← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وسِماك بن خَرَشة في وفود من وفود أهل الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سِماك، وسماك، وسماك، فقال: بارك الله فيكم! اللهمّ اسْمُكْ بهم الإسلام، وأيِّدهم بالإسلام! فكانت دَسْتَبي من هَمَذان ومسالحها إلى هَمَذان، حتى رجع الرّسول إلى نعيم بن مقرّن بجواب عمر بن الخطَّاب: أما بعدُ: فاستخلف على هَمَذان، وأمدّ بُكَير بن عبد الله بسماك بن خَرشة، وسرْ حتى تقدم الرّيّ، فتلقى جمعهم، ثم أقِمْ بها، فإنها أوسطُ تلك البلاد، وأجمعها لما تريد. فأقرّ نُعيم يزيد بن قيس الهَمْذانيّ على هَمَذان، وسار من واج الرُّوذ بالناس إلى الريّ. وقال نعيم في واج الرّوذ: لمَّا أتاني أن موتا ورَهْطه ... بني باسِلٍ جَرُّوا جُنودَ الأعاجمِ نَهَضتُ إليهم بالجنود مُساميًا ... لأمْنَعَ منهم ذِمَّتي بالقَواصِمِ فجئنا إليهم بالحديدِ كأننا ... جِبالٌ تراءى من فُروع القَلاسِم فلما لَقِيناهُمْ بها مُسْتفيضَةً ... وقد جعلوا يَسْمونَ فِعْلَ المُساهِمِ صَدَمْناهُمُ في واجِ رُوذَ بِجْمعنا ... غداةَ رَمَيْناهمْ بإحدى العظائمِ فما صبروا في حَوْمَةِ الموتِ ساعَةً ... لحدِّ الرِّماحِ والسيوفِ الصَّوارِمِ كأنهُمْ عند انبِثاثِ جُموعِهِمْ ... جِدارٌ تَشَظَّى لَبْنُهُ للهَوادِمِ أصَبْنا بها موتا ومَن لفَّ جَمْعَه ... وفيها نهابٌ قَسْمُهُ غيرُ عاتِمِ تَبعْناهُمُ حتى أوَوْا في شِعابِهِمْ ... نُقَتِّلُهُمْ قَتْلَ الكلابِ الجواحِمِ كأنهُمُ في واجِ رُوذَ وَجَوِّهِ ... ضئينٌ أصابَتْها فُروجُ المخارِمِ وسماك بن مَخْرمة هو صاحب مسجد سِماك. وأعاد فيهم نعيم كتاب صلح هَمَذان، وخلّف عليها يزيد بن قيس الهمذانيّ، وسار بالجنود حتى لحق بالرّيّ، وكان أوّل نسل الدّيلم من العرب، وقاولهم فيه نُعيم. فتح الرّيّ قالوا: وخرج نُعيم بن مقرّن من واج رُوذ في الناس -وقد أخرَبها- إلى دَسْتَبَي، ففصل منها إلى الرّيّ، وقد جمعوا له، وخرج الزينبيّ أبو الفرُّخان،

стр. 3082

فلقيه الزينبيّ بمكان يقال له: قِهَا مسالمًا ومخالفًا لملك الريّ، وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوَخْش وأهل بيته، فأقبل مع نُعيم -والملك يومئذ بالريّ- سياوَخْش بن مهران بن بَهْرام شوبين، فاستمدّ أهل دُنْباوَنْد، وطبرسْتان، وقُومِس، وجُرْجان. وقال: قد علمتم أنّ هؤلاء قد حلُّوا بالرّيّ، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سِياوَخْش، فالتقوْا في سَفْح جبل الرّيّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وقد كان الزينبيّ قال لنُعيم: إنّ القوم كثير، وأنت في قلّة؛ فابعث معي خيلًا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهِدْهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتُوا لك. فبعث معه نُعيم خيلًا من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبيّ المدينة، ولا يشعر القوم، وبيَّتهم نُعيم بياتًا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمِعُوا التكبير من ورائهم. ثمّ إنهم انهزموا فقتلوا مقتلةً عُدّوا بالقَصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالرّي نحوًا من فيء المدائن، وصالحه الزينبيّ على أهل الرّيّ ومَرْزَبه عليهم نُعيم، فلم يزل شرف الريّ في أهل الزينبيّ الأكبر، ومنهم شَهْرام وفَرُّخان، وسقط آل بهرام، وأخرب نُعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها: العتيقة -يعني: مدينة الرّي- وأمر الزينبيّ فبنى مدينة الرّيّ الحُدْثَى. وكتب نُعَيم إلى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس مع عُتيبة بن النّهاس وأبي مفزّر في وجوه من وجوه أهل الكوفة، وأمدّ بكير بن عبد الله بسماك بن خَرَشة الأنصاريّ بعد ما فتح الرّي، فسار سِماك إلى أذْربيجان مددًا لبكير، وكتب نُعيم لأهل الرّي كتابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى نُعيم بن مقرّن الزينبيَّ بن قُوله، أعطاه الأمان على أهل الرّيّ ومَن كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقة كلّ حالم في كلّ سنة، وعلى أن ينصحوا، ويدلُّوا، ولا يغِلُّوا، ولا يُسِلّوا، وعلى أن يَقْروا المسلمين يومًا وليلة، وعلى أن يفخّموا المسلم، فمن سبّ مسلمًا، أو استخفّ به نُهك عقوبة، ومَنْ ضربه قُتِل، ومَن بدّل منهم فلم يسْلَم برُمّته فقد غيّر جماعتكم. وكتب وشهد. وراسله المَصْمُغان في الصّلح على شيء يفتدي به منهم من غير أن يسأله

