← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ممن يُشهدونه موته، فمرّ قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأرَوْهموه ليبرؤوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العِباديّ -وقيل قبر العباديّ لمكان الأكرياء- قال أبو كثير: فهو والله أبي، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا (١). (٤٨: ٤). ٤٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، وزياد، قالوا: ورَجح الأعشار بعضهم بعضًا رَجَحانًا كثيرًا، فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم، فكتب إليه: أن عَدّلهم، فأرسل إلى قوم من نُسّاب العرب وذوي رَأيِهم وعقلائهم، منهم سعيد بن نِمْران، ومشعلة بن نعيم، فعدّلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعًا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة -وهم بنو عمرو بن قيس عيلانَ- سبعًا، وصارت قضاعةَ -ومنهم يومئذ غسان بن شبام- وبجَيلة، وخُثْعم، وكِنْدة، وحضرموت، والأزْدُ سُبعًا، وصارت مذحِج وحمير وَهمدان وحلفاؤهم سُبعًا، وصارت تميم، وسائر الرِّباب، وهوازن سبعًا، وصارت أسد، وغطفان، ومحارب، والنَّمِر، وضُبيعة، وتغلِب سُبعًا، وصارت إياد، وعكّ، وعبد القيس، وأهل هَجَر، والحمراء، سبْعًا، فلم يزالوا بذلك زمانَ عمر، وعثمان، وعليّ، وعامّة! مارة معاوية؛ حتى ربَّعهم زياد (٢). (٤: ٤٨). إعادة تعريف الناس ٤٨٠ - وعرّفوهم على مئة ألف درهم، فكانت كل عِرافة من القادسيّة خاصّة ثلاثة وأربعين رجلًا، وثلاثًا وأربعين امرأة، وخمسين من العيال، لهم مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من أهل الأيّام عشرين رجلًا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكلّ عيّل على مئة على مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من الرّادفة الأولى ستّين رجلًا، وستين امرأة، وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمئة على مئة ألف درهم، ثم على هذا من الحساب.

стр. 3012

وقال عطيّة بن الحارث: قد أدركت مئة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يُدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات، والرّايات على أيادي العرب، فيدفعونه إلى العُرفاء، والنقباء، والأمَناء، فيدفعونه إلى أهله في دُورهم (١). (٤: ٤٩). ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم ٤٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سِياه، عن الشعبيّ، قال: استمدّ أبو عبيدة عمرَ، وخرجت عليه الرّوم، وتابعهم النصارى، فحصروه، فخرج، وكتب إلى أهل الكوفة، فنفر إليهم في غداةٍ أربعة آلاف على البِغال يجنبون الخيل، فقدِموا على أبي عبيدة في ثلاث بعد الوقعة، فكتب فيهم إلى عمر، وقد انتهى إلى الجابية، فكتب إليه: أنْ أشرِكْهم، فإنهم قد نفروا إليكم، وتفرّق لهم عدوّكم (٢). (٤: ٥٢). ٤٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فَرس عُدّة لكون إن كان، يُشَتِّيها في قبلة قصر الكوفة وميْسرته؛ ومن أجل ذلك يسمّى ذلك المكان الآريّ إلى اليوم، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يليِ العاقول، فسمّته الأعاجم "آخر الشاهجان"، يعنونَ معْلَف الأمراء، وكان قيِّمُه عليها سَلْمان بن ربيعة الباهليّ في نفر من أهل الكوفة، يصنِّع سوابقَها، ويُجرْيها في كلّ عام، وبالبصرة نحو منها، وقيّمُه عليها جَزْء بن معاوية، وفي كلّ مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم، وتقدّموا إلى أن يستعدّ الناس (٣). (٤: ٥٢). ٤٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن شهر بن مالك بنحو منه. فلما فرغوا؛ رجعوا (٤).

стр. 3013

ذكر فتح الجزيرة ٤٨٤ - وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- افتُتحت الجزيرة في رواية سيف. وأما ابن إسحاق؛ فإنه ذكر: أنها افتُتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عنه: أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إنّ الله قد فتح على المسلمين الشام، والعراق، فابعث من عندك جندًا إلى الجزيرة، وأمِّر عليهم أحد الثلاثة: خالدَ بن عُرْفطة، أو هاشمَ بن عتبة، أو عياضَ بن غَنْمِ. فلما انتهى إلى سعد كتابُ عمر؛ قال: ما أخّر أمير المؤمنين عياضَ بن غَنْم آخر القوم إلّا أنه له فيه هوىً أن أولِّيَه؛ وأنا موليه. فبعثه، وبعث معه جيشًا، وبعث أبا موسى الأشعرِي، وابنه عمر بن سعد -وهو غلام حدَث السنّ ليس إليه من الأمر شيء- وعثمان بن أبي العاص بن بشْر الثقفيّ، وذلك في سنة تسع عشرة. فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرُّهاء، فصالحه أهلُها على الْجزية، وصالحت حرّان حين صالحت الرُّهاء، فصالحه أهلها على الجزية. ثمّ بعث أبا موسى الأشعريّ إلى نصيبين، ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردءًا للمسلمين، وسار بنفسه في بقيّة الناس إلى دارا، فنزل عليها؛ حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نَصِيبين، وذلك في سنة تسع عشرة. ثمّ وجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال؛ أصيب فيه صفوان بن المُعطَّل السُّلميّ شهيدًا. ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجِزْية، على كلّ أهل بيت دينار. ثم كان فتح قيساريّة من فلسطين، وهرب هرقل (١). (٤: ٥٣). ٤٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي سيف التَّغلبيّ، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد عاهد وَفْدَهم على ألّا يُنصِّروا وليدًا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفّدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر؛ قال مسلموهم: لا تنفّروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء، فإنهم يغضبون من ذكْر الجِزاء

стр. 3014

على ألّا ينصّروا مولودًا إذا أسلم آباؤهم. فخرج وفدُهم في ذلك إلى عمر، فلما بعث الوليد إليه برؤوس النصارى، وبديّانيهم، قال لهم عمر: أدُّوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجِزاء لندخلنّ أرض الرّوم، والله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسَكم، وخالفتم أمّتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية، وتالله لتؤدُّنَّه وأنتم صَغرَة قَمَأة! ولئن هربتم إلى الرّوم لأكتبنّ فيكم، ثمّ لأسبِينكم. قالوا: فخذ منا شيئًا؛ ولا تسمّه جِزاء، فقال: أمّا نحن فنسميه جِزاء، وسمُّوه أنتم ما شئتم. فقال له عليّ بن أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين! ألم يُضْعِف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى، وأصغى إليه، فرضيَ به منهم جِزاء، فرجعوا على ذلك، وكان في بني تغلِب عزّ وامتناع، ولا يزالون ينازعون الوليد، فهمّ بهم الوليد، وقال في ذلك: إذا ما عَصَبْتُ الرأسَ مِنِّي بِمشْوَذٍ ... فَغيَّك مِنِّي تَغلِب ابنة وائِل وبلغت عنه عمر، فخاف أن يحرجوه وأن يضعف صبره فيسطوَ عليهم، فعزله، وأمَّر عليهم فُرات بن حيّان، وهند بن عمرو الجَمَلِيَّ، وخرج الوليد، واستودع إبلًا له حُريثَ بن النعمان، أحدَ بني كنانة بن تَيْم من بني تغلب، وكانت مئة من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد. وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة في ذي الحجة (١). (٤: ٥٥/ ٥٦).

стр. 3015

خروج عمر بن الخطاب إلى الشام ٤٨٦ - وأما سيف؛ فإنه روى في ذلك ما كتَب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان والربيع، قالوا: وقع الطاعون بالشام ومصر

стр. 3016

والعراق، واستقرّ بالشام، ومات فيه الناس الذين هم في كلّ الأمصار في المحرّم وصفر، وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشام، فخرج حتى إذا كان منها قريبًا بلغه أنه أشدّ ما كان، فقال وقال الصحابة: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها"، فرجع حتى ارتفع عنها؛ وكتبوا بذلك إليه وبما في أيديهم من المواريث، فجمع الناس فب جمادى الأولى سنة سبع عشرة، فاستشارهم في البُلدان، فقال: إني قد بدا لي أنْ أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا عليّ -وكعب الأحبار في القوم، وفي تلك السنة من إمارة عمر أسلَم- فقال كعب: بأيّها تريد أن تبدأ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: بالعراق، قال: فلا تفعل؛ فإن الشرّ عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء، فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب، وإنّ جزءًا من الشرّ بالمغرب وتسعة بالمشرق، وبها قرن الشيطان، وكلّ داء عضال (١). (٤: ٥٨/ ٥٩). ٤٨٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد، عن الأصبغ، عن عليّ، قال: قام إليه عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين! والله إنّ الكوفة للهجرة بعد الهجرة، وإنها لقبّة الإسلام، وليأتينّ عليها يوم لا يبقى مؤمن إلّا أتاها وحنّ إليها؛ والله ليُنصرَنّ بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط (٢). (٤: ٥٩). ٤٨٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المطرّح، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: وقال عثمان: يا أميرَ المؤمنين! إنّ المغرب أرض الشرّ، وإن الشرّ قسم مئة جزء؛ فجزء في الناس وسائر الأجزاء بها (٣). (٤: ٥٩). ٤٨٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي يحيى التميميّ، عن أبي ماجد، قال: قال عمر: الكوفة رمح الله، وقبّه الإسلام، وجمجمة العرب، يكفُون ثغورَهم، ويمدّون الأمصار، فقد ضاعت مواريث أهل عَمَواس، فأبدأ بها (٤). (٤: ٥٩).

стр. 3017

٤٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان، قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشأم؛ أبدأ بها فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثتم أرجع فأتقلّب في البلاد، وأنبذ إليهم أمري. فأتى عمر الشام أربعَ مرّات، مرّتين في سنة ست عشرة، ومرّتين في سنة سبع عشرة، لم يدخلها في الأولى من الآخرتين (١). (٤: ٥٩). ٤٩١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بكر بن وائل، عن محمد بن مسلم، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قُسّم الحفظ عشرة أجزاء، فتسعة في التُّرك وجزء في سائر الناس. وقُسّم البخل عشرة أجزاء، فتسعة في فارس، وجزء في سائر الناس. وقسِّم السخاء عشرة أجزاء، فتسعة في السودان، وجزء في سائر الناس. وقُسِّم الشَّبَق عشرة أجزاء، فتسعة في الهند، وجزء في سائر الناس. وقسِّم الحياء عشرة أجزاء، فتسعة في النساء، وجزء في سائر الناس. وقسِّم الحسَد عشرة أجزاء، فتسعة في العرب وجزء فى سائر الناس. وقُسم الكِبْر عشرة أجزاء، فتسعة في الرّوم وجزء في سائر الناس" (٢). (٤: ٥٩/ ٦٠). ٤٩٢ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن رجل، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجَرْميّ: أنه كان يقول: بلغني هذا من قول أبي عبيدة وقول مُعاذ بن جبل: إنّ هذا الوَجع رحمة بكم ودعوة نبيِّكم، وموت الصالحين قبلكم؛ فكنتُ أقول: كيف دعا به رسولُ الله ﷺ لأمّته، حتى حدّثني بعضُ من لا أتّهم عن رسول الله: أنّه سمعه منه، وجاءه جبريل ﵇، فقال: "إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون"؛ فجعل رسول الله ﷺ : "اللهمّ فَناء الطاعون! " فعرفت: أنها التي كان قال أبو عبيدة، ومُعاذ (٣). (٤: ٦٢). ٤٩٣ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: ولما انتهى إلى عمر مصابُ أبي عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان؛ أمّر معاوية بن

стр. 3018

أبي سفيان على جُند دمشق وخراجها، وأمّرَ شُرحبيل بن حَسَنة على جُند الأردنّ وخراجها (١). (٤: ٦٢). ٤٩٤ - وأما سيف، فإنه زعم: أن طاعون عَمَواس كان في سنة سبع عشر (٢). (٤: ٦٢). ٤٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، والربيع بإسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون -يعنون: طاعون عَمَواس- موتانًا لم يُرَ مثله، طمع له العدوّ في المسلمين، وتخوّفت له قلوب المسلمين، كَثُر موته، وطال مكثُه، مكث أشهرًا حتى تكلّم في ذلك الناس (٣). (٤: ٦٣). ٤٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد، قال: أصاب البصرة من ذلك موت ذريع، فأمر رجل من بني تميم غلامًا له أعجميًا أن يحمل ابنًا له صغيرًا ليس له ولد غيره على حمار، ثم يسوق به إلىِ سَفوان، حتى يلحقه. فخرج في آخر الليل ثم اتّبعه، وقد أشرف على سفوان، ودنا من ابنه وغلامه، فرفع الغلام عَقيرته يقول: لَنْ يُعْجِزوا الله على حِمَارِ ... ولا على ذي غُرَّةٍ مُطارِ قد يُصْبِحُ المَوْتُ أمامَ الساري فسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم؛ قال: ويحك، ما قلت! قال: ما أدري، قال: ارجعْ، فرجع با بنه، وعلم: أنه قد أسمع آيةً، وأُرِيَها. قال: وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعد ما طُعن، فإذا غلام له أعجميّ يحدو به: يا أيُّها المُشْعَرُ هَمًّا لا تُهمّ ... إنَّك إنْ تُكْتَبْ لك الحمَّى تُحَمُّ (٤) (٤: ٦٣).

стр. 3019

ذكر الخبر عن سيف في ذلك، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين ٤٩٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة وهلال، عن رافع بن عمر، قال: سمعتُ العباس بالجابية يقول لعمر: أربع مَن عمِل بهنّ استوجب العدل: الأمانة في المال، والتسوية في القَسْم، والوفاء بالعِدَة، والخروج من العيوب؛ نظِّف نفسَك، وأهلك (١). (٤: ٦٤). ٤٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن أبي عثمان، والربيع، وأبي حارثة بإسنادهم، قالوا: قسم عمر الأرزاق، وسمَّى الشواتِيَ والصوائف، وسدّ فروجَ الشأم ومسالِحها، وأخذ يدور بها، وسمَّى ذلك في كلّ كُورة، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كلّ كورة، وعزل شُرحبيل، واستعمل معاوية، وأمَّر أبا عبيدة وخالدًا تَحته، فقال له شرحبيل: أعَن سُخطة عزلتَني يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لا، إنك لكما أحبّ، ولكني أريد رجلًا أقوى من رجل، قال: نعم، فاعذرْنِي في الناس لا تُدْركني هُجْنة، فقام في الناس، فقال: أيّها الناس! إني والله ما عزلتُ شُرحبيل عن سخطة! ولكني أردت رجلًا أقوى من رجل. وأمَّر عمرو بن عَبَسة على الأهراء، وسمى كلّ شيء، ثم قام في الناس بالوَدَاع (٢). (٤: ٦٤/ ٦٥). ٤٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة وأبي عمرو، عن المستورِد، عن عديّ بن سُهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه، وأموره؛ قسم المواريث، فورّث بَعضَ الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى الأحياء من وَرثة كلّ امرئ منهم (٣). (٤: ٦٥). ٥٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ:

стр. 3020

وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته، فلم يرجع منهم إلا أربعة، فقال المهاجر بن خالد بن الوليد: مَنْ يَسْكُنِ الشامَ يُعَرِّسْ بِه ... والشأمُ إن لم يُفنِنا كارِبُ أفنَى بَني رَيْطَةَ فُرسانُهُمْ ... عشرون لم يُقصَصْ لهم شارِبُ ومِنْ بَني أعمامِهمْ مِثْلَهم ... لمِثلِ هذا أعْجِبَ العاجِبُ طعنًا وطاعونًا مَناياهُمُ ... ذلك ما خَطّ لنا الكاتِبُ قال: وقَفَل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: ألا إني قد ولِّيتُ عليكم، وقضيتُ الذي عليّ في الذي ولّاني الله من أمركم، إن شاء الله قسطْنا بينكم فيئكم، ومنازلكم، ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفروج، وبوّأناكم ووسَّعنا عليكم ما بلغ فيئُكم، وما قاتلتم عليه من شأمكم، وسمّينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم، وأرزاقكم، ومغانمكم، فمن علم عِلْمَ شيء ينبغي العمل به، فبلّغنا؛ نعملْ به إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله. وحضرت الصلاة، وقال الناس: لو أمرتَ بلالًا فأذّن! فأمره فأذّن، فما بقيَ أحدٌ كان أدرك رسولَ الله ﷺ وبلال يؤذّن له إلّا بكى حتى بلّ لحيته، وعمر أشدّهم بكاء، وبكى مَنْ لم يدركه ببكائهم، ولذكره ﷺ (١). (٤: ٦٥/ ٦٦). ذكر خبر عزل خالد بن الوليد ٥٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: فما زال خالد على قِنَّسرين حتى غزا غَزْوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه (٢). (٤: ٦٦). ٥٠٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي المجالد مثله. قالوا: وبلغ عمرَ: أنّ خالدًا دخل الحمام، فتدلّك بعد النورة بثخين عُصفر معجون بخمر؛ فكتب إليه: بلغني: أنك تدلَّكت بخمر؛ وإنّ الله قد حرّم ظاهرَ

стр. 3021

الخمر، وباطنه، كما حرّم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرّم مسن الخمر إلّا أن تغسَل كما حرّم شربها، فلا تُمِسّوها أجسادكم؛ فإنّها نَجَس، وإن فعلتم: فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنّا قتلناها فعادت غَسُولًا غير خمر. فكتب إليه عمر: إنّي أظن آل المغيرة قد ابتُلُوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه! فانتهى إليه ذلك. وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غَنْم في رواية سيف عن شيوخه (١). (٤: ٦٦). ذكر من قال ذلك: ٥٠٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلّب، قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة خالد، وعياض، فسارا فأصابا أموالًا عظيمة، وكانا توجّها من الجابية، مرجِعَ عمر إلى المدينة، وعلى حمْص أبو عبيدة؛ وخالد تحت يديه على قِنَّسرين، وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان، وعلى الأردنّ معاوية، وعلى فِلَسطين علقمة بن مجزّز، وعلى الأهراءَ عمرو بن عبَسة، وعلى السواحل عبد الله بن قيس، وعلى كلّ عَمَل عامل. فقامت مسالح الشام، ومصر، والعراق على ذلك إلى اليوم، لم تَجُزْ أمّة إلى أخرى عملَها بعدُ؛ إلّا أن يقتحموا عليهم بعد كُفْرٍ منهم، فيقدّموا مسالحَهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة (٢). (٤: ٦٧). ٥٠٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي المجالد وأبي عثمان، والربيع، وأبي حارثة، قالوا: ولما قَفل خالد وبلغ الناسَ ما أصابت تلك الصّائفة؛ انتجعه رجال، فانتجع خالدًا رجالٌ من أهل الآفاق، فكان الأشعِث بن قيس ممّن انتجع خالدًا بقِنسَّرين، فأجازه بعشرة آلاف. وكان عمر لا يَخْفى عليه شيء في عمله، كُتب إليه من العراق بخروج مَن خرج، ومن الشام بجائزة من أجِيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدًا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسُوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث؛ أمن ماله، أم من إصابة أصابها؛ فإن زعم أنها من إصابة أصابها؛ فقد أقرّ بخيانة، وإن

стр. 3022

زعم أنها من ماله؛ فقد أسرف. واعزله على كلّ حال، واضمم إليك عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على المِنبر، فقام البريد فقال: يا خالد! أمِن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئًا، فقام بلال إليه، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعِقله بعمامته وقال: ما تقول! أمن مالك، أم من إصابةٍ؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته، ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم مواليَنا. قالوا: وأقام خالد متحيّرًا لا يدري أمعزول أم غيرُ معزو؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمرَ أن يقدم ظنّ الذي قد كان، فكتب إليه بالإقبال، فأتى خالد أبا عبيدة، فقال: رحمك الله! ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتَنِي أمرًا كنت أحبّ أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إنيّ والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدًّا، وقد علمت: أن ذلك يروعك. قال: فرجع خالد إلى قنَّسرين، فخطب أهل عمله، وودّعهم، وتحمّل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم، وودعهم، ثمّ خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين؛ وبالله إنّك في أمري غير مجمِل يا عمر! فقال عمر: من أين هذا الثَّرَاء؟ قال: من الأنفال، والسُّهمان، ما زاد على الستين ألفًا فلك. فقوّم عمر عُروضه فخرجت إليه عشرون ألفًا، فأدخلها بيت المال. ثم قال: يا خالد! والله إنك عليّ لكريم! وإنك إليّ لحبيب! ولن تعاتِبني بعد اليوم على شيء (١)! (٤: ٦٧/ ٦٨). ٥٠٥ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشِّر، عن سالم، قال: لما قدم خالد على عمر؛ قال عمر متمثّلًا: صَنَعْتَ فَلمْ يَصْنَعْ كصُنْعِكَ صانِعٌ ... وما يَصْنَعِ الأقْوامُ فاللهُ يَصْنَعُ فأغرمه شيئًا، ثمّ عوّضه، وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم، وليبصّرَهم (٢). (٤: ٦٨).

стр. 3023

ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه ٥٠٦ - وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام -فيما زعم الواقديّ- ووسَّع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوْا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها (١). (٤: ٦٨). ٥٠٧ - قال: وكان ذلك الشهر الذي اعتمر فيه رجب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت. قال الواقديّ: وفي عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحَرم، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحُوَيطب بن عبد العزّى، وسعيد بن (٢) يربوع. (٤: ٦٩). ٥٠٨ - قال: وحدّثني كَثير بن عبد الله المزني عن أبيه، عن جدّه، قال: قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنة سبع عشرة، فمرّ بالطريق فكلّمه أهل المياه أدن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة -ولم يكن قبل ذلك بناء- فأذن لهم، وشرط عليهم أنّ ابن السبيل أحقّ بالظلِّ والماء (٣). (٤: ٦٩). ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى ٥٠٩ - قال: وفي هذه السنة ولّى عمر أبا موسى البصرة، وأمره أن يشُخِص إليه المغيرة في ربيع الأول، فشهد عليه -فيما حدّثني معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب- أبو بَكْرة، وشِبْل بن معبد البَجَليّ، ونافع بن كلَدة، وزياد. قال: وحدّثني محمد بن يعقوب بن عُتْبة، عن أبيه، قال: كان يختلف إلى أمّ جميل، امرأة من بني هلال؛ وكان لها زوْج هلك قبل ذلك من ثَقيف، يقال له: الحجّاج بن عُبَيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك أهلَ البصرة، فأعظموه،

стр. 3024

فخرج المغيرة يومًا من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرّصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعًا، فكشفوا الستر، وقد واقعها. فوفد أبو بَكْرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكْرة؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشرّ، قال: إنما جاء بي المغيرة، ثم قصّ عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعريّ عاملًا، وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبي موسى عقيلة، وقال: إني رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر (١). (٤: ٦٩/ ٧٠). ٥١٠ - قال الواقديّ: وحدّثني عبدُ الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: حضرتُ عمر حين قُدِم بالمغيرة، وقد تزوّج امرأة من بني مرّة، فقال له: إنك لفارغ القلب، طويل الشَّبَق، فسمعتُ عمر يسأل عن المرأة، فقال: يقال لها: الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بني هلال (٢). (٤: ٧٠). ٥١١ - قال أبو جعفر: وكان سبب ما كان بين أبي بكْرة والشهادة عليه فيما كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلّب، وطلحة، وعمرو بإسنادهم، قالوا: كان الذي حدث بين أبي بَكْرة والمغيرة بن شعبة: أنّ المغيرة كان يناغيه، وكان أبو بَكْرة ينافره عند كلّ ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاوريْن بينهما طريق، وكانا في مَشْربتيْن متقابلتين لهما في داريْهما في كلّ واحدة منهما كُوّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بَكْرة نفرٌ يتحدّثون في مشربته، فهبّت ريح، ففتحت باب الكوّة، فقام أبو بكرة ليَصْفِقه، فبصُر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوّة مشربته، وهو بين رِجْلَي امرأة، فقال للنّفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: مَن هذه؟ قال:

стр. 3025

أمّ جميل ابنة الأفقم. وكانمت أمّ جميل إحدى بني عامر بن صعصعة، وكانت غاشيةً للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف -وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها- فقالوا: إنما رأينا أعجازًا، ولا ندري ما الوجه؟ ثم إنهم صمّموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حالى أبو بَكْرة بينه وبين الصلاة، وقال: لا تصلّ بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى! إني مستعملك؛ إني أبعثك إلى أرض قد باضَ بها الشيطان وفرّخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدلْ فيستبدل الله بك. فقال: يا أميرَ المؤمنين! أعنّي بعدّة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فإنِّي وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلّا به فاستعِن بمن أحببتَ فاستعان بتسعة وعشرين رجلًا؛ منهم: أنس بن مالك، وعمران بن حُصَين، وهشام بن عامر. ثمّ خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمِرْبد، وبلغ المغيرة: أنّ أبا موسى قد أناخ بالمِرْبد، فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرًا، ولا تاجرًا ولكنّه جاء أميرًا. فإنهم لفي ذلك؛ إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتابًا من عمر، وإنه لأوجزُ كتاب كتَب به أحد من الناس؛ أربع كلِم عزل فيها، وعات، واستحثّ، وأمّر: أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثتُ أبا موسى أميرًا، فسلّم إليه ما في يدك، والعجَل. وكتبَ إلى أهل البصرة: أمّا بعدُ، فإني قد بعثت أبا موسى أميرًا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوّكم، وليدفع عن ذمّتكم، وليُحصيَ لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقّي لكم طرقكم. وأهدى له المغيرة وليدةً من مولّدات الطائف تدعَى عَقيلة، وقال: إني قد رضيتُها لك -وكانت فارهة- وارتحل المغيرة، وأبو بكْرة، ونافع بن كلَدة، وزياد، وشِبْل بن معبد البَجَليّ، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سلْ هؤلاء الأعبُد كيَف رأوْني؛ مستقبلَهم أو مستدبرَهم؟ وكيف رأوُا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبليّ فكيف لم أستتر، أو مستدبريّ فبأيّ شيء استلُّحوا النظر إليّ في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلّا امرأتي -وكانت شبهَها- فبدأ بأبي بكْرة، فشهد عليه: أنه رآه بين رجليْ أمّ جميل؛ وهو يدخله ويخرجه كالمِيل في المكحلة، قال: كيف رأيتَهما؟ قال: مستدبِرَهما، قال: فكيف استثبتّ رأسها؟ قال: تحاملت. ثم دعا بِشبْل بن معبد، فشهد بمثل

стр. 3026

ذلك، فقال: استدبرتَهما أو استقبلتَهما؟ قال: استقبلتُهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكْرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم؛ قال: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حَفْزانًا شديدًا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبّهها، قال: فتنحّ، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحدّ، وقرأ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، فقال المغيرة: اشفني من الأعبد، فقال: اسكت أسكت الله نأمتَك! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك (١). (٤: ٧٠/ ٧١/ ٧٢). فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- فتِحت سوق الأهواز، ومَنَاذر، ونهر تيرَى في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ستّ عشرة من الهجرة. ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يديْ مَن جرى: ٥١٢ - كتب إليّ السريّ، يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف بن عمر، عن محمد، وطلحة، والمهَلّب، وعمرو، قالوِا: كان الهُرمزان أحدَ البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمّته مِهْرَجان قَذق وكُوَر الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسيّة كان وجههُ إلى أمته، فملكهم، وقاتل بهم مَن أرادهم، فكان الهُرْمزان يُغير على أهل مَيْسان، ودسْتِمَيْسان من وجهين: من مَنَاذر، ونهر تيرَى، فاستمدّ عُتبة بن غَزْوان سعدًا، فأمدّه سعد بنعيم بن مُقَرّن، ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى مَيْسان، ودَسْتِمَيْسَان، حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرَى. ووجّه عُتَبة بن غَزْوان سُلْمى بن

стр. 3027

القيْن، وحَرْملة بن مُرَيطة -وكانا من المهاجرين مع رسول الله ﷺ ، وهما من بني العَدَوية من بني حَنْظلة- فنزلا على حدود أرض مَيْسان، ودَسْتِمَيْسَان، بينهم وبين مَناذر، ودعَوَا بني العمِ، فخرج إليهم غالب الوائليّ، وكليب بن وائل الكليبيّ، فتركا نُعيمًا، ونُعيمًا، ونكبا عنهما، وأتيا سُلْمى وحَرْملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مَتْرَك؛ فإذا كان يوم كذا وكذا؛ فانهدا للهرْمزان، فإنّ أحدنا يثور بمنَاذر، والآخر بنهر تِيرى؛ فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهُنا إليكم، فليس دون الهُرْمزان شيء إن شاء الله. ورجعَا وقد استجابا، واستجاب قومهما بنو العمِ بن مالك. قال: وكان من حديث العَمِي؛ والعَمِي مرّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: أنه تَنَخَتْ عليه وعلى العُصَيّة بن امرئ القيس أفناء معدّ فعمّاه عن الرشد مَن لم ير نصره فارسَ على آل أرْدَوان، فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه- ويقال: صُديّ بن مالك: لقد عَم عنها مُرَّةُ الخيرِ فانصمَى ... وصَمَّ فلَمْ يَسمَعْ دُعاءَ العَشائِر ليتْنَخ عنَّا رَغْبةً عن بِلادِهِ ... ويَطْلبَ مُلْكًا عالِيًا في الأساوِرِ فبهذا البيت سمي العَمِ؛ فقيل بنو العمِ؛ عمّوه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله ﵎: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ وقال يربوع بن مالك: لَقَدْ عِلمتْ عُليا مَعَدٍّ بأَنَّنا ... غَداةَ التَّباهي غُرُّ ذاك التَّبادُرِ تَنَخْنا على رَغْم العُداة ولمْ نُنِخْ ... بحيّ تميمٍ والعَديد الجُماهِرِ نَفَيْنا عَنِ الفُرْسِ النَّبِيطَ فَلمْ يَزَلْ ... لَنا فيهِمُ إحْدَى الهَناتِ البَهاتِرِ إذا العَرَبُ العَلْياءُ جاشَتْ بُحورُها .... فَخَرْنا عَلَى كلِّ البُحورِ الزواخرِ وقال أيّوب بن العُصَية بن امرئ القيس: لَنَحْنُ سبَقْنا بالتنُوخ القَبائِلا ... وَعَمْدًا تَنخْنا حَيْثُ جاؤوا قَنابِلا وَكُنَّا مُلوكًا قَدْ عَززْنا الأوائلا ... وَفي كل قَرْن قَدْ مَلَكْنا الحَلائلا فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سُلمى، وحرملة، وغالب، وكُلَيب، والهُرْمزان يومئذ بين نهر تيرَى وبين دُلُث؛ خرج سُلْمَى، وحَرْملة صبيحتها في تعبية، وأنهضا نُعيما ونُعيمًا فالتقوا هم والهرمزان بين دُلُث ونهر تِيرى، وسُلْمى بن القَيْن على أهل البصرة، ونُعيم بن مقرّن على أهل الكوفة. فاقتتلوا فبينا هم

стр. 3028

في ذلك؛ أقبل المدد مِن قِبَل غالب وكُليب، وأتى الهرمزانَ الخبرُ بأنّ مَنَاذر، ونهر تيرَى قد أخذتا، فكسر الله في ذرْعه وذَرْع جنده، وهزمه وإيّاهم، فقتلوا منهم ما شاؤوا، وأصابوا منهم ما شاؤوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دُجَيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهُرْمزان جسرَ سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دُجَيل بين الهُرْمزان، وحَرْملة، وسُلْمَى، ونُعيم، ونُعَيم، وغالب، وكليب. قالوا: ولما دهم القوم الهرمزان، ونزلوا بحياله من الأهواز؛ رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عُتْبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عُتْبة إلى ذلك على الأهواز كلّها، ومِهْرَجان قَذَق، ما خلا نهر تيرى ومَناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يُردّ عليهم ما تنقّذنا، وجعل سُلمى بن القيْن على منَاذر مسلحةً، وأمْرَها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرَى وأمرَها إلى كليب؛ فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العَمِ، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عُتْبة إلى عمر، ووفّد وفْدًا، منهم سُلمى، وأمرَه أن يستخلف على عمله، وحرملةُ -وكانا من الصحابة- وغالب، وكليب، ووفَد وفود من البصرة يومئذ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلُّهم قال: أما العامّة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواصّ أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلّا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أميرَ المؤمنين! إنك لكما ذكروا، ولقد يعزب عنك ما يحقّ علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامّة، وإنّما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر، ويسمع بآذانهم، وإنّا لم نزل ننزل منزلًا بعد منزل حتى أرَزنا إلى البرّ، وإنّ إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حَدَقة البعير الغاسقة من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تُخْضَد، وإنّا معشرَ أهل البصرة نزلنا سبَخة هَشّاشة، زعِقة نشّاشة، طَرَف لها في الفلاة، وطَرَف لها في البحر الأُجاج، يجري إليها ما جرى في مثل مَرِيء النعامة. دارنا فعْمة، ووظيفتنا ضيّقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير؛ وقد وسّع الله علينا، وزادنا في أرضنا، فوسِّعْ علينا يا أمير المؤمنين! وزدنا وظيفة تُوَظَّف علينا، ونعيش بها. فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن

стр. 3029

صاروا إلى الحَجَر، فنفَّلهموه، وأقطعهموه، وكان مما كان لآل كسرى، فصار فيئًا فيما بين دِجلة والحَجَر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة يُنزِلونه مَن أحبُّوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء، ولا ثِنى بعدما يرفعون خمسه إلى الواقي. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين: نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع؛ وكان أصحاب الألفين ممّن شهد القادسيّة. ثم أتى البصرة مع عُتْبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفًا، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع مَنْ شهد الأهواز، ثم قال: هذا الغلام سيّد أهل البصرة، وكتب إلى عُتْبة فيه بأن يسمع منه، ويشرب برأيه، وردّ سُلمة، وحَرْملة، وغالبًا، وكليبًا إلى مَناذر، ونهر تِيرَى، فكانوا عُدّة فيه لكونٍ إن كان، وليميّزوا خراجها (١). (٤: ٧٢/ ٧٣/ ٧٤/ ٧٥). ٥١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبْديّ، عن رجل من عبد القيس يدعى صُحارًا، قال: قدمتُ على هَرِم بن حيّان -فيما بين الدّلوث ودُجيل- بِجلال من تَمْر، وكان لا يصبر عنه، وكان جلّ زادِه إذا تزوّد التَّمر، فإذا فَنيَ انتخب له مزاودَ من جِلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثُما كان من سهل أو جبَل (٢). (٤: ٧٤). ٥١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: بينا الناس من أهل البصرة وذمّتهم على ذلك وقع بين الهُرْمزان وبين غالب وكُليب في حدود الأرَضين اختلاف وادّعاء، فحضر ذلك سُلْمى وحَرْملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبًا وكُلَيْبًا محقَّيْنِ والهرمزان مبطلًا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان أيضًا ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثُف جنده. وكتب سُلْمى، وحرملة، وغالب، وكليب ببغْي الهُرمزان، وظلْمه، وكفره إلى عُتبة بن غَزْوان، فكتب بذلك إلى عمر، فكَتب إليه عمر يأمره بأمره، وأمدّهم عمر بحُرقوص بن زهير السعديّ، وكانت له صحبة من

стр. 3030

رسول الله ﷺ ، وأمّره على القتال، وعلى ما غلب عليه. فنهَد الهُرمزان بمَن معه، وسُلْمى، وحَرْملة، وغالب، وكليب، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز؛ أرسلوا إلى الهرمزان: إمّا أن تعبُرُوا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم، فقال: اعبرُوا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسْر ممّا يلي سوق الأهواز؛ حتى هزم الهرمزان، ووجّه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشّغَر حتى حلّ برامَهُرمز، وافتتح حُرقوص سوقَ الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتّسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تُسْتَر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفّد وفدًا بذلك، فحمِد الله، ودعا له بالثبات والزيادة. وقال الأسود بن سَرِيع في ذلك، وكانت له صحبة: لَعَمْرُكَ ما أَضاعَ بنو أبينا ... وَلكِن حَافظوا فيمَنْ يُطيعُ أطاعوا رَبَّهُمْ وَعَصاهُ قَوْمٌ ... أضاعوا أمْرَهُ فيمَنْ يُضيعُ مَجُوسٌ لا يُنَهْنِهُها كِتابٌ ... فَلاقَوْا كبَّةً فيها قُبُوعُ ووَلّى الهُرمُزَانُ على جَوَادٍ ... سَريعِ الشَّدِّ يَثْفِنُه الجميعُ وخَلّى سُرَّةَ الأهواز كَرْهًا ... غَداةَ الجِسْرِ إذ نَجَمَ الرَّبيعُ وقال حُرْقوص: غَلبْنا الهُرْمزَانَ على بِلادٍ ... لها في كلِّ ناحِيَةٍ ذَخائرْ سَواءٌ بَرُّهمْ والبَحْرُ فيها ... إذا صارَتْ نَواجِبُها بَواكرْ لها بَحْرٌ يَعِجُّ بِجَانِبَيْه ... جَعَافِرُ لا يزَالُ لها زَواخِرْ (١) (٤: ٦/ ١/ ٧٧). فتح تُسْتَر وفيها فتحت تُسْتَر في قول سيف وروايته -أعني: سنة سبع عشرة- وقال بعضهم: فتحت سنة ستّ عشرة، وبعضهم يقول: في سنة تسع عشرة. ذكر الخبر عن فتحها:

стр. 3031

٥١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز؛ أقام بها، وبعث جَزْء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سُرَّق، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح الله عليهم أن يُتبعه جَزْءًا، ويكون وجهه إلى سرَّق. فخرج جزء في أثر الهرمزان، والهُرمزان متوجِّه إلى رامهرمُز هاربًا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشّغَر، وأعجزه بها الهرمزان؛ فمال جَزْء إلى دورق من قرية الشَّغَر؛ وهي شاغرة برجلها -وَدَوْرق مدينة سُرّق فيها قوم لا يطيقون منعها- فأخذها صافية، وكتب إلى عمر بذلك، وإلى عُتْبة، وبدعائه مَن هرب إلى الجزاء والمنَعَة، وإجابتهم إلى ذلك. فكتب عمر إلى جَزْء بن معاوية وإلى حُرقوص بن زهير بلزوم ما غَلبا عليه، وبالمقام حتى يأتيَهما أمره، وكتب إليه مع عُتبة بذلك، ففعلا، واستأذن جَزء في عمران بلاده عمرَ، فأذن له، فشقّ الأنهار، وعمرَ الموات. ولما نزل الهُرمزان رامَهرُمُز، وضاقت عليه الأهواز؛ والمسلمون حُلّالٌ فيها فيما بين يديه؛ طلب الصلح، وراسل حُرقوصًا وجَزْءًا في ذلك، فكتب فيه حُرقوص إلى عمر، فكتب إليه عمر، وإلى عُتبة، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز، وتُستر، والسوس، وجُنْدي سابور، والبُنيان، ومِهرجا نقَذَق، فأجابهم إلى ذلك، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم، وأقام الهرمزان على صلحه يجبي إليهم، ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس؛ أعانوه وذبُّوا عنه، وكتب عمر إلى عُتبة أن أوفد عليّ وفدًا من صُلحاء جند البصرة عشرة، فوفْد إلى عمر عشرةً، فيهم الأحنف. فلما قدم على عمر قال: إنك عندي مصدَّق، وقد رأيتك رجلًا، فأخبرني إن ظُلِمت الذّمة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحبّ. قال: فنعم إذًا! انصرفوا إلى رحالكم. فانصرف الوفد إلى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبًا قد خرج طرفه من عيبة فشمّه، ثم قال: لمَنْ هذا الثوب منكم؟ قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنًا يسيرًا، ثمانية أو نحوها، ونقص ممَّا كان أخذَه به -وكان قد أخذه باثني عشر- قال: فهلّا بدون هذا، ووضعتَ فَضلته موضعًا تغنِي به مسلمًا! حُصُّوا، وضعوا الفُضول مواضعها؛ تريحوا أنفسكم، وأموالكم، ولا تسرفوا؛ فتخسروا أنفسكم، وأموالكم؛ إن نظر امرؤ لنفسه وقدّم

стр. 3032

لها؛ يُخْلَفُ له. وكتب عمر إلى عُتبة: أن أعزب الناس عن الظلم، واتّقوا، واحذروا أن يُدالَ عليكم لغدرٍ يكون منكم، أو بغي، فإنكم إنّما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدّم إليكم فيما أخذ عليكم، فأوفُوا بعهد الله، وقوموا على أمره؛ يكن لكم عونًا، وناصرًا. وبلغ عمرَ: أنّ حُرقوصًا نزل جبل الأهواز، والناس يختلفون إليه، والجبل كنود يشقّ على مَن رامه، فكتب إليه: بلغني: أنك نزلت منزلًا كنودًا لا تؤتى فيه إلّا على مشقّة، فأسهل ولا تشقّ على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجْل تدرك الآخرة وتصفُ لك الدنيا، ولا تدركنّك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك، وتذهب آخرتك. ثمّ إن حرقوصًا تحررّ يوم صفِّين وبقي على ذلك، وشهد النِّهروان مع الحَرُوريّة (١). (٤: ٧٧/ ٧٨). غزو المسلمين فارس من قبَل البحرين وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- غزا المسلمون أرضَ فارس من قِبَل البحرين فيما زعم سيف ورواه. ذكر الخبر بذلك: ٥١٦ - كتب إليّ السريّ، يقول: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن محمد، والمهلّب، وعمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة وأرضها -وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم، وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله، يؤدّون الخراج، ولا يدخل عليهم، ولهم الذّمة والمنَعة -وعميد الصلح الهُرمزان، وقد قال عمر: حسبُنا لأهل البصرة سوادهم، والأهواز، وددْت: أنّ بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم، كما قال لأهل الكوفة: وددت أنّ بينهم وبين الجبل حبلًا مَن نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم.

стр. 3033

وكان العلاء بن الحضرميّ على البحرين أزمانَ أبي بكر، فعزله عمر، وجعل قدامةَ بن المظعون مكانه، ثم عزَل قدامة، وردّ العلاء، وكان العلاء يباري سعدًا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الردّة بالفضل؛ فلما ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة عن الدّار، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستَعلَى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به؛ سرّ العلاء أن يصنع شيئًا في الأعاجم، فرجا أن يُدال كما قد كان أديل، ولم يقدّر العلاء، ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ، وكان أبو بكر قد استعمله، وأذن له في قتال أهل الردّة، واستعمله عمر، ونهاه عن البحر، فلم يقدّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادًا؛ على أحدهما الجارود بن المعلّى، وعلى الآخر السوّار بن همّام، وعلى الآخر خُلَيد بن المنذر بن ساوى؛ وخُليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيًا؛ يَكره التغرير بجنده استنانًا بالنبيّ ﷺ وبأبي بكر، لم يغزُ فيه النبيّ ﷺ ولا أبو بكر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصْطَخر، وبإزائهم أهلُ فارس، وعلى أهل فارس الهِرْبذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سُفنهم، فقام خُليد في الناس، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ الله إذا قضى أمرًا جرت به المقادير؛ حتى تصيبَه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوْكم إلى حربهم؛ وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفنُ والأرض لمن غلَب، فاستعينوا بالصّبر والصلاة، وإنّها لكبيرة إلّا على الخاشعين. فأجابوه إلى ذلك، فصلّوا الظهر، ثم ناهدوهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في موضع من الأرض يدعى طاوُوس، وجعل السَّوار يرتجز يومئذ، ويذكر قومه، ويقول: يا آلَ عَبْد القَيْسِ لِلْقِرَاعِ ... قد حَفَلَ الأمْدادُ بالجِراعِ وكلّهُمْ في سَننِ المِصاعِ ... يحْسِنُ ضَرْب القومِ بالقَطَّاعِ حتى قتل. وجعل الجارود يرتجز ويقول: لو كان شيئًا أَممًا أكلْتُهْ ... أو كان ماءً سادِمًا جَهَرْتُهْ لكن بحرًا جاءَنا أنْكرْتُهْ حتى قتل. ويومئذ وَلِيَ عبدُ الله بن السوّار، والمنذر بن الجارود حياتهما إلى

стр. 3034

أن ماتا. وجعل خُليد يومئذ يرتجز ويقول: يالَ تميمٍ أَجْمِعُوا النُّزُولْ ... وكادَ جَيْشُ عُمَرٍ يَزُولْ وكُلكمْ يعلمُ ما أقولْ انزلوا، فنزلوا فاقتتل القوم فقُتِل أهل فارس مقتلة لم يُقتَلوا مثلها قبلها، ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثمّ لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلًا. ثم وجدوا شَهْرَك قد أخذ على المسلمين بالطرق؛ فعسكروا، وامتنعوا في نُشُوبهم. ولما بلغ عمر الذي صنع العَلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر؛ ألقِيَ في رُوعه نحوٌ من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العَلاء، وكتب إليه يعزله وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه؛ بتأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قِبلَك، فخرج بمَن معه نحو سعد. وكتب عمر إلى عُتبة بن غزوان: إنّ العلاء بن الحضرميّ حمل جندًا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إلّا يُنصروا أن يغلَبوا وينشَبوا، فاندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا. فندب عُتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هَرْثمة، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرْجاء، وعبد الرحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية؛ فخرجوا في اثني عشر ألفًا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سَبْرة بن أبي رُهْم أحد بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمّة، وهم رِدْء للغازي والمقيم. فسار أبو سَبْرة بالناس، وساحَلَ لا يلقاه أحد، ولا يعرض له؛ حتى التقى أبو سَبْرة وخُلَيد بحيث أخِذ عليهم بالطرق غبّ وقعة القوم بطاووس، وإنما كان وليَ قتالهم أهلُ إصطَخر وحدهم، والشذّاذ من غيرهم؛ وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، وأنشَبوهم؛ استصرخوا عليهم أهلَ فارس كلّهم؛ فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة، فالتقوْا هم وأبو سَبْرة بعد طاووس، وقد توافتْ إلى المسلمين أمدادهم، وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شَهْرك؛ فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقَتَل المشركين، وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا -وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة؛

стр. 3035

وكانوا أفضل نوابت الأمصار؛ فكانوا أفضل المصريْن نابتة- ثم انكفؤوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عُتبة، وكتب إليهم بالحثّ وقلة العُرْجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم منها، وتفرّق الذين تُنقّذوا من أهل هَجر إلى قبائلهم، والذين تُنقّذوا من عبد القيس في موضع سوق البَحْرين. ولما أحرز عُتبة الأهواز، وأوطأ فارس؛ استأذن عمر في الحجّ، فأذِن له، فلمّا قضى حجّه استعفاه، فأبى أن يُعفيَه، وعزم عليه ليَرجعنّ إلى عمله؛ فدعا الله، ثم انصرف؛ فمات في بطن نخلة، فدفن؛ وبلغ عمر، فمرّ به زائرًا لقبره، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم، وكتاب مرقوم؛ وأثنى عليه بفضله، ولم يختطّ فيمن اختطّ من المهاجرين؛ وإنما ورث ولدُه منزلهم من فاختة بنة غزوان، وكانت تحت عثمان بن عفان، وكان خبّاب مولاه قد لزم سمته فلم يختطّ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن، وقد استخلف على الناس أبا سَبْرة بن أبي رُهْم، وعمّاله على حالهم، ومسالحه على نهرِ تيرَى، ومَناذِر، وسوق الأهواز، وسُرّق، والِهُرْمِزان برامهُرمز مُصالَح عليها، وعلى السُّوس والبُنيان وجنديْ سابور ومِهْرَجان قذق؛ وذلك بعد تنقُّذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس، ونزولهم البصرة. وكان يقال لهم: أهل طاووس، نُسِبوا إلى الوقعة. وأقرّ عمر أبا سَبْرة بن أبي رُهْم على البصرة بقيّة السنة، ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة، فعمل عليها بقيَّة تلك السنة والسنة التي تليها، لم ينتقض عليه أحد في عمله، وكان مرزوقًا السلامة؛ ولم يُحدث شيئًا إلّا ما كان بينه وبين أبي بكْرة. ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة، ثم صُرِف إلى الكوفة، ثمّ استعمل عمر بن سُراقة، ثمّ صُرِف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة، وصُرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة؛ فعمل عليها ثانية (١). (٤: ٧٩/ ٨٠/ ٨١/ ٨٢).

стр. 3036

ذكر فتح رامهرمز وتستر ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته: ٥١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو؛ قالوا: ولم يزل يَزْدَجِرد يُثير أهلَ فارس أسفًا على ما خرج منهم؛ فكتب يَزْدَجِرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرْوَ، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه، والأهواز. ثم لم يرْضَوا بذلك حتى تورّدوكم في بلادكم وعُقْر داركم، فتحرّكوا وتكاتبوا (أهلُ فارس وأهلُ الأهواز) وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النُّصرة، وجاءت الأخبار حرقوصَ بن زُهير، وجاءت جزءًا، وسُلْمى، وحرْملة عن خبر غالب، وكُلَيب؛ فكتب سُلْمَى وحَرْملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبَصْرة، فسبق كتاب سُلْمى حرملة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثًا كثيفًا مع النعمان بن مقرّن، وعجِّل، وابعث سُوَيد بن مقرّن، وعبد الله بن ذي السهمين، وجَرير بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البَجَلِيّ؛ فلْينزلوا بإزاء الهُرْمزان حتى يتبيّنوا أمره. وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جندًا كثيفًا وأمِّرْ عليهم سهل بن عديّ -أخا سهيل بن عديّ- وابعث معه البَرَاء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعَرْفجة بن هَرثمة، وحُذيفة بن مِحْصَن، وعبد الرحمن بن سهل، والحُصَين بن معبد، وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعًا أبو سَبْرة بن أبي رُهْم؛ وكلّ من أتاه فمددٌ له. وخرج النُّعمان بن مقرّن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دِجْلة بِحيال مَيْسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهر تِيرَى فجازها، ثم جاز مَنَاذر، ثم جاز سوقَ الأهواز، وخلَّف حُرقوصًا، وسُلمَى، وحرْملة، ثمّ سار نحو الهُرمزان -والهرمزان يومئذ برامَهُرمز- ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة، ورجا أن يقتطعه وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتُسْتَر، فالتقى، النعمان والهُرمزان بأربُك، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثمّ إنّ الله هزم

стр. 3037

الهُرمزان للنعمان، وأخلى رامَهُرْمز وتركها ولحق بتُستَر، وسار النعمان من أربُك حتى ينزل برامَهُرْمز، ثم صعد لإيذَج، فصالحه عليها تيرويْه، فقبل منه، وتركه، ورجع إلى رامَهُرْمز، فأقام بها. قالوا: ولما كتب عمر إلى سعد وأبي موسى، وسار النعمان وسهل؛ سبق النعمان في أهل الكوفة سهلًا وأهلَ البصرة، ونكّب الهُرمزان، وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وهم يريدون رامَهُرمز، فأتتهم الوقعة وهم بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر: أنّ الهرمزان قد لحِق بتستَر، فمالوا من سوق الأهواز نحْوَه، فكان وجههم منها إلى تُسْتَر، ومال النعمان من رامَهرمز إليها، وخرج سُلْمَى، وحَرْملة، وحُرقوص، وجَزْء، فنزلوا جميعًا على تُستَر والنعمان على أهل الكوفة، وأهل البصرة متساندون، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس؛ وأهل الجبال والأهواز في الخنادق، وكتبوا بذلك إلى عمر، واستمدّه أبو سَبْرة فأمدّهم بأبي موسى، فسار نحوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين جميعًا أبو سَبْرة، فحاصروهم أشهرًا، وأكثروا فيهم القتل. وقتل البَرَاء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مئة مبارز، سوى مَن قتل في غير ذلك، وقتَل مجزأة بن ثَوْر مثل ذلك، وقَتل كعبُ بن سُور مثلَ ذلك، وقتَل أبو تميمة مثلَ ذلك في عدّة من أهل البصرة، وفي الكوفيين مثل ذلك؛ منهم: حَبيب بن قُرّة، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن عبد الأسود -وكان من الرؤساء- في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون في أيام تُسْتَر ثمانين زَحْفًا في حصارهم؛ يكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان في آخر زحف منها، واشتدّ القتال؛ قال المسلمون: يا بَراء! أقسِم على ربّك ليهزمنّهم لنا! فقال: اللهمّ اهزمْهم لنا، واستشهدني. قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وأرَزُوا إلى مدينتهم، وأحاطوا بها، فبينا هم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة، وطالت حربُهم، خرج إلى النّعمان رجل فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل يُؤْتَوْن منه، ورمى في ناحية أبي موسى بسهمْ، فقال: قد وثقت بكم، وأمنتكم، واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتحها، فآمنوه في نُشابة فرمى إليهم بآخر، وقال: انهدُوا من قبل مخرج الماء؛ فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك وندب إليه، فانتدب له عامر بن

стр. 3038

عبد قيس، وكعب بن سُور، ومجزأة بن ثور، وحَسَكة الحبَطي، وبَشر كثير؛ فنهدوا لذلك المكان ليلًا، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرّجل، فانتدب له سُويد بن المثعَبة، وورقاء بن الحارث، وبشر بن ربيعة الخثعميّ، ونافع بن زيد الحميريّ، وعبد الله بن بِشر الهلاليّ، فنهدوا في بشر كثير، فالتقَوا هم وأهلُ البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بِشر، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا اجتمعوا فيها -والناس على رِجْل من خارج- كبّروا فيها، وكبّر المسلمون من خارج، وفُتحت الأبواب؛ فاجتلدوا فيها، فأناموا كلَّ مقاتل، وأرَز الهُرْمزان إلى القَلَعة، وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء؛ فلما عاينوه وأقبلوا قِبَله قال لهم: ما شئتم! قد ترْون ضيقَ ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جَعبتي مئةُ نُشّابة؛ ووالله ما تصِلون إليّ ما دام معي منها نُشّابة؛ وما يقع له سهم؛ وما خير إساري إذا أصبتُ منكم مئة بين قتيل أو جريح! قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضعَ يدي في أيديكم على حُكْم عُمَر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدّوه وثاقًا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم؛ فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، والراجل ألفًا، ودعا صاحب الرميّة بها، فجاء هو والرّجل الذي خرج بنفسه، فقالا: مَن لنا بالأمان الذي طلبنا علينا وعلى مَن مالَ معنا؟ قالوا: ومَن مال معكم؟ قالا: مَن أغلق بابه عليه مدخلَكم. فأجازوا ذلك لهم، وقُتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، وممن قتَل الهُرمزان بنفسه مجزَأة بن ثور، والبَرَاء بن مالك. قالوا: وخرج أبو سَبْرة في أثر الفَلّ من تُستَر -وقد قصدوا للسُّوس- إلى السوس، وخرج بالنعمان وأبي موسى ومعهم الهُرْمزان؛ حتى اشتملوا على السُّوس، وأحاط المسلمون بها، وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب عمر إلى عمر بن سُراقة بأن يسيرَ نحو المدينة، وكتب إلى أبي موسى فردّه على البَصْرة، وقد ردّ أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، وردّ عمر عليها مرتين؛ وكتب إلى زِرّ بن عبد الله بن كليب الفُقَيميّ أن يسير إلى جُنْدَيْ سابور، فسار حتى نزل عليها، وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمّر عمر على جند البصرة المقترِبَ؛ الأسود بن ربيعة أحدَ بني ربيعة بن مالك، وكان الأسود، وزِرّ من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين- وكان الأسود قد وفَد على رسول الله ﷺ وقال: جئت لأقترب إلى الله بصحبتك، فسمّاه

стр. 3039

المقترب؛ وكان زِرّ قد وفَد على رسول الله ﷺ ، وقال: فنيَ بطني، وكثر إخوتُنا، فادعُ الله لنا، فقال: اللهمّ أوف لزرّ عُمْرَه، فتحوّل إليهم العدد -وأوفد أبو سَبْرة وفدًا؛ فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، وأرسل الهُرمزان معهم، فقدِموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة؛ حتى إذا دخلوا هيّؤوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كُسوته من الدّيباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجًا يدعى الآذين، مكلّلًا بالياقوت، وعليه حِلْيته، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروْه، فلما انصرفوا مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدّدكم! ؟ تريدون أميرَ المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسد برنسه -وكان عمر قد جلس لوفْد أهل الكوفة في بُرنس، فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلَوْه نزع بُرنسه ثم توسّده فنام- فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوْه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدِّرَة في يده معلّقة، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا؛ وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه؛ وأصغى الهرمزان إلى الوفد، فقال: أين حرسُه وحجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبيًّا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. وكثر الناس؛ فاستيقظ عمر بالجلَبَة، فاستوى جالسًا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمّله، وتأمّل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين الله! وقال: الحمد لله الذي أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه؛ يا معشر المسلمين! تمسَّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهُدَى نبيّكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرّارة، فقال الوفد: هذا ملك الأهواز، فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حِلْيته شيء، فرُمي عنه بكلّ شيء عليه إلا شيئًا يستره، وألبسوه ثوبًا صفيقًا، فقال عمر: هِيهِ يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله! فقال: يا عمر! إنا وإيّاكم في الجاهليّة كان الله قد خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذْ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهليّة باجتماعكم وتفرّقنا. ثم قال عمر: ما عُذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك.

