إليه وصلّى على رسول الله وعلى إبراهيم، وعلى أنبياء الله صلوات الله عليهم، وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). (٣: ٦٢٢)
حديث بَهُرسير في ذي الحجَّة سنة خمس عشرة في قول سيف
٤٠٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد والنّضر، عن ابن الرُّفيل، قالوا: ثم إنّ سعدًا قدم زهرة إلى بَهرُسير، فمضى زُهرة من كُوثَى في المقدّمات حتى ينزل بَهُرسير، وقد تلقّاه شيرزاذ بساباط بالصّلح وتأدية الجِزاء، فأمضاه إلى سعد، فأقبل معه، وتبعتْه المجنّبات، وخرج هاشم، وخرج سعد في أثره، وقد فلّ زهرة كتيبة كِسرى بُوران حول المظلم، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط، ووقف لسعد حتى لحق به، فوافق ذلك رجوع المُقرَّطُ -أسد كان لكسرى قد ألِفه وتخيّره من أسود المظلِم- وكانت به كتائب كسرى التي تُدعى بُوران، وكانوا يحلفون بالله كلّ يوم: لا يزول مُلك فارس ما عشنا، فبادر المقرّط الناس حين انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، وسُمِّي سيفه المَتْن، فقتل سعد رأس هاشم، وقتل هاشم قَدَم سعد، فقدّمه سعد إلى بَهُرسير، فنزل إلى المظلم وقرأ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾، فلمّا ذهب من الليل هدأة ارتحل، فنزل على النّاس ببهُرَسير، وجعل المسلمون كلّما قدمت خيل على بُهَرسير وقفوا ثم كبّروا، فكذلك حتى نجز آخر مَنْ مع سعد، فكان مقامه بالناس على بَهُرسير شهريْن، وعبروا في الثالث (٢). (٣: ٦٢٢/ ٦٢٣).
٤١٠ - وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله فيها على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف يعلَى بن مُنْية، وعلى اليمامة والبحرين عُثْمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حُذيفة بن محصن، وعلى كُور الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قرّة؛ وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة (٣). (٣: ٦٢٣).
стр. 2977
ثم دخلت سنة ستّ عشرة
قال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بَهُرسير، وافتتحوا المدائن، وهرب منها يَزْدَجِرْد بن شهريار.
ذكر بقيَّة خبر دخول المسلمين مدينة بَهُرَسير
٤١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: لما نزل سعد على بَهُرسير بثّ الخيول، فأغارت على ما بَيْن دجِلْة إلى مَن له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مئة ألف فلّاح، فحسِبوا، فأصاب كلٌّ منهم فلاحًا؛ وذلك أنّ كلهم فارس ببهرسير. فخندق لهم، فقال له شيرزاذ دِهْقان ساباط: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئًا؛ إنما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجرّوا إليك، فدعْهم إليّ حتى يفرُق لكم الرأي. فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.
وكتب سعد إلى عمر: إنَّا وردنا بَهُرَسِير بعد الذي لقينا فيما بين القادسيَّة وبَهُرسير، فلم يأتنا أحد لقتال؛ فبثثتُ الخيول، فجمعتُ الفلاحين من القرى والآجام؛ فرَ رأيك.
فأجابه: إن مَن أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يُعينوا عليكم فهو أمانُهم، ومَن هرب فأدركتموه فشأنَكم به.
فلما جاء الكتاب خلَّى عنهم. وراسله الدّهاقين، فدعاهم إلى الإسلام والرجوع، أو الجِزاء ولهم الذمَّة والمَنَعة، فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولى يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، ومَن دخل معهم؛ فلم يبقَ في غربيّ دِجْلة إلى أرض العرب سواديّ إلّا أمِن واغتبط بمُلك الإسلام، واستقبلوا الخراج، وأقاموا
стр. 2978
على بَهُرسير شهرين يرمونها بالمجانيق ويدبّون إليهم بالدّبابات، ويقاتلونهم بكلّ عُدّة (١). (٤: ٥/ ٦).
٤١٢ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن المقدام بن شُرَيح الحارثيّ، عن أبيه، قال: نزل المسلمون على بَهُرسير، وعليها خَنادقها وحَرسها وعُدّة الحرب، فرموْهم بالمجانيق والعرّادات، فاستصنع سعد شيرزاذ المجانيق، فنصب على أهل بَهُرسير عشرين مِنجنيقًا، فشغلوهم بها (٢).
٤١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فلما نزل سعد على بَهُرسير، كانت العرب مطيفةً بها، والعجم متحصنّة فيها، وربما خرج الأعاجم يمشون على المُسنَيَّات المشرفة على دِجْلة في جماعتهم وعُدّتهم لقتال المسلمين؛ فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا في رجَّالة وناشبة، وتجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصَّبْر، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم، فكذَّبوا وتولوا؛ وكانتْ على زُهرة بن الجَويّة درع مفصومة، فقيل له: لو أمرتَ بهذا الفصْم فسرِد! فقال: ولم؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: إنيّ لَكريم على الله، أن ترك سهم فارسَ الجندَ كلَّه ثم أتاني من هذا الفصم، حتى يثبت فيّ! فكان أوّل رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنُشّابة، فثبتت فيه من ذلك الفَصْم؛ فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعوني، فإنّ نفسي معي ما دامت فيّ، لعلِّي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدوّ، فضرَب بسيفه شَهْربَراز من أهل إصطَخْر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا (٣). (٤: ٦).
٤١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سماك بن فلان الهُجيميّ، عن أبيه، ومحمد بن عبد الله، عن أنس بن الحُلَيس، قال: بينا نحنُ محاصرو بَهُرسِير بعد زحفِهم وهزيمتهم؛ أشرفَ علينا رسول فقال: إنّ الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجِلْة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم! فبدَر الناسَ
стр. 2979
أبو مفزّر الأسود بن قُطْبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن؛ فرجع الرّجل، ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفزّر، ما قلتَ له؟ فقال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما أدري ما هو؛ إلّا أنّ علىّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير؛ وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد؛ فجاءنا فقال: يا أبا مفزّر، ما قلت؟ فوالله إنهم لهُرّاب؛ فحدّثه بمثل حديثه إيَّانا، فنادى في الناس، ثم نَهد بهم؛ وإنّ مجانيقنا لتخطر عليهم؛ فما ظهر على المدينة أحدٌ، ولا خرج إلينا إلّا رجل نادى بالأمان فآمنّاه، فقال: إن بقِيَ فيها أحد فما يمنعكم! فتسوّرها الرّجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئًا ولا أحدًا؛ إلَّا أسارى أسرناهم خارجًا منها، فسألناهم وذلك الرجلَ: لأيّ شيء هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدًا حتى نأكل عسل أفريذين بأترجّ كُوثى؛ فقال الملك: واويله! ألَا إنّ الملائكة تكلَّم على ألسنتهم، تردّ علينا وتُجِيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك؛ ما هذا إلّا شيء ألقِيَ عليَّ في هذا الرجل لننتهيَ؛ فأرَزُوا إلى المدينة القُصوى (١). (٣: ٧).
٤١٥ - كتب إليّ السريّ عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك (٢). (٤: ٧).
٤١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما دخل سعد، والمسلمون بَهُرسير؛ أنزل سعد الناس فيها، وتحوّل العسكر إليها، وحاول العُبور فوجدوهم قد ضمّوا السفنَ فيما بين البَطائح وتَكْرِيت. ولما دخل المسلمون بَهُرسير -وذلك في جوف الليل- لاح لهم الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر! أبيض كسرى؛ هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا. فقال محمد: وطلحة: وذلك ليلة نزلوا على بَهُرسير (٣). (٤: ٨).
٤١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن
стр. 2980
حبيب بن صهبْان أبي مالك، قال: دفعنا إلى المدائن -يعني: بَهُرسير- وهي المدينة الدّنيا، فحصرنا ملكهم وأصحابه، حتى أكلوا الكلاب والسنانير. قال: ثمّ لم يدخلوا حتى ناداهم مناب: والله ما فيها أحدٌ! فدخلوها، وما فيها أحد (١). (٨: ٤).
حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى
٤١٨ - قال سيف: وذلك في صفر سنة ستّ عشرة، قالوا: ولما نزل سعد بَهُرسير -وهي المدينة الدنيا- طلب السفن ليعبرَ بالناس إلى المدينة القُصْوى، فلم يقدر على شيء، ووجدهم قد ضمّوا السفن، فأقاموا ببهرسير أيامًا من صَفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه أعلاج فدلُّوه على مخاضة تخاض إلى صُلْب الوادي، فأبى وتردّد عن ذلك، وفجِئهم المدّ، فرأى رؤيا: أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المدّ بأمر عظيم؛ فعزم لتأويل رؤياه على العُبور، وفي سنة جَوْدُ صيفها متتابع. فجمع سعد الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤتَوْا منه، فقد كفاكموهم أهلُ الأيام، وعطّلوا ثغورَهم، وأفنَوْا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنيَّاتكم قبل أن تحصركم الدّنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرُّشد، فافعل. فندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: مَن يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس، وانتدب بعده ستّمئة من أهل النَّجَدات، فاستعمل عليهم عاصمًا، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: مَن ينتدب معي لنمنع الفِراض من عدوّكم ولنحمِيَكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون؛ منهم أصمُّ بني ولَّاد وشُرَحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذُكور، ليكون أساسًا لعَوْم الخيل. ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمئة
стр. 2981
على أثرهم، فكان أوّل مَن فصَل من الستين أصمُّ التّيْم، والكلَج، وأبو مفزّر، وشُرَحبيل، وجَحْل العجْليّ. ومالك بن كعب الهمْدانيّ، وغلام من بني الحارث بن كعب؛ فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أعدّوا للخيل التي تقدمت سعدًا مثلَها، فاقتحموا عليهم دجلة، فأعاموها إليهم، فلقوا عاصمًا في السَّرَعان، وقد دنا من الفِراض، فقال عاصم: الرّماح الرماحَ! أشرعوها وتوخَّوا العيون؛ فالتقوا فاطّعنوا، وتوخَّى المسلمون عيونهم، فولوا نحو الجُدّ، والمسلمون يشمِّصون بهم خيلَهم، ما يملك رجالها منعَ ذلك منها شيئًا. فلحقوا بهم في الجُدّ، فقتلوا عامّتهم، ونجا مَنْ نجا منهم عُورانًا، وتزلزلت بهم خيولهم، حتى انتقضت عن الفِراض، وتلاحق الستمئة بأوائلهم الستين غيرَ متعتَعِين. ولما رأى سعد عاصمًا على الفِراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! وتلاحق عُظْم الجند، فركبوا اللجّة، وإنّ دجلة لترمي بالزَّبد، وإنها لمُسْوَدّة، وإنّ الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون، كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض، ففجؤوا أهلَ فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فأجهضوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم، ودخلها المسلمون في صفر سنة ستّ عشرة، واستولوْا على ذلك كلّه مما بقي في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف، ومما جمع شيري ومن بعده. وفي ذلك يقول أبو بُجَيد نافع بن الأسود:
وأسَلْنا على المدائن خيلًا ... بَحْرها مِثْل بَرِّهِنَّ أريضا
فانتثَلْنا خزائنَ المرءِ كِسْرَى ... يومَ وَلَّوا وحاصَ منَّا جَريضا (١)
(٨: ٣/ ٩/ ١٠).
٤١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طَيْبة، عن أبيه، قال: لما أقام سعد على دِجْلة؛ أتاه علْج، فقال: ما يقيمك! لا يأتي عليك ثالثة حتى يذهب يَزْدَجرد بكل شيء في المدائن؛ فذلك مما هيّجه على القيام بالدّعاء إلى العبور (٢). (٤: ١٠).
стр. 2982
٤١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، قال: لما هزموهم في الماء، وأخرجوهم إلى الفِراض، ثم كشفوهم عن الفِراض أجْلوْهم عن الأموال، إلّا ما كانوا تقدّموا فيه -وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة ألاف ألف ألف- فبعثوا مع رستم بنصف ذلك، وأقرّوا نصفه في بيوت الأموال (١). (٤: ١١).
٤١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدْر بن عثمان، عن أبي بكر بن حفص بن عمر، قال: قال سعد يومئذ وهو واقف قبل أن يُقحم الجمهورَ، وهو ينظر إلى حُماة الناس وهم يقاتلون على الفِراض: والله أنْ لو كانت الخرساء -يعني: الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو، وحَمَّال بن مالك، والرُّبيل بن عمرو- فقاتلوا قتال هؤلاء القوم هذه الخيل، لكانت قد أجزأت وأغنت، وكتيبة عاصم هي كتيبة الأهوال؛ فشبّه كتيبة الأهوال -لِما رأى منهم في الماء والفراض- بكتيبة الخرساء. قال: ثم إنهم تنادوا بعد هَنات قد اعتوروها عليهم ولهم. فخرجوا حتى لحقوا بهم، فلما استووْا على الفِراض هم وجميع كتيبة الأهوال بأسرهم، أقحم سعد الناس -وكان الذي يساير سعدًا في الماء سلْمان الفارسيّ- فعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل! والله لينصرنّ الله وليّه، وليظهرنّ الله دينَه، وليهزمنّ الله عدوّه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْي، أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذُلِّلت لهم والله البحور، كما ذُلّل لهم البرّ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخْرُجُنّ منه أفواجًا كما دخلوه أفواجًا! فطبقوا الماء حتى ما يُرى الماء من الشاطئ، ولهم فيه أكثر حديثًا منهم في البرّ لو كانوا فيه، فخرجوا منه -كما قال سلمان- لم يفقدوا شيئًا، ولم يغرق منهم أحد (٢). (٤: ١١/ ١٢).
٤١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دِثار، عن أبي عثمان النهديّ: أنهم سلموا من عند آخرهم إلّا رجلًا من بارق يُدعى غَرْقدة، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عُريًا والغريقُ طاف،
стр. 2983
فثنى القعقاع بن عمرو عِنانَ فرسه إليه، فأخذ بيده فجرّه حتى عبر، فقال البارقيّ وكان من أشدِّ الناس: أُعْجِزَ الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع! وكان للقعقاع فيهم خُؤولة (١). (٤: ١٢).
٤١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: فما ذهب لهم في الماء يومئذ إلّا قَدح كانت علاقته رثّة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذي كان يعاوِم صاحب القدح معيّرًا له: أصابه القَدَر فطاح، فقال: والله إني لَعلَى جَدِيلةٍ ما كان الله ليسلبني قدَحِي من بين أهل العسكر. فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمي الفِراض، قد سفل حتى طلع عليه أوائل الناس، وقد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرفه، فأخذه صاحبه، وقال للذي كان يعاومه: ألم أقل لك! وصاحبه حَليف لقُريش من عَنْز، يُدعى: مالك بن عامر، والذي قال: "طاح" يُدعى عامر بن مالك (٢). (٤: ١٢).
٤٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن عُمير الصائديّ، قال: لما أقحم سعد الناس في دِجْلة اقترنوا، فكان سلمان قرينَ سعد إلى جانبه يسايره في الماء، وقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم؛ والماء يطمو بهم، وما يزال فرس يستوي قائمًا إذا أعيا يُنْشَز له تَلْعة فيستريح عليها؛ كأنه على الأرض، فلم يكن بالمدائن أمرٌ أعجب من ذلك، وذلك يوم الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم (٣). (٤: ١٢/ ١٣).
٤٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلّب، وطلحة، وعمرو، وسعيد، قالوا: كان يوم ركوب دِجْلة يدعى يوم الجراثيم، لا يعيا أحد إلا أنشِزت له جرثومة يُريح عليها (٤). (٤: ١٣).
٤٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: خُضْنا دجلة وهي تطفح، فلما كنّا في
стр. 2984
أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه (١). (٤: ١٣).
٤٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وطلحة، قالوا: وما زالت حُماة أهل فارس يقاتلون على الفِراض؛ حتى أتاهم آتٍ فقال: علَام تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن أحد (٢). (٤: ١٣).
٤٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة بن الحارث وعطاء بن السائب، عن أبي البَختريّ، قال: كان رائدُ المسلمين سَلْمان الفارسيّ، وكان المسلمون قد جعلوه داعيةَ أهلِ فارس. قال عطية: وقد كانوا أمروه بدُعاء أهل بَهُرَسير، وأمّروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثًا. قال عطية، وعطاء: وكان دعاؤه إيّاهم أن يقول: إني منكم في الأصل، وأنا أرِقُّ لكم، ولكم فيّ ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم: أن تُسلموا فإخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإلّا فالجزية، وإلّا نابذْناكم على سواء؛ إنّ الله لا يحب الخائنين. قال عطية: فلما كان اليوم الثالث في بَهرسير أبوْا أنْ يُجيبوا إلى شيء، فقاتلهم المسلمون حين أبوْا. ولما كان اليوم الثالث في المدائن قبِل أهل القصر الأبيض وخرجوا، ونزل سعد القصر الأبيض، واتّخَذ الإيوان مُصلَّى، وإن فيه لتماثيلَ جصّ فما حرّكها (٣). (٤: ١٤).
٤٢٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وشاركهم سماك الهُجيميّ، قالوا: وقد كان الملك سرّب عيالَه حين أخذِت بَهُرسير إلى حُلوان، فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرّابًا، وخيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمين وخيلهم من العبور، فاقتتلوا هم والمسلمون قتالًا شديدًا، حتى ناداهم مناد: علامَ تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن من أحد. فانهزموا، واقتحمتها الخيول عليهم، وعبر سعد في بقيّة الجيش (٤). (٤: ١٥).
٤٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،
стр. 2985
والمهلب، قالوا: أدرك أوائلُ المسلمين أخريات أهلِ فارس، فأدرك رجلٌ من المسلمين يدعى ثقيفًا -أحدُ بني عديّ بن شريف- رجلًا من أهل فارس، معترضًا على طريق من طرقها يحمي أدبار أصحابه، فضرب فرسهَ على الإقدام عليه، فأحجم ولم يُقدِم، ثم ضربه للهرب فتقاعسَ حتى لحقه المسلم، فضرب عنقه، وسلبه (١). (٤: ١٥).
٤٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، وعمرو، ودثار أبي عمر، قالوا: كان فارس من فرسان المعجم في المدائن يومئذ مما يلي جازِر، فقيل له: قد دخلت العرب وهرب أهل فارس؛ فلم يلتفت إلى قولهم، وكان واثقًا بنفسه، ومضى حتى دخل بيت أعلاج له، وهم ينقلون ثيابًا لهم، قال: ما لكم؟ قالوا: أخرجتْنا الزنابير، وغلبتْنا على بيوتنا، فدعا بجُلاهق، وبطين، فجعل يرميهنّ حتى ألزقهنّ بالحيطان، فأفناهنّ. وانتهى إليه الفَزَع، فقام، وأمر عِلْجًا فأسرج له، فانقطع حزامه، فشدّه على عَجَل، وركب، ثم خرج فوقف. ومرّ به رجل فطعنه، وهو يقول: خذها وأنا ابن المخارق! فقتله ثم مضى ما يلتفت إليه (٢). (٤: ١٥).
٤٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان بمثله، وإذا هو ابن المخارق بن شهاب (٣).
٤٢٩ - قالوا: وأدرك رجل من المسلمين رجلًا منهم معه عصابة يتلاومون، ويقولون: من أيّ شيء فررنا! ثم قال قائل منهم لرجل منهم: ارفع لي كُرَة، فرماها لا يُخطئ، فلما رأى ذلك عاج، وعاجوا معه، وهو أمامهم، فانتهى إلى ذلك الرّجل، فرماه من أقرب مما كان يرمي منه الكُرَة ما يصيبه، حتى وقف عليه الرّجل، ففلق هامَته، وقال: أنا ابن مُشرّط الحجارة. وتفارّ عن الفارسيّ أصحابه (٤). (٤: ١٦).
