قتلك الله وحرمك الشهادة (١)! (٣: ١٨٦).
٤٣٩ - وحدَّثني عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عميّ يعقوب، قال: أخبرنا سَيف، قال: وحدَّثنا سعيد بن عبيد عن حُرَيث بن المعلّى: أن أوّل مَنْ كتب إلى النبيّ ﷺ بخبر طُليحة سِنان بن أبي سنان، وكان علي بني مالك، وكان قُضاعيّ بن عمرو علي بني الحارث (٢). (٣: ١٨٧).
٤٤٠ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، قال: أخبرنا هِشام بن عُروة عن أبيه، قال: حاربهم رسولُ الله ﷺ بالرسل، قال: فأرسل إلى نفرٍ من الأبناء رسولًا، وكتب إليهم أن يحاولوه، وأمرهِم أن يستنجدوا رجالًا - قد سمَّاهم - من بني تميم وقيس، وأرسل إلى أولئك النَّفر أن ينجدوهم، ففعلوا ذلك؛ وانقطعت سُبل المرتدّة، وطعنوا في نقصان وأغلقهم، واشتغلوا في أنفسهم، فأصيب الأسود في حياة رسولِ الله ﷺ وقبل وفاته بيوم أو بليلة، ولظّ طليحة ومسيلمة وأشباههم بالرّسل؛ ولم يشغله ما كان فيه من الوجَع عن أمِر الله والذبّ عن دينه، فبعث وبَرَ بن يُحنَّس إلى فيروز وجُشيش الديلميّ وداذويه الإصطخريّ؛ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكَلاع وذي ظُلَيم، وبعث الأقرع بن عبد الله الحميريّ إلى ذي زُود وذي مُرَّان، وبعث فرات بن حيَّان العجليّ إلى ثُمامة بن أثال، وبعث زياد بن حنظلة التميميّ ثم العمري إلى قيس بن عاصم والزّبْرِقان بن بدر، وبعث صلصل بن شُرَحبيل إلى سَبْرِة العنبريّ ووكيع الدارميّ وإلى عمرو بن المحجوب العامريّ، وإلى عمرو بن الخَفاجيّ من بني عامر، وبعث ضرار بن الأزْور الأسديّ إلى عَوْف الزرقانيّ من بني الصَّيداء وسنان الأسديّ ثم الغنميّ، وقضاعيّ الدُّئلِيّ، وبعث نعيم بن مسعود الأشْجَعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيريّ (٣). (٣: ١٨٧).
٤٤١ - وحُدِّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مَخْنف، قال: حدَّثنا الصقْعَب ابن زهير عن فقهاء أهل الحجاز: أنّ رسول الله ﷺ وَجِع وجعه الذي قبض فيه في
стр. 2697
آخر صفر في أيام بقِين منه؛ وهو في بيت زينب بنت جحش (١). (٣: ١٨٧).
٤٤٢ - فحدَّثني حُميد بن الزَبيع الخراز، قال: حدَّثنا معن بن عيسى، قال: حدَّثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثيّ؛ ثم الأشجعيّ عن القاسم بن يزيد، عن عبد الله بن قُسَيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضْل بن عبّاس، قال: جاءني رسولُ الله ﷺ ، فخرجت إليه فوجدته موعوكًا قد عصَب رأسه، فقال: خذ بيدي يا فَضْل، فأخذتُ بيده؛ حتى جلَس على المنبر، ثم قال: نادِ في الناس. فاجتمعوا إليه، فقال: أمّا بعدُ أيّها الناس! فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو؛ وإنه قد دنا منّي حقوق من بين أظهركم، فمن كنتُ جلدتُ له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقدْ منه، ومنْ كنتُ شتمتُ له عِرْضًا فهذا عِرْضي فليستقِدْ منه؛ ألا وإنَّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإنّ أحبّكم إليّ مَنْ أخذ منِّي حقّا إن كان له، أو حلَّلني فلقيت الله وأنا أطيبُ النفس؛ وقد أرى أن هذا غير مُغْنٍ عنّي حتى أقوم فيكم مرارًا.
قال الفضل: ثمّ نزل فصلّى الظهر، ثم رجع فجلس على المِنْبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، قال: أعطِه يا فضل، فأمرته فجلس. ثم قال: أيُّها الناس، مَنْ كان عنده شيء فليؤذِّه ولا يقل فُضوح الدنيا، ألا وإن فضوحَ الدنيا أيسرُ من فضوح الآخرة. فقام رجل فقال: يا رسول الله! عندي ثلاثة دراهم غللتُها في سبيل الله، قال: ولمَ غللتَها؟ قال: كنت إليها محتاجًا، قال: خُذها منه يا فضل. ثم قال: يا أيها النَّاس! مَنْ خَشِيَ من نفسه شيئًا فليقم أدعُ له. فقام رجل فقال: يا رسولَ الله! إنّي لكذّاب، إنّي لفاحش، وإني لنؤوم؛ فقال: اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا، وأذهِبْ عنه النوم إذا أراد. ثم قام رجل فقال: والله يا رسول الله! إنّي لكذَّاب وإني لمنافق، وما شيء -أو إن شيء- إلا قد جنيتُه. فقام عمر بن الخطاب، فقال: فضحتَ نفسك أيها الرجل! فقال النبيّ ﷺ : يا بنَ الخطاب! فضوح الدنيا أهونُ من فضوح الآخرة، اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا وصيِّر أمرَه إلى خير.
стр. 2698
فقال عمر كلمة. فضحك رسول الله، ثمّ قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحقّ بعدي مع عمر حيث كان (١). (٣: ١٨٩/ ١٩٠).
٤٤٣ - حدَّثني محمد بن عمر بن الصَّباح الهمْدانيّ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا مسلم بن جعفر البَجَليّ، قال: سمعتُ عبد الملك بن الأصبهانيّ عن خَلَّاد الأسديّ، قال: قال عبد الله بن مسعود: نعى إلينا نبيُّنا وحبيبُنا نفسَه قبل موته بشهر؛ فلمَّا دنا الفراق جَمَعَنا في بيت أمنا عائشة، فنظر إلينا وشدّد، فدمعتْ عينُه، وقال: مرحبًا بكم! رحمكم الله! آواكم الله! حفظكم الله! رفعكم الله! نفعكم الله! وفّقكم الله! نصركم الله! سلَّمكم الله! رحمكم الله! قبلكم الله! أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلِفه عليكم، وأؤديكم إليه؛ إني لكم نذير وبشير، لا تعْلوا على الله في عباده وبلاده؛ فإنه قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فقلنا: متى أجلك؟ قال: قد دنا الفراق، والمنقلبُ إلى الله، وإلى سِدْرَة المنْتَهَى. قلنا: فمن يغسلك يا نبي الله؟ ! قال: أهلِي الأدْنى فالأدنى، قلنا: ففِيم نكفَنُك يا نبيّ الله؟ ! قال: في ثيابي هذه إن شئتم؛ أو في بياض مصر، أو حلّة يمانيّة، قلنا: فمن يصلّي عليك يا نبيّ الله؟ ! قال: مهلًا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرًا! فبكينا وبكَى النبي ﷺ ، وقال: إذا غسلتموني وكفّنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّل منْ يصلّي عليّ جليسي وخليلي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيلِ، ثم ملَك الموت مع جنودٍ كثيرة من الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا عليّ فَوْجًا فوْجًا، فصلوا عليّ وسلموا تسليمًا، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنّة ولا صيحة، وليبدأ بالصّلاة عليّ رجالُ أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم بعد، أقرئوا أنفسكم منّي السلام؛ فإنّي أشهدكم أنّي قد سلّمت علَى مَنْ بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة. قلنا: فمن يُدْخِلك في
стр. 2699
قبرك يا نبيّ الله؟ ! قال: أهلي مع ملائكة كثيرين يروْنكم من حيث لا ترونهم (١). (٣: ١٩١/ ١٩٢).
