حاتم؛ قال: الذي فرَّ من الله ورسوله! قالت: فمَنَّ عليّ- وَرَجُل إلى جنبه ترَى أنه عليٌّ ﵇ قال: سلِيه حُمْلانًا - قال: فسألته، فأمر بها فأتتنِي، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها! قالت: ائتِه راغبًا وراهبًا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان -أو صبيّ- فذكر قربهم من النبيّ ﷺ فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال لي: يا عَدِيّ بن حاتم! ما أفرّك أن يقال: لا إله إلا الله! فهل من إله إلا الله! وما أفرّك أن يُقال: الله أكبر!

стр. 2650

فهل من شيء هو أكبر من الله! فأسلمتُ فرأيتُ وجهَه استبشر (١). (٣: ١١٢). ٣٧٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن شيبان بن سعد الطائيّ، قال: كان عديّ بن حاتم طيّئ يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشدّ كراهيةً لرسول الله حين سمع به منّي؛ أمّا أنا فكنتُ امرًا شريفًا، وكنتُ نصرانيًّا أسيرُ في قومي بالمرْباع، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي، لما كان يُصنع بي، فلمَّا سمعتُ برسول الله كرهْتُه، فقلت لغلام كان لي عربيّ وكان راعيًا لإبلي: لا أبالك! أعدِدْ لي من إبلي أجمالًا ذلُلًا سِمانًا مَسَانَّ، فاحبسها قريبًا منّي؛ فإذا سمعتَ بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنّي، ففعل. ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال: يا عديّ! ما كنت صانعًا إذا غَشِيَتْك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيتُ رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوشُ محمد، قال: فقلت: قَرِّبْ لي جمالي، فقرّبها، فاحتملتَ بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحقُ بأهلِ ديني من النَّصارى بالشأم، فسلكت الحوشيّة وخلّفت ابنةَ حاتم في الحاضر، فلما قدمتُ الشأم أقمت بها، وتُخالفني خيلٌ لرسول الله ﷺ فتصيبُ ابنةَ حاتم فيمن أصيب. فقُدِم بها على رسول الله في سبايا طيّئ، وقد بلغ رسولَ الله ﷺ هَرَبي إلى الشأم. قال: فجُعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يُحْبَسن بها، فمرّ بها رسولُ الله ﷺ فقامت إليه -وكانت امرأةً جَزْلَةً- فقالت: يا رسول الله؛ هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ عليّ مَنَّ الله عليك! قال: ومَنْ وافدك؟ قالت: عديُّ بن حاتم، قال: الفارُّ من الله ورسوله! قالت: ثم مضى رسولُ الله ﷺ وتركني؛ حتى إذا كان الغد مرّ بي وقد أيسْتُ، فأشار إليَّ رجل من خَلْفه: أن قومي إليه فكلّميه، قالت: فقمتُ إليه، فقلت: يا رسولَ الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ عليَّ مَنَ الله عليك! قال: قد فعلتُ فلا تعجلي بخروجٍ حتى تجدِي من قومك مَنْ يكون لك ثقة حتى يبلّغك إلى بلادك ثم آذنِيني. قالت: فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن كلّميه فقيل: عليَّ بن أبي طالب. قالت: وأقمت حتى قدم ركبٌ من بَلِيّ -أو من

стр. 2651

قضاعة- قالت: وإنما أريد أن آتيَ أخي بالشأم، قالت: فجئتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلت: يا رسولَ الله! قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثمَة وبلاغ. قالت: فكساني رسولُ الله ﷺ ، وحملني وأعطاني نفقةً، فخرجت معهم حتى قدِمْت الشأم. قال عديّ: فوالله، إني لقاعدٌ في أهلي إذ نظرت إلى ظَعينة تُصَوّبُ إليّ تَؤمّنا. قال: فقلت: ابنة حاتم! قال: فإذا هي هي؛ فلما وقفتْ عليّ انسحلَتْ تقول: القاطع الظالم! احتملتَ بأهلك وولدك، وتركت بُنيَّةَ والدك وعَوْرَتَهُ! قال: قلت: يا أخيّة، لا تقولي إلا خيرًا، فوالله ما لي عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلتْ فأقامت عندي، فقلت لها - وكانت امرأة حازِمَةً -: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرَى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًّا فالسابق إلَيه له فضيلة، وإن يكن ملِكًا فلن تذلَّ في عزّ اليمن وأنت أتَ! قلتُ: والله إن هذا للرّأي. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلّمت عليه، فقال: مَنِ الرجل؟ فقلت: عديُّ بن حاتم، فقام رسولُ الله ﷺ فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامدٌ بي إذ لَقِيَتْه امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقَفتْه، فوقف لها طويلًا تكلّمه في حاجتها. قال: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى رسولُ الله حتى دخل بيته، فتناول وسادةً من أدَم محشُوَّةً لِيفًا، فقذفها إليّ، فقال لي: اجلس على هذه، قال: قلت: لا بل أنت، فاجلس عليها. قال: لا بل أنت، فجلستُ وجلس رسولُ الله ﷺ بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عديّ بن حاتم! ألم تك رَكُوسِيًا! قال: قلت: بلى، قال: أوَلم تكن تسير في قومك بالمِرْباع! قال: قلت: بلى، قال: فإنّ ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجلْ والله - وعرفت أنه نبيٌّ مرسل يعلم ما يُجهل - قال: ثم قال: لعلّه يا عديّ بن حاتم؛ إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم! فوالله ليوشِكَنَّ المال يفيض فيهم حتى لا يُوجَد مَنْ يأخذه؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوّهم وقله عددهم؛ فوالله لَيوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرُجُ من القادسيّة على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف إلا الله؛ ولعلّه إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أنّ المُلك والسلطان في غيرهم، وايمُ الله ليوشكَنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت. قال: فأسلمت، فكان عَدِيُّ بن حاتم يقول: مضت الثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ! قد رأيت القصور البيض

стр. 2652

من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تَخرج من القادسيّة على بعيرها لا تخاف شيئًا حتى تحجّ هذا البيت. وايم الله لتكونَن الثالثة ليفيضَنَّ المال حتى لا يوجد من يأخذه (١). (٣: ١١٢/ ١١٣ / ١١٤/ ١١٥). * * * قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات ٣٧١ - قال الواقديّ: وفيها قدم على رسول الله ﷺ وفد بني تميم، فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن

стр. 2653

قتادة وعبد الله بن أبي بكر، قالا: قدِم على رسول الله ﷺ عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدَس التميمي في أشراف من تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزّبرقان بن بدر التميميّ ثم أحد بني سعد، وعمرو. بن الأهتم، والحُتات (١) بن فلان، ونعيم بن زيد، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عَظيم من بني تميم، معهم عُيينة بن حصن بن حُذيفة الفزاريّ - وقد كان الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصْن شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحصار الطائف، فلمّا وَفَدَ وَفْدُ بني تميم كانا معهم - فلمّا دخل وفد بني تميم المسجد، نادَوْا رسولَ الله ﷺ من وراء الحُجُرات: أن اُخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك من صياحهم رسولَ الله ﷺ ؛ فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد! جئناك لنفاخرَك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت لخطيبكم فليقلْ. فقام إليه عُطارد بن حاجب، فقاله: الحمدُ لله الذي له علينا الفَضْل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددًا. وأيسره عُدَّةً، فمن مثلُنا في الناس! ألسْنا برؤوس الناس وأولي فضلهم! فمن يفاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا؛ وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام؛ ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا؛ وإنا نُعرف. أقول هذا الآن لتأتونا بمثلِ قولنا، وأمرٍ أفضلَ من أمرنا، ثم جلس. فقال رسولُ الله ﷺ لثابت بن قيس بن شمّاس أخي بلحارث بن الخزرج: قمْ فأجب الرجل في خطبته. فقام ثابت، فقال: الحمدُ لله الذي السمواتُ والأرضُ خَلْقُه، قضى فيهنّ أمره، وَوسِعَ كُرْسيّه علمه. ولم يك شيء قطّ إلّا من فضله. ثم كان من قدرته أنْ جعلنا ملوكًا واصطفى من خير خلقه رسولًا أكرمهم نَسَبًا، وأصْدَقهم حَدِيثًا، وأفضلهم حَسبًا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خَلْقِه؛ فكان خِيَرَةَ الله من العالمين، ثم دعا الناسَ إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رَحِمِه؛ أكرم الناس أنسابًا، وأحسن الناس وجوهًا؛ وخير الناس فعالًا؛ ثم كان أوّل الخلق إجابةً - واستجاب لله حين دعا رسول الله ﷺ نحنُ؛ فنحنُ أنصارُ الله ووُزراء رسوله، نقَاتِل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله وَدَمَه، ومَنْ كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يَسِيرًا، أقول قولي هذا