٤٣٠ - وقالوا جميعًا: محمد، والمهلب، وطلحة، وعمرو، وأبو عمر،
стр. 2986
وسعيد، قالوا: ولما دخل سعد المدائن، فرأى خلوتَها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وصلّى فيه صلاة الفتح -ولا تصلّى جماعة- فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهنّ، واتخذه مسجدًا، وفيه تماثيل الجصّ رجال وخيل، ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك، وتركوها على حالها. قالوا: وأتمّ سعد الصلاة يوم دخَلها، وذلك أنه أراد المُقام فيها. وكانت أوّل جمعة بالعراق جُمعت جماعةٌ بالمدائن، في صفر سنه ستّ عشره (١). (٤: ١٦).
ذكر ما جُمع من فيء أهل المدائن
٤٣١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركيّة مملوءة سِلالًا مختَّمة بالرصاص، فما حسبناها إلّا طعامًا، فإذا هي آنية الذّهب والفضة فقسمت بعدُ بين الناس. وقال حبيب: وقد رأيتُ الرّجل يطوف، ويقول: مَن معه بيضاء بِصفراء؟ وأتينا على كافور كثير، فما حسبناه إلا ملْحًا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز (٢). (٤: ١٧).
٤٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه الرُّفيل بن ميسور، قال: خرج زُهرة في المقدّمة يُتبعهم حتى انتهى إلى جِسْر النَّهْروان، وهم عليه، فازدحموا، فوقع بغل في الماء فعجلوا وكلِبوا عليه، فقال زهرة: إني أقسم بالله إنّ لهَذا البغل لشأنًا! ما كلِب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلّا لشيء بعد ما أرادوا تركه، وإذا الذي عليه حلية كسرى؛ ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة؛ وترجّل زهرة يومئذ حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه بالبغل فاحتملوه، فأخرجوه فجاؤوا بما عليه، حتى ردّه إلى الأقباض، ما يدرون ما عليه، وارتجز يومئذ زهرة:
стр. 2987
فِدى لقومي اليوم أخوالي وأعمامي ... هم كرهوا بالنهر خِذْلاني وإسلامي
هُمْ فَلَجُوا بالبغل في الخِصام ... بكلِّ قطَّاعٍ شُؤونَ الهام
وصرَّعوا الفرْسَ على الآكام ... كأنَّهمْ نعم من الأنعام (١)
(١٧: ٤).
٤٣٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هُبيرة بن الأشعث، عن جدّه الكَلَج، قال: كنت فيمن خرج في الطّلب، فإذا أنا ببغّاليْن قد ردّا الخيل عنهما بالنّشاب، فما بقي معهما غير نشّابتين، فألظظت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ارمِه وأحميك، أو أرميه وتحميني!
فحمى كلّ واحد منهما صاحبَه حتى رمَيا بها. ثم إني حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما، حتى أبلغتهما صاحب الأقباض، وإذا هو يكتب ما يأتيه به الرّجال وما كان في الخزائن والدّور، فقال: علَى رِسْلك حتى ننظر ما معك! فحططت عنهما، فإذا سفَطان على أحد البغلين فيهما تاج كِسْرَى مفسّخًا -وكان لا يحمله إلّا أسطوانتان- وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سَفَطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذّهب المنظوم بالجوهر وغير الدّيباج منسوجًا منظومًا (٢). (٤: ١٧/ ١٨).
٣٣٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: وخرج القَعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسيّ يحمي الناس؛ فاقتتلا فقتله؛ وإذا مع المقتول جَنيبة عليها عَيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف، وفي الآخر ستّة أسياف؛ وإذا في العيبتين أدراع فإذا في الأدراع درع كسرى ومِغفره، وساقاه، وساعداه، ودرْع هرقل، ودرْع خاقان، ودرع داهر، ودرع بَهرام شوبين، ودرع سياوَخش، ودرع النعمان؛ وكانوا استلبوا ما لم يرثوا، استلبوها أيام غزاتهم خاقانَ وهرقلَ وداهرَ؛ وأمّا النعمان وبَهْرام فحين هربا وِخالفَا كسرى، وأما أحد الغلافين ففيه سيف كسرى، وهرمز، وقُباذ، وفيروز، وإذا السيوف الأخر: سيف هرقل، وخاقان،
стр. 2988
وداهر، وبهرام، وسياوخش، والنعمان؛ فجاء به إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه دِرْع بهرام، وأما سائرها فنقّلها في الخرْساء إلّا سيف كسرى، والنعمان -ليبعثوا بهما إلى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما، وحبسوهما في الأخماس- وحُليَّ كسرى، وتاجه، وثيابه؛ ثم بعثوا بذلك إلى عمر ليراه المسلمون، ولتسمع بذلك العرب، وعلى هذا الوجه سلب خالد بن سعيد عمرَو بن معد يكرب سيفَه الصَّمصامة في الرِّدّة والقوم يستحيُون من ذلك (١). (٤: ٩٨).
٤٣٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة بن مُعتّب، عن رجل من بني الحارث بن طَرِيف، عن عصمة بن الحارث الضبيّ، قال: خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقًا مسلوكا وإذا عليه حمّار، فلمّا رآني؛ حثّه، فلحق بآخر قدّامه، فمالا، وحثّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كُسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرّقا، ورماني أحدهما فألظظت به فقتلته وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سَفَطان في أحدهما فرس من ذهب مسرَج بسرْج من فضة، على ثَفره ولَبَبه الياقوت، والزُّمُرّد منظوم على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضّة مكلّل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضّة، عليها شَلِيل من ذهب، وبِطان من ذهب ولها شِناق -أو زمام- من ذهب، وكلّ ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجلٌ من ذهب مكلّل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتي التاج (٢).) (٤: ١٨/ ١٩).
٤٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عُبيدة العنبريّ، قال: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض؛ أقبَل رجل بحُقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال والذين معه: ما رأينا مثلَ هذا قطّ، ما يعدِل ما عندنا ولا يقاربه؛ فقالوا: هل أخذتَ منه شيئًا؟ فقال: أمَا والله لولا الله ما أتيتُكم به، فعرفوا: أنّ للرّجل شأنًا، فقالوا: مَنْ أنتَ؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرّظوني، ولكنّي أحمَد الله،
стр. 2989
وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلًا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس (١). (٤: ١٩).
٤٣٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: قال سعد: والله إنّ الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت: وايم الله -على فضل أهل بدر- لقد تتبّعت من أقوامٍ منهم هنَات وهنات فيما أحرزوا، ما أحسبها، ولا أسمَعُها من هؤلاء القوم (٢). (٤: ١٩).
٤٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُبشِّر بن الفُضَيل، عن جابر بن عبد الله، قال: والله الذي لا إله إلّا هو؛ ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسيّة: أنه يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتّهمنا ثلاثة نفر، فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم، وزُهدهم: طُليحة بن خُوَيلد، وعمرو بن مَعديكرب، وقيس بن المكشوح (٣). (٤: ١٩/ ٢٠).
ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا -فيما زعم سيف- ستين ألفًا
٤٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد، والمهلّب، قالوا: ولما بعث سعد بعد نزوله المدائن في طلب الأعاجم؛ بلغ الطلب النّهْروَان؛ ثمّ تراجعوا، ومضى المشركون نحو حُلْوان، فقسم سعد الفيء بين الناس بعدما خمّسه؛ فأصاب الفارسَ اثنا عشر ألفًا، وكلُّهم كان فارسًا ليس فيهم راجل؛ وكانت الجنائب في المدائن كثيرة (٤). (٤: ٢٠).
٤٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ
стр. 2990
بمثله، وقالوا جميعًا: ونفّل من الأخماس ولم يجْهَدْها في أهل البلاء. وقالوا جميعًا: قسم سعد دور المدائن بين الناس، وأوطنوها، والذي وليَ القبض عمرو بن عمرو المُزَنيّ، والذي وليَ القسم سلْمان بن ربيعة، وكان فَتْح المدائن في صفر سنة ستّ عشرة. قالوا: ولما دخل سعد المدائن، أتمّ الصلاة، وصام، وأمر الناس بإيوان كسرى فجعل مسجدًا للأعياد، ونصب فيه مِنْبَرًا، فكان يصلَّى فيه -وفيه التماثيل- ويُجَمّع فيه، فلما كان الفِطْر؛ قيل: ابرزوا، فإنّ السنّة في العيدين البَراز. فقال سعد: صلّوا فيه؛ قال: فصلِّيَ فيه، وقال: سواء في عُقْر القرية أو في بطنها (١). (٤: ٢٠/ ٢١).
٤٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، والمهلب، وشاركهم عمرو، وسعيد: وجمع سعد الخُمْس، وأدخل فيه كلّ شيء أراد أن يعجب منه عمر؛ من ثياب كسرى، وحُليّه، وسيفه، ونحو ذلك، وما كان يُعجِب العربَ أن يقع إليهم، ونفّل من الأخماس، وفضل بعد القَسْم بين الناس وإخراج الخمس القِطْف، فلم تعتدل قسمتُه، فقال للمسلمين: هل لكم في أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، فنبعثَ به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق قسمه؛ وهو بيننا قليل؛ وهو يقع من أهل المدينة موقعًا! فقالوا: نعم هااللهِ إذًا؛ فبعث به على ذلك الوجه، وكان القِطْف ستين ذراعًا في ستين ذراعًا، بساطًا واحدًا مقدار جريب؛ فيه طُرق كالصّور وفصوص كالأنهار؛ وخلال ذلك كالدّير، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونوّاره بالذهب والفضة وأشباه ذلك. فلما قدم على عمر نفّل من الخمس أناسًا، وقال: إنّ الأخماس ينفَل منها مَن شهد ومن غاب من أهل البلاء فيما بين الخُمسين؛ ولا أرى القوم جهدوا الخُمس بالنفل؛ ثم قسم الخمس في مواضعه، ثمّ قال: أشيروا عليّ في هذا القِطْف! فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فَرَ رأيَك، إلّا ما كان من عليّ فإنه قال: يا أمير المؤمنين! الأمر كما قالوا، ولم يبق إلا التّرويَة؛ إنك إن تقبله على هذا اليوم لم تعدم في غد مَن يستحقّ به ما ليس له، قال: صدقتني
стр. 2991
ونصحتَني. فقطّعه بينهم (١). (٤: ٢١/ ٢٢).