٤٤٤ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا يونس بن عمرو، عن أبيه، عن الأرقم بن شُرَحبيل، قال: سألت ابنَ عباس: أوصَى رسولُ الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فكيف كان ذلك؟ قال: قال رسول الله: ابعثوا إلى على فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثْتَ إلى أبي بكر! وقالت حفصة: لو بعثتَ إلى عمرَ! فاجتمعوا عنده جميعًا، فقال رسولُ الله ﷺ : انصرفوا، فإن تك لي حاجة أبعثْ إليكم؛ فانصرفوا، وقال رسولُ الله ﷺ : آن الصلاة؟ قيل: نعم، قال: فاؤْمروا أبا بكر ليُصلِّيَ بالناس، فقالت عائشة: إنه رجلٌ رقيق، فمرْ عمر، فقال: مُرُوا عمر، فقال عمر: ما كنت لأتقدّم وأبو بكر شاهد، فتقدّم أبو بكر، ووجد رسولُ الله خِفَّةً، فخرج، فلمَّا سمع أبو بكر حركَته تأخّر، فجذب رسولُ الله ﷺ ثوبه، فأقامه مكانه، وقعد رسول الله، فقرأ من حيث انتهى أبو بكر (٢). (٣: ١٩٦/ ١٩٧).
٤٤٥ - حُدِّثت عن الوأقديّ، قال: سألت ابن أبي سَبْرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: سبع عشرة صلاة، قلت: مَنْ أخبرك؟ قال: أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن رجلٍ من أصحاب النبيّ ﷺ . قال: وحدَّثنا ابنُ أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن عِكْرمة، قال: صلّى بهم أبو بكر ثلاثةَ أيام (٣). (٣: ١٩٧).
٤٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: لما كان يومُ الإثنين خرجَ رسول الله ﷺ عاصبًا رأسه إلى الصُّبح؛ وأبو بكر يصلِّي بالناس؛ فلما خرج رسولُ الله ﷺ تفرَّج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلَّا لرسول الله ﷺ ، فنكص عن مصلّاه، فدفع رسول الله في ظهره، وقال: صلّ بالناس. وجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه؛ فصلّى قاعدًا عن يمين أبي بكر؛ فلمّا فرغ من الصَّلاة، أقبل على الناس وكلّمهم
стр. 2700
رافعًا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد؛ يقول: يا أيّها الناس! سُعِّرت النار، وأقبلت الفتن كقِطَع الليل المظلم! وإنِّي وإلله لا تمْسكون عليّ شيئًا؛ إنّي لم أحِلّ لكم إلا ما أحَلَّ لكم القرآن، ولم أحرّم عليكم إلا ما حرَّم عليكم القرآن. فلما فرغَ رسولُ الله ﷺ من كلامه؛ قال له أبو بكر: يا نبيّ الله! إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحبُّ، واليوم يوم ابنة خارجة، فآتيها. ثم دخل رسولُ الله ﷺ وخرجَ أبو بكر إلى أهله بالسُّنْح (١). (٣: ١٩٨/ ١٩٩).
ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنّه يوم وفاته
٤٤٧ - فقال بعضهم في ذلك ما حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي مِخنَف، قال: حدَّثنا الصَّقْعَب بن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قُبِض رسولُ الله ﷺ نصفَ النهار يوم الإثنين، لليلتَين مَضَتا من شهر ربيع الأول، وبويع أبو بكر يوم الإثنين في اليوم الذي قُبِض فيه النبيّ ﷺ (٢). (٣: ٢٠٠).
٤٤٨ - وقال الواقديُّ: تُوُفِّيَ يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من شهر ربيع الأوّل، ودفن من الغد نصفَ النهار حين زاغت الشمس، وذلك يوم الثلاثاء.
قال أبو جعفر: تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر بالسُّنْح وعمر حاضِرٌ. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ قام عمر بن الخطاب، فقال: إنَّ رجالًا من المنافقين يزعمون: أن رسول الله تُوُفِّيَ وإنَّ رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة؛ ثم رجع بعد أن قيل قد مات؛ والله ليرجعَنَّ رسولُ الله فليقطعن أبيدي رجال
стр. 2701
وأرجلهم يزعمون: أنّ رسول الله مات (١). (٣: ٢٥٥).
ذكر جهاز رسول الله ﷺ ودفنه
٤٤٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر وكثير بن عبد الله وغيرهما من أصحابه، عمّن يحدثه، عن عبد الله بن عباس: أنّ عليَّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقُثَم بن العباس وأسامة بن زيد وشُقران مولى رسول الله ﷺ هُم الذين ولُّوا غَسْلَه، وإنّ أوسَ بن خَوْلى أحد بني عوف بن الخزرج قال لعليّ بن أبي طالب: أنشُدك الله يا عليّ، وحَظّنا من رسول الله! وكان أوْس من أصحاب بدر؛ وقال: ادخل، فدخل فحضر غُسْلَ رسول الله ﷺ ؛ فأسنده عليُّ بن أبي طالب إلى صدره، وكان العبَّاس والفضل وقثم هم الذين يقلِّبونه معه؛ وكان أُسامة بن زيد وشُقْران مولياه هُمَا اللذان يصبّان الماء، وعليّ يغسله قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يَدْلُكه مِنْ ورائه، لا يفضي بيده إلى رسول الله ﷺ وعليٌّ يقول: بأبي أنت وأمّي! ما أطيبك حيًّا ومَيتًا! ولم يُرَ من رسول الله شيءٌ مما يُرَى من الميت (٢). (٣: ٢١١/ ٢١٢).
٤٥٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة مولَى ابنِ عبَّاس، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: لما أرادوا أن يحفِرُوا لرسول الله ﷺ وكان أبو عبيدة بن الجراح يَضْرَح كحفر أهل مكّة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفِر لأهل المدينة، وكان يلحد - فدعا العباسُ رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهمّ خِرْ لرسولك! قال: فوجد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحَدَ لرسول الله ﷺ . فلمّا فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته؛ وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: يدفَن مع أصحابه؛ فقال أبو بكر: إنّي سمعتُ
стр. 2702
رسولَ الله ﷺ يقول: "ما قبِض نبيٌّ إلَّا يدفن حيث قُبِض"؛ فرُفع فراش رسولِ الله الذي توفِّي عليه؛ فحُفِرَ له تحته؛ ودخل الناس على رسول الله يصلّون عليه أرْسالًا؛ حتى إذا فرغ الرجال أدخِلَ النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخِل الصبيان؛ ثم أدخِل العبيد؛ ولم يَؤمّ الناسَ على رسول الله ﷺ أحدٌ، ثم دفن رسولُ الله ﷺ من وسَط الليل ليلة الأربعاء (١). (٣: ٢١٣).
٤٥١ - قال ابن إسحاق: وكان الذي نزل قبرَ رسولِ الله ﷺ علي بن أبي طالب والفضل بن العبّاس وقُثَم بن العباس وشُقران مولَى رسولِ الله ﷺ ؛ وقد قال أوس بن خوليّ: أنشُدك الله يا على وحَظّنا من رسول الله! فقال له: انزِل، فنزل مع القوم؛ وقد كان شُقران مولَى رسولِ الله ﷺ حين وُضِع رسول الله ﷺ في حفرته، وبنيَ عليه؛ قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها؛ فقذفها في القبر، وقال: والله لا يلبَسها أحدٌ بعدَك أبدًا. قال: فدفِنت مع رسول الله ﷺ (٢). (٣: ٢١٣/ ٢١٤).
٤٥٢ - قال ابن إسحاق: وكان المغيرة بن شعبة يدّعي: أنه أحدثُ الناس عهدًا برسول الله ﷺ ، ويقول: أخذت خاتمي فألقيتهُ في القبر، وقلت: إنّ خاتمي قد سقط، وإنما طرحته عمدًا لَأمسّ رسول الله، فأكون آخرَ الناس به عهدًا (٣). (٢١٤: ٣).
٤٥٣ - قالت: وتوفِّيَ رسولُ الله ﷺ لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرًا فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل (٤). (٣: ٢١٥).
٤٥٤ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عبد الوهاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن
стр. 2703
ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكّة عشرًا، وبالمدينة عشرًا، وتوفَّيَ وهو ابن ثلاث وستين (١). (٣: ٢١٥).
ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللَّذَين توفي فيهما رسول الله ﷺ -
٤٥٥ - قال أبو جعفر: حدَّثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجانيّ، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي طَيبَة، قال: حدَّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ ﷺ استعمل أبا بكر على الحجِّ سنة تسع، فأراهم مناسكَهم، فلمّا كان العام المقبل حجّ رسول الله ﷺ حجّة الوداع سنة عشر؛ وصدر إلى المدينة، وقُبِض في ربيع الأول (٢). (٣: ٢١٧).
٤٥٦ - حدَّثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدَّثنا موسى بن داود عن ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الصنعانيّ، عن ابن عباس، قال: وُلد النبيّ ﷺ يومَ الإثنين، واستُنْبئ يوم الإثنين، ورفع الحَجَر يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبض يوم الإثنين (٣). (٣: ٢١٧).
٤٥٧ - حدَّثني أحمدُ بن عثمان بن حكيم، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدَّثني أبي عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: توفِّيَ رسولُ الله ﷺ في شهر ربيع الأوّل في اثنتي عشرة ليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين ودفن ليلةَ الأربعاء (٤). (٣: ٢١٧).
٤٥٨ - حدَّثني أحمدُ بن عثمان، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أنه دخل عليه فقال
стр. 2704
لامرأته فاطمة: حَدِّثِي محمدًا ما سمعت من عَمْرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عَمْرة تقول: سمعت عائشة تقول: دُفِن نبيّ الله ﷺ ليلةَ الأربعاء؛ وما علمنا به حتى سمعنا صوتَ المَسَاحِي (١). (٣: ٢١٧).
* * *
стр. 2705
ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
الخِلافَة الرَّاشِدة
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
المجلّد الثّامن
دار ابن كثير
دمشق- بَيروت
стр. 2706
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2707
ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
الخِلافَة الرَّاشِدة
стр. 2708
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com
стр. 2709
مقدمة
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتُها وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار".
وبعد:
فإن التاريخ الإسلامي لم ينل حقه من التمحيص والتحقيق والتخريج كما نالت العلوم الإسلامية الأخرى، فدخل فيه الغث والسمين والصحيح والباطل. كما لعبت أسباب عديدة وغايات مختلفة، وأغراض متباينة منها السياسية، ومنها العصبية الجنسية والطائفية، ومنها الزندقة والإلحاد، ومنها الثأر للفارسية والرومية وغيرها في تحريف التاريخ وتشويه حقائقه، وإظهاره بغير الوجه
стр. 2710
الصحيح المشرق، الذي أنار للعالم الطريق إلى السعادة والسؤدد.
ومن فضل الله علينا وعلى العالم أجمع أن أكرمنا الإسناد الذي هو من الدين فقد قال ابن المبارك (١): "الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء" اهـ.
وقال سفيان الثوري (٢): "الإسناد سلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فأي شيءٍ يقاتل؟ " اهـ.
وقال الأوزاعي (٣): "وما ذهاب العلم إلَّا ذهاب الإسناد" اهـ.
وقال سفيان بن عيننة (٤)؛ "حدث الزهري يومًا بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: "أيرقى السطح بلا سلم؟ ".
وقال بقية: ذاكرت حماد بن زيد أحاديث. فقال: ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة، يعني: الأسانيد (٥).
وقال الشافعي: "الذي يطلب العلم بلا سند كحاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري" (٦).
وقال علي القاري: "أصلُ الإسناد خصيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة وسنةٌ بالغةٌ من السنن المؤكدة، بل من فروضِ الكفاية، وطلبُ العُلو أمرٌ مطلوب وشأن مرغوب" (٧).
وقال أبو العباس الدَّغْولي: "سمعت محمد بن حاتم بن المظفَّر يقول: "إن الله تعالى قد أكرمَ هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد. وليس لأحد من الأمم كلّها
стр. 2711
قديمها وحديثها إسناد موصول. إنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (١).
وقال الإمام اللكنوي (٢): "فهذه العبارات بصراحتها أو بأشارتها تدلُّ على أنه لا بدَّ من الإسناد في كل أمرٍ من أمور الدين، وعليه الاعتماد، أعمُّ من أن يكون ذلك الأمرُ من قبيل الأخبار النبوية، أو الأحكام الشرعية، أو المناقب والفضائل، والمغازي والسير والفواضل، وغير ذلك من الأمور التي لها تعلُّقٌ بالدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد ما لم يتأكد بالإسناد لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخير" اهـ.
وإن تأريخ الإمام الطبري من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد، إلا أن الطبري ﵀ اعتمد في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد - عهد الخلفاء الراشدين - على مرويات سيف بن عمر التميمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف (٣).
قال ابن حبان: "رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات" "لسان الميزان" (٤/ ٣٦٦).
وقال ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١١٠): "حدَّث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم.
وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٨٢): "متروك الحديث". قلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف هذا.
وبينا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات، ولم نُطل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحيى ذلك في
стр. 2712
كتابه القيم "مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري -عصر الخلافة الراشدة- دراسة نقدية".
أما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهو الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري، فقد وضعنا منهجًا نرجو أنَّا قد التزمنا به في تحقيقنا هذا.
وقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه باختصار.
* أما في الحديث فهو ضعيف عند جمهور النقاد.
قال الدارقطني: ضعيف. (التهذيب ٤/ ٢٩٦).
وقال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكين / ٥١).
وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة وكان يضع الحديث. (المجروحين ١/ ٣٤٥).
وقد اعترض ابن حجر على ابن حبان فقال في التقريب (١/ ٢٦٢) أفحش ابن حبان القول فيه.
* أما بالنسبة للروايات التأريخية، فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ) وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا. الميزان (٢/ ٢٥٥) ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيث: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين:
(الأول): يتعلق بسيف المحدث.
(والثاني): يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية / ٢٨).
ويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ.
قلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بشروط:
١ - إن وجدنا لها أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.
стр. 2713
٢ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات مما يتعلق بالمسائل العقيدية والحلال والحرام.
٣ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من طعن في عدالة الصحابة أو غمز ولمز بهم وبتعاملهم مع بعضهم البعض.
٤ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين.
أما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيّنا ما فيها من نكارة أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلّا أنّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونعني (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب وأغلب الروايات من طريقه فهو المعروف بتحامله على الصحابة اليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥).
واعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله قال حدثني عمّي قال حدثنا سيف) والله أعلم.
ثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التأريخية فهي كما يلي:
٢ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي بعد أن بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات - وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية: الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابه القيم المعروف (طبقات خليفة).
٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر من البلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ) وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته
стр. 2714
لشخصيات الصحابة في كتابه التأريخي القيّم (أنساب الأشراف).
٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدناه في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد) وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلّا ما كان له متابعة أو شاهد.
٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التاريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان وكذلك (الأخبار الطوال) للدينوري ت (٢٨٢ هـ).
٥ - ومعلوم أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيّم اعتمد فيه الإسناد ورجّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخه (لابن منظور ﵀ وكذلك راجعنا روايات الكلاكي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم).
٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث فقد اعتمدنا تأريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته.
٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم).
٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي.
٩ - أما ما يتعلق بالصحاح والمسانيد والسنن والمستدركات والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة
стр. 2715
موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب.
١٠ - وكنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحرّيه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقًا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمر، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ، . إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق).
وكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوّهه المستشرقون حسدًا وحقدًا وعدوانًا فإن أصبنا في شيء فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا فمن عند أنفسنا ونستغفر الله.
المحققان
стр. 2716
ضعيف تاريخ أبي بكر الصديق ﵁
стр. 2717
١ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا جرير عن مغيرة، عن أبي معشر زياد بن كُلَيُب، عن أبي أيوب، عن إبراهيم، قال: لما قُبِض النبيُّ ﷺ كان أبو بكر غائبًا، فجاءَ بعد ثلاث، ولم يجترئ أحدٌ أن يكشِفَ عن وجهه، حتى اربدَّ بطنهُ، فكشف عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأميّ! طبْت حيًّا وطبت مَيتًا! ثم خرج أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مَنْ كان يعبدُ الله فإنْ الله حيٍّ لا يموت، ومَنْ كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات. ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وكان عمر يقول: لم يمتُ؛ وكان يتوعّد الناس بالقتل في ذلك.
فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعِدة ليبايعوا سعدَ بن عُبادة، فبلغَ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عُمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أميرٌ ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منّا الأمراء ومِنْكم الوزراء.
ثم قال أبو بكر: إني قد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجُلين: عمر أو أبا عبيدة، إنْ النبيّ ﷺ جاءَه قومٌ فقالوا: ابعث معنا أمينًا فقال: لأبعثنَّ معكم أمينًّا حق أمين، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح؛ وأنا أرضَى لكم أبا عُبيدة. فقام عمر، فقال: أيّكمُ تطيب نفسه أن يخلُف قَدَمَين قدَّمهما النبيّ ﷺ فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار -أو بعض الأنصار؛ لا نبايع إلّا عليًّا (١). (٣: ١/ ٢٠٢ - ٢٠٢).
٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا جرير عن مغيرة، عن زياد بن كليب، قال: أتى عمرُ بن الخطاب منزلَ عليّ وفيه طلحة والزبير ورجالٌ من المهاجرين، فقال: والله لأحِرقنَّ عليكم أو لتخرُجُنَّ إلى البَيعة، فخرج عليه الزبيرُ مُصْلِتًا بالسيف، فعثر فسقط السَّيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (٢). (٣: ٢٠٢).
٣ - حدَّثنا زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أبو عوَانة، قال: حدثنا
стр. 2718
داود بن عبد الله الأوْدِيّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن الحميريّ، قال: تُوُفيَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر في طائفة من المدينة، فجاء فكشف الثوبَ عن وجهْه فقبّله، وقال: فداك أبي وأمي! ما أطيبَك حيًّا وميتًا! مات محمدٌ وربّ الكعبة! قال: ثم انطلق إلى المنبر، فوجد عمر بن الخطاب قائمًا يُوعِد الناس، ويقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ حيٌّ لم يمت، وإنه خارج إلى من أرْجَفَ به، وقاطع أيدَيهم، وضارب أعناقهم، وصالبهم، قال: فتكلّم أبو بكر، وقال: أنِصتْ. قال: فأبى عمر أن يُنصِت، فتكلّم أبو بكر، وقال: إن الله قال لنبيّه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... ﴾، حتى ختم الآية، فمن كان يعبدُ محمدًا فقد مات إلهه الذي كان يعبُده، ومَنْ كان يعبد الله لا شريك له، فإن الله حيٌّ لا يموت.
قال: فحلف رجالّ أدركناهم من أصحاب محمد ﷺ : ما علمنا أنّ هاتين الآيتين نزلَتَا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ، إذ جاء رجل يسعَى فقال: هاتِيكَ الأنصار قد اجتمعت في ظُلّةِ بني ساعدة، يبايعون رجلًا منهم، يقولون: منّا أميرٌ ومن قريش أمير، قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتقاوَدان حتى أتياهم، فأراد عمر أن يتكلّم، فنهاه أبو بكر، فقال: لا أعصى خليفة النبيّ ﷺ في يوم مرَّتَين.
قال: فتكلّم أبو بكر، فلم يترك شيئًا نزل في الأنصار، ولا ذكره رسولُ الله ﷺ : من شأنهم إلّا وذكره. وقال: لقد علمتمْ أنّ رسولَ الله قال: لو سلك النَّاس واديًا وسلكت الأنصارُ واديًا سلكتُ واديَ الأنصار، ولقد علمتَ يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعدٌ: قريش ولاةُ هذا الأمر، فبَرُّ الناس تَبَعٌ لبَرّهم، وفاجرهم تبعٌ لفاجرهم، قال: فقال سعد: صدقتَ، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء، قال: فقال عمر: ابسُطْ يدك يا أبا بكر فلأبايعك، فقال أبو بكر: بل أنت يا عمر، فأنت أقوَى لها منِّي، قال: وكان عمر أشدّ الرجلين، قال: وكان كلُّ واحد منهما يريد صاحبّه يفتح يده يضرب عليها، ففتح عمر يد أبي بكر وقال: إن لك قوّتي مع قوتّكِ. قال: فبايع الناسُ واستثبتوا للبيعة، وتخلّف عليّ والزّبير، واخترط الزُّبير سيفه، وقال: لا أغمده حتى يُبايعَ عليُّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خُذُوا سيفَ الزُّبَيْر، فاضربوا به الحجَر، قال:
стр. 2719
فانطلق إليهم عمر، فجاء بهما تبعًا، وقال لتبايعان وأنتما طائعان، أو لتبايعان وأنتما كارهان! فبايعا (١). (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
٤ - حدثنا عُبيد الله بن سعيد الزهريّ، قال: أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرني سَيفُ بن عمر عن الوليد بن عبد الله بن أبي ظبَية البَجَليّ، قال: حدَّثنا الوليد بن جُمَيع الزُّهريّ، قال: قال عمرو بن حريث لسعيد بن زيد: أشهدت وفاةَ رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسولُ الله ﷺ كرهوا أن يبقوْا بعض يوم وليسوا في جماعة، قال: فخالف عليه أحدٌ؟ قال: لا إلا مرتدٌّ أو مَنْ قد كاد أن يرتدْ، لولا أنّ الله ينقذهم من الأنصار، قال: فهل قعد أحد من المهاجرين؟ قال: لا، تتابع المهاجرون على بيعته، من غير أن يدعوهم (٢). (٣: ٢٠٧).
٥ - حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفيّ، قال: حدثنا أبو قُتيبة، قال: حدثنا مالك -يعني ابن مِغْوَل- عن ابن الحرّ، قال: قال أبو سفيان لعليّ: ما بالُ هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش! والله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلًا ورجالًا! قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان! طالما عاديتَ الإسلام وأهلَه فلم تضرّه بذاك شيئًا! إنا وجدنا أبا بكر لها أهلًا (٣). (٢٠٩: ٣).
٦ - حدّثني محمد بن عثمان الثَّقَفِيّ، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدثنا حمّاد بن سلَمة، عن ثابت، قال: لما استخلف أبو بكر قال أبو سُفيان: ما لَنا ولأبي فَصيل؛ إنما هي بنو عبد مناف! قال: فقيل له: إنه قد ولّى ابنَك، قال: وصَلَتْه رَحِم! (٤) (٣: ٢٠٩).
٧ - حُدّثت عن هِشام، قال: حدّثني عَوَانَة، قال: لما اجتمعَ الناسُ على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان؛ وهو يقول: والله إنّي لأرَى عجاجة لا يطفئها إلّا دم!
стр. 2720
يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم! أين المستضعَفان! أين الأذلان عليّ والعباس! وقال: أبا حسنٍ! ابسُط يدك حتى أبايعَك فأبى عليٌّ عليه، فجعل يتمثل بشعر المتلمّس:
ولَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ ... إلَّا الأذلّانِ عَيرُ الحَيِّ وَالوَتِدُ
هذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ برُمَّتِه ... وذَا يُشَجُّ فَلا يَبكي لَهُ أحَدُ
قال: فزجره عليّ، وقال: إنك والله ما أردتَ بهذا إلا الفتنة. وإنك والله طالما بغيتَ الإسلامَ شرًّا! لا حاجة لنا في نصيحتك.
قال هشام بن محمّد: وأخبرني أبو محمد القرشيّ، قال: لما بويع أبو بكر، قال أبو سفيان لعليّ والعباس: أنتما الأذلّان! ثم أنشد يتمثّل:
إنَّ الهوَانَ حِمَارُ الأهلِ يعْرِفُه ... وَالحُرُّ يَنْكَرُهُ والرَّسْلَةُ الأُجُدُ
ولا يُقيم علَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إلا الأَذَلَّانِ عَيرُ الحَيِّ والوَتدُ
هذَا عَلى الخَسْفِ معكوسٌ برُمَّتِه ... وذَا يُشَجُّ فَلا يَبكي لَه أحد (١)
(٢٠٩: ٣ - ٢١٠).
٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، قال: حدَّثنا أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغدُ، جلَس أبو بكر على المِنْبَر، فقام عُمر فتكلّم قبل أبي بكر؛ فحمد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس! إنّي قد كنتُ قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأي، وما وجدتُها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عَهِده إليَّ رسول الله ﷺ ؛ ولكني قد كنت أرى أنّ رسول الله سيدبّر أمرنا؛ حتى يكون آخرَنا، وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هَدى به رسول الله فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هَداه له؛ وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذْ هما في الغار؛ فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلّم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهلُه، ثم قال: أما بعدُ أيها الناس؛ فإني قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم؛ فإن أحسنت فأعينوني؛ وإن أسأت
стр. 2721
فقَوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أريح عليه حقّه إن شاء الله، والقويُّ منكم الضعيف عندي حتى آخذَ الحقّ منه إن شاء الله. لا يَدَع أحدٌ منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يَدعُه قوم إلّا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلّا عمَّهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله؛ فإذا عصيتُ الله ورسوله؛ فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله! (١) (٣: ٢١٠).
ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة
٩ - حدَّثنا هشام بن محمد، عن أبي مخنْف، قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ: أنّ النبيّ ﷺ لما قُبِض اجتمعت الأنصارُ في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نُولّي هذا الأمر بعد محمد ﵇ سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمّه: إنّي لا أقدِر لشكوايَ أن أسمع القوم كلّهم كلامي؛ ولكن تَلَقَّ منّي قولي فأسْمِعْهموه؛ فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع صوتَه فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار! لكم سابقةٌ في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إنّ محمّدًا ﵇ لَبِث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرّحمن وخلْع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجالٌ قليل؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعُوا رسولَ الله؛ ولا أن يُعزُّوا دينَه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عُمُّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلةَ، ساق إليكم الكرامةَ وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنعَ له ولأصحابه، والإعزازَ له ولدينه، والجهادَ لأعدائه؛ فكنتم أشدَّ الناس على عدوّه منكم، وأثقلَه على عدوّه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيدُ المقادةَ صاغرًا داخرًا، حتى أثخن الله لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب؛ وتوفّاه الله وهو عنكم راض؛ وبكم قرير عين. استبدّوا بهذا الألمر فإنّه لكم دون الناس.
стр. 2722
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وُفِّقتَ في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدُوَ ما رأيت، ونولِّيك هذا الأمر، فإنك فينا مَقنَعٌ ولصالح المؤمنين رضا. ثم إنهم ترادُّوا الكلامَ بينهم، فقالوا: فإن أبَتْ مهاجرة قريش؟ فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأوّلون؛ ونحن عشيرته وأولياؤه؛ فعَلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده! فقالت طائفة منهم: فإنّا نقولُ إذًا: منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدًا. فقال سعدُ بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهَن!
وأتى عمرَ الخبرُ، فأقبل إلى منزل النبيّ ﷺ ، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب ﵇ دائب في جِهاز رسولِ الله ﷺ ؛ فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إليّ، فأرسل إليه: إنّي مشتغل؛ فأرسل إليه أنه قد حدَث أمرٌ لا بدّ لك من حضوره؛ فخرج إليه، فقال: أمَّا علمتَ أنّ الأنصار قد اجتمعت في سَقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولُّوا هذا الأمر سعدَ بن عبادة؛ وأحسنهم مقالةً مَنْ يقول: منّا أمير ومِن قريش أمير! فمضيا مسرعين نحوهم؛ فلقيَا أبا عُبيدة بن الجراح؛ فتماشَوْا إليهم ثلاثتُهم، فلقيَهم عاصم بن عديّ وعُوَيمُ بن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون، فقالوا: لا نفعل، فجاؤوا وهم مجتمعون. فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم - وقد كنت زوَّرت كلامًا أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعتُ إليهم ذهبتُ لأبتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر: رُوَيدًا حتى أتكلّم ثم انطقْ بعد بما أحببت. فنطق، فقال عمر: فما شيء كنتُ أردت أن أقوله إلّا وقد أتى به أو زاد عليه.
فقال عبد الله بن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبُدوا الله ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعةٌ، ولهم نافعة، وإنما هي من حَجَر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ فعظُم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم؛ وتكذيبهم إياهم؛ وكلُّ الناس لهم مخالف، زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشَنَفِ الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم،
стр. 2723
فهم أوّل مَنْ عَبَد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول؛ وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقُّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشرَ الأنصار، مَنْ لا ينكَر فضلُهم في الدينِ، ولا سابقتُهم العظيمة في الإسلام، رضيَكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّةُ أزواجه وأصحابه؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحدٌ بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تُفْتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.
قال: فقام الحُبَابُ بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار! املكوا عليكم أمرَكم؛ فإنّ الناس في فيئكم وفي ظِلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافِكم؛ ولن يُصدِر الناس إلّا عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثرْوَة، وأولو العَدد والمَنعة والتجربة، ذوو البأس والنجْدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيُكم؛ وينتقض عليكم أمركم، فإن أبي هؤلاء إلّا ما سمعتم؛ فمنّا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قَرن! والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيها من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرَها مَنْ كانت النبوّة فيهم ووَلي أمورهم منهم؛ ولنا بذلك على مَنْ أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين؛ مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته. ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل، أو مُتَجَانِف لإثم، ومتورِّط في هَلَكة!
