← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرَّقَ الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء، وأمّر على أهل الكوفة أمراء، وأمّر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة، فساحوا في سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطَع ذمّة البصرة، فيكون هنالك حتى يحدّث إليه، وبعث بألوية مَنْ ولى مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الأشهل، فقدِم سهيل بالألوية، ودفع لواء خُراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشيرخُرّه، وسابور إلى مجاشع بن مسعود السُّلميّ، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، ولواء فَسَا ودرابجرد إلى سارية بن زُنَيم الكنانيّ، ولواء كَرْمان مع سهيل بن عدي، ولواء سجسْتان إلى عاصم بن عمرو -وكان عاصم من الصحابة- ولواء مُكْران إلى الحكَم بن عمير التغلبيّ. فخرجوا في سنة سبع عشرة، فعسكروا؛ ليخرجوا إلى هذه الكُوَر فلم يستَتِبّ مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة؛ فأمدّ سهيل بن عديّ بعبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة بن النّضر، وبعبد الله بن أبي عَقِيل، وبربْعيّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعيّ، وأمدّ الحكم بن عُمير بشهاب بن المخارق المازنيّ. قال بعضهم: كان فتح السُّوس ورَامهرمز، وتوجيه الهرمزان إلى عُمَر من تُسْتَر في سنة عشرين (١). (٤: ٩٤). ثم دخلت سنة ثمان عشرة ٥٢٥ - كتب إليّ السريّ يقول: حدّثنا شعيب عن سيف، عن الرّبيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ نفرًا من المسلمين أصبوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم، فتأوّلوا، وقالوا: خُيِّرنا، فاخترنا، قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾! ولم يعزم علينا. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ يعني: "فانتهوا". وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربُوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق مَن تأوّل عليها بمثل

стр. 3047

هذا، فإن أبى؛ قتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهم؛ فإن زعموا أنها حلال؛ فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحُدّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدُثنّ فيكم يا أهل الشام حادث! فحدثت الرّمادة (١). (٤: ٩٦). ٥٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبيّ بمثله (٢). (٤: ٩٧). ٥٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار، وأبي جندل، كتب إلى أبي عبيدة في ذلك، وأمره أن يدعوَ بهم على رؤوس الناس فيسألهم: أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام؛ فاجلدهم ثمانين جلدة، واستَتِبْهم، وإن قالوا: حلال؛ فاضرب أعناقهم. فدعَا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيَوا، فلزموا البيوت. ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ أبا جندل قد وسوس، إلّا أن يأتيَه الله على يديْك بفرج، فاكتب إليه وذكّره، فكتب إليه عمر وذكّره، فكتب إليه: من عمر إلى أبي جَنْدل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فتبْ، وارفع راسك، وأبرز، ولا تقنَط، فإنّ الله ، يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فلما قرأه عليه أبو عبيدة؛ تطلّق، وأُسفِر عنه. وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، ومَن استوجب التّغيير، فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدًا، فيفشوَ فيكم البلاء (٣). (٤/ ٩٧). ٥٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوًا منه، إلّا أنه لم يذكر: أنه كتب إلى الناس ألا يعيّروهم، وقال: قالوا:

стр. 3048

جاشت الروم، دَعُونا نغزوهم، فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك، وإلّا عمَدتَ للذي يريد. فاستُشهد ضرار بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحُدّوا. وقال أبو الزّهراء القُشَيريّ في ذلك: أَلَمْ تَرَ أنَّ الدهْرَ يعْثُرُ بالفتى ... وليْسَ على صَرْفِ المَنونِ بِقادِرِ صَبرْتُ ولم أَجْزَعْ وقَدْ ماتَ إخْوَتي ... ولَسْتُ عن الصهْباءِ يَوْمًا بِصَابرِ رَماها أمير المؤمنين بحَتفِها ... فخُلَّانُها يَبْكونَ حَوْلَ المعَاصِرِ (١) (٤: ٩٧). ٥٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السُّلميّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، وكانت الرّمادة جوعًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتّى جعلت الوحشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنّه لمقفر (٢). (٤: ٩٨). ٥٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل

стр. 3049

الأمصار؛ حتى أقبل بلال بن الحارث المزنيّ، فاستأذن عليه، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله إليك؛ يقول لك رسولُ الله ﷺ : لقد عهدتُك كيّسًا، وما زلت على رِجْل؛ فما شأنك؟ ! فقال: متى رأيتَ هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فصلّى بهم ركعتين؛ ثم قام فقال: أيُّها الناس، أنشدُكم الله، هل تعلمون منّي أمرًا غيره خيرٌ منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإنّ بلال بن الحارث يزعم ذَيّة وذَيّة؛ فقالوا: صدق بلال، فاستغث بالله وبالمسلمين، فبعث إليهم -وكان عمر عن ذلك محصورًا- فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاءُ مدَّته فانكشف؛ ما أذِن لقوم في الطلب إلّا وقد رُفِع عنهم البلاء؛ فكتب إلى أمراء الأمصار: أغيثوا أهلَ المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جَهْدهم؛ وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيًا، فخطب فأوجز؛ ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهمّ إيّاك نعبد وإياك نستعين؛ اللهمّ اغفرْ لنا وارحمْنا وارضَ عنّا. ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين؛ حتى خاضُوا الغُدْران (١). (٤: ٩٨/ ٩٩). ٥٣١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيلِ، عن جُبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عامًا، فهُزِل المال، فقال أهلُ بيت من مُزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهنّ شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمّداه! فأريَ فيما يرى النائم: أنّ رسول الله ﷺ أتاه، فقال: أبشِرْ بالحيا! ائت عمرَ فأقرئه منّي السلام، وقل له: إنّ عهدي بك وأنت وفيّ العهد، شديد العقد، فالكَيْس الكَيْس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر؛ فقال لغلامه: استأذِنْ لرسول رسول الله ﷺ ، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيتَ به مسًّا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام؛ هل رأيتم مني شيئًا تكرهونه! قالوا: اللهمّ لا! قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطِنوا ولم يفْطَن؛ فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسقِ بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتيْن فأوجز، ثم قال: اللهمّ عجزتْ

стр. 3050

عنّا أنصارنا، وعجز عنا حولنا، وقوّتُنا، وعجزتْ عنا أنفسُنا، ولا حولَ ولا قوّة إلا بك، اللهمّ فاسقنا، وأحْيِ العباد والبلاد! (١) (٤: ٩٩). ٥٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان، وجراد أبي المجالد، وأبي عثمان، وأبي حارثة، كلّهم عن رجاء -وزاد أبو عثمان، وأبو حارثة: عن عبادة وخالد، عن عبد الرحمن بن غَنْم- قالوا: كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومَن حولها، ويستمدّهم، فكان أوّل مَن قدِم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولّاه قسمتَها فيمن حول المدينة؛ فلمّا فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجةَ لي فيها يا أمير المؤمنين! إنما أردت الله وما قبَله، فلا تدخل عليّ الدنيا، فقال: خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خُذْها فإنّي قد ولِيت لرسول الله ﷺ مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلتُ له كما قلتَ لي، فأعطاني. فقبل أبو عبيدة، وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس، واستغنى أهل الحجاز، وأحْيَوْا مع أوّل الحيا. وقالوا بإسنادهم: وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة: إن البحر الشاميّ حفر لمبعث رسول الله ﷺ حفيرًا، فصبّ في بحر العرب؛ فسدّه الروم والقِبْط، فإن أحببتَ أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرتُ له نهرًا وبنيت له قناطر. فكتب إليه عمر: أن افعل وعجّل ذلك؛ فقال له أهل مصر: خراجك زاجٍ، وأميرك راضٍ؛ وإن تمّ هذا؛ انكسر الخراج. فكتب إلى عمر بذلك، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها. فكتب إليه عمر: اعمل فيه، وعجّل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها فعاجله عمرو؛ وهو بالقُلْزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزِدْ ذلك مصر إلّا رخاء، ولم يرَ أهل المدينة بعد الرّمادة مثلها، حتى حُبس عنهم البحر مع مقتل عثمان ﵁. فذلُّوا، وتقاصروا، وخشعوا (٢). (٤: ١٠٠). قال أبو جعفر: وزعم الواقديّ: أن الرّقة، والرُّها، وحَرّان فتحت في هذه

стр. 3051

السنة، على يدي عياض بن غَنْم، وأن عين الوَرْدة فتحت فيها على يدي عُمير بن سعد. وقد ذكرتُ قول مَنْ خالفه في ذلك فيما مضى، وزعم: أن عمر ﵁ حوّل المقام في هذه السنة في ذي الحجّة إلى موضعه اليوم، وكان مُلْصَقًا بالبيت قبل ذلك. وقال: مات في طاعون عَمَواس خمسة وعشرون ألفًا. (٤: ١٠١). ثم دخلت سنة تسع عشرة ذكر الأحداث التي كانت في سنة تسع عشرة ٥٣٣ - قال أبو جعفر: قال أبو معشر -فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه-: إنّ فتح جَلُولاء كان في سنة تسع عشرة على يديْ سعد، وكذلك قال الواقديّ. (١) (٤: ١٠٢). ٥٣٤ - وقال ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة، والرُّهاء، وحَرّان، ورأس العيْن، ونَصيبينَ في سنة تسع عشرة. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قولَ من خالفهم في ذلك قبلُ (٢). (٤: ١٠٢). ٥٣٥ - وقال أبو معشر: كان فتح قَيْساريّة في هذه السنة -أعني: سنة تسع عشرة- وأميرها معاوية بن أبي سفيان؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكالذي قال أبو معشر في ذلك: قال الواقديّ (٣). (٤: ١٠٢). ٥٣٦ - وأما ابنُ إسحاق فإنه قال: كان فتح قيساريّة من فلسطين، وهَربُ هرقل، وفتْحُ مصر في سنة عشرين؛ حدّثنا بذلك ابن حُميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه. وأما سيف بن عمر؛ فإنه قال: كان فتحُها في سنة ستّ عشرة. قال: وكذلك فتح مصر.

стр. 3052

وقد مضى الخبر عن فتح قيساريّة قبل، وأنا ذاكر خبر مصر وفتحها بعدُ في قول من قال: فُتِحت سنة عشرين، وفي قول من خالف ذلك (١). (٤: ١٠٢). ٥٣٧ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة تسع عشرة- سالت حَرّة ليلى نارًا -فيما زعم الواقديّ- فأراد عمر الخروج إليها بالرّجال، ثم أمرهم بالصدقة، فانطفأت (٢). (٤: ١٠٢). وزعم أيضًا الواقديّ: أنّ المدائن، وجَلُولاء فُتحتا في هذه السنة، وقد مضى ذكر من خالفه في ذلك. (٤: ١٠٣). ثم دخلت سنة عشرين ذكر الخبر عمّا كان فيها من مغازي المسلمين وغير ذلك من أمورهم ٥٣٨ - قال أبو جعفر: ففي هذه السنة فتحت مصر في قول ابن إسحاق. حدّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: فتِحت مصر سنة عشرين (٣). (٤: ١٠٤) ٥٣٩ - وكذلك قال أبو معشر. حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر: أنه قال: فتحت مصر سنة عشرين، وأميرها عمرو بن العاص (٤). (٤: ١٠٤). ٥٤٥ - وحدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: فتحت إسكندريّة سنه خمس وعشرين (٥). (٤: ١٠٤). ٥٤١ - وقال الواقديّ -فيما حُدّثت عن ابن سعد، عنه-: فُتِحت مصر

стр. 3053

والإسكندرية في سنة عشرين (١). (٤: ١٠٤). ٥٤٢ - وأما سيف؛ فإنه زعم -فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف-: أنها فُتِحت والإسكندرية في سنة ستّ عشرة (٢). (٤: ١٠٤). ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية قال: وقد اختُلف في فتح الإسكندريّة، فبعض الناس يزعم: أنها فتحت في سنة خمس وعشرين، وعلى سنتين من خلافة عثمان بن عفّان ﵁، وعليها عمرو بن العاص. (٤: ١٠٤/ ١٠٥). ٥٤٣ - قال أبو جعفر: وأما سيف؛ فإنه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ، يذكر: أن شعيبًا حدّثه عنه، عن الربيع أبي سعيد، وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: أقام عمر بإيلياء بعد ما صالح أهلَها، ودخلها أيامًا، فأمضى عمرو بن العاص إلى مصر وأمّره عليها؛ إن فتح الله عليه، وبعث في أثره الزّبير بن العوّام مددًا له، وبعث أبا عبيدة إلى الرّمادة، وأمره إن فتح الله عليه؛ أن يرجع إلى عمله (٣). (٤: ١٠٦/ ١٠٧). ٥٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا أبو عثمان عن خالد، وعبادة، قالا: خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة؛ حتى انتهى إلى باب اليون، وأتبعه الزبير؛ فاجتمعا، فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومع الأُسْقُفّ في أهل النيّات بعثه المقوقِس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو؛ قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجِّلونا لنُعذر إليكم، وتروْن رأيكم بعدُ. فكَفُّوا أصحابهم، وأرسل إليهم عمرو: إني بارز فليبرز إليّ أبو مريم، وأبو مريام. فأجابوه إلى ذلك، وآمن بعضهم بعضًا، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا: إنّ الله بعث محمّدًا ﷺ بالحقّ وأمره به، وأمرنا به محمد ﷺ ، وأدّى إلينا كلّ الذي أمر به، ثم مضى صلوات

стр. 3054

الله عليه ورحمته وقد قضى الذي عليه، وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومَنْ لم يجبنا عرَضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنْعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظًا لرحمنا فيكم، وإنّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمّة إلى ذمّة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبْطيِّين خيرًا، فإنّ رسولَ الله ﷺ أوصانا بالقبطيِّين خيرًا، لأنّ لهم رَحِمًا وذّمة، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلّا الأنبياء، معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا، وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم، فأديل عليهم أهل عين شمس، فقتلوهم، وسُلبوا ملكَهم، واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇ مرحبًا به وأهلًا، آمنّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إنّ مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثًا لتنظرا ولتناظرا قومكما؛ وإلّا ناجزتكم، قالا: زدنا، فزادهم يومًا، فقالا: زدْنا، فزادهم يومًا، فرجعا إلى المقوقس فهمّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، ولا نرجع إليهم، وقد بقيتْ أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشيء إلّا رجونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عمرًا، والزبير إلّا البيات من فَرْقَب، وعمرو على عُدّة، فلقوه فقتِل ومن معه، ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو، والزبير لعين شمس، وبها جمعهم، وبعث إلى الفَرما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندريّة، فنزل عليها، فقال كلّ واحد منهما لأهل مدينته: إن تنزلوا؛ فلكم الأمان، فقالوا: نعم، فراسلوهم، وتربّص بهم أهل عين شمس، وسبى المسلمون من بين ذلك. وقال عوف بن مالك: ما أحسن مدينتكم يا أهلَ الإسكندرية! فقالوا: إنّ الإسكندر قال: إني أبني مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية -أو: لأبنيّن مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية- فبقيت بهجتها. وقال أبرهة لأهل الفَرَما: ما أخلق مدينتكم يا أهل الفَرما؟ ! قالوا: إنّ الفرما قال: إنّي أبني مدينة عن الله غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها. وكان الإسكندر والفرما أخوين (١). (٤: ١٠٧/ ١٠٨).

стр. 3055

٥٤٥ - قال أبو جعفر: قال الكلبيّ: كان الإسكندر والفَرما أخوين، ثم حدّث بمثل ذلك، فنسبتا إليهما، فالفرما ينهدم فيها كل يوم شيء، وخَلُقت مرآتها، وبقيت جِدّة الإسكندرية. (٤: ١٠٨). ٥٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس؛ وكان المُلْك بين القِبْط، والنّوب، ونزل معه الزبير عليها. قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم! صالح القوم واعتقِدْ منهم، ولا تَعْرض لهم، ولا تعرّضنا لهم -وذلك في اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسّوه؛ فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين؛ فقبل منهم، ونزل الزُّبير عليهم عَنْوة؛ حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلَكة، فأجروا ما أخِذ عنوة مُجْرى ما صالح عليه؛ فصاروا ذمّة، وكان صلحُهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم، وملّتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصُلُبهم، وبرّهم، وبحرهم، لا يدخَل عليهم شيء من ذلك ولا يُنتقص، ولا يساكنهم النّوب، وعلى أهلِ مصر أن يُعْطُوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصُّلْح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتُهم، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيب رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا مِمّن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك، ومَنْ دخل في صلحهم من الرّوم، والنّوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومَنْ أبى واختار الذّهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا. عليهم ما عليهم أثلاثًا في كلّ ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمّته، وذمّة رسولِه، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألّا يُغْزَوْا ولا يمنَعوا من تجارة صادرة

стр. 3056

ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله، ومحمد ابناه. وكتب وردانُ، وحضر. فدخل في ذلك أهلُ مصر كلّهم، وقبِلوا الصلح، واجتمعت الخيول، فمصّر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم، وأبو مريام، فكلّما عمرًا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فقال: أوَلهم عَهْد وعقد؟ ألم نحالفكما ويُغار علينا من يومكما؟ ! وطردهما، فرجعا وهما يقولان: كل شيء أصبتموه إلى أن نرجِعَ إليكم ففي ذمّةٍ منكم، فقال لهما: أتغيرون علينا وهم في ذمة؟ قالا: نعم، وقسم عمرو ذلك السبيَ على الناس، وتوزّعوه، ووقع في بُلدان العرب، وقدم البشير على عمر بعدُ بالأخماس، وبعث الوفود فسألهم عمر، فما زالوا يُخبرونه حتى مرُّوا بحديث الجاثَليق وصاحبه، فقال: ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تُبصرون! مَن قاتلكم فلا أمان له، ومَن لم يقاتلكم فأصابه منكم شيء من أهل القرى فله الأمان في الأيام الخمسة حتى تنصرم، وبعث في الآفاق حتى رُدّ ذلك السَّبْي الذي سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة إلّا مَن قاتل بعدُ، فترادُّوهم إلّا ما كان من ذلك الضّرب، وحضرت القِبْط باب عمرو، وبلغ عمرًا أنهم يقولون: ما أرثّ العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم! فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم، فأمر بجُزر فذبِحت، فطبخت بالماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضُروا، وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذّن لأهل مصر، وجيء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين؛ فأكلوا أكلًا عربيًّا، انتشلوا وحَسوْا وهم في العَباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعًا وجرأة، وبعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد؛ وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر؛ فرأوْا شيئًا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوّام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوْا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا، وقالوا: كدنا. وبعث إليهم أن تسلّحوا للعرْض غدًا، وغدا على العَرْض، وأذن لهم فعرضهم عليهم. ثم قال: إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهَوْن تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريَكم حالهم، وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرْب، فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالُوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلَموا أنّ من رأيتم في اليوم الثالث غيرُ

стр. 3057

تارك عيشَ اليوم الثاني، وراجع إلى عيش اليوم الأول. فتفرّقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم. وبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه لليّنة مالها سَطْوة ولا سَوْرة كسوْرات الحروب من غيره؛ إنّ عَمْرًا لعضّ. ثم أمّره عليها وقام بها (١). (٤: ١٠٨/ ١٠٩/ ١١٠). ٥٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سعيد الربيع بن النعمان، عن عمرو بن شعيب، قال: لما التقى عمرو، والمقوقِس بعين شمس، واقتتلت خيلاهما؛ جعل المسلمون يجولون بعد البُعد. فدمّرهم عمرو، فقال رجل من أهل اليمن: إنّا لم نخلَق من حِجارة ولا حديد! فقال: اسكت؛ فإنما أنت كَلْب، قال: فأنت أمير الكلاب، قال: فلما جعل ذلك يتواصل نادى عمرو: أين أصحابُ رسولِ الله ﷺ فحضر من شهدها من أصحاب رسولِ الله ﷺ ، فقال: تقدّموا، فبكم ينصر الله المسلمين. فتقدّموا وفيهم يومئذ أبو بُردة وأبو بَرْزة، وناهدهم الناس يتبعون الصحابة، ففتح الله على المسلمين، وظفِروا أحسن الظّفر. وافتتحت مصر في ربيع الأول سنة ستّ عشرة، وقام فيها مُلك الإسلام على رجْل، وجعل يفيض على الأمم والملوك، فكان أهل مصر يتدَفَّقون على الأجلّ، وأهل مُكْران على راسِل، وداهر، وأهل سِجِسْتان على الشاه، وَذويه، وأهل خُراسان والباب على خاقان، وخاقان ومَن دونهما من الأمم، فكفكفهم عمر إبقاء على أهل الإسلام، ولو خلّى سِربهم لبلغوا كلّ مَنْهَل (٢). (٤: ١١٠/ ١١١). ٥٤٨ - حدّثني عليّ بن سهل، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني ابن لَهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ المسلمين لما فتحوا مصر؛ غزوا نُوبة مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحدَق من جُودة الرمي، فسمّوا رماة الحدَق، فلمّا ولِّيَ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح مصر، ولّاه إياها عثمان بن

стр. 3058

عفان ﵁؛ صالحهم على هديَّة عدّة رؤوس منهم، يؤدّونهم إلى المسلمين في كلّ سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كلّ سنة طعامًا مسمّى، وكُسوة من نحو ذلك (١). (٤: ١١١). ٥٤٩ - قال عليّ: قال الوليد: قال ابن لَهيعة: وأمضى ذلك الصلح عثمان، ومن بعده من الولاة والأمراء، وأقرّه عمر بن عبد العزيز نظرًا منه للمسلمين، وإبقاءعليهم (٢). (٤: ١١١). ٥٥٠ - قال سيف: ولمّا كان ذو القعدة من سنة ستّ عشرة؛ وضع عمر ﵁ مسالح مصر على السواحل كلها، وكان داعية ذلك: أنّ هِرَقل أغزى مصر والشأم في البحر، ونَهد لأهل حِمْص بنفسه، وذلك لثلاث سنين وستة أشهر من إمارة عمر ﵁ (٣). (٤: ١١١/ ١١٢). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة عشرين- غزا أرض الرّوم أبو بَحْرِيّة الكنديّ عبد الله بن قيس؛ وهو أوّل مَن دخلها- فيما قيل. وقيل: أولُ مَن دخلها ميسرة بن مسروق العبسيّ، فسلِم، وغنِم. (٤: ١١٢). قال: وفيها تزوّج عمر فاطمةَ بنت الوليد أمّ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: وفيها توفيَ بلال بن رَباح ﵁، ودُفِن في مقبرة دمشق. وفيها عزل عمرُ سعدًا عن الكوفة لشكايتهم إياه، وقالوا: لا يحسِنُ يصلّي. (٤: ١١٢). قال الواقديّ: وفي هذه السنة -أعني: سنة عشرين- دوّن عمر رضى الله عنه الدواوين. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه. وفيها بعث عمر ﵁ عَلْقمة بن مَجزّز المُدلجيّ إلى الحبشة في البحر، وذلك: أنّ الحبشة كانت تطرّفت -فيما ذُكِر- طرَفًا من أطراف الإسلام، فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه ألّا يحمل في البحر أحدًا أبدًا. (٤: ١١٢).