стр. 3040

واستسقى ماء، فأتِيَ به في قَدَح غليظ، فقال: لو متّ عطشًا لم أستطع أنْ أشرب في مثل هذا، فأتي به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجُف، وقال: إني أخاف أن أقْتَل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربَه، فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمِن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد آمنتني! فقال: كذبت! فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته، قال: ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مجزأة والبَراء! والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك! قال: قلتَ له: لا بأس عليك حتى تخبرَني، وقلتَ: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له مَنْ حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتَني، والله لا أنخدع إلا لمسلم؛ فأسلم. ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة (١). (٤: ٨٣/ ٨٤/ ٨٥/ ٨٦/ ٨٧/ ٨٨). ٥١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال: كان التُّرجمان يوم الهُرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجِم، وكان المغيرة يفقَه شيئًا من الفارسيّة، فقال عمر للمغيرة: قل له: مِنْ أيّ أرض أنت؟ فقال المغيرة: أزكُدَام أرضي؟ فقال: مِهرجانيّ، فقال: تكلم بحجَّتك، قال: كلام حيّ أو ميت؟ قال: بل كلام حيّ، قال: قد آمنتني، قال: خدعتَني، إنّ للمخدوع في الحرب حُكمه؛ لا والله لا أؤمّنك حتى تسلِم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة. وقال للمغيرة: ما أراك بها حاذقًا، ما أحسنها منكم أحد إلا خَبّ، وما خَبّ إلا دقّ. إيّاكم وإيّاها! فإنها تنقض الإعراب. وأقبل زيد فكلّمه، وأخبر عمر بقوله، والهُرمزانَ بقول عمر (٢). (٤: ٨٨). ٥١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، عن الشعبيّ وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعلّ

стр. 3041

المسلمين يفضُون إلى أهل الذّمة بأذىً وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلّا وفاء وحسن ملَكة، قال: فكيف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئًا يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلّا ما كان من الأحنف، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أخبرك أنّك نهيتَنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتَنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حيّ بين أظهرهم؛ وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام مَلكهم فيهم؛ ولم يجتمع مَلِكان فاتفقا حتى يخرِج أحدُهما صاحبَه؛ وقد رأيتُ أنّا لم نأخذ شيئًا بعد شيء إلّا بانبعاثهم، وأنّ ملِكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسِحْ في بلادهم حتى نزيلَه عن فارس، ونخرجه من مملكته وعزّ أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس، ويضربون جأشًا. فقال: صدقتَني والله، وشرحت لي الأمر عن حقه. ونظر في حوائجهم، وسرّحهم. وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مِهْرجان قذَق وأهل كُوَر الأهواز إلى رأي الهُرمزان ومشيئته، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الانسياح (١). (٤: ٨٩). ذكر فتح السُّوس اختلف أهل السِّيَر في أمرها؛ فأمّا المدائنيّ فإنه -فيما حدثني عنه أبو زيد- قال: لما انتهى فلّ جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان؛ دعا بخاصّته، والموبذ، فقال: إن القومَ لا يلقون جمعًا إلا فلّوه، فما ترونْ؟ فقال الموْبذ: نرى أن تخرج، فتنزل إصطَخْر؛ فإنها بيت المملكة، وتضمّ إليك خزائنك، وتوجّه الجنود. فأخذ برأيه، وسار إلى أصبَهان ودعا سياهَ، فوجّهه في ثلاثمئة، فيهم سبعون رجلًا من عُظمائهم، وأمره أن ينتخب مِن كلّ بلدة يمرّ بها مَن أحبّ، فمضى سياه، وأتبعه يزدجِرْد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السُّوس، فوجّه سياه إلى السُّوس، والهرمزان إلى تُستَر، فنزل سياه الكلبانيّة، وبلغ أهلَ السوس أمرُ جلولاء، ونزول يزدجرد إصطخر منهزمًا، فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح، فصالحهم، وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانية، وقد عظُم أمر

стр. 3042

المسلمين عنده، فلم يزل مقيمًا حتى صار أبو موسى إلى تُسْتَر، فتحوّل سياه، فنزل بين رامهرمز وتُسْتَر، حتى قدم عمّار بن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبَهان؛ فقال: قد علمتم: أنا كنا نتحدّث: أنّ هؤلاء القوم أهلُ الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وترُوث دوابّهم في إيوانات إصطَخر ومصانع الملوك، ويشدُّون خيولَهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقوْن جندًا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بحصنٍ إلّا فتحوه، فانظروا لأنفسكم، قالوا: رأيُنا رأيك، قال: فليكْفِني كلّ رجل منكم حشَمه، والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم. ووجَّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى، يأخذ شروطًا على أن يدخلوا في الإسلام فقدم شيرويه على أبي موسى فقال: إنّا قد رغِبْنا في دينكم، فنُسلِم على أن نُقاتلَ معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلَنا أحدٌ من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتُلحِقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك. فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، قالوا: لا نرضى. وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلى أبي موسى: أعطِهم ما سألوك. فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تُسْتر؛ فلم يكن أبو موسى يرى منهم جِدًّا ولا نِكاية، فقال لسياه: يا أعور! ما أنت وأصحابُك كما كنّا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدّين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حُرَمٌ نحامِي عنهم، ولم تُلحقنا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكُراع، وأنتم حسّر. فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر: أن ألحقهم على قَدْر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شيء أخذه أحد من العرب. ففرض لمئة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين، وخمسمئة لسياه، وخُسْرَوْ -ولقبه مِقْلاص- وشَهْرِيار، وشَهْرَويه، وأفروذين. فقال الشاعر: ولمَّا رأى الفاروقُ حُسْنَ بلائِهِمْ ... وكان بما يأتي من الأمر أبْصَرَا فَسَنَّ لهم ألفيْنِ فَرْضًا وقد رأى ... ثلاثَمِئينَ فَرْضَ عَكٍّ وَحِمْيَرَا قال: فحاصروا حصنًا بفارس، فانسلّ سياه في آخر الليل في زِيّ العجم حتى رمى بنفسه إلى جَنْب الحِصْن، ونضحَ ثيابه بالدّم، وأصبح أهلُ الحصن، فرأوا

стр. 3043

رجلًا في زيّهم صريعًا، فظنُّوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحِصْن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلَّوْا عن باب الحصن، وهربوا، ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعلَ هذا الفعل سياه بتُسْتر، وحاصروا حصنًا، فمشى خُسْرَوْ إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلِّمه، فرماه خسرَوْ بنشّابة فقتله (١). (٤: ٨٩/ ٩٠/ ٩١). ٥٢١ - وأما سيف فإنه قال في روايته ما كتب به إليَّ السريّ عن شعيب، عنه، عن محمد، وطلحة، وعمرو، ودِثار أبي عمر، عن أبي عثمان، قالوا: لما نزل أبو سَبْرة في الناس على السُّوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرّات، كلّ ذلك يصيبُ أهلُ السُّوس في المسلمين، فأشرف عليهم يومًا الرُّهبان، والقسّيسون، فقالوا: يا معشر العرب! إنّ مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا؛ أنه لا يفتح السُّوسَ إلّا الدّجال أو قوم فيهم الدّجال، فإن كان الدّجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تُعْنَوْا بحصارنا. وجاء صرْف أبي موسى إلى البَصْرة، وعُمِّل علَى أهل البصرة المقترب مكانَ أبي موسى بالسُّوس، واجتمع الأعاجم بِنهاوَنْد، والنعمان على أهل الكوفة محاصرًا لأهل السوس مع أبي سَبْرة، وزِرّ محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك؛ وضرب على أهل الكوفة البعث مع حُذيفة، وأمرهم بموافاته بنهاوَنْد؛ وأقبل النُّعمان على التهيّؤ للسير إلى نهاوند، ثمّ استقلّ في نفسه، فناوشهم قبل مضيّه، فعاد الرّهبان، والقسِّيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقالوا: يا معشرَ العرب! لا تُعنَوْا فإنه لا يفتحها إلّا الدّجال أو قوم معهم الدّجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وصافِ بن صيّاد يومئذ مع النعمان في خيله، وناهَدهم المسلمون جميعًا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق؛ ولمّا يخرج أبو موسى بعدُ. وأتى صافِ بابَ السوس غضبَان، فدقّه برجله، وقال: انفتح فطار فتقطّعت السلاسل، وتكسَّرت الأغلاق، وتفتَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوْا: الصّلح الصلح! وأمسكوا بأيديهم، فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عَنْوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح؛ ثم افترقوا. فخرج

стр. 3044

النّعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على هاه، وسرّح أبو سَبْرة المقتربَ حتى ينزل على جنديْ سابور مع زِرّ، فأقام النعمان بعد دخول ماه؛ حتى وافاه أهلُ الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهلِ نهَاوند، فلما كان الفتح؛ رجع صاف إلى المدينة، فأقام بها، ومات بالمدينة (١). (٤: ٩١/ ٩٢). ٥٢٢ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عمّن أورد فتح السُّوس، قال: وقيل لأبي سَبْرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: وما لنا بذلك! فأقرّه بأيديهم -قال عطيّة بإسناده: إنّ دانيال كان لزم أسيافَ فارس بعد بختنصّر؛ فلمّا حضرته الوفاة، ولم يرَ أحدًا ممن هو بين ظهرَيْهم على الإسلام؛ أكرم كتاب الله عمّن لم يجبْه ولم يقبل منه، فأودعه ربّه، فقال لابنه: ائتِ ساحلَ البحر، فاقذفْ بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، وضنّ به، وغاب مقدارَ ما كان ذاهبًا وجائيًا؛ وقال: قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئًا، فغضب وقال: والله ما فعلتَ الذي أمرتُك به. فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رأيت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج واصطفق، فغضب أشدّ من غضبه الأوّل، وقال: والله ما فعلت الذي أمرتُك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة، فانطلق إلى ساحل البحر، وألقاه فيه، فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت، وانفجرت له الأرض عن هواء من نور، فهوَى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض، واختلَط الماء، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال: الآن صدقت. ومات دانيال بالسُّوس؛ فكان هنالك يُستَسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتُوا به فأقرُّوه في أيديهم، حتى إذا ولّى أبو سَبْرة عنهم إلى جُنَديْ سابور؛ أقام أبو موسى بالسُّوس. وكتب إلى عُمَر فيه؛ فكتب إليه يأمره بتوريته، فكفّنه ودفنه المسلمون. وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا، فكتب إليه أن تختَّمْه، وفي فصّه نقش رجل بين أسدين (٢). (٤: ٩٢/ ٩٣).