فقام الحُباب بن المنذر فقال: يا معشرَ الأنصار! املكُوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر؛ فإن أبوْا عليكم ما سألتموه، فاجلُوهم عن هذه البلاد، وتولَّوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحقُّ بهذا الأمر منهم؛ فإنه بِأسيافكم دانَ لهذا الذين مَنْ دان ممّن لم يكن يدين؛ أنا جُذَيلُها المُحَكَّك، وعُذيقُها المُرَجَّب! أمَّا والله لئن شئتم لنعيدنّها جذَعَةً؛ فقال عمر: إذًا يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل!
فقال أبو عبيدة: يا معشرَ الأنصار! إنكم أوّل مَنْ نصر وآزرَ؛ فلا تكونوا أوّل مَنْ بدّل وغيّر.
فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشرَ الأنصار! إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدّين؛ ما أردنا به إلّا رضا
стр. 2724
ربنا وطاعة نبينا؛ والكَدْحَ لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على النّاس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرَضًا؛ فإن الله وليّ المنة علينا بذلك؛ ألا إنّ محمدًا ﷺ من قريش، وقومُه أحقّ به وأولى. وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم!
فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيَّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضلُ المهاجرين وثاني اثنين إذْ هما في الغار، وخليفةُ رسول الله على الصّلاة؛ والصَّلاةُ أفضلُ دين المسلمين؛ فمن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسُط يدك نبايعك.
فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد، فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير بن سعد! عَقّتك عَقاقِ؛ ما أحوجَك إلى ما صنعت، أنَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة! فقال: لا والله! ولكني كرهت أن أنازع قومًا حقًّا جعله الله لهم.
ولما رأت الأوسُ ما صنع بشير بن سعد، وما تدعُو إليه قريش، وما تطلبُ الخزرجُ من تأمير سعد بن عبادة؛ قال بعضهم لبعض، وفيهم أسَيد بن حُضير - وكان أحدَ النقباء -: والله لئن وليَتْها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبًا أبدًا، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم.
قال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني أبو بكر بن محمد الخُزاعيّ: أن أسلمَ أقبلتْ بجماعتها حتى تضائقَ بهم السكك، فبايعوا أبا بكر؛ فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيتُ أسلم، فأيقنتُ بالنّصر.
قال هشام، عن أبي مخنف: قال عبدُ الله بن عبد الرحمن: فأقبَل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدًا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله! ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممتُ أن أطأكَ حتى تُنْدَر عَضُدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصتَ منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة؛ فقال أبو بكر: مهلًا يا عمر! الرّفْقُ ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بي
стр. 2725
قوّة ما، أقوى على النهوض؛ لسمعتَ منّي في أقطارها وسككها زَئيرًا يُحْجرك وأصحابك؛ أما والله إذا لألحقنك بقوم كنتَ فيهم تابعًا غير متبوع! احملوني مِنْ هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره، وترك أيامًا ثم بعث إليه أن أقْبِل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومُك؛ فقال: أما والله حتى أرميَكم بما في كنانتي من نَبْلي، وأخْضب سنان رمْحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومَنْ أطاعني من قومي؛ فلا أفعل، وأيمُ الله لو أنّ الجنّ اجتمعتْ لكم مع الإنس ما بايعتُكم، حتى أعرَض على ربّي، وأعلَم ما حسابي.
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تَدَعْه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ وأبي، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل معه ولدُه وأهل بيته وطائفة من عشيرته؛ فاتركوه فليس تركُه بضارّكم، إنما هو رجلٌ واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدَا لهم منه، فكان سعْد لا يصلِّي بصلاتهم، ولا يجمِّع معهم، ويحجّ، ولا يُفيض معهم بإفاضتهم؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر ﵀ (١). (٣: ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٠ - ٢٢١ - ٢٢٢).
١٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لما قام الحُبابُ بن المنذر انتضَى سيفه؛ وقال: أنا جُذَيلُها المحكّك وعُذَيقها المرجّب؛ أنا أبو شبل في عرّيسة الأسد، يعزَى إلى الأسْد. فحامله عمر فضرب يده، فندَر السيفُ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد؛ وتتابع القوم على البيعة؛ وبايع سعد؛ وكانت فلتةً كفَلَتات الجاهليّة؛ قام أبو بكر دونها. وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعدًا، فقال عمر: قتله الله! إنه منافق، واعترض عمرَ بالسيف صخرةٌ فقطعه (٢). (٣: ٢٢٣).
стр. 2726
١١ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعيد، قال: حدّثني عمّي يعقوب، قال: حدثنا سيف، عن مبشّر، عن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر: إنكم يا معشرَ المهاجرين حسدتموني على الإمارة؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البَيعة، فقالوا: إنا لو أجْبَرناك على الفُرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سَعة؛ ولكنا أجبرناك على الجماعة، فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدًا من طاعة، أو فرّقت جماعة، لنَضرِبنّ الذي فيه عيناك (١). (٣: ٢٢٣).
ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته
١٢ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: حدَّثنا سيف - وحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر - عن أبي ضمْرة، عن أبيه، عن عاصم بن عبدّي، قال: نادى منادي أبي بكر من بعد الغد مِنْ متوفَّى رسول الله ﷺ : ليُتَمّ بعث أسامة؛ ألا لا يبقينّ بالمدينة أحدٌ من جُنْد أسامة إلّا خرج إلى عسكره بالجُرف. وقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس! إنما أنا مثلُكم؛ وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله ﷺ يطيق؛ إن الله اصطفى محمدًا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبعٌ ولست بمبتدع؛ فإن استقمت فتابحوني، وإن زغت فقوموني، وإنّ رسولَ الله ﷺ قبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها؛ ألا وإنّ لي شيطانًا يعتريني؛ فإذا أتاني فاجتنبوني؛ لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم؛ وأنتم تغدون وتَرُوحون في أجلٍ قد غيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألّا يمضيَ هذا الأجل إلّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك إلّا بالله، فسابقوا في مَهل آجالكم من قبل أن تُسلمَكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال؛ فإن قومًا نسُوا آجالهم، وجعلُوا أعمالهم لغيرهم؛ فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ! والوحا الوحا! والنّجاء النّجاء! فإن وراءكم طالبًا حثيثًا، أجلًا مَرُّه سريعٌ. احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات.
وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله لا يقبل من الأعمال
стр. 2727
إلّا ما أريد به وجهه؛ فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أنّ ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وخطأٌ ظفرتم به، وضرائب أدّيتموها، وسلَفٌ قدَّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية؛ لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمَنْ مات منكم، وتفكّروا فيمن كان قبلكم. أين كانوا أمس، وأين هم اليوم؟ ! أين الجبّارون؟ ! وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلَبة في مواطن الحروب؟ ! قد تضعضع بهم الدّهر، وصاروا رميمًا، قد تُركت عليهم القالات؛ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. وأينَ الملوك الذين أثاروا الأرض وعمرُوها، قد بعدوا ونُسِيَ ذكرهم، وصاروا كلا شيء. ألا إنّ الله قد أبقى عليهم التَّبِعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوْا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلَفًا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجوْنا، وإن اغتررنا كنّا مثلهم! أين الوُضّاءُ الحسنة وجوهُهم، المعجبون بشبابهم؟ ! صاروا ترابًا وصار ما فرطوا فيه حَسْرَة عليهم! أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ ! قد تركوها لمن خَلَفهم، فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزًا؟ ! أين مَنْ تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؛ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدسوا فحلُّوا عليه وأقاموا للشَّقْوة والسعادة فيما بعد الموت. ألا إنّ الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد مِنْ خلقه سببٌ يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه به سوءًا إلّا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيدٌ مَدِينُون، وإنّ ما عنده لا يُدْرك إلّا بطاعته؛ أما أنه لا خير بخير بَعْدَه النارُ، ولا شر بشرّ بعده الجنة (١). (٣: ٢٢٣/ ٢٢٤ / ٢٢٥).