стр. 3059

٥٥١ - وأمّا أبو معشر فإنه قال -فيما حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوة الأساودة في البحر سنة إحدى وثلاثين (١). (٤: ١١٣). وحجّ في هذه السنة عمر ﵁. وكانت عمالُه في هذه السنة على الأمصار عمالَهُ عليها في السنة التي قبلها، إلّا من ذكرتُ: أنه عزله واستبدل به غيرَه، وكذلك قضاته فيها كانوا القضاةَ الذين كانوا في السنة التي قبلها. (٤: ١١٣). ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأمّا سيف بن عمر؛ فإنه قال: كانت وقعة نهاوَنْد في سنة ثماني عشرة في سنة ستّ من إمارة عمر، كتب إليَّ بذلك السّريّ عن شعيب، عن سيف. (١١٤: ٤). ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بِنهاوند ٥٥٢ - وكان ابتداءُ ذلك -فيما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث نهاوَنْد: أن النعمان بن مقرّن كان عاملًا على كَسْكَر، فكتب إلى عمر ﵁ يخبرُه: أنّ سعد بن أبي وقّاص استعمله على جِباية الخراج، وقد أحببتُ الجهاد ورغبتُ فيه. فكتب عمر إلى سعد: إنّ النعمان كتب إليّ يذكر: أنّك استعملتَه على جِباية الخراج، وأنه قد كره ذلك، ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهمّ وجوهك؛ إلى نهاوند. قال: وقد اجتمعتْ بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب -رجل من الأعاجم- فكتب عمر إلى النّعمان بن مقرّن:

стр. 3060

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرّن، سلامٌ عليك! فإنّي أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنه قد بلَغني: أنّ جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند؛ فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا؛ فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقّهم؛ فتكفِّرَهم؛ ولا تدخلنّهم غَيْضة، فإنّ رجلًا من المسلمين أحبُّ إليّ من مئة ألف دينار. والسلام عليك. فسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبيّ ﷺ ؛ منهم: حُذَيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، وطليحة بن خُويلد الأسديّ، وقيس بن مَكشوح المُراديّ. فلما انتهى النعمان بن مقرّن في جنده إلى نهاوند؛ طرحوِا له حَسَك الحديد، فبعث عيونًا، فساروا لا يعلمون الحسَك، فزجر بعضهم فرسه؛ وقد دخلتْ في يده حَسكة، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حَسَكة، فأقبل بها، وأخبر النعمان الخَبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقِل من منزلك هذا حتى يروْا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك؛ فانتقل النعمان من منزله ذلك، وكَنَست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، وعطف عليهم النُّعمان، فضرب عسكرَه، ثم عبَّى كتائبه، وخطب الناس، فقال: إن أُصِبتُ فعليكم حذيفة بن اليَمان، وإن أُصيب فعليكم جرير بن عبد الله، وإن أُصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح؛ فوجَد المغيرة بن شعبة في نفسه إذْ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: إذا أظهرتُ قاتلتُهم، لأني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يستحبّ ذلك. فقال المغيرة: لو كنتُ بمنزلتك باكرتُهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرتَ القتال؛ ثم لم يسوّد الله وجهَك. وذلك يوم الجمعة. فقال النعمان: نصلّي إن شاء الله، ثم نلقَى عدوّنا دُبُر الصلاة، فلما تصافُّوا قال النعمان للناس: إنّي مكبّر ثلاثًا؛ فإذا كبّرت الأولى فشدّ رجل شِسْعه، وأصلح من شأنه؛ فإذا كبّرت الثانية، فشدّ رجل إزاره، وتهيّأ لوجه حملته؛ فإذا كبّرت الثالثة فاحملوا عليهم؛ فإني حامل. وخرجت الأعاجم قد شدّوا أنفسَهم

стр. 3061

بالسلاسل لئلا يفرُّوا، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فَرُمِيَ النعمان بنشّابة فقتِل ﵀، فلفّه أخوه سُوَيد بن مقرّن في ثوبه، وكتم قتلَه حتى فتح الله عليهم، ثم دفع الرّاية إلى حُذيفة بن اليمان، وقتل الله ذا الحاجب، وافتُتِحت نهاوند، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة (١). (٤: ١١٤/ ١١٥/ ١١٦). ٥٥٣ - عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبي طعمة الثقفيّ -وكان قد أدرك ذلك- قال: ثم إنهم قالوا: إنّ محمّدًا لذي جاء العربَ بالدين لم يغرَضْ غَرَضنا، ثم ملكهم أبو بَكْر من بعده فلم يغرَض غَرَض فارس؛ إلّا في غارة تعرّض لهم فيها، وإلّا فيما يلي بلادهم من السواد. ثم ملك عمر من بعده، فطال ملكه وعَرُض؛ حتى تناولكم وانتقصكم السواد والأهواز، وأوطأها، ثم لم يرضَ حتى أتى أهلَ فارس والمملكة في عُقْرِ دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه؛ فقد أخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته؛ حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقلعوا هذين المصْرين، ثم تشغلوه في بلاده وقراره. وتعاهدوا، وتعاقدوا، وكتبوا بينهم على ذلك كتابًا، وتمالؤوا عليه. وبلغ الخبرُ سعدًا، وقد استخلف عبدَ الله بن عبد الله بن عِتْبان. ولمّا شَخَص لقي عمرَ بالخبر مشافهة، وقد كان كتب إلى عمر بذلك، وقال: إنّ أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح قبل أن يبادروهم الشدَّة- وقد كان عمر منعَهم من الانسياح في الجبل. وكتب إليه أيضًا عبدُ الله وغيره بأنه قد تجمّع منهم خمسون ومئة ألف مقاتل؛ فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشَّدّة؛ ازدادوا جرأة وقوّة، وإن نحن عاجلناهم؛ كان لنا ذلكم، وكان الرسول بذلك قَريب بن ظَفَر العبديّ. ثم خرج سعد بعدَه فوافَى مشورة عُمر؛ فلما قدم الرسول بالكتاب إلى عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك؟ قال: قَريب، قال: ابن مَن؟ قال: ابن ظَفَر؛ فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظَفَر قريب إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله! ونودي في الناس: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، ووافاه سعد، فتفاءل إلى سعد بن مالك، وقام على المنبر خطيبًا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم له

стр. 3062

ما بعده من الأيام؛ ألا وإني قد هممتُ بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، ولا تَنَازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا، فتُفْشغ بكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأي، أفمن الرّأي أن أسيرَ فيمن قبَلي ومَنِ قدرتُ عليه، حتى أنزل منزلًا واسطًا بين هذين المصرين، فأستنفرَهم ثم أكون لهم رِدْءًا حتى يفتح الله عليهم، ويقضي ما أحبّ؛ فإنّ فَتْحَ الله عليهم أن أضرّبهم عليهم في بلادهم؛ وليتنازعوا ملكَهم. فقام عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، والزّبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عَوْف في رجال من أهل الرّأي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتكلموا كلامًا، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبَنّ عنهم رأيُك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم، ومَن قد فضّ جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظمُ من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فائْذَنْ لهم، واندُب إليهم، وادعُ لهم. وكان الذي ينتقد له الرأيَ إذا عُرِض عليه العباس ﵁ (١). (٤: ١٢٢/ ١٢٣). ٥٥٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة، عن أبي طُعْمة، قال: فقام عليّ بن أبي طالب ﵇، فقال: أصاب القوم يا أميرَ المؤمنين الرّأيَ، وفهموا ما كُتب به إليك، وإنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلّة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزّ، وأيّده بالملائكة؛ حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن على موعد من الله، والله منجزٌ وعْده، وناصر جنده؛ ومكانك منهم مكان النظام من الخَرز، يجمعه ويمسكه؛ فإن انحلّ تفرّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهي كثير عزيز بالإسلام؛ فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم؛ ومَن لم يحفل بمن هو أجمع وأحدُّ وأجدُّ من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليُقم الثلث؛ واكتب إلى أهل البصرة أن يمدُّوهم ببعض مَن عندهم. فسرّ عمر بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم. وقام سعد فقال: يا أميرَ المؤمنين! خفِّضْ عليك، فإنهم إنما جمِعوا لنِقْمة (٢). (٤: ١٢٣/ ١٢٤).

стр. 3063

٥٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي بكر الهذليّ، قال: لما أخبرهم عُمر الخبر واستشارهم، وقال: أوجِزوا في القول، ولا تُطيلوا فتفْشغَ بكم الأمور، واعلموا أنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيّام؛ تكلّموا! فقام طلحة بن عبيد الله -وكان من خُطباء أصحاب رسول الله ﷺ فتشهّد، ثمّ قال: أما بعد يا أميرَ المؤمنين! فقد أحكمتْك الأمور، وعجمتْك البلايا، واحتنكتْك التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا نَنْبو في يديْك، ولا نَكِلّ عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نُطِع، وادْعُنا نجب، واحملْنا نركب، ووفِّدْنا نفِد، وقُدْنا نَنقد؛ فإنّك وليّ هذا الأمر، وقد بلوتَ وجرّبت واختبرتَ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلّا عن خيار. ثم جلس. فعاد عُمر فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلّموا! فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال: أرى يا أميرَ المؤمنين أن تكتبَ إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم، وتكتبَ إلى أهل اليمن فيسيروا من يَمنَهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحَرميْن إلى المصرْين: الكوفة والبصرة، فتلقَى جمع المشركين بجمع المسلمين؛ فإنك إذا سرتَ بمَن معك وعندك؛ قلَّ في نفسك ما قد تكاثَر من عدد القوم، وكنتَ أعزّ عزًّا وأكثر؛ يا أمير المؤمنين! إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تَمْتَع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذُ منها بحريز؛ إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. ثم جلس. فعاد عمر، فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلموا! فقام علي بن أبي طالب فقال: أمّا بعد يا أمير المؤمنين! فإنك إن أشخصتَ أهل الشأم من شأمهم؛ سارت الرّوم إلى ذراريّهم، وإن أشخصتَ أهل اليمن من يمنهم؛ سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض؛ انقضتْ عليك الأرضُ من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تَدع وراءك أهمَّ إليك مما بين يديك من العَوْرات والعِيالات؛ أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا فيها ثلاث فِرَق، فلتقم فرقة لهم في حُرَمهم وذراريّهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم، لئلّا ينتقضوا عليهم، ولتسِرْ فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم؛ إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا: هذا أمير العرب، وأصل العرب؛ فكان ذلك أشدّ لكلَبهم، وألّبْتَهم على نفسك. وأمّا ما ذكرت من مسير القوم فإنّ الله هو أكرَه لمسيرهم منك، وهو أقدرُ على تغيير ما يكره؛ وأمّا ما ذكرتَ من عددهم؛ فإنا لم

стр. 3064

نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة؛ ولكنّا كنا نقاتل بالنصر. فقال عمر: أجل والله! لئن شخصتُ من البلدة لتنتقضَنّ عليّ الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرتْ إليّ الأعاجم لا يفارقُنّ العرْصة، وليُمدّنهم مَن لم يُمِدّهم، وليقولُنّ: هذا أصل العرب؛ فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب، فأشيروا عليّ برجل أولِّه ذلك الثغر غدًا. قالوا: أنتَ أفضلُ رأيًا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا عليّ به، واجعلوه عِراقيًا. قالوا: يا أميرَ المؤمنين! أنت أعلمُ بأهل العراق، وجندك قد وفدُوا عليك ورأيتَهم وكلّمتهم، فقال: أما والله لأولّينّ أمرَهم رجلًا ليكونَنّ لأوّل الأسنّة إذا لقيَها غدًا، فقيل: مَن يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: النعمان بن مقرِّن المُزنّي. فقالوا: هو لها -والنعمان يومئذ بالبصرة معه قوّاد من قوّاد أهل الكوفة أمدّهم بهم عمر عند انتقاض الهُرْمُزان؛ فافتتحوا رامَهُرْمُز وإيذَج، وأعانوهم على تُسْتَر وجُنْدَيْ سابور والسُّوس. فكتب إليه عمر مع زِرّ بن كُليب والمقتَرب الأسود بن رَبيعة بالخبر؛ وأنّي قد وَلّيتك حربَهم، فسرْ من وجهِك ذلك حتى تأتيَ ماه، فإني قد كتبتُ إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمعَ لك جنودُك فسرْ إلى الفَيْرُزان ومَن تجمّع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا الله، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. رجع الحديث إلى حديث سيف. وكتب -يعني عمر- إلى عبد الله بن عبد الله مع رِبْعيّ بن عامر: أن استنفر من أهل الكُوفة مع النُّعمان كذا وكذا، فإني قد كتبتُ إليه بالتوجُّه من الأهواز إلى ماه، فلْيوافُوه بها، وليسر بهم إلى نهاوند؛ وقد أمّرت عليهم حُذيفة بن اليَمان، حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرّن؛ وقد كتبت إلى النعمان: إن حَدَث بك حَدَث؛ فعلَى الناس حُذَيفة بن اليَمان؛ فإن حَدَث بحُذيفة حَدث؛ فعلَى الناس نُعيم بن مقرّن، ورُدّ قَريب بن ظَفَر وردّ معه السائب بن الأقرع أمينًا. وقال: إن فتح الله عليكم؛ فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعني ولا ترفع إليّ باطلًا، وإن نُكِب القوم؛ فلا تراني ولا أراك. فقدما إلى الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث؛ وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الرّوادف، ليبلُوا في الدّين، وليدرِكُوا حظًّا، وخرج حُذَيفة بن اليَمان بالناس ومعه نُعيم؛ حتى قدموا على النعمان بالطَّزر، وجعلوا بمرْج القلعة خيلًا عليها

стр. 3065

النُّسَيْر، وقد كتب عمر إلى سُلْمى بن القيْن، وحَرْملة بن مُريطة، وزرّ بن كليب، والمقترِب الأسود بن ربيعة، وقوّاد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز: أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضَكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز، حتى يأتيَكم أمري. وبعث مجاشع بن مسعود السُّلَميّ إلى الأهواز، وقال له: انصُلْ منها على ماه؛ فخرج حتى إذا كان بغُضَى شجَر، أمره النعمان أن يقيم مكانه، فأقام بين غُضَى شجر، ومَرْج القلعة، ونَصَل سُلْمى، وحَرْملة، وزرّ، والمقترب، فكانوا في تخُوم أصبَهان وفارس، فقطعوا بذلك عن أهل نِهاوند أمداد فارس. ولما قدم أهلُ الكوفة على النعمان بالطَّزَر جاءه كتاب عمر مع قَريب: إنّ معك حدَّ العرب ورجالهم في الجاهليّة، فأدخِلْهم دون مَن هو دونهم في العلم بالحرب، واستعنْ بهم، واشرب برأيهم، وسلْ طليحة، وعمْرًا، وعمْرًا، ولا تُولِّهم شيئًا. فبعث من الطَّزَر طليحة وعمْرًا وعمْرًا طليعة ليأتوه بالخبر، وتقدّم إليهم ألا يَغِلُوا. فخرج طُليحة بن خويلد وعَمْرو بن أبي سُلْمَى العَنَزيّ، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، فلما ساروا يومًا إلى الليل رجع عمرو بن أبي سُلمَى، فقالوا: ما رَجعك؟ قال: كنت في أرض العجم؛ وقتلتْ أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالمُها. ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرْنا يومًا وليلة، ولم نَر شيئًا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق. ونفذ طليحة ولم يحفِل بهما. فقال الناس: ارتد الثانية، ومضى طُليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبين الطّزَر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا. فعلم علمَ القوم، واطلع على الأخبار، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس، فقال: ما شأنُ الناس؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه، فقال: والله لو لم يكن دينٌ إلا العربية ما كنت لأُجزِر العُجْم الطماطم هذه العرب العاربة. فأتى النعمان فدخل عليه، فأخبروه الخبر، وأعلمه: أنه ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه، ولا أحد. فنادى عند ذلك النعمان بالرّحيل، فأمرهم بالتّعبية. وبعث إلى مجاشع بن مسعود أنْ يسوقَ الناس، وسار النعمان على تعبيته، وعلى مقدّمته نُعيم بن مقرّن، وعلى مجنَّبتيه حُذيفة بن اليَمان، وسويد بن مقرّن، وعلى المجرَّدة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشعِ؛ وقد توافى إليه أمدادُ المدينة، فيهم المغيرة، وعبد الله، فانتهوْا إلى الإسبيذهان،

стр. 3066

والقوم وقوف دون واي خُرْد على تعبيتهم وأميرُهم الفيرُزان، وعلى مجنَبتيه الزردُق، وبَهْمن جاذَوَيْه الذي جُعل مكان ذي الحاجب، وقد توافى إليهم بنهاوند كلّ منْ غاب عن القادسيَّة والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلامٌ من أعلامهم ليسوا بدون مَن شهد الأيام والقوادس، وعلى خيولهم أنوشق. فلما رآهم النعمان؛ كبّر، وكبّر الناس معه فتزلزت الأعاجم، فأمر النعمان وهو واقف بحطّ الأثقال، وبضرْب الفُسطاط، فضرِب وهو واقف؛ فابتدره أشرافُ أهل الكوفة وأعيانهم، فسبق إليه يومئذ عدّة من أشراف أهل الكوفة، تسابقوا فبنوْا له فسطاطًا سابقوا أكفاءهم فسبقوهم؛ وهم أربعة عشر، منهم حذيفة بن اليمان، وعُقْبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصيّة، وحَنظلة الكاتب بن الربيع، وابن الهوْبر، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، وجرير بن عبد الله الحميريّ، والأقرع بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والأشعث بن قيس الكِنديّ، وسعيد بن قيس الهمْدَانيّ، ووائل بن حُجْر، فلم يُرَ بُنَّاءُ فسطاط بالعراق كهؤلاء. وأنشب النعمان بعدما حطّ الأثقال القتَال؛ فاقتتلوا يومَ الأربعاء ويوم الخميس، والحرْب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من إمارة عُمر، في سنة تسع عشرة، وإنهم انجحروا في خنادقهم يومَ الجمعة، وحصرَهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله؛ والأعاجم بالخيار؛ لا يخرجون إلّا إذا أرادوا الخروج، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وخافوا أن يطولَ أمرُهم، وسرّهم أن يناجزهم عدوّهم؛ حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجُمع تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلموا، وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه، فوافقوه وهو يُروِّي في الذي رَوَّوْا فيه. فقال: على رِسْلكم، لا تبرحوا! وبعث إلى مَنْ بقي من أهل النجدَات والرّأي في الحروب، فتوافوْا إليه، فتكلّم النعمان، فقال: قد تروْن المشركين واعتصامَهم بالحُصون من الخنادق والمدائن؛ وأنهم لا يخرجون إلّا إذا شاؤوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم، وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد تَرَوْن الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه وعليه من الخيار عليهم في الخروج؛ فما الرأي الذي به نُحمِشهم، ونستخرجهم إلى المنابذة، وترك التطويل؟ !

стр. 3067

فتكلم عمرو بن ثُبيّ -وكان أكبرَ الناس يومئذ سنًّا، وكانوا إنّما يتكلمون على الأسنان- فقال: التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم، فدعْهم ولا تحرِجْهم وطاولهم، وقاتلْ مَن أتاك منهم؛ فردُّوا عليه جميعًا رأيه. وقالوا: إنا على يقين منْ إنجاز ربِّنا موعدَه لنا. وتكلّم عمرو بن معد يكرب، فقال: ناهدْهم، وكاثِرْهم، ولا تَخَفْهم. فردُّوا عليه جميعًا رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجُدران، والجُدران لهم أعوان علينا. وتكلّم طُليحة فقال: قد قالا ولم يصيبا ما أرادا؛ وأمّا أنا فأرى أن تبعث خيلًا مؤدية، فيُحدقوا بهم، ثم يرموا ليُنشبوا القتال، ويحمشوهم؛ فإذا استحمَشُوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادًا؛ فإنّا لم نستطرِدْ لهم في طول ما قاتلناهم، وإنّا إذا فعلنا ذلك ورأوْا ذلك منَّا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكُّوا فيها، فخرجوا فجادّونا وجاددناهم؛ حتى يقضيَ الله فيهم وفينا ما أحبّ. فأمر النعمان القعقاع بن عمرو -وكان على المجرَّدة- ففعل؛ وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، فأنغَضَهم فلمّا خرجوا نكَص، ثم نكص، ثم نكص، واغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظنَّ طُليحة وقالوا: هي هي؛ فخرجوا فلم يبقَ أحدٌ إلّا من يقومُ لهم على الأبواب؛ وجعلوا يركبونهم حتى أرَز القعقاع إلى الناس، وانقطع القومُ عن حصنهم بعض الانقطاع؛ والنعمان بن مقرّن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جُمعة في صدْر النهار، وقد عهِد النّعمان إلى الناس عهدَه، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم؛ ففعلوا واستتروا بالحَجَف من الرّمْي، وأقبل المشركون عليهم يرمُونهم حتى أفشوْا فيهم الجراحات، وشكا بعضُ الناس ذلك إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألَا ترى ما نحن فيه! ألا ترى إلى ما لقيَ الناس، فما تنتظر بهم! ائذن للناس في قتالهم، فقال لهم النعمان: رُوَيدًا رُوَيدًا! قالوا له ذلك مرارًا، فأجابهم بمثل ذلك مرارًا: رويدًا رويدًا، فقال المغيرة: لو أنّ هذا الأمرَ إليّ علمتُ ما أصنع! فقال: رويدًا ترى أمرَك؛ وقد كنت تلي الأمر فتُحسن، فلا يخذلنا الله ولا إيّاك؛ ونحن نرجو في المكث مثلَ الذي ترجو في الحثّ. وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمالَ ساعاتٍ كانت أحبّ إلى رسول الله ﷺ في القتال أن يلقى فيها العدوّ؛ وذلك عند الزّوال

