عُبيد الله، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة، عن المغيرة بن الأخنَس (١).
١٨ - وعنهما، عن سيف، عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراساني مثلُه (٢). (٢٢٧: ٣).
١٨ / أ- حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرَنا سيف، وحدّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سَيف، عن أبي القاسم الشَّنَويّ، عن العَلاء بن زياد، عن ابن عمر، قال: أتى الخبرُ النبيَّ ﷺ من السماء الليلَة التي قتل فيها العَنْسيُّ ليبشِّرنا، فقال: قُتِل العنسيّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز (٣)! (٣: ٢٣٦).
١٩ - حدَّثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن المستنير، عن عُروة، عن الضّحاك، عن فيروز، قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا كما كان؛ إلّا أنا أرسلْنا إلى مُعاذ، فتراضينا عليه؛ فكان يصلِّي بنا في صَنْعاء؛ فوالله ما صلَّى بنا إلا ثلاثًا ونحن راجون مؤمّلون، لم يبق شيء نكرهه إلّا ما كان من تلك الخيول التي تتردّد بيننا وبين نَجْران؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسولِ الله ﷺ ، فانتقضت الأمور؛ وأنكرنا كثيرًا مما كنّا نعرف، واضطربت الأرض (٤). (٣: ٢٣٦).
١٩ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عُبيد بن صَخْر، قال: كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر (٥). (٣: ٢٣٩).
٢٠ - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، وحدّثنا عبيد الله قال:
стр. 2732
أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف عن جابر بن يزيد، عن عُروة بن غَزِيّة، عن الضّحّاك بن فيروز، قال: كان ما بين خروجه بكَهْف خُبَّان ومقتله نحوًا من أربعة أشهر؛ وقد كان قبل ذلك مستسرًّا بأمره. حتى بادَى بعد (١). (٣: ٢٤٠).
٢١ - وزعم أنّ ابن جُريج حدّثه عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: تُوفِّيتْ فاطمة ﵍ بعد النبيّ ﷺ بثلاثة أشهر (٢). (٣: ٢٤٠).
٢٢ - قال: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة ابنة عبد الرّحمن قالت: صلّى عليها العباس بن عبد المطلب (٣). (٣: ٢٤١).
٢٣ - وحدّثنا أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ عن أبي معشر، قال: دخل قبرَها العباس، وعليّ، والفضل بن العباس (٤). (٣: ٢٤١).
٢٤ - قال: وفيها توفِّيَ عبدُ الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة، وكان أصابه بالطائف سهمٌ مع النبيّ ﷺ ، رماه أبو محجن، ودَمِلَ الجرح حتى انتقض به في شوّال، فمات (٥). (٣: ٢٤١).
٢٥ - وحدَّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو معشر، ومحمد بن إسحاق، وجُوَيريَة بن أسماء بإسناده الذي ذكرتُ قبل، قالوا: في العام الذي بُويع فيه أبو بكر مَلّكَ أهلُ فارس عليهم يَزْدَجِرد (٦). (٣: ٢٤١).
٢٦ - قال أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر ﵀ خارجة بن حصْن الفَزاريّ. حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم؛ وهو الموضع الذي كان
стр. 2733
رسول الله ﷺ أمره بالمسير إليه؛ لم يُحْدِثُ شيئًا، وقد جائته وفودُ العرب مرتدّين يُقرُّون بالصّلاة، ويمنعون الزكاة. فلم يقبل ذلك منهم وردّهم، وأقام حتى قَدِم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يومًا من شخوصه - ويقال: بعد سبعين يومًا - فلمَّا قدم أسامة بن زيد أستخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال: استخلف سنانًا الضَّمْريّ على المدينة - فسار ونزل بذي القَصّة في جُمادى الأولَى؛ ويقال في جُمادى الآخرة، وكان نوفل بن معاوية الدَّيليّ بعثه رسول الله ﷺ ، فلقيه خارجة بن حصن بالشَرَبَّة؛ فأخذ ما في يديه؛ فردّه علي بني فزارة؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر. فأوّل حرب كانتْ في الرِّدّة بعد وفاة النبيّ ﷺ حرب العنسيّ؛ وقد كانت حرب العنسيّ باليمن؛ ثم حرب خارجة بن حصن، ومنظور بن زَبَّان بن سيّار في غَطَفان، والمسلمون غازون، فانحاز أبو بكر إلى أجَمَة فاستتَر بها، ثم هزَم الله المشركين (١). (٣: ٢٤١/ ٢٤٢).
٢٧ - حدثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي عمرو، عن زيد بن أسلم، قال: ماتَ رسول الله ﷺ وعُمّاله على قضاعة، وعلى كلْب: امرؤ القيس بِن الأصبغ الكلبيّ من بني عبد الله، وعلى القَين عمرو بن الحكم، وعلى سعد هُذيم: معاوية بن فلان الوائليّ (٢). (٣: ٢٤٣).
٢٨ - وقال السريّ الوالبيّ: فارتدّ وديعة الكلبيّ فيمن آزره من كلْب، وبقيَ امرؤ القيس على دينه، وارتدّ زُمَيل بن قُطْبةَ القَينِيّ فيمن آزره من بني القَين، وبقي عمرو، وارتدّ معاوية فيمن آزره من سعد هُذيم. فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جَدّ سُكَينة ابنة حسين - فسار لوديعة، وإلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية العذريّ. فلمّا توسّط أسامة بلاد قضاعة؛ بَثَّ الخيول فيهم وأمرهم أن يحهضوا مَن أقام على الإسلام إلى مَن رجع عنه، فخَرجوا هُرَّابًا؛ حتى أرَزُوا إلى دُومَة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيولُ أسامة إليه، فمضى فيها أسامة، حتى أغار على الحَمْقَتَين، فأصاب في بني الضُّبيب من جُذام، وفي نبي
стр. 2734
خيليل من لَخْم ولِفّها من القبيلين؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالمًا غانمًا (١).
٢٩ - فحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: ماتَ رسول الله ﷺ واجتمعت أسَد وغَطفان وطيّئ على طليحة؛ إلا ما كان من خواصّ أقوام في القبائل الثلاث؛ فاجتمعت أسد بسَميراء، وفزارة ومَنْ يليهم من غَطفان بجنوب طيبة، وطيّئ على حدود أرضهم. واجتمعت ثَعلبة بن سعد ومَن يليهم من مُرّة وعَبْس بالأبرق من الرَّبَذة، وتأشَّبَ إليهم ناسٌ من بني كنانة؛ فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القَصّة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القَصّة من بني أسد ومن تأشَّب من ليث والدِّيل ومُدْلِج. وكان على مُرّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان؛ أحد بني سَبيع، وقد بعثوا وفودًا فقدموا المدينة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عبَّاسًا، فتحمّلوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألّا يؤتوا الزّكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحقّ، وقال: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه -وكانت عُقُل الصدقة على أهل الصّدقة مع الصدقة- فردّهم فرجع وفْدُ من يَلي المدينة من المرتدَّة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلّة من أهل المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفرًا: عليًّا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة؛ وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنكم لا تدرون ألَيلًا تُؤتَوْن أم نهارًا؟ ! وأدناهم منكم على بريد. وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونوادِعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعِدّوا وأعدّوا. فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارةً مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذي حُسىً، ليكونوا لهم رِدْءًا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب؛ وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبّهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخَبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا. وخرج في أهلِ المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ العدوّ، فاتّبعهم المسلمون على إبلهم؛ حتى بلغوا ذا
стр. 2735
حُسىً؛ فخرج عليهم الرّدء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دَهْدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل؛ فتدهده كل نِحْي في طوَله، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها -ولا تنفر الإبل من شيء نفارَها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها؛ حتى دخلت بهم المدينة؛ فلم يُصْرَعْ مسلمٌ ولم يُصَبْ؛ فقال في ذلك الخُطَيل بن أوس أخو الحُطيئة بن أوس:
فِدى لِبَني ذُبْيَان رَحْلِي ونَاقتي ... عَشِيّةَ يُحْذَى بالرِّمَاحِ أبو بَكْرِ
ولكِنْ يُدَهْدَى بالرِّجَالِ فهبْنَه ... إلى قَدَرٍ مَا إنْ يزيد وَلَا يَحرِي
وللهِ أجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ ... لتُحْسبَ فيما عُدّ منْ عَجب الدَّهْرِ! (١)
٢٩ / أ - وأنشده الزّهريّ: (من حسب الدهر).
وقال عبدُ الله الليثيّ: وكانتْ بنو عبد مناة من المرتدّة - وهم بنو ذُبيان - في ذلك الأمر بذي القَصَّة وِّبذي حُمًى:
أطَعْنا رسولَ اللهِ مَا كَانَ بَينَنَا ... فيَا لَعبادِ اللهِ مَا لأبي بَكْرِ!
أيُورِثُها بَكرًا إذا ماتَ بَعْدَه ... وتِلْكَ لَعَمْرُ اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ
فَهلَّا رَدَدْتم وفْدَنَا بزَمَانِهِ ... وهلَّا خَشِيتم حِسَّ راغِيَةِ الْبَكرِ!
وإنَّ التي سالُوكُم فمنعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أَوْ أَحلى إلَيّ مِنَ التَّمْرِ
فظنَّ القومُ بالمسلمين الوهَن، وبعثوا إلى أهل ذي القَصَّة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله الذي أراده، وأحبّ أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلَته يتهيّأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تَعْبيةٍ من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النُّعمان بن مُقرِّن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مقرّن معه الرُّكّاب؛ فما طلَع الفجر إلّا وهُم والعدوُّ في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين هَمْسًا ولا حسًّا حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم؛ فما ذَرّ قَرْن الشَّمس حتى ولَّوْهم الأدبارَ، وغلبوهم على عامّة ظهرهم؛ وقتل حبال، واتّبعهم أبو بكر؛ حتى نزل بذي القَصّة -وكان أوّل الفتح- ووضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة فذلّ بها المشركون؛ فوثب بنو ذُبيان وعبس على مَن فيهم من المسلمين؛ فقتلوهم كلّ
стр. 2736
قتلة؛ وفعل مَنْ وراءهم فعلهم. وعزَّ المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلَف أبو بكر ليقتلَنّ في المشركين كلّ قتلة، وليقتلنّ في كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميميّ:
غَدَاةَ سَعَى أبو بَكْرٍ إلَيهِم ... كما يَسْعَى لموْتَته جُلالُ
أرَاحَ عَلَى نَوَاهِقها عَلِيًّا ... ومَجَّ لَهنَّ مُهْجَتَهُ حِبالُ
وقال أيضًا:
أقَمْنَا لهم عُرْضَ الشِّمَال فكُبْكِبُوا ... كَكَبْكَبَةِ الغُزَّى أنَاخوا علَى الوَفْرِ
فَما صَبَرُوا لِلْحَرْبِ عِندَ قِيَامِهَا ... صَبيحَةَ يَسْمُو بالرجَالِ أَبُو بَكْرِ
طَرَقْنا بنِي عَبْسٍ بِأَدْنى نِبَاجِهَا ... وذُبْيانَ نَهْنَهْنَا بِقاصِمَةِ الظَّهْرِ
ثم لم يُصنَعْ إلَّا ذلك؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتًا على دينهم في كلّ قبيلة، وازداد لها المشركون انعكاسًا من أمرهم في كلّ قبيلة؛ وطرقت المدينةَ صدقاتُ نفر: صَفْوان، الزبرقان، عديّ؛ صفوان، ثم الزبرقان، ثم عديّ، صفوان في أول الليل، والثاني في وسطه، والثالث في آخره. وكان الذي بشّر بصَفْوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشّر بالزبرقان عبدُ الرحمن بن عوف، والذي بشَّر بعديّ عبدُ الله بن مسعود. وقال غيره. أبو قتادة.