стр. 2654

وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات، والسلام عليكم. قالوا: يا محمد، ائذَنْ لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزِّبرقان بن بدر فقال: نحْنُ الكرامُ فلا حَيٌّ يُعادِلُنا ... منَّا الملوكُ وفينَا تُنصَبُ البِيَعُ وكَم قَسَرْنا من الأحياء كلّهم ... عند النِّهَابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبعُ ونحن نُطْعم عند القَحْطِ مطعَمنا ... منَ الشِّوَاءِ إذا لم يُؤنَس القَزَعُ ثم ترَى الناسَ تأْتينا سَرَاتُهُم ... من كلِّ أرضٍ هُويًّا ثمَّ نَصْطَنعُ فَنَنْحَرُ الكُومَ عُبْطًا في أرُومَتِنَا ... للنَّازِلينَ إذا ما أنزِلوا شَبِعُوا فلا تَرَانا إلَى حَيّ نُفاخِرُهُمْ ... إلا اسْتَقَادُوا أو كادَ الرَّأسُ يُقْتَطَعُ إنا أبَينا ولَنْ يأْبَى لنا أحَدٌ ... إنا كَذلِكَ عند الفَخْرِ نَرْتَفِعُ فمَنْ يُقَادِرنَا في ذاكَ يعْرِفنا ... فيرجِع القَوْل والأخبَارُ تُسْتَمَعُ وكان حسّان بن ثابت غائبًا، فبحث إليه رسول الله ﷺ ، قال حسان: فلمّا جاءني رسولهُ فأخبرني أنه إنما دَعَاني لأجيبَ شاعر بني تميم، خرجتُ إلى رسول الله، وأنا أقول: مَنَعنَا رسولَ اللهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... على كلِّ باغٍ من مَعَدٍّ وراغِمِ منعْنَاه لمّا حَلَّ بين بُيُوتنا ... بأسْيافنا من كلِّ عادٍ وظالِم ببَيتٍ حَرِيدٍ عِزُّه وثَرَاؤُه ... بجابِيَةِ الجَوْلانِ وَسْطَ الأعاجِمِ هَلِ المَجْد إلا السُّؤدُد العَوْد والنَّدَى ... وَجَاهُ الملوكِ وَاحتمالُ العَظَائم! قال: فلما انتهيتُ إلى رسولِ الله ﷺ وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضتُ في قوله وقلت على نحوٍ مما قال؛ فلما فرغ الزِّبرقان بن بدر من قوله قال رسولُ الله ﷺ لحسّان: قم يا حسّان فأجب الرجل فيما قال، قال: فقال حسان: إنَّ الذَّوَائِبَ من فِهْرٍ وَإخْوتَهِم ... قد بيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ يَرْضَى بها كلُّ مَن كانت سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الإِلهِ وكلُّ الخير يُصْطَنَعُ قومٌ إذا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهمُ ... أو حَاوَلُوا النَّفْعَ في أشياعهمْ نَفَعُوا سَجيَّةٌ تلك منهم غير مُحْدَثَةٍ ... إنَّ الخلائق فاعلم شَرُّها الْبِدَعُ إنْ كانَ في الناسِ سَبَّاقونَ بَعْدَهُمُ ... فكلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ لَا يَرقعُ الناسُ ما أَوْهَتْ أكُفُّهمُ ... عند الدِّفاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا إِنْ سابَقوا الناسَ يَوْمًا فازَ سَبْقُهُمُ ... أوْ وَازنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بالنَّدَى مَتَعُوا

стр. 2655

أعِفَّةٌ ذكِرَتْ في الوَحْي عِفَّتُهمْ ... لا يَطْبَعونَ وَلَا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ لا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفضْلِهِمُ ... ولايَمَسُّهم من مَطْمَع طَبَعُ إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لم نَدِبّ لهم ... كما يَدِبُّ إلَى الوَحْشِيَّةِ الذّرَعُ نَسْمو إذَا الْحَرْبُ نالتْنا مَخَالِبُها ... إذَا الزّعَانِفُ من أظْفارِها خَشَعُوا لَا فَخْرَ إن هُمْ أصابوا من عَدوِّهِم ... وإِنْ أُصِيبوا فَلَا خُورٌ ولا هُلُعُ كَأَنهمْ في الوَغَى والمَوْتُ مُكْتنِعٌ ... أسْدٌ بحَلْيَةَ في أَرْسَاغِها فَدَعُ خذْ منهم مَا أَتوا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ... ولا يكن همُّكَ الأَمرُ الذي مَنَعوا فإن في حربهم- فَاترُكَ عَدَاوتَهُمْ ... شرًّا يُخَاضُ عليه السّمُّ وَالسلَعُ أكْرِمْ بقومٍ رسول الله شِيعَتهم ... إذا تفرَّقَتِ الأَهوَاءُ والشِّيَعُ أهدي لهم مِدْحَتي قَلْبٌ يُوازِرهُ ... فيما أُحِبَّ لسانٌ حائكٌ صَنَعُ فإِنهمْ أفضَلُ الأحيَاء كلّهمُ ... إنْ جَدَّ بالناسِ جِدُّ القوْلِ أو شَمَعُوا فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقْرَعُ بن حابس: وأَبِي إنّ هذا الرجل لمُؤْتًّى له! لخَطيبُه أخطب من خطيبنا، ولشَاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلمّا فرغ القوم أسلموا، وجَوّزهم رسولُ الله ﷺ فأحْسَنَ جوائزهم - وكان عمرو بن الأهتم قد خلَّفه القوم في ظهرهم - فقال قيس بن عاصم - وكان يُبغِض عمرو بن الأهتم: يا رسولَ الله؛ إنه قد كان منّا رجلٌ في رحالنا وهو غلام حَدَثٌ، وأزرِي به، فأعطاه رسولُ الله ﷺ مثلَ ما أعطى القوم؛ فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه ذلك من قول قيس بن عاصم، وهو يهجوه: ظَلِلْتَ مُفْتَرِشًا هَلباكَ تَشْتمُني ... عند الرسولِ فلم تَصدُقْ ولم تُصِبِ إنْ تُبْغِضُونا فَإن الرُّومَ أَصْلكُمُ ... وَالرُّوم لا تَملِك البغضاء لِلعَرب سُدْنا فسُودَدُنا عَوْدٌ وسُودَدُكمْ ... مُؤَخَّرٌ عند أصلِ العَجْبِ والذّنَبِ (١) (٣: ١١٥/ ١١٦ / ١١٧/ ١١٨ / ١١٩). ٣٧٢ - قال الواقديّ: وفيها مات عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول، مرِضَ في ليال بقِينَ من شوال، ومات في ذي القَعْدة، وكان مرضه عشرين ليلة (٢). (٣: ١٢).

стр. 2656

قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم قال: وفيها قدم على رسول الله ﷺ كتابُ ملوك حِمْيَر في شهر رمضان مُقرين بالإسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال، والنعمان قَيل ذي رُعَين (١) (٣: ١٢٠). ٣٧٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ﷺ كتابُ ملوكِ حمْيَر مَقدمَهُ من تَبُوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال، والنعمان قيل ذي رُعَين، وهَمْدان ومَعافِر. وبعث إليه زُرْعة ذو يَزَن مالكَ بن مُرَّة الرَّهاويّ بإسلامه، ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبيّ رسول الله إلى الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال والنعمان قَيل ذي رُعَين وهَمْدان ومَعافر؛ أما بعد ذلكم؛ فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعدُ؛ فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلَنَا من أرض الرّوم، فلقيَنا بالمدينة، فبلّغ ما أرسَلْتم، وخَيَّر ما قِبَلَكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين؛ وإنّ الله قد هداكم بهدايته، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة؛ وأعطيتم من المغانم خُمس الله، وسهم نبيّه وصفته؛ وما كُتِب على المؤمنين من الصّدقة من العقار عُشْرُ ما سَقَت العين وما سَقَت السماءُ، وكلّ ما سُقِي بالغَرْب نصف العُشْر، وفي الإبل في الأربعين ابنة لَبون، وفي ثلاثين من الإبل ابنُ لبون ذكرٌ، وفي كلّ خمس من الإبل شاة، وفي كلّ عشر من الإبل شاتان، وفي كلّ أربعين من البقر بقرةٌ، وفي كلّ ثلاثين من البقر تَبيعٌ؛ جذَعٌ أو جَذَعَة، وفي كلّ أربعين من الغنم سائمة وحدَها، شاة. وإنها فريضة الله الَّتي فرض على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، ومَنْ أذَى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين؛ فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمّة الله وذمة رسوله. وإنه مَنْ أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ فإنّ له مثل ما لهم وعليه مثل