стр. 3068

وتفيُّؤ الأفياء ومهبّ الرياح. فلما كان قريبًا من تلك الساعة تحشْحش النعمان، وسار في الناس على برذونٍ أحوَى قريب من الأرض، فجعل يقف على كلّ راية، ويحمَد الله ويُثني عليه، ويقول: قد علمتم ما أعزّكم الله به من هذا الدين، وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هَواديَ ما وعدكم وصدورَه؛ وإنما بقيت أعجازُه وأكارعه؛ والله منجزٌ وعدَه، ومتبعٌ آخر ذلك أوّله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلّة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزّة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظَفَركم وعزّكم؛ والذي عليهم في هزيمتكم وذلّكم، وقد تروْن مَنْ أنتم بإزائه من عدوّكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم؛ فأمّا ما أخطروا لكم فهذه الرِّثّة وما ترون من هذا السواد، وأمّا ما أخطرتم لهم فدينكم وبَيْضتكم، ولا سواءٌ ما أخطرتم وما أخطروا؛ فلا يكونُنّ على دنياهم أحمَى منكم على دينكم؛ واتّقَى الله عبدٌ صدق الله، وأبلى نفسه فأحسن البلاء؛ فإنكم بين خيريْن منتظرَيْن إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيّ مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير. فكفى كلّ رجل ما يليه، ولم يكِلْ قِرْنَه إلى أخيه؛ فيجتمع عليه قرنه وقِرْن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه؛ فكلّ رجل منكم مسلّط على ما يليه؛ فإذا قضيت أمري فاستعدّوا فإني مكبر ثلاثًا، فإذا كبّرت التكبيرة الأولى فليتهيّأ مَنْ لم يكن تهيّأ؛ فإذا كبّرت الثانية فليشدّ عليه سلاحه، وليتأهب للنهوض؛ فإذا كبّرت الثالثة؛ فإنّي حامل إن شاء الله فاحمِلوا معًا. اللهمّ أعزّ دينَك، وانصر عبادك، واجعل النعمانَ أوّل شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك! فلما فرغ النعمان من التقدّم إلى أهل المواقف، وقضى إليهم أمرَه، رجع إلى موقفه، فكبّر الأولى والثانية والثالثة؛ والناس سامعون مطيعون مستعدّون للمناهضة، يُنَحِّي بعضُهم بعضًا عن سَنَنِهم، وحمل النُّعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقضُّ نحوهم انقضاض العُقاب، والنعمان معلَم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا بالسيوف قتالًا شديدًا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشدّ قتالًا منها، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبَّق أرض المعركة دمًا يزلَقُ الناس والدوابُّ فيه، وأصيب فُرسان من فرسان المسلمين في الزَّلق في الدّماء، فزلق فرس النعمان في الدّماء فصرعه، وأصيب النّعمان حينِ زلق به فرسه؛ وصُرع. وتناولَ الرّاية نُعيم بن مقرّن قبل أن تقع، وسجّى النعمان

стр. 3069

بثوب، وأتى حذيفة بالرّاية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حُذيفة، فجعل حُذيفة نُعيمَ بن مقرّن مكانه، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء، وقال له المغيرة: اكتمُوا مصابَ أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لكيلَا يهِنَ الناس؛ واقتتلوا حتى إذا أظلَّهم الليل انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظُّون بهم متلبّسون، فعُمِّيَ عليهم قصدُهم، فتركوه وأخذوا نحو اللِّهْب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان، فوقعوا فيه، وجعلوا لا يهوِي منهم أحدٌ إلا قال: "وايه خُرد" فسمّي بذلك "واية خُرد" إلى اليوم، فمات فيه منهم مئة ألف أو يزيدون، سوى مَن قتل في المعركة منهم أعدادهم، لم يفلت إلّا الشَّريد، ونجا الفيرُزان بين الصّرعى في المعركة، فهرب نحو هَمَذان في ذلك الشَّريد، فأتبعه نُعيم بن مقرّن، وقدّم القعقاعِ قدامه فأدركه حين انتهى إلى ثَنيّة هَمَذان، والثنيّة مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلًا، فحبسه الدوابّ على أجَلِه، فقتله على الثَّنيَة بعد ما امتنع، وقال المسلمون: إنّ لله جنودًا من عسل، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل بها، وسمِّيت الثنيّة بذلك ثَنيّة العسل؛ وإنّ الفيرُزان لمّا غشيه القعقاع نزل فتوقّل في الجبل إذ لم يجد مساغًا، وتوقّل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفُلّال حتى انتهوْا إلى مدينة هَمَذان والخيل في آثارهم، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم، وحوَوْا ما حولها، فلما رأى ذلك خُسْرَوْشنُوم استأمنهم، وقبل منهم على أن يضمن لهم هَمَذان ودَسْتبى، وألّا يؤتى المسلمون منهم؛ فأجابوهم إلى ذلك وآمنوهم؛ وأمن الناس، وأقبل كلّ مَن كان هرب، ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها، وجمعوا الأسلاب والرِّثاث إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع. فبينا هم كذلك على حالهم وفي عسكرهم يتوقّعون ما يأتيهم من إخوانهم بهَمذان، أقبل الهِربذ صاحب بيت النار على أمان؛ فأبْلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم؟ قال: نعم، قال: إنّ النخَيْرَجان وضع عندي ذخيرة لكسرى، فأنا أخرجها لك على أمانِي وأمان من شئت، فأعطاه ذلك، فأخرج له ذخيرة كسرى؛ جوهرًا كان أعدّه لنوائب الزّمان، فنظروا في ذلك، فأجمع رأي المسلمين على رفعه إلى عمر، فجعلوه له؛ فأخَّرُوه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس، وقسم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم، فكان سهم

стр. 3070

الفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع، فقبض السائب الأخماس، فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى. وأقام حُذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر وأمره؛ وكان رسولَه بالفتح طريفُ بن سهم، أخو بني ربيعة بن مالك. فلما بلغ الخبرُ أهلَ الماهيْن بأنّ همذَان قد أخذت، ونزلها نُعيم بن مقرّن، والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخُسْرَوْشُنُوم، فراسلوا حُذَيفة، فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على القبول، وعزموا على إتيان حُذيفة، فخدعهم دينار -وهو دون أولئك الملوك، وكان ملكًا، إلّا أن غيره منهم كان أرفع منه؛ وكان أشرفَهم قارن- وقال: لا تلقوهم في جمالكم ولكن تقهّلوا لهم؛ ففعلوا، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحليّ، وأعطاهم حاجتهم واحتمل للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم؛ ولم يجد الآخرون بدًّا من متابعته والدخول في أمره، فقيل "ماه دينار" لذلك. فذهب حُذيفة بماه دينار؛ وقد كان النعمان عاقد بَهْراذان على مثل ذلك، فنُسِبت إلى بَهْرذان، ووكل النُّسير بن ثَوْر بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم؛ فافتتحها فنُسبت إلى النُّسير، وقسم حُذيفة لمن خلِّفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضَى شَجَر ولأهل المسالح جميعًا في فيء نهاوند مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنهم كانوا ردءًا للمسلمين لئلا يؤتَوْا من وجه من الوجوه. وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدّر للقائهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر؛ فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلًا، فمرّ به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة. فقال: يا عبد الله! من أين أقبلت؟ قال: من نهاوند، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر خير؛ فتح الله على النعمان، واستُشهد، واقتسم المسلمون فيء نهاوند، فأصاب الفارس ستة آلاف. وطواه الرّاكب حتى انغمس في المدينة، فدخل الرجل، فبات فأصبح فتحدّث بحديثه، ونمَى الخبرُ حتى بلغ عمر؛ وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت؛ هذا عُثيم بريد الجنّ، وقد رأى بريد الإنس، فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك، فقال: الخبر! فقال: ما عندي أكثر من الفَتْح، خرجتُ والمسلمون في الطلب وهم على رِجْل؛ وكتمه إلّا ما سرّه.

стр. 3071

ثم خرج وخرج معه أصحابه، فأمعن؛ فرُفع له راكب، فقال: قولوا، فقال عثمان بن عفّان: السائب، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟ قال: البُشرى والفتح، قال: ما فعل النعمان؟ قال: زلق فرسه في دماء القوم، فصرع فاستُشهد، فانطلق راجعًا والسائب يسايره، وسأل عن عدد من قتل من المسلمين؛ فأخبره بعدد قليل؛ وأنّ النعمان أوّل من استُشهد يوم فتح الفتوح -وكذلك كان يسمِّيه أهل الكوفة والمسلمون- فلما دخل المسجد حطَّت الأحمال فوضعت في المسجد، وأمر نفرًا من أصحابه -منهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم- بالمبيت فيه، ودخل منزله، وأتبعه السائب بن الأقرع بذينك السَّفَطَيْن، وأخبره خبرَهما وخبر الناس؛ فقال: يا بن مُلَيكة! والله ما درَوْا هذا، ولا أنت معهم! فالنّجاء النّجاء، عودَك على بدئِك حتى تأتي حُذيفة فيقسمهما على مَنْ أفاءهما الله عليه؛ فأقبل راجعًا بقبَلٍ حتّى انتهى إلى حُذيفة بماه؛ فأقامهما فباعهما، فأصاب أربعة آلاف ألف (١). (٤: ١٢٤/ ١٢٥/ ١٢٦/ ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١/ ١٣٢/ ١٣٣/ ١٣٤/ ١٣٥). ٥٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس الأسديّ: أنّ رجلًا يقال له: جعفر بن راشد قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند: لقد أخذتنا خَلّة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ فقال: كما أنتم حتى أنظر، فأخذ كساء فتقنّع به غير كثير، ثم قال: البيان البيان، غَنَم الدّهقان، في بستان، مكان أرْوَنَان. فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمّنة (٢). (١٣٥: ٤). ٥٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي معبد العبسيّ وعروة بن الوليد، عمّن حدّثهم من قومهم، قال: بينما نحن محاصرو أهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نُلْبِثهم أن هزمهم الله، فتبع سماك بن عُبَيد العبسيّ -رجلًا منهم- معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم؛ فلم يبرزْ له أحد إلّا قتله، حتى أتى عليهم. ثم حمل على الذي كانوا معه، فأسره وأخذ سلاحه،