قال: وقال الناس لكلِّهم حين طلع: نذير، وقال أبو بكر: هذا بشير، هذا حامٍ وليس بوانٍ؛ فإذا نادى بالخير، قالوا: طالما بشّرت بالخير! وذلك لتمام ستين يومًا من مَخْرج أسامة. وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وقال له ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم.
ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القَصّة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر؛ فقال له المسلمون: نَنْشُدُك الله يا خليفة رسول الله أنْ تعرّض نفسك! فإنك إن تُصَبْ لم يكن للناس نِظَامٌ، ومقامُك أشدّ على العدوّ؛ فابعث رجلًا، فإن أصيب أمّرتَ آخر، فقال: لا والله لا أفعلُ، ولأواسينكم بنفسي! فخرج في تعبيته إلى ذي حُسىً وذيِ القَصّة، والنُّعمان وعبد الله وسُويد على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق؛ فاقتتلوا، فهزم الله الحارث وعوفًا، وأُخِذ الحطَيئةُ أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا؛ وقد غلَب بني ذُبيان على البلاد. وقال: حرام علي بني ذبيان أن يتملّكوا هذه البلاد إذْ
стр. 2737
غنَّمناها الله! وأجلاها. فلما غلب أهل الردّة؛ ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثَعلبة؛ وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فأتوْه في المدينة، فقالوا: عَلامَ نمْنَع منْ نزول بلادنا! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد؛ ولكنّها مَوْهبي ونَقَذي، ولم يُعْتِبْهم، وحَمَى الأبرقَ لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس علي بني ثعلبة، ثم حَمَاها كلَّها لصدقات المسلمين؛ لقتالٍ كان وقع بين الناس وأصحَاب الصّدقات، فمنع بذلك بعضهم من بعض.
ولما فُضّت عبس وذبيان أرَزوا إلى طلَيحة وقد نزل طليحة على بُزَاخة، وارتحل عن سَمِيراء إليها، فأقام عليها؛ وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
ويومٍ بالأبارق قد شَهِدْنا ... على ذُبيانَ يَلْتهب التِهابا
أتَيناهمْ بداهيَةٍ نَسُوفٍ ... مَعَ الصّديقِ إذ ترَكَ العِتابَا (١)
٣٠ - حدَّثنا السَّريّ، قال: حدَّثنا شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لما أراح أسامة وجنده ظهرَهم وجَمُّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم، قطع أبو بكر البعوثَ وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً: عقد لخالد بن الوليد وأمَره بطليحة بن خويلد؛ فإذا فرغ سار إلى مالك بن نُويرة بالبُطاح إن أقام له، ولعكْرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبي أميّة وأمَره بجنود العنْسيّ ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومَنْ أعانه من أهل اليمن عليهم، ثم يمضي إلى كنْدة بحضرموت، ولخالد بن سعيد بن العاص -وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله- وبعثه إلى الحَمْقَتَين من مشارف الشأم، ولعمرو بن العاص إلى جماع قُضاعة ووديعة والحارث، ولحذيفة بن محصن الغلفانيّ وأمرَه بأهل دَبا، ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهْرة؛ وأمرهما أن يجتمعا وكلّ واحد منهما في عمله على صاحبه، وبعث شُرحْبيل بن حَسَنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: إذا فرغ من اليمامة فالحق بقُضاعة، وأنت على خيلك تقاتلُ أهل الرّدّة، ولطُرَيفة بن حاجز وأمره ببني سُليم ومَن معهم من هَوازن، ولسُويد بن مقرّن وأمَره بتِهامة اليمن، وللعَلاء بن
стр. 2738
الحضرميّ وأمرَه بالبَحْرين (١). (٣: ٢٤٩)
كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء
٣١ - حدَّثنا السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ وشاركه في العهد والكتاب قَحْذَم؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابًا واحدًا:
بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسولِ الله ﷺ إلى من بَلَغه كتابي هذا من عامَّة وخاصَّة؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلامٌ علَى مَن اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى؛ فإنّي أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نُقِرّ بما جاء به، ونكفِّر مَن أبي ونُجاهده. أمّا بعدُ؛ فإن الله تعالى أرسلَ محمدًا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرًا ونَذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذِر مَن كان حيًّا ويحقّ القول على الكافرين. فهدَى الله بالحقّ مَن أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ بإذنه مَنْ أدبر عنه؛ حتى صار إلى الإسلام طَوْعًا وكَرْهًا. ثمّ تَوَفَّى الله رسولَه ﷺ وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمّته؛ وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل؛ فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾؛ فمَن كان إنما يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد؛ حيٌّ قَيّومٌ لا يموت؛ ولا تَأخذُهُ سِنَة ولا نَومٌ، حافظ لأمره، منتقمٌ من عدوّه، يجزيه. وإنّي أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيّكم ﷺ ، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كلّ مَن لم يهدِه الله ضالٌّ، وكلّ مَنْ لم يُعافِه مبتلىً، وكلّ مَنْ لم يُعِنْه الله مخذول، فمن هداه الله كان مُهْتَديًا، ومَنْ أضلّه كان ضالًّا؛ قال الله تعالى: ﴿من
стр. 2739
يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾، ولم يُقْبَل منه في الدنيا عَمَلٌ حتى يقرّ به؛ ولم يُقْبَلْ منه في الآخرة صَرْف ولا عَدْلٌ. وقد بلغني رجوعُ مَنْ رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به؛ اغترارًا بالله، وجهالةً بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾. وقال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾؛ وإنّي بعثتُ إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرتُه ألّا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوَه إلى داعية الله؛ فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمِل صالحًا قَبِلَ منه وأعانه عليه؛ ومَنْ أبي أمَرتُ أن يقاتلَه على ذلك؛ ثم لا يبقي على أحد منهم قَدَر عليه، وأن يُحرقهم بالنار، ويقتلهم كلّ قِتْلة، وأن يَسبيَ النساء والذراريّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛ فمَن اتّبعه فهو خير له، ومَنْ تركه فلن يعجِز الله. وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم؛ والداعية: الأذان؛ فإذا أذّن المسلمون فأذَّنوا كُفّوا عنهم؛ وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم؛ وإن أذَّنوا اسألوهم ما عليهم؛ فإن أبوْا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم؛ وحملهم على ما ينبغي لهم.
فنفذت الرُّسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الأمراء ومعهم العهود:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهدٌ من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال مَن رجع عن الإسلام، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع في أمره كلِّه سرّه وعلانيته، وأمره بالجدّ في أمر الله، ومجاهدة مَنْ تولّى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أمانيّ الشيطان بعد أن يُعذِر إليهم فيدعوَهم بداعية الإسلام؛ فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرُّوا له؛ ثم ينبئهم بالذي عليهم والَّذي لهم، فيأخذ ما عليهم، ويعطيهم الذي لهم؛ لا يُنظرهم، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم؛ فمن أجاب إلى أمر الله وأقرّ له قبِل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف؛ وإنما يقاتل مَن كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله؛ فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به، ومَن لم يجب داعية الله قُتِل وقوتل حيث كان؛ وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئًا أعطاه إلا الإسلام، فمَن أجابه وأقرّ قبل منه وعلمه، ومَنْ أبي قاتله؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كلّ قتلة بالسلاح والنيران،
стр. 2740
ثم قسَّم ما أفاء الله عليه، إلا الخُمس فإنه يبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألّا يُدخل فيهم حَشْوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم؛ لا يكونوا عيونًا، ولئلّا يؤتى المسلمون مِنْ قبَلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقَّدهم، ولا يعجل بعضَهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حُسْن الصحبة ولين القول (١). (٣: ٢٥٠/ ٢٥١ / ٢٥٢).
ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طُليحَة ما آل إليه أمْرُ طليحة
٣٢ - وأما هشام بن الكلبيّ؛ فإنه زعم أنّ أبا بكر لما رَجع إليه أسامة ومَن كان معه من الجيش؛ جَدَّ في حرب أهل الرّدة، وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذي القَصّة - منزلًا من المدينة على بريدة من نحو نجد - فعَبَّى هنالك جنودَه، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمْرُه إلى خالد، وأمره أن يصمُد لطليحة وعُيينة بن حصن، وهما على بُزاخة - ماء من مياه بني أسد - وأظهِر أنّي ألاقيك بمَن معي من نحو خيبر، مكيدة؛ وقد أوعب مع خالد النّاس؛ ولكنّه أراد أن يبلغ ذلك عدوّه فيرعبهم. ثم رجع إلى المدينة، وسار خالد بن الوليد؛ حتى إذا دَنَا من القوم؛ بعث عُكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم -أحد بني العَجْلان حليفًا للأنصار- طليعة؛ حتى إذا دنَوَا من القوم؛ خرج طُليحة وأخوه سلَمة، ينظران ويسألان: فأمَّا سلمَة فلم يمهل ثابتًا أن قتله، ونادى طليحة أخاه حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعنّي على الرجل؛ فإنه آكل. فاعتونا عليه، فقتلاه ثم رجعا، وأقبل خالد بالناس حتى مرّوا بثابت بن أقرم قتيلًا، فلم يفطنُوا له حتى وطئته المطيُّ بأخفافها، فكبُر ذلك على المسلمين، ثم نظروا فإذا هم بعُكَاشة بن محصن صريعًا، فجزع لذلك المسلمون، وقالوا: قتل سيِّدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم؛ فانصرف خالد نحو طيِّيء (٢). (٣: ٢٥٤).
٣٣ - قال هشام: قال أبو مِخْنف: فحدّثني سَعْد بن مجاهد عن المُحلّ بن
стр. 2741
خليفة، عن عديّ بن حاتم، قال: بعثتُ إلى خالد بن الوليد أن سرْ إليّ، فأقم عندي أيامًا حتى أبعث إلى قبائل طيّئ، فأجمع لك منهم أكثر ممن معك، ثم أصحبك إلى عدوّك. قال: فسار إليّ (١). (٣: ٢٥٤).
٣٤ - قال هشام: قال أبو مخنف: حدثنا عبد السلام بن سويد: أن بعض الأنصار حدّثه: أن خالدًا لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعُكّاشة؛ قال لهم: هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حيٍّ من أحياء العرب؛ كثير عددهم، شديدة شوْكتهم، لم يرتدّ منهم عن الإسلام أحد! فقال له الناس: ومَنْ هذا الحيُّ الذي تعني؟ فنعم والله الحيّ هو! قال لهم: طيئ، فقالوا: وفّقك الله، نعم الرأي رأيت! فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيّئ (٢). (٣: ٢٥٤/ ٢٥٥).
٣٥ - قال هشام: حدّثني جديل بن خَبّاب النّبهانيّ من بني عمرو بن أبيّ: أن خالدًا جاء حتى نزل على أرُك؛ مدينة سَلْمى (٣). (٣: ٢٥٥).
٣٦ - قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني إسحاق أنه نزل بأجأ، ثم تعبَّأ لحربه، ثمّ سار حتى التقيا على بُزاخة، وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريبًا يستمعون، ويتربّصون على من تكون الدَّبْرَة (٤). (٣: ٢٥٥).
٣٧ - قال هشام عن أبي مخْنف: حدّثني سعد بن مجاهد: أنه سمع أشياخًا من قومه يقولون: سألْنا خالدًا أن نكفيَه قيسًا فإنّ بني أسد حلفاؤنا، فقال: والله ما قيسٌ بأوهن الشوْكتين! اصمُدُوا إلى أيّ القبلتين أحببتم. فقال عديٌّ: لو ترك هذا الدين أسْرَتي الأدنى فالأدنى من قَوْمي لجاهدتُهم عليه، فأنا أمتنع من جهاد بني أسَد لجلْفهم! لا لعمرُ الله لا أفعل! فقال له خالد: إنّ جهاد الفريقين جميعًا جهادٌ؛ لا تخالف رأيَ أصحابك، امضِ إلى أحدِ الفريقين، وامضِ بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط (٥). (٣: ٢٥٥).
стр. 2742
٣٨ - قال هشام عن أبي مخنف: فحدثني عبد السلام بن سويد: أن خيلَ طيّئ كانت تلقى خيل بني أسد وفزارة قبل قُدومِ خالد عليهم فيتشامّون ولا يقتتلون، فتقول أسد وفزارة: لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبدًا. فتقول لهم خيل طيئ: أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر! (١) (٣: ٢٥٥).
٣٩ - حدّثني السّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ قد بعثَ عمرو بن العاص إلى جَيفر، منصرَفَه من حجَّة الوداع، فماتَ رسولُ الله ﷺ وعمرو بعُمَان، فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحْرين؛ وجَد المنذر بن ساوى في الموت. فقال له المنذر: أشِرْ عليَّ في مالي بأمرٍ لي ولا عليّ، قال: صَدِّق بعَقار صَدَقَةً تجري مِن بعدك، ففعل. ثم خرج من عنده، فسار في بني تميم، ثم خرج منها إلى بلاد بني عامرٍ، فنزل على قُرَّة بن هبيرة، وقرّة يقدّم رِجلًا ويؤخِّر رجلًا؛ وعلى ذلك بنو عامر كلّهم إلّا
стр. 2743
خواصّ، ثم سار حتى قدم المدينة، فأطافت به قريش، وسألوه فأخبرهم أنّ العساكر مُعَسْكرة من دَبَا إلى حيث انتهيت إليكم، فتفرّقوا وتحلَّقوا حلَقًا، وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو، فمرّ بحلْقة، وهم في شيء مِنَ الذي سمعوا من عمرو وفي تلك الحلْقة: عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: فيم أنتم؟ فلم يجيبوه، فقال: ما أعلمني بالذي خلوتم عليه! فغضب طلحة، وقال: تالله يا بن الخطاب لتُخْبرنا بالغيب! قال: لا يعلم الغيبَ إلا الله؛ ولكن أظنّ قلتم: ما أخوفَنا على قريش من العرب وأخلقهم ألّا يقرُّوا بهذا الأمر! قالوا: صدقت، قال: فلا تخافوا هذه المنزلة، أنا والله منكم على العرب أخوفُ منِّي من العرب عليكم؛ والله لو تدخلون معاشرَ قريش جُحْرًا لدخلتْه العرب في آثاركم؛ فاتقوا الله فيهم. ومضى إلى عمرو فسلّم عليه، ثم انصرف إلى أبي بكر (١). (٣: ٢٥٨/ ٢٥٩).
٤٥ - حدَّثنا السِّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزل عمرو بن العاص منصرفَه من عُمَان- بعد وفاة رسول الله ﷺ بقُرَّة بن هُبيرة بن سلَمة بن قشير، وحولَه عسكر من بني عامر من أفنائهم، فذبح له، وأكرمَ مثواه، فلمّا أراد الرحلة؛ خَلا به قرّة، فقال: يا هذا! إنّ العرب لا تطيبُ لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أنتم أعفيتموها من أخذِ أموالها فستسمع لكم وتطيع؛ وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم. فقال عمرو: أكفرت يا قرّة! وحوله بنو عامر؛ فكره أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته، فينفر في شرّ، فقال: لنردّنكم إلى فيئتكم -وكان من أمره الإسلام- اجعلوا بيننا وبينكم موعدًا. فقال عمرو: أتوعدنا بالعرب وتخوّفنا بها! موعدك حَفْشُ أمك؛ فوالله لأوطِئنّ عليك الخيل. وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبرهم (٢) (٣: ٢٥٩).
٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن محمّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله بن عبد لله بن عتبة، قال: أخبرني مَن نظر إلى عُيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنُقه بحبل، يَنْخسه غلمان
стр. 2744
المدينة بالجريد، يقولون: أي عدوّ الله! أكفرت بعد إيمانك؟ ! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قطّ. فتجاوز عنه أبو بكر وحَقَن له دمه (١). (٣: ٢٦٠).
ذكر ردّة هوازن وسليم وعامر
٤١ - حدثنا السريّ، قال: حدثنا شعيب عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِذْع، عن عبد الرحمن بن كعب، عمّن شهد بُزاخة من الأنصار، قال: لم يُصبْ خالد على البُزاخة عيِّلًا واحدًا، كانت عيالات بني أسد مُحْرَزة -وقال أبو يعقوب: بين مِثْقَب وفَلْج، وكانت عيالات قيس بين فلْج وواسط- فلم يَعْدُ أن انهزموا، فأقرُّوا جميعًا بالإسلام خشية على الذراريّ، واتقوا خالدًا بطلبته، واستحقوا الأمان؛ ومضى طُلَيحة؛ حتى نزل كلْب على النَّقْع، فأسلم، ولم يزل مقيمًا في كلْب حتى مات أبو بكر؛ وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدًا وغطفان وعامرًا قد أسلموا؛ ثم خرج نحو مكة معتمرًا في إمارة أبي بكر، ومرّ بجَنَبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به! خلّوا عنه، فقد هداه الله للإسلام. ومضى طليحة نحو مكة فقضى عمرته، ثم أتى عمر إلى البَيعة حين استخْلِف، فقال له عمر: أنت قاتل عُكّاشة وثابت! والله لا أحبُّك أبدًا. فقال: يا أمير المؤمنين! ما تَهمّ من رجلين أكرمهما الله بيدي، ولم يُهِنِّي بأيديهما! فبايعه عمر ثم قال له: يا خُدَع! ما بقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير. ثم رجع إلى دار قومه؛ فأقام بها حتى خرج إلى العراق (٢). (٣: ٢٦١).
٤٣ - حدَّثنا السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو وأبي ضَمْرة، عن ابن سيرين مثل معانيه.
وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بُزاخة يقولون: ندخلُ فيما خرجنا منه؛ فبايعهم على ما بايع عليه أهل البُزاخة من أسَد وغَطفان وطيّئ قبلَهم، وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطَفَان ولا هوازن
стр. 2745
ولا سُليم ولا طيّئ إلّا أن يأتوه بالذين حَرّقوا ومثّلُوا وعدوْا على أهل الإسلام في حال ردّتهم، فأتوْه بهم، فقبل منهم إلّا قرة بن هُبيرة ونفرًا معه أوثقهم، ومثَّل بالذين عَدَوْا على الإسلام؛ فأحرقهِم بالنيران ورضَخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكسهم في الآبار، وخزَق بالنّبال. وبعث بقرّة وبالأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربُّص؛ وإنِّي لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمَن عدا على المسلمين؛ فقتلتهم كلّ قتلة، وبعثتُ إليك بقرّة، وأصحابه (١). (٣: ٢٦٢/ ٢٦٣).
٤٤ - حدَّثنا السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن أبي عمرو، عن نافع، قال: كتب أبو بكر إلى خالد: لِيَزدْك ما أنعم الله به عليك خيرًا، واتّق الله في أمرك؛ فإنّ الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هُمْ محسنون جدَّ في أمر الله ولا تَبنيَن، ولا تظفرنّ بأحد قتَل المسلمين إلا قتلتَه ونكّلتَ به غيره؛ ومَن أحببت ممن حادَّ الله أو ضادَّه ممّن ترى أن في ذلك صلاحًا فاقتله. فأقام على البُزاخة شهرًا يُصَعِّد عنها ويُصَوِّب، ويرجع إليها في طلب أولئك؛ فمنهم مَنْ أحرِق، ومنهم من قمطه ورضَخَه بالحجارة؛ ومنهم مَنْ رمى به من رؤوس الجبال. وقدم بقرّة وأصحابه، فلم ينزلوا ولم يُقَل لهم كما قيل لعُيَينة وأصحابه؛ لأنهم لم يكونوا في مثل حالهم؛ ولم يفعلوا فعلهم (٢). (٣: ٢٦٣).
٤٥ - قال السريّ: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا: واجتمعت فُلّال غَطَفان إلى ظَفَر، وبها أم زِمْل سلمى بنت مالك بن حُذيفة بن بدر؛ وهي تشبَّه بأمّها أم قرفة بنت ربيعة بن فلان بن بدر؛ وكانت أمّ قرفة عند مالك بن حذيفة، فولدت له قرفة، وحكَمَة، وحُرَاشة، وزِمْلًا، وحصينًا، وشريكًا، وعبدًا، وزُفَر، ومعاوية، وحَمَلة، وقيسًا، ولأيًا؛ فأما حَكَمة فقتله رسول الله ﷺ يوم أغار عُيينة بن حِصْن على سَرح المدينة، قتله أبو قتادة؛ فاجتمعت تلك الفُلَّال إلى سلْمى؛ وكانت في مثل عزّ أمها، وعندها جَمل أم قرفة؛ فنزلوا إليها فذمرتْهُم، وأمرتهم بالحرب، وصعَّدتْ سائرة فيهم وصوَّبتْ، تدعوهم إلى حرب خالد، حتى اجتمعوا لها، وتشجَّعوا على ذلك،
стр. 2746
وتأشَب إليهم الشُّرَداءُ من كل جانب- وكانت قد سبِيَت أيَّام أم قِرْفة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثم رجعت إلى قومها؛ وقد كان النبيّ ﷺ دخل عليهنّ يومًا، فقال: إنّ إحداكنّ تستنبح كلاب الحوءب؛ ففعلت سَلْمى ذلك حين ارتدّت؛ وطلبت بذلك الثأر، فسيّرت فيما بين ظفر والحوْءب؛ لتجمع إليها، فتجمَّع إليها كُلُّ فَلّ ومُضَيَّق عليه من تلك الأحياء من غَطفان، وهَوازِن، وسُلَيم، وأسد، وطيّئ، فلما بلغ ذلك خالدًا -وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم- سار إلى المرأة وقد استكثف أمرُها، وغلُظ شأنها؛ فنزل عليها وعلى جُمَّاعها، فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ وهي واقفة على جَمَل أمّها، وفي مثل عزها، وكان يقال: من نخس جملها فله مئة من الإبل لعزّها، وأبيرتْ يومئذ بيوتات من جاس -قال أبو جعفر: جاس حيّ من غَنْم- وهاربة، وغَنْم، وأصيب في أناس من كاهِل، وكان قتالهم شديدًا؛ حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها. وقتل حول جملها مئة رجل؛ وبعث بالفتح، فقدم على أثر قُرّة بنحو من عشرين ليلة (١). (٣: ٢٦٣/ ٢٦٤).
٤٦ - قال السريّ: قال شعيب عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا: كانَ من حديث الجوَاء وناعِر: أنّ الفجاءة إياس بن عبد ياليل قدم على أبي بكر، فقال: أعنّي بسلاح، ومُرْني بمن شئت من أهل الرِّدّة. فأعطاه سلاحًا، وأمَره أمْره، فخالف أمره إلى المسلمين، فخرج حتى ينزل بالجواء، وبعث نجبة بن أبي المَيثاء من بني الشَّريد، وأمره بالمسلمين؛ فشنَّها غارةً على كلّ مسلم في سُلَيم وعامر وهوازن؛ وبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طُرَيفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسيّ عونًا؛ ففعل، ثمّ نهضا إليه وطلباه؛ فجعل يلوذ منهما حتى لقِيَاه على الجواء؛ فاقتتلوا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه طُرَيفة، فأسره. ثم بعث به إلى أبي بكر، فقدم به على أبي بكر، فأمر فأوقد له نارًا في مصلّى المدينة على حطب كثير، ثمّ رمي به فيها مقموطًا (٢). (٣: ٢٦٤).
٤٧ - قال أبو جعفر: وأمّا ابنُ حُميد؛ فإنه حدَّثنا في شأن الفُجاءة عن سلَمة،
стр. 2747
عن محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على أبي بكر رجلٌ من بني سُلَيم، يقال له: الفجاءة، وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عُميرة بن خُفاف، فقال لأبي بكر: إني مسلم، وقد أردت جهاد مَن ارتدّ من الكُفَّار، فاحملني وأعنِّي؛ فحمله أبو بكر على ظَهْر، وأعطاه سلاحًا، فخرج يستعرِض الناس: المسلم والمرتدّ، يأخذ أموالهم، ويصيب مَن امتنع منهم؛ ومعه رجلٌ من بني الشَّريد، يقال له: نجبة بن أبي الميتاء، فلمَّا بلغ أبا بكر خبرُه، كتب إلى طريفة بن حاجز: إنّ عدو الله الفجاءة أتاني يزعُم: أنه مسلم، ويسألني أنْ أقوّيَه عَلَى من ارتدّ عن الإسلام، فحملته وسلَّحتُه، ثم انتهى إليّ من يقين الخبر: أنّ عدوّ الله قد استعرَض الناس: المسلم والمرتدّ يأخذ أموالهم، ويقتل مَن خالفه منهم، فسرْ إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتلَه، أو تأخذه فتأتيَني به. فسار طُريفة بن حاجز، فلمّا التقى الناس كانت بينهم الرِّمِّيَّا بالنّبل، فقُتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رُمي به، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجِدَّ؛ قال لطُريفة: والله ما أنت بأوْلى بالأمر منِّي، أنت أميرٌ لأبي بكر وأنا أميره. فقال له طريفة: إن كنت صادقًا فضع السِلاح، وانطلق معي إلى أبي بكر. فخرج معه، فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز، فقال: اخرج به إلى هذا البَقيع فحرِّقْه فيه بالنار؛ فخرج به طُريفة إلى المصلَّى فأوقد له نارًا، فقذفه فيها، فقال خُفاف بن نُدْبَة - وهو خُفاف بن عمير - يذكر الفجاءة فيما صنع:
لِمَ يأخذون سلاحَه لِقِتالِه ... ولذاكُمُ عند الإلهِ أثامُ
لا دينهمْ ديني ولا أنا منهم ... حتى يسيرَ إلى الصّرَاة شَمامُ (١)
(٣: ٢٦٥).
٤٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت سُليم بن منصور قد انتقض بعضُهم، فرجعوا كُفَّارًا، وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم، يقال له: معن بن حاجز، أحد بني حارثة، فلمّا سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه، كتب إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سُلَيم مع خالد، فسار واستخلف على عمله أخاه طُرَيفة بن حاجز، وقد كان لِحقَ فيمن لحق من
стр. 2748
بني سُلَيم بأهل الردّة أبو شجرة بن عبد العُزَى، وهو ابن الخنساء، فقال:
فلو سألَتْ عنّا غداةَ مُرامرٍ ... كما كنتُ عنها سائلًا لو نَأيتُها
لقاء بني فِهْرٍ وكان لقاؤهم ... غداةَ الجِوَاءِ حَاجَةً فقضيتُها
صبَرْتُ لهم نفسِي وعرَّجْت مُهْرَتي ... على الطَّعْن حتى صار وَرْدًا كُمَيتُها
إذا هيَ صَدَّتْ عن كَمِيّ أُريده ... عَدَلْتُ إليه صدْرَها فهديتُها
فقال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام:
صَحَا القلبُ عن مَيّ هواه وأقْصرا ... وطلوعَ فيها العاذلين فأبْصَرا
وأصبح أدنَى رائِد الجَهْل والصِّبا ... كما وُدُّها عنَّا كذاك تَغَيَّرَا
وأصبح أدنى رائدِ الوصل منهُمُ ... كما حبْلُها من حبلنا قد تَبَتّرا
ألا أيّها المُدْلِي بكثرة قومه ... وحظُّك منهم أن تُضَامَ وتُقْهَرَا
سَلِ الناس عنّا كل يوم كَرِيهَةٍ ... إذا ما التقينا: دارِعينَ وحُسَّرا
ألَسْنا نُعاطي ذا الطِّمَاح لجامَهُ ... ونَطْعن في الهيجا إذا الموتُ أَقْفَرا!
وعاضِرَةٌ شهباءُ تَخْطِرُ بالقَنا ... ترى البُلْقَ في حافتها والسَّنَوّرا
فَرَوَّيتُ رُمْحي من كَتِيبَةِ خَالدٍ ... وإني لأرْجو بعدها أن أُعمَّرا
ثم إن أبا شجرة أسلم، ودخل فيما دخل فيه الناس؛ فلما كان زمن عمر بن الخطاب قدم المدينة (١). (٣: ٢٦٥/ ٢٦٦).
٤٩ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أنس السُّلميّ، عن رجال من قومه. وحدثنا السَّري قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن سهل، وأبي يعقوب، ومحمد بن مرزوق، وعن هشام، عن أبي مِخْنف، عن عبد الرحمن بن قيس السُّلمِيّ، قالوا: فأناخ ناقته بصعيد بني قريظة، قال: ثمّ أتى عمر، وهو يعطي المساكين من الصّدقة ويقسِّمها بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني فإني ذو حَاجة، قال: ومَنْ أنت؟ قال: أبو شجرة بن عبد العزى السُّلميّ، قال: أبو شجرة! أي عدوّ الله! ألستَ الذي تقول:
فروّيتُ رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجُو بعدها أن أعمّرا
стр. 2749
قال: ثم جعل يحلوه بالدِّرَّة في رأسه حتى سبقه عَدْوًا، فرجع إلى ناقته فارتحلها، ثم أسندها في حَرَّة شَوْران راجعًا إلى أرض بني سليم، فقال:
ضَنّ علينا أبو حفصٍ بنائِلِه ... وكلُّ مُختبطٍ يَومًا له وَرَقُ
ما زال يُرْهقني حتى خَذِيت لهُ ... وحال من دون بعض الرَّغبَةِ الشَفَقُ
لمَّا رهبتُ أبا حفصٍ وشُرْطَتهُ ... والشيخُ يفزع أحيانًا فيَنْحمِقُ
ثُمَّ ارْعويتُ إليها وَهْيَ جانحَةٌ ... مِثل الطَّريدة لم ينبت لها ورقُ
أوردتها الخَلَّ من شَوْران صادِرَةً ... إني لأزْرِي عليها وَهْيَ تنطلقُ
تَطِيرُ مَرْوُ أبانٍ عن مناسمها ... كما تُنوقِد عند الجِهْبذ الورقُ
إذا يعارضها خرْقٌ تعارضه ... وَرْهَاء فيها إذا استعجلتها خُرُقْ
ينوءُ آخرها منها بأوّلها ... سُرْحُ اليدين بها نَهّاضَة العُنُق (١)
(٣: ٢٦٦/ ٢٦٧).
ذكر خبر بني تميم وأمر سجاح بنت الحارث بن سُوَيد
٥٠ - ذكر السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية بن بلال، عن أبيه، وسهم بن منجاب؛ وقيس بن عاصم على مُقَاعِس والبُطُون، وصفوان بن صفوان، وسَبْرَةُ بن عمرو علي بني عمرو؛ هذا على بَهْدَى وهذا على خَضَّم -قبيلتين من بني تميم- ووكيع بن مالك ومالك بن نُوَيرة علي بني حنظلة؛ هذا على بني مالك، وهذا علي بني يربوع. فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقَع إليه الخبر بموت النبيّ ﷺ بصدقات بني عمرو، وما ولي منها وبما ولي سبرة، وأقام
стр. 2750
سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانعٌ. وكان الزبرقان متعتّبًا عليه، وقلّما جامله إلّا مزّقه الزّبرقان بحظوته وجَدّه. وقد قال قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: واويلنا من ابن العُكْليّة! والله لقد مزّقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعتُ أبا بكر وأتيته بالصّدقة لينحرنّها في بني سعد فليسودُنّي فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتينّ أبا بكر فليسوّدَنّي عنده. فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون، ففعل. وعزم الزّبرقان على الوَفاء، فاتّبع صَفوانَ بصدقات الرِّباب وعوف والأبناء حتى قدِم بها المدينة، وهو يقول، ويُعرّض بقيس:
وفيتُ بأذْوادِ الرَّسول وقد أبَتْ ... سُعاة فلم يَردُدْ بعيرًا مُجيرُها
وتحلّل الأحياء ونشب الشرّ، وتشاغلوا وشَغَل بعضُهم بعضًا. ثم ندم قيس بعد ذلك، فلما أظلّه العَلاء بن الحَضْرميّ أخرج صدقتها؛ فتلقّاه بها؛ ثم خرج معه، وقال في ذلك:
ألا أبْلِغَا عَنّي قريشًا رسالةً ... إذا ما أتَتْها بيّناتُ الودائع
فتشاغلت في تلك الحال عَوْف والأبناء بالبُطون والرِّباب بمقاعس، وتشاغلت خَضّمَ بمالك وبَهْدَى بيربوع؛ وعلى خَضّم سَبْرة بن عمرو، وذلك الذي حلَّفه عن صفوان والحصين بن نيار على بَهْدَى، والرّباب؛ عبد الله بن صَفوان على ضبَّة، وعصمة بن أبَير على عبد مناة، وعلى عوف والأبناء عوف بن البلاد بن خالد من بني غَنْم الجُشميّ، وعلى البطون سِعْر بن خُفاف؛ وقد كان ثمامة بن أثال تأتيه أمدادٌ من بني تميم؛ فلمّا حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم، فأضرَّ ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه؛ فلم يصنع شيئًا؛ فبينا الناس في بلاد تميم على ذلك، قد شغل بعضهم بعضًا فمُسْلِمُهم بإزاء من قَدّم رجْلًا وأخَّر أخرى وتربَّص، وبإزاء من ارتاب، فجِئَتْهم سَجَاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة، وكانت ورهطها في بني تغلب تقود أفناءَ ربيعة، معها الهُذَيل بن عمران في بني تغلب، وعَقَّة بن هلال في النّمر، وتاد بن فلان في إياد، والسَّليل بن قيس في شَيبان، فأتاهم أمرٌ دهيّ، هو أعظم مما فيه الناس، لهجوم سَجاح عليهم، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة، والتشاغل بما بينهم. وقال عُفيف بن المنذر في ذلك:
стр. 2751
ألم يأتيك والأنباءُ تَسْرِي ... بما لاقَتْ سَراة بني تَميم
تَدَاعَى مِنْ لسراتهمُ رِجَالٌ ... وكانوا في الذَّوائب والصَّميم
وألْجَوْهم وكان لهم جِنابٌ ... إلى أحياء خاليةٍ وخِيمِ
وكانت سَجاح بنت الحارث بن سويد بن عُقْفان -هي وبنو أبيها عُقْفان- في بني تغلب، فتنبَّتْ بعد موت رسول الله ﷺ بالجزيرة في بني تغلب. فاستجاب لها الهُذيل، وترك التنصّر؛ وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزوَ بهم أبا بكر. فلما انتهتْ إلى الحَزْن راسلتْ مالك بن نُويرة ودعَتْه إلى الموادعة، فأجابها، وفثأها عن غزوها، وحَملَها على أحياء من بني تميم، قالت: نعم، فشأنَك بمن رأيت، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان مُلك فالمُلك مُلْككم. فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعُوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سَبْرة بن عمرو هرّابًا قد كرهوا ما صنع وكيع، وخرج أشباههم من بني يربوع؛ حتى نزلوا على الحصين بن نيَار في بني مازن، وقد كرهوا ما صنع مالك؛ فلمّا جاءت رسلُها إلى بني مالك تطلب الموادعة، أجابها إلى ذلك وكيع، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضًا، واجتمعوا على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ بخَضمَ، أم ببَهدى، أم بعوف والأبناء، أم بالرِّباب؟ وكفّوا عن قيس لما رأوا من تردّدِه وطمعوا فيه، فقالت: "أعِدُّوا الرّكاب، واستعدّوا للنّهاب؛ ثمّ أغيروا على الرّباب، فليس دونهم حجاب".
قال: وصمدتْ سجاح للأحفار حتى تنزِل بها، وقالت لهم: إنّ الدَّهناء حجاز بني تميم؛ ولن تعدو الرّباب؛ إذا شدّها المصاب، أن تلوذ بالدجاني والدهاني؛ فلينزلها بعضكم. فتوجّه الجفول -يعني: مالك بن نُوَيرة- إلى الدّجاني فنزلها؛ وسمعتْ بهذا الرّباب فاجتمعوا لها؛ ضَبَّتها وعبد مناتها، فولي وَكِيع وبِشْر بني بكْر من بني ضَبّة، وَوَليَ ثعلبة بن سَعْد بن ضَبَّة عقَّة، وولِيَ عبدَ مناة الهذيلُ. فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضَبَّة، فهُزما، وأسِرَ سماعة، ووكيع وقَعْقاع، وقتلتْ قتلى كثيرة؛ فقال في ذلك قَيس بن عاصم؛ وذلك أوّلَ ما استبان فيه الندم:
كأنّك لم تَشْهَدْ سَمَاعةَ إذْ غَزَا ... وما سُرّ قَعْقاعٌ وخابَ وَكيعُ
стр. 2752
رأيتُك قد صاحَبْتَ ضبَّةَ كارهًا ... على نَدَبٍ في الصَّفْحَتَين وَجِيع
ومُطْلِقُ أَسْرَى كان حمقًا مَسِيرُها ... إلى صَخَراتٍ أَمْرُهُنَّ جَمِيع
فصرفَتْ سجاح والهذيل وعقَّة بني بكر للموادعة التي بينها وبين وكيع -وكان عقَّة خال بشر- وقالت: اقتلوا الرّباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم، وتحملون لهم دماءهم؛ وتحمَد غبَّ رأيهم أخراهم. فأطلقتْ لهم ضبَّة الأسْرَى؛ وودَوُا القتلَى، وخرجوا عنهم. فقال في ذلك قيس يُعَيِّرهم صلْحَ ضبَّة إسعادًا لضبَّة وتأنيبًا لهم. ولم يدخل في أمر سجاح عمريّ ولا سعديّ ولا ربِّيّ؛ ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا في قيس؛ حتّى بدا منه إسعاد ضبَّة؛ وظهر منه الندم. ولم يُمَالِئْهُم من حنظلة إلّا وكيع ومالك؛ فكانت ممَالأتهما موادَعةٌ على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم؛ وقال أصَمُّ التَّيميّ في ذلك:
أتتنا أختُ تغلب فَاستهدّتْ ... جلائبَ من سَرَاةِ بني أبِينا
وأَرْسَتْ دعوةً فينَا سَفَاهًا ... وكانت من عمائر آخرينا
فما كُنَّا لنَرْزِيهم زِبالًا ... وما كانت لتُسْلم إذ أُتينا
ألا سَفِهَتْ حلومُكُمُ وضلَّتْ ... عَشِيَّة تَحْشُدونَ لها ثُبِينَا
قال: ثمّ إنّ سَجاح خرجت في جُنود الجزيرة، حتى بلغت النّبَاج؛ فأغار عليهم أوْس بن خُزيمة الهُجَيميّ فيمن تأشَّبَ إليه من بني عمرو، فأسر الهذيل؛ أسره رجل من بني مازن ثم أحد بني وَبر، يُدْعى ناشرة. وأسِرَ عَقَّة؛ أسره عبدة الهيجميّ؛ وتحاجزوا على أن يترادّوا الأسرى، وينصرفوا عنهم، ولا يجتازوا عليهم؛ ففعلوا، فردُّوها وتوثقوا عليها وعليهما أن يرجعوا عنهم، ولا يتَّخذوهم طريقًا إلا من ورائهبم. فوفوا لهم؛ ولم يزل في نفسِ الهذيل على المازنيّ؛ حتى إذا قُتل عثمان بن عفانِ، جمع جمعًا فأغار على سَفار، وعليه بنو مازن؛ فقتلتْه بنو مازن ورَموا به في سَفار.
ولمَّا رجع الهُذيل وعقَّة إليها، واجتمع رؤساء أهل الجزيرة؛ قالوا لها: ما تأمريننا؟ فقد صالح مالك، ووكيع قومهما؛ فلا ينصروننا، ولا يزيدوننا على أن نجوز في أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم. فقالت: اليمامة. فقالوا: إن شوكة أهل اليمامة شديدة؛ وقد غلُظَ أمر مسيلمة؛ فقالت: عليكم باليمامة! ودفُّوا دَفيفَ الحمامة؛ فإنها غزوة صَرّامة؛ لا يلحقكم بعدها ملامة. فنَهَدَتْ
стр. 2753
لبني حنيفة؛ وبلغ ذلك مسيلمة فهابها؛ وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثُمامة على حَجْر، أو شرحبيل بن حَسَنة، أو القبائل التي حولَهم، فأهدى لها؛ ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيَها. فنزلت الجنود على الأمواه، وأذِنَتْ له، وآمَنته؛ فجاءها وافدًا في أربعين من بني حَنيفة - وكانت راسخةً في النَّصرانيّة، قد علمت من علم نصارى تغلب - فقال مُسيلمة: لنا نصف الأرض؛ وكان لقريش نصفها لو عدلَتْ؛ وقد ردّ الله عليك النّصف الذي رَدَّتْ قريش؛ فحبَاك به، وكان لها لو قبلتْ. فقالت: "لا يردّ النّصف إلّا مَنْ حَنَف، فاحمل النّصف إلى خيل تراها كالسَّهَف" فقال مسيلمة: "سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذ طمع؛ ولا زال أمره في كلّ ما سرّ نفسه يجتمع. رآكم ربُّكم فحيَّاكم، ومن وحشة خلّاكم؛ ويوم دينه أنجاكم. فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربّكم الكُبار، ربّ الغيوم والأمطار".
وقال أيضًا: "لمّا رأيت وجوههم حَسُنَت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طَفُلَت؛ قلت لهم: لا النساء نأتون، ولا الخمر تشربُون؛ ولكنَّكم معشر أبرار، تصومون يومًا، وتكلفون يومًا؛ فسبحان الله! إذا جاءت الحياة كيف تحيَوْن، وإلى ملك السماء ترقَوْن! فلو أنها حبّة خرْدَلة؛ لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور".
وكان ممَّا شرَع لهم مسيلمة: أنّ من أصاب ولدًا واحدًا عقبًا لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد؛ حتى يصيب ابنًا ثم يُمْسِك؛ فكان قد حرَّم النِّساء على من له ولد ذَكر.
رجع الحديث إلى حديث سيف. فصالحها على أن يحمل إليها النّصف من غَلّات اليمامة، وأبت إلّا السنة المقبْلة يُسْلفها؛ فباح لها بذلك؛ وقال: خَلّفِي على السلف مَنْ يجمعه لك، وانصرفي أنتِ بنصف العام؛ فرجع فحمل إليها النّصف، فاحتملتْه وانصرفتْ به إلى الجزيرة، وخَلَّفَتِ الْهَذيل، وعقَّة، وزيادًا؛ لينجز النّصف الباقي؛ فلم يفجأهم إلا دُنُوّ خالد بن الوليد منهم؛ فارفضّوا. فلم تزل سَجاح في بني تَغْلب؛ حتى نقلهم معاوية عامَ الجماعة في زمانه؛ وكان معاوية حين أجمع عليه أهلُ العراق بعد عليّ ﵇ يُخرِج من
стр. 2754
الكوفة المستغربَ في أمر عليّ، وينزِل داره المستغربَ في أمر نفسه من أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة؛ وهم الذين يقال لهم: النواقل في الأمصار؛ فأخرج من الكوفة قَعقاعَ بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين، فطلب إليه أن ينزل منازلَ بني أبيه بني عُقْفان، وينقلهم إلى بني تميم، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة، وأنزلهم منازل القَعْقَاع وبني أبيه؛ وجاءت معهم، وحسن إسلامها؛ وخرج الزّبرقان والأقرع إلى أبي بكر، وقالا: اجعل لنا خَراج البحرين ونضمن لك ألّا يرجع من قومنا أحدٌ، ففعل، وكتب الكتاب. وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله، وأشهدوا شهودًا منهم عمر. فلما أتيَ عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد، ثم قال: لا والله ولا كَرَامة! ثم مزّق الكتاب ومحَاه، فغضب طلحة، فأتى أبا بكر، فقال: أأنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر؛ غير أنّ الطاعة لي. فسكت.
وشهدَا مع خالد المشاهدَ كلَّها حتى اليمامة، ثم مضى الأقرع ومعه شُرَحبيل إلى دُومة (١). (٣: ٢٦٨/ ٢٦٩ / ٢٧٠/ ٢٧١ / ٢٧٢/ ٢٧٥).
٥١ - قال أبو جعفر: وأمَّا غير سيف ومنْ ذكرنا عنه هذا الخبر، فإنه ذكر: أنّ مسيلمة لما نزلتْ به سجاح، أغلق الحِصْن دُونها، فقالت له سجاح: انزل، قال: فنحِّي عنك أصحابَك، ففعلت. فقال مسيلمة: اضربوا لها قُبَّة وجَمِّروها لعلَّها تذكر الباء؛ ففعلوا، فلمَّا دخلت القبّة نزل مسيلمة فقال: ليقفْ ها هنا عشرة، وها هنا عشرة؛ ثم دارَسَها، فقال: ما أوحيَ إليك؟ فقالت: هل تكون النساءُ يبتدئن! ولكن أنت قُلْ ما أوحي إليك؟ قال: "ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحُبْلى، أخرج منها نسمة تسْعى، من بين صفاق وحشى" قالت: وماذا أيضًا؟ قال: أوحي إليّ: "أنّ الله خلق النساء أفراجًا، وجعل الرجال لهنّ أزواجًا؛ فنولج فيهن قُعْسًا إيلاجًا، ثم نُخْرِجُها إذا نشاء إخراجًا، فيُنْتَجْن لنا سِخَالًا إنتاجًا" قالت: أشهد أنك نبيّ، قال: هل لكِ أن أتزوّجك فآكل بقومي وقومك العرب! قالت: نعم، قال:
ألا قُومي إلى النَّيْك ... فقد هُيِّيء لك المَضْجَعْ
стр. 2755
وإن شئتِ ففي البيت ... وإن شئتِ ففي المخدَعْ
وإن شئت سلقناكِ ... وإن شئتِ على أربعْ
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئتِ به أجْمعْ
قالت: بل به أجمع، قال: بذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاثًا ثمّ انصرفت إلى قومها، فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحقِّ فاتّبعتُه فتزوّجته، قالوا: فهل أصدَقَك شيئًا؟ قالت: لا، قالوا: ارجعي إليه، فقبيحٌ بمثلك أن ترجع بغير صَدَاق! فرجعت، فلمَّا رآها مسيلمة أغلق الحِصْن، وقال: مالك؟ قالت: أصدقْني صداقًا، قال: من مؤذِّنُك؟ قالت: شَبَث بن ربْعِيّ الرّيَاحيّ، قال: عليّ به، فجاء فقال: ناد في أصحابك أنّ مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين ممَّا أتاكم به محمّد: صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر.
قال: وكان من أصحابها الزّبرقان بن بدْر، وعُطارد بن حاجب ونُظَراؤهم (١). (٣: ٢٧٣/ ٢٧٤).
٥٢ - وذكر الكلبيّ: أن مشيخة بني تميم حدّثوه أن عامّة بني تميم بالرّمل لا يصلونهما. فانصرفت ومعها أصحابها، فيهم الزّبرقان، وعُطارد بن حاجب، وعَمْرو بن الأهْتَم، وغيلان بن خَرَشَة، وشبَث بن ربعيّ، فقال عُطارد بن حاجب:
أَمْسَتْ نَبِيّتُنا أنْثى نُطيفُ بها ... وأصْبَحَتْ أنبياءُ النّاس ذُكْرَانا
وقال حكيم بن عيَّاش الأعور الكلبيّ، وهو يعيِّر مُضَر بسَجاح، ويذكر ربيعة:
أَتوْكُمْ بدِينٍ قائِمٍ وأُتيتُمُ ... بِمُنْتَسِخ الآيات في مُصْحَفٍ طَبِّ (٢)
(٣: ٢٧٤).
ذكر البطاح وخبره ومسألة مالك بن نويرة عند الطبري وغيره
٥٣ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن الصَّعْب بن
стр. 2756
عطية بن بلال، قال: لما انصرفتْ سَجاح إلى الجزيرة؛ ارعَوَى مالك بن نُوَيرة، وندم وتحيَّر في أمره، وعرف وكيع وسماعة قُبْحَ ما أتيا، فرجعا رجوعًا حسنًا، ولم يتجبَّرا، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدًا؛ فقال خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأرٌ كنَا نطلبه في بني ضَبَّة؛ وكانت أيام تشاغُل وفرص، وقال وكيع في ذلك:
فلا تَحْسَبا أنِّي رجعتُ وأنني ... مُنِعْتُ وقد تُحْنَى إليَّ الأصابعُ
ولكنّني حامَيتُ عن جُلِّ مالكٍ ... ولاحَظْتُ حتى أكْحَلْتني الأخادِعُ
فلمّا أتَانا خالدٌ بلِوائه ... تخَطتْ إليه بالبُطَاح الوَدَائعُ
ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نُويرة ومَن تأشب إليه بالبُطاح؛ فهو على حاله متحيِّرٌ شَجٍ (١). (٣: ٢٧٦).
٥٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وعمرو بن شعيب، قالا: لما أراد خالد السَّير خرج من ظَفَر، وقد استبرأ أسدًا، وغَطَفان، وطيِّئًا، وهوازن، فسار يريدُ البُطاح دون الحَزْن؛ وعليها مالك بن نُوَيرة، وقد تردّد عليه أمره، وقد تردّد الأنصار على خالد وتخلَّفت عنه، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا! إنّ الخليفة عَهِد إلينا إن نحن فرغنا من البُزاخة، واستبرأنا بلادَ القوم أن نقيمَ حتَّى يكتب إلينا. فقال خالد: إن يكُ عهد إليكم هذا فقد عهد إليّ أن أمضي، وأنا الأمير وإليّ تنتهي الأخبار. ولو أنَّه لم يأتني له كتاب ولا أمر؛ ثم رأيت فرصةً؛ فكنت إن أعلمته فاتتني لم أعْلِمْه حتى أنتهزها؛ كذلك لو ابتُلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم نَدَعْ أن نرى أفضلَ ما بحضرتنا، ثم نعمل به. وهذا مالك بن نُوَيرة بحيالنا، وأنا قاصد إليه ومَن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان؛ ولست أكرهكم. ومضى خالد، وندمت الأنصار، وتَذَامروا، وقالوا: إن أصاب القوم خيرًا إنه لَخَير حُرِمتموه، وإن أصابتهم مصيبة ليجْتَنِبنكم الناس. فأجمعوا للّحاق بخالد وجرّدوا إليه رسولًا؛ فأقام عليهم حتى لحِقوا به، ثم سار حتى قدم البُطاح فلم يجد به أحدًا (٢). (٣: ٢٧٦/ ٢٧٧)
стр. 2757
٥٥ - قال أبو جعفر؛ فيما كتب به إليَّ السريُّ بن يحيى؛ يذكر عن شعيب ابن إبراهيم: أنَّه حدّثه عن سيف بن عمر، عن خزيمة بن شَجرة العُقْفانيّ، عن عثمان بن سويد، عن سُويد بن المثعبة الرّيَاحيّ؛ قال: قدم خالد بن الوليد البُطاح، فلم يجدْ عليه أحدًا، ووجد مالكًا قد فرّقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع حين تردّد عليه أمره، وقال: يا بني يَربوع! إنَّا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعوْنا إلى هذا الدين، وبَطَّأنا الناس عنه فلم نُفْلح ولم نُنْجِح، وإنِّي قد نظرتُ في هذا الأمر، فوجدتُ الأمر يتأتَّى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس؛ فإيَّاكم ومناوأة قوم صُنع لهم؛ فتفرّقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر. فتفرّقوا على ذلك إلى أموالهم، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله. ولما قدم خالد البطاح بثَّ السَّرايا وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتُوه بكلّ مَن لم يُجِب، وإن امتنع أن يقتلوه، وكان ممَّا أوصى به أبو بكر: إذا نزلتُم منزلًا؛ فأذّنُوا وأقيموا؛ فإن أذّن القوم وأقاموا فكفُّوا عنهم؛ وإن لم يفعلوا فلا شيءَ إلّا الغارة؛ ثم اقتلوهم كلَّ قِتْلة؛ الحرْق فما سواه؛ وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم؛ فإن أقرُّوا بالزكاة فاقبلوا منهم؛ وإن أبَوْها فلا شيء إلّا الغارة ولا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نُويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، من عاصم وعبيد وعرين وجعفر، فاختلفت السريّة فيهم، وفيهم أبو قتادة؛ فكان فيمَن شهد: أنَّهم قد أذّنوا، وأقاموا، وصلُّوا. فلمَّا اختلفوا فيهم، أمر بهم فحُبِسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء؛ وجعلت تزداد بَرْدًا، فأمر خالدٌ مناديًا فنادى: "أدفئوا أسراكم"، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دَثّروا الرجل فأدفئوه، دِفْئُه قتله وفي لغة غيرهم: أدْفِه فاقتله، فظنّ القوم - وهي في لغتهم القتل - أنه أراد القتل، فقتلوهم، فقتل ضرارُ بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه.
وقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملُك، فَزَبَره خالد،
فغضب، ومضَى، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر، حتى كلَّمه عمر فيه، فلم يرضَ إلّا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة، وتزوج خالدٌ أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طُهْرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايَره، وقال عمر لأبي بكر. إنّ في سيفِ خالد رَهَقًا، فإن لم يكن هذا
стр. 2758
حقًّا، حقّ عليه أن تُقيدَه؛ وأكثر عليه في ذلك -وكان أبو بكر لا يُقيد من عماله ولا وَزَعَتِه- فقال: هيه يا عمر! تأوّلَ فأخطأ، فارفَعْ لسانك عن خالد. وودى مالكًا، وكتب إلى خالد أن يقدُم عليه، ففعل، فأخبره خبَرَه، فعذره، وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك (١). (٣: ٢٧٧/ ٢٧٨).
٥٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: شهد قومٌ من السرية: أنهم أذّنوا، وأقاموا، وصلَّوا، ففعلوا مثل ذلك. وشهد آخرون: أنه لم يكن من ذلك شيء، فقُتلوا. وقدم أخوه متمّم بن نُوَيرة يَنْشُد أبا بكر دَمه، ويطلب إليه في سَبْيهم؛ فكتب له بردّ السَّبْي، وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إنّ في سيفه رَهَقًا. فقال: لا يا عمر! لم أكُنْ لأشِيم سيفًا سلَّه الله على الكافرين (٢). (٣: ٢٧٩).
٥٧ - كتب إليّ السّرِيّ عن شعيب، عن سَيف، عن خُزيمة، عن عثمان، عن سُوَيد، قال: كان مالك بن نُويرة من أكثر الناس شعرًا؛ وإن أهل العسكر أثّفوا برؤوسهم القدور، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بَشَرته ما خلا مالكًا، فإن القِدْر نضَجتْ وما نضج رأسه من كثرة شَعره، وقى الشَّعَرُ البَشَرةَ حرَّها أن يبلغ منه ذلك.
وأنشده متمِّم؛ وذكر خَمَصَه؛ وقد كان عمر رآه مقَدمه على النبيّ ﷺ ، فقال: أكذاك يا متمّم كان! قال: أمَّا ما أعني فنعم (٣). (٣: ٢٧٩).
٥٨ - حَدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حَدّثنا محمد بن إسحاق عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أنّ أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أنْ إذا غشيتم دارًا من دُور النَّاس فسمعتم فيها أذانًا للصلاة، فأمسكُوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقِموا! وإن لم تسمعوا أذانًا، فشُنُّوا الغارة، فاقتلوا، وحَرّقوا.
وكان ممَّن شهد لمالك بالإسلام أبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ أخو بني سَلمة،
стр. 2759
وقد كان عاهد الله ألّا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بَعدها؛ وكان يحدّث: أئهم لما غَشُوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا: إنّا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم! قالوا لنا: فما بال السلاح معكم! قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعُوا السلاح، قال: فوضعوها؛ ثم صلَّينا وصلَّوا. وكان خالد يعتذر في قتله: أنه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبَكم إلّا وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحبًا! ثم قدّمه فضرب عنقه وأعنَاق أصحابه، فلما بلغ قتلُهم عمرَ بن الخطاب، تكلَّم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدوُّ الله عَدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزَا على امرأته!
وأقبل خالد بن الوليد قافلًا حتى دخل المسجد وعليه قَباءٌ له عليه صَدأ الحديد، معتجرًا بعمامة له، قد غرز في عمامته أسْهُمًا؛ فلمَّا أنْ دخلَ المسجد؛ قام إليه عُمَرُ، فانتزع الأسْهُمَ من رأسه فحطَّمها، ثم قال: أرِثَاء! قتلتَ امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته! والله لأرْجمنّك بأحجارك -ولا يكلّمه خالد بن الوليد، ولا يظنّ إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه- حتى دخل على أبي بكر، فلمَّا أن دخلَ عليه أخبره الخبر، واعتذر إليه فعذره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال: فخرَج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعُمَرُ جالسٌ في المسجد، فقال: هلم إليّ يا بن أمّ شَمْلة! قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضيَ عنه فلم يكلّمه، ودخل بيته.
وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدي. وقال ابن الكلبيّ: الَّذي قتل مالك بن نُويرة ضرار بن الأزور (١). (٣: ٢٧٩/ ٢٨٠).
ذكر بقيّة خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة
٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كان أبو بكر حين بعث عِكْرمة بن أبي جهل إلى مُسيلمة واتبعه شُرَحْبيلَ عجّل عكرمة، فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم، فنكبوه، وأقام شُرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر؛ وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره، فكتب إليه أبو بكر: يا بن أمّ عكرمة، لا أرينَّك ولا تراني على حالها! لا ترجع فتوهن الناسَ؛ امض على وجهك حتى تساند حُذيفةَ وعَرْفجة فقاتلْ معهما أهلَ عُمان ومَهْرة، وإن شغلا فامضِ أنت، ثم تسير وتسيّر جندك تستبرئون مَنْ مررتم به؛ حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبي أميَّة باليمن وحضرموت.
وكتب إلى شُرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيَه أمرُه، ثم كتب إليه قبل أن يوجّه خالدًا بأيام إلى اليمامة: إذا قدم عليك خالدٌ، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقُضاعة؛ حتى تكونَ أنت وعمرو بن العاص على مَنْ أبَى منهم وخالف. فلما قدِم خالدٌ على أبي بكر من البُطاح رضيَ أبو بكر عن خالد، وسَمِع عذْره وقَبِل منه وصدّقه ورضي عنه، ووجَّهه إلى مُسَيلمة وأوعب معه الناسِ. وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبَراء بن فلان، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد، وعلى القبائل؛ على كلّ قبيلة رجلٌ. وتعجَّل خالد حتى قدم على أهلِ العسكر بالبُطاح، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة؛ فلمَّا قدِم عليه؛ نهض حتَّى أتى اليَمَامة وبنو حنيفة يومئذ كثير. (٣: ٢٨١).
٦٠ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رجال، قالوا: كان عددُ بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل؛ في قُراها وحُجَرها، فسار خالد حتى إذا أظلّ عليهم أسندَ خيولًا لعَقّة والهُذيل وزياد؛ وقد كانوا أقاموا على خَرْج أخرجَه لهم مُسيلمة ليلحقوا به سجاح. وكتب إلى القبائل من تميم فيهم؛ فنفّروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب، وعجَّل شُرحبيل بن حسنة، وفعل فِعْل عِكْرمة، وبادر خالدًا بقتال مُسيلمة قبل قدوم خالد عليه؛
стр. 2763
فنُكِب، فحاجَزَ؛ فلمَّا قدم عليه خالد لامَهُ؛ وإنَّما أسْنَد خالد تلك الخيول مخافَة أن يأتُوه من خَلْفه؛ وكانوا بأفْنيَةِ اليمامة. (٣: ٢٨٢)
٦١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن جابر بن فلان، قال: وأمَدّ أبو بكر خالدًا بسَليط؛ ليكون رِدْءًا له من أن يأتيَه أحدٌ من خَلْفه؛ فخرج؛ فلمَّا دنا من خالد؛ وجد تلك الخيول الَّتي انتابت تلك البلاد قد فُرّقوا؛ فهربوا، وكان منهم قريبًا رِدْءًا لهم؛ وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر؛ أدَعُهم حتى يلقوا الله بأحسنِ أعمالهم؛ فإن الله يدفع بهم وبالصُّلَحاء من الأمم أكثرَ وأفضلَ ممَّا ينتصر بهم؛ وكان عمر بن الخطاب يقول: والله لأشرِكنَّهم وليُواسُنَّني. (٣: ٢٨٢).
٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عُبيد بن عمير، عن أثال الحنفيّ - وكان مع ثمامة بن أثال - قال: وكان مُسَيلمة يصانع كلّ أحد ويتألَّفه، ولا يبالي أن يطّلع الناس منه على قبيح؛ وكان معه نهار الرَّجَّال بن عُنْفُوَةَ، وكان قد هاجر إلى النبيّ ﷺ ؛ وقرأ القرآن؛ وفُقِّه في الدّين، فبعثه مُعَلّمًا لأهل اليمامة وليشْغَب على مُسَيلمة، ولْيَشْدُد من أمر المسلمين؛ فكان أعظم فتنةً علي بني حَنيفةَ مِنْ مُسيلمة؛ شهد له: أنَّه سمع محمَّدًا ﷺ يقول:
إنه قد أشرِك معه؛ فصدّقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبيّ ﷺ ، ووعدُوه إن هو لم يقبل أن يُعينوه عليه؛ فكان نهار الرّجَّال بن عَنْفوة لا يقول شيئًا إلّا تابعه عليه؛ وكان ينتهي إلى أمره، وكان يؤذّن للنبيّ ﷺ ، ويشهد في الأذان أن محمدًا رسول الله؛ وكان الَّذي له عبد الله بن النَّوّاحة، وكان الذي يُقيم له حُجَير بن عُمَير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حُجَير من الشهادة، قال: صرّح حُجَير؛ فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار، وتضليل من كان قد أسلم؛ فعَظُمَ وقَارُه في أنفسهم.
قال: وضرب حَرَمًا باليمامة، فنهى عنه، وأخذ النَّاس به، فكان مُحَرَّمًا فوقع في ذلك الحَرَم قُرَى الأحاليف؛ أفخاذ من بني أسَيّد، كانت دارهم باليمامة؛ فصار مكان دارهم في الحَرم - والأحاليف: سَيحان ونُمَارة ونمر والحارث بنو جُرْوة - فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة، واتَّخذوا الحَرَم دغَلًا، فإن نَذِرُوا بهم فدخلوه أحجموا عنهم؛ وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون. فكثر
стр. 2764
ذلك منهم حتى اسْتَعْدَوْا عليهم؛ فقال: أنتظر الّذي يأتي من السماء فيكم وفيهم. ثم قال لهم: "والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجَذَع الأزلم، ما انتهكت أسَيّدٌ من مَحْرَم"؛ فقالوا: أما مَحْرم استحلالُ الحَرَم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعُدوى فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: "والليل الدّامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسَيِّد من رَطْب ولا يابس"؛ فقالوا: أمَّا النخيل مُرْطبة فقد جَدُّوها، وأمَّا الجدران يابسة فقد هَدَموها؛ فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم.
وكان فيما يقرأ لهم فيهم: "إنّ بني تميم قوم طهر لَقَاحٌ، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كلّ إنسان؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن".
وكان يقول: "والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها. والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب مَحْض، وقد حرِّم المذق، فما لكم لا تمجّعون؟ ! ".
وكان يقول: "يا ضفدع ابنة ضفدع، نُقِّي ما تَنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدّرين".
وكان يقول: "والمبذّرات زَرْعًا، والحاصدات حَصْدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خُبزًا، والثاردات ثردًا؛ واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضِّلتُم على أهل الوَبر، وما سبقكم أهل المَدَر؛ رِيفكم فامنعوه، والمعترَّ فآووه، والباغي فناوئوه".
قال: وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأمّ الهيثم فقالت: إنّ نخلنا لسُحُق، وإن آبارَنا لجُرُز؛ فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هَزْمان". فقال: يا نَهارُ ما تقول هذه؟ فقال: إنّ أهل هَزْمان أتوْا مَحمدًا ﷺ فشكَوْا بُعْد مائهم؛ -وكانت آبارهم جُرزًا- ونخلهم أنَّها سُحُق، فدعا لهم فجاشت آبارهم، وانْحَنَتْ كلّ نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها، فحكَّت به الأرض حتى أنْشَبَتْ عروقًا ثم قُطِعت من دون ذلك، فَعَادت فسيلًا مكمَّمًا ينمي صاعدًا. قال: وكيف صنع بالآبار؟ قال: دَعا بسَجْل، فدعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مَجَّهُ فيه، فانطلقوا به حتى فرَّغوه في تلك الآبار، ثم سَقَوْه نخلهم، ففعل النبيّ ما حدَّثتك، وبقيَ الآخر إلى انتهائه. فدعا مُسَيلمة بدلْوٍ من ماء فدعا لهم فيه، ثم
стр. 2765
تمضمض منه، ثم مجّ فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم. فغارت مياه تلك الآبار، وخَوَى نخلُهم؛ وإنما استبان ذلك بعد مهلكه.
وقال له نهار: بَرِّك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟ قال: كان أهلُ الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوْا به محمدًا ﷺ فحنَّكه ومسح رأسه؛ فلم يؤتَ مسيلمة بصبيّ فحنَّكه ومسح رأسه إلّا قَرع ولَثِغ واستبان ذلك بعد مهلَكه.
وقالوا: تَتَبَّعْ حيطَانهم كما كان محمد ﷺ يصنع فصلّ فيها. فدخل حائطًا من حوائط اليمامة، فتوضأ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وَضُوء الرحمن فتسقيَ به حائطَك حتى يَرْوَى ويبتلّ، كما صنع بنو المهريَّة، أهل بيت من بني حنيفة -وكان رجل من المهريَّة قدم على النبيّ ﷺ فأخذ وَضوءَه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره، ثم نزع وسقى، وكانت أرضه تَهُوم فَرويتْ وجَزَأتْ فلم تُلْفَ إلا خضْراء مُهْتَزّةٌ - ففعل فعادت يَبَابًا لا ينبت مرعاها.
وأتاه رجُلٌ، فقال: ادْعُ الله لأرضي فإنَّها مُسْبخةٌ؛ كما دعا محمد ﷺ لسُلمى على أرضه. فقال: ما يقول يا نهار؟ فقال: قدم عليه سلمى، وكانت أرضه سبخة فدعا له، وأعطاه سَجْلًا من ماء، ومجّ له فيه، فأفرغه في بئره، ثم نزع، فطابت وعَذُبَتْ؛ ففعل مثل ذلك فانطلق الرّجُل، ففعل بالسَّجْل كما فعل سلمى، فغرقت أرضه، فما جفّ ثراها، ولا أدرك ثمرها.
وأتته امرأة فاستجلبته إلى نَخْل لها يدعو لها فيها، فجزّت كبائسها يوم عَقْرَباء كلَّها؛ وكانوا قد علموا واستبان لهم؛ ولكن الشَّقاء غلَب عليهم. (٣: ٢٨٢/ ٢٨٣ / ٢٨٤/ ٢٨٥ / ٢٨٦).
٦٣ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن خُلَيد بن ذفرة النَّمَريّ، عن عمير بن طلحة النَّمرِيّ، عن أبيه، أنَّه جاء اليمامة، فقال: أين مُسيلمة؟ قالوا: منه! رسول الله! فقال: لا، حتَّى أراه؛ فلمَّا جاءه، قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: مَنْ يأتيك؟ قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد: أنَّك كذاب، وأنّ محمدًا صادق؛ ولكنّ كَذاب ربيعة أحبّ إلينا من صادقِ مُضَر، فقتل معه يوم عقرَباء. (٣: ٢٨٦).
٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن الكلبي مثله؛ إلّا أنه قال:
стр. 2766
كذّاب ربيعة أحبّ إليّ من كذّاب مضر. (٣: ٢٨٦).
٦٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق بنحو حديث سيف هذا؛ غير أنه قال: دعا خالد بمجَّاعة ومَنْ أخذ معه حين أصبح، فقال: يا بني حنيفة! ما تقولون؟ قالوا: نقول: منَّا نبيٌّ ومنكم نبيٌّ فعرضهم على السيف؛ حتى إذا بقيَ منهم رجلٌ يقال له: سارية بن عامر ومجَّاعة بن مُرارة، قال له سارية: أيَّها الرّجل! إن كنتَ تريد بهذه القرية غدًا خيرًا أو شرًّا، فاستبقِ هذا الرجل -يعني: مجَّاعة- فأمر به خالد فأوثقه في الحديد؛ ثم دفعه إلى أمّ تميم امرأته، فقال: استوصي به خيرًا، ثم مضى حتى نزل اليَمامة على كثيب مشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرّحَّال -ال أبو جعفر، هكذا قال ابن حميد بالحاء- بن عُنْفوة بن نهشل، وكان الرّحّال رجلًا من بني حنيفة قد كان أسلم، وقرأ سورة البقرة، فلمَّا قدم اليمامة شهد لمسيلمة: أنّ رسولَ الله ﷺ قد كان أشركه في الأمر؛ فكان أعظمَ على أهل اليمامة فتنةً من مسيلمة؛ وكان المسلمون يسألون عن الرّحَّال يرجون أنه يحلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيَهم في أوائل النَّاس متكتّبًا، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره، وعنده أشراف الناس والنَّاس على مصافّهم؛ وقد رأى بارقة في بني حنيفة: أبشِرُوا يا معشرَ المسلمين! فقد كفاكم الله أمر عدوّكم. واختلف القوم إن شاء الله؛ فنظر مجَّاعة وهو خلْفَه موثَقًا في الحديد، فقال: كلّا والله! ولكنها الهُنْدُوانيّة خَشوا عليها من تحطُمها، فأبرزوها للشمسِ لتلين لهم؛ فكان كما قال. قلما التقى المسلمون كان أوّل من لقيَهم الرّحال بن عُنْفوة، فقتله الله. (٣: ٢٨٨/ ٢٨٩).
٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن شيخ من بني حنيفة، عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال يومًا -وأبو هريرة ورحَّال بن عُنْفوة في مجلس عنده-: "لضِرْسُ أحدكم أيّها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحُد". قال أبو هريرة: فمضى القوم لسبيلهم، وبقيتُ أنا ورحَّال بن عُنفوة، فما زلت لها متخوّفًا؛ حتى سمعت بمخرَج رحّال، فأمنت وعرفت: أنّ ما قال رسولُ الله ﷺ حقّ.
ثم التقى الناس ولم يلقهم حَرْبٌ قطّ مثلَها من حرب العرب؛ فاقتتل النَّاس
стр. 2767
قتالًا شديدًا؛ حتى انهزمَ المسلمون وخلَص بنو حنيفة إلى مجَّاعة وإلى خالد، فزال خالد عن فُسطاطه ودخل أناس الفسطاطَ وفيه مجَّاعة عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف، فقال مجّاعة: مَهْ، أنا لها جارٌ، فنعْمَت الحُرَّة! عليكم بالرجال، فرَعبَلوا الفُسْطاط بالسيوف. ثم إنّ المسلمين تَدَاعَوْا، فقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدْتم أنفسَكم يا معشر المسلمين! اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممَّا يَعْبُد هؤلاء -يعني: أهل اليمامة- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني: المسلمين- ثم جالد بسيفه حتى قُتِل. وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم: لا تحوَّزَ بعد الرّحال، ثم قاتل حتى قتل. ثم قامَ البَراءُ بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرَوَاء حتى يقعد عليه الرجال؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله؛ فإذا بال يثورُ كما يثور الأسد - فلمَّا رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال، فلمَّا بال وثَب، فقال: أين يا معشر المسلمين! أنا البراءُ بن مالك، هلمّ إليّ! وفاءَتْ فئة من النَّاس، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله، وخَلَصوا إلى مُحَكّم اليمامة -وهو مُحَكّم بن الطُفيل- فقال حين بلغه القتال: يا معشرَ بني حنيفة! الآنَ والله تُستحْقَب الكرائم غيرَ رضيَّات، ويُنكحن غير خطيبات؛ فما عندكم من حَسَب فأخرجوه. فقاتل قتالًا شديدًا؛ ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق بسهم فوضعه في نحره فقتله. ثم زحف المسلمون حتى ألْجؤوهم إلى الحديقة؛ حديقة الموت؛ وفيها عدوّ الله مُسيلمة الكذاب، فقال البَراء: يا معشَر المسلمين! ألقوني عليهم في الحديقة. فقال الناس: لا تفعل يا بَرَاء، فقال: والله لتطرحنّي عليهم فيها! فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار؛ اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين، ودخل المسلمون عليهم فيها؛ فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدوّ الله؛ واشترك في قتله وَحْشيٌّ مولى جُبير بن مطعم ورجل من الأنصار، كلاهما قد أصابه؛ أمَّا وحشيٌّ فدفع عليه حربته، وأمَّا الأنصاريُّ فضربَه بسيفه، فكان وحشيّ يقول: ربّك أعلم أيّنا قتله! (٣: ٢٨٩/ ٢٩٠).
٦٧ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلْحة، عن عبيد بن عُمير، قال: كان الرّجالُ بحيال زيد بن الخطاب؛ فلَمَّا دنا صَفَّاهما؛ قال زيد: يا رجَّال، الله الله! فوالله لقد تركت الدّين، وإن الذي أدعوك إليه لأشرفُ لك،
стр. 2768
وأكثرُ لدنياك فأبى، فاجتلدا فقُتِل الرجّال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة، فتذامروا وحمل كلُّ قوم في ناحيتهم؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرَهم، ثم أعْرَوْه لهم، فقطعُوا أطناب البيوت، وهتكُوها، وتشاغلوا بالعسكر، وعالجوا مجَّاعة؛ وهَمّوا بأمّ تميم، فأجارها، وقال: نِعْمَ أمّ المَثْوَى! وتذامر زيدٌ، وخالد، وأبو حذيفة، وتكلَّم النَّاس -وكان يوم جَنوب له غبار- فقال زيد: لا والله لا أتكلَّم اليوم حتى نهزمهم أو ألقَى الله فأكلّمه بحُجتي! عضُّوا على أضراسكم أيّها الناس، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قُدمًا ففعلوا، فَردّوهم إلى مصافّهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم، وقُتل زيد ﵀. وتكلَّم ثابت فقال: يا معشرَ المسلمين! أنتم حزْبُ الله، وهم أحزاب الشيطان، والعزّة لله ولرسوله ولأحزابه، أرُوني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم. وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن! زَيِّنوا القرآن بالفعال. وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب ﵀، وحمل خالد بن الوليد، وقال لحُماته: لا أوتينَّ من خلفي. حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرْصة ويرْقب مسيلمة. (٣: ٢٩١).
٦٨ - كتب إليّ السّري عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشّر بن الفُضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا أعْطيَ سالم الراية يومئذ؛ قال: ما أعلمَني لأيّ شيء أعطيتمونيها! قلتم: صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات! قالوا: أجل! وقالوا: فانظر كيف تكون؟ فقال: بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت! وكان صاحبُ الراية قبلَه عبدَ الله بن حفص بن غانم. (٣: ٢٩١/ ٢٩٢).
٦٩ - وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت، وابن إسحاق: فلمَّا قال مجَّاعة لبني حَنيفة: ولكن عليكم بالرّجال؛ إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتَفَانَوْا وتفانَى المسلمون كلّهم، وتكلَّم رجالٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال زيد بن الخطاب: والله لا أتكلَّم أو أظفر أو أقتل، واصنعوا كما أصنعُ أنا! فحمل وحمل أصحابه. وقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عَنِّي حتى أريَكم الجلاد. وقُتِل زيد بن الخطاب ﵀. (٣: ٢٩٢).
٧٠ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن مبشّر، عن سالم، قال: قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع: ألا هلكت قبل زيد! هلك زيد
стр. 2769
وأنت حَيّ! فقال: قد حَرَصتُ على ذلك أن يكون، ولكن نفسي تأخرَتْ، فأكرمه الله بالشَّهادة. وقال سهل: قال: ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريتَ وجهك عنّي! فقال: سأل الله الشهادة فأعطِيها، وجهدتُ أن تُسَاق إليّ فلم أعْطَها. (٣: ٢٩٢).
٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعْلم، عن عُبيد بن عمير: أنّ المهاجرين والأنصار جَبَّنوا أهَل البوادي وجَبَّنهم أهلُ البوادي، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كي نُسْتحْيَا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا. وقال أهلُ القرى: نحن أعلم بقتال أهل القُرى يا معشَر أهل البادية منكم، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فستَرَوْن إذا امتزنا من أين يجيء الخلل! فامتازوا، فما رُئي يوم كان أحد ولا أعظم نكايةً مما رُئيَ يومئذ؛ ولم يُدْرَ أيّ الفريقين كان أشدّ فيهم نكاية! إلّا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثرَ منها في أهل البادية، وأنّ البقيَّة أبدًا في الشدّة. ورَمى عبدُ الرحمن بن أبي بكر المحكَّمَ بسهم فقتله وهو يخطب، فنحره وقَتَل زيدُ بن الخطاب الرجَّال بن عُنْفوة. (٣: ٢٩٢).
٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضَّحاك بن يربوع، عن أبيه، عن رجل من بني سُحَيم قد شهدها مع خالد، قال: لمَّا اشتدَّ القتال -وكانت يومئذ سِجَالًا إنَّما تكون مرة على المسلمين ومرّة على الكافرين- فقال خالد: أيُّها الناس امتازوا لنعلَم بلاء كلّ حيّ، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهلُ القُرى والبوادي، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر؛ فوقف بنو كلّ أب على رايتهم، فقاتلوا جميعًا، فقال أهل البَوادي يومئذ: الآن يستحرّ القتل في الأجزع الأضعف، فاستحرّ القتل في أهل القرى، وثبت مسيلمة، ودارت رحاهم عليه، فعرف خالدٌ أنَّها لا تركُد إلّا بقتل مسيلمة؛ ولم تحْفل بنو حنيفة بقتل مَن قتل منهم. ثم برز خالد، حتى إذا كان أمام الصّفّ دعا إلى البراز وانتمى، وقال: أنا ابنُ الوليد العوْد، أنا ابن عامر وزيد! ونادى بشعارهم يومئذ، وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه! فجعل لا يبرز له أحدٌ إلا قتله، وهو يرتجز:
стр. 2770
أنَا ابن أشياخ وسَيفي السَّختْ ... أعظمُ شيء حين يأتيك النفتْ
ولا يبرزُ له شيء إلا أكله، ودارت رحا المسلمين وطحنت. ثم نادى خالد حين دنا من مُسَيلمة -وكان رسول الله ﷺ قال: إنّ مع مسيلمة شيطانًا لا يعصيه، فإذا اعتراه أزْبَدَ كأنّ شدقيه زبيبتَان لا يهمّ بخير أبدًا إلا صرفه عنه، فإذا رأيتم منه عَوْرة؛ فلا تُقيلوه العَثْرَة -فلمَّا دنا خالدٌ منه طلب تلك، ورآه ثابتًا ورحاهم تدور عليه؛ وعرف: أنَّها لا تزول إلا بزواله، فدعا مسيلمة طلبًا لعورته، فأجابه، فعرض عليه أشياء ممَّا يشتهي مسيلمة، وقال: إن قبلنا النّصف، فأيَّ الإنصاف تعطينا؟ فكان إذا همَّ بجوابه أعرض بوجهه مستشيرًا، فينهاه شيطانه أن يقبلَ، فأعرضَ بوجهه مرّة من ذلك، وركبه خالدٌ فأرهقه فأدبر، وزالوا فذمَرَ خالد النَّاس، وقال: دونكم لا تقيلوهم! وركبوهم فكانت هزيمتهم؛ فقال مسيلمة حين قام، وقد تطاير النَّاس عنه، وقال قائلون: فأين ما كنتَ تَعِدُنا؟ فقال: قاتِلُوا عن أحسابكم، قال: ونادى المحكَّم: يا بني حنيفة! الحديقة الحديقة! ويأتي وحشيٌّ على مسيلمة وهو مُزْبِدٌ متساندٌ لا يعقل من الغيظ، فخرَط عليه حربَته فقتله، واقتحم النَّاس عليهم حديقةَ الموت من حيطانها وأبوابها، فقُتِل في المعركة، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل. (٣: ٢٩٣/ ٢٩٤).
٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هارون، وطلحة، عن عمرو بن شعيب، وابن إسحاق: أنهم لما امتازوا وصبروا، وانحازت بنو حنيفةَ تبِعهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى بلَغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا في قتل مُسيلمةَ عندها، فقال قائلون: فيها قُتل، فدخلوها وأغلقوها عليهم، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البَراء بن مالك، فقال: يا معشَر المسلمين! احملوني على الجِدَار حتى تطرحوني عليه؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعِد فنادى: أنزلوني، ثم قال: احملوني؛ ففعل ذلك مرارًا ثم قال: أفّ لهذا خَشِعًا! ثم قال: احملوني، فلمَّا وضعوه على الحائط اقتحم عليهم، فقاتلهم على الباب حتَّى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا؛ فأغلق الباب عليهم، ثم رمَى بالمفتاح من وراء الجدار، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يرَوْا مثله، وأبيَر من في الحديقة منهم؛ وقد قتل الله مسيلمة، وقالت له بنو حنيفة: أين ما كنت تعدنا! قال: قاتلوا عن أحسابكم! (٣: ٢٩٤).