стр. 2728
١٣ - حدّثني عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف - وحدّثني السَّرِيّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: أخبرَنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر ﵁ وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليُتَمّ بعثُ أسامة؛ وقد ارتدت العرب؛ إمّا عامة وإمّا خاصة في كلّ قبيلة؛ ونجَم النفاق، وأشرأبّت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغَنَم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيّهم ﷺ وقِلّتِهم، وكثرة عدوّهم. فقال له الناس: إن هؤلاء جُلُّ المسلمين والعرب - على ما ترى - قد انتقضت بك؛ فليس ينبغي لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين. فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السِّباع تخطّفني، لأنفذت بعثَ أسامة كما أمَر رسولُ الله ﷺ ، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته! (١) (٣: ٢٢٥).
стр. 2729
١٤ - حدّثني عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي، قال: أخبرني سيف -وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سيف عن عطية، عن أبي أيوب عن عليّ، وعن الضّحاك عن ابن عباس، قالا: ثم اجتمعَ من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحُدَيبيَة، وخرجوا وخرج أهلُ المدينة في جُنْد أسامة؟ فحبس أبو بكر مَنْ بَقِيَ من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالحَ حول قبائلهم وهم قليل (١). (٣: ٢٢٥).
١٥ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي ضَمْرة وأبي عمرو وغيرهما، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، قال: ضرب رسولُ الله ﷺ قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومَنْ حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد. فلم يجاوز آخرهم الخندقَ، حتى قُبِض رسولُ الله ﷺ ، فوقف أسامةُ بالناس، ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذِنْه؛ يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وثَقَلِ رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون. وقالت الأنصارُ: فإن أبى إلّا أن نمضيَ فأبلغْه عنّا، واطلب إليه أن يولِّيَ أمرنا رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خَطَفْتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قضَى به رسولُ الله ﷺ ! قال: فإنّ الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تُولِّي أمرَهم رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر -وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمُّك وعدمَتْك يا بن الخطاب! استعملَه رسولُ الله ﷺ وتأمرني أن أنزِعَه! فخرج
стр. 2730
عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلَتْكم أمَّهاتكم! ما لقيتُ في سببكم من خليفة رسول الله! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم، فأشخصهم وشيَّعهم وهو ماش وأسامة راكبٌ، وعبد الرحمن بن عوف يقودُ دابة أبي بكر، فقال له أسامة: يا خليفةَ رسول الله! والله لتركبنّ أو لأنزلنّ! فقال: والله لا تنزل! ووالله لا أركب! وما عليّ أن أغبّرَ قدمَيّ في سبيل الله ساعةً؛ فإن للغازي بكلّ خطوة يخطوها سبعمئة حسنة تكتب له، وسبعمئة درجة ترتفع له، وترفع عنه سبعمئة خطيئة! حتى إذا انتهى قال: إن رأيتَ أن تعينَنِي بعمر فافعل! فأذن له، ثم قال: يا أيها الناس! قفُوا أوصِكُمْ بعشر فاحفظوها عنِّي: لا تَخُونُوا، ولا تَغلّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقِرُوا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا شاةً، ولا بقرة، ولا بعيرًا إلا لمأكلة؛ وسوف تمرُّون بأقوام قد فرّغوا أنفسَهم في الصوامع؛ فدَعُوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدَمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوانُ الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسمَ الله عليها. وتلقوْن أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب؛ فاخفقوهم بالسيف خَفْقًا. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون (١). (٣: ٢٢٥/ ٢٢٦ / ٢٢٧).
١٦ - حدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدثنا سيف - وأخبرنا عبيد الله، قال: أخبرني عمّي، قال: حدثنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: خرج أبو بكر إلى الجُرْف، فاستَقْرى أسَامة وبعْثه، وسأله عمرَ فأذن له، وقال له: اصنع ما أمرَك به نبيُّ الله ﷺ ، ابدأ ببلاد قُضاعة ثم إيتِ آبِلَ، ولا تقصّرنّ في شيء من أمر رسول الله ﷺ ، ولا تعجلنّ لما خلّفتَ عن عهده. فمضى أسامة مُغِذًّا على ذي المَرْوَة والوادي، وانتهى إلى ما أمره به النبيّ ﷺ من بَثّ الخيول في قبائل قُضاعة والغارة على آبِل، فسلِم وغنِم، وكان فراغه في أربعين يومًا سوى مقامه ومنقلبه راجعا (٢). (٣: ٢٢٧).
١٧ - فحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف - وحدّثنا
стр. 2731
عُبيد الله، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة، عن المغيرة بن الأخنَس (١).
١٨ - وعنهما، عن سيف، عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراساني مثلُه (٢). (٢٢٧: ٣).
١٨ / أ- حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرَنا سيف، وحدّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سَيف، عن أبي القاسم الشَّنَويّ، عن العَلاء بن زياد، عن ابن عمر، قال: أتى الخبرُ النبيَّ ﷺ من السماء الليلَة التي قتل فيها العَنْسيُّ ليبشِّرنا، فقال: قُتِل العنسيّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز (٣)! (٣: ٢٣٦).
١٩ - حدَّثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن المستنير، عن عُروة، عن الضّحاك، عن فيروز، قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا كما كان؛ إلّا أنا أرسلْنا إلى مُعاذ، فتراضينا عليه؛ فكان يصلِّي بنا في صَنْعاء؛ فوالله ما صلَّى بنا إلا ثلاثًا ونحن راجون مؤمّلون، لم يبق شيء نكرهه إلّا ما كان من تلك الخيول التي تتردّد بيننا وبين نَجْران؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسولِ الله ﷺ ، فانتقضت الأمور؛ وأنكرنا كثيرًا مما كنّا نعرف، واضطربت الأرض (٤). (٣: ٢٣٦).
١٩ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عُبيد بن صَخْر، قال: كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر (٥). (٣: ٢٣٩).
٢٠ - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، وحدّثنا عبيد الله قال:
стр. 2732
أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف عن جابر بن يزيد، عن عُروة بن غَزِيّة، عن الضّحّاك بن فيروز، قال: كان ما بين خروجه بكَهْف خُبَّان ومقتله نحوًا من أربعة أشهر؛ وقد كان قبل ذلك مستسرًّا بأمره. حتى بادَى بعد (١). (٣: ٢٤٠).
٢١ - وزعم أنّ ابن جُريج حدّثه عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: تُوفِّيتْ فاطمة ﵍ بعد النبيّ ﷺ بثلاثة أشهر (٢). (٣: ٢٤٠).
٢٢ - قال: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة ابنة عبد الرّحمن قالت: صلّى عليها العباس بن عبد المطلب (٣). (٣: ٢٤١).
٢٣ - وحدّثنا أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ عن أبي معشر، قال: دخل قبرَها العباس، وعليّ، والفضل بن العباس (٤). (٣: ٢٤١).
٢٤ - قال: وفيها توفِّيَ عبدُ الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة، وكان أصابه بالطائف سهمٌ مع النبيّ ﷺ ، رماه أبو محجن، ودَمِلَ الجرح حتى انتقض به في شوّال، فمات (٥). (٣: ٢٤١).
٢٥ - وحدَّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو معشر، ومحمد بن إسحاق، وجُوَيريَة بن أسماء بإسناده الذي ذكرتُ قبل، قالوا: في العام الذي بُويع فيه أبو بكر مَلّكَ أهلُ فارس عليهم يَزْدَجِرد (٦). (٣: ٢٤١).
٢٦ - قال أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر ﵀ خارجة بن حصْن الفَزاريّ. حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم؛ وهو الموضع الذي كان
стр. 2733
رسول الله ﷺ أمره بالمسير إليه؛ لم يُحْدِثُ شيئًا، وقد جائته وفودُ العرب مرتدّين يُقرُّون بالصّلاة، ويمنعون الزكاة. فلم يقبل ذلك منهم وردّهم، وأقام حتى قَدِم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يومًا من شخوصه - ويقال: بعد سبعين يومًا - فلمَّا قدم أسامة بن زيد أستخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال: استخلف سنانًا الضَّمْريّ على المدينة - فسار ونزل بذي القَصّة في جُمادى الأولَى؛ ويقال في جُمادى الآخرة، وكان نوفل بن معاوية الدَّيليّ بعثه رسول الله ﷺ ، فلقيه خارجة بن حصن بالشَرَبَّة؛ فأخذ ما في يديه؛ فردّه علي بني فزارة؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر. فأوّل حرب كانتْ في الرِّدّة بعد وفاة النبيّ ﷺ حرب العنسيّ؛ وقد كانت حرب العنسيّ باليمن؛ ثم حرب خارجة بن حصن، ومنظور بن زَبَّان بن سيّار في غَطَفان، والمسلمون غازون، فانحاز أبو بكر إلى أجَمَة فاستتَر بها، ثم هزَم الله المشركين (١). (٣: ٢٤١/ ٢٤٢).
٢٧ - حدثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي عمرو، عن زيد بن أسلم، قال: ماتَ رسول الله ﷺ وعُمّاله على قضاعة، وعلى كلْب: امرؤ القيس بِن الأصبغ الكلبيّ من بني عبد الله، وعلى القَين عمرو بن الحكم، وعلى سعد هُذيم: معاوية بن فلان الوائليّ (٢). (٣: ٢٤٣).
٢٨ - وقال السريّ الوالبيّ: فارتدّ وديعة الكلبيّ فيمن آزره من كلْب، وبقيَ امرؤ القيس على دينه، وارتدّ زُمَيل بن قُطْبةَ القَينِيّ فيمن آزره من بني القَين، وبقي عمرو، وارتدّ معاوية فيمن آزره من سعد هُذيم. فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جَدّ سُكَينة ابنة حسين - فسار لوديعة، وإلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية العذريّ. فلمّا توسّط أسامة بلاد قضاعة؛ بَثَّ الخيول فيهم وأمرهم أن يحهضوا مَن أقام على الإسلام إلى مَن رجع عنه، فخَرجوا هُرَّابًا؛ حتى أرَزُوا إلى دُومَة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيولُ أسامة إليه، فمضى فيها أسامة، حتى أغار على الحَمْقَتَين، فأصاب في بني الضُّبيب من جُذام، وفي نبي
стр. 2734
خيليل من لَخْم ولِفّها من القبيلين؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالمًا غانمًا (١).
٢٩ - فحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: ماتَ رسول الله ﷺ واجتمعت أسَد وغَطفان وطيّئ على طليحة؛ إلا ما كان من خواصّ أقوام في القبائل الثلاث؛ فاجتمعت أسد بسَميراء، وفزارة ومَنْ يليهم من غَطفان بجنوب طيبة، وطيّئ على حدود أرضهم. واجتمعت ثَعلبة بن سعد ومَن يليهم من مُرّة وعَبْس بالأبرق من الرَّبَذة، وتأشَّبَ إليهم ناسٌ من بني كنانة؛ فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القَصّة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القَصّة من بني أسد ومن تأشَّب من ليث والدِّيل ومُدْلِج. وكان على مُرّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان؛ أحد بني سَبيع، وقد بعثوا وفودًا فقدموا المدينة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عبَّاسًا، فتحمّلوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألّا يؤتوا الزّكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحقّ، وقال: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه -وكانت عُقُل الصدقة على أهل الصّدقة مع الصدقة- فردّهم فرجع وفْدُ من يَلي المدينة من المرتدَّة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلّة من أهل المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفرًا: عليًّا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة؛ وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنكم لا تدرون ألَيلًا تُؤتَوْن أم نهارًا؟ ! وأدناهم منكم على بريد. وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونوادِعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعِدّوا وأعدّوا. فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارةً مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذي حُسىً، ليكونوا لهم رِدْءًا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب؛ وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبّهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخَبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا. وخرج في أهلِ المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ العدوّ، فاتّبعهم المسلمون على إبلهم؛ حتى بلغوا ذا
стр. 2735
حُسىً؛ فخرج عليهم الرّدء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دَهْدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل؛ فتدهده كل نِحْي في طوَله، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها -ولا تنفر الإبل من شيء نفارَها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها؛ حتى دخلت بهم المدينة؛ فلم يُصْرَعْ مسلمٌ ولم يُصَبْ؛ فقال في ذلك الخُطَيل بن أوس أخو الحُطيئة بن أوس:
فِدى لِبَني ذُبْيَان رَحْلِي ونَاقتي ... عَشِيّةَ يُحْذَى بالرِّمَاحِ أبو بَكْرِ
ولكِنْ يُدَهْدَى بالرِّجَالِ فهبْنَه ... إلى قَدَرٍ مَا إنْ يزيد وَلَا يَحرِي
وللهِ أجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ ... لتُحْسبَ فيما عُدّ منْ عَجب الدَّهْرِ! (١)
٢٩ / أ - وأنشده الزّهريّ: (من حسب الدهر).
وقال عبدُ الله الليثيّ: وكانتْ بنو عبد مناة من المرتدّة - وهم بنو ذُبيان - في ذلك الأمر بذي القَصَّة وِّبذي حُمًى:
أطَعْنا رسولَ اللهِ مَا كَانَ بَينَنَا ... فيَا لَعبادِ اللهِ مَا لأبي بَكْرِ!
أيُورِثُها بَكرًا إذا ماتَ بَعْدَه ... وتِلْكَ لَعَمْرُ اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ
فَهلَّا رَدَدْتم وفْدَنَا بزَمَانِهِ ... وهلَّا خَشِيتم حِسَّ راغِيَةِ الْبَكرِ!
وإنَّ التي سالُوكُم فمنعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أَوْ أَحلى إلَيّ مِنَ التَّمْرِ
فظنَّ القومُ بالمسلمين الوهَن، وبعثوا إلى أهل ذي القَصَّة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله الذي أراده، وأحبّ أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلَته يتهيّأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تَعْبيةٍ من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النُّعمان بن مُقرِّن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مقرّن معه الرُّكّاب؛ فما طلَع الفجر إلّا وهُم والعدوُّ في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين هَمْسًا ولا حسًّا حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم؛ فما ذَرّ قَرْن الشَّمس حتى ولَّوْهم الأدبارَ، وغلبوهم على عامّة ظهرهم؛ وقتل حبال، واتّبعهم أبو بكر؛ حتى نزل بذي القَصّة -وكان أوّل الفتح- ووضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة فذلّ بها المشركون؛ فوثب بنو ذُبيان وعبس على مَن فيهم من المسلمين؛ فقتلوهم كلّ