٤٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بَهار كسرى، ثقُل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يُعِدّونه للشتاء إذا ذهبت الرّياحين، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه؛ فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين؛ أرضه بذهب، ووشيه بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء الذهب؛ وكانت العرب تسميه: القِطف، فلما قسم سعد فيئهم فضل عنهم، ولم يتّفق قسمته، فجمع سعد المسلمين، فقال: إن الله قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقوى على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفسًا لأمير المؤمنين يضعه حيث شاء؛ ففعلوا. فلما قدم على عمر المدينة رأى رؤيا فجمع الناس، فحمِد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره، فمن بين مُشير بقبْضه، وآخر مُفوِّض إليه، وآخر مرقّق، فقام عليّ حين رأى عمر يأبى حتّى انتهى إليه، فقال: لمَ تجعل علمك جهلًا، ويقينك شكًّا! إنه ليس لك من الدنيا إلّا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقْتَني. فقطّعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليّا قطعة منه، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجودِ تلك القِطَع (٢). (٤: ٢٢).
٤٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وعمرو؛ وسعيد، قالوا: وكان الذي ذهب بالأخماس؛ أخماس المدائن، بشير بن الخَصاصيّة، والذي ذهب بالفتح خنيس بن فلان الأسديّ، والذي وليَ القبض عمرو، والقَسْمَ سلْمان. قالوا: ولما قُسِم البساط بين الناس أكثر الناس في فضل أهل القادسيّة، فقال عمر: أولئك أعيان العرب وغُررها، اجتمع لهم مع الأخطار الدِّين، هم أهل الأيام، وأهل القوادِس. قالوا: ولما أتيَ بِحُليِّ كسرى وزيّه في المباهاة وزيّه في غير ذلك -وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زيّ- قال: عليَّ بمحلِّم -وكان أجسمَ عربيّ يومئذ بأرض المدينة- فألبِس تاج كسرى على عمودين من خشب، وصبّ عليه أوشحتَه وقلائده وثيابه، وأجلس للناس؛ فنظر إليه عمر، ونظر إليه الناس، فرأوْا أمرًا عظيمًا من أمر الدنيا
стр. 2992
وفتنتها، ثم قام عن ذلك، فألبِس زِيّه الذي يليه، فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع، حتى أتى عليها كلها؛ ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك، ثم وضعه ثم قال: والله إنّ أقوامًا أدّوْا هذا لذوو أمانة. ونفّل سيف كسرى محلِّمًا، وقال: أحمِق بامرئ من المسلمين غرَّته الدنيا! هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا أو مثَله! وما خيرُ امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه ولا ينفعه! إنّ كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتِي عن آخرته، فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه، ووضع الفضول مواضعها تحصُل له، وإلّا حصلت للثلاثة بعده؛ وأحمِق بمن جمع لهم أو لعدوّ جارِف (١)! (٤: ٢٢/ ٢٣).
ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة
٤٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وزياد، قالوا: وكتب عمر إلى سعد: إن هزم الله الجنديْن -جند مهران وجند الأنطاق- فقدّم القعقاع حتى يكون بين السواد وبين الجبل على حدّ سوادكم، وشاركهم عمرو، وسعيد. قالوا: وكان من حديث أهل جَلُولاء! أنّ الأعاجم لما انتهوْا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء، وافترقت الطرق بأهل أذْرَبيجان والباب وبأهل الجبال وفارس؛ تذامروا، وقالوا: إن افترقتم؛ لم تجتمعوا أبدًا، وهذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا، وأبليْنا عذرًا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مِهران الرازيّ، ونفذَ يزدَجِرد إلى حُلوان فنزل بها، ورماهم بالرّجال؛ وخلَّف فيهم الأموال، فأقاموا في خندقهم، وقد أحاطوا به الحَسَك من الخشب إلّا طرقهم. قال عمرو عن عامر الشعبيّ: كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الرّدّة حتى مات، وكان عمر قد استعان بهم، فكان لا يؤمّر منهم أحدًا إلا على النفر وما دون ذلك؛ وكان لا يعدل أن يؤمّر الصحابة إذا وجد مَن يجزي عنه في حربه؛ فإن لم يجد ففي التابعين بإحسان، ولا يُطمع من انبعث في الردّة في الرياسة، وكان رؤساء أهل
стр. 2993
الردّة في تلك الحروب حِشوة إلى أن ضرب الإسلام بِجرانه.
ثم اشترك عمرو، ومحمد، والمهلب، وطلحة، وسعيد، فقالوا: ففصل هاشم بن عُتْبة بالناس من المدائن في صفر سنة ستّ عشرة في اثني عشر ألفًا؛ منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ وممن لم يرتدّ؛ فسار من المدائن إلى جَلُولاء أربعًا، حتى قدم عليهم، وأحاط بهم، فحاصرهم وطاولهم أهلُ فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلّا إذا أرادوا؛ وزاحفهم المسلمون بجلُولاء ثمانين زحفًا، كلّ ذلك يعطي الله المسلمين عليهم الظّفر، وغلبوا المشركين على حَسَك الخشب، فاتّخذوا حَسَك الحديد (١). (٤: ٢٤/ ٢٥).
٤٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُقْبة بن مكَرم، عن بطان بن بِشْر، قال: لما نزل هاشم على مِهْران بجَلُولاء، حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زُهاء وأهاويلَ، وجعل هاشم يقوم في الناس، ويقول: إنّ هذا المنزل منزل له ما بعده؛ وجعل سعد يُمدّه بالفرسان؛ حتى إذا كان أخيرًا احتفلوا للمسلمين، فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: أبلُوا الله بلاء حسنًا؛ يتمّ لكم عليه الأجر والمغنَم، واعملوا لله. فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحًا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق، فلم يجدوا بُدًّا من أن يجعلوا فُرَضًا مما يليهم؛ تصعد منه خيلهم؛ فأفسدوا حصنَهم؛ وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه! فلما نَهَد المسلمون الثانية خرج القوم، فرمُوا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسَك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل، وتركوا للمجال وجهًا، فخرجوا على المسلمين منه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يقتَتلُوا مثله إلا ليلة الهرير، إلا أنه كان أكمش وأعجل؛ وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديًا فنادى: يا معشر المسلمين! هذا أميركم قد دخل خندق القوم، وأخذ به، فأقبِلوا إليه! ولا يمنعنَّكم مَن بينكم وبينه من
стр. 2994
دخوله. وإنما أمر بذلك ليقوّي المسلمين به، فحمل المسلمون ولا يشكّون إلا أن هاشمًا فيه، فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو، وقد أخذ به؛ وأخذ المشركون في هزيمة يَمنة ويَسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم؛ فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين فعُقرت دوابّهم، وعادوا رجّالة؛ وأتبعهم المسلمون، فلم يفلِتْ منهم إلا من لا يعدّ، وقتَل الله منهم يومئذ مئة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلْفه، فسمّيت جلولاء بما جللها من قتْلاهم؛ فهي جلولاء الوقيعة" (١). (٤: ٢٥/ ٢٦).
٤٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه، قال: إني لفي أوائل الجمهور، مُدخَلهم ساباط ومظُلِمهَا، وإني لفي أوائل الجمهور حين عَبَرُوا دجلة، ودخلوا المدائن؛ ولقد أصبت بها تمثالًا لو قسم في بكر بن وائل لسدّ منهم مسَدًّا، عليه جوهر، فأدّيته؛ فما لبثنا بالمدائن إلّا قليلًا حتى بلغنا: أنّ الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعًا عظيمًا، وقدّموا عيالاتِهم إلى الجبال، وحبسوا الأموال؛ فبعث إليهم سعد عمرَو بن مالك بن عتبة بن أهْيَب بن عبد مناف بن زهرة، وكان جُند جلولاء اثني عشر ألفًا من المسلمين، على مقدّمتهم القعقاع بن عمرو، وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم؛ فلما مرُّوا ببابل مَهْروذ صالحه دِهْقانها، على أن يفرش له جريب أرض دراهم؛ ففعل وصالحه. ثم مضى حتى قدم عليهم بجَلُولاء، فوجدهم قد خندقوا، وتحصنوا في خندقهم، ومعهم بيت مالهم، وتواثقوا، وتعاهدوا بالنيران ألّا يفرّوا، ونزل المسلمون قريبًا منهم، وجعلت الأمداد تقدُم على المشركين كلّ يوم من حُلوان، وجعل يُمدّهم بكلّ من أمدّه من أهل الجبال، واستمدّ المسلمون سعدًا فأمدّهم بمئتي فارس، ثم مئتين، ثم مئتين. ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين. وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان، أحد بني عبد الدار، وعلى خيل الأعاجم خرّزاذ بن خرّهرمز فاقتتلوا قتالا شديدًا، لم يقاتلوا المسلمين مثلَه في موطن من المواطن، حتى أنفدوا النبْل؛ وحتى أنفدوا النّشّاب، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطّبَرزينات. فكانوا بذلك صدْرَ نهارهم إلى الظهر؛ ولما حضرت الصلاة صلى
стр. 2995
الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصّلاتين خَنَست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع بن عمرو على الناس، فقال: أهالتْكم هذه؟ قالوا: نعم؛ نحن مُكِلّون وهم مُريحون، والكالّ يخاف العَجْز إلا أن يُعْقِب؛ فقال: إنّا حاملون عليهم ومجادّوهم وغير كافّين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبنّ أحد منكم. فحمل فانفرجوا، فما نُهْنِه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يَمنة ويسرة؛ وجاء في الأمداد: طليحة، وقيس بن المكشوح، وعمرو بن معد يكرب، وحُجْر بن عديّ، فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل، ونادى منادي القعقاع بن عمرو: أين تحاجزون وأميركم في الخندق! فتفارّ المشركون، وحمل المسلمون، فأدخُل الخندق، فأتى فسطاطًا فيه مرافق وثياب؛ وإذا فُرش على إنسان فأنبُشه، فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس، فأخذتُها وثيابها، فأدَّيت الثياب، وطلبت في الجارية حتى صارت إليّ فاتخذتها أمّ ولد (١). (٤: ٢٦/ ٢٧).
٤٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حماد بن فلان البرجميّ، عن أبيه: أنّ خارجة بن الصّلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب أو فضة موشحة بالدرّ والياقوت مثل الجَفرة إذا وُضعت على الأرض، وإذا عليها رجلٌ من ذهب موشّح كذلك، فجاء بها وبه حتّى أدّاهما (٢). (٤: ٢٧/ ٢٨).
٤٤٨ - وقالوا: واشتركوا في ذلك، وكتبوا إلى عمر بفتح جَلُولاء، وبنزول القعقاع حُلوان واستأذنوه في اتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أنّ بين السواد وبين الجبل سدًّا لا يخلُصون إلينا ولا نخلُص إليهم؛ حسبُنا من الرّيف السواد، إنّي آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. قالوا: ولما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم؛ أدرك مِهران بخانقين، فقتله، وأدرك الفيرزان، فنزل، وتوقّل في الظِّراب، وخلّى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبِعث بهم إلى هاشم من سباياهم، واقتسموهم فيما اقتسموا من الفيء، فاتُّخذن، فولدن في المسلمين.
стр. 2996
وذلك السبي ينسب إلى جَلولاء، فيقال: سبْي جَلولاء. ومن ذلك السبي أم الشعبيّ، وقعت لرجل من بني عبس، فولدت، فمات عنها، فخلَف عليها شراحيل، فولدت له عامرًا، ونشأ في بني عبس (١). (٤: ٢٨).
٤٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: واقتُسم في جَلولاء على كلّ فارس تسعة آلاف، تسعة آلاف؛ وتسعة من الدواب، ورجع هاشم بالأخماس إلى سعد (٢). (٤: ٢٨/ ٢٩).
٤٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بجَلُولاء وما كان عليهم، وكلّ دابة كانت معهم إلّا اليسير لم يفلتوا بشيء من الأموال، ووليَ قَسْم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعة؛ فكانت إليه يومئذ الأقباض والأقسام، وكانت العرب تسمّيه لذلك سلْمان الخيل؛ وذلك أنه كان يقسم لها ويقصّر بما دونها، وكانت العِتاق عنده ثلاث طبقات، وبلغ سهم الفارس بجَلولاء مثل سهمه بالمدائن (٣). (٢٩: ٤).
٤٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، وعمرو، عن الشعبيّ، قال: اقتسم الناس فيءَ جَلولاء على ثلاثين ألف ألف، وكان الخُمس ستة آلاف ألف (٤). (٤: ٢٩).
٤٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلب، وسعيد، قالوا: ونفلَ سعد من أخماس جَلولاء مَن أعظم البلاء ممنّ شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيًا بالمدائن، وبعثَ بالأخماس مع قضاعيّ بن عمرو الدُّؤليّ من الأذهاب، والأوراق، والآنية، والثياب، وبعث بالسبي مع أبي مفزّر والأسود، فمضيا (٥). (٤: ٢٩).
стр. 2997
٤٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زُهرة، ومحمد بن عمرو، قالا: بعث الأخماس مع قضاعيّ وأبي مفزّر، والحسابَ مع زياد بن أبي سفيان، وكان الذي يكتب للناس ويدوّنهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمرَ فيما جاء له، ووصف له، فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيبَ في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد. فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، فقال: إنَّ جُنْدَنا أطْلَقوا بالفَعال لِساننا (١). (٢٩: ٤/ ٣٠).
٤٥٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زهرة ومحمد، عن أبي سلمة، قال: لما قُدم على عمر بالأخماس من جَلولاء، قال عمر: والله لا يُجنّه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أرقن يحرسانه في صحن المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبَه -وهي الأنطاع- فلما نظر إلى ياقوته وزبرجدِه وجوهره؛ بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين! فوالله إنّ هذا لموطن شُكر! فقال: عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطَى الله هذا قومًا إلّا تحاسدوا، وتباغضوا! ولا تحاسدوا إلّا ألقِيَ بأسهم بينهم. وأشكل على عمر في أخماس القادسيّة حتى خطر عليه ما أفاء الله -يعني من الخُمس- فوضع ذلك في أهله، فأجرى خُمس جلولاء مُجرى خمس القادسيّة عن ملأ وتشاور وإجماع من المسلمين، ونفّل من ذلك بعض أهل المدينة (٢). (٤: ٣٠).
٤٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن ماهان، قال: لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الأيام إلّا أهل قَريات، أخذوها عنوة، كلهم نكث؛ ما خلا أولئك القريات، فلما دُعوا إلى الرّجوع صاروا ذمّة، وعليهم الجِزاء، ولهم المنْعَة، إلا ما كان لآل كسرى
стр. 2998
ومَنْ معهم، فإنه صافية فيما بين حُلوان والعراق؛ وكان عمر قد رضيَ بالسَّواد من الرّيف (١). (٤: ٣١).
٤٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كتبوا إلى عمر في الصّوافي، فكتب إليهم: أن اعمدوا إلى الصّوافي التي أصفاكموها الله، فوزّعوها على مَن أفاءها الله عليه؛ أربعة أخماس للجند، وخُمس في مواضعه إليّ، وإن أحبُّوا أن ينزلوها فهو الذي لهم. فلما جعل ذلك إليهم رأوا ألّا يفترقوا في بلاد المعجم، وأقرّوها حبيسًا لهم يُولُونها مَن تراضوْا عليه، ثم يقتسمونها في كلّ عام، ولا يُولونها إلا مَن أجمعوا عليه بالرضا، وكانوا لا يُجمعون إلّا على الأمراء، كانوا بذلك في المدائن؛ وفي الكوفة حين تحوّلوا إلى الكوفة (٢). (٤: ٣١/ ٣٢).
٤٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة، عن أبيه، قال: كتب عمر: أن احتازوا فيئكم فإنكم إن لم تفعلوا، فتقادُم الأمر يلحَج؛ وقد قضيت الذي عليّ. اللهمّ إنّي أشهدك عليهم فاشهد (٣): (٤: ٣٢).
٤٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: فكان الفلّاحون للطرق، والجسور، والأسواق، والحرث، والدّلالة مع الجِزاء عن أيديهم على قَدْر طاقتهم؛ وكانت الدّهاقين للجِزية عن أيديهم والعِمارة، وعلى كلهم الإرشاد، وضيافة ابنِ السبيل من المهاجرين، وكانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصّة ميراثًا (٤). (٤: ٣٢).
٤٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت بنحو منه، وقالوا جميعًا: كان فتح جَلولاء في ذي القعدة سنة ستّ عشرة في أولها، بينها وبين المدائن تسعة أشهر. وقالوا جميعًا: كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة: أنهم إن غشّوا المسلمين لعدوّهم برئتْ
стр. 2999
منهم الذمة، وإن سبّوا مسلمًا أن يُنهَكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلمًا أن يُقتلوا. وعلى عمر منعتهم. وبرئ عمر إلى كلّ ذي عهد من معرّة الجيوش (١). (٤: ٣٢).
٤٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله والمستنير، عن إبراهيم بمثله (٢). (٤: ٣٢).
٤٦١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان أشقى أهل فارس بجلُولاء أهل الرّيّ، كانوا بها حُماةَ أهل فارس، ففنيَ أهلُ الرّيّ يوم جَلولاء. وقالوا جميعًا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن؛ نزلوا قطائعَهم، وصار السواد ذمة لهم إلا ما أصفاهم الله به من مال الأكاسرة، ومَن لجّ معهم. وقالوا جميعًا: ولما بلغ أهلَ فارس قولُ عمر ورأيه في السواد وما خلْفه، قالوا: ونحن نرضى بمثل الذي رضُوا به، لا يرضى أكراد كلّ بلد أن ينالوا من ريفهم (٣). (٤: ٣٢/ ٣٣).
٤٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد وحكيم بن عُمَير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: لا يحلّ اشتراء أرض فيما بين حُلوان والقادسيّة؛ والقادسيّة من الصوافي؛ لأنه لمن أفاءه الله عليه (٤). (٤: ٣٣).
٤٦٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ مثله (٥). (٤: ٣٣).
٤٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن المغيرة بن شِبْل، قال؛ اشترى جرير من أرضِ السواد صافيةً على شاطئ
стр. 3000
الفُرات، فأتى عمر، فأخبره، فردّ ذلك الشراء، وكرهه، ونهى عن شراء شيء لم يقتسمه أهله (١). (٤: ٣٣).
٤٦٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخذ السواد عنوة؛ قال: نعم، وكلّ أرض إلّا بعض القلاع والحصون؛ فإن بعضهم صالح، وبعضهم غلب، قلت: فهل لأهل السواد ذمّة اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دُعوا، ورضوا بالخراج، وأخذ منهم؛ صاروا ذمّة (٢).