стр. 3072

ودعا له رجلًا اسمه عبد، فوكَّله به، فقال: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض؛ وأؤدّيَ إليه الجزية، وسلني أنت عن إسارك ما شئت، وقد مننتَ عليّ إذ لم تقتلني؛ وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتني على الملك، وأصلحتَ ما بيني وبينه وجدت لي شكرًا، وكنت لي أخًا. فخلّى سبيله وآمنه؛ وقال: مَن أنت؟ قال: أنا دينار -والبيت منهم يومئذ في آل قارن- فأتى به حذيفة، فحدّثه دينار عن نجدة سماك وما قتل ونظرِه للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، وكان يواصل سماكًا ويُهدي له، ويوافي الكوفة كلما كان عملُه إلى عامل الكوفة، فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس بالكوفة، فقال: يا معشرَ أهل الكوفة! أنتم أوّلَ ما مررتم بنا كنتم خيارَ الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خصال أربع: بُخل، وخِبّ، وغدر، وضيق؛ ولم يكن فيكم واحدة منهنّ، فرمقتُكم، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمتُ من أين أتيتم، فإذا الخبّ من قبل النَّبَط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبلَ خراسان، والضيق من قبل الأهواز (١). (٤: ١٣٥/ ١٣٦). ٥٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعبيّ، قال: لما قُدِم بسبي نهاوند إلى المدينة؛ جعل أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرًا إلّا مسح رأسَه وبكى وقال: أكلَ عمر كبدي -وكان نهاونديًّا، فأسرته الرّوم أيام فارس، وأسره المسلمون بعده، فنُسِب إلى حيث سُبِيَ (٢). (٤: ١٣٦). ٥٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشّعبيّ، قال: قُتل في اللِّهْب ممن هوى فيه ثمانون ألفًا، وفي المعركة ثلاثون ألفًا مقترين، سوى مَنْ قُتِل في الطلب؛ وكان المسلمون ثلاثين ألفًا، وافتُتحت مدينة نهاوند في أوّل سنة تسع عشرة، لسبع سنين من إمارة عمر، لتمام سنة ثماني عشرة (٣). (٤: ١٣٦).

стр. 3073

٥٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلْحة في كتاب النُّعمان بن مقرّن وحُذيفة لأهل الماهَيْن: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى النعمان بن مقرّن أهلَ ماه بَهْراذان؛ أعطاهم الأمانَ على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم؛ لا يُغيِّرون على ملّة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى مَنْ وليَهم؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته؛ وما أرشدوا ابنَ السبيل، وأصلحوا الطرق، وقرَوْا جنودَ المسلمين ممّن مرّ بهم فأوى إليهم يومًا وليلة، ووفوْا ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا؛ فذمّتُنا منهم بريئة. شهد عبد الله بن ذي السهمين، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله. وكُتِب في المحرّم سنة تسع عشرة: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى حُذَيفة بن اليَمان أهلَ ماه دينار؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، وأراضيهم، لا يغيَّرون عن ملّة، ولا يُحال بينهم وبين شرائعهم؛ ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى من وليهم من المسلمين؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قَدْرِ طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقَرْوا جنود المسلمين، مَن مرّ بهم؛ فأوى إليهم يومًا وليلة، ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا فذمّتنا منهم بريئة. شهد القعقاع بن عمرو، ونعيم بن مقرّن، وسُويد بن مقرّن. وكتب في المحرّم. قالوا: وألحق عُمر مَنْ شهد نهاوند فأبلَى من الرّوادف بلاءً فاضلًا في ألفين ألفين، ألحقهم بأهل القادسيَّة (١). (٤: ١٣٦/ ١٣٧). ٥٦١ - ذكر الخبر عمّا كان في هذه السنة -أعني سنة إحدى وعشرين- من أمر الجندين اللَّذين ذكرتُ: أن عمر أمرهما بما ذُكر أنه أمرهما به: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما رأى عمر أنّ يزدَجِرد يبعث عليه في كلّ عام حَرْبًا، وقيل له: لا يزال هذا الدّأب حتى يخرج من ممْلكته؛ أذن للناس في الانسياح في أرض العجم؛ حتى يغلبوا يزدَجِرْد على ما كان في يدي كسرى، فوجّه الأمراء من

стр. 3074

أهل البصرة بعد فَتْح نهاوند، ووجّه الأمراء من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند؛ وكان بين عمل سعد بن أبي وقّاص وبين عمل عمّار بن ياسر أميران: أحدُهما عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان -وفي زمانه كانت وقعة نهاوند- وزياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصيّ -وفي زمانه أمر بالانسياح- وعُزل عبد الله بن عبد الله، وبُعث في وجه آخر من الوجوه، وولّي زياد بن حنظلة -وكان من المهاجرين- فعمل قليلًا، وألحّ في الاستعفاء، فأعفي، وولّي عمّار بن ياسر بعد زياد؛ فكان مكانه، وأمدّ أهلَ البصرة بعبد الله بن عبد الله، وأمدّ أهلَ الكوفة بأبي موسى، وجعل عمر بن سُراقة مكانه، وقدمت الألوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة زمان زياد بن حنظلة، فقدم لواء منها على نُعيم بن مقرّن، وقد كان أهل همَذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسَّيْر نحو هَمَذان، وقال: فإن فتح الله على يديك فإلى ما وراء ذلك في وجهك ذلك إلى خُراسان. وبعث عتبة بن فَرقد، وبكير بن عبد الله وعقد لهما على أذْرَبيجان، وفرّقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حُلْوان إلى ميمنتها، وأمر الآخر أن يأخذ إليها من الموصل إلى ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا عن صاحبه. وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بلواء؛ وأمره أن يسير إلى أصبهان، وكان شجاعًا بطلًا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار؛ حليفًا لبني الحبْلى من بني أسد؛ وأمدّه بأبي موسى من البصرة، وأمّر عمر بن سراقة على البصرة. وكان من حديث عبد الله بن عبد الله: أنّ عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له أن يأذن في الانسياح فكتب إليه: أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، واكتب إليَّ بذلك؛ وعمر يريد توجيهه إلى أصبهان. فانتدب له فيمن انتدب عبد الله بن ورقاء الرياحيّ، وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الأسديّ. والذين لا يعلمون يرون أنّ أحدهما عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ، لذكر ورقاء، وظنوا: أنه نُسب إلى جدّه، وكان عبد الله بن بُديل بن ورقاء يوم قُتِل بصفّين ابن أربع وعشرين سنة، وهو أيامَ عمر صبيّ. ولما أتى عمرَ انبعاثُ عبد الله؛ بعثَ زياد بن حنظلة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم؛ أمّر عمّارًا بعدُ، وقرأ قول الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ وقد كان زياد صُرِف في

стр. 3075

وَسَطٍ من إمارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان وعبد الرحمن ابني ربيعة، ليقضي إلى أن يقدم عبد الله بن مسعود من حِمْص، وقد كان عملَ لعمر على ما سقَى الفُرات ودِجْلة النعمانُ، وسُويد ابنا مقرّن، فاستعفيا، وقالا: أعفنا من عمل يتغوّل ويتزيّن لنا بزينة المومسة، فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن أسيد الغفاريّ، وجابر بن عمرو المُزنيّ، ثم استعفيا فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنَيف؛ حذيفة على ما سقت دِجْلة وما وراءها، وعثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعًا، وكتب إلى أهل الكوفة: إني بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا، وجعلت عبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وولّيت حذيفة بن اليمان ما سَقَتْ دِجلة وما وراءها، ووليت عُثْمان بن حُنَيف الفرات وما سَقى. ذكر الخبر عن أصبَهان قالوا: ولما قدم عَمّار إلى الكوفة أميرًا، وقدم كتاب عمر إلى عبد الله: أن سرْ إلى أصبَهان وزياد على الكوفة، وعلى مقدّمتك عبد الله بن وَرْقاء الرياحيّ، وعلى مجنّبتيك عبد الله بن ورقاء الأسديّ وعصمة بن عبد الله -وهو عصمة بن عبد الله بِن عبيدة بن سيف بن عبد الحارث- فسار عبد الله في الناس حتى قدِم على حُذيفة، ورجع حذيفة إلى عمله، وخرج عبد الله فيمن كان معه ومن انصرف معه من جُنْد النعمان من نهاوند نحو جند قد اجتمع له من أهل أصبَهان عليهم الأسْتَنْدار؛ وكان على مقدّمته شَهْر براز جاذَويه، شيخ كبير في جمع عظيم؛ فالتقى المسلمون ومقدّمة المشركين بُرسْتاق من رساتيق أصبهان؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن وَرْقاء؛ فقتله وانهزم أهل أصبَهان، وسمّى المسلمون ذلك الرستاق رُسْتاقَ الشيخ، فهو اسمه إلى اليوم. ودعا عبد الله بن عبد الله مَنْ يليه، فسأل الأستندَار الصّلحَ، فصالحهم؛ فهذا أوّل رُسْتاق أخذ من أصبهان. ثم سار عبد الله من رستاق الشيخ نحو جَيّ حتى انتهى إلى جَيّ والملك بأصبهان يومئذ الفاذوسفان، ونزل بالناس على جَيّ؛ فحاصرهم، فخرجوا إليه بعد ما شاء الله من زحف؛ فلما التقوا قال الفاذوسفان لعبد الله: لا تقتل أصحابي؛ ولا أقتل أصحابَك؛ ولكن ابرُز لي؛ فإن قتلتُك رجع أصحابك وإن قتلتَني سالَمك أصحابي؛ وإن كان أصحابي لا يقع لهم نُشّابة. فبرز

стр. 3076

له عبد الله وقال: إمّا أن تحمل عليّ، وإما أن أحمل عليك؛ فقال: أحمل عليك، فوقف له عبد الله، وحمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قَرَبُوس سَرْجِه فكسره، وقطع اللّبَب والحزام، وزال اللّبْد والسَّرْج، وعبد الله على الفرس؛ فوقع عبد الله قائمًا، ثمّ استَوى على الفرس عُرْيًا؛ وقال له: اثبت، فحاجزه، وقال: ما أحبّ أن أقاتلك؛ فإني قد رأيتك رجلًا كاملًا ولكن أرجعُ معك إلى عسكرك فأصالحك؛ وأدفع المدينة إليك؛ على أنّ مَن شاء أقام ودفع الجزية وأقام على ماله؛ وعلى أن تُجرى من أخذتم أرضه عنوةً مجراهم، ويتراجعون، ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء؛ ولكم أرضه. قال: لكم ذلك. وقدم عليه أبو موسى الأشعريّ من ناحية الأهواز، وقد صالح الفاذوسفان عبد الله فخرج القوم من جَيّ، ودخلوا في الذّمة إلّا ثلاثين رجلًا من أهل أصْبَهان خالفوا قومهم وتجمّعوا فلحقوا بكرمان في حاشيتهم؛ لجمع كان بها؛ ودخل عبد الله، وأبو موسى جيّ -وجيّ مدينة أصبهان- وكتب بذلك إلى عمر، واغتبط مَنْ أقام، وندم من شخص. فقدم كتاب عمر على عبد الله: أن سر حتى تقدم على سُهيل بن عدي، فتجامعَه على قتال مَنْ بكَرْمان، وخلّف في جَيّ من بقي عن جيّ، واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع. كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن نفر من أصحاب الحسن؛ منهم المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمّس بن أخي الأحنف، قال: شهدتُ مع أبي موسى فتح أصبهان، وإنما شهدها مددًا (١). (٤: ١٣٧/ ١٣٨/ ١٣٩/ ١٤٠/ ١٤١). ٥٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: كتاب صلح أصبهان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وحواليها؛ إنكم آمنون ما أديتم

