فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفدُ بلْحارث بن كعب؛ فيهم: قيس بن الحُصين بن يزيد بن قَنَان ذي الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المُحَجَّل، وعبد الله بن قُرَاد الزياديّ؛ وشدّاد بن عبد الله القَنانيّ، وعمرو بن عبد الله الضبَّابي. فلما قدِمُوا على رسولِ الله ﷺ ، فرآهم قال: مَنْ هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب؛ فلمّا وقفوا عند رسول الله ﷺ سلَّموا عليه، فقالوا: نشهد أنك رسولُ الله، وأن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال رسولُ الله ﷺ : أنتم الذين إذا زُجِروا استقدموا! فسكتوا، فلم يراجعْه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله ﷺ الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله ﷺ الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسولُ الله الرابعة، فقال يزيد بن عبد المَدان: نعم يا رسولَ الله، نحن الذين إذا زُجِرنا استقدمنا، فقالها أربعَ مرات، فقال رسول الله ﷺ : لو أن خالدَ بن الوليد لم يكتُبْ إليّ فيكم أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقداسكم. فقال يزيد بن عبد المدان: أمَّا والله يا رسول الله، ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا، فقال رسول الله: فمن حَمِدتم؟ قالوا: حَمِدْنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله؛ قال: صدقتم؛ ثم قال رسولُ الله ﷺ : بمَ كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم في الجاهليّة؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، فقال رسولُ الله: بلى قد كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم، قالوا: يا رسولَ الله، كنا نغلب مَنْ قاتلنا، أنَّا كنا بني عبيد، وكنا نجتمع ولا نتفرّق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: صدقتم. ثم أمَّر رسولُ الله على بلْحارث بن كعب قيسَ بن الحُصين. فرجع وفد بلْحارث بن كعب إلى قومهم في بقيّة شوال أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن قدِموا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفِّيَ رسول الله ﷺ (١). (٣: ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨).
٣٧٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني
стр. 2662
عبدُ الله بن أبي بكر، قال: وكان رسولُ الله ﷺ بعثَ إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولَّى وفدهم عَمْرَو بن حزم الأنصاريّ، ثم أحد بني النّجار؛ ليفقّههم في الدين ويعلّمهم السنّة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابًا عهد إليه فيه، وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ عقدٌ من محمد النبيّ لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمر به الله وأن يبشّر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلِّم الناس القرآن، ويفقّههم في الدين، وينهى الناس ولا يمسّ أحد القرآن إلَّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم؛ والذي عليهم؛ ويلين للناس في الحقّ، ويشتدّ عليهم في الظلم؛ فإنّ الله كره الظلم ونهى عنه وقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشِّر الناس بالجنة وبعملها، ويُنذر بالنار وبعملها، ويستألِف الناس حتى يتفقّهوا في الدّين، ويعلّم الناس معالمَ الحجّ وسنَّته وفريضته، وما أمر الله به في الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر؛ وهو العُمْرة، وينهَى الناس أن يصلِّيَ أحدٌ في ثوب واحد صغير؛ إلا أن يكون ثوبًا واحدًا يثني طرَفه على عاتقه، وينهى أن يحتبِيَ أحدٌ في ثوب واحد يُفْضِي بفرْجه إلى السماء، وينهى ألَّا يعقص أحد شعر رَأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هَيجٌ عن الدعاء إلى القبائل والعشائر؛ وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له؛ فمن لم يدعُ إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطَّعُوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله ، وأمره بالصَّلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، ويغلِّس بالفجر، ويهجِّر بالهاجرة حين تَمِيل الشمس، وصلاةِ العصر والشمسُ في الأرض مدبرة، والمغرب حينَ يقبل الليل؛ لا تؤخَّر حتى تبدوَ النجوم في السماء، والعشاء أوّلَ الليل. ويأمر بالسَّعي إلى الجُمُعة إذا نودي لها، والغُسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خُمسَ الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عُشْر ما سقى البعل وما سقت السماء ومِمَّا سقى الغرْب نصف العشر، وفي كلّ عشْر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين من الإبلِ أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جَذعٌ أو
стр. 2663
جَذَعةٌ، وفي كل أربعين من الغنم سائمةٌ شاةٌ؛ فإنها فريضة الله التي افترض الله على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، وأنه مَنْ أسلم من يهوديّ أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه، ودانَ دين الإسلام فإنه من المؤمنين؛ له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم؛ ومَنْ كان على نصرانيّته أو يهوديته فإنه لا يُفْتَن عنها، وعلى كلّ حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ أو عَرْضه ثيابًا؛ فمن أدّى ذلك، فإن له ذمّة الله وذقة رسوله، ومَنْ منع ذلك فإنه عدوٌّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا (١). (٣: ١٢٨/ ١٢٩).
قال الواقديّ: وفي هذه السنة قدم وفد سَلامان في شوّال على رسول الله ﷺ ، وهم سبعة نفر؛ رأسهم حبيب السَّلامانيّ.
وفيها قدِم وَفْد غَسَّان في رمضان.
وفيها قدم وفد غامد في رمضان (٢). (٣: ١٣٠).
* * *
قدوم وفد الأزد
٣٨٠ - وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صُرَد بن عبد الله في بضعة عشر. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: قدم على رسولِ الله ﷺ صُرَد بن عبد الله الأزديّ فأسلم فحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمّره رسولُ الله على مَنْ أسلم من قومه،
стр. 2664
وأمَره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، فخرج صُرَد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله في جيش حتى نزل بجُرَش؛ وهي يومئذ مدينة مغلَقة، وفيها قبائل اليمن، وقد ضوَتْ إليهم خَثْعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين، فحاصروهم بها قريبًا من شهر، وامتنعوا منهم فيها. ثم إنه رجع عنهم قافلًا؛ حتى إذا كان إلى جبل يقال له: "كَشر" ظنَّ أهل جُرَش أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا؛ فخرجوا في طلبه؛ حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلًا؛ وقد كان أهل جُرَش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينا هما عند رسول الله عشيّةً بعد العصر؛ إذْ قال رسولُ الله ﷺ : بأيّ بلاد الله شَكْر؟ فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله؛ ببلادنا جبل يقال له جبل كَشر؛ وكذلك تسمّيه أهلُ جرش، فقال: إنه ليس بكشرَ؛ ولكنه "شكر" قالا: فما له يا رسول الله؟ قال: إنَّ بُدْنَ الله لتُنحر عنده الآن. قال: فجلس الرَّجُلان إلى أبي بكر وإلى عثمان، فقالا لهما: ويحكما! إنّ رسول الله الآن لينْعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: اللهمَّ ارفع عنهم؛ فخرجا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا يوم أصابهم صُرَد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ ما قال؛ وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر؛ فخرج وفدُ جُرَش حتى قدِموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحَمَى لهم حِمىً حول قريتهم على أعلام معلومة للفرَس، وللراحلة، وللمثيرة تُثير الحرث؛ فَمَنْ رعاها من الناس سوى ذلك فمالُه سُحْتٌ، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة -وكانت خثعم تصيب من الأزْد في الجاهلية وكانوا يغزُون في الشهر الحرام -:
يا غَزْوَةً مَا غَزَوْنا غَيرَ خَائِبَةٍ ... فيها البغالُ وفيها الخيلُ والحمُرُ
حتى أتينا حُمَيرًا في مَصَانِعِها ... وجَمْع خَثْعَمَ قَدْ سَاغَتْ لَها النُّذُرُ
إذا وَضَعْتُ غَلِيلًا كنت أَحْمِلُه ... فَما أُبالِي أَدَانوا بعْدُ أمْ كَفَروا! (١)
(٣: ١٣٠/ ١٣١).
стр. 2665
قدوم وفد زُبيد
٣٨١ - قال أبو جعفر: وفيها قدِم وفدُ زُبيد على النبيّ ﷺ بإسلامهم. فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدِم على رسولِ الله ﷺ عمرُو بن معد يكرب في أناس من بني زُبَيد، فأسلم، وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكْشُوح المُراديّ حين انتهى إليهم أمرُ رسول الله ﷺ : يا قيس؛ إنك سيّد قومِك اليوم؛ وقد ذُكر لنا أنّ رجلًا من قريش يقال له: محمد قد خرج بالحجاز يقول: إنّي نبيّ؛ فانطلق بنا إليه حتى نعلم عِلْمَه؛ فإن كان نبيًّا كما يقول؛ فإنه لا يخفى عليك. إذا لقيناه؛ اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه ذلك قيسُ بن مكشوح وسَفَّه رأيه.
فركب عمرو بن معد يكربَ حتى قدِم على رسول الله ﷺ ، فصدَّقه وآمن به؛ فلما بلغ ذلك قيسًا أوعد عَمرًا، وتحفّظ عليه، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عمرو في ذلك:
أمَرْتكَ يَومَ ذي صَنْعَا ... ء أمْرًا بادِيًا رَشَدُهْ
أَمَرْتكَ باتِّقاء اللـ ... ـه والمعروف تَتَّعِدُه
خَرَجتَ مِنَ المُنَى مثْل الـ ... ـحِمَارِ أعارَهُ وَتِدُهْ
تَمَنَّانِي على فرسٍ ... عليه جَالِسًا أسدُهْ
عليّ مُفَاضَةٌ كالنِّهْـ ... ـيِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جَدَدُه
تَرُدُّ الرُّمْح مَثْنِيَّ الـ ... ـسِّنانِ عَوَائرًا قِصَدُهْ
فلَوْ لاقَيتَني لاقيـ ... ـت لَيثًا فوقه لِبَدُهْ
تلاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الـ ... ـبَرَاثِنِ ناشِزًا كتَدُهْ
يُسَامي القِرْنَ إنْ قِرْنٌ ... تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ
فَيَأْخُذُه فَيَرْفَعُه ... فَيَخْفِضُه فيَقْتَصِدُهْ
فَيدْمَغه فَيَحْطِمُهُ ... فَيَخْضِمه فَيَزْدَرِدُهْ
ظَلومُ الشِّركِ فيما أحـ ... ـرَزَتْ أنيابُهُ ويَدُهْ
مَتى ما يغْد أو يُغْدَى ... به فَقبوله بردهْ
فَيخطر مِثْل خَطْرِ الفَحـ ... ـلِ فَوقَ جِرانِهِ زَبَدُهْ
стр. 2666
فأمسَى يَعتريه مِنَ الـ ... ـبَعوضِ ممنَّعًا بلَدُهْ
فلا تَتَمَنَّني وتَمنَّ ... غَيريَ لَيّنًا كَتَدُهْ
وبَوِّئنِي له وَطَنًا ... كَثِيرًا حوْلَه عَدَدُهْ
قال: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زُبَيد؛ وعليهم فَرْوة بن مُسَيك المُراديّ، فلما توفيّ رسولُ الله ﷺ ارتدّ عمرو فقال حين ارتدّ:
وَجَدْنا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرَّ مُلْكٍ ... حِمَارًا سَافَ مُنْخرُه بِقَذْرِ
وكنْتَ إذا رَأَيتَ أبا عُمَيرٍ ... ترَى الحُوَلاءَ مِنْ خُبْثٍ وغَدْرِ (١)
(٣: ١٣٢/ ١٣٣ / ١٣٤).