ذكر فتح تكريت
٤٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد، وطلحة، والمهلب، وسعيد، وشاركهم الوليد بن عبد الله بن أبي طَيْبة، قالوا: كتب سعد في اجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله حتى نزل بتكْريت، وخندق فيه عليه ليحميَ أرضه، وفي اجتماع أهل جلولاء على مِهران معه؛ فكتب في جلولاء ما قد فرغنا سنه، وكتب في تكْريت واجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق بها: أن سرّح إلى الأنطاق عبد الله بن المُعتمّ، واستعمل على مقدّمته ربعيَّ بن الأفكَل العَنزيّ، وعلى ميمنته الحارثَ بن حسان الذهليّ، وعلى ميسرته فُراتَ بن حَيّان العِجليّ، وعلى ساقته هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجةَ بن هرْثمة، ففصل عبد الله بن المعتمّ في خمسة آلاف من المدائن، فسار إلى تَكريت أربعًا؛ حتى نزل على الأنطاق؛ ومعه الرّوم، وإياد، وتغلِب، والنَّمِر، ومعه الشهارجة وقد خندقوا بها، فحصرهم أربعين يومًا، فتزاحفوا فيها أربعة وعشرينْ زحفًا، وكانوا أهون شوْكة، وأسرعَ أمرًا من أهل جَلولاء، ووكَّل عبد الله بن المعتمّ بالعرب ليدعوَهم إليه وإلى نصرته على الرّوم، فهم لا يُخفون عليه شيئًا. ولما رأت الرّوم أنهم لا يخرجون خَرْجة إلّا كانت عليهم، ويُهْزَمون في كلّ ما زاحفوهم؛ تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعَهم إلى السفن، وأقبلت العيون من تغلِب، وإياد، والنَّمِر
стр. 3001
إلى عبد الله بن المعتم بالخبر، وسألوه للعرب السلم، وأخبروه أنهم قد استجابوا له، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين بذلك؛ فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقرُّوا بما جاء به من عند الله، ثم أعلمونا رأيَكم. فرجعوا إليهم بذلك، فردُّوهم إليه بالإسلام، فردّهم إليهم، وقال: إذا سمعتم تكبيرنا؛ فاعلموا أنا قد نَهدْنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التي تَلِي دِجْلة، وكبِّروا واقتلوا مَن قدرتم عليه؛ فانطلقوا حتى تُواطئوهم على ذلك. ونَهَد عبد الله، والمسلمون لما يليهم وكَبّروا، وكبَّرت تغلِب، وإياد، والنَّمِر؛ وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم: أنّ المسلمين قد أتوْهم من خلفهم، فدخلوا عليهم مما يلي دِجْلة، فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون، فأخذتهم السيوف؛ سيوف المسلمين مستقبلتَهم، وسيوف الرّبَعيِّين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم؛ فلم يفلت من أهل الخندق إلّا مَنْ أسلم من تغلِب، وإياد، والنَّمِر. وقد كان عمر عهد إلى سعد؛ إن هم هُزموا أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ابن الأفكَل العَنَزِيّ إلى الحِصْنين، فسرّح عبدُ الله بن المعتمّ ابنَ الأفكل العَنَزيّ إلى الحصنيْن، فأخذ بالطريق، وقال: اسبق الخبر، وسر ما دون القيْل، وأحي الليل. وسرّح معه تغلِب، وإياد، والنَّمِر، فقدمهم وعليهم عُتْبة بن الوعِل؛ أحَد بني جشم بن سعد، وذو القُرْط، وأبو وداعة بن أبي كرب، وابن ذي السُّنيْنَة قتيل الكُلاب، وابن الحجير الإياديّ، وبشر بن أبي حَوْط متساندين، فسبقوا الخبر إلى الحصنيْن. ولما كانوا منها قريبًا قدّموا عتبة بن الوعل، فادّعى بالظفر، والنَّفل، والقَفل، ثم ذو القُرْط، ثم ابن ذي السُّنينة، ثم ابن الحجير، ثمّ بشر؛ ووقفوا بالأبواب، وقد أخذوا بها، وأقبلت سَرعانَ الخيل مع ربعيّ بن الأفْكل حتى اقتحمت عليهم الحصنيْن، فكانت إيّاها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب مَن لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتم، فلما نزل عليهم عبد الله دعا من لجّ وذهب، ووفَّى لمن أقام، فتراجع الهرّاب واغتبط المقيم، وصارت لهم جميعًا الذمة والمنْعَة، واقتسموا في تَكْرِيت على كلّ سهم ألف درهم، للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فُرات بن حَيّان، وبالفتح مع
стр. 3002
الحارث بن حسان، وولى حربَ الموصل رِبعيّ بن الأفكل، والخراجَ عَرْفجة ابن هرثمة (١). (٤: ٣٥/ ٣٦).
ذكر فتح ماسَبَذان
وفي هذه السنة -أعني سنة ست عشرة- كان فتح ماسَبَذان أيضًا.
ذكر الخبر عن فتحها:
٤٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلّب، وعمرو، وسعيد قالوا: ولما رجع هاشم بن عُتْبة من جَلُولاء إلى المدائن؛ بلغ سعدًا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعًا، فخرج بهم إلى السهل، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جُنْد، واجعل على مقدّمته ابن الهذيل الأسديّ، وعلى مجنّبتيه عبد الله بن وهب الراسبيّ حليف بَجِيلة، والمضارب بن فلان العجليّ؛ فخرج ضرار بن الخطاب، وهو أحد بني محارب بن فِهْر في الجند، وقدّم ابنَ الهذيل؛ حتى انتهى إلى سهل ماسَبَذان، فالتقوْا بمكان يدعَى بهَنْدف، فاقتتلوا بها، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين سَلَمًا، فأسره، فانهزم عنه جيشه، فقدّمه، فضرب عنقه. ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيرَوان، فأخذ ماسَبَذان عنوة، فتطاير أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة، واستخلف ابن الهذيل على ماسَبَذان، فكانت إحدى فروج الكوفة (٢). (٤: ٣٧).
стр. 3003
ذكر وقعة قرقيسياء
وفيها كانت وقعة قَرْقيسياء في رَجب.
ذكر الخبر عن الوقعة بها:
٤٦٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: ولما رجع هاشم بن عُتْبة عن جَلُولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة، فأمدّوا هِرقل على أهل حِمْص، وبعثوا جندًا إلى أهل هِيت، وكتب بذلك سعد إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن ابعث إليهم عمَر بن مالك بن عُتْبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، وابعث على مقدّمته الحارثَ بن يزيد العامريّ، وعلى مجنّبتيه رِبعيَّ بن عامر، ومالكَ بن حبيب، فخرج عمر بن مالك في جنده سائرًا نحو هيت، وقدّم الحارث بن يزيد؛ حتى نزل على مَن بِهيت، وقد خندقوا عليهم. فلما رأى عمر بن مالك امتناعَ القوم بخندقهم واعتصامهم به؛ استطال ذلك، فترك الأخبية على حالها، وخلّف عليهم الحارث بن يزيد محاصرَهم، وخرج في نصف النّاس يعارض الطريق حتى يجيء قَرْقِيسياء في غِرّة، فأخذها عَنوة، فأجابوا إلى الجِزاء، وكتب إلي الحارث بن يزيد: إن هم استجابوا؛ فخلّ عنهم فليخرجوا، وإلّا فخندق على خندقهم خندقًا أبوابُه ممّا يليك حتى أرى من رأي. فسمحوا بالاستجابة، وانضمّ الجند إلى عمر، والأعاجم إلى أهل بلادهم (١) (٤: ٣٨).
وقال الواقديّ: وفي هذه السنة غرّب عمرُ أبا مِحْجن الثقفيّ إلى باضع. قال: وفيها تزوّج ابن عُمر صفيّة بنت أبي عُبيدة (٢). (٤: ٣٨).
стр. 3004
٤٦٩ - قال: وحدّثني ابن أبي سبرة عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن المسيّب، قال: أوّل مَن كتب التاريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لستّ عشرة من الهجرة بمشورة عليّ بن أبي طالب (١). (٤: ٣٨).
وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب، واستخلف على المدينة -فيما زعم الواقديّ- زيد بن ثابت. وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلَى بن أميّة، وعلى اليمامة، والبحرين العَلاء بن الحضرميّ، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام كلها أبو عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قُرّة، وعلى البصرة وأرضها المُغيرة بن شعبة، وعلى حرب الموصل ربعيّ بن الأفكل، وعلى الخراج بها عَرْفجة بن هرثمة في قول بعضهم، وفي قول آخرين: عُتبة بن فَرْقد على الحرب والخراج -وقيل: ذلك كلّه كان إلى عبد الله بن المعتمّ- وعلى الجزيرة عِياض بن عمرو الأشعري. (٤: ٣٩).
ثم دخلت سنة سبع عشرة
ذكر سبب تحوُّل مَن تحوّل من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف
٤٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: لما جاء فتح جَلولاء وحُلوان ونزول القعقاع بن عمرو بحُلوان فيمن معه، وجاء فتح تكرِيت، والحِصْنَيْن، ونزول عبد الله بن المعتمّ، وابن الأفكَل الحصنيْن فيمن معه؛ وقدمت الوفود بذلك على عُمر، فلمّا رآهم
стр. 3005
عمر قال: والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم بها! ولقد قدمت وفود القادسيّة والمدائن وإنهم لكما أبدؤوا، ولقد انتكيتم فما غيَّركم؟ قالوا: وُخومة البلاد. فنظر في حوائجهم، وعجل سَراحهم؛ وكان في وفود عبد الله بن المعتمّ عُتبة بن الوعْل، وذو القُرْط، وابن ذي السُّنيْنَة، وابن الحجيْر، وبشْر، فعاقدوا عمر على بني تغلِب، فعقد لهم؛ على أنّ مَن أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومَن أبى فعليه الجِزاء؛ وإنما الإجبار من العرب على مَن كان في جزيرة العرب. فقالوا: إذًا يهربون، وينقطعون، فيصيرون عجمًا؛ فأمرٌ أجمَلُ الصّدقة؛ فقال: ليس إلّا الجِزاء، فقالوا: تجعل جزيتهم مثل صدقة المسلم، فهو مجهودهم، ففعل على ألّا ينصِّروا وليدًا ممن أسلم آباؤهم، فقالوا: لك ذلك، فهاجر هؤلاء التغلبِيّون ومَن أطاعهم من النمِريّين، والأياديّين إلى سعد بالمدائن وخطُّوا معه بعد بالكوفة، وأقام مَن أقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهُم وذميُّهم (١). (٤: ٤٠).
٤٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن شُبرمة، عن الشعبيّ، قال: كتب حذيفة إلى عمر: إنّ العرب قد أتْرِفتْ بطونها، وخفّت أعضادُها، وتغيَّرت ألوانها؛ وحذيفة يومئذ مع سعد (٢). (٤: ٤٠).