стр. 3077

الجزية، وعليكم من الجزية بقدر طاقتكم في كلّ سنة تؤدّونها إلى الذي يلي بلادكم عن كلّ حالم؛ ودلالةُ المسلم وإصلاح طريقه وقِراه يومًا وليلة، وحُملان الرّاجل إلى مرحلةٍ، لا تسلّطوا على مسلم، وللمسلمين نصحُكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم؛ فإذا غيّرتم شيئًا أو غَيّر مغيّرٌ منكم ولم تُسلموه فلا أمان لكم؛ ومن سبّ مسلمًا بُلِغ منه؛ فإن ضربه قتلناه. وكتب وشهد عبد الله بن قيس، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله. فلما قدم الكتاب من عمر على عبد الله، وأمر فيه باللّحاق بسهيل بن عديّ بكَرْمان؛ خرج في جريدة خيل، واستخلف السائب، ولحق بسُهيل قبل أن يصل إلى كَرْمان (١). (٤: ١٤١). ٥٦٣ - قال: وفيها غزا عبدُ الله، وعبد الرحمن ابنا عمرو، وأبو سَرْوعة، فقدموا مصر، فشربَ عبدُ الرحمن وأبو سَرْوَعة الخمر، وكان من أمرهما ما كان (٢). (٤: ١٤٤). قال: وفيها: سار عمرو بن العاص إلى أنطابُلُس -وهي بَرْقة- فافتتحها، وصالح أهل بَرْقة على ثلاثة عشر ألف دينار، وأن يبيعوا من أبنائهم ما أحبّوا في جزيتهم (٣). (١٤٤: ٤). قال: وفيها ولّى عمر بن الخطاب عمّار بن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال، وعُثمان بن حُنَيف على مساحة الأرض؛ فشكا أهلُ الكوفة عمّارًا، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فأصاب جُبير بين مطعم خاليًا فولّاه الكوفة، فقال: لا تذكره لأحد؛ فبلغ المغيرة بن شعبة: أنّ عُمَرَ خلا بجُبير بن مطعم، فرجع إلى امرأته، فقال: اذهبي إلى امرأة جُبَير بن مطعم، فاعرضي عليها طعام السَّفَر؛ فأتتها فعرضت عليها، فاستعجمت عليها، ثم قالت: نعم، فجئيني به؛ فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر، فقال: بارك الله لك فيمن ولّيت! قال: فمن ولّيت؟ فأخبره أنه ولّى جُبير بن مطعم، فقال عمر: لا أدري

стр. 3078

ما أصنع! وولى المغيرة بن شعبة الكوفةَ؛ فلم يزل عليها حتى مات عمر. قال: وفيها بعث عمرو بن العاص عُقْبة بن نافع الفهريّ، فافتتح زويلة بصلح وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين (١). (٤: ١٤٤). ٥٦٤ - وحدّثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان بالشأم في سنة إحدى وعشرين غزوة الأمير معاوية بن أبي سفيان، وعمير بن سعد الأنصاريّ على دمشق والبثنيّة وحَوْران وحمص وقنَّسرين والجزيرة، ومعاوية على البلقاء والأردنّ وفلسطين والسواحل وأنطاكية ومعرّة مصرين وقلقيّة. وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على قلقيّة، وأنطاكيَة، ومَعَرّة مَصْرِين. وقيل: وفيها ولد الحسن البصري، وعامر الشعبيّ (٢). (٤: ١٤٤/ ١٤٥). * * *

стр. 3079

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين (ذكر فتح همدان) ٥٦٥ - وأما سيف بن عمر؛ فإنه قال: فيما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عنه، قال: كان فتح أذْرَبيجان سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد فتح هَمَذان والرّيّ وجُرجان وبعد صلح إصبَهْبَذ طَبرِسْتان المسلمين. قال: وكلّ ذلك كان في سنة ثماني عشرة. قال: فكان سبب فتح هَمَذان -فيما زعم-: أنّ محمدًا، والمهلب، وطلحة، وعمرًا، وسعيدًا أخبروه: أنّ النعمان لما صُرِف إلى الماهَيْن لاجتماع الأعاجم إلى نهاوند، وصُرِف إليه أهلُ الكوفة وافوْه مع حُذَيفة، ولما فصل أهلُ الكوفة من حُلوان، وأفضوْا إلى ماه؛ هَجموا على قلعة في مَرْج فيها مسلَحة، فاستزلوهم، وكان أوّل الفتح، وأنزلوا مكانهم خيلًا يمسكون بالقلعة، فسمَّوْا معسكرهم بالمرْج؛ مرْج القلعة، ثم ساروا من مَرْج القلعة نحو نهاوند؛ حتى إذا انتهوْا إلى قلْعة -فيها قوم خلَّفوا عليها النُّسيرَ بن ثور في عِجْل وحَنيفة؛ فنُسبت إليه؛ وافتتحها بعد فتح نهاوند ولم يشهد نهاوند عِجْليّ ولا حَنفيّ- أقاموا مع النُّسَير على القلعة، فلما جمعوا فيء نهاوند والقلاع؛ أشرِكوا فيها جميعًا؛ لأن بعضهم قوّى بعضًا. ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مَرْج القلعة وبين نهاوند مما مرّوا به قبل ذلك فيما استقرُّوا من المرْج إليها بصفاتها، وازدحمت الرّكاب في ثَنيّة من ثنايا ماه، فسمّيت بالركاب، فقيل: ثنيّة الرِّكاب. وأتوْا على أخرى تدور طريقها بصخرة، فسمَّوْها ملْويّة، فدرست أسماؤها الأولى، وسمّيت بصفاتها، ومرُّوا بالجبل الطويل المشرِف على الجبال، فقال قائل منهم: كأنه سِنُّ سُمَيرة -وسُميرة امرأة من المهاجرات من بني معاوية، ضبيّة لها سنّ مشرفة على أسنانها، فسمّي ذلك الجبل بسنّها- وقد كان حذيفة أتبعَ الفالّةَ -فالّة نهاوند- نُعيمَ بن مقرّن والقعقاعَ بن عمرو، فبلغا هَمذان، فصالحهم خُسْرو شُنُوِم، فرجعا عنهم، ثم كفر بعدُ. فلمّا قدم عهدُه في العهود من عند عمر وَدّع حُذيفة وودّعه حُذيفة، هذا يريد هَمَذان، وهذا يريد الكوفة راجعًا. واستخلف على الماهيْن عمرَو بن بلال بن الحارث.

стр. 3080

وكان كتاب عُمر إلى نُعيم بن مقرّن: أنْ سِرْ حتى تأتي هَمَذان، وابعث على مقدّمتك سُوَيد بن مقرّن، وعلى مجنّبتيك ربعيّ بن عامر، ومهلهل بن زيد، هذا طائيّ، وذاك تميميّ. فخرج نُعيم بن مقرّن في تعبيته حتى نزل ثنيّة العَسَل -وإنما سُمّيت ثنيّة العسل بالعسل الذي أصابوا فيها غبّ وقعة نهاوند حيث أتبعوا الفالّة- فانتهى الفيرُزان إليها، وهي غاصّة بحوامل تحمل العَسَل وغير ذلك؛ فحبست الفيرُزان حتى نزل؛ فتوقَّل في الجبل، وغارَ فرسُه فأدرك فأصيب. ولما نزلوا كِنْكِوَر؛ سرقتْ دوابّ من دوابّ المسلمين، فسمِّي قصر اللصوص. ثم انحدر نُعيم من الثَّنيّة حتى نزل على مدينة هَمَذان، وقد تحصّنوا منهم، فحصرهم فيها، وأخذ ما بين ذلك وبين جَرْميذان، واستولوا على بلاد هَمَذان كلها. فلما رأى ذلك أهلُ المدينة سألوا الصّلح، على أن يُجريهم ومن استجاب مُجرىً واحدًا، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المنَعة، وفرّق دَسْتَبَي بين نفر من أهل الكوفة، بين عصمة بن عبد الله الضبّيّ، ومهلهل بن زيد الطائيّ، وسِماك بن عُبَيد العبسيّ، وسِماك بن مخرمة الأسديّ، وسِمَاك بن خرَشة الأنصاريّ؛ فكان هؤلاء أوّل من وَلِيَ مسالح دَسْتَبي، وقاتل الدّيلَم. رجع الحديث إلى حديث سيف: قال: فبينما نُعيم في مدينة هَمَذان في توطئتها في اثني عشر ألفًا من الجنْد تكاتب الدَّيْلم وأهل الرّي وأهِل أذْرَبيجان، ثم خرج موتا في الدّيلم حتى ينزل بواج رُوذ؛ وأقبَلَ الزينبيّ أبو الفرُّخَان في أهل الرّيّ حتى انضمّ إليه، وأقبل إسْفَنْدياذ أخو رُسْتم في أهل أذْرَبيجان؛ حتى انضمّ إليه، وتحصّن أمراء مسالح دَسْتَبي، وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الرّوذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدًا؛ وكانت وقعة عظيمة تعدِل نهاوند؛ ولم تكن دونها، وقتل من القوم مقتلة عظيمة لا يحصَوْن ولا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار؛ وقد كانوا كتبوا إلى عمر باجتماعهم، ففزع منها عمر، واهتمّ بحربها، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلّا البريد بالبِشارة، فقال: أبشير! فقال: بل عروة؛ فلما ثنى عليه: أبشير؟ فطن، فقال: بشير؛ فقال عمر: رسول نُعَيم؟ قال: رسول نُعَيم، قال: الخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر؛ وأخبره الخبر؛ فحمِد الله، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس؛ فحمِدوا الله. ثم قدِم سِماك بن مَخْرمة، وسِماك بن عُبيد،