* * *
قدوم فَرْوَة بن مسيك المراديّ
٣٨٢ - وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة -أعني: سنة عشر- قبل قدوم عمرو بن معد يكرب، فرْوَةُ بن مُسَيك المُراديّ مفارقًا لملوك كِندة. فحدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدِم فَرْوة بن مُسيك المراديّ على رسول الله ﷺ مفارقًا لملوك كِنْدَة، ومعاندًا لهم؛ وقد كان قبَيلَ الإسلام بين مُراد وهَمْدان وقعة أصابت فيها هَمْدان من مُرَاد ما أرادوا؛ حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له: الرَّزْم؛ وكان الذي قاد هَمْدان إلى مُراد الأجدع بن مالك، ففضحهم يومئذ، وفي ذلك يقول فَرْوة بن مُسَيك:
فَإنْ نَغْلِبْ فغلَّابونَ قِدْمًا ... وإن نُهْزَمْ فغَيرُ مُهَزَّمِينا
وإنْ نُقْتَل فلا جُبْنٌ ولكن ... منايانا وطُعْمَةُ آخَرِينا
كَذَاك الدَّهْر دولته سِجَالٌ ... تكرُّ صُرُوفُه حينًا فحينا
فبَينَاهُ يُسَرُّ بِهِ وَيرضَى ... ولَو لُبِسَتْ غَضارَتهُ سِنِينَا
إذ انْقَلَبَتْ بِهِ كرَّاتُ دَهْرٍ ... فألفى للأولى غَبَطُوا طَحِينا
ومَنْ يُغْبَط برَيبِ الدَّهْرِ منهم ... يجِدْ رَيبَ الزّمَانِ لَه خَؤونا
فلَوْ خَلَدَ الملوكُ إذًا خَلَدْنا ... ولوْ بَقِيَ الكِرامُ إذًا بَقِينا
стр. 2667
فأفْنى ذَاكُمُ سَرَوَات قوْمِي ... كما أفْنى القرون الأوّلينا
ولما توجّه فروة بن مُسَيك إلي رسولِ الله ﷺ مفارقًا لملوك كِنْدة قال:
لما رَأَيتُ ملوكَ كِنْدَة أَعْرَضت ... كالرِّجْل خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نسَائها
يمّمْتُ رَاحلتي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أرْجُوا فوَاضِلها وَحُسْنَ ثَرَائها
قال: فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ قال له رسول الله -فيما بلغني-: يا فرْوة، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرَّزم؟ فقال: يا رسول الله، ومَنْ ذا يصيب قومَه مثل ما أصاب قومِي يوم الرّزم لا يسوؤه ذلك! فقال رسولُ الله ﷺ : أما إنّ ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرًا. فاستعمله رسولُ الله على مُراد وزُبَيد ومَذْحِج كلّها؛ وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصَّدَقة، وكان معه في بلاده حتى تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ (١). (٣: ١٣٤/ ١٣٥).
٣٨٣ - حدَّثنا أبو كُرَيب وسفيان بن وكيع، قالا: حَدَّثنا أبو أسامة، قال: أخبرنا مجالد، قال: حدَّثنا عامر عن فَرْوة بن مُسَيك، قال: قال رسول الله: أكرهت يومك ويوم هَمْدان؟ فقلت: إي والله! أفنى الأهل والعشيرة؛ فقال: أما إنه خيرٌ لمن بقي (٢). (٣: ١٣٦).
قدوم الجارود في وفد عبد القيس
وقد كان رسول الله بعث العَلاءَ بن الحضرميّ قبل فتح مكة إلى المنذر بن
стр. 2668
ساوَى العبديّ، فأسلم فحسُنَ إسلامه؛ ثم هلك بعد وفاة رسولِ الله، وقبل رِدَّة أهل البَحْرَين، والعَلاءُ أميرٌ عنده لرسول الله على البحرين (١). (٣: ١٣٧).
قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة
٣٨٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق عن شيخ من بني حَنيفة من أهل اليمامة، قال: كان حديثُ مسيلمة على غير هذا، زعم أن وفدَ بني حنيفة أتوْا رسولَ الله ﷺ وخلّفوا مسيلمة في رحالهم؛ فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا قد خلّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا. قال: فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم؛ وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانًا، يحفظ ضيعة أصحابه؛ وذلك [الذي] يريد رسول الله. قال: ثم انصرفوا عن رسول الله وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله؛ فلما انتهى إلى اليمامة ارتدّ عدو الله وتنبأ وتكذّب لهم، وقال: إنّي قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده: ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني: "أما إنه ليس بشرّكم مكانًا"! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشرِكت معه؛ ثم جعل يسجَع السّجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: "لقد أنعم الله على الحُبْلى، أخرج منها نسمة تَسْعَى، من بين صفاق وحشى"، ووضع عنهم الصلاة؛ وأحَلَّ لهم الخمر والزّنى، ونحو ذلك. فشهد لرسولِ الله ﷺ أنه نبيٌّ، فأصفقت بنو حنيفة على ذلك، فالله أعلم أيّ ذلك كان (٢). (٣: ١٣٧/ ١٣٨).
قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة
٣٨٥ - قال الواقديّ: وفيها قدم وفدُ محارب.
وفيها قدم وفدُ الرّهاويّين.
стр. 2669
وفيها قدم وفد العاقب والسَّيِّد من نجْران، فكتب لهما رسول الله ﷺ كتاب الصلح.
قال: وفيها قدم وفد عَبْس.
وفيها قدم وفد صَدِف، وافوْا رسول الله ﷺ في حجّة الوداع.
قال: وفيها قدم عديُّ بن حاتم الطائيّ، في شعبان.
وفيها مات أبو عامر الراهب عند هِرَقل، فاختلف كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن عُلاثة في ميراثه، فَقُضِيَ به لكنانة بن عبد ياليل. قال: هما من أهل المدر، وأنت من أهل الوَبَر (١) (٣: ١٣٩/ ١٤٠).
قدوم رفاعة بن زيد الجذاميّ
قال: وفيها قدم وفد خَوْلان، وهم عشرة.
٣٨٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حَدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق، قال: حدَّثني يزيدُ بن أبي حبيب، قال: قدِم علَى رسول الله ﷺ في هُدْنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجُذاميّ ثم الضبَيبيّ؛ فأهدى لرسول الله غلامًا، وأسلم فحسُن إسلامه، وكتب له رسول الله إلى قومه كتابًا، في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد؛ إني بعثته إلى قومه عامَّةً ومَنْ دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله؛ فَمَنْ أقبل فمنْ حزب الله وحزب رسوله؛ ومَنْ أدبر فله أمان شهرين. فلمّا قدم رفاعة على قومه، أجابوا وأسلموا، ثمّ ساروا إلى الحَرَّة؛ حَرَّة الرّجلاء فنزلوها (٢). (٣: ١٤٠).
٣٨٧ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن رجال من جُذام كانوا بها علماءَ: أنّ رفاعة بن زيد، لما قدِم من عند رسول الله ﷺ بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له، لم يلبث أن أقبل دحْية بن خليفة الكلبيّ مِنْ عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله ومعه
стр. 2670
تجارة له؛ حتى إذا كان بوادٍ من أوديتها، يقال له: شَنَار؛ أغار على دِحْية الهُنَيد بن عَوْص وابنه عوص بن الهُنَيد، الضُّلَيعِيَّان - والضُّلَيع: بطن من جُذام - فأصابا كلّ شيء كان معه؛ فبلغ ذلك نفرًا من بني الضبَيب قوم رفاعة ممنّ كان أسلَم وأجاب، فنفروا إلى الهُنَيد وابنه، فيهم من بني الضُبيب النُّعمان بن أبي جِعال، حتى لقُوهم، فاقتتلوا، وانتمى يومئذ قُرَّةُ بن أشْقَر الضَّفاريّ ثم الضُّلَيعيّ، فقال: أنا ابن لُبْنَى؛ ورمى النُّعمان بن أبي جِعال بسهم فأصاب رُكبَتَه، فقال حين أصابه: خُذْها وأنا ابن لُبنى - وكانت له أمٌ تدعى لُبنى - قال: وقد كان حسّان بن مَلَّة الضُبَيبيّ قد صحب دِحية بن خليفة الكلبيّ قبل ذلك؛ فعلّمه أمَّ الكتاب؛ فاستنقذوا ما كان في يد الهُنيد وابن عوص، فردُّوه على دِحية؛ فسار دحْية حتى قدِم على رسولِ الله، فأخبره خبره، واستسقاه دم الهُنيد وابنه؛ فبعث إليهم رسول الله زيد بن حارثة - وذلك الذي هاج غزوة زيد جُذَامًا، وبعث معه جيشًا - وقد وجَّهت غطفان من جُذام كلّها ووائل ومَنْ كان من سَلامان وسعد بن هُذَيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله؛ فنزلوا بالحَرَّة؛ حرَّة الرجلاء، ورفاعة بن زيد بكُرَاع رَبَّة ولم يعلم، ومعه ناسٌ من بني الضبيب وسائر بني الضّبيب بوادٍ من ناحية الحَرَّة ممَّا يسيل مُشَرِّقًا، وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج، فأغار بالفَضَافِض من قِبَل الحرّة، وجمعوا ما وجدوا من مال وأناس، وقتلوا الهُنَيد وابنه ورجُلَين من بنيِ الأحنف، ورجلًا من بني خَصِيب؛ فلمّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب والجيش بفيفاء مَدَان؛ ركب حسّان بن ملّة على فرس لسُويد بن زيد يقال لها: العَجَاجة، وأنَيف بن ملّة على فرس لملّة، يقال لها: رِغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس له يقال لها: شَمِر؛ فانطلقوا حتى إذا دنوْا من الجيش؛ قال أبو زيد لأنَيف بن مِلَّة: كفّ عنا وانصرِفْ؛ فإنا نخشى لسانَك، فانصرف فوقف عنهما، فلم يبعدا منه؛ فجعل فرسُه تبحث بيدها وتوثّب؛ فقال: لأنا أضنُّ بالرجلين منك بالفرسَين؛ فأرخَى لها حتى أدركهما؛ فقالا له: أمّا إذْ فعلت ما فعلت، فكفّ عنا لسانك ولا تشأمْنا اليوم، وتواطؤوا ألَّا يتكلم منهم إلَّا حسان بن مَلَّة؛ وكانت بينهم كلمة في الجاهلية؛ قد عرفوها؛ بعضهم من بعض؛ إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: "ثوري".
فلمَّا برزوا على الجيش أقبل القومُ يبتدرونَهم؛ فقال حسان: إنا قوم مسلمون؛
стр. 2671
وكان أوّلَ مَنْ لقيهم رجلٌ على فرس أدْهم بائع رمحه يقول معرِّضُه: كأنما ركزه على منسج فرسه جدّ وأعتق؛ فأقبل يسوقهم، فقال أنيف: "ثوري"، فقال حسان: مهلًا! فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال له حسَّان: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرأ أمّ الكتاب، فقرأها حسان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجيش، إنّ الله قد حَرَّمَ علينا ثُغرة القوم التي جاؤوا منها إلا من ختَر؛ وإذا أختٌ لحسان بن ملّة - وهي امرأة أبي وبْر بن عديّ بن أمية بن الضُّبيب - في الأسارى. فقال له زيد: خذها، فأخذت بحَقْويه، فقالت أمُّ الفَزْر الضُّلَيعية: أتَنْطلقون ببناتكم، وتَذَرُون أمّهاتكم! فقال أحد بني خصيب: إنها بنو الضّبيب! وسحرت ألسنَتهم سائر اليوم؛ فسمعها بعضُ الجيش؛ فأخبر بها زيد بن حارثة؛ فأمر بأخت حسان؛ ففُكَت يداها من حَقْويه، فقال لها: اجلسي مع بنات عَمّك حتى يحكم الله فيكنّ حكمه؛ فرجعوا؛ ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاؤوا منه، فأمسَوْا في أهليهم؛ واستعتموا ذَوْدًا لسويد بن زيد؛ فلما شربوا عَتمتَهُمْ ركبوا إلى رفاعة بن زيد؛ وكان ممن ركب إلى رفاعة تلك الليلة أبو زيد بن عمرو وأبو شمَّاس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعْجة بن زيد، وبَرْذع بن زيد، وثعلبة بن عمرو، ومَخْربة بن عديّ، وأنيف بن ملّة، وحسّان بن ملّة، حتى صبَّحُوا رفاعة بن زيد بكراع ربَّةَ بظهر الحرّة على بئر هنالك من حَرَّة ليلى، فقال له حسان بن ملّة: إنك لجالسٌ تحلُبُ المِعْزَى ونساء جذام يُجْرَرْنَ أسارى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به! فدعا رفاعة بن زيد بجمل له؛ فجعل يشكل عليه رحله؛ وهو يقول:
* هل أنت حيٌّ أو تُنَادي حيًّا *
ثم غدا وهم معه بأميّة بن ضفارة أخي الخصيبيّ المقتول مبكّرين من ظهر الحرّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلما دخلوا؛ انتهوا إلى المسجد، ونظر إليه رجلٌ من الناس، مقال لهم: لا تُنيخوا إبلَكم فتقطع أيديهنّ، فنزلوا عنها وهن قيامٌ؛ فلمّا دخلُوا على رسول الله ﷺ ورآهم، ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجلٌ من الناس، فقال: إنّ هؤلاء يا نبيّ الله قومٌ سَحرةٌ؛ فرددها مرّتين؛ فقال رفاعة: رحمَ الله من لم يَجْزنا في يومنا هذا إلا خيرًا! ثم دفع رفاعة كتابه إلى رسول الله الذي كان كتبه
стр. 2672
له، فقال: دونك يا رسول الله قديمًا كتابهُ، حديثًا غدره. فقال رسول الله ﷺ : اقرأ يا غلام وأعلن؛ فلما قرأ كتابهم واستخبرهم فأخبروه الخبر، قال رسول الله: كيف أصنع بالقتلى؟ ثلاث مرات؛ فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلمُ، لا نحرّم عليك حلالًا، ولا نُحلُّ لك حرامًا؛ فقال أبو زيد بن عمرو: أطلقْ لنا يا رسول الله مَنْ كان حيًّا، ومن كان قد قُتِل فهو تحت قدمَيَّ هاتَين. فقال رسول الله: صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليُّ، فقال عليٌّ: يا رسول الله! إنَّ زيدًا لن يطيعَني، قال: خذ سيفي، فأعطاه سيفه، فقال عليّ: ليس لي راحلة يا رسولَ الله أركبها، فحمله رسول الله على جمل لثعلبة بن عمرو، يقال له: المكحال؛ فخرجوا، فإذا رسولٌ لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبْر، يقال لها: الشمر؛ فأنزلوه عنها، فقال: يا عليّ ما شأني؟ فقال له عليٌّ: ما لهم عرفوه فأخذوه. ثم ساروا حتى لقوا الجيش بفيفاء الفَحْلَتَين، فأخذوا ما في أيديهم من أموالهم؛ حتى كانوا ينزعون لبَدَ المرأة من تحت الرَّحل (١). (٣: ١٤٠/ ١٤١ / ١٤٢/ ١٤٣).
قدوم زيد الخيل في وفد طيئ
٣٨٨ - وقدم على رسول الله ﷺ وفدُ طييّء؛ فيهم زيد الخيل، وهو سيّدهم، فلما انتهوْا إليه كلّموه؛ وعرض عليهم رسول الله الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم، فقال رسول الله ﷺ كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجال من طيِّيء: "ما ذُكر لي رجلٌ من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلَّا ما كان من زيد الخيل؛ فإنه لم يُبْلَغ فيه كلّ ما فيه". ثم سمَّاه زيد الخير؛ وقطع له فيدًا وأرضين معه؛ وكتب له بذلك. فخرج من عند رسول الله راجعًا إلى قومه، فقال رسول الله: إن يَنْجُ زيدٌ من حُمَّى المدينة - سمَّاها رسول الله [باسم] غير الحُمَّى وغير أمِّ مَلْدَم فلم يُثْبِتْه - فلما انتهى من بلاد نجد إلى ماء من مياهه يقال له: فَرْدَة أصابتْه الحُمّى؛ فمات بها، فلما أحسّ زيد بالموت قال:
стр. 2673
أمُرتَحِلٌ قَوْمِي المَشَارِقَ غُدْوَةً ... وَأُترَكُ في بَيتٍ بفَرْدَةَ مُنْجِدِ
ألا رُبَّ يومٍ لَوْ مَرِضْتُ لعَادني ... عَوَائِدُ مَنْ لم يُبْرَ مِنْهنَّ يَجْهِدِ
فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معها من كتبه التي قطع له رسولُ الله ﷺ فحرَّقْتها بالنار (١). (٣: ١٤٥/ ١٤٦).
كتاب مسيلمة إلى رسول الله والرد عليه
٣٨٩ - قال أبو جعفر: وقد قيل: إنَّ دعوى مُسيلمة ومَنْ ادَّعى النبوّة من الكذابين في عهد النبيّ ﷺ إنما كانت بعد انصراف النبيّ من حَجّه المسمّى حِجَّة الوداع؛ ومرْضته التي مرضَها التي كانت منها وفاته ﷺ (٢). (٣: ١٤٦).
٣٩٠ - حدَّثنا عبيد الله بن سعيد الزُّهريّ، قال: حدَّثني عمّي يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثني سيف بن عمر -وكتب بذلك إلى السريّ يقول: حدَّثنا شُعيب ابن إبراهيم التميميّ عن سَيف بن عمر التميميّ الأسيديّ- قال: حدَّثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِذْع الأنصاريّ عن عبيد مولَى رسولِ الله ﷺ عن أبي مُوَيهِبة مولى رسول الله، قال: لما انصرف النبيّ ﷺ إلى المدينة بعد ما قضى حجّة التمام، فتحلّل به السيرُ، وطارت به الأخبار لتحلّل السير بالنبيّ ﷺ ؛ أنه قد اشتكى؛ فوثب الأسود باليمن ومسيلمةُ باليمامة؛ وجاء الخبر عنهما للنبيّ ﷺ ، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق النبيّ، ثم اشتكى في المحرّم وجعه الذي توفّاه الله فيه (٣). (٣: ١٤٧).
خروج الأمراء والعمال على الصدقات
٣٩١ - قال أبو جعفر: وفَرّق رسول الله ﷺ في جميع البلاد التي دخلها
стр. 2674
الإسلامُ عُمّالًا على الصدقات. فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد بعث أمراءه وعمّاله على الصّدقات، على كلّ ما أوطأ الإسلام من البلدان؛ فبعث المهاجر بن أبي أميّة بن المغيرة إلى صنعاء؛ فخرج عليه العَنْسيّ وهو بها، وبعث زياد بن لَبِيد أخا بني بياضة الأنصاريّ إلى حضْرموت على صدقتها، وبعث عديّ بن حاتم على الصدقة؛ صدقة طيئ وأسد، وبعث مالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة، وفرّق صدقة بني سعد على رجلين منهم، وبعث العلاء بن الحضرميّ على البحرين، وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نَجْران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم (١). (٣: ١٤٧).
حجة الوداع
٣٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: لما أقبل عليُّ بن أبي طالب من اليمن ليلقى رسول الله بمكّة تعجّل إلى رسولِ الله، واستخلف على جنده الذين معه رجلًا من أصحابه، فعمَد ذلك الرجل، فكسا رجالًا من القوم حُلَلًا من البزّ الذي كان مع علي بن أبي طالب؛ فلما دنا جيشه؛ خرج عليٌّ ليلقاهم؛ فإذا هم عليهم الحُلل، فقال: ويحك! ما هذا؟ ! قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، فقال: ويلك! انْزعْ من قبل أن تنتهيَ إلى رسول الله. قال: فانتزع الحُلل من الناس، وردّها في البزّ؛ وأظهر الجيشُ شكاية لما صُنع بهم (٢). (٣: ١٤٩).
ذكر جملة الغزوات
٣٩٣ - قال أبو جعفر: وكانت غزواتُه بنفسه ستًّا وعشرين غزوة؛ ويقول بعضهم: هنّ سبع وعشرون غزوة؛ فمن قال: هي ستٌّ وعشرون، جعلَ غزوة
стр. 2675
النبيّ ﷺ خيبر وغزوته من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة؛ لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله؛ ولكنه مضى منها إلى وادي القرى؛ فجعل ذلك غزوة واحدة. ومن قال: هي سبع وعشرون غزوة، جعل غزوة خيبر غزوةً، وغزوة وادي القرى غزوة أخرى؛ فيجعل العدد سبعًا وعشرين (١). (٣: ١٥٢).
٣٩٤ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ستًّا وعشرين غزوة. أول غزوة غزاها وَدَّان؛ وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بُوَاط إلى ناحية رَضْوَى، ثم غزوة العُشيرة من بطن ينبُع، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كُرْز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم، وأسرَ فيها مَنْ أسر، ثم غزوة بني سُليم حتى بلغ الكُدْر؛ ماء لبني سُليم، ثم غزوة السَّويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكُدْر، ثم غزوة غَطفان إلى نجد؛ وهي غزوة ذي أمَر، ثم غزوة بحران، معدن بالحجاز من فوق الفُرُع، ثم غزوة أحُد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النَّضير، ثم غزوة ذات الرّقاع من نخل، ثم غزوة بدْر الآخرة، ثم غزوة دُومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قُرَيظة، ثم غزوة بني لِحْيان من هُذَيل، ثم غزوة ذي قَرَد، ثم غزوة بني المصطلق من خُزاعة، ثم غزوة الحديبية - لا يريد قتالًا، فصدّه المشركون - ثم غزوة خيبر؛ ثم اعتمر عُمرة القضاء، ثم غزوة الفتح؛ فتح مكة، ثم غزوة حُنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحُد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحُنين، والطائف (٢). (٣: ١٥٢/ ١٥٣).
٣٩٥ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمة عن أبيه، عن جدّه، قال: غَزا رسولُ الله ﷺ ستًّا وعشرين غزوة. ثم ذكر نحو حديث ابن حُميد، عن سَلَمة (٣). (١٥٣: ٣).
стр. 2676
٣٩٦ - قال محمد بن عمر: مغازي رسول الله معروفة مجتمَع عليها، ليس فيها اختلاف بين أحد في عددها؛ وهي سبع وعشرون غزوة؛ وإنما اختلفوا بينهم في تقديم مغزاة قبل مغزا (١). (٣: ١٥٣).
٣٩٧ - حدثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثني محمد بن عمر، قال: حدَّثنا مُعاذ بن محمد الأنصاريّ عن محمد بن ثابت الأنصاريّ، قال: سئِل ابن عُمر: كَمْ غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: سبعًا وعشرين غزوة، فقيل لابن عمر: كم غزوتَ معه؟ قال: إحدى وعشرين غزوة؛ أوّلها الخندق، وفاتني ستّ غزوات، وقد كنت حريصًا، قد عرضت على النبي ﷺ ، كلّ ذلك يردّني فلا يجيزني حتى أجازني في الخندق (٢). (٣: ١٥٤).
٣٩٨ - قال الواقديّ: قاتلَ رسولُ الله ﷺ في إحدى عشرة، ذكر من ذلك التسع التي ذكرتها عن ابن إسحاق، وعدّ معها غزوة وادي القرى، وأنه قاتل فيها فقُتِل غلامه مِدْعَم، رُمِي بسهم. قال: وقاتل يوم الغابة، فقتل من المشركين، وقُتل مُحْرزُ بن نضلة يومئذ (٣). (٣: ١٥٤).
* * *
ذكر جملة السرايا والبعوث
٣٩٩ - واختلف في عدد سراياه ﷺ ، حدثنا محمد بن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه - فيما بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله - خمسًا وثلاثين بعثًا وسريّة: سريّة عُبيَدة بن الحارث إلى أحياء من ثنيّة المَرَة، وهو ماء بالحجاز، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العِيص - وبعضُ الناس يقدِّم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة - وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار من أرض الحجاز، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن
стр. 2677
حارثة القَرْدَةَ؛ ماء من مياه نجد، وغزوة مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَويّ الرّجيع، وغزوة المنذر بن عمرو بئر مَعُونة، وغزوة أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى ذي القَصة من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تُرَبَةَ من أرض بني عامر، وغزوة عليّ بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبيّ -كلب ليث- الكَدِيدَ، وأصاب بلْمُلوّح، وغزوة عليّ بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فَدَك، وغزوة ابن أبي العَوْجاء السُّلَميّ أرض بني سُلَيم؛ أصيب بها هو وأصحابه جميعًا، وغزوة عُكَّاشة بن مُحصن الغَمْرَة، وغزوة أبي سلَمة بن عبد الأسد قَطَنًا؛ ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قُتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة؛ أخِي بني الحارث إلى القُرَطاء من هوازن، وغزوة بشير بن سعد إلى بني مُرَّة بفدَك، وغزوة بشير بن سعد أيضًا إلى يُمْن وجِنَاب؛ بلد من أرض خيبر - وقيل يُمْن وجَبَار؛ أرض من أرض خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجَمُومَ؛ من أرض بني سليم، وغزوة زيد بن حارثة أيضًا جُذَام من أرض حِسْمَى - وقد مضى ذكر خبرها قبل - وغزوة زيد بن حارثة أيضًا وادي القُرى، لقيَ بني فَزارة.
وغزوة عبد الله بن رواحة خَيبَرَ مَرَّتين: إحداهما التي أصاب الله فيها يُسَير بن رزام - وكان من حديث يسير بن رزام اليهوديّ: أنه كان بخيبر يجمع غَطَفان لغزو رسول الله ﷺ ، فبعث إليه رسولُ الله عبد الله بن رواحة في نفرٍ من أصحابه؛ منهم عبد الله بن أنَيس حليف بني سَلمة، فلمَّا قدِموا عليه كلّموه وواعدوهُ وقرّبوا له، وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك؛ فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفرٍ من يهود؛ فحمله عبد الله بن أنَيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقَرْقَرة من خيبر على ستّة أميال ندِم يُسير بن رزَام على سيره إلى رسول الله، فَفَطَن له عبد الله بن أنَيس وهو يريد السَّيف؛ فاقتحم به؛ ثم ضربه بالسيف فقطع رجْله وضربه يُسَير بمِخْرَش في يده من شَوْحط، فأمَّه في رأسه، وقتل الله يُسيرًا؛ ومال كلّ رجل من أصحاب رسولِ الله ﷺ على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلًا واحدًا أفلت على راحلته؛ فلمّا قدم عبد الله بن أنَيس على رسول الله ﷺ تفل على شجَّتِهِ فلم تَقِح ولم تؤذِه -.
وغزوة عبد الله بن عَتِيك إلى خيبر؛ فأصاب بها أبا رافع؛ وقد كان
стр. 2678
رسولُ الله ﷺ بعث محمد بن مسلمة وأصحابه -فيما بين بدر وأحد- إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أنَيس إلى خالد بن سُفيان بن نُبَيح الهُذليّ -وهو بنخلة أو بعُرَنة- يجمع لرسول الله ليغزوه، فقتله.
ثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبي بكر. قال: وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى مُؤتة من أرض الشام، وغزوة كعب بن عمير الغِفاريّ بذات أطلاح من أرض الشأم، فأصيب بها هو وأصحابه، وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من بني تميم؛ وكان من حديثهم: أن رسول الله ﷺ بعثه إليهم؛ فأغار عليهم؛ فأصاب منهم ناسًا، وسبى منهم سبيًا (١). (٣: ١٥٤/ ١٥٥ / ١٥٦/ ١٥٧).
٤٠٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن أنَيس، قال: دعاني رسولُ الله ﷺ ، فقال: إنه بلغنِي أنّ خالد بن سفيان بن نُبَيح الهذليّ يجمع لي الناس ليغزوَني - وهو بنخلة أو بعُرَنة - فائْتِه فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله؛ انعتْه لي حتى أعرفَه، قال: إذا رأيتَه أذكَرَك الشيطانَ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قُشَعْريرة. قال: فخرجت متوشّحًا سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظُعُن يرتاد لهنّ منزلًا حيث كان وقت العصر؛ فلمَّا رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القُشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصّلاة، فصلَّيت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي إيماء؛ فلمَّا انتهيتُ إليه قال: مَنْ الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل؛ فجاءك لذلك، قال: أجلْ، أنا في ذلك؛ فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبّات عليه. فلمَّا قدمت على رسول الله وسلَّمت عليه ورآني، قال: أفلح الوجه! قال: قلت: قد قتلته. قال: صدقت ثم قام رسولُ الله فدخل بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمْسِكْ هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنَيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله، وأمرني أن أمسكها عندي، قالوا: أفلا ترجع
стр. 2679
إلى رسول الله فتسأله لِمَ ذلك؟ فرجعتُ إلى رسولِ الله، فقلت: يا رسول الله، لِمَ أعطيتَني هذه العصا؟ قال: آية ما بيني وبينك يوم القيامة؛ إنّ أقلّ الناس المتخصّرون يومئذ، فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضُمَّت معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا.
ثم رجع إلى حديث عبد الله بن أبي بكر. قال: وغزوة غالب بن عبد الله الكلبيّ -كلب ليث- أرض بني مُرَّة؛ فأصاب بها مرداس بن نَهِيك؛ حليفًا لهم من الحُرَقة من جُهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار، وهو الذي قال فيه النبيّ ﷺ لأسامة: مَنْ لك بلا إله إلا الله!
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل، وغزوة ابن أبي حَدْرَد وأصحابه إلى بطن إضَم، وغزوة ابن أبي حَدْرد الأسلمي إلى الغابة، وغزوة عبد الرحمن بن عوف.
وبعث سَرِيَّة إلى سيف البحر، وعليهم أبو عبيدة بن الجراح؛ وهي غزوة الخَبَط (١). (٣: ١٥٦/ ١٥٧ / ١٥٨).
٤٠١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة: أن عائشة قالت لرسول الله ﷺ : يا رسولَ الله؛ إنّ عليَّ رقَبَةً من بني إسماعيل، قال: هذا سبيُ بني العنبر يقدُم الآن فنُعْطيك إنسانًا فتُعتقينه. قال ابن إسحاق: فلما قدِم سبيهُم على رسول الله ﷺ ركب فيهم وفدٌ من بني تميم، حتى وقدموا على رسول الله ﷺ ، منهم ربيعة بن رُفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، وورْدان بن محرز، وقيس بن عاصم، ومالك بن عمرو، والأقرع بن حابس، وحنظلة بن دارم، وفراس بن حابس. وكان ممَّن سُبِيَ من نسائهم يومئذ أسماء بنت مالك، وكأس بنت أريّ، ونَجَوَة بنت نهد وجُمَيعة بنت قيس، وعمرة بنت مَطر (٢). (٣: ١٥٧).
٤٠٢ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال محمد
стр. 2680
ابن عمر: كانت سرايا رسولِ الله ﷺ ثمانيًا وأربعين سريّة (١). (٣: ١٥٨).
٤٥٣ - قال الواقديّ: في هذه السنة قدِم جرير بن عبد الله البَجَليّ على رسول الله ﷺ مسلِمًا في رمضان، فبعثه رسولُ الله إلى ذي الخَلَصَةَ فهدمها.
قال: وفيها قدم وَبرُ بن يُحَنَّس على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام فنزل علي بنات النعمان بن بُزْرج فأسلمْنَ، وبعث إلى فيروز الديلميّ فأسلم، وإلى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبِّه، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود، ووهب بن منبّه.
قال: وفيها أسلم باذان، وبعث إلى النبيّ ﷺ بإسلامه (٢). (٣: ١٥٨).
٤٠٤ - وزعم الواقدي أن هذا عندهم خطأ؛ حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا إسرائيل عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: قلت لزيد بن أرقم: كم غزوتَ مع رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع عشرة غزوة، قلت: كم غزا رسولُ الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة غزوة. قال الحارث: قال ابنُ سعد: قال الواقديّ: فحدَّثت بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، فقال: هذا إسناد أهلِ العراق؛ يقولون هكذا؛ وأوّل غزوة غزاها زيد بن الأرقم المُرَيسيع؛ وهو غلام صغير، وشهد مُؤتة رديف عبد الله بن رواحة، وما غزا مع النبيّ ﷺ إلا ثلاث غزوات أو أربعًا (٣). (٣: ١٥٩).
٤٠٥ - وروي عن مكحول في ذلك ما حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا ابنُ عمر، قال: حدَّثني سُوَيد بن عبد العزيز، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: غزا رسولُ الله ﷺ ثمانيَ عشرة غزوة؛ قاتل من ذلك في ثمانِي غزوات أوّلهنّ بدر وأحُد والأحزاب وقريظة.
قال الواقديّ: فهذان الحديثان: حديث زيد بن الأرقم، وحديث مكحول جميعًا غلَط (٤). (١٥٩: ٣).
стр. 2681
ذكر الخبر عن حجّ رسولِ الله ﷺ -
٤٠٦ - حدَّثني عبدُ الله بن أبي زياد، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحارث عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنّ النبيّ ﷺ حجّ ثلاث حِجَج: حِجَّتين قبل أن يهاجر، وحِجَّة بعد ما هاجر، معها عُمرة (١). (٣: ١٥٩/ ١٦٠).
ذكر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ -
٤٠٧ - فحدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي: أن رسولَ الله ﷺ تزوّج خمس عشرة امرأة؛ دخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفِّيَ عن تسع.
تزوّج في الجاهليّة؛ وهو ابن بضع وعشرين سنة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزَّى؛ وهي أوّل مَنْ تزوّج، وكانت قبله عند عَتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم؛ وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن رَواحة بن حَجَر بن مَعِيص بن لؤيّ. فولدت لعتيق جارية، ثم توفّيَ عنها وخلَف عليها أبو هالة بن زُرَارة بن نبَّاش بن زُرارة بن حبيب بن سلامة بن غُذيّ بن جُرْوَة بن أسيّد بن عمرو بن تميم؛ وهو في بني عبد الدار بن لمحصيّ. فولدت لأبي هالة هند بن أبي هالة؛ ثمّ توفِّي عنها فخلَف عليها رسول الله، وعندها ابنُ أبي هالة هند، فولدت لرسول الله ثمانية: القاسم، والطيّب، والطاهر، وعبد الله، وزينب، ورقتة، وأمّ كلثوم، وفاطمة (٢). (٣: ١٦٠/ ١٦١).
стр. 2682
٤٠٨ - رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد. ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر -واسمه عتيق بن أبي قُحافة، وهو عثمان- ويقال عبد الرحمن بن عثمان - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيم بن مرّة، تزوّجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي ابنة سبع سنين؛ وجمع إليها بعد أن هَاجر إلى المدينة وهي ابنة تسع سنين في شوّال؛ فتوفيَ عنها وهي ابنة ثماني عشرة، ولم يتزوّج رسول الله ﷺ بكْرًا غيرها، ثم تزوّج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن كعب - وكانت قبله عند خُنَيس بن حُذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم. وكانَ بدريًا، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ فلم تلد له شيئًا، ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره.
ثم تزوّج رسول الله ﷺ سلَمة، واسمها هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم؛ وكانت قبله عند أبي سَلَمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ وشهد بدرًا مع رسولِ الله ﷺ ، وكان فارسَ القوم، فأصابته جراحة يوم أُحد فمات منها؛ وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه، وأمّه بَرَّة بنت عبد المطلب ولدت له عمر، وسلمة، وزينب، ودُرَّة؛ فلمّا مات كبَّر رسول الله ﷺ على أبي سلمة تسع تكبيرات، فلمّا قيل: يا رسول الله، أسهوتَ أم نسيت؟ قال: لم أسْه ولم أنْسَ؛ ولو كبّرت على أبي سلمة ألفًا كان أهلًا لذلك؛ ودعا النبيّ ﷺ لأبي سلمة بخَلَفه في أهله. فتزوّجها رسول الله ﷺ قبل الأحزاب سنة ثلاث، وزوّج سلمة بن أبي سَلمة ابنة حمزة بن عبد المطلب.
ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ عام المرَيسيع جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة - وهو المصطلق بن سعد بن عمرو- سنة خمس، وكانت قبله عند مالك بن صفوان ذي الشَّفْر بن أبي سَرْح بن مالك بن المصطلق؛ لم تلد له شيئًا؛ فكانت صفيّة رسول الله ﷺ يوم المريسيع، فأعتقها وتزوَّجها، وسألت رسول الله ﷺ عتق ما في يده من قومها، فأعتقهم لها.
ثمّ تزوّج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب؛ وكانت عند
стр. 2683
عبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صَبِرَة بن مرّة بن كَبِير بن غَنْم بن دُودان بن أسد، وكانت من مُهاجرات الحبشة هي وزوجها، فتنصّر زوجُها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانيّة، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشيّ فيها، فقال النجاشيّ لأصحابه: مَنْ أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوِّجْها من نبيّكم، ففعل وأمهرها أربعمئة دينار. ويقال: بل خطَبَها رسولُ الله ﷺ إلى عثمان بن عفان، فلمّا زوّجه إياها بعث إلى النجاشيّ فيها، فساق عنه النجاشيّ، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ .
ثم تزوّج رسول الله ﷺ زينبَ بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة؛ وكانت قبله عند زيد بن حارثة بن شراحيل مولَى رسول الله ﷺ ، فلم تلد له شيئًا، وفيها أنزل الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ ... ﴾ إلى آخر الآية، فزوّجها الله إياه، وبعث في ذلك جبريل، وكانت تَفْخَر على نساء النبيّ ﷺ ، وتقول: أنا أكرمكنّ وليًّا، وأكرمكن سَفيرًا.
ثم تزوج رسول الله ﷺ صَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أخطب بن سَعْيَة بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النَّضِير؛ وكانت قبله تحت سلّام بن مِشْكَم بن الحكَم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج؛ وتوفي عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، فقتله محمد بن مسلمة بأمر النبيّ ﷺ ، ضرب عنقه صبرًا، فلما تصفّح النبيّ ﷺ السَّبْيَ يوم خَيبر، ألقى رداءه على صفيّة، فكانت صَفِيَّهُ يوم خيبر؛ ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت، فأعتقها؛ وذلك سنة ستّ.
ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال؛ وكانت قبله عند عمير بن عمرو، من بني عُقْدة بن غِيَرَة بن عوف بن قِسي -وهو ثقيف- لم تلد له شيئًا، وهي أخت أمّ الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فتزوّجها رسولُ الله ﷺ بسَرف في عُمْرة القضاء؛ زوّجها إياه العباس بن عبد المطلب؛ فتزوّجها رسول الله.
وكلُّ هؤلاء اللواتي ذكرنا أنّ رسولَ الله ﷺ تزوّجهن إلى هذا الموضع، فتوفّي رسولُ الله وهنّ أحياء، غير خديجة بنت خويلد.
стр. 2684
ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ امرأةً من بني كلاب بن ربيعة؛ يقال لها: النشاة بنت رفاعة، وكانوا حلفاءَ لبني رفاعة من قريظة. وقد اختلف فيها، وكان بعضُهم يسمِّي هذه سَنَا وينسبها، فيقول: سنا بنت أسماء بن الصَّلت السُّلَمية. وقال بعضهم: هي سبا بنت أسماء بن الصّلْت من بني حرام من بني سُليم. وقالوا: توفّيت قبل أن يدخل بها رسول الله ﷺ ، ونسبها بعضهم فقال: هي سنا بنت الصّلْت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سَمَّال بن عَوْف السّلَمِيّ.
ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ الشَّنْباء بنت عمرو الغِفاريّة. وكانوا أيضًا حلفاءَ لبني قُرَيظة، وبعضُهم يزعم: أنها قُرَظيّة، وقد جهل نسبها لهلاك بني قُرَيظة، وقيل أيضًا إنها كنانيّة، فعَرَكَت حين دخلت عليه؛ ومات إبراهيم قبل أن تطهُر، فقالت: لو كان نبيًّا ما مات أحبُّ النَّاس إليه؛ فسرَّحها رسول الله ﷺ .
ثمّ تزوّج رسول الله ﷺ غَزِيَّة بنت جابر من بني أبي بكر بن كلاب، بلغ رسول الله عنها جمالٌ وبسطة، فبعث أبا أسيد الأنصاريّ، ثم الساعديّ، فخطبها عليه، فلما قَدمتْ على النبيّ ﷺ وكانت حديثة عهد بالكفر- فقالت: إني لم أستأمرْ في نفسي، إني أعوذ بالله منك! فقال النبيّ ﷺ : امتنع عائذُ الله، وردَها إلى أهلها؛ ويقال: إنها من كِنْدة.
ثم تزوّج رسولُ الله ﷺ أسماء بنت النعمان بن الأسود بن شرَاحيل بن الجَوْن بن حُجْر بن معاوية الكنديّ، فلما دخل بها وجد بها بياضًا فمتّعها وجهّزها وردّها إلى أهلها؛ ويقال: بل كان النعمان بعثَ بها إلى رسول الله فسرّحتْه، فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضًا، فبعث إلى أبيها، فقال له: أليست ابنتك؟ قال: بلى، قال لها: ألستِ ابنته؟ قالت: بلى، قال النعمان: عليكها يا رسول الله، فإنها وإنها. وأطْنَبَ في الثناء فقال: إنها لم تيجع قط، ففعل بها ما فعل بالعامريّة، فلا يُدْرَى: ألقولها أم لقول أبيها: "إنها لم تيجعْ قطّ".
وأفاء الله على رسوله ريحانة بنت زيد، من بني قريظة.
وأهدي لرسول الله ﷺ مارية القبطية؛ أهداها له المُقَوقس صاحبُ الإسكندرية، فولدَتْ له إبراهيم ابن رسول الله.
стр. 2685
فهؤلاء أزواج رسول الله ﷺ ، منهنّ ست قُرَشيّات (١).
(٣: ١٦١/ ١٦٢ / ١٦٣/ ١٦٤ / ١٦٥/ ١٦٧).
وقيل: إنه لمْ يَمُتْ عند رسول الله في حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشَرَاف بنت خليفة، أخت دِحْية بن خليفة الكلبيّ، والعالية بنت ظَبيان (٢). (٣: ١٦٨).
٤٠٩ - حدَّثني ابن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا شُعَيب بن الليث عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: تزوَّج رسولُ الله ﷺ العالية؛ امرأة من بني أبي بكر بن كلاب فمتّعها، ثمّ فارقها، وقتيلة بنت قيس بن معد يكرب أخت الأشعث بن قيس، فتوفِّيَ عنها قبل أن يدخل بها، فارتدَّت عن الإسلام مع أخيها، وفاطمة بنت شُرَيح (٣). (٣: ١٦٨).
стр. 2686
٤١٠ - وذُكر عن ابن الكلبيّ أنّه قال: غَزِيّة بنت جابر، هي أمّ شريك، تزوّجَها رسولُ الله ﷺ بعد زوجٍ كان لها قبله؛ وكان لها منه ابنٌ يقال له: شريك، فكُنيت به، فلمّا دخل بها النبي ﷺ وجدها مُسنَّةً، فطلَّقها، وكانت قد أسلمت؛ وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهنّ إلى الإسلام (١). (٣: ١٦٨).
٤١١ - وقيل: إنه تزوج خَوْلة بنت الهُذيل بن هُبيرة بن قَبيصة بن الحارث؛ رُويَ ذلك عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٢). (٣: ١٦٨).
٤١٢ - وبهذا الإسناد أن ليلَى بنت الخَطِيم بن عديّ بن عمرو بن سَواد بن ظَفَر بن الحارث بن الخزرج، أقبلت إلى النبيّ ﷺ وهو مُوَلّ ظهرَه الشمسَ، فضربتْ
стр. 2687
على منكِبهِ، فقال: مَنْ هذه؟ قالت: أنا ابنة مباري الريح، أنا ليلى بنت الخَطِيم، جئتك أعرِض عليك نفسي فتزوّجني، قال: قد فعلت، فرجدت إلى قومها، فقالت: قد تزوّجني رسول الله، فقالوا: بئسما صنعت! أنت امرأة غَيرَى؛ والنبيُّ صاحبُ نساء، استقيليه نفسك، فرجعتْ إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: أقلني، قال: قد أقلتك (١). (٣: ١٦٨).
٤١٣ - وبغير هذا الإسناد: أن النبيّ ﷺ تزوّج عَمْرة بنت يزيد، امرأة من بين رُؤاس بن كلاب (٢). (٣: ١٦٨).
ذكر من خطب النبي ﷺ من النساء ثم لم ينكحهن
٤١٤ - وخطب ضُبَاعة بنت عامر بن قُرْط بن سَلَمة بن قُشَير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة إلى ابنها سلَمة بن هشام بن المغيرة، فقال: حتى أستأمِرَها، فأتاها فقال: إنَّ النبي ﷺ خطبك، فقالت: ما قلتَ له؟ قال: قلت له حتى أستأمِرَها! قالت: وفي النبيّ يُسْتأمَرُ ارْجِعْ فزَوّجْه؛ فرجع فسكت عنه النبيّ ﷺ ، وذلك أنه أخبر أنها قد كبرَتْ.
وخطب - فيما ذكر - صَفِيّة بنت بشامة أخت الأعْوَر العنبريّ، وكان أصابها سِباء، فخيّرها، فقال: إن شئتِ أنا وإن شئت زوْجك، قالت: بل زوجي؛ فأرسلها.
وخطب أمّ حبيب بنت العبَّاس بن عبد المطلب، فوجد العباس أخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثُوَيبة.
وخطب جَمْرة بنت الحارث بن أبي حارثة، فقال أبوها فيما ذكر: بها شيء، ولم يكن بها شيء، فرجع فوجدها قد بَرِصَتْ (٣). (٣: ١٦٩).
стр. 2688
ذكر موالي رسول الله ﷺ -
٤١٥ - وكان له خَصِيٌّ يقال له: مابور -كان المقوقس أهداه إليه مع الجاريتين اللتين يقال لإحداهما مارية، وهي التي تَسرّى بها والأخرى سيرين وهي التي وَهَبها رسولُ الله ﷺ لحسان بن ثابت، لما كان من جناية صفوان بن المعطّل عليه، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بن حسّان. وكان المقوقس بعث بهذا الخصيّ مع الجاريتين اللتين أهداهما لرسولِ الله ﷺ ليوصلهما إليه، ويحفظهما من الطريق حتى تَصلا إليه. وقيل: إنه الذي قُذِفت مارية به، فبعث رسولُ الله ﷺ عليًّا وأمره بقتله، فلمّا رأى عليًّا وما يريد به تكشّف حتى تبيّن لعليّ أنه أجبُّ لا شيء معه مما يكون مع الرجال، فكفّ عنه عليٌّ. وخرج إليه من الطائف -وهو محاصِرٌ أهْلها- أعبدٌ لهم أربعة، فأعتقهم ﷺ ، منهم أبو بَكْرة (١) (٣: ١٧٢).
أسماء خيل رسول الله ﷺ -
٤١٦ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: أوّل فرس ملَكه رسولُ الله ﷺ فرسٌ ابتاعه بالمدينة من رجُل من بني فَزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابيّ: الضَّرِس، فسمَّاه رسول الله: السَّكْب؛ وكان أوّلَ ما غزا عليه أحُدٌ، ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره، وفرس لأبي بُرْدة بن نِيَار، يقال له: مُلاوح (٢). (٣: ١٧٣).
٤١٧ - حدَّثني الحارث قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه، عن جدّه، قال: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس: لِزَاز، والظّرِب، واللَّخِيف؛ فأما لِزَاز فأهداه له المقوقس، وأما اللَّخِيف فأهداه له ربيعة. بن أبي البَراء؛ فأثابه عليه فرائضَ من نَعَم بني كلاب، وأمّا الظَّرِب فأهداه له فَرْوة بن عمرو الجُذاميّ. وأهدى تميم الداريّ لرسول الله
стр. 2689
فرسًا يقال له: الوَرْد، فأعْطاه عمر؛ فحمل عليه عمر في سبيل الله، فوجده يَنْباع.
وقد زعم بعضُهم: أنه كان له مع ما ذكرت من الخيل فرس يقال له اليَعْسُوب (١). (٣: ١٧٣/ ١٧٤).
٤١٨ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا معمَر، عن الزهريّ، قال: دُلْدُل أهداها له فَرْوة بن عمرو الجذاميّ (٢). (٣: ١٧٤).
٤١٩ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة، عن زامل بن عمرو، قال: أهدى فَرْوة بن عمرو إلى النبيّ ﷺ بغلة يقال لها: فضّة؛ فوهبها لأبي بكر، وحمارَه يعْفور؛ فنفق منصرفَه من حجة الوداع (٣). (٣: ١٧٤).
ذكر أسماء إبله ﷺ -
٤٢٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: كانت القَصْواء من نَعَم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمئة درهم، وأخذها منه رسول الله ﷺ بأربعمئة؛ فكانت عنده حتى نفقت؛ وهي التي هاجر عليها؛ وكانت حين قدم رسولُ الله المدينة رَبَاعية، وكان اسمها القصواء، والجَدْعاء، والعَضْباء (٤). (٣: ١٧٤/ ١٧٥).
٤٢١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني ابن أبي ذئب عن يحيى بن يعلَى، عن ابن المسيّب، قال:
стр. 2690
كان اسمها العَضْباء، وكان في طرف أذنها جَدْع (١). (٣: ١٧٥)
ذكر أسماء لقاح رسول الله ﷺ -
٤٢٢ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: كانت لرسولِ الله ﷺ لِقاح، وهي التي أغار عليها القوم بالغابة، وهي عشرون لَقْحة، وكانت التي يعيش بها أهلُ رسول الله ﷺ يراح إليه كلّ ليلة بقرْبَتَين عظيمتين من لبن فيها لِقَاحٌ غِزَارٌ: الحناء، والسَّمْراء، والعريس، والسَّعْدية، والبَغوم، واليَسيرة، والرَّيَّا (٢). (٣: ١٧٥).
٤٢٣ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني هارون بن محمد عن أبيه، عن نَبْهان؛ مولَى أمّ سلَمة، قال: سمعتُ أمّ سلمَة، تقول: كان عيشُنا مع رسول الله اللبن -أو قالت أكثر عيشنا- كانت لرسول الله لِقاح بالغابَة كان قد فرَّقها على نسائه، فكانت فيها لقحة تُدعى العريس؛ وكنا منها فيما شئنا من اللبن، وكانت لعائشة لِقحة تدعى السمراء غزيرة، لم تكن كلقحتي، فقرّب راعيهنّ اللقَاحَ إلى مَرعىً بناحية الجوَّانيّة، فكانت تروح على أبياتنا فنؤتَى بهما فتحلبان، فتوجَدُ لقحته أغزر منهما بمثل لبنهما أو أكثر (٣). (٣: ١٧٥).
٤٢٤ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدَّثنا عبد السلام بن جُبَير عن أبيه، قال: كانت لرسول الله ﷺ لقائح تكون بذي الجَدْر، وتكون بالجمَّاء، فكان لبنُها يَؤوب إلينا؛ لِقحة تدعى مهرة، أرسل بها سعدُ بن عُبادة من نَعم بني عُقَيل وكانت غزيرة؛ وكانت الرَّيَّا، والشقراء ابتاعهما بسوق النَّبَط من بني عامر، وكانت بردة، والسمراء، والعريس،
стр. 2691
واليسيرة، والحناء يُحْلَبنَ ويُراح إليه بلبنهنّ كل ليلة؛ وكان فيها غلام للنبي ﷺ اسمه يَسَار، فقَتَلوه (١). (٣: ١٧٦).
ذكر أسماء منائح رسول الله ﷺ -
٤٢٥ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني زكرياء بن يحيى عن إبراهيم بن عبد الله، من ولد عُتْبة بن غَزْوَان، قال: كانت منائحُ رسول الله ﷺ سبعًا: عجوَة، وزَمْزم، وسُقْيا، وبَرَكة، وَوَرَسة، وأطلال، وأطراف (٢). (٣: ١٧٦).
٤٢٦ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد، قال: حدَّثني أبو إسحاق عن عبّاد بن منصور، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كانت منائحُ رسولِ الله ﷺ سبع أعْنُز منائح، يرعاهنّ ابنُ أمّ أيمَن (٣). (٣: ١٧٦).
ذكر أسماء سيوف رسول الله ﷺ -
٤٢٧ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصاب رسولُ الله ﷺ من سلاح بني قَينُقاع ثلاثة أسياف: سيفًا قَلَعيًّا، وسيفًا يُدعى بَتَّارًا، وسيفًا يدعى الحَتْف؛ وكان عنده بعد ذلك المِخْذَم ورَسُوب، أصابهما من الفِلْس. وقيل: إنه قدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ ومعه سيفان، يقال لأحدهما: القضيب، شهد به بدرًا، وسيفه ذو الفَقَار غَنِمه يوم بدر، كان لمنبّه بن الحجّاج (٤). (٣: ١٧٦/ ١٧٧).
стр. 2692
ذكر أسماء قِسِيّه ورماحه ﷺ -
٤٢٨ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصابَ رسولُ الله ﷺ من سلاح بني قَينُقَاع ثلاثة أرماح وثلاث قِسيّ: قَوْس الرّوحاء، وقوْس شَوْحَط؛ تدعى البيضَاءَ، وقوس صَفْرَاء تدعَى الصّفراء من نَبْع (١). (٣: ١٧٧).
ذكر أسماء دروعه ﷺ -
٤٢٩ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بَكْر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصاب رسول الله ﷺ من سلاح بني قَينُقاع درعين؛ درع يقال لها: السعْدية، ودرع يقال لها: فضّة (٢). (٣: ١٧٧).
٤٣٠ - حدَّثني الحارث: قال: حدَّثني ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني موسى بن عمر عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة، قال: رأيتُ على رسول الله ﷺ يومَ أحُد دِرْعين: درعُه ذاتُ الفُضول ودرعُه فضّة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسّعدية (٣). (٣: ١٧٧/ ١٧٨).
ذكر تُرسه ﷺ -
٤٣١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا عتَّاب بن زياد، قال: أخبرَنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعتُ مكحولًا يقول: كان لرسولِ الله ﷺ تُرْس فيه تمثال رأس
стр. 2693
كبش، فكره رسولُ الله مكانَه، فأصبح يومًا وقد أذهبه الله (١). (٣: ١٧٨)
ذكر أسماء رسول الله ﷺ -
٤٣٢ - حدَّثني محمد بن المثّنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن عبد الرحمن -يعني: المسعوديّ- عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: سمّى لنا رسولُ الله ﷺ نفسَه أسماء، منها ما حفظنا. قال: أنا محمد، وأحمد، والمققى، والحاشر، ونبيّ التوبة، والمَلْحَمَةِ (٢). (٣: ١٧٨).
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ذكر الأحداث التي كانت فيها
٤٣٣ - قال أبو جعفر: ثم ضرب في المحزم من سنة إحدى عشرة على الناس بَعْثًا إلى الشأم، وأمّر عليهم مولاه وابن مولاه أسَامة بن زيد بن حارثة، وأمَره - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عيّاش بن أبي ربيعة - أن يوطئ الخيل تُخوم البلقاء والدَّاروم من أرض فلسطين، فتجهّز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون.
فبينا الناس على ذلك ابتدئ ﷺ شكْواه التي قبضه الله فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليالٍ بقينَ من صَفَر، أو في أول شهر ربيع الأول (٣). (٣: ١٨٤).
٤٣٤ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد الزُّهريّ، قال: حدَّثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا سيف بن عمر، قال: حدَّثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجزع الأنصاريّ عن عبيد بن حنين مولَى النبيّ ﷺ ، عن أبي مُوَيهبة مولَى
стр. 2694
رسول الله، قال: رجعَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام، فتحلّل به السيرُ، وضرب على الناس بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، وأمَره أن يوطِيء من آبل الزيت من مشارف الشأم الأرض بالأردنّ، فقال المنافقون في ذلك، وردّ عليهم النبيّ ﷺ : "إنه لخليق لها -أي: حقيق بالإمارة- وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، وإن كان لخليقًا لها". فطارت الأخبار بتحلّل السير بالنبيّ ﷺ أن النبيّ قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن، ومسيلمة باليمامة، وجاء الخبر عنهما للنبيّ ﷺ . ثم وثب طليحة في بلاد أسَد بعد ما أفاق النبيّ ﷺ ، ثم اشتكى في المحرّم وجعَه الذي قبضه الله تعالى فيه (١). (٣: ١٨٤/ ١٨٥).
٤٣٥ - حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثني عمّي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا سيف، قال: حدَّثنا هِشام بن عروة عن أبيه، قال: اشتكى رسولُ الله ﷺ وجعَه الذي توفّاه الله به في عقب المحرّم.
وقال الواقديّ: بُدِيء رسول الله ﷺ وجعه لليلتين بقيتا من صفر (٢). (١٨٥: ٣).
٤٣٦ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدَّثني عمّي، قال: حدَّثنا سيف بن عمر، قال: حدَّثنا المُسْتَنِير بن يزيد النَّخْعيّ عن عروة بن غَزِيّة الدَّثينيّ، عن الضحاك بن فيرُوز بن الديلميّ، عن أبيه، قال: إنَّ أوّل رِدَّة كانت في الإسلام باليمن كانت على عهد رسولِ الله ﷺ على يدي ذي الخمار عَبْهلة بن كعب - وهو الأسود - في عامّة مذحِج. خرج بعد الوداع؛ كان الأسود كاهنًا شِعْباذًا، وكان يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب مَنْ سمع منطقه، وكان أوّل ما خرج أن خرجَ من كهف خُبَّان؛ وهي كانت داره، وبها ولد ونشأ؛ فكاتبته مذحج، وواعدته نَجْران؛ فوثبوا بها وأخرجوا عَمْرو بن حزِم وخالد بن سعيد بن العاص وأنزلوه منزلهما، ووثب قيس بن عبد يغوث على فرْوة بن مُسَيك وهو على مُراد، فأجلاه ونزل منزله؛ فلم يَنْشَب عَبْهلة بنجران أن سارَ إلى صنعاء؛ فأخذها، وكتب بذلك إلى النبي ﷺ من فعله ونزوله صنعاء؛ وكان أوّل خبر وقع به عنه من قِبَل فَرْوة بن
стр. 2695
مُسَيك، ولحق بفروة من تمّ على الإسلام من مذْحِج، فكانوا بالأحْسِيَة، ولم يكاتبه الأسود ولم يرسل إليه، لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له مُلْك اليمن (١). (١٨٥: ٣).
٤٣٧ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: أخبرني عمّي يعقوب، قال: حدَّثني سيف، قال: حدَّثنا طَلحة بن الأعلم عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ ﷺ قد ضرب بَعْثَ أسامة فلم يستتبّ لوجع رسولِ الله ولخلع مسيلمة، والأسود، وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة، حتى بلَغه؛ فخرج النبيّ ﷺ على الناس عاصبًا رأسه من الصُّداع لذلك الشأن وانتشارِه، لرؤيا رآها في بيتِ عائشة: فقال: إنّي رأيتُ البارحةَ - فيما يرى النائم - أن في عضديّ سوارين من ذهب؛ فكرهتُهما فنفختهما، فطارا، فأوّلتهما هذين الكذّابين - صاحب اليمامة وصاحب اليمن - وقد بلغني: أنّ أقوامًا يقولون في إمارة أسامة! ولعمري لئنْ قالوا في إمارته؛ لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله! وإن كان أبوه لخليقًا للإمارة، وإنه لخليق لها؛ فأنفِذوا بعثَ أسامة. وقال: لعن الله الذين يتَّخذودن قبور أنبيائهم مساجدَ!
فخرج أسامة فضربَ بالجُرْف؛ وأنشأ الناس في العسكر، ونجمَ طليحة وتمهّل الناس، وثقُل رسول الله ﷺ فلم يستتمّ الأمر؛ ينظرودن أوّلهم آخرَهم، حتى توفَّى الله نبيَّه ﷺ (٢). (٣: ١٨٦).
٤٣٨ - كتب إليّ السريّ بن يحيى، يقول: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم التّميميّ عن سيف بن عمر، قال: حدَّثنا سعيد بن عبيد أبو يعقوب، عن أبي ماجد الأسديّ، عن الحضرميّ بن عامر الأسديّ، قال: سألته عن أمر طُليحة بن خُوَيلد؛ فقال: وقع بنا الخبر بوجعِ النبيّ ﷺ ، ثم بلَغَنا: أن مسيلمة قد غلَب على اليمامة، وأنّ الأسود قد غَلب على اليمن؛ فلم يلبث إلا قليلًا حتى ادّعى طُليحة النبوّة، وعسكر بسَمِيراء، واتَّبعه العوامّ؛ واستكثف أمره؛ وبعث حِبال ابنَ أخيه إلى النبي ﷺ يدعوه إلى الموادعة، ويخبره خبرَه. وقال حبال: إنَّ الذي يأتيه ذو النون؛ فقال: لقد سمّى ملَكًا، فقال حِبال: أنا ابن خُوَيلد، فقال النبيّ ﷺ :
стр. 2696
قتلك الله وحرمك الشهادة (١)! (٣: ١٨٦).
٤٣٩ - وحدَّثني عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عميّ يعقوب، قال: أخبرنا سَيف، قال: وحدَّثنا سعيد بن عبيد عن حُرَيث بن المعلّى: أن أوّل مَنْ كتب إلى النبيّ ﷺ بخبر طُليحة سِنان بن أبي سنان، وكان علي بني مالك، وكان قُضاعيّ بن عمرو علي بني الحارث (٢). (٣: ١٨٧).
٤٤٠ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، قال: أخبرنا هِشام بن عُروة عن أبيه، قال: حاربهم رسولُ الله ﷺ بالرسل، قال: فأرسل إلى نفرٍ من الأبناء رسولًا، وكتب إليهم أن يحاولوه، وأمرهِم أن يستنجدوا رجالًا - قد سمَّاهم - من بني تميم وقيس، وأرسل إلى أولئك النَّفر أن ينجدوهم، ففعلوا ذلك؛ وانقطعت سُبل المرتدّة، وطعنوا في نقصان وأغلقهم، واشتغلوا في أنفسهم، فأصيب الأسود في حياة رسولِ الله ﷺ وقبل وفاته بيوم أو بليلة، ولظّ طليحة ومسيلمة وأشباههم بالرّسل؛ ولم يشغله ما كان فيه من الوجَع عن أمِر الله والذبّ عن دينه، فبعث وبَرَ بن يُحنَّس إلى فيروز وجُشيش الديلميّ وداذويه الإصطخريّ؛ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكَلاع وذي ظُلَيم، وبعث الأقرع بن عبد الله الحميريّ إلى ذي زُود وذي مُرَّان، وبعث فرات بن حيَّان العجليّ إلى ثُمامة بن أثال، وبعث زياد بن حنظلة التميميّ ثم العمري إلى قيس بن عاصم والزّبْرِقان بن بدر، وبعث صلصل بن شُرَحبيل إلى سَبْرِة العنبريّ ووكيع الدارميّ وإلى عمرو بن المحجوب العامريّ، وإلى عمرو بن الخَفاجيّ من بني عامر، وبعث ضرار بن الأزْور الأسديّ إلى عَوْف الزرقانيّ من بني الصَّيداء وسنان الأسديّ ثم الغنميّ، وقضاعيّ الدُّئلِيّ، وبعث نعيم بن مسعود الأشْجَعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيريّ (٣). (٣: ١٨٧).
٤٤١ - وحُدِّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مَخْنف، قال: حدَّثنا الصقْعَب ابن زهير عن فقهاء أهل الحجاز: أنّ رسول الله ﷺ وَجِع وجعه الذي قبض فيه في
стр. 2697
آخر صفر في أيام بقِين منه؛ وهو في بيت زينب بنت جحش (١). (٣: ١٨٧).
٤٤٢ - فحدَّثني حُميد بن الزَبيع الخراز، قال: حدَّثنا معن بن عيسى، قال: حدَّثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثيّ؛ ثم الأشجعيّ عن القاسم بن يزيد، عن عبد الله بن قُسَيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضْل بن عبّاس، قال: جاءني رسولُ الله ﷺ ، فخرجت إليه فوجدته موعوكًا قد عصَب رأسه، فقال: خذ بيدي يا فَضْل، فأخذتُ بيده؛ حتى جلَس على المنبر، ثم قال: نادِ في الناس. فاجتمعوا إليه، فقال: أمّا بعدُ أيّها الناس! فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو؛ وإنه قد دنا منّي حقوق من بين أظهركم، فمن كنتُ جلدتُ له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقدْ منه، ومنْ كنتُ شتمتُ له عِرْضًا فهذا عِرْضي فليستقِدْ منه؛ ألا وإنَّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإنّ أحبّكم إليّ مَنْ أخذ منِّي حقّا إن كان له، أو حلَّلني فلقيت الله وأنا أطيبُ النفس؛ وقد أرى أن هذا غير مُغْنٍ عنّي حتى أقوم فيكم مرارًا.
قال الفضل: ثمّ نزل فصلّى الظهر، ثم رجع فجلس على المِنْبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، قال: أعطِه يا فضل، فأمرته فجلس. ثم قال: أيُّها الناس، مَنْ كان عنده شيء فليؤذِّه ولا يقل فُضوح الدنيا، ألا وإن فضوحَ الدنيا أيسرُ من فضوح الآخرة. فقام رجل فقال: يا رسول الله! عندي ثلاثة دراهم غللتُها في سبيل الله، قال: ولمَ غللتَها؟ قال: كنت إليها محتاجًا، قال: خُذها منه يا فضل. ثم قال: يا أيها النَّاس! مَنْ خَشِيَ من نفسه شيئًا فليقم أدعُ له. فقام رجل فقال: يا رسولَ الله! إنّي لكذّاب، إنّي لفاحش، وإني لنؤوم؛ فقال: اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا، وأذهِبْ عنه النوم إذا أراد. ثم قام رجل فقال: والله يا رسول الله! إنّي لكذَّاب وإني لمنافق، وما شيء -أو إن شيء- إلا قد جنيتُه. فقام عمر بن الخطاب، فقال: فضحتَ نفسك أيها الرجل! فقال النبيّ ﷺ : يا بنَ الخطاب! فضوح الدنيا أهونُ من فضوح الآخرة، اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا وصيِّر أمرَه إلى خير.
стр. 2698
فقال عمر كلمة. فضحك رسول الله، ثمّ قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحقّ بعدي مع عمر حيث كان (١). (٣: ١٨٩/ ١٩٠).
٤٤٣ - حدَّثني محمد بن عمر بن الصَّباح الهمْدانيّ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا مسلم بن جعفر البَجَليّ، قال: سمعتُ عبد الملك بن الأصبهانيّ عن خَلَّاد الأسديّ، قال: قال عبد الله بن مسعود: نعى إلينا نبيُّنا وحبيبُنا نفسَه قبل موته بشهر؛ فلمَّا دنا الفراق جَمَعَنا في بيت أمنا عائشة، فنظر إلينا وشدّد، فدمعتْ عينُه، وقال: مرحبًا بكم! رحمكم الله! آواكم الله! حفظكم الله! رفعكم الله! نفعكم الله! وفّقكم الله! نصركم الله! سلَّمكم الله! رحمكم الله! قبلكم الله! أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلِفه عليكم، وأؤديكم إليه؛ إني لكم نذير وبشير، لا تعْلوا على الله في عباده وبلاده؛ فإنه قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فقلنا: متى أجلك؟ قال: قد دنا الفراق، والمنقلبُ إلى الله، وإلى سِدْرَة المنْتَهَى. قلنا: فمن يغسلك يا نبي الله؟ ! قال: أهلِي الأدْنى فالأدنى، قلنا: ففِيم نكفَنُك يا نبيّ الله؟ ! قال: في ثيابي هذه إن شئتم؛ أو في بياض مصر، أو حلّة يمانيّة، قلنا: فمن يصلّي عليك يا نبيّ الله؟ ! قال: مهلًا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرًا! فبكينا وبكَى النبي ﷺ ، وقال: إذا غسلتموني وكفّنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّل منْ يصلّي عليّ جليسي وخليلي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيلِ، ثم ملَك الموت مع جنودٍ كثيرة من الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا عليّ فَوْجًا فوْجًا، فصلوا عليّ وسلموا تسليمًا، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنّة ولا صيحة، وليبدأ بالصّلاة عليّ رجالُ أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم بعد، أقرئوا أنفسكم منّي السلام؛ فإنّي أشهدكم أنّي قد سلّمت علَى مَنْ بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة. قلنا: فمن يُدْخِلك في
стр. 2699
قبرك يا نبيّ الله؟ ! قال: أهلي مع ملائكة كثيرين يروْنكم من حيث لا ترونهم (١). (٣: ١٩١/ ١٩٢).
٤٤٤ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا يونس بن عمرو، عن أبيه، عن الأرقم بن شُرَحبيل، قال: سألت ابنَ عباس: أوصَى رسولُ الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فكيف كان ذلك؟ قال: قال رسول الله: ابعثوا إلى على فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثْتَ إلى أبي بكر! وقالت حفصة: لو بعثتَ إلى عمرَ! فاجتمعوا عنده جميعًا، فقال رسولُ الله ﷺ : انصرفوا، فإن تك لي حاجة أبعثْ إليكم؛ فانصرفوا، وقال رسولُ الله ﷺ : آن الصلاة؟ قيل: نعم، قال: فاؤْمروا أبا بكر ليُصلِّيَ بالناس، فقالت عائشة: إنه رجلٌ رقيق، فمرْ عمر، فقال: مُرُوا عمر، فقال عمر: ما كنت لأتقدّم وأبو بكر شاهد، فتقدّم أبو بكر، ووجد رسولُ الله خِفَّةً، فخرج، فلمَّا سمع أبو بكر حركَته تأخّر، فجذب رسولُ الله ﷺ ثوبه، فأقامه مكانه، وقعد رسول الله، فقرأ من حيث انتهى أبو بكر (٢). (٣: ١٩٦/ ١٩٧).
٤٤٥ - حُدِّثت عن الوأقديّ، قال: سألت ابن أبي سَبْرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: سبع عشرة صلاة، قلت: مَنْ أخبرك؟ قال: أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن رجلٍ من أصحاب النبيّ ﷺ . قال: وحدَّثنا ابنُ أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن عِكْرمة، قال: صلّى بهم أبو بكر ثلاثةَ أيام (٣). (٣: ١٩٧).
٤٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: لما كان يومُ الإثنين خرجَ رسول الله ﷺ عاصبًا رأسه إلى الصُّبح؛ وأبو بكر يصلِّي بالناس؛ فلما خرج رسولُ الله ﷺ تفرَّج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلَّا لرسول الله ﷺ ، فنكص عن مصلّاه، فدفع رسول الله في ظهره، وقال: صلّ بالناس. وجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه؛ فصلّى قاعدًا عن يمين أبي بكر؛ فلمّا فرغ من الصَّلاة، أقبل على الناس وكلّمهم
стр. 2700
رافعًا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد؛ يقول: يا أيّها الناس! سُعِّرت النار، وأقبلت الفتن كقِطَع الليل المظلم! وإنِّي وإلله لا تمْسكون عليّ شيئًا؛ إنّي لم أحِلّ لكم إلا ما أحَلَّ لكم القرآن، ولم أحرّم عليكم إلا ما حرَّم عليكم القرآن. فلما فرغَ رسولُ الله ﷺ من كلامه؛ قال له أبو بكر: يا نبيّ الله! إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحبُّ، واليوم يوم ابنة خارجة، فآتيها. ثم دخل رسولُ الله ﷺ وخرجَ أبو بكر إلى أهله بالسُّنْح (١). (٣: ١٩٨/ ١٩٩).
ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنّه يوم وفاته
٤٤٧ - فقال بعضهم في ذلك ما حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي مِخنَف، قال: حدَّثنا الصَّقْعَب بن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قُبِض رسولُ الله ﷺ نصفَ النهار يوم الإثنين، لليلتَين مَضَتا من شهر ربيع الأول، وبويع أبو بكر يوم الإثنين في اليوم الذي قُبِض فيه النبيّ ﷺ (٢). (٣: ٢٠٠).
٤٤٨ - وقال الواقديُّ: تُوُفِّيَ يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من شهر ربيع الأوّل، ودفن من الغد نصفَ النهار حين زاغت الشمس، وذلك يوم الثلاثاء.
قال أبو جعفر: تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر بالسُّنْح وعمر حاضِرٌ. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ قام عمر بن الخطاب، فقال: إنَّ رجالًا من المنافقين يزعمون: أن رسول الله تُوُفِّيَ وإنَّ رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة؛ ثم رجع بعد أن قيل قد مات؛ والله ليرجعَنَّ رسولُ الله فليقطعن أبيدي رجال