٤٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: ولما قدم سلمان، وَحذيفة على سعد، وأخبراه عن الكوفة، وقدم كتاب عمر بالذي ذكرا له؛ كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو: أن خلِّف على الناس بجلولاء قُباذ فيمن تبعكم إلى من كان معه من الحمراء. ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده، وكتب سعد إلى عبد الله بن المعتمّ: أن خلّف على الموصل مسلمَ بن عبد الله الذي كان أسِر أيام القادسيّة فيمن استجاب لكم من الأساورة، ومَن كان معكم منهم. ففعل، وجاء حتى قدم على سعد في جنده، فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة. وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران، وكان بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر؛ اختطّت سنة أربع
стр. 3006
من إمارة عمر في المحرّم سنة سبع عشرة من التأريخ، وأعطوا العطايا بالمدائن في المحرّم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا. وفي بَهُرسير، في المحرّم سنة ستّ عشرة، واستقرّ بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها، كلها ارتحلوا عنها في المحرم سنة سبع عشرة، واستقرّ باقي قرارهما اليوم في شهر واحد.
وقال الواقديّ: سمعتُ القاسم بن معن يقول: نزل الناس الكوفة في آخر سنة سبع عشرة.
قال: وحدّثني ابن أبي الرُّقاد عن أبيه، قال: نزلوها حين دخلت سنة ثماني عشرة في أوّل السنة (١). (٤: ٤٢/ ٤٣).
٤٧٢ - رجع الحديث إلى حديث سيف: قالوا: وكتب عمر إلى سعد بن مالك وإلى عُتْبة بن غَزْوان أن يتربّعا بالناس في كلّ حين ربيع في أطيب أرضهم، وأمر لهم بمعاونهم في الربيع من كلّ سنة، وبإعطائهم في المحرّم من كلّ سنة، وبفيئهم عند طلوع الشِّعْرى في كلّ سنة؛ وذلك عند إدراك الغلّات، وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين (٢). (٤: ٤٣).
٤٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن رجل من بني أسد يدعى المغرور، قال: لما نزل سعد الكوفة؛ كتب إلى عمر: إنّي قد نزلت بكوفة منزلًا بين الحيرة والفُرات بريًّا بحريًا، يُنبت الحِليّ والنِّصِيّ، وخيّرتُ المسلمين بالمدائن، فمن أعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة، فبقي أقوام من الأفناء، وأكثرهم بنو عَبْس (٣). (٤: ٤٣).
٤٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد، والمهلب، قالوا: ولما نزل أهل الكوفةِ الكوفَةَ، واستقرّت بأهل البصرة الدار؛ عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا. ثمّ إنّ أهلَ الكوفة استأذنوا في بنيان القصَب، واستأذن فيه أهل البصرة، فقال عمر: العسكر أجدُّ لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفَكم، وما القصب؟ قالوا:
стр. 3007
العِكْرش إذا رَوِيَ؛ قصّب، فصار قصبًا، قال: فشأنكم؛ فابتنى أهل المصريْن بالقصب.
ثم إن الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة، وكان أشدّهما حريقًا الكوفة، فاحترق ثمانون عريشًا، ولم يبق فيها قَصبة في شوّال، فما زال الناس يذكرون ذلك. فبعث سعد منهم نفرًا إلى عُمر يستأذنون في البناء باللبِن، فقدِموا عليه بالخبر عن الحريق، وما بلغ منهم -وكانوا لا يَدَعون شيئًا ولا يأتونه إلّا وآمَروه فيه- فقال: افعلوا؛ ولا يزيدَنّ أحدُكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاوَلوا في البنيان، والزموا السنّة تلزمكم الدولة. فرجع القوم إلى الكوفة بذلك. وكتب عمر إلى عُتبة وأهل البصرة بمثل ذلك؛ وعلى تنزيل أهل الكوفة أبو الهيّاج بن مالك، وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم بن الدُّلَف أبو الجرباء.
قال: وعهد عمر إلى الوفد، وتقدّم إلى الناس: ألّا يرفعوا بنيانًا فوق القَدْر. قالوا: وما القدْر؟ قال: ما لا يقرّبكم من السَّرَف، ولا يخرجكم من القصد (١). (٤: ٤٣/ ٤٤).
٤٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة؛ أرسل سعد إلى أبي الهيّاج فأخبره بكتاب عمر في الطّرُق: أنه أمر بالمناهِج أربعين ذراعًا، وما يليها ثلاثين ذراعًا، وما بين ذلك عشرين، وبالأزّقة سبع أذرع، ليس دون ذلك شيء، وفي القطائع ستين ذراعًا إلّا الذي لبني ضبّة. فاجتمع أهل الرأي للتقدير؛ حتى إذا أقاموا على شيء؛ قسّم أبو الهيّاج عليه؛ فأوّل شيء خُطّ بالكوفة وبُني حين عزموا على البناء المسجدُ، فوُضع في موضع أصحاب الصابون والتّمارين من السوق، فاختطوه، ثم قام رجل في وسطه، رامٍ شديد النّزع، فرمى عن يمينه فأمر مَنْ شاء أن يبنيَ وراء موقع ذلك السهم، ورمى من بين يديه ومن خلفه، وأمر مَن شاء أن يبني وراء موقع السهمين. فترك المسجد في مربّعةِ غلوة من كلّ جوانبه، وبنى ظلّةً في مقدسه، ليست لها مجنّبات ولا مواخير، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا، وكذلك كانت المساجد
стр. 3008
ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبّهون به المساجد تعظيمًا لحرمته، وكانت ظُلّته مئتي ذراع على أساطين رخام كانت للأكاسرة، سماؤها كأسمية الكنائس الرّومية، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان، وبنَوا لسعد دارًا بحياله بينهما طريق منقَبُ مئتي ذراع، وجعل فيها بيوت الأموال، وهي قصر الكوفة اليوم، بنى ذلك له روزبه لمن آجرّ بنيان الأكاسرة بالحيرة، ونهَج في الودَعة من الصحن خمسة مناهج، وفي قِبْلته أربعة مناهج، وفي شرقيّه ثلاثة مناهج، وفي غربيّه ثلاثة مناهج، وعلَّمها، فأنزل في وَدَعة الصحن سليمًا وثَقِيفًا مما يلي الصحن على طريقين، وهَمْدان على طريق، وبَجِيلة على طريق آخر، وتيْم اللّات على آخرهمْ وتغلِب، وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق، وبين بني أسَد والنَّخَع طريق، وبين النَّخَع وكِندة طريق، وبين كِنْدة والأزْد طريق، وأنزل في شرقيّ الصحن الأنصار، ومُزَينة على طريق، وتميمًا ومحاربًا على طريق، وأسدًا وعامرًا على طريق، وأنزل في غربيّ الصحن بجالة وبَجْلة على طريق، وجَدِيلةَ وأخلاطًا على طريق، وجُهينة وأخلاطًا على طريق، فكان هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك. واقتُسِمت على السّهْمان؛ فهذه مناهجها العظمى. وبنوا مناهج دونها تحاذِي هذه ثم تلاقيها، وأخَر تُتبعها، وهي دونها في الذّرْع، والمحالّ من ورائها؛ وفيما بينها، وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الأعشار من أهل الأيَّام والقوادس، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكنَ حتى يُوافوا إليها؛ فلما ردفتهم الروادف: البدء، والثّناء، وكثروا عليهم، ضيّق الناس المحالّ فمَن كانت رادِفَتُه كثيرة شخص إليهم وترك محلّته، ومَن كانت رادِفته قليلة أنزلوهم منازلَ مَن شخص إلى رادفته لقلّته إذا كانوا جيرانهِم؛ وإلّا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم؛ فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع فيه القبائل؛ ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق في غير بنيان ولا أعلام. وقال عمر: الأسواق على سنَّة المساجد، مَن سبق إلى مقْعد فهو له؛ حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه، وقد كانوا أعدُّوا مُناخًا لكلّ رادف؛ فكان كلّ مَن يجيء سواء فيه -وذلك المناخ اليومَ دور بني البكّاء- حتى يأتوا بالهيّاج، فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبُّوا. وقد بنى سعد في الذين خطُّوا للقصر قصرًا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيّده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيتَه. ثم إنّ بيتَ
стр. 3009
المال نُقب عليه نقبٌ، وأخِذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدّار وبيوت المال من الصّحن مما يلي وَدعة الدار.
فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جَنْب الدار، واجعَل الدّار قبلته؛ فإنّ للمسجد أهلًا بالنهار وبالليل؛ وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه، فقال له دهقان من أهل هَمَذان؛ يقال له: روزبه بن بُزُرْجمِهر: أنا أبنيه لك، وأبني لك قصرًا فأصِلُهما، ويكون بنيانًا واحدًا. فخطّ قصر الكوفة على ما خطّ عليه، ثم أنشأه من نِقْضِ آجرّ قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يَمْنة على القبلة، ثم مدّ به عن يمين ذلك إلى منقطع رَحبَة عليّ بن أبي طالب ﵇، والرحبَة قبلته، ثم مدّ به فكانت قبلة المسجد إلى الرّحَبة وميمنة القصر، وكان بنيانه على أساطين منِ رُخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنّبات؛ فلم يزل على ذلك حتى بنِيَ أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانَه اليوم؛ على يديْ زياد. ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنّائين من بنّائي الجاهليّة، فوصف لهم موضع المسجد، وقدرَه، وما يشتهي من طوله في السماء، وقال: أشتهي من ذلك شيئًا لا أقع على صفته؛ فقال له بنّاء قد كان بنّاءً لكسرى: لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تُنقَر ثم تُثقَب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعًا في السماء، ثم تسقّفه، وتجعل له مجنّبات ومواخير؛ فيكون أثبت له. فقال: هذه الصّفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها. وغلّق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدًا الحديث؛ فلمّا بنى ادّعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سَكِّن عني الصّويت. وبلغ عمر ذلك، وأنّ الناس يسمُّونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة، فسرّحه إلى الكوفة، وقال: اعمِد إلى القصر حتى تحرِق بابه، ثم ارجع عودَك على بدئك؛ فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبًا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأُتِيَ سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسِل لهذا من الشأن، وبعث لينظر مَن هو؛ فإذا هو محمد بن مسلَمة، فأرسل إليه رسولًا بأن ادخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول والنزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر
стр. 3010
إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرًا اتّخذته حصنًا، ويسمى قَصْر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابًا؛ فليس بقصرك؛ ولكنه قصر الخبَال؛ انزل منه منزلًا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابًا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسَك ومخرجك مِنْ دارك إذا خرجت؛ فحلف له سعد ما قال الذي قالوا. ورجع محمد بن مسلَمة من فوره؛ حتى إذا دنا من المدينة فني زادهُ، فتبلّغ بلحاء من لحاء الشجَر، فقدم على عمر، وقد سَنِق فأخبره خبره كله، فقال: فهلّا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبتَ لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إنّ أكملَ الرّجال رأيًا من إذا لم يكن عنده عهد من صَاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل؛ وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدّق سعدًا، وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومَن أبلغني (١). (٤: ٤٤/ ٤٥/ ٤٦/ ٤٧).
٤٧٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطاء أبي محمد، مولى إسحاق بن طلحة، قال: كنت أجلس في المجلس الأعظم قبل أن يبنيَه زياد، وليست له مجنّبات ولا مَواخير، فأرى منه دير هند، وباب الجِسْر (٢). (٤: ٤٧).
٤٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن الشعبيّ، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر (٣). (٤: ٤٧/ ٤٨).
٤٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمر بن عياش أخي أبي بكر بن عيّاش، عِن أبي كثير: أن روزبه بن بزرجُمِهْر بن ساسان كان هَمَذانيًّا، وكان على فرْج من فُروج الرّوم، فأدخل عليهم سلاحًا، فأخافه الأكاسرة، فلحق بالرّوم، فلم يأمن حتى قدم سعد بن مالك، فبنى له القصر والمسجد. ثم كتب معه إلى عمر، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له عمر وأعطاه، وصرفه إلى سعد مع أكريائه -والأكرياء يومئذ هم العباد- حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له: قبر العباديّ مات، فحفروا له، ثم انتظروا به من يمرّ بهم
стр. 3011
ممن يُشهدونه موته، فمرّ قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأرَوْهموه ليبرؤوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العِباديّ -وقيل قبر العباديّ لمكان الأكرياء- قال أبو كثير: فهو والله أبي، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا (١). (٤٨: ٤).
٤٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، وزياد، قالوا: ورَجح الأعشار بعضهم بعضًا رَجَحانًا كثيرًا، فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم، فكتب إليه: أن عَدّلهم، فأرسل إلى قوم من نُسّاب العرب وذوي رَأيِهم وعقلائهم، منهم سعيد بن نِمْران، ومشعلة بن نعيم، فعدّلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعًا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة -وهم بنو عمرو بن قيس عيلانَ- سبعًا، وصارت قضاعةَ -ومنهم يومئذ غسان بن شبام- وبجَيلة، وخُثْعم، وكِنْدة، وحضرموت، والأزْدُ سُبعًا، وصارت مذحِج وحمير وَهمدان وحلفاؤهم سُبعًا، وصارت تميم، وسائر الرِّباب، وهوازن سبعًا، وصارت أسد، وغطفان، ومحارب، والنَّمِر، وضُبيعة، وتغلِب سُبعًا، وصارت إياد، وعكّ، وعبد القيس، وأهل هَجَر، والحمراء، سبْعًا، فلم يزالوا بذلك زمانَ عمر، وعثمان، وعليّ، وعامّة! مارة معاوية؛ حتى ربَّعهم زياد (٢). (٤: ٤٨).
إعادة تعريف الناس
٤٨٠ - وعرّفوهم على مئة ألف درهم، فكانت كل عِرافة من القادسيّة خاصّة ثلاثة وأربعين رجلًا، وثلاثًا وأربعين امرأة، وخمسين من العيال، لهم مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من أهل الأيّام عشرين رجلًا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكلّ عيّل على مئة على مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من الرّادفة الأولى ستّين رجلًا، وستين امرأة، وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمئة على مئة ألف درهم، ثم على هذا من الحساب.
стр. 3012
وقال عطيّة بن الحارث: قد أدركت مئة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يُدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات، والرّايات على أيادي العرب، فيدفعونه إلى العُرفاء، والنقباء، والأمَناء، فيدفعونه إلى أهله في دُورهم (١). (٤: ٤٩).
ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم
٤٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سِياه، عن الشعبيّ، قال: استمدّ أبو عبيدة عمرَ، وخرجت عليه الرّوم، وتابعهم النصارى، فحصروه، فخرج، وكتب إلى أهل الكوفة، فنفر إليهم في غداةٍ أربعة آلاف على البِغال يجنبون الخيل، فقدِموا على أبي عبيدة في ثلاث بعد الوقعة، فكتب فيهم إلى عمر، وقد انتهى إلى الجابية، فكتب إليه: أنْ أشرِكْهم، فإنهم قد نفروا إليكم، وتفرّق لهم عدوّكم (٢). (٤: ٥٢).
٤٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فَرس عُدّة لكون إن كان، يُشَتِّيها في قبلة قصر الكوفة وميْسرته؛ ومن أجل ذلك يسمّى ذلك المكان الآريّ إلى اليوم، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يليِ العاقول، فسمّته الأعاجم "آخر الشاهجان"، يعنونَ معْلَف الأمراء، وكان قيِّمُه عليها سَلْمان بن ربيعة الباهليّ في نفر من أهل الكوفة، يصنِّع سوابقَها، ويُجرْيها في كلّ عام، وبالبصرة نحو منها، وقيّمُه عليها جَزْء بن معاوية، وفي كلّ مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم، وتقدّموا إلى أن يستعدّ الناس (٣). (٤: ٥٢).
٤٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن شهر بن مالك بنحو منه. فلما فرغوا؛ رجعوا (٤).
стр. 3013
ذكر فتح الجزيرة
٤٨٤ - وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- افتُتحت الجزيرة في رواية سيف. وأما ابن إسحاق؛ فإنه ذكر: أنها افتُتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عنه: أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إنّ الله قد فتح على المسلمين الشام، والعراق، فابعث من عندك جندًا إلى الجزيرة، وأمِّر عليهم أحد الثلاثة: خالدَ بن عُرْفطة، أو هاشمَ بن عتبة، أو عياضَ بن غَنْمِ. فلما انتهى إلى سعد كتابُ عمر؛ قال: ما أخّر أمير المؤمنين عياضَ بن غَنْم آخر القوم إلّا أنه له فيه هوىً أن أولِّيَه؛ وأنا موليه. فبعثه، وبعث معه جيشًا، وبعث أبا موسى الأشعرِي، وابنه عمر بن سعد -وهو غلام حدَث السنّ ليس إليه من الأمر شيء- وعثمان بن أبي العاص بن بشْر الثقفيّ، وذلك في سنة تسع عشرة. فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرُّهاء، فصالحه أهلُها على الْجزية، وصالحت حرّان حين صالحت الرُّهاء، فصالحه أهلها على الجزية. ثمّ بعث أبا موسى الأشعريّ إلى نصيبين، ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردءًا للمسلمين، وسار بنفسه في بقيّة الناس إلى دارا، فنزل عليها؛ حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نَصِيبين، وذلك في سنة تسع عشرة. ثمّ وجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال؛ أصيب فيه صفوان بن المُعطَّل السُّلميّ شهيدًا. ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجِزْية، على كلّ أهل بيت دينار. ثم كان فتح قيساريّة من فلسطين، وهرب هرقل (١). (٤: ٥٣).
٤٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي سيف التَّغلبيّ، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد عاهد وَفْدَهم على ألّا يُنصِّروا وليدًا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفّدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر؛ قال مسلموهم: لا تنفّروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء، فإنهم يغضبون من ذكْر الجِزاء
стр. 3014
على ألّا ينصّروا مولودًا إذا أسلم آباؤهم. فخرج وفدُهم في ذلك إلى عمر، فلما بعث الوليد إليه برؤوس النصارى، وبديّانيهم، قال لهم عمر: أدُّوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجِزاء لندخلنّ أرض الرّوم، والله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسَكم، وخالفتم أمّتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية، وتالله لتؤدُّنَّه وأنتم صَغرَة قَمَأة! ولئن هربتم إلى الرّوم لأكتبنّ فيكم، ثمّ لأسبِينكم. قالوا: فخذ منا شيئًا؛ ولا تسمّه جِزاء، فقال: أمّا نحن فنسميه جِزاء، وسمُّوه أنتم ما شئتم. فقال له عليّ بن أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين! ألم يُضْعِف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى، وأصغى إليه، فرضيَ به منهم جِزاء، فرجعوا على ذلك، وكان في بني تغلِب عزّ وامتناع، ولا يزالون ينازعون الوليد، فهمّ بهم الوليد، وقال في ذلك:
إذا ما عَصَبْتُ الرأسَ مِنِّي بِمشْوَذٍ ... فَغيَّك مِنِّي تَغلِب ابنة وائِل
وبلغت عنه عمر، فخاف أن يحرجوه وأن يضعف صبره فيسطوَ عليهم، فعزله، وأمَّر عليهم فُرات بن حيّان، وهند بن عمرو الجَمَلِيَّ، وخرج الوليد، واستودع إبلًا له حُريثَ بن النعمان، أحدَ بني كنانة بن تَيْم من بني تغلب، وكانت مئة من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد.
وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة في ذي الحجة (١). (٤: ٥٥/ ٥٦).
стр. 3015
خروج عمر بن الخطاب إلى الشام
٤٨٦ - وأما سيف؛ فإنه روى في ذلك ما كتَب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان والربيع، قالوا: وقع الطاعون بالشام ومصر