стр. 3083

النصر، والمنْعة، فقبل منه، وكتب بينه وبينه كتابًا على غير نصر، ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتابٌ من نُعَيم بن مقرّن لمَرْدَانْشاه مَصْمُغان دُنْبَاوند، وأهل دنْباوند، والخُوار، واللارِز، والشِّرّز. إنك آمن ومَن دخل معك عِلى الكفّ، أن تكفّ أهل أرضك، وتتقي من ولي الفرْج بمئتي ألف درهم وَزْن سبعة في كلّ سنة، لا يغار عليك، ولا يدخل عليك إلّا بإذن؛ ما أقمت على ذلك حتى تغيِّر، ومَنْ غيّر فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه. وكتب وشهد. فتح قومِس قالوا: ولما كتب نُعيم بفتح الرّيّ مع المُضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس كتب إليه عُمر: أن قدّم سُويد بن مقرّن إلى قومِس، وابعث على مقدّمته سماك بن مَخْرَمة، وعلى مجنّبتيه عُتَيبة بن النّهاس، وهند بن عمرو الجمليّ، ففصل سُويد بن مقرّن في تعبيته من الرّيّ نحو قُومِس؛ فلم يقمْ له أحدٌ، فأخذها سِلْمًا، وعسكر بها، فلمَّا شربوا من نهر لهم يقال له: ملاذ، فشا فيهم القَصَر؛ فقال لهم سويد: غيّروا ماءكم حتى تعودوا كأهله؛ ففعلوا، واستمرؤوه، وكاتبه الذين لجؤُوا إلى طَبِرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى سويد بن مقرّن أهلَ قومِس، ومن حَشَوْا من الأمان على أنفسهم، ومللهم، وأموالهم، على أن يؤدُّوا الجزية عن يد عن كلّ حالم بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا، ولا يغشّوا، وعلى أن يدلُّوا، وعليهم نُزْل مَنْ ننرل بهم من المسلمين يومًا وليلة من أوسط طعامهم، وإن بدّلوا، واستخفُّوا بعهدهم؛ فالذمّة منهم بريئة. وكتب وشهد.

стр. 3084

فتح جُرجان قالوا: وعسكر سُويد بن مقرّن ببسطام، وكاتب ملك جرجان رُزْبان صول، ثم سار إليها، وكاتبه رُزْبان صول، وبادره بالصّلح على أن يؤدّيَ الجزاء، ويكفيه حرب جُرجان، فإن غلب؛ أعانه. فقبل ذلك منه، وتلقّاه رُزْبان صُول قبل دخول سُوَيد جُرجان؛ فدخل معه وعسكر بها حتى جبَى إليه الخراج، وسمَّى فروجها، فسدّها بتُرْك دهسْتان، فرفع الجزاء عمّن أقام يمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب بينهم وبينه كتابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من سُويد بن مقرّن لرُزْبان صُول بن رُزْبان، وأهل دِهِسْتان، وسائر أهل جُرْجان: إنّ لكم الذمة، وعلينا المنْعة؛ على أنّ عليكم من الجزاء في كلّ سنة على قَدْر طاقتكم؛ على كلّ حالم؛ ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ومللهم، وشرائعهم، ولا يغيَّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدّوا، وأرشدوا ابنَ السبيل، ونصحوا، وقَرَوا المسلمين، ولم يبد منهم سَلٌّ، ولا غَلٌّ، ومَن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومَنْ خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنَه؛ وعلى أنّ من سبّ مسلمًا بُلِغَ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. شهد سواد بن قطبة، وهند بن عمرو، وسِماك بن مَخْرمة، وعتيبة بن النّهاس. وكتب في سنة ثماني عشرة. وأما المدائنيّ؛ فإنه قال - فيما حدّثنا أبو زيد، عنه -: فُتِحت جُرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين. فتح طَبَرِستان قالوا: وأرسل الإصبَهبذ سُوَيدًا في الصّلح، على أن يتوادعا؛ ويجعل له شيئًا على غير نصر، ولا معونة على أحد؛ فقبل ذلك منه، وجرى ذلك لهم، وكتب له كتابًا:

стр. 3085

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من سُويد بن مقرّن للفرُّخَان إصبَهبذ خُراسان على طَبَرستان وجيل جيلان من أهل العدوّ؛ إنك آمن بأمان الله علِى أن تكفّ لصُوتَك وأهل حواشي أرضك، ولا تُؤويَ لنا بغْية، وتتّقيَ من ولي فَرْج أرضك بخمسمئة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك؛ فليس لأحد منا أن يُغير عليك، ولا يتطّرق أرضك، ولا يدخل عليك إلّا بإذنك؛ سبيلنا عليكم بالإذن آمنة؛ وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية، ولا تسلّون لنا إلى عدوّ، ولا تغلّون، فإن فعلتم؛ فلا عهد بيننا وبينكم. شهد سواد بن قطبة التميميّ، وهند بن عمرو المُراديّ، وسماك بن مَخْرمة الأسديّ، وسِماك بن عُبيد العبسيّ، وعتيبة بن النّهاس البكريّ. وكتب سنة ثماني عشرة. فتح أذْرَبيجان قال: ولما افتتح نُعيم هَمَذان ثانية، وسار إلى الريّ من واج رُوذ؛ كتب إليه عمر: أنْ يبعث سماك بن خَرَشة الأنصاريّ مُمدًّا لبُكير بن عبد الله بأذْرَبيجان، فأخّر ذلك حتى افتتح الريّ، ثم سرّحه من الرّيّ، فسار سماك نحو بكير بأذْرَبيجان؛ وكان سماك بن خَرشة، وعُتْبة بن فَرْقد من أغنياء العرب؛ وقدما الكوفة بالغنى؛ وقد كان بكيرِ سار حين بُعِث إليها؛ حتى إذا طلع بحيال جَرْميذان - طلع عليهم إسْفَنْدياذ بن الفزُّخْزاذ مهزومًا من واج روذ، فكان أوّل قتال لقيه بأذْربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جندَه، وأخذ بُكير إسفندياذ أسيرًا، فقال له إسفندياذ: الصلح أحبُّ إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك؛ فإنّ أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء لم يقيموا لك، وجَلَوْا إلى الجبال التي حَوْلها من القَبْج والروم، ومَن كان على التحصّن تحصّن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خَرَشة مُمدًّا؛ وإسفندياذ في إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه. وقال بُكير لسماك مقدَمه عليه، ومازحه: ما الّذي أصنع بك وبعتبة بأغْنَيين؟ لئن أطعت ما في نفسي لأمضينّ قُدمًا ولأخلِّفنكما، فإن شئت أقمتَ معي، وإن شئت أتيت عُتبة فقد أذنت لك، فإني

стр. 3086

لا أراني إلَّا تارككما وطالبًا وجهًا هو أكره من هذا. فاستعفى عمر، فكتب إليه بالإذن على أن يتقدّم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف عُتبة على الذي افتتح منها، ومضى قُدمًا، ودفع إسفندياذ إلى عُتبة، فضمّه عُتبة إليه، وأمّر عُتْبة سماك بن خَرشة - وليس بأبي دُجَانة - على عمل بُكير الذي كان افتتح، وجمع عمر أذْرَبيجان كلَّها لعتبة بن فرقد. قالوا: وقد كان بَهْرام بن الفرُّخزاذ أخذ بطَرِيق عُتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عُتْبة، فاقتتلوا، فهزمه عُتْبة، وهرب بَهرام، فلما بلغ الخبر بهزيمة بَهْرام ومهر به إسفندياذ وهو في الإسار عند بُكير، قال: الآن تمّ الصّلح، وطفئت الحرب، فصالحه، وأجاب إلى ذلك كلهم، وعادت أذْرَبيجان سِلْمًا، وكتب بذلك بُكير وعُتْبة إلى عُمر، وبعثوا بما خمّسوا مما أفاء الله عليهم، ووفّدوا الوفود بذلك؛ وكان بُكَير قد سبق عُتْبة بفتح ما ولي، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بَهْرام. وكتب عُتبة بينه وبين أهل أذْرَبيجان كتابًا حيث جُمع له عمر بكير إلى عمله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى عُتْبة بن فرقد - عاملُ عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين - أهل أذْرَبيجان - سهلها، وجبلها، وحواشيها، وشفارِها، وأهل ملَلها - كلّهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ومللهم، وشرائعهم؛ على أن يؤدّوا الجزية على قَدْر طاقتهم، ليس على صبيّ، ولا امرأة، ولا زَمِنٍ ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبّد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قِرى المسلم من جنود المسلمين يومًا وليلة ودلالته، ومَنْ حُشِر منهم في سنة وضع عنه جِزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومَنْ خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حِرْزه. وكتب جندب، وشهد بكير بن عبد الله الليثي، وسماك بن خرشة الأنصاريّ. وكتب في سنة ثماني عشرة. قالوا: وفيها، قدم عتبة على عمر بالخَبيص الذي كان أهداه له، وذلك: أنّ عمر كان يأخذ عمّاله بموافاة الموسم في كلّ سنة يحجُر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه.

стр. 3087

فتح الباب وفي هذه السنة كان فتح الