← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

كذّاب ربيعة أحبّ إليّ من كذّاب مضر. (٣: ٢٨٦). ٦٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق بنحو حديث سيف هذا؛ غير أنه قال: دعا خالد بمجَّاعة ومَنْ أخذ معه حين أصبح، فقال: يا بني حنيفة! ما تقولون؟ قالوا: نقول: منَّا نبيٌّ ومنكم نبيٌّ فعرضهم على السيف؛ حتى إذا بقيَ منهم رجلٌ يقال له: سارية بن عامر ومجَّاعة بن مُرارة، قال له سارية: أيَّها الرّجل! إن كنتَ تريد بهذه القرية غدًا خيرًا أو شرًّا، فاستبقِ هذا الرجل -يعني: مجَّاعة- فأمر به خالد فأوثقه في الحديد؛ ثم دفعه إلى أمّ تميم امرأته، فقال: استوصي به خيرًا، ثم مضى حتى نزل اليَمامة على كثيب مشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرّحَّال -ال أبو جعفر، هكذا قال ابن حميد بالحاء- بن عُنْفوة بن نهشل، وكان الرّحّال رجلًا من بني حنيفة قد كان أسلم، وقرأ سورة البقرة، فلمَّا قدم اليمامة شهد لمسيلمة: أنّ رسولَ الله ﷺ قد كان أشركه في الأمر؛ فكان أعظمَ على أهل اليمامة فتنةً من مسيلمة؛ وكان المسلمون يسألون عن الرّحَّال يرجون أنه يحلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيَهم في أوائل النَّاس متكتّبًا، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره، وعنده أشراف الناس والنَّاس على مصافّهم؛ وقد رأى بارقة في بني حنيفة: أبشِرُوا يا معشرَ المسلمين! فقد كفاكم الله أمر عدوّكم. واختلف القوم إن شاء الله؛ فنظر مجَّاعة وهو خلْفَه موثَقًا في الحديد، فقال: كلّا والله! ولكنها الهُنْدُوانيّة خَشوا عليها من تحطُمها، فأبرزوها للشمسِ لتلين لهم؛ فكان كما قال. قلما التقى المسلمون كان أوّل من لقيَهم الرّحال بن عُنْفوة، فقتله الله. (٣: ٢٨٨/ ٢٨٩). ٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن شيخ من بني حنيفة، عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال يومًا -وأبو هريرة ورحَّال بن عُنْفوة في مجلس عنده-: "لضِرْسُ أحدكم أيّها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحُد". قال أبو هريرة: فمضى القوم لسبيلهم، وبقيتُ أنا ورحَّال بن عُنفوة، فما زلت لها متخوّفًا؛ حتى سمعت بمخرَج رحّال، فأمنت وعرفت: أنّ ما قال رسولُ الله ﷺ حقّ. ثم التقى الناس ولم يلقهم حَرْبٌ قطّ مثلَها من حرب العرب؛ فاقتتل النَّاس

стр. 2767

قتالًا شديدًا؛ حتى انهزمَ المسلمون وخلَص بنو حنيفة إلى مجَّاعة وإلى خالد، فزال خالد عن فُسطاطه ودخل أناس الفسطاطَ وفيه مجَّاعة عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف، فقال مجّاعة: مَهْ، أنا لها جارٌ، فنعْمَت الحُرَّة! عليكم بالرجال، فرَعبَلوا الفُسْطاط بالسيوف. ثم إنّ المسلمين تَدَاعَوْا، فقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدْتم أنفسَكم يا معشر المسلمين! اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممَّا يَعْبُد هؤلاء -يعني: أهل اليمامة- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني: المسلمين- ثم جالد بسيفه حتى قُتِل. وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم: لا تحوَّزَ بعد الرّحال، ثم قاتل حتى قتل. ثم قامَ البَراءُ بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرَوَاء حتى يقعد عليه الرجال؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله؛ فإذا بال يثورُ كما يثور الأسد - فلمَّا رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال، فلمَّا بال وثَب، فقال: أين يا معشر المسلمين! أنا البراءُ بن مالك، هلمّ إليّ! وفاءَتْ فئة من النَّاس، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله، وخَلَصوا إلى مُحَكّم اليمامة -وهو مُحَكّم بن الطُفيل- فقال حين بلغه القتال: يا معشرَ بني حنيفة! الآنَ والله تُستحْقَب الكرائم غيرَ رضيَّات، ويُنكحن غير خطيبات؛ فما عندكم من حَسَب فأخرجوه. فقاتل قتالًا شديدًا؛ ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق بسهم فوضعه في نحره فقتله. ثم زحف المسلمون حتى ألْجؤوهم إلى الحديقة؛ حديقة الموت؛ وفيها عدوّ الله مُسيلمة الكذاب، فقال البَراء: يا معشَر المسلمين! ألقوني عليهم في الحديقة. فقال الناس: لا تفعل يا بَرَاء، فقال: والله لتطرحنّي عليهم فيها! فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار؛ اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين، ودخل المسلمون عليهم فيها؛ فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدوّ الله؛ واشترك في قتله وَحْشيٌّ مولى جُبير بن مطعم ورجل من الأنصار، كلاهما قد أصابه؛ أمَّا وحشيٌّ فدفع عليه حربته، وأمَّا الأنصاريُّ فضربَه بسيفه، فكان وحشيّ يقول: ربّك أعلم أيّنا قتله! (٣: ٢٨٩/ ٢٩٠). ٦٧ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلْحة، عن عبيد بن عُمير، قال: كان الرّجالُ بحيال زيد بن الخطاب؛ فلَمَّا دنا صَفَّاهما؛ قال زيد: يا رجَّال، الله الله! فوالله لقد تركت الدّين، وإن الذي أدعوك إليه لأشرفُ لك،

стр. 2768

وأكثرُ لدنياك فأبى، فاجتلدا فقُتِل الرجّال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة، فتذامروا وحمل كلُّ قوم في ناحيتهم؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرَهم، ثم أعْرَوْه لهم، فقطعُوا أطناب البيوت، وهتكُوها، وتشاغلوا بالعسكر، وعالجوا مجَّاعة؛ وهَمّوا بأمّ تميم، فأجارها، وقال: نِعْمَ أمّ المَثْوَى! وتذامر زيدٌ، وخالد، وأبو حذيفة، وتكلَّم النَّاس -وكان يوم جَنوب له غبار- فقال زيد: لا والله لا أتكلَّم اليوم حتى نهزمهم أو ألقَى الله فأكلّمه بحُجتي! عضُّوا على أضراسكم أيّها الناس، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قُدمًا ففعلوا، فَردّوهم إلى مصافّهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم، وقُتل زيد ﵀. وتكلَّم ثابت فقال: يا معشرَ المسلمين! أنتم حزْبُ الله، وهم أحزاب الشيطان، والعزّة لله ولرسوله ولأحزابه، أرُوني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم. وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن! زَيِّنوا القرآن بالفعال. وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب ﵀، وحمل خالد بن الوليد، وقال لحُماته: لا أوتينَّ من خلفي. حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرْصة ويرْقب مسيلمة. (٣: ٢٩١). ٦٨ - كتب إليّ السّري عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشّر بن الفُضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا أعْطيَ سالم الراية يومئذ؛ قال: ما أعلمَني لأيّ شيء أعطيتمونيها! قلتم: صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات! قالوا: أجل! وقالوا: فانظر كيف تكون؟ فقال: بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت! وكان صاحبُ الراية قبلَه عبدَ الله بن حفص بن غانم. (٣: ٢٩١/ ٢٩٢). ٦٩ - وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت، وابن إسحاق: فلمَّا قال مجَّاعة لبني حَنيفة: ولكن عليكم بالرّجال؛ إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتَفَانَوْا وتفانَى المسلمون كلّهم، وتكلَّم رجالٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال زيد بن الخطاب: والله لا أتكلَّم أو أظفر أو أقتل، واصنعوا كما أصنعُ أنا! فحمل وحمل أصحابه. وقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عَنِّي حتى أريَكم الجلاد. وقُتِل زيد بن الخطاب ﵀. (٣: ٢٩٢). ٧٠ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن مبشّر، عن سالم، قال: قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع: ألا هلكت قبل زيد! هلك زيد

стр. 2769

وأنت حَيّ! فقال: قد حَرَصتُ على ذلك أن يكون، ولكن نفسي تأخرَتْ، فأكرمه الله بالشَّهادة. وقال سهل: قال: ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريتَ وجهك عنّي! فقال: سأل الله الشهادة فأعطِيها، وجهدتُ أن تُسَاق إليّ فلم أعْطَها. (٣: ٢٩٢). ٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعْلم، عن عُبيد بن عمير: أنّ المهاجرين والأنصار جَبَّنوا أهَل البوادي وجَبَّنهم أهلُ البوادي، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كي نُسْتحْيَا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا. وقال أهلُ القرى: نحن أعلم بقتال أهل القُرى يا معشَر أهل البادية منكم، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فستَرَوْن إذا امتزنا من أين يجيء الخلل! فامتازوا، فما رُئي يوم كان أحد ولا أعظم نكايةً مما رُئيَ يومئذ؛ ولم يُدْرَ أيّ الفريقين كان أشدّ فيهم نكاية! إلّا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثرَ منها في أهل البادية، وأنّ البقيَّة أبدًا في الشدّة. ورَمى عبدُ الرحمن بن أبي بكر المحكَّمَ بسهم فقتله وهو يخطب، فنحره وقَتَل زيدُ بن الخطاب الرجَّال بن عُنْفوة. (٣: ٢٩٢). ٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضَّحاك بن يربوع، عن أبيه، عن رجل من بني سُحَيم قد شهدها مع خالد، قال: لمَّا اشتدَّ القتال -وكانت يومئذ سِجَالًا إنَّما تكون مرة على المسلمين ومرّة على الكافرين- فقال خالد: أيُّها الناس امتازوا لنعلَم بلاء كلّ حيّ، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهلُ القُرى والبوادي، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر؛ فوقف بنو كلّ أب على رايتهم، فقاتلوا جميعًا، فقال أهل البَوادي يومئذ: الآن يستحرّ القتل في الأجزع الأضعف، فاستحرّ القتل في أهل القرى، وثبت مسيلمة، ودارت رحاهم عليه، فعرف خالدٌ أنَّها لا تركُد إلّا بقتل مسيلمة؛ ولم تحْفل بنو حنيفة بقتل مَن قتل منهم. ثم برز خالد، حتى إذا كان أمام الصّفّ دعا إلى البراز وانتمى، وقال: أنا ابنُ الوليد العوْد، أنا ابن عامر وزيد! ونادى بشعارهم يومئذ، وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه! فجعل لا يبرز له أحدٌ إلا قتله، وهو يرتجز:

стр. 2770

أنَا ابن أشياخ وسَيفي السَّختْ ... أعظمُ شيء حين يأتيك النفتْ ولا يبرزُ له شيء إلا أكله، ودارت رحا المسلمين وطحنت. ثم نادى خالد حين دنا من مُسَيلمة -وكان رسول الله ﷺ قال: إنّ مع مسيلمة شيطانًا لا يعصيه، فإذا اعتراه أزْبَدَ كأنّ شدقيه زبيبتَان لا يهمّ بخير أبدًا إلا صرفه عنه، فإذا رأيتم منه عَوْرة؛ فلا تُقيلوه العَثْرَة -فلمَّا دنا خالدٌ منه طلب تلك، ورآه ثابتًا ورحاهم تدور عليه؛ وعرف: أنَّها لا تزول إلا بزواله، فدعا مسيلمة طلبًا لعورته، فأجابه، فعرض عليه أشياء ممَّا يشتهي مسيلمة، وقال: إن قبلنا النّصف، فأيَّ الإنصاف تعطينا؟ فكان إذا همَّ بجوابه أعرض بوجهه مستشيرًا، فينهاه شيطانه أن يقبلَ، فأعرضَ بوجهه مرّة من ذلك، وركبه خالدٌ فأرهقه فأدبر، وزالوا فذمَرَ خالد النَّاس، وقال: دونكم لا تقيلوهم! وركبوهم فكانت هزيمتهم؛ فقال مسيلمة حين قام، وقد تطاير النَّاس عنه، وقال قائلون: فأين ما كنتَ تَعِدُنا؟ فقال: قاتِلُوا عن أحسابكم، قال: ونادى المحكَّم: يا بني حنيفة! الحديقة الحديقة! ويأتي وحشيٌّ على مسيلمة وهو مُزْبِدٌ متساندٌ لا يعقل من الغيظ، فخرَط عليه حربَته فقتله، واقتحم النَّاس عليهم حديقةَ الموت من حيطانها وأبوابها، فقُتِل في المعركة، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل. (٣: ٢٩٣/ ٢٩٤). ٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هارون، وطلحة، عن عمرو بن شعيب، وابن إسحاق: أنهم لما امتازوا وصبروا، وانحازت بنو حنيفةَ تبِعهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى بلَغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا في قتل مُسيلمةَ عندها، فقال قائلون: فيها قُتل، فدخلوها وأغلقوها عليهم، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البَراء بن مالك، فقال: يا معشَر المسلمين! احملوني على الجِدَار حتى تطرحوني عليه؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعِد فنادى: أنزلوني، ثم قال: احملوني؛ ففعل ذلك مرارًا ثم قال: أفّ لهذا خَشِعًا! ثم قال: احملوني، فلمَّا وضعوه على الحائط اقتحم عليهم، فقاتلهم على الباب حتَّى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا؛ فأغلق الباب عليهم، ثم رمَى بالمفتاح من وراء الجدار، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يرَوْا مثله، وأبيَر من في الحديقة منهم؛ وقد قتل الله مسيلمة، وقالت له بنو حنيفة: أين ما كنت تعدنا! قال: قاتلوا عن أحسابكم! (٣: ٢٩٤).

стр. 2771

٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن هارون وطلحة وابن إسحاق. قالوا: لمّا صرخ الصارخ: أنّ العبد الأسود قتل مسيلمة؛ خرج خالد بمجَّاعة يرسُفُ في الحديد ليُرِيَه مُسيلمة، وأعلام جنده، فأتى على الرجَّال فقال: هذا الرجَّال! (٣: ٢٩٤/ ٢٩٥). ٧٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمَّا فَرَغ المسلمون من مُسيلمة أتي خالد فأخبر، فخرج بمجَّاعة يرسفُ معه في الحديد ليَدلَّه على مُسيلمة، فجعل يكشف له القتلى حتى مرّ بمحكَّم بن الطُفَيل -وكان رجلًا جسيمًا وسيمًا- فلمَّا رآه خالد، قال: هذا صاحبكم. قال: لا، هذا والله خيرٌ منه وأكرم، هذا محكَّم اليمامة. قال: ثمّ مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخَل الحديقة، فقلّب له القتلى؛ فإذا رُوَيجل أصَيفر أخَينس فقال مجَّاعة: هذا صاحبكم، قد فَرَغتم منه، فقال خالد لمجَّاعة: هذا صاحبكم الَّذي فعل بكم ما فعل، قال: قد كان ذلك يا خالد! وإنَّه والله ما جاءك إلّا سَرَعان الناس؛ وإنّ جماهير النَّاس لفي الحصون. فقال: ويلك ما تقول! قال: هو والله الحقّ؛ فهلمّ لأصالحك على قومي. (٣: ٢٩٥). ٧٦ - كتبَ إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضحاك، عن أبيه، قال: كان رجلٌ من بني عامر بن حنيفة يُدْعى الأغلب بن عامر بن حنيفة، وكان أغلظَ أهلِ زمانه عُنُقًا؛ فلمَّا انهزم المشركون يومئذ، وأحاط المسلمون بهم، تَمَاوَتَ، فلمَّا أثبَت المسلمون في القتلى أتى رجلٌ من الأنصار يكنى أبا بَصيرة ومعه نفرٌ عليه، فلمَّا رأوه مُجدَّلًا في القتلَى وهم يحسبونه قتيلًا، قالوا: يا أبا بصيرة! إنَّك تزعم -ولم تزل تزعم-: أنّ سيفك قاطع، فاضرب عنُق هذا الأغلب الميّت، فإنْ قطعته فكلّ شيء كان يبلغنا حقّ، فاخترطه ثمّ مشى إليه ولا يروْنه إلّا ميتًا، فلمَّا دنا منه ثار، فحاضره، واتَّبعه أبو بصيرة، وجعل يقول: أنا أبو بصيرة الأنصاريّ! وجعل الأغلب يتمطَّر ولا يزداد منه إلا بُعْدًا؛ فكلَّما قال ذلك أبو بصيرة، قال الأغلب: كيف ترى عَدْوَ أخيك الكافر! حتى أفلت. (٣: ٢٩٦/ ٢٩٥). ٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لمَّا فرغ خالد من مُسيلمة والجند، قال له عبد الله بن

стр. 2772

عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر: ارتحلْ بنا وبالنَّاس فأنزل على الحصون، فقال: دعاني أبُثّ الخيولَ فألقط مَن ليس في الحصون، ثم أرى رأيي. فبثّ الخيول فَحَووْا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان، فضمّوا هذا إلى العسكر، ونادى بالرّحيل لينزل على الحصون، فقال له مجَّاعة: إنَّه والله ما جاءك إلّا سَرَعان الناس، وإنّ الحصون لمملوءة رجالًا، فهلمّ لك إلى الصُّلح على ما ورائي، فصالحه على كلّ شيء دون النفوس. ثم قال: أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر؛ ثمّ أرجع إليك. فدخل مجَّاعة الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية، ورجال ضعْفى فظَاهَر الحديد على النساء وأمرهنّ أن ينشرن شعورهن، وأن يشرِفْن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهن؛ ثم رجع فأتى خالدًا فقال: قد أبوْا أن يُجيزوا ما صنعتُ، وقد أشرف لك بعضهم نقضًا عليَّ وهم منِّي بُرَآء. فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودّت، وقد نَهَكَت المسلمين الحرب، وطال اللقاء؛ وأحبُّوا أن يرجعوا على الظَّفَر، ولم يدروا ما كان كائنًا لو كانَ فيها رجال وقتال، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصَبة المدينة يومئذ ثلاثمئة وستون. قال سهل: ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلاثمئة من هؤلاء وثلاثمئة من هؤلاء؛ ستمئة أو يزيدون. وقتل ثابت بن قيس يومئذ؛ قتله رجل من المشركين قُطعت رجلُه، فرمى بها قاتله فقتله، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعَقْرَباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت سبعة آلاف؛ وفي الطلب نحْوٌ منها. وقال ضرَارُ بن الأزْوَر في يوم اليمامة: ولو سُئِلِتْ عنَّا جَنُوبُ لأخْبَرَتْ ... عشيَّةَ سالتْ عَقْرَباءُ ومَلْهَمُ وسال بفرْع الوادِ حتى تَرَقْرَقَتْ ... حجارتُه فيها من القوم بالدَّمِ عشيَّةَ لا تُغني الرِّماحُ مكانَها ... ولا النّبْلُ إلَّا المَشْرَفيُّ المُصَمِّمُ فإن تَبْتَغي الكفَّارَ غير مُلِيمَةٍ ... جنُوب، فإنِّي تابعُ الدين مُسْلِمُ أجاهد إذ كان الجهادُ غنيمة ... وَللهُ بالمَرْء المجاهدِ أعلمُ (٣: ٢٩٥/ ٢٩٦ / ٢٩٧). ٧٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: قال مجَّاعة لخالد ما قال إذ قال له: فهلمّ لأصالحك عن قومي لرجل قد نهكتْه الحرب،

стр. 2773

وأصيب معه من أشراف الناس مَنْ أصيب؛ فقد رقّ وأحبّ الدَّعَة والصُّلْح. فقال: هلمّ لأصالحك، فصالحه على الصّفْراء والبَيضاء والحَلْقة ونصف السَّبْي. ثم قال: إنّي آتي القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت. قال: فانطلق إليهم، فقال للنساء: الْبَسْنَ الحديد، ثم أشْرِفنَ على الحصون، ففعلن. ثم رجع إلى خالد، وقد رأى خالدٌ الرِّجال فيما يرى على الحُصُون عليهم الحديد. فلمَّا انتهى إلى خَالد، قال: أبوْا ما صالحتُك عليه، ولكنْ إن شئتَ صنعت لك شيئًا، فعزمتُ على القوم. قال: ما هو؟ قال: تأخذُ منّي رُبْعَ السَّبْي وتَدَعُ ربعًا. قال خالد: قد فعلت، قال: قد صالحتُك، فلمَّا فرغا فتحت الحصون، فإذا ليس فيها إلّا النّساء والصّبيان، فقال خالد لمجَّاعة: ويحك خدعتني! قال: قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت. (٣: ٢٩٧/ ٢٩٨). ٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، قال: قال مجَّاعة يومئذ ثانية: إن شئت أن تقبل مني نِصْفَ السَّبْي، والصَّفْراء، والبيضاء، والحلْقة، والكُراع؛ عزمت، وكتبت الصُّلْحَ بيني وبينك. ففعل خالد ذلك، فصالحه على الصَّفْراء، والبيضاء، والحلْقة، والكُراع، وعلى نصف السبْي، وحائط من كلّ قرية يختاره خالد، ومزرعة يختارها خالدَ، فتقاضَوْا على ذلك، ثم سرّحه، وقال: أنتم بالخيار ثلاثًا؛ والله لئن لم تُتِمُّوا، وتقبلوا؛ لأنهدَنّ إليكم، ثم لا أقبل منكم خَصْلة أبدًا إلّا القتل. فأتاهم مجَّاعة فقال: أمَّا الآن فاقبلوا، فقال سلَمة بن عمير الحنفيّ: لا والله لا نقبل! نبعث إلى أهل القرى، والعبيد، فنقاتل، ولا نقاضي خالدًا، فإنّ الحصون حصينة، والطعام كثير، والشتاء قد حَضر. فقال مجَّاعة: إنَّك امرؤٌ مشؤوم، وغرّك أنّي خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، وهل بقي منكم أحد فيه خيرٌ، أو به دَفْع! وإنَّما أنا بادرَتكم قبل أن يصيبَكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، فخرج مجَّاعة سابع سبعة حتى أتى خالدًا، فقال: بعد شدّ ما رضوا؛ اكتب كتابك، فكتب: هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد بن مجَّاعة بن مرارة، وسلَمة بن عمير، وفلانًا، وفلانًا؛ قاضاهم على الصَّفْراء، والبَيضاء، ونصف السَّبْي، والحلْقة، والكُراع، وحائط من كلّ قرية؛ ومزرعة؛ على أن يُسلموا ثمّ أنتم آمنون بأمان

стр. 2774

الله؛ ولكم ذمَّة خالد بن الوليد وذمَّة أبي بكر خليفة رسولِ الله ﷺ ، وذمّة المسلمين على الوفاء. (٣: ٢٩٨). ٨٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عِكْرمة، عن أبي هُريرة، قال: لمَّا صالح خالد مجاعة؛ صالحَه على الصَّفراء، والبيضاء، والحلْقة، وكلّ حائط رِضَانَا في كلّ ناحية، ونصف المملوكين. فأبوْا ذلك، فقال خالد: أنتَ بالخيار ثلاثةَ أيام، فقال سلَمة بن عُمَير: يا بني حَنِيفة! قاتِلُوا عن أحْسَابكم، ولا تصالحوا على شيء، فإنّ الحصْنَ حصين، والطعام كثير وقد حَضَر الشِّتاء. فقال مجَّاعة: يا بني حَنيفة! أطيعوني واعصُوا سلَمة، فإنَّه رجلٌ مشؤوم قبل أن يصيبَكم ما قال شُرَحبيل بن مسيلمة "قَبْل أن تُسْتَرْدف النساء غَير رضيَّات، وينكَحْن غير خطيبات". فأطاعوه، وعَصَوا سَلمة، وقبلوا قضيته. وقد بعث أبو بكر ﵁ بكتاب إلى خالد مع سَلَمة بن سَلامة بن وقْش، يأمر إن ظفَّره الله أن يقتل مَنْ جرَت عليه المواسي من بني حَنِيفة، فقدِم فوجده قد صالحهم، فوفَى لهم، وتمّ على ما كان منه، وحُشرت بنو حَنيفة إلى البَيعة، والبَراءة ممَّا كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره؛ فلمَّا اجتمعوا قال سلَمة بن عمير لمجَّاعة: استأذن لي على خالد أكلّمْه في حاجة له عندي ونصيحة -وقد أجمع أن يفتك به- فكلَّمه فأذن له، فأقبل سلَمة بن عُمَير، مشتملًا على السيف يريد ما يريد، فقال: مَن هذا المقبل؟ قال مَجَّاعة: هذا الَّذي كلَّمتك فيه، وقد أذنت له، قال: أخرِجُوه عنّي؛ فأخرجوه عنه، ففتشوه فوجدوا معه السيف، فلعنوه، وشتموه، وأوثقوه، وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وأيم الله ما أردت إلا أن تُسْتَأصَل بنو حنيفة، وتسبى الذريّة والنساء! وأيم الله لو أن خالدًا علم أنك حملت السلاح؛ لقتلك! وما نأمنه إن بلغه ذلك أن يقتلك، وأن يقتُل الرجال، ويسبي النّساء بما فعلت؛ ويحسب: أنّ ذلك عن ملأ منَّا. فأوثقوه وجعلوه في الحِصْن؛ وتتابع بنو حنيفة على البَرَاء ممَّا كانوا عليه، وعلى الإسلام، وعاهدهم سَلَمة على ألّا يُحدث حدثًا ويعفوه، فأبوْا ولم يثِقُوا بحُمْقه أن يقبلوا منه عهدًا، فأفلت ليلًا؛ فعمَد إلى عسكر خالد، فصاح به الحرَس، وفزعتْ بنُو حنيفة، فاتَّبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشدّ عليهم بالسيف؛ فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلْقه فقطع أوداجَه، فسقط في بئر فمات. (٣: ٢٩٩/ ٣٠٠).

стр. 2775

٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضحّاك بن يربوع، عن أبيه، قال: صالح خالدٌ بني حنيفة جميعًا إلّا ما كان بالعرْضِ، والقريّة، فإنهم سُبُوا عند انبثاث الغارة، فبعث إلى أبي بكر ممَّن تجرَى عليه القسمُ بالعرْض والقُرَيّة من بني حنيفة، أو قيس بن ثعلبة، أو يشكُر، خمسمئة رأس. (٣: ٣٠٠). ٨٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قال لمجَّاعة: زَوّجني ابنَتك، فقال له مجَّاعة: مهلًا، إنَّك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك. قال: أيها الرّجل، زَوّجْني؛ فزوّجه؛ فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتابًا بقطر الدم: لَعمرِي يا بنَ أمّ خالد! إنك لفارغ تنكح النّساء وبفناء بيتك دَمُ ألف ومئتي رجل من المسلمين لم يجْففْ بعد! قال: فلمَّا نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأعَيسر -يعني: عمر بن الخطاب- وقد بعث خالد بن الوليد وفدًا من بني حَنيفة إلى أبي بكر، فقدمُوا عليه، فقال لهم أبو بكر: وَيحكم! ما هذا الذي استزلّ منكم ما استزل! قالوا: يا خليفة رسول الله! قد كان الَّذي بلغك ممَّا أصابنا كان أمرًا لم يبارك الله له ولا لعشيرته فيه، قال: على ذلك، ما الَّذي دعاكم به! قالوا: كان يقول: "يا ضِفْدَع نقّي نِقّي، لا الشارَب تمنعين، ولا الماء تكدّرين؛ لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض؛ ولكنّ قريشًا قوم يَعْتدون". قال أبو بكر: سبحان الله! ويحكم! إنّ هذا لكلامٌ ما خرج من إلّ ولا برّ، فأين يُذهب بكم؟ ! فلمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليمامة - وكان منزله الذي به التقى الناس أباض؛ واد من أودية اليمامة. ثم تحوّل إلى وادٍ من أوديتها يقال له: الوَبَر، كان منزله بها (١). (٣: ٣٠٠/ ٣٠١).

стр. 2776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2777

ذكر خبر أهل البحرين وردة الخَطم ومَنْ تجمع معه بالبحرين ٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيَّة بن بلال، عن سَهْم بن مِنْجاب، عن مِنْجاب بن راشد، قال: بعث أبو بكر العلاء بن

стр. 2778

الحضرميَّ على قتال أهل الرّدّة بالبحرين؛ فلمّا أقبل إليها؛ فكان بحيال اليمامة، لحِقَ به ثُمامة بن أثال في مُسْلمة بن حنيفة من بني سُحَيم ومن أهل القرى مِن سائر بني حنيفة، وكان متلدّدًا؛ وقد ألحق عكرمة بعُمان ثم مَهْرة، وأمَر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى أن يأتيَه أمرُ أبي بكر، ثم يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الردة من قُضَاعة. فأمَّا عمرو بن العاص فكان يُغاور سعدًا وبليًّا وأمَر هذا بكلْب ولفها، فلمَّا دنا منَّا ونحن في عُلْيا البلادِ لم يكن أحدٌ له فرس من الرِّباب وعمرو بن تميم إلّا جنبَه، ثم استقبله؛ فأمّا بنو حنظلة فإنَّهم قدّموا رِجْلًا وأخَّروا أخرى. وكان مالك بن نُويرة في البُطاح ومعه جُموع يساجلنا ونساجله. وكان وكيع بن مالك في القَرْعاء معه جموع يُساجل عمرًا وعمرو يساجلُه، وأمَّا سعد بن زيد مناة فإنَّهم كانوا فِرْقتين؛ فأمَّا عوف والأبناء فإنَّهم أطاعوا الزّبْرقان بن بدر، فثبتوا على إسلامهم وتمّوا وذَبُّوا عنه؛ وأمَّا المُقاعس والبُطون فإنَّهما أصاخا ولم يتابعا؛ إلّا ما كان من قَيس بن عاصم؛ فإنَّه قسّم الصدقات التي كانت اجتمعت إليه في المقاعس والبطون حين شخص الزّبْرقان بصَدقاتِ عَوْفٍ والأبناء؛ فكانت عوف والأبْناء مشاغيل بالمُقاعس والبطون. فلمَّا رأى قيس بن عاصم ما صنعت الرّباب وعمرو منْ تلقِّي العلاء نَدِم على ما كان فَرَط منه، فتلقَّى العَلاءَ بإعداد ما كان قسم من الصدقات، ونزع عن أمره الَّذي كان همَّ به، واستاق حتى أبلغها إياه، وخرج معه إلى قتال أهل البحرين؛ وقال في ذلك شعرًا كما قال الزبرقان في صَدقته حين أبلغها أبا بكر؛ وكان الذي قال الزبرقان في ذلك: وَفَيتُ بأذْواد الرَّسُول وقد أبتْ ... سُعاةٌ فلمْ يَردُد بعيرًا مُجيرُها معًا ومَنعناها منَ النَّاس كلِّهمُ ... تَرَامَى الأعادي عِنْدَنا ما يضيرُها فأَدَّيتُها كَي لا أخُونَ بذِمتي ... مَحَانيق لم تُدرَسْ لركبٍ ظهورُها أردتُ بها النَّقْوَى ومَجْد حديثها ... إذا عُصْبَة سامَى قبيلي فَخُورُها وإني لَمِنْ حَيّ إذا عُدَّ سَعْيُهم ... يرى الفَخر منها حَيُّها وقُبورها أصاغِرُهم لم يَضْرَعُوا وكِبَارُهم ... رزَان مَرَاسيها، عِفَافٌ صُدُورُها ومن رَهْطِ كنَّادٍ توفَّيتُ ذِمتي ... ولم يثنِ سيفي نَبْحُها وهَريرُها وللهِ مُلْك قد دخلتُ وفارس ... طعنتُ إذا الخيلُ شَدَّ مُغِيرُها ففرَّجْتُ أولاهَا بِنَجْلاءَ ثَرَّةٍ ... بحيث الذي يَرجُو الحياةَ يَضِيرُها ومَشْهَدِ صِدْقٍ قد شهدتُ فلم أكُنْ ... به خامِلًا واليومَ يثنى مَصِيرُها

стр. 2779

أرَى رَهْبَةَ الأعداءِ منِّي جَرَاءَةً ... ويبكي إذا ما النفسُ يُوحى ضميرها وقال قيس عند استقبال العلاء بالصدقة: ألا أَبْلِغا عنِّي قريشًا رسالةً ... إذا ما أتتَها بيِّناتُ الودائعِ حَبَوْتُ بها في الدَّهر أعراضَ مِنْقَرٍ ... وأيأَسْتُ منها كلّ أطْلَس طامعِ وَجَدْتُ أبي والخال كانا بنجوة ... بقاعٍ فلم يحْلُلْ بها مَنْ أدافِعُ فأكرمه العلاءُ، وخرج مع العَلاء بن عمرو وسعد الرّباب مثل عسكره، وسلك بنا الدَّهْناء؛ حتى إذا كنا في بُحْبُوحتها والحَنَّانات والعَزَّافاتُ عن يمينه وشماله، وأراد الله أن يرينا آياته نزَل وأمر الناس بالنّزول، فنَفرت الإبل في جُوْف الليل؛ فَمَا بَقِيَ عندنا بعير ولا زادٌ ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزل الناس، وقبل أن يحطُّوا؛ فما علمت جمعًا هجم عليهم من الغَمّ ما هجم علينا وأوصَى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العَلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلامُ ونحن إن بلغنا غدًا لم تحْمَ شمسُه حتى نصير حديثًا! فقال: أيّها الناس؛ لا تُراعوا، ألَسْتم مسلمين! ألستم في سبيل الله! ألستم أنصار الله! قالوا: بلى، قال: فأبشروا؛ فوالله لا يَخْذُل الله من كان في مثل حالكم! ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلَع الفجر فصلَّى بنا، ومنَّا المتيمِّم، ومنَّا من لم يزل على طَهُوره؛ فلمَّا قضى صلاته جثا لرُكْبَتَيه وجَثَا النَّاس، فنصب في الدّعاء ونصبوا معه؛ فلمع لهم سرابُ الشمس؛ فالتفت إلى الصّفّ، فقال: رائد ينظر ما هذا؟ ففعل ثم رجع، فقال: سراب، فأقبل على الدّعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلْنا عليه، فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النَّهار حتى أقبلت الإبل تكْرَد من كلّ وجه، فأناخت إلينا، فقام كلّ رجل إلى ظهره، فأخذه، فما فقدنا سِلْكًا فأرويناها وأسقيناها العَلَل بعد النّهَلِ؛ وتَرَوّينا ثم تروّحنا -وكان أبو هريرة رفيقي- فلمّا غِبْنَا عن ذلك المكان، قال لي: كيف علمُك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد قال: فكن معي حتى تقيمني عليه، فكررتُ به، فأتيت به على ذلك المكان بعينه؛ فإذا هو لا غديرَ به، ولا أثر للماء، فقلت له: والله لولا أنّي لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان؛

стр. 2780

وما رأيت بهذا المكان ماءً ناقعًا قبل اليوم؛ وإذا إداوة مملوءة، فقال: يا أبا سهم! هذا والله المكان؛ ولهذا رجعت ورجعت بك. وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفيره، فقلت: إن كانَ منًّا من المنّ وكانت آية عرفتها؛ وإن كان غياثًا عرفته؛ فإذا منّ من المَن، فحَمِد الله، ثم سِرْنا حتى ننزل هَجَر. قال: فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضمّا في عبد القيس حتى تنزلا على الحطَم ممَّا يليكما؛ وخرج هوفيمَن جاء معه وفيمَن قدم عليه؛ حتى ينزل عليه ممَّا يلي هَجَر، وتجمَّع المشركون كلُّهم إلى الحُطَم إلّا أهل دارين، وتجمَّع المسلمون كلّهم إلى العَلاء بن الحضرميّ، وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خَنْدقهم؛ فكانوا كذلك شهرًا؛ فبينَا الناس ليلةً إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة؛ كأنها ضوضاءُ هزيمة أو قتال، فقال العلاء: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله بن حَذَف: أنا آتيكم بخبر القوم -وكانت أمّه عِجْليَّة- فخرج حتى إذا دنا من خَندقهم أخذوه، فقالوا له: مَن أنت؟ فانتسب لهم، وجعل ينادي: يا أبْجَراه! فجاء أبجر بن بُجَير، فعرفه فقال: ما شأنُك؟ فقال: لا أضيعنَّ الليلة بين اللَّهازم! عَلام أقتَل وحولي عساكر من عِجْل وتيم الَّلات وقيس وعَنَزَة! أيتلاعب بي الحُطم ونُزاع القبائل وأنتم شهود! فتخلَّصه، وقال: والله إنِّي لأظنَّك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة! فقال: دَعْنِي من هذا وأطعمْني؛ فإني قد متُّ جوعًا. فقرّب له طعامًا؛ فأكل ثمّ قال: زوّدني واحمِلْني وجَوّزني أنطلق إلى طيَّتي. ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب، ففعل وحَمَله على بعير، وزوّده وجَوّزه؛ وخرج عبد الله بن حَذَف حتى دخل عسكرَ المسلمين، فأخبرهم أنّ القوم سُكارى، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكَرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا، واقتحموا الخندق هُرّابًا، فمتردٍّ، وناجٍ، ودهِش، ومقتول أو مأسور، واستولَى المسلمون على ما في العسكر؛ لم يفلِت رجل إلّا بما عليه؛ فأما أبجر فأفلتَ، وأمَّا الحُطَم فإنَّه بَعِل ودُهِش، وطار فؤاده؛ فقام إلى فرسه -والمسلمون خلالهم يجُوسُونهم- ليركَبه؛ فلمَّا وضع رجلَه في الرّكاب انقطَع به، فمرّ به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، والحُطم يستغيث ويقول: ألا رجلٌ مِنْ بني قيس بن ثعلبة يَعْقلني! فرفع صوته، فعرف صوته، فقال: أبو ضُبَيعة! قال: نعم، قال: أعطني رِجْلك أعقلْك، فأعطاه رِجْله يعقلُه،

стр. 2781

فنفَحَها فأطنَّها من الفَخذ، وتركه، فقال: أجهز عليّ، فقال: إني أحبّ ألا تموت حتى أمضَّك. -وكان مع عَفيف عدّة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ- وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحدٌ من المسلمين إلّا قال: هل لك في الحُطَم أن تقتله؟ ويقول: ذاك لمن لا يعرفه، حتى مرّ به قيس بن عاصم، فقال له ذلك، فمال عليه فقتله، فلمَّا رأى فخذَه نادرةً، قال: واسوأتاه! لو علمت الَّذي به لم أحرّكه؛ وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم، فاتَّبعوهم، فلحق قيس بن عاصم أبجر -وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس- فلمَّا خشيَ أن يفوتَه طعنه في العُرقوب فقطع العَصَب، وسَلِم النَّسَا؛ فكانت رادّة، وقال عُفيف بن المنذر: فإنْ يرقَأ العرقوبُ لا يرْقأ النّسَا ... وما كُلُّ مَنْ يهْوى بذلك عالِمُ ألم ترَ أنَّا قد فَللْنا حُمَاتَهمْ ... بأسْرَةِ عمرو والرِّبابِ الأكارِمِ وأسرَ عفيف بن المنذر الغَرور بن سويد، فكلّمتْه الرّباب فيه، وكان أبوه ابن أخت التَّيْم، وسألوه أن يُجيره، فقال للعلاء: إني قد أجَرْت هذا، قال: ومَنْ هذا؟ قال: الغَرُور، قال: أنت غررت هؤلاء، قال: أيّها الملك، إني لستُ بالغَرور؛ ولكني المغرور، قال: أسْلِمْ، فأسلم، وبقي بهجَر، وكان اسمه الغَرور، وليس بلَقب؛ وقتل عفيف المنذر بن سويد بن المنذر، أخا الغرور لأمِّه، وأصبح العَلاء فقسّم الأنفال، ونفَّل رجالًا من أهل البلاء ثيابًا، فكان فيمن نفَّل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال؛ فأمّا ثمامة فنُفِّل ثيابًا فيها خميصة ذات أعلام، كان الحُطم يُباهي فيها، وباع الثياب. وقصد عُظْمُ الفُلّال لدارين، فركبوا فيها السفن، ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم؛ فكتب العلاء بن الحضرميّ إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم، وأرسل إلى عُتَيبة بن النَّهَّاس وإلى عامر بن عبد الأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردّة بكلّ سبيل، وأمر مسْمَعًا بمبادرتهم، وأرسل إلى خَصَفة التميميّ والمثنَّى بن حارثة الشيبانيّ، فأقاموا لأولئك بالطريق، فمنهم مَنْ أناب، فقبلوا منه واشتملوا عليه؛ ومنهم مَنْ أبي ولَجّ فمنع من الرجوع، فرجعوا عَوْدَهم على بدئهم؛ حتى عَبَرُوا إلى دارين، فجمعهم الله بها، وقال في ذلك رجل من بني ضُبيعة بن عجل، يدْعَى وهبًا، يعيّر مَن ارتدّ من بكر بن وائل:

стр. 2782

أَلم تَرَ أنَّ الله يَسْبِكُ خَلْقَه ... فيَخْبُثَ أقوامٌ ويَصفُوَ مَعْشَرُ لَحَى اللهُ أقوامًا أُصيبوا بخَنْعَةٍ ... أصابَهُمُ زيدُ الضَّلالِ ومَعْمَرُ! ولم يزل العَلاءُ مقيمًا في عسكر المشركين حتى رجعت إليه الكتب من عند مَنْ كان كتب إليه من بكْر بن وائل، وبلَغه عنهم القيام بأمر الله، والغضبُ لدينه، فلمَّا جاءه عنهم من ذلك ما كان يشتهي؛ أيقن أنه لن يؤتَى من خلفه بشيء يكرهه على أحد من أهل البحرين، وندَب النَّاس إلى دارين، ثم جمعهم فخطبهم، وقال: إنّ الله قد جمع لكم أحزابَ الشياطين وسُرَّدَ الحرب في هذا البحر؛ وقد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم، ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ الله قد جَمعهم، فقالوا: نفعل ولا نهاب والله بعدَ الدَّهناء هَوْلًا ما بقينا. فارتحل وارتحلوا، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصَّاهل، والجامل، والشاحج والنَّاهق؛ والراكبُ والراجل، ودعا ودعوْا؛ وكان دعاؤه ودعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحَد، يا صَمَد يا حيّ يا مُحيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا! فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعًا يمشون على مثل رَمْلة مَيثاءَ، فوقها ماء يغمُر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسُفُن البحر في بعض الحالات، فالتقوْا بها، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فما تركوا بها مُخْبِرًا وسبوا الذراريّ، واستاقوا الأموال؛ فبلغ نَفَل الفارس ستَّة آلاف، والراجل ألفين، قطعوا ليلهم وساروا يومَهم؛ فلمَّا فرغوا رجعوا عَوْدَهم على بدئهم حتى عَبَروا، وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر: ألم تَرَ أن الله ذَلَّلَ بَحْرَه ... وأنزل بالكُفَار إحدَى الجلائلِ! دَعَوْنا الَّذي شقَّ البحارَ فجاءنا ... بأعجب من فَلْقِ البحار الأوائلِ ولمَّا رجع العلاء إلى البحْرين، وضرب الإسلام فيها بجِرَانِه، وعزّ الإسلامُ وأهله، وذلّ الشرْك وأهلُه؛ أقبل الَّذين في قلوبهم ما فيها على الإرجاف، فأرجف مُرْجِفُون، وقالوا: ها ذاك مَفْرُوق، قد جمع رهطه. شيبان وتغلب والنمر، فقال لهم أقوام من المسلمين: إذًا تشغَلهم عنا اللَّهَازِم -واللَّهَازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا- وقال عبد الله بن حَذَف في ذلك:

стр. 2783

لا تُوعدونا بمفرُوق وأسْرتِهِ ... إنْ يأتِنا يَلْقَ فينا سنّة الحُطَمِ وإنّ ذَا الحيَّ من بَكرٍ وإنْ كثروا ... لأُمَّةٌ داخلون النارَ في أممِ فالنّخلُ ظاهره خَيلٌ وباطنه ... خيلٌ تَكَدَّسُ بالفِتيان في النِّعمِ وأقفل العلاء بن الحضرميّ الناس، فرجع النَّاس إلّا مَن أحبّ المقام، فقفلنا وقَفَل ثُمامة بن أثال؛ حتى إذا كنَّا على ماء لبني قَيس بن ثعلبة؛ فرأوا ثمامة، ورأوا خَميصة الحُطَم عليه دسُّوا له رجلًا، وقالوا: سله عنها كيف صارت له؟ وعن الحطم: أهو قتله أو غيره؟ فأتاه، فسأله عنها، فقال: نُفلْتُها. قال: أأنت قتلت الحُطَم؟ قال: لا، ولوددت أني كنت قتلته، قال: فما بال هذه الخميصة معك؟ قال: ألم أخبرك! فرجع إليهم فأخبرهم، فتجمَّعوا له، ثم أتوه فاحْتَوَشُوه؛ فقال: ما لكم؟ قالوا: أنت قاتل الحُطَم؟ قال: كذبتم، لستُ بقاتِله ولكني نفَلتها، قالوا: هل ينفَّل إلّا القاتل! قال: إنها لم تكن عليه، إنما وُجِدَتْ في رَحْله، قالوا: كذبت. فأصابوه. قال: وكان مع المسلمين راهبٌ في هَجَر؛ فأسلم يومئذ فقيل: ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني الله بعدَها إن أنا لم أفعل: فَيضٌ في الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودعاءٌ سمعته في عسكرهم في الهواء من السَّحَر. قالوا: وما هو؟ قال: اللهمّ أنتَ الرّحمن الرّحيم؟ لا إله غيرُك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يُرَى وما لا يُرَى، وكلّ يوم أنت في شأن، وعَلِمتَ اللهمّ كلّ شيء بغير تَعَلُّم؛ فعلمت أنّ القوم لم يُعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله. فلقد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يسمعون من ذلك الهَجَريّ بعد. وكتب العلاء إلى أبي بكر: أما بعدُ: فإنّ الله ﵎ فَجَّر لنا الدَّهناءَ فيضًا لا تُرَى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غمّ وكرب، لنحمد الله ونمجّده، فادعُ الله واستنصرْه لجنوده وأعوان دينه. فحمد أبو بكر الله ودعاه، وقال: ما زالت العرب فيما تحدّث عن بلدانها يقولون: إنّ لقمان حين سُئِل عن الدّهناء: أيحتقرونها أو يَدَعونها؟ نهاهم، وقال: لا تبلغها الأرْشِيَة، ولم تقرّ العيون؛ وإن شأن هذا الفَيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمَّة قبلها. اللهمّ أخلف محمدًا ﷺ فينا.

стр. 2784

ثم كتب إليه العلاءُ بهزيمة أهل الخندق وقتْل الحطم، قتله زيد ومعمر: أمَّا بعد: فإن الله تبارك اسمه سلَب عدوَّنا عقولهم، وأذهب ريحَهم بشراب أصابوه من النَّهار، فاقتحمنا عليهم خندقَهم، فوجدناهم سُكارى، فقتلناهم إلّا الشريد، وقد قتل الله الحُطَم. فكتب إليه أبو بكر: أمَّا بعد، فإنْ بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمامٌ على ما بلغك، وخاض فيه المُرْجفون؛ فابعث إليهم جندًا فأوطئهم وشَرّد بهم من خلفهم. فلم يجتمعوا؛ ولم يصرْ ذلك من إرجافهم إلى شيء (١). (٣: ٣٠٤/ ٣٠٥/ ٣٠٦/ ٣٠٧/ ٣٠٨/ ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١/ ٣١٢/ ٣١٣ /٣١٤). ذكر الخبر عن ردَّة أهل عُمان ومَهْرة واليمن ٨٣ - قال أبو جعفر: وقد اختُلف في تاريخِ حَرْب المسلمين، فقال محمد ابن إسحاق -فيما حدثنا ابنُ حميد، عن سلَمة عنه-: كان فتحُ اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشَّام في سنة اثنتي عشرة (٢). (٣: ٣١٣). ٨٤ - وأمَّا أبو زيد فحدّثني عن أبي الحسن المدائني في خبر ذكره، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جُعْدُبَة وأبي عبيدة بن محمد بن أبي عُبَيدة وغسان بن عبد الحميد وجُوَيْرية بن أسماء، بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من عُلماء أهل الشام وأهل العِرَاق: أنّ الفتوح في أهل الرّدّة كُلَّهَا كانت لخالد بن الوليد وغيره في سنة إحدى عشرة، إلّا أمر ربيعة بن بُجَيْر؛ فإنَّه كان في سنة ثلاث عشرة. وقصّة ربيعة بن بجير التغلبيّ: أنّ خالد بن الوليد -فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه- بالمُصَيّخٍ والحَصِيد، قام وهو في جَمْع من المرتدّين فقاتله، وغَنِم وسَبَى، وأصاب ابنة لربيعة بن بُجَير، فسباها وبعث بالسَّبي إلى أبي بكر ﵀، فصارت ابنة ربيعة إلى عليّ بن أبي طالب ﵇ (٣). (٣: ٣١٣/ ٣١٤).

стр. 2785

٨٥ - فأمَّا أمْر عُمان فإنَّه كان - فيما كتب إليَّ السريّ بن يحيى يخبرني عن شُعيب، عن سَيْف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسيّ عن ابن مُحَيْريز، قال: نبغ بعمان ذو التَّاج لَقيط بن مالك الأزديّ، وكان يسامي في الجاهليَّة الجُلَنْدَى؛ وادَّعى بمثل ما ادّعى به مَنْ كان نبيًّا ,غلب على عُمَان مرتدًّا، وألجأ جَيْفَرًا وعبّادًا إلى الأجبال والبحر؛ فبعث جَيْفر إلى أبي بكر يخبره بذلك، ويستجيشه عليه. فبعث أبو بكر الصّدّيق حُذَيفة بن محصن الغَلْفانيّ من حمير، وعَرْفجةَ البارقيّ من الأزد؛ حذيفة إلى عُمَان وعرفجة إلى مَهْرة. وأمرهما إذا اتَّفقا أن يجتمعا على مَن بُعثا إليه، وأن يبتدئا بعُمان، وحُذيفة على عَرْفجة في وجْهِه، وعَرْفَجة على حذيفة في وجهه. فخرجا متساندين، وأمرهما أن يُجدَّا السَّيْرَ حتى يقدَما عُمان؛ فإذا كان منها قريبًا كاتَبا جَيْفَرًا وعبّادًا؛ وعملا برأيهما. فمضيا لما أمرا به؛ وقد كان أبو بكر بعث عِكْرمة إلى مُسَيْلمة باليمامة، وأتبعه شُرحبيل بن حَسَنة، وسمَّى لهما اليَمامة؛ وأمرِهما بما أمر به حُذيفة وعَرْفجة. فبادر عِكرمة شُرَحْبيل، وطلب حُظْوَةَ الظَّفرَ، فنكبه مُسَيْلمة؛ فأحجم عن مُسيلمة، وكتب إلى أبي بكر بالخَبر، وأقام شُرَحبيل عليه حيث بلغه الخبَر، وكتب أبو بكر إلى شُرَحْبيل بن حَسَنة؛ أن أقم بأدنى اليَمامة حتى يأتيَك أمري، وتَرَك أن يُمْضيَه لوجهه الذي وجَّهه له؛ وكتب إلى عكْرِمة يُعَنِّفه لتسرُّعه، ويقول: لا أرَينّك ولا أسمعنّ بك إلّا بعد بلاء، والحقْ بعُمَان حتى تقاتل أهلَ عُمان، وتُعين حُذيفة وعَرْفجة، وكلّ واحد منكم على خَيْله، وحذيفة ما دُمتم في عمله على النَّاس، فإذا فرغتم فامضِ إلى مَهْرة، ثم ليكُنْ وجهُك منها إلى اليَمن؛ حتى تُلاقيَ المهاجر بن أبي أمية باليمن وبحضرموت، وأوطئ مَنْ بين عمان واليمن ممنْ ارتدّ؛ وَلْيَبْلُغني بلاؤك. فمضى عِكْرمة في أثَرِ عَرْفجة وحُذيفة فيمَن كان معه حتَّى لحق بهما قبل أن ينتهيَا إلى عُمان، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ في السَّيْر معه أو المقام بعُمان، فلمَّا تلاحقوا -وكانوا قريبًا من عُمَان بمكان يُدعى رجَامًا- راسلوا جَيْفَرًا وعَبَّادًا وبلغ لَقيطًا مجيء الجيش، فجمع جموعه وعسكر بدَبَا، وخرج جَيْفر وعبَّاد من موضعهما الَّذي كانا فيه، فعسكرا بصُحَار، وبعثا إلى حُذَيفة وعَرْفجة وعِكْرمة في القدوم عليهما، فقدموا عليهما بصُحَار، فاستبرؤوا

стр. 2786

ما يليهم حتى رضُوا ممّن يليهم؛ وكاتبوا رؤساءَ مع لقيط وبدؤوا بسيد بني جُدَيْد، فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضُوا عنه؛ ونهَدوا إلى لَقيط، فالتقوْا على دَبَا، وقد جمع لقيط العِيَالات، فجعلهم وراء صفوفهم ليُجَرّبهم؛ وليحافظوا على حُرَمِهم -ودَبَا هي المِصْر والسوق العظمى- فاقتتلوا بِدَبَا قتالًا شديدًا؛ وكاد لَقيط يستعلي النَّاس؛ فبينا هم كذلك، وقد رأى المسلمون الخَلَل ورأى المشركون الظَّفَر، جاءت المسلمين موادُّهم العُظْمى من بني ناجية؛ وعليهم الخِرّيتُ بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سَيْحان بن صُوحان، وشواذب عُمان من بني ناجية وعبد القيس، فقوَّى الله بهم أهلَ الإسلام، ووهَّن الله بهم أهل الشِّرْك؛ فولَّى المشركون الأدبار، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسَبَوُا الذّراريّ، وقسموا الأموال على المسلمين، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عَرْفجة، ورأى عِكْرمة وحذيفة أن يقيم حُذيفة بعُمان حتى يوطئ الأمور، ويُسكِّن الناس؛ وكان الخمس ثمانمئة رأس، وغنموا السوق بحذافيرها. فسار عرفجة إلى أبي بكر بخُمس السَّبْي والمغانم، وأقام حُذَيفة لتسكين النَّاس، ودعا القبائل حَوْلَ عُمان إلى سكون ما أفاء الله على المسلمين، وشواذب عُمان، ومضى عِكْرمة في الناس، وبدأ بمهْرة، وقال في ذلك عَبَّاد الناجيّ: لَعَمْري لقد لاقَى لَقيطَ بنَ مالكٍ ... من الشَّرِّ ما أخَزى وجوهَ الثّعالِب وبادَى أبا بكرٍ ومن هَلَّ فارتَمى ... خليجَانِ مِنْ تَيّارِهِ المُتَرَاكب ولم تَنْهَهُ الأولى ولم يُنكأ العِدا ... فألوَتْ عليه خَيْلُه بالجَنائبِ (١) (٣١٤: ٣/ ٣١٥/ ٣١٦). ذكر خبر مَهْرَة بالنّجد ٨٦ - ولمَّا فَرغ عِكْرِمة وعَرْفجة وحُذَيفة من رِدّة عُمان، خرج عِكْرمة في جنده نحو مَهْرة، واستنصر من حول عُمان وأهل عُمان، وسار حتى يأتي مَهْرة، ومعه ممَّن استنصره من ناجية والأزْد وعبد القيس وراسب وسَعْد من بني تميم بشر؛

стр. 2787

حتى اقتحم على مَهْرة بلادَها، فوافق بها جمعَيْن من مَهْرة: أمَّا أحدُهما فبمكان من أرض مَهْرة يقال له: جَيْرُوت، وقد امتلأ ذلك الحَيّز إلى نَضَدُون -قاعَيْن من قيعان مَهْرة- عليهم شخريت، رجل من بني شخراة؛ وأمَّا الآخر فبالنَّجد؛ وقد انقادت مَهْرة جميعًا لصاحب هذا الجمْع؛ عليهم المُصَبَّح؛ أحد بني مُحَارب والنَّاس كلُّهم معه؛ إلّا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين؛ كلّ واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه، وكلّ واحد من الجُنْدين يشتهي أن يكون الفُلْج لرئيسهم؛ وكان ذلك ممَّا أعان الله به المسلمين وقوَّاهم على عدوّهم؛ ووهّنهم. ولما رأى عِكْرِمة قلةَ مَنْ مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام؛ فكان لأوّل الدعاء، فأجابه ووهَّن الله بذلك المصبَّح. ثم أرسل إلى المصبَّح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر؛ فاغترَّ بكثرة مَن معه، وازداد مباعدةً لمكان شخريت، فسار إليه عكْرِمة، وسار معه شخريت، فالتقوْا هم والمصبّح بالنَّجد؛ فاقتتلوا أشدّ من قتال دَبَا. ثمَّ إنّ الله كشفَ جنودَ المرتدّين، وقتل رئيسَهم، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاؤوا، وأصابوا ما شاؤوا، وأصابوا فيما أصابوا ألْفي نَجِيبة، فخمَّس عِكْرمة الفيء، فبعثَ بالأخماس مع شخريت إلى أبي بكر، وقسّم الأربعة الأخماس على المسلمين، وازداد عِكْرِمة وجنده قوّةً بالظَّهر والمَتَاع والأداة، وأقام عِكْرِمة حتَّى جمعهم على الذي يحبّ، وجمع أهل النَّجد؛ أهل رياض الروضة، وأهل الساحل؛ وأهل الجزائر؛ وأهل المُرّ واللّبان وأهل جيْروت، وظهور الشحْر والصَّبَرات، وينعب، وذات الخيم؛ فبايعوا على الإسلام، فكتب بذلك مع البشير -وهو السائب أحد بني عابد من مخزوم- فقدم على أبي بكر بالفَتْح، وقدم شخريت بعده بالأخماس، وقال في ذلك عُلْجُوم المحاربيّ: جزى الله شخريتًا وأفناءَ هَيْشَمٍ ... وفِرْضِمَ إذْ سارت إلينا الحلائبُ جزَاء مُسِيء لَمْ يُرَاقِب لذِمَّة ... ولم يَرجُها فيما يُرَجّي الأقاربُ أعِكْرِمَ لولا جَمْع قومي وفِعلُهم ... لضاقَتْ عليك بالفَضَاء المذاهب

стр. 2788

وكنّا كمن اقتاد كفًّا بأخْتها ... وحلَّت علينا في الدُّهور النوائبُ (١) (٣: ٣١٦/ ٣١٧ / ٣١٨). ذكر خبر المرتدّين باليمن ٨٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة وسهل، عن القاسم بن محمّد، قال: توفِّيَ رسولُ الله ﷺ وعلى مكَّة وأرضها عَتَّاب بن أسيد والطَّاهر بن أبي هالة؛ عتَّاب على بني كنانة، والطَّاهر على عكّ؛ وذلك أنّ النبيّ ﷺ قال: اجعلوا عمالة عكّ في بني أبيها مَعَدّ بن عدنان، وعلى الطَّائف وأرضها عُثمان بن أبي العاص ومالك بن عوف النّصريّ؛ عثمان على أهل المدَر ومالك على أهل الوَبر أعجازِ هوازن، وعلى نجران وأرضها عَمْرو بن حزم وأبو سفيان بن حَرْب؛ عمرو بن حزم على الصّلاة وأبو سفيان بن حرب على الصَّدقَات، وعلى ما بين رمَع وزَبيد إلى حدّ نَجْران خالد بن سعيد بن العاص، وعلى هَمْدان كلّها عامر بن شَهْر، وعلى صنعاء فيروز الدَّيلميّ يسانده داذوَيْه وقيس بن المكْشُوح، وعلى الجند يعلَى بن أميَّة، وعلى مأرب أبو موسى الأشعريّ، وعلى الأشعريين مع عكّ الطَّاهر بن أبي هالة، ومُعاذ بن جبل يعلّم القوم، يتنقّل في عَمَل كلّ عامل، فنزا بهم الأسْود في حياة النبيّ ﷺ ,فحارَبَه النبيّ ﵇ بالرُّسل والكتب حتى قتله الله، وعاد أمر النبيّ ﵇ كما كان قبل وفاة النبيّ ﵇ بليلة؛ إلّا أنّ مجيئهم لم يحرّك النَّاس، والنَّاس مستعدّون له. فلمّا بلغهم موتُ النبيّ ﷺ انتقضت اليمن والبلدان؛ وقد كانت تذبذبَتْ خيولُ العَنْسيّ -فيما بين نَجْران إلى صَنْعَاء في عرض ذلك البحر- لا تأوي إلى أحد، ولا يأوي إليها أحدٌ؛ فعمرو بن معد يكرب بحيال فَرْوة بن مُسَيك، ومعاوية بن أنس في فَالَّة العَنْسيّ يتردّد؛ ولم يرجع من عمال النبي ﷺ بعد وفاة النبيّ ﷺ إلّا عمرو بن حَزْم وخالد بن سعيد، ولجأ سائر العمَّال إلى المسلمين؛ واعترض عمرو بن معد يكرب خالدَ بن سعيد، فسلَبه الصَّمصامة. ورجعت الرُّسل مع مَن رجع بالخبر، فرجع جرير بن عبد الله، والأقرع بن عبد الله، وَوَبر بن يُحَنَّس،

стр. 2789

فحارب أبو بكر المرتدّة جميعًا بالرسل والكتب، كما كان رسولُ الله ﷺ حاربهم؛ إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشَّأم، وحزْر ذلك ثلاثة أشهر، إلّا ما كان من أهل ذي حُمى وذي القَصّة. ثم كان أوّل مصادم عند رجوع أسامة هم. فخرَج إلى الأبرَق فلم يصمُد لقوم فيفلّهم إلا استنفر مَنْ لم يرتدّ منهم إلى آخرين، فيفلّ بطائفة من المهاجرين والأنصار والمستنفرة ممن لم يرتدّ إلى الّتي تليهم؛ حتى فَرَغ من آخر أمور النّاس، ولا يستعين بالمرتدّين. فكان أوّل مَنْ كتب إليه عتَّاب بن أسِيد، كتب إليه بركوب من ارتدّ من أهلِ عمله بمَن ثبت على الإسلام، وعثمان بن أبي العاص بركوب من ارتدّ من أهل عَمَلِه بمن ثبتَ على الإسلام، فأما عتَّاب فإنَّه بعث خالد بن أسيد إلى أهل تهامة، وقد تجمَّعت بها جُمَّاعٌ من مُدْلج، وتأشَّب إليهم شُذّاذٌ من خُزَاعة وأفْنَاء كنانة، عليهم جُندَب بن سُلْمَى، أحد بني شَنوق، من بني مُدْلج، ولم يكن في عملِ عتَّاب جمعٌ غيره، فالتقوا بالأبارق، ففرّقهم وقَتلهم، واستحرَّ القتل في بني شَنُوق، فما زالوا أذلّاء قليلًا، وبرئت عمالة عتَّاب، وأفلت جندب، فقال جندب في ذلك: ندمتُ وأيقنت الغَدَاة بأنَّنِي ... أَتيْتُ الَّتي يَبقى على المَرْءِ عارُها شهدتُ بأنَّ اللهَ لا شيءَ غيرُه ... بني مُدْلج فاللهُ رَبِّي وجارُها وبعث عثمان بن أبي العاص بعثًا إلى شَنوءة، وقد تجمَّعت بها جُمَّاع من الأزْد، وبَجيلة، وخَثْعَم؛ عليهم حُمَيْضة بن النُّعمان، وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعة، فالتقوْا بشنوءة، فهزموا تلك الجُمَّاعَ، وتفرّقوا عن حُمَيضة وهرب حُمَيضة في البلاد، فقال في ذلك عثمان بن ربيعة: فضضنا جَمْعهم والنَقْعُ كابٍ ... وقد تُعْدِي على الغَدْرِ الفُتُوقُ وَأَبْرَقَ بارقٌ لمَّا التقينا ... فعادت خُلَّبًا تلك البروقُ (١) (٣: ٣١٨/ ٣٢٠/٣١٩). خبر الأخابِث من عكّ ٨٨ - قال أبو جعفر: وكان أول منتقض بعد النبيّ ﷺ بتهامة عكّ

стр. 2790

والأشْعرون، وذلك أنَّهم حين بلَغهم موتُ النبيّ ﷺ تجمَّع منهم طَخارير، فأقبل إليهم طَخاريرُ من الأشعرين وخَضَّم فانضمُّوا إليهم، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل، وتأشَّب إليهم أوزاعٌ على غير رئيس؛ فكتب بذلك الطاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر؛ وسار إليهم، وكتب أيضًا بمسيره إليهم، ومعه مَسْرُوق العكِّيّ حتى انتهى إلى تلك الأوزاع، على الأعلاب، فالتقوْا فاقتتلوا، فهزمهم الله، وقتلوهم كلّ قِتْلةٍ؛ وأنْتَنَتِ السُّبل لقتلهم؛ وكان مقتلُهم فتحًا عظيمًا. وأجاب أبو بكر الطَّاهر قبل أن يأتيَه كتابه بالفتح: بلغني كتابك تخبرني فيه مسيرَك واستنفارَك مسروقًا وقومَه إلى الأخابث بالأعلاب، فقد أصَبْتَ، فعاجِلوا هذا الضَّرْب ولا تُرَفِّهوا عنْهم، وأقيموا بالأعلاب حتي يأمَن طريق الأخابث، ويأتيَكم أمرِي. فسمِّيَتْ تلك الجموع من عكّ ومَنْ تأشَّب إليهم إلى اليوم الأخابث، وسُمَي ذلك الطريق طريقَ الأخابِث؛ وقال في ذلك الطاهر بن أبي هالة: وواللهِ لوْلا اللهُ لا شيء غيْرُه ... لمَا فُضَّ بالأجراع جَمْعُ العثاعِث فلم تَر عيني مِثْلَ يوم رأيتُه ... بجَنْب صُحَارٍ في جموع الأخابِث قَتَلْنَاهُمُ ما بين قُنّةِ خَامِرٍ ... إلى القِيعَة الحمراء ذات النبَائِثِ وفِئنَا بأموالِ الأخابث عَنْوَةً ... جِهارًا ولم نَحْفِلْ بتلك الهثاهِث وعسكر طاهر على طريق الأخابث، ومعه مسروق في عكّ ينتظر أمرَ أبي بكر ﵀ (١). (٣: ٣٢٠/ ٣٢١). ٨٩ - قال أبو جعفر: ولما بلغ أهلَ نَجْران وفاةُ رسولِ الله ﷺ وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل، من بني الأفْعى؛ الأمَّةِ الَّتي كانوا بها قبل بني الحارث؛ بعثوا وفدًا ليجدّدوا عهدًا، فقدموا إليه فكتب لهم كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من عبد الله أبي بكر خليفةِ رسولِ الله ﷺ لأهل نَجْران، أجارهم من جُنْده ونفسه، وأجاز لهم ذمَّة محمَّد ﷺ إلّا ما رجع عنه محمد رسول الله ﷺ بأمر الله في أرضهم وأرض العرب؛ ألّا يسكن بها دينان؛ أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم

стр. 2791

وعاديتهم، وغائبهم وشاهدهم، وأسقُفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت؛ وعلى ما ملكَت أيديهم من قليل أو كثير؛ عليهم ما عليهم، فإذا أدَّوْه فلا يُحْشرون ولا يُعَشَّرُون. ولا يغيَّر أسقفٌّ من أسقفيّتِه، ولا راهبٌ من رَهْبانيَّته؛ ووفّى لهم بكلّ ما كتَب لهم رسولُ الله ﷺ وعلى ما في هذا الكتاب من ذمَّة محمد رسول الله ﷺ وجوار المسلمين. وعليهم النُّصْح والإصلاح فيما عليهم من الحقّ. شهد المِسْور بن عمرو، وعمرو مولى أبي بكر. وردّ أبو بكر جريرَ بن عبد الله، وأمَره أن يدعوَ من قومه مَن ثبت على أمر الله، ثم يستنفر مُقوِيَهم، فيقاتل بهم مَن ولَّى عن أمر الله، وأمره أن يأتي خَثْعَم؛ فيقاتل مَن خرج غَضَبًا لذي الخَلَصة؛ ومَن أراد إعادته حتى يقتلَهم الله، ويقتلَ من شاركهم فيه؛ ثم يكون وجهه إلى نجْران، فيقيم بها حتى يأتيَه أمرُه. فخرج جريرٌ فنفذ لما أمره به أبو بكر، فلم يقرّ له أحدٌ إلا رجالٌ في عدّةٍ قليلة، فقتلهم وتتبَّعهم؛ ثمَّ كان وجهه إلى نَجْران، فأقام بها انتظارًا أمرَ أبي بكر ﵀. وكتب إلى عثمان بن أبي العاص أن يضرب بعثًا على أهل الطَّائف على كل مخْلاف بقدْره، ويولِّيَ عليهم رجلًا يأمنه ويثق بناحيته؛ فضرب على كلّ مخلاف عشرين رجلًا، وأمّر عليهم أخاه. وكتب إلى عتَّاب بن أسيد؛ أن اضرب على أهلِ مكَّة وعملها خمسمئة مُقْوٍ؛ وابعث عليهم رَجُلًا تأمَنُه، فسمَّى مَن يبعث، وأمّر عليهم خالد بن أسيد؛ وأقام أمير كلّ قوم، وقاموا على رِجْلٍ ليأتيَهم أمر أبي بكر، وليمرّ عليهم المهاجر (١). (٣: ٣٢١/ ٣٢٢). رِدّة أهل اليمن ثانية ٩٠ - قال أبو جعفر: فممّن ارتدّ ثانية منهم، قيس بن عبد يغوث المكْشوح. كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، قال: كان من حديث قيس في ردّته الثانية: أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسولِ الله ﷺ انتكث، وعمل في قتل

стр. 2792

فيروز، وداذويه، وجُشيْش، وكتبَ أبو بكر إلى عُمير ذي مُرّان، وإلى سعيد ذي زود، وإلى سَميْفع ذي الكَلاع، وإلى حَوْشب ذي ظُلَيْم، وإلى شَهْر ذي يناف يأمرهم بالتمسك بالذي هم عليه، والقيام بأمرِ الله والنّاس، ويعدهم الجنود: من أبي بكر خليفة رسولِ الله ﷺ إلى عُمَير بن أفْلَح ذي مُرّان، وسعيد بن العاقب ذي زُود؛ وسَميفع بن ناكُور ذي الكَلاع، وحَوْشب ذي ظُلَيم، وشهر ذي يناف. أمَّا بعد، فأعينوا الأبناء على مَنْ ناوَأهم، وحُوطوهم، واسمعوا مِنْ فيروز، وجِدُّوا معه، فإني قد ولّيْتُه. (٣: ٣٢٣). ٩١ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن عُروة بن غزيَّة الدَّثينيّ، قال: لمَّا ولي أبُو بكرٍ أمّر فيْروز؛ وهم قبل ذلك متساندون؛ هو وداذويه وجُشَيش وقيس؛ وكتب إلى وجوه من وجوه أهل اليمن؛ ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذي الكَلاع وأصحابه: إنّ الأبناء نُزّاع في بلادكم، ونُقَلاء فيكم؛ وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم؛ وقد أرَى من الرأي أن أقتُل رؤوسهم، وأخرجهم من بلادنا. فتبرّؤوا، فلم يمالئوه، ولم ينصروا الأبناء، واعتزلوا وقالوا: لسنا ممَّا ها هنا في شيء، أنت صاحبُهم، وهم أصحابك. فتربَّص لهم قيس، واستعدّ لقتل رؤسائهم وتسيير عامَّتهم؛ فكاتب قيس تلك الفالَّة السيَّارة اللَّحْجيّة؛ وهم يصعّدون في البلاد ويصوّبون، محاربين لجميع مَن خالفهم، فكاتبهم قيس في السرّ، وأمرهم أن يتعجَّلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحدًا؛ وليتجمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن. فكتبوا إليه بالاستجابة له، وأخبروه أنهم إليه سِرِاعٌ، فلم يَفْجأ أهلَ صنعاء إلا الخبر بدنوّهم منها، فأتى قيس فيروزَ في ذلك كالفرِق من هذا الخبر وأتى داذويه، فاستشارهما ليَلْبِس عليهما، ولئلّا يَتَّهماه، فنظروا في ذلك واطمأنُّوا إليه. ثم إن قيسًا دعاهم من الغد إلى طَعام، فبدأ بداذويه، وثنَّى بفيروز، وثلّث بجشيش، فخرج داذويه حتى دخلَ عليه، فلمَّا دخل عليه عاجله فقتله، وخرج فيروز يسير حتى إذا دَنا سمع امرأتيْن على سطحين تتحدّثان، فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قُتِل داذويه؛ فلقيهما، فعاج حتى يرى أويَّ القوم الذي أرْبَؤوا، فأخبر برجوع فيروز؛ فخرجوا يركُضون، وركض فيروز، وتلقَّاه جُشَيش،

стр. 2793

فخرج معه متوجِّهًا نحو جبل خَوْلان -وهم أخوال فيروز- فسبقا الخيول إلى الجبل، ثم نزلا، فتوقَّلا وعليهما خِفافٌ ساذجة، فما وصلا حتى تقطَّعت أقدامهما، فانتهيا إلى خُوْلان وامتنع فيروز بأخواله، وآلى ألّا ينتعل ساذجًا، ورجعتْ الخيول إلى قيس؛ فثار بصنعاء فأخذها، وجَبَى ما حولها، مقدّمًا رِجلًا ومؤخِّرًا أخرى، وأتته خيول الأسود. ولمَّا أوى فيروز إلى أخواله خَوْلان فمنعوه وتأشَّب إليه الناس، كتب إلى أبي بكر بالخَبَر. فقال قيس: وما خولان! وما فيروز! وما قَرَار أوَوْا إليه! وطابق على قيس عوامُّ قبائل مَن كتب أبو بكر إلى رؤسائهم، وبقي الرؤساء معتزلين، وعمَد قيسٌ إلى الأبناء ففرّقهم ثلاث فرق: أقرّ مَنْ أقام وأقرّ عياله، وفرّق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقَتَيْن؛ فوجَّه إحدَاهما إلى عَدَن؛ ليُحمَلوا في البحر، وحمل الأخرى في البرّ، وقال لهم جميعًا: الحقوا بأرضكم؛ وبعث معهم مَنْ يسيِّرهم؛ فكان عيال الديلميّ ممّن سُيِّر في البَرّ وعيال داذويه ممن سُيّرَ في البحر؛ فلمَّا رأى فيروز أن قد اجتمع عوامّ أهلِ اليمن على قيس؛ وأنَّ العيال قد سيِّروا وعرَّضهم للنّهب، ولم يجد إلى فراق عسكره في تنقّذهِم سبيلًا؛ وبلغه ما قال قيس في استصغاره الأخوال والأبناء، فقال فيروز منتميًا ومفاخرًا وذكر الظُّعْن: ألا ناديا ظُعْنا إلى الرّمْل ذي النَّخْلِ ... وقولا لها ألَّا يُقالَ ولا عُذْلِي وما ضَرَّهم قولُ العُدَاةِ لو أنّه ... أتى قَوْمه عن غير فحش ولا بَخْلِ فَدَعْ عنك ظُعنًا بالطريق التي هَوَتْ ... لطيّحها صمْدَ الرِّمَالِ إلى الرَّمْلِ وإنّا وإن كانت بصَنْعَاءَ دارُنا ... لنا نَسْلُ قوم مِنْ عَرانينهم نَسْلي وللدَّيْلَمُ الرّزَّامُ من بعد باسِل ... أبى الخفضَ واخْتَارَ الحَرور على الظِّلّ وكانت مَنَابِيتُ العراق جسَامُها ... لرَهْطي إذا كسرى مَرَاجِلُهُ تغْلِي وباسِلُ أَصلِي إن نَمَيْتُ ومَنْصبي ... كما كلُّ عود مُنْتهاه إلى الأصل هُمُ تَرَكُوا مَجْرايَ سَهْلًا وحَصّنوا ... فجاجي بحسن القَوْلِ والحَسَبِ الجزْلِ فما عزّنا في الجَهْل من ذي عَدَاوة ... أبى الله إلا أَنْ يعزّ على الجَهْلِ ولا عاقبا في السَّلْم عن آل أَحْمَد ... ولا خسَّ في الإسلام إذ أسْلَمُوا قَبْلي وإنْ كان سجْلٌ من قَبيلي أرَشّني ... فإني لَرَاجٍ أن يُغَرِّقَهمْ سَجْلِي وقام فيروز في حربه، وتجرّد لها، وأرسل إلى بني عُقَيْلِ بن ربيعة بن

стр. 2794

عامر بن صعصعة رسولًا بأنه متخفّر بهم، يستمدّهم ويستنصرهم في ثَقَله على الّذين يزعجون أثقال الأبناء، وأرسل إلى عكّ رسولًا يستمدّهم ويستنصرهم على الَّذين يزعجون أثقال الأبناء. فركبت عُقَيل وعليهم رجل من الحُلفاء يقال له: معاوية، فاعترضوا خيل قَيْس فتنقّذوا أولئكَ العِيال، وقتلوا الذين سيَّروهم، وقصروا عليهم القرى؛ إلى أن رجع فيروز إلى صَنْعاء، وثبت عكّ؛ وعليهم مسروق، فساروا حتى تنقَّذوا عيالات الأبناء، وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، وأمدّت عُقَيل وعكّ فيروز بالرّجال، فلمَّا أتته أمدادُهم -فيمن كان اجتمع إليه- خرج فيمن كان تأشَّب إليه ومن أمَدّه من عكّ وعُقيل، فناهد قيسًا فالتقوْا دون صَنْعاء، فاقتتلوا فهزَم الله قيسًا في قومه ومَن أنهضوا، فخرج هاربًا في جنده حتى عاد معهم، وعادوا إلى المكان الذي كانوا به مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسيّ، وعليهم قيس، وتَذَبْذَبَتْ رافضة العنسيّ وقيس معهم فيما بين صنعاء ونَجْران، وكان عمرو بن معد يكرب بإزاء فَرْوة بن مُسَيْك في طاعة العَنْسي (١). (٣: ٣٢٣/ ٣٢٤/ ٣٢٥/ ٣٢٦). ٩٢ - كتب إليّ السريّ عنِ شعيب، عن سَيْف، عن عطيَّة، عن عمرو بن سلَمة، قال: وكان من أمر فرْوة بن مُسَيك: أنه كان قَدِم على رسول الله ﷺ مُسْلِمًا، وقال في ذلك: لمّا رأيتُ ملوك حِمْيَر أعرَضَتْ ... كالرِّجْلِ خان الرِّجْلَ عِرْقُ نَسائها يمّمتُ راحلتي أمام محمّدٍ ... أرْجُو فواضلَها وحُسْنَ ثَنَائها وقال له رسول الله ﷺ فيما قال له: "هل ساءَك ما لقيَ قومُك يوم الرَّزْم يا فروة! أو سَرّك؟ ". قال: ومن يُصَبْ في قومه بمثل الذي أصبْتُ به في قومي يوم الرّزْم إلا ساءه ذلك. وكان يوم الرّزْم بينهم وبين هَمْدان على يغوث وثْنٌ، كان يكون في هؤلاء مرّة وفي هؤلاء مرّة، فأرادت مراد أن تغلبهم عليه في مرّتهم، فقتلتهم هَمْدان، ورئيسهم الأجدع أبو مسروق؛ فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك لم يزدهم في الإسلام إلا خيرًا؛ فقال: قد سرّني إذ كان ذلك، فاستعمله رسولُ الله ﷺ على

стр. 2795

صدقات مُراد ومَن نازلهم أو نزل دارهم. وكان عمرو بن معد يكرب قد فارق قَومه سعد العشيرة في بني زُبيد وأخلافها، وانحاز إليهم، وأسلم معهم؛ فكان فيهم، فلمَّا ارتدّ العنسيّ واتَّبعه عوامّ مذحج، اعتزل فَرْوة فيمَن أقام معه على الإسلام، وارتدّ عمرو فيمن ارتدّ، فخلّفه العنسيّ، فجعله بإزاء فَرْوة، فكان بحياله، ويمتنع كل واحد منهما لمكان صاحبه من البَرَاح، فكانا يتهاديان الشعر، فقال عمرو يذكر إمارة فَرْوةَ ويعيبها: وَجَدْنَا مُلك فَرْوَة شَرّ مُلْكٍ ... حمَارًا سافَ مَنْخِرُهُ بقَذْرِ وكنتَ إذا رأيتَ أبا عُمَيْر ... ترى الحُولاء من خُبْثٍ وَغَدْرِ فأجابه فَزوة: أتاني عن أبي ثَوْر كلامٌ ... وقِدْمًا كان في الأبغال يَجْرِي وكان اللهُ يبغِضُهُ قديمًا ... عَلَى ما كان من خُبْثٍ وَغَدْرِ فبينا هم كذلك قدم عكرمة أبْيَن (١). (٣: ٣٢٦/ ٣٢٧). ٩٣ - وكتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وموسى بن الغصن، عن ابن مُحَيْريز، قال: فخرَج عكرمة من مَهْرة سائرًا نحو اليمن حتى وَرَد أبْيَن، ومعه بشَرٌ كثير من مَهْرة، وسعد بن زيد، والأزد، وناجية، وعبد القيس، وحُدْبان من بني مالك بن كنانة، وعمرو بن جندب من العَنْبَر، فجمع النَّخَع بعد من أصاب من مدبِّريهم فقال لهم: كيف كنتم في هذا الأمر؟ فقالوا له: كنَّا في الجاهليّة أهل دينٍ، لا نَتعاطَى ما تتعاطَى العرب بعضها من بعض، فكيف بنا إذا صرنا إلى دينٍ عرفنا فضلَه، ودخلَنا حبُّه! فسأل عنهم فإذا الأمر كما قالوا، ثبت عوامّهم وهربَ مَن كان فارق من خاصّتهم، واستبرأ النَّخَع وحِمْيَر، وأقام لاجتماعهم، وأرَزَ قيس بن عبد يغوث لهبوط عِكْرمة إلى اليمن إلى عمرو بن معد يكرب، فلَمَّا ضامَّه وقع بينهما تَنَازُع، فتعايَرَا، فقال عمرو بن معد يكرب يُعَيّر قيسًا غَدْرَه بالأبناء وقتْله داذويه، ويذكر فراره من فيروز: غَدرتَ ولم تُحْسِنْ وَفَاءً ولم يكُنْ ... ليَحْتمل الأسبابَ إلّا المعوَّدُ

стр. 2796

وكيف لقيْسٍ أن ينوِّط نفسَه ... إذا ما جرى والمَضْرِحيّ المسوّدُ! وقال قيس: وفَيْتُ لقومِي وَاحْتشدتُ لمَعْشَرٍ ... أصابوا على الأحياء عَمْرًا ومَرْثَدا وكنتُ لدَى الأبناء لمّا لقيتُهم ... كأصيَدَ يسمو بالعَزازة أصْيدَا وقال عمرو بن معد يكربِ: فما إنْ داذَوَىْ لكُمُ بفخْرٍ ... ولكن داذَوَىْ فضَحَ الذّمَارَا وفيروزٌ غَدَاةَ أصاب فيكمْ ... وأَضْرَبَ في جموعكمُ اسْتَجَارا (١) (٣: ٣٢٧/ ٣٢٨). ذكر خبر طاهر حين شخص مددًا لفيروز ٩٤ - قال أبو جعفر الطبري: قد كان أبو بكر ﵀ كتبَ إلى طاهر بن أبي هَالَة بالنّزول إلى صنعاء وإعانة الأبناء، وإلى مسروق، فخرجا حتى أتَيَا صنْعاء، وكتب إلى عبد الله بن ثَوْر بن أصغر، بأن يجمع إليه العَرب ومن استجاب له من أهل تِهامة، ثم يقيم بمكانه حتى يأتيَه أمرُه. وكان أوّلَ رِدّة عمرو بن معد يكرب: أنَّه كان مع خالد بن سعيد فخالفه، واستجاب للأسود، فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقيَه؛ فاختلفا ضربتين، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع، ووصلت الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئًا، فلمَّا أراد خالد أن يثنِّيَ عليه نزل فتوقَّل في الجبل، وسَلَبَه فرسه وسيفَه الصَّمْصامة، ولحّج عمرو فيمن لحج. وصارت إلى سعيد بن العاص الأصغر مواريثُ آل سعيد بن العاص الأكْبر. فلمَّا وليَ الكوفة عرض عليه عمرو ابنتَه، فلم يقبلْها، وأتاه في داره بعدّة سيوف كان خالد أصابها باليمن، فقال: أيّها الصَّمصامة؟ قال: هذا، قال: خذه فهو لك، فأخذه، ثم آكف بغلًا له، فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة؛ وأسرع في البغل، ثم ردّه على سعيد، وقال: لو زرتني في بيتي وهو لي لوهبتُه لك، فما كنت لأقبلَه إذ وقع (٢). (٣: ٣٢٨/ ٣٢٩).

стр. 2797

٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَنير بن يزيد عن عُرْوة بن غَزِيّة وموسى، عن أبي زُرْعة السّيبانيّ، قال: ولما فَصَل المهاجر بن أبي أمَّية من عند أبي بكر -وكان في آخر مَنْ فَصَل- اتَّخذ مكة طريقًا، فمرّ بها فاتَّبعه خالد بن أسيد، ومرّ بالطائف فاتَّبعه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم مضى حتى إذا حاذَى جرير بن عبد الله ضمَّه إليه، وانضمّ إليه عبد الله بن ثَوْر حين حازَاه، ثم قدم على أهل نَجْران؛ فانضمّ إليه فَرْوة بن مُسَيك، وفارق عمرو بن معد يكرب قيسًا، وأقبل مستجيبًا؛ حتى دخل على المهاجر على غير أمان؛ فأوثقه المهاجر؛ وأوثق قَيْسًا، وكتب بحالهما إلى أبي بكر ﵀، وبعث بهما إليه. فلمَّا سار المهاجر من نَجْران إلى اللحجيّة، والتفَّت الخيول على تلك الفالّة استأمنوا، فأبى أن يؤمّنَهم، فافترقوا فرقتين؛ فلقي المهاجر إحداهما بعجيب، فأتى عليهم، ولقَيْت خيولُه الأخرى بطريق الأخابث، فأتوْا عليهم -وعلى الخيول عبدُ الله- وقتل الشُّرَداء بكلّ سبيل، فقُدِم بقيس، وعمرو على أبي بكر، فقال: يا قيس! أعَدوْتَ على عباد الله تقتلهم، وتتّخذ المرتدّين، والمشركين وليجَةً من دون المؤمنين! وهمّ بقتله لو وجد أمرًا جليًّا. وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئًا، وكان ذلك عملًا عُمِل في سِرّ لم يكن به بيّنَةٌ، فتجافَى له عن دمه، وقال لعمرو بن معد يكرب: أما تخزَى أنَّك كلّ يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا الدين لرفعك الله. ثم خلَّى سبيله، وردَّهما إلى عشائرهما، وقال عمرو: لا جَرَمَ! لأقبلنّ ولا أعود (١). (٣: ٣٢٩/ ٣٣٠). ٩٦ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير وموسى قالا: سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل صَنْعاء، وأمر أن يتَّبعوا شُذَّاذ القبائل الذين هربوا؛ فقتلوا مَنْ قَدرُوا عليه منهم كلّ قِتْلة، ولم يُعْفِ متمرّدًا، وقبل توبةَ من أناب من غير المتمرّدة؛ وعملوا في ذلك على قَدْر ما رأوا من آثارهم، ورجَوا عندهم. وكتب إلى أبي بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتّبع من ذلك (٢). (٣: ٣٣٠).

стр. 2798

ذكر خبر حَضْرموت في ردّتهم ٩٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن الصَّلْت، عن كَثير بن الصَّلْت، قال: مات رسولُ الله ﷺ وعُمَّاله على بلاد حَضْرموت: زياد بن لَبيد البياضيّ على حَضْرموت، وعُكَّاشة بن مِحْصَن على السّكاسك والسَّكون، والمهاجر على كِنْدة - وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفِّيَ رسولُ الله ﷺ ، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن، والمُضِيّ بعد إلى عمله (١). (٣: ٣٣٠). ٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي السائب، عطاء ابن فلان المخزوميّ، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة، والمهاجر بن أبي أمية: أنَّه كان تخلَّف عن تَبوك، فرجع رسولُ الله ﷺ وهو عليه عاتبٌ، فبينا أمّ سلَمة تغسل رأس رسولِ الله ﷺ ، قالت: كيف ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي! فرأت منه رِقَّة؛ فأومأت إلى خادمها؛ فدعتْه، فلم يزل برسول الله ﷺ يَنْشُر عُذرَه حتى عَذَره، ورضيَ عنه، وأمَّره على كِنْدة، فاشتكى ولم يطق الذَّهاب، فكتب إلى زياد ليقوم له على عمله وبَرَأ بعد، فأتَمّ له أبو بكر إمْرَتَه، وأمره بقتال مَن بين نَجْران إلى أقصى اليمن؛ ولذلك أبطأ زياد، وعُكّاشة عن مناجزة كندة انتظارًا له (٢). (٣: ٣٣٠). ٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد؛ قال: كان سبب ردّة كِنْدة إجابتَهم الأسود العنسيّ حتى لعن رسول الله ﷺ الملوك الأربعة، وأنَّهم قبل رِدّتهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حَضْرَموت كلّهم أمر رسول الله ﷺ بما يوضع من الصَّدقات أن يوضَع صدقة بعض حَضْرموت في كِنْدة وتوضع صدقة كِنْدة في بعض حضْرموت، وبعض حضْرموت في السَّكُون والسَّكون في بعض حَضْرموت. فقال نفر من بني وَليعة: يا رسولَ الله! إنَّا لسنا بأصحاب إبل، فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظَهْر! فقال: إن رأيتم! قالوا: فإنَّا ننظر، فإنْ لم يكن لهم ظَهْرٌ فعلنا. فلمَّا توفي

стр. 2799

رسول الله ﷺ ، وجاء ذلك الإبّان، دعا زياد الناس إلى ذلك، فحضروه، فقالت بنو وَليعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: إنّ لكم ظهرًا، فهلمّوا فاحتملوا، ولاحَوْهم؛ حتى لاحوْا زيادًا؛ وقالوا له: أنت معهم علينا. فأبى الحضرميُّون، ولجّ الكنديُّون، فرجعوا إلى دارهم، وقدّموا رِجْلًا، وأخّروا أخرى، وأمسك عنهم زياد انتظارًا للمُهاجر؛ فلمّا قدم المهاجر صنعاء؛ كتب إلى أبي بكر بكلّ الذي صنَع، وأقام حتى قدم عليه جواب كتابه من قِبَل أبي بكر؛ فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة أن يسيرا حتى يقدَما حضرموت، وأقِرّ زيادًا على عَمله، وائْذَنْ لمن معك من بين مكَّة واليمن في القَفْل؛ إلا أن يؤثر قوم الجهاد، وأمِدّه بعُبَيْدَة بن سعد. ففعل؟ فسار المُهاجر من صَنْعاء يريد حضرموت، وسار عِكْرمة من أبْيَن يريد حضْرموت، فالتقيا بمأرب؛ ثم فَوّزا من صهيد؛ حتى اقتحما حَضْرموت، فنزل أحدُهما على الأشعث، والآخر على وائل (١). (٣: ٣٣١). ١٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن كَثير بن الصّلْت؛ قال: وكان زياد بن لبيد حين رجع الكِنْديّون ولجُّوا ولجّ الحضرميون ولي صدقات بني عمرو بن معاوية بنفسه، فقدِم عليهم وهم بالرّياض، فصدّق أوَّل مَن انتهى إليه منهم؛ وهو غلام، يقال له: شيْطان بن حُجْر؛ فأعجبته بَكرة من الصّدقة، فدعا بنارٍ فوضع عليها الميسَم، وإذا النّاقة لأخي الشيطان العَدّاء بن حُجْر، وليست عليه صدقة، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنّها غيرها؛ فقال العدّاء: هذه شَذْرة باسمها؛ فقال الشيطان: صدق أخي؛ فإني لم أعْطِكموها إلّا وأنَا أراها غيرها؛ فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإنَّها غير متروكة. فرأى زياد: أن ذلك منه اعتلال، واتَّهمه بالكفر، ومباعدة الإسلام، وتَحَرِّي الشرّ. فحمِيَ وحَمِيَ الرجلان، فقال زياد: لا ولا تَنْعَم؛ ولا هي لك؛ لقد وقع عليها ميسَم الصدقة وصارت في حقّ الله، ولا سبيل إلى ردّها، فلا تكوننّ شذرة عليكم كالبَسُوس؛ فنادى العدّاء: يا آل عمرو! بالرياض أضامُ وأضطهد؟ ! إن الذليل مَنْ أكل في داره! ونادى: يا أبا السُّمَيْط! فأقبل أبو السّميط حارثة بن سُراقة بن معد يكرب؛ فقصد لزياد بن لَبيد وهو واقف،

стр. 2800

فقال: أطلق لهذا الفتى بَكْرته. وخذ بعيرًا مكانها، فإنَّما بعير مكان بعير، فقال: ما إلى ذلك سبيل! فقال: ذاك إذا كنتَ يهوديًّا! وعاج إليها، فأطلق عِقالها، ثم ضرب على جَنْبها؛ فبعثها وقام دونها، وهو يقول: يَمْنَعُها شيخٌ بخدَّيْه الشَّيْب ... مُلَمَّع كما يُلَمَّع الثَّوْب فأمر به زياد شبابًا من حضْرموت والسَّكون، فمغثوه، وتوطَّؤوه، وكتفوه، وكتفوا أصحَابه، وارتهنوهم، وأخذوا البَكْرة فعقلوها كما كانت؛ وقال زياد بن لَبِيد في ذلك: لم يمنَعِ الشَّذْرَةَ أركُوبُ ... والشَّيْخُ قد يثنِيهِ أرْجُوبُ وتصايح أهلُ الرّيَاض، وتنادَوْا، وغَضِبَتْ بنو معاوية لحارثة، وأظهروا أمرهم، وغضبت السَّكُون لزياد، وغضبت له حَضْرموت، وقاموا جميعًا دونه. وتَوافَى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء؛ لا تُحْدث بنو معاوية لمكان أسَرائهم شيئًا، ولا يجد أصحاب زياد على بني معاوية سبيلًا يتعلَّقون به عليهم؛ فأرسل إليهم زياد: إمَّا أن تَضَعُوا السلاح، وإما أن تُؤذِنوا بحرْب؛ فقالوا: لا نضع السَّلاح أبدًا حتى ترسلوا أصحابنا، فقال زياد: لا يُرْسَلون أبدًا حتى ترفضُّوا وأنتم صَغَرَة قَمَأة. يا أخابثَ النَّاس! ألستُم سكَّانَ حَضْرموت وجيران السَّكون! فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حَضْرموت؛ وفي جنوب مواليكم! وقالت له السَّكون: ناهد القوم، فإنه لا يفطِمُهم إلّا ذلك، فنَهد إليهم ليلًا، فقتل منهم، وطاروا عَباديد، وتمثّل زياد حين أصبح في عسكرهم: وكنتُ امرأً لا أبعثُ الحربَ ظالمًا ... فلما أبَوْا سامَحتُ في حَرْبِ حاطِبِ ولمَّا هرب القوم خَلَّى عن النفرِ الثلاثة؛ ورجع زياد إلى منزله على الظَّفر. ولما رجع الأسَراء إلى أصحابهم؛ ذمَرُوهم، فتذامروا، وقالوا: لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلُوَ لأحد الفريقين. فأجمعوا وعسكروا جميعًا، ونادَوْا بمنع الصدقة، فتركهم زياد لم يخرج إليهم، وتركوا المسير إليه. وأرسل إليهم الحُصَين بن نَمير، فما زال يُسْفِر فيما بينهم وبين زياد وحَضْرموت والسَّكُون حتى سكن بعضهم عن بعض؛ وهذه النَّفْرة الثانية، وقال السَّكُونيّ في ذلك: لَعَمْرِي وما عمري بعُرْضةِ جانبٍ ... ليَجْتَلِبُنْ منها المرارَ بنو عَمْرِو كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَمْنَعونها ... زيادًا، وقد جئنا زيادًا على قَدرِ

стр. 2801

فأقاموا بعد ذلك يسيرًا. ثم إن بني عمرو بن معاوية خصوصًا خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء حَمَوْها، فنزل جَمَد محجرًا، ومِخْوص محجرًا، ومِشْرح محجرًا، وأبضَعة محجرًا، وأختهم العَمَرَّدة محجرًا -وكانت بنو عمرو بن معاوية على هؤلاء الرُّؤساء- ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس مَحْجَرًا، والسِّمط بن الأسود محجرًا، وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الرّدّة إلا ما كان من شُرَحبيل بن السّمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إنَّ هذا لَقبيحٌ بأقوام أحرار التنقُّل؛ إنّ الكرام ليكونون على الشّبهة فيتكرّمون أن يتنقّلوا منها إلى أوْضَح منها مخافة العار؛ فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحقّ إلى الباطل والقبيح! اللهمّ إنَّا لا نمالئ قومنا على هذَا، وإنَّا لنَادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا -يعني: يوم البكرة ويوم النَّفرة- وخرج شُرَحبيل بن السّمط وابنه السّمط؛ حتى أتيا زياد بنَ لَبيد، فانضمَّا إليه، وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس؛ حتى أتيا زيادًا، فقالا له: بيِّتِ القوم، فإن أقوامًا من السَّكاسك قد انضمُّوا إليهم، وقد تسرّع إليهم قوم من السَّكُون وشُذّاذ من حَضْرموت، لعلَّنا نُوقع بهم وَقْعة تُورث بيننا عداوة، وتفرِّق بيننا؛ وإن أبيتَ خشينا أن يرفضّ الناس عنَّا إليهم؛ والقوم غارّون لمكان مَن أتاهم، راجون لمن بقيَ. فقال: شأنكم. فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسًا، فعرفوا من يريدون، فأكبُّوا على بني عمرو بن معاوية؛ وهم عدَد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحًا، ومخوصًا، وجَمَدًا، وأبضَعة، وأختهم العمَّردة، أدركتهم اللعنة، وقَتَلوا فأكثروا، وهرب مَنْ أطاق الهَرب، ووُهِّنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسَّبْي والأموال، وأخذوا طريقًا يُفْضي بهم إلى عَسْكر الأشعث وبني الحارث بن معاوية؛ فلمَّا مرُّوا بهم فيه استغاث نسوةُ بني عمرو بن معاوية ببني الحارث ونادينه: يا أشعث! يا أشعث! خالاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقَّذهم -وهذه الثالثة- وقال الأشعث: منعتُ بني عمرو وقد جاء جمعُهمْ ... بأمْعَزَ من يوم البضيض وأصبَرا وعلم الأشعث: أن زيادًا وجنْده إذا بلغهم ذلك لم يُقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بن معاوية

стр. 2802

وبني عمرو بن معاوية، ومن أطاعه من السَّكاسك والخَصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضْرموت من القبائل، فثبتَ أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجَّتْ كِنْدة، فلمَّا تباينت القبائل كتب زيادٌ إلى المهاجر؛ وكاتَبه النّاس فتلقّاه بالكتاب، وقد قطع صَهيد -مفازةٌ ما بين مأرب وحضرموت- واستخلف على الجيش عكْرمة، وتعجَّل في سَرَعان النَّاس، ثم سَار حتى قدم على زياد؛ فَنَهَد إلى كنْدة وعليهم الأشعث، فالتقوْا بمحجر الزُّرْقان فاقتتلوا به فهُزمت كندة، وقُتلت وخرجوا هُرّابًا، فالتجأتْ إلى النُّجَيْر وقد رَمُّوه، وحصّنوه، وقال في يوم مَحْجر الزُّرْقان المهاجر: كُنَّا بزُرْقان إذ يُشَرِّدكُمْ ... بحرٌ يُزَجّي في مَوْجه الحطَبَا نحن قتلناكُمُ بمحْجركم ... حتى ركبْتُمْ من خَوْفِنا السَّبَبَا إلى حصارٍ يكون أهْوَنَه ... سَبْيُ الذَّرَارِي وسَوْقُها خَبَبَا وسار المهاجر في النَّاس من مَحْجر الزُّرْقان حتى نزل على النُّجَير، وقد اجتمعت إليه كندة، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووْا من السكاسك، وشُذّاذ من السَّكون، وحضْرموت، والنُّجير، على ثلاثة سُبُل، فنزل زياد على أخدها، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه، ويذهبون فيه، إلى أن قدم عِكْرِمة في الجيش، فأنزله على ذلك الطَريق، فقطع عليهم الموادّ وردّهم، وفرَّق في كِنْدة الخيول، وأمرَهم أن يُوطئوهم. وفيمن بعث يزيد بن قَنان من بني مالك بن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى بَرَهُوت، وبعث فيمَن بعث إلى السَّاحل خالدَ بن فلان المخزوميّ وربيعة الحضرميّ، فقتلوا أهل مَحَا، وأحياء أخَر؛ وبلغ كنْدة وهم في الحصار ما لقي سائر قومهم، فقالوا: الموت خير ممَّا أنتم فيه؛ جُزُّوا نواصيَكم حتى كأنَّكم قومٌ قد وهبتم لله أنفسَكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه؛ لعلَّه أن ينصرَكم على هؤلاء الظَّلَمة. فجزُّوا نواصيَهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألّا يفرّ بعضهم عن بعض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم: صَبَاحُ سَوْء لبني قَتِيرهْ ... وللأمير من بني المغيرهْ وجعل راجزُ المسلمين زياد بن دينار يردّ عليهم: لا توعِدُونا واصبروا حَصِيرهْ ... نحنُ خيولُ وَلدِ المغيرهْ وفي الصبَاح تَظَفرُ العشيرهْ

стр. 2803

فلمّا أصبحوا خرجوا على النَّاس، فاقتتلوا بأفنية النُّجير، حتى كثرت القتلى بحيال كلّ طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عِكْرِمة يرتجز يومئذ، ويقول: أطعنُهمْ وأنا على أوْفَازِ ... طَعْنًا أبوء به على مَجَازِ ويقول: أُنْفِذُ قولي وله نُفَاذُ ... وكلُّ مَنْ جاوَرني مُعَاذُ (١) (٣: ٣٣٢/ ٣٣٣/ ٣٣٤/ ٣٣٥/ ٣٣٦). ١٠١ - فهزمت كِنْدة، وقد أكثروا فيهم القتل. وقال هشام بن محمد: قدِم عِكْرِمة بن أبي جهل بعد ما فرغِ المهاجر من أمر القوْم مددًا له، فقال زياد، والمهاجر لمن معهما: إنّ إخوانكم قدِمُوا مَدَدًا لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشرِكوهم في الغنيمة. ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصوْا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسْرى، وسار البشير فسبقهم؛ وكانوا يبشّرون القبائل، ويقرؤون عليهم الفتح (٢). (٣: ٣٣٧). ١٠٢ - وكتب إليّ السّريّ، قال: كتب أبو بكر ﵀ إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفَروا؛ فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتِلة، واسبُوا الذرّيّة إن أخذتموهم عَنْوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جَرَى بينكم صُلْح قبل ذلك فعلَى أن تخرجوهم من ديارهم؛ فإنّي أكْرَهُ أن أقرّ أقوامًا فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساؤوا، وليذوقوا وَبال بعض الذي أتَوْا (٣). (٣: ٣٣٧). ١٠٣ - قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النُّجَير الموادّ لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا: أنَّهم غيرُ منصرفين عنهم، خشعت أنفسُهم، ثمَّ خافوا القتل، وخاف الرُّؤساء على أنفسهم؛ ولو صبروا حتَّى يجيء المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصّلح على الجلاء نَجاةً. فعجَّل الأشعث، فخرج إلى عِكْرِمة بأمان، وكان لا يأمن غيرَه؛ وذلك أنَّه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجَوْن، خطبها وهو

стр. 2804

يومئذ بالجنَد ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادُوا، فأبلغه عكرمةُ المهاجرَ، واستأمنه له على نفسه، ونَفر معه تسعة؛ على أن يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب؛ فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثقْ لنفسك، ثم هلمّ كتابك أختمه (١). (٣: ٣٣٧). ١٠٥ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشَّيْباني، عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن عامر: أنه دخَل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممّن أحبّ، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه. فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعْجل، فكتب أمانَه وأمانهم، وفيهم أخوه، وبنو عمّه، وأهلُوهم، ونسيَ نفسَه؛ عَجلَ ودَهِشَ. ثم جاء بالكتاب فختمه؛ ورجع فسرّب الَّذين في الكتاب. رجع الحديث إلى حديث سيف: فلما ولي عمر ﵀ قال: إنه ليَقبُح بالعرب أن يملك بعضُهم بعضًا. وقد وسَّع الله، وفتح الأعاجم، واستشار في فداء سَبَايا العرب في الجاهلية والإسلام إلّا امرأة ولَدت لسيّدها، وجعل فداء كلّ إنسان سبعة أبعرة، وستَّة أبعرة إلّا حَنيفة كندة؛ فإنَه خَفَّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دَبَا، فتتبَّعتْ رجالُهم نساءَهم بكلّ مكان. فوجد الأشعثُ في بني نَهْد وبني غُطْيف امرأتين؛ وذلك أنَّه وقف فيها يسأل عن غُراب، وعُقاب، فقيل: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن نساءنا يوم النُجير خطفهنّ العِقْبان، والغربان، والذِّئاب، والكلاب. فقال بنو غطيف: هذا غُراب، قال: فما موضعه فيكم؟ قالوا: في الصّيانة، قال: فنعم، وانصرف. وقال عمر: لا ملْكَ على عربيّ؛ للذي أجمع عليه المسلمون معه (٢). (٣: ٣٣٨/ ٣٤٠). ١٠٦ - وقال الأجْلَح، والمجالد: لمّا لم يبق إلّا أن يكتب نفسه وثب عليه جَحْدَم بشَفْرة، وقال: نفسَك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه (٣). (٣: ٣٤٠). ١٠٧ - قال أبو إسحاق: فلمَّا فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يَدَعوا فيه

стр. 2805

مقاتلًا إلّا قتلوه؛ ضربوا أعناقهمِ صبْرًا، وأحصى ألف امرأة ممَّن في النُّجير والخَنْدق، ووضع على السَّبْي والفيء الأحراس، وشاركهم كثير (١). (٣: ٣٤٠). ١٠٨ - وقال كَثِير بن الصّلت: لمّا فتح الباب وفرغ ممن في النجير، وأحصي ما أفاء الله عليهم؛ دعا الأشعث بأولئك النَّفَر، ودعا بكتابه فعرَضهم، فأجاز من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه، فقال المهاجر: الحمد لله الَّذي أخطأك نوْءُك يا أشعث! يا عدوّ الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله. فشدّه وثاقًا، وهمّ بقتله، فقال له عكرمة: أخِّرْه، وأبلغْه أبا بكر، فهو أعلمُ بالحكْم في هذا، وإنه كان رجلًا نسي اسمه أن يكتبه؛ وهو وليّ المخاطبة، أفذاك يبطل ذاك؟ ! فقال المهاجر: إنّ أمره لبيِّنٌ، ولكني أتَّبع المشورة وأوثرها. وأخَّرَه وبعث به إلى أبي بكر مع السَّبْي، فكان معهم يلعنه المسلمون، ويلعنه سبايا قومه، وسمَّاه نساء قومه عُرْفَ النَّار -كلامٌ يمانيُّ يسمُّون به الغادر- وقد كان المغيرة تحيَّر ليلَه للَّذي أراد الله، فجاء والقوم في دمائهم والسَّبْي على ظَهْر، وسارت السبايا والأسْرَى، فقدم القوم على أبي بكر ﵀ بالفَتْح والسَّبَايا والأسرى. فدعا بالأشعث، فقال: استزلك بنو وَليعة، ولم تكن لتستزلَّ لهم -ولا يروْنك لذلك أهلًا- وهلكوا، وأهلكوك! أما تَخشى أن تكون دعوةُ رسول الله ﷺ قد وصل إليك منها طرفٌ! ما تراني صانعًا بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإنّي أرى قتلك. قال: فإنّي أنا الذي راوضتُ القوم في عشرة، فما يحلُّ دمي، قال: أفَوّضُوا إليك؟ قال: نعم، قال: ثم أتيتَهُمْ بما فوّضُوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنَّما وجب الصّلح بعد خَتْم الصحيفة على مَن في الصحيفة، وإنَّما كنتَ قبل ذلك مُراوضًا. فلمَّا خَشِيَ أن يقع به قال: أو تحتسب فيّ خيرًا فتطلق إساري، وتُقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلتَه بأمثالي وتردّ عليَّ زوجتي - وقد كان خطب أمَّ فَرْوة بنت أبي قحافة مَقْدَمه على رسول الله ﷺ ؛ فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله ﷺ وفعلِ الأشعث ما فعل، فخشيَ ألّا تُردّ عليه - تجدُني خيْرَ أهل بلادي لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقَبِل منه، وردّ عليه أهله، وقال: أنطلقْ فلْيبلغي عنك خيرٌ، وخلّى عن القوم فذهبوا، وقسّم أبو بكر في الناس الخُمْس، واقتسم
следующие страницы →