стр. 3045

ذكر مصالحة المسلمين أهل جنديْ سابور وفيها -أعني: سنة سبع عشرة- كانت مصالحة المسلمين أهْلَ جُنْدَيْ سابور. ذكر الخبر عن أمرهم وأمرها: ٥٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي عمرو، وأبي سفيان، والمهلَّب، قالوا: لما فرغ أبو سَبْرة من السُّوس؛ خرج في جنده حتى نزل على جُنْدَيْ سابور، وزِرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادونهم، ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رُمي إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فَتحها وفَتْح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجأ المسلمين إلّا وأبوابها تفتح، ثمّ خرج السَّرْح، وخرجت الأسواق، وانبثّ أهلها، فأرسل المسلمون: أن مالكم؟ قالوا: رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا. فقالوا: ما فعلنا، فقالوا: ما كذبْنا، فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعَى مُكْنِفًا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم. فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حُرّكم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغدروا. فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إنّ الله عظَّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تَفُوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفُوا لهم. فوَفوْا لهم، وانصرفوا عنهم (١). (٤: ٩٣/ ٩٤). ٥٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: أذن عمر في الانسياح سنة سبع عشرة في بلاد

стр. 3046

فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرَّقَ الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء، وأمّر على أهل الكوفة أمراء، وأمّر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة، فساحوا في سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطَع ذمّة البصرة، فيكون هنالك حتى يحدّث إليه، وبعث بألوية مَنْ ولى مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الأشهل، فقدِم سهيل بالألوية، ودفع لواء خُراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشيرخُرّه، وسابور إلى مجاشع بن مسعود السُّلميّ، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، ولواء فَسَا ودرابجرد إلى سارية بن زُنَيم الكنانيّ، ولواء كَرْمان مع سهيل بن عدي، ولواء سجسْتان إلى عاصم بن عمرو -وكان عاصم من الصحابة- ولواء مُكْران إلى الحكَم بن عمير التغلبيّ. فخرجوا في سنة سبع عشرة، فعسكروا؛ ليخرجوا إلى هذه الكُوَر فلم يستَتِبّ مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة؛ فأمدّ سهيل بن عديّ بعبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة بن النّضر، وبعبد الله بن أبي عَقِيل، وبربْعيّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعيّ، وأمدّ الحكم بن عُمير بشهاب بن المخارق المازنيّ. قال بعضهم: كان فتح السُّوس ورَامهرمز، وتوجيه الهرمزان إلى عُمَر من تُسْتَر في سنة عشرين (١). (٤: ٩٤). ثم دخلت سنة ثمان عشرة ٥٢٥ - كتب إليّ السريّ يقول: حدّثنا شعيب عن سيف، عن الرّبيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ نفرًا من المسلمين أصبوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم، فتأوّلوا، وقالوا: خُيِّرنا، فاخترنا، قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾! ولم يعزم علينا. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ يعني: "فانتهوا". وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربُوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق مَن تأوّل عليها بمثل

стр. 3047

هذا، فإن أبى؛ قتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهم؛ فإن زعموا أنها حلال؛ فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحُدّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدُثنّ فيكم يا أهل الشام حادث! فحدثت الرّمادة (١). (٤: ٩٦). ٥٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبيّ بمثله (٢). (٤: ٩٧). ٥٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار، وأبي جندل، كتب إلى أبي عبيدة في ذلك، وأمره أن يدعوَ بهم على رؤوس الناس فيسألهم: أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام؛ فاجلدهم ثمانين جلدة، واستَتِبْهم، وإن قالوا: حلال؛ فاضرب أعناقهم. فدعَا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيَوا، فلزموا البيوت. ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ أبا جندل قد وسوس، إلّا أن يأتيَه الله على يديْك بفرج، فاكتب إليه وذكّره، فكتب إليه عمر وذكّره، فكتب إليه: من عمر إلى أبي جَنْدل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فتبْ، وارفع راسك، وأبرز، ولا تقنَط، فإنّ الله ، يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فلما قرأه عليه أبو عبيدة؛ تطلّق، وأُسفِر عنه. وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، ومَن استوجب التّغيير، فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدًا، فيفشوَ فيكم البلاء (٣). (٤/ ٩٧). ٥٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوًا منه، إلّا أنه لم يذكر: أنه كتب إلى الناس ألا يعيّروهم، وقال: قالوا:

стр. 3048

جاشت الروم، دَعُونا نغزوهم، فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك، وإلّا عمَدتَ للذي يريد. فاستُشهد ضرار بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحُدّوا. وقال أبو الزّهراء القُشَيريّ في ذلك: أَلَمْ تَرَ أنَّ الدهْرَ يعْثُرُ بالفتى ... وليْسَ على صَرْفِ المَنونِ بِقادِرِ صَبرْتُ ولم أَجْزَعْ وقَدْ ماتَ إخْوَتي ... ولَسْتُ عن الصهْباءِ يَوْمًا بِصَابرِ رَماها أمير المؤمنين بحَتفِها ... فخُلَّانُها يَبْكونَ حَوْلَ المعَاصِرِ (١) (٤: ٩٧). ٥٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السُّلميّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، وكانت الرّمادة جوعًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتّى جعلت الوحشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنّه لمقفر (٢). (٤: ٩٨). ٥٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل

стр. 3049

الأمصار؛ حتى أقبل بلال بن الحارث المزنيّ، فاستأذن عليه، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله إليك؛ يقول لك رسولُ الله ﷺ : لقد عهدتُك كيّسًا، وما زلت على رِجْل؛ فما شأنك؟ ! فقال: متى رأيتَ هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فصلّى بهم ركعتين؛ ثم قام فقال: أيُّها الناس، أنشدُكم الله، هل تعلمون منّي أمرًا غيره خيرٌ منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإنّ بلال بن الحارث يزعم ذَيّة وذَيّة؛ فقالوا: صدق بلال، فاستغث بالله وبالمسلمين، فبعث إليهم -وكان عمر عن ذلك محصورًا- فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاءُ مدَّته فانكشف؛ ما أذِن لقوم في الطلب إلّا وقد رُفِع عنهم البلاء؛ فكتب إلى أمراء الأمصار: أغيثوا أهلَ المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جَهْدهم؛ وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيًا، فخطب فأوجز؛ ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهمّ إيّاك نعبد وإياك نستعين؛ اللهمّ اغفرْ لنا وارحمْنا وارضَ عنّا. ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين؛ حتى خاضُوا الغُدْران (١). (٤: ٩٨/ ٩٩). ٥٣١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيلِ، عن جُبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عامًا، فهُزِل المال، فقال أهلُ بيت من مُزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهنّ شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمّداه! فأريَ فيما يرى النائم: أنّ رسول الله ﷺ أتاه، فقال: أبشِرْ بالحيا! ائت عمرَ فأقرئه منّي السلام، وقل له: إنّ عهدي بك وأنت وفيّ العهد، شديد العقد، فالكَيْس الكَيْس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر؛ فقال لغلامه: استأذِنْ لرسول رسول الله ﷺ ، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيتَ به مسًّا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام؛ هل رأيتم مني شيئًا تكرهونه! قالوا: اللهمّ لا! قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطِنوا ولم يفْطَن؛ فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسقِ بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتيْن فأوجز، ثم قال: اللهمّ عجزتْ

стр. 3050

عنّا أنصارنا، وعجز عنا حولنا، وقوّتُنا، وعجزتْ عنا أنفسُنا، ولا حولَ ولا قوّة إلا بك، اللهمّ فاسقنا، وأحْيِ العباد والبلاد! (١) (٤: ٩٩). ٥٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان، وجراد أبي المجالد، وأبي عثمان، وأبي حارثة، كلّهم عن رجاء -وزاد أبو عثمان، وأبو حارثة: عن عبادة وخالد، عن عبد الرحمن بن غَنْم- قالوا: كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومَن حولها، ويستمدّهم، فكان أوّل مَن قدِم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولّاه قسمتَها فيمن حول المدينة؛ فلمّا فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجةَ لي فيها يا أمير المؤمنين! إنما أردت الله وما قبَله، فلا تدخل عليّ الدنيا، فقال: خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خُذْها فإنّي قد ولِيت لرسول الله ﷺ مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلتُ له كما قلتَ لي، فأعطاني. فقبل أبو عبيدة، وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس، واستغنى أهل الحجاز، وأحْيَوْا مع أوّل الحيا. وقالوا بإسنادهم: وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة: إن البحر الشاميّ حفر لمبعث رسول الله ﷺ حفيرًا، فصبّ في بحر العرب؛ فسدّه الروم والقِبْط، فإن أحببتَ أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرتُ له نهرًا وبنيت له قناطر. فكتب إليه عمر: أن افعل وعجّل ذلك؛ فقال له أهل مصر: خراجك زاجٍ، وأميرك راضٍ؛ وإن تمّ هذا؛ انكسر الخراج. فكتب إلى عمر بذلك، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها. فكتب إليه عمر: اعمل فيه، وعجّل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها فعاجله عمرو؛ وهو بالقُلْزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزِدْ ذلك مصر إلّا رخاء، ولم يرَ أهل المدينة بعد الرّمادة مثلها، حتى حُبس عنهم البحر مع مقتل عثمان ﵁. فذلُّوا، وتقاصروا، وخشعوا (٢). (٤: ١٠٠). قال أبو جعفر: وزعم الواقديّ: أن الرّقة، والرُّها، وحَرّان فتحت في هذه
следующие страницы →