стр. 3081

وسِماك بن خَرَشة في وفود من وفود أهل الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سِماك، وسماك، وسماك، فقال: بارك الله فيكم! اللهمّ اسْمُكْ بهم الإسلام، وأيِّدهم بالإسلام! فكانت دَسْتَبي من هَمَذان ومسالحها إلى هَمَذان، حتى رجع الرّسول إلى نعيم بن مقرّن بجواب عمر بن الخطَّاب: أما بعدُ: فاستخلف على هَمَذان، وأمدّ بُكَير بن عبد الله بسماك بن خَرشة، وسرْ حتى تقدم الرّيّ، فتلقى جمعهم، ثم أقِمْ بها، فإنها أوسطُ تلك البلاد، وأجمعها لما تريد. فأقرّ نُعيم يزيد بن قيس الهَمْذانيّ على هَمَذان، وسار من واج الرُّوذ بالناس إلى الريّ. وقال نعيم في واج الرّوذ: لمَّا أتاني أن موتا ورَهْطه ... بني باسِلٍ جَرُّوا جُنودَ الأعاجمِ نَهَضتُ إليهم بالجنود مُساميًا ... لأمْنَعَ منهم ذِمَّتي بالقَواصِمِ فجئنا إليهم بالحديدِ كأننا ... جِبالٌ تراءى من فُروع القَلاسِم فلما لَقِيناهُمْ بها مُسْتفيضَةً ... وقد جعلوا يَسْمونَ فِعْلَ المُساهِمِ صَدَمْناهُمُ في واجِ رُوذَ بِجْمعنا ... غداةَ رَمَيْناهمْ بإحدى العظائمِ فما صبروا في حَوْمَةِ الموتِ ساعَةً ... لحدِّ الرِّماحِ والسيوفِ الصَّوارِمِ كأنهُمْ عند انبِثاثِ جُموعِهِمْ ... جِدارٌ تَشَظَّى لَبْنُهُ للهَوادِمِ أصَبْنا بها موتا ومَن لفَّ جَمْعَه ... وفيها نهابٌ قَسْمُهُ غيرُ عاتِمِ تَبعْناهُمُ حتى أوَوْا في شِعابِهِمْ ... نُقَتِّلُهُمْ قَتْلَ الكلابِ الجواحِمِ كأنهُمُ في واجِ رُوذَ وَجَوِّهِ ... ضئينٌ أصابَتْها فُروجُ المخارِمِ وسماك بن مَخْرمة هو صاحب مسجد سِماك. وأعاد فيهم نعيم كتاب صلح هَمَذان، وخلّف عليها يزيد بن قيس الهمذانيّ، وسار بالجنود حتى لحق بالرّيّ، وكان أوّل نسل الدّيلم من العرب، وقاولهم فيه نُعيم. فتح الرّيّ قالوا: وخرج نُعيم بن مقرّن من واج رُوذ في الناس -وقد أخرَبها- إلى دَسْتَبَي، ففصل منها إلى الرّيّ، وقد جمعوا له، وخرج الزينبيّ أبو الفرُّخان،

стр. 3082

فلقيه الزينبيّ بمكان يقال له: قِهَا مسالمًا ومخالفًا لملك الريّ، وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوَخْش وأهل بيته، فأقبل مع نُعيم -والملك يومئذ بالريّ- سياوَخْش بن مهران بن بَهْرام شوبين، فاستمدّ أهل دُنْباوَنْد، وطبرسْتان، وقُومِس، وجُرْجان. وقال: قد علمتم أنّ هؤلاء قد حلُّوا بالرّيّ، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سِياوَخْش، فالتقوْا في سَفْح جبل الرّيّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وقد كان الزينبيّ قال لنُعيم: إنّ القوم كثير، وأنت في قلّة؛ فابعث معي خيلًا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهِدْهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتُوا لك. فبعث معه نُعيم خيلًا من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبيّ المدينة، ولا يشعر القوم، وبيَّتهم نُعيم بياتًا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمِعُوا التكبير من ورائهم. ثمّ إنهم انهزموا فقتلوا مقتلةً عُدّوا بالقَصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالرّي نحوًا من فيء المدائن، وصالحه الزينبيّ على أهل الرّيّ ومَرْزَبه عليهم نُعيم، فلم يزل شرف الريّ في أهل الزينبيّ الأكبر، ومنهم شَهْرام وفَرُّخان، وسقط آل بهرام، وأخرب نُعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها: العتيقة -يعني: مدينة الرّي- وأمر الزينبيّ فبنى مدينة الرّيّ الحُدْثَى. وكتب نُعَيم إلى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس مع عُتيبة بن النّهاس وأبي مفزّر في وجوه من وجوه أهل الكوفة، وأمدّ بكير بن عبد الله بسماك بن خَرَشة الأنصاريّ بعد ما فتح الرّي، فسار سِماك إلى أذْربيجان مددًا لبكير، وكتب نُعيم لأهل الرّي كتابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى نُعيم بن مقرّن الزينبيَّ بن قُوله، أعطاه الأمان على أهل الرّيّ ومَن كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقة كلّ حالم في كلّ سنة، وعلى أن ينصحوا، ويدلُّوا، ولا يغِلُّوا، ولا يُسِلّوا، وعلى أن يَقْروا المسلمين يومًا وليلة، وعلى أن يفخّموا المسلم، فمن سبّ مسلمًا، أو استخفّ به نُهك عقوبة، ومَنْ ضربه قُتِل، ومَن بدّل منهم فلم يسْلَم برُمّته فقد غيّر جماعتكم. وكتب وشهد. وراسله المَصْمُغان في الصّلح على شيء يفتدي به منهم من غير أن يسأله

стр. 3083

النصر، والمنْعة، فقبل منه، وكتب بينه وبينه كتابًا على غير نصر، ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتابٌ من نُعَيم بن مقرّن لمَرْدَانْشاه مَصْمُغان دُنْبَاوند، وأهل دنْباوند، والخُوار، واللارِز، والشِّرّز. إنك آمن ومَن دخل معك عِلى الكفّ، أن تكفّ أهل أرضك، وتتقي من ولي الفرْج بمئتي ألف درهم وَزْن سبعة في كلّ سنة، لا يغار عليك، ولا يدخل عليك إلّا بإذن؛ ما أقمت على ذلك حتى تغيِّر، ومَنْ غيّر فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه. وكتب وشهد. فتح قومِس قالوا: ولما كتب نُعيم بفتح الرّيّ مع المُضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس كتب إليه عُمر: أن قدّم سُويد بن مقرّن إلى قومِس، وابعث على مقدّمته سماك بن مَخْرَمة، وعلى مجنّبتيه عُتَيبة بن النّهاس، وهند بن عمرو الجمليّ، ففصل سُويد بن مقرّن في تعبيته من الرّيّ نحو قُومِس؛ فلم يقمْ له أحدٌ، فأخذها سِلْمًا، وعسكر بها، فلمَّا شربوا من نهر لهم يقال له: ملاذ، فشا فيهم القَصَر؛ فقال لهم سويد: غيّروا ماءكم حتى تعودوا كأهله؛ ففعلوا، واستمرؤوه، وكاتبه الذين لجؤُوا إلى طَبِرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى سويد بن مقرّن أهلَ قومِس، ومن حَشَوْا من الأمان على أنفسهم، ومللهم، وأموالهم، على أن يؤدُّوا الجزية عن يد عن كلّ حالم بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا، ولا يغشّوا، وعلى أن يدلُّوا، وعليهم نُزْل مَنْ ننرل بهم من المسلمين يومًا وليلة من أوسط طعامهم، وإن بدّلوا، واستخفُّوا بعهدهم؛ فالذمّة منهم بريئة. وكتب وشهد.

стр. 3084

فتح جُرجان قالوا: وعسكر سُويد بن مقرّن ببسطام، وكاتب ملك جرجان رُزْبان صول، ثم سار إليها، وكاتبه رُزْبان صول، وبادره بالصّلح على أن يؤدّيَ الجزاء، ويكفيه حرب جُرجان، فإن غلب؛ أعانه. فقبل ذلك منه، وتلقّاه رُزْبان صُول قبل دخول سُوَيد جُرجان؛ فدخل معه وعسكر بها حتى جبَى إليه الخراج، وسمَّى فروجها، فسدّها بتُرْك دهسْتان، فرفع الجزاء عمّن أقام يمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب بينهم وبينه كتابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من سُويد بن مقرّن لرُزْبان صُول بن رُزْبان، وأهل دِهِسْتان، وسائر أهل جُرْجان: إنّ لكم الذمة، وعلينا المنْعة؛ على أنّ عليكم من الجزاء في كلّ سنة على قَدْر طاقتكم؛ على كلّ حالم؛ ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ومللهم، وشرائعهم، ولا يغيَّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدّوا، وأرشدوا ابنَ السبيل، ونصحوا، وقَرَوا المسلمين، ولم يبد منهم سَلٌّ، ولا غَلٌّ، ومَن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومَنْ خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنَه؛ وعلى أنّ من سبّ مسلمًا بُلِغَ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. شهد سواد بن قطبة، وهند بن عمرو، وسِماك بن مَخْرمة، وعتيبة بن النّهاس. وكتب في سنة ثماني عشرة. وأما المدائنيّ؛ فإنه قال - فيما حدّثنا أبو زيد، عنه -: فُتِحت جُرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين. فتح طَبَرِستان قالوا: وأرسل الإصبَهبذ سُوَيدًا في الصّلح، على أن يتوادعا؛ ويجعل له شيئًا على غير نصر، ولا معونة على أحد؛ فقبل ذلك منه، وجرى ذلك لهم، وكتب له كتابًا:

стр. 3085

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من سُويد بن مقرّن للفرُّخَان إصبَهبذ خُراسان على طَبَرستان وجيل جيلان من أهل العدوّ؛ إنك آمن بأمان الله علِى أن تكفّ لصُوتَك وأهل حواشي أرضك، ولا تُؤويَ لنا بغْية، وتتّقيَ من ولي فَرْج أرضك بخمسمئة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك؛ فليس لأحد منا أن يُغير عليك، ولا يتطّرق أرضك، ولا يدخل عليك إلّا بإذنك؛ سبيلنا عليكم بالإذن آمنة؛ وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية، ولا تسلّون لنا إلى عدوّ، ولا تغلّون، فإن فعلتم؛ فلا عهد بيننا وبينكم. شهد سواد بن قطبة التميميّ، وهند بن عمرو المُراديّ، وسماك بن مَخْرمة الأسديّ، وسِماك بن عُبيد العبسيّ، وعتيبة بن النّهاس البكريّ. وكتب سنة ثماني عشرة. فتح أذْرَبيجان قال: ولما افتتح نُعيم هَمَذان ثانية، وسار إلى الريّ من واج رُوذ؛ كتب إليه عمر: أنْ يبعث سماك بن خَرَشة الأنصاريّ مُمدًّا لبُكير بن عبد الله بأذْرَبيجان، فأخّر ذلك حتى افتتح الريّ، ثم سرّحه من الرّيّ، فسار سماك نحو بكير بأذْرَبيجان؛ وكان سماك بن خَرشة، وعُتْبة بن فَرْقد من أغنياء العرب؛ وقدما الكوفة بالغنى؛ وقد كان بكيرِ سار حين بُعِث إليها؛ حتى إذا طلع بحيال جَرْميذان - طلع عليهم إسْفَنْدياذ بن الفزُّخْزاذ مهزومًا من واج روذ، فكان أوّل قتال لقيه بأذْربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جندَه، وأخذ بُكير إسفندياذ أسيرًا، فقال له إسفندياذ: الصلح أحبُّ إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك؛ فإنّ أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء لم يقيموا لك، وجَلَوْا إلى الجبال التي حَوْلها من القَبْج والروم، ومَن كان على التحصّن تحصّن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خَرَشة مُمدًّا؛ وإسفندياذ في إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه. وقال بُكير لسماك مقدَمه عليه، ومازحه: ما الّذي أصنع بك وبعتبة بأغْنَيين؟ لئن أطعت ما في نفسي لأمضينّ قُدمًا ولأخلِّفنكما، فإن شئت أقمتَ معي، وإن شئت أتيت عُتبة فقد أذنت لك، فإني
следующие страницы →