стр. 2657

ما عليهم، ومَنْ كان على يهوديّته أو نصرانيته فإنه لا يفتَنُ عنها، وعليه الجزية؛ على كلّ حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد؛ دينار وافٍ أو قيمته من المَعافر أو عرْضُهُ ثيابًا؛ فمن أذى ذلك إلى رسول الله؛ فإنَّ له ذمة الله وذمة رسوله، ومَنْ منعه فإنه عدوٌّ لله ولرسوله. أما بعد؛ فإنَّ رسولَ الله محمدًا النبي أرسلَ إلى زُرْعة ذي يَزن أن إذا أتتْكم رُسُلي فأوصيكم بهم خيرًا: مُعاذ بن جَبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عُبادة، وعُقْبة بن نَمِر، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم؛ وأن اجْمَعُوا ما عندكم من الصدقة والجزْية من مخالفيكم وبلّغوها رُسُلي، وإنّ أميرهم معاذ بن جبل؛ فلا ينقلبنّ إلَّا راضيًا. أما بعد؛ فإنَّ محمدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله؛ ثم إن مالك بن مرة الرُّهاويّ قد حدثني أنك أسلمت من أوّل حميَر، وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرًا، ولا تَخُونُوا ولا تخذلوا فإنَّ رسولَ الله مولى غنيّكم وفقيركم؛ وإنّ الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهله؛ إنما هي زكاة يتزكّى بها على فقراء المؤمنين وأبناء السبيل؛ وإنَّ مالكًا قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب، وآمرُكم به خيرًا، وإني قد بعثت إليكم من صالحي أهلي وأولي ديني، وأولي علمهم؛ فآمركم بهم خيرًا فإنه منظور إليهم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١). (٣: ١٢٠/ ١٢١ / ١٢٢). قال الواقديّ: وفيها قدمَ وفْدُ بَهْراء على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر رجلًا، ونزلوا على المقداد بن عمرو. قال: وفيها قدم وفد بني البَكَّاء. وفيها قدم وفد بني فَزارة؛ وهم بضعة عشر رجلًا، فيهم خارجة بن حصن (٢). (٣/ ١٢٢). ٣٧٤ - قال: وفيها حجّ أبو بكر بالناس ثم خرج أبو بكر من المدينة في

стр. 2658

ثلاثمئة، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بَدَنَة، وساق أبو بكر خمسَ بدنَات. وحجّ فيها عبد الرحمن بن عوف وأهدى. وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵇ على أثر أبي بكر ﵁، فأدركه بالعرَج، فقرأ على عليه براءة يوم النحر عند العقَبة. فحدَّثني محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المُفَضَّل، قال: حدَّثنا أسباط؛ عن السُّدِّيّ، قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين -يعني: من سورة براءة- فبعث بهنَّ رسول الله مع أبي بكر، وأمَّره على الحجّ، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحُلَيفة أتبعه بعليّ، فأخذها منه؛ فرجع أبو بكر إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأمي! أنزَل في شأني شيءٌ؟ قال: لا؛ ولكن لا يبلّغ عني غيري أو رجل منّي. أما ترضى يا أبا بكر أنك كنتَ معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض! قال: بلَى يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحجّ، وسار عليٌّ يُؤذِن ببراءة، فقام يوم الأضْحَى فآذن فقال: لا يقرَبنّ المسجد الحرام مشرِك بعد عامه هذا، ولا يطوفَنَّ بالبيت عُريان، ومَنْ كان بينه وبين رسول الله عهد فله عهده إلى مدَّته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يُدخل الجنة إلَّا مَنْ كان مسلمًا. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمّك إلَّا من الطعن والضرب. فرجع المشركُون فلام بعضهم بعضًا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسْلَمَتْ قريش! فأسلموا (١). (٣: ١٢٢/ ١٢٣). ٣٧٥ - حدَّثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدَّثنا أبو معشَر، قال: حدَّثنا محمد بن كعب القرَظيّ وغيره، قالوا: بعث رسولُ الله ﷺ أبا بكر أميرًا على المَوْسِم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب

стр. 2659

بثلاثين أو أربعين آية من "براءة"، فقرأها على الناس، يؤجّل المشركين أربعة أشهر يَسِيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة، أجّل المشركين عشرين يومًا من ذي الحجّة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، ولا يحجّنَّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان (١). (٣: ١٢٣). ٣٧٦ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فُرضت الصدقات، وفَرَّق فيها رسول الله ﷺ عُمَّاله على الصدقات. وفيها نزل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾؛ وكان السبب الذي نزل ذلك به قصّة أمر ثعلبة بن حاطب، ذكر ذلك أبو أمامة الباهليّ (٢). (٣: ١٢٣/ ١٢٤). ٣٧٧ - قال الواقديّ: وفي هذه السنة ماتت أمّ كلثوم ابنة رسولِ الله ﷺ في شعبان، وغسلَتْها أسماء بنت عُمَيس، وصفيّة بنت عبد المطلب. قال: وقيل غسلتْها نسوة من الأنصار، فيهنّ امرأة يقال لها: أم عطيّة، ونزل في حفرتها أبو طلحة. قال: وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ (٣). (٣: ١٢٤). * * * ثم دخلت سنة عشر [سريّة خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب وإسلامهم] ٣٧٨ - قال أبو جعفر: فبعث فيها رسولُ الله ﷺ خالدَ بن الوليد في شهر ربيع الآخر -وقيل: في شهر ربيع الأول، وقيل: في جُمَادى الأولى- سريّةً في أربعمئة إلى بني الحارث بن كعب.

стр. 2660

فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خالدَ بن الوليد في شهر ربيع الآخر -أو في جمادى الأولى- من سنة عشر إلى بَلْحارث بن كعب بنجْران، وأمره أن يدعوَهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابُوا لك فاقبل منهم، وأقِمْ فيهم، وعلِّمهم كتابَ الله وسنّة نبيِّه، ومعالم الإسلام، فإن لم يفعلوا؛ فقاتلْهم. فخرج خالدٌ حتى قدِم عليهم، فبعث الرّكبان يضربون في كلّ وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسْلموا تَسْلَموا. فأسلم الناس، ودِخلوا فيما دعاهم إليه، فأقام خالد فيهم؛ يعلّمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيِّه. ثم كتب خالدٌ إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد النبيّ رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد، السّلام عليك يا رسولَ الله ورحمة الله وبركاته؛ فإني أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد يا رسولَ الله صلى الله عليك؛ بعثتَني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتُهم ألَّا أقاتلَهم ثلاثةَ أيام، وأن أدعوَهم إلى الإسلام؛ فإن أسلموا قبلتُ منهم وعلّمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيّه، وإن لم يُسْلموا قاتلتهم. وإني قدمتُ عليهم فدعوتُهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسولُ الله ﷺ ، وبعثت فيهم ركبانًا قالوا: يا بني الحارث، أسْلِموا تَسْلَموا، فأسلَموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيمٌ بين أظهرهم وآمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عمّا نهاهم الله عنه؛ وأعلّمهم معالم الإسلام وسنة النَّبيّ ﷺ حتى يكتب إليّ رسول الله، والسلام عليك يا رسُولَ الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسولُ الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبيّ رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فإنَّ كتابك جاءني مع رسُلك بخبر أنّ بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتَلوا، وأجابوا إلى ما دعوتَهم إليه من الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه؛ فبشِّرْهم وأنذِرْهم، وأقْبل وليُقِبل معك وفدُهم؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

стр. 2661

فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفدُ بلْحارث بن كعب؛ فيهم: قيس بن الحُصين بن يزيد بن قَنَان ذي الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المُحَجَّل، وعبد الله بن قُرَاد الزياديّ؛ وشدّاد بن عبد الله القَنانيّ، وعمرو بن عبد الله الضبَّابي. فلما قدِمُوا على رسولِ الله ﷺ ، فرآهم قال: مَنْ هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب؛ فلمّا وقفوا عند رسول الله ﷺ سلَّموا عليه، فقالوا: نشهد أنك رسولُ الله، وأن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال رسولُ الله ﷺ : أنتم الذين إذا زُجِروا استقدموا! فسكتوا، فلم يراجعْه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله ﷺ الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله ﷺ الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسولُ الله الرابعة، فقال يزيد بن عبد المَدان: نعم يا رسولَ الله، نحن الذين إذا زُجِرنا استقدمنا، فقالها أربعَ مرات، فقال رسول الله ﷺ : لو أن خالدَ بن الوليد لم يكتُبْ إليّ فيكم أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقداسكم. فقال يزيد بن عبد المدان: أمَّا والله يا رسول الله، ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا، فقال رسول الله: فمن حَمِدتم؟ قالوا: حَمِدْنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله؛ قال: صدقتم؛ ثم قال رسولُ الله ﷺ : بمَ كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم في الجاهليّة؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، فقال رسولُ الله: بلى قد كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم، قالوا: يا رسولَ الله، كنا نغلب مَنْ قاتلنا، أنَّا كنا بني عبيد، وكنا نجتمع ولا نتفرّق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: صدقتم. ثم أمَّر رسولُ الله على بلْحارث بن كعب قيسَ بن الحُصين. فرجع وفد بلْحارث بن كعب إلى قومهم في بقيّة شوال أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن قدِموا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفِّيَ رسول الله ﷺ (١). (٣: ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨). ٣٧٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني

стр. 2662

عبدُ الله بن أبي بكر، قال: وكان رسولُ الله ﷺ بعثَ إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولَّى وفدهم عَمْرَو بن حزم الأنصاريّ، ثم أحد بني النّجار؛ ليفقّههم في الدين ويعلّمهم السنّة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابًا عهد إليه فيه، وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ عقدٌ من محمد النبيّ لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمر به الله وأن يبشّر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلِّم الناس القرآن، ويفقّههم في الدين، وينهى الناس ولا يمسّ أحد القرآن إلَّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم؛ والذي عليهم؛ ويلين للناس في الحقّ، ويشتدّ عليهم في الظلم؛ فإنّ الله كره الظلم ونهى عنه وقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشِّر الناس بالجنة وبعملها، ويُنذر بالنار وبعملها، ويستألِف الناس حتى يتفقّهوا في الدّين، ويعلّم الناس معالمَ الحجّ وسنَّته وفريضته، وما أمر الله به في الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر؛ وهو العُمْرة، وينهَى الناس أن يصلِّيَ أحدٌ في ثوب واحد صغير؛ إلا أن يكون ثوبًا واحدًا يثني طرَفه على عاتقه، وينهى أن يحتبِيَ أحدٌ في ثوب واحد يُفْضِي بفرْجه إلى السماء، وينهى ألَّا يعقص أحد شعر رَأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هَيجٌ عن الدعاء إلى القبائل والعشائر؛ وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له؛ فمن لم يدعُ إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطَّعُوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله ، وأمره بالصَّلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، ويغلِّس بالفجر، ويهجِّر بالهاجرة حين تَمِيل الشمس، وصلاةِ العصر والشمسُ في الأرض مدبرة، والمغرب حينَ يقبل الليل؛ لا تؤخَّر حتى تبدوَ النجوم في السماء، والعشاء أوّلَ الليل. ويأمر بالسَّعي إلى الجُمُعة إذا نودي لها، والغُسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خُمسَ الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عُشْر ما سقى البعل وما سقت السماء ومِمَّا سقى الغرْب نصف العشر، وفي كلّ عشْر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين من الإبلِ أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جَذعٌ أو

стр. 2663

جَذَعةٌ، وفي كل أربعين من الغنم سائمةٌ شاةٌ؛ فإنها فريضة الله التي افترض الله على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، وأنه مَنْ أسلم من يهوديّ أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه، ودانَ دين الإسلام فإنه من المؤمنين؛ له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم؛ ومَنْ كان على نصرانيّته أو يهوديته فإنه لا يُفْتَن عنها، وعلى كلّ حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ أو عَرْضه ثيابًا؛ فمن أدّى ذلك، فإن له ذمّة الله وذقة رسوله، ومَنْ منع ذلك فإنه عدوٌّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا (١). (٣: ١٢٨/ ١٢٩). قال الواقديّ: وفي هذه السنة قدم وفد سَلامان في شوّال على رسول الله ﷺ ، وهم سبعة نفر؛ رأسهم حبيب السَّلامانيّ. وفيها قدِم وَفْد غَسَّان في رمضان. وفيها قدم وفد غامد في رمضان (٢). (٣: ١٣٠). * * * قدوم وفد الأزد ٣٨٠ - وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صُرَد بن عبد الله في بضعة عشر. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: قدم على رسولِ الله ﷺ صُرَد بن عبد الله الأزديّ فأسلم فحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمّره رسولُ الله على مَنْ أسلم من قومه،

стр. 2664

وأمَره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، فخرج صُرَد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله في جيش حتى نزل بجُرَش؛ وهي يومئذ مدينة مغلَقة، وفيها قبائل اليمن، وقد ضوَتْ إليهم خَثْعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين، فحاصروهم بها قريبًا من شهر، وامتنعوا منهم فيها. ثم إنه رجع عنهم قافلًا؛ حتى إذا كان إلى جبل يقال له: "كَشر" ظنَّ أهل جُرَش أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا؛ فخرجوا في طلبه؛ حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلًا؛ وقد كان أهل جُرَش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينا هما عند رسول الله عشيّةً بعد العصر؛ إذْ قال رسولُ الله ﷺ : بأيّ بلاد الله شَكْر؟ فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله؛ ببلادنا جبل يقال له جبل كَشر؛ وكذلك تسمّيه أهلُ جرش، فقال: إنه ليس بكشرَ؛ ولكنه "شكر" قالا: فما له يا رسول الله؟ قال: إنَّ بُدْنَ الله لتُنحر عنده الآن. قال: فجلس الرَّجُلان إلى أبي بكر وإلى عثمان، فقالا لهما: ويحكما! إنّ رسول الله الآن لينْعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: اللهمَّ ارفع عنهم؛ فخرجا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا يوم أصابهم صُرَد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ ما قال؛ وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر؛ فخرج وفدُ جُرَش حتى قدِموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحَمَى لهم حِمىً حول قريتهم على أعلام معلومة للفرَس، وللراحلة، وللمثيرة تُثير الحرث؛ فَمَنْ رعاها من الناس سوى ذلك فمالُه سُحْتٌ، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة -وكانت خثعم تصيب من الأزْد في الجاهلية وكانوا يغزُون في الشهر الحرام -: يا غَزْوَةً مَا غَزَوْنا غَيرَ خَائِبَةٍ ... فيها البغالُ وفيها الخيلُ والحمُرُ حتى أتينا حُمَيرًا في مَصَانِعِها ... وجَمْع خَثْعَمَ قَدْ سَاغَتْ لَها النُّذُرُ إذا وَضَعْتُ غَلِيلًا كنت أَحْمِلُه ... فَما أُبالِي أَدَانوا بعْدُ أمْ كَفَروا! (١) (٣: ١٣٠/ ١٣١).

стр. 2665

قدوم وفد زُبيد ٣٨١ - قال أبو جعفر: وفيها قدِم وفدُ زُبيد على النبيّ ﷺ بإسلامهم. فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدِم على رسولِ الله ﷺ عمرُو بن معد يكرب في أناس من بني زُبَيد، فأسلم، وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكْشُوح المُراديّ حين انتهى إليهم أمرُ رسول الله ﷺ : يا قيس؛ إنك سيّد قومِك اليوم؛ وقد ذُكر لنا أنّ رجلًا من قريش يقال له: محمد قد خرج بالحجاز يقول: إنّي نبيّ؛ فانطلق بنا إليه حتى نعلم عِلْمَه؛ فإن كان نبيًّا كما يقول؛ فإنه لا يخفى عليك. إذا لقيناه؛ اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه ذلك قيسُ بن مكشوح وسَفَّه رأيه. فركب عمرو بن معد يكربَ حتى قدِم على رسول الله ﷺ ، فصدَّقه وآمن به؛ فلما بلغ ذلك قيسًا أوعد عَمرًا، وتحفّظ عليه، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عمرو في ذلك: أمَرْتكَ يَومَ ذي صَنْعَا ... ء أمْرًا بادِيًا رَشَدُهْ أَمَرْتكَ باتِّقاء اللـ ... ـه والمعروف تَتَّعِدُه خَرَجتَ مِنَ المُنَى مثْل الـ ... ـحِمَارِ أعارَهُ وَتِدُهْ تَمَنَّانِي على فرسٍ ... عليه جَالِسًا أسدُهْ عليّ مُفَاضَةٌ كالنِّهْـ ... ـيِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جَدَدُه تَرُدُّ الرُّمْح مَثْنِيَّ الـ ... ـسِّنانِ عَوَائرًا قِصَدُهْ فلَوْ لاقَيتَني لاقيـ ... ـت لَيثًا فوقه لِبَدُهْ تلاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الـ ... ـبَرَاثِنِ ناشِزًا كتَدُهْ يُسَامي القِرْنَ إنْ قِرْنٌ ... تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ فَيَأْخُذُه فَيَرْفَعُه ... فَيَخْفِضُه فيَقْتَصِدُهْ فَيدْمَغه فَيَحْطِمُهُ ... فَيَخْضِمه فَيَزْدَرِدُهْ ظَلومُ الشِّركِ فيما أحـ ... ـرَزَتْ أنيابُهُ ويَدُهْ مَتى ما يغْد أو يُغْدَى ... به فَقبوله بردهْ فَيخطر مِثْل خَطْرِ الفَحـ ... ـلِ فَوقَ جِرانِهِ زَبَدُهْ
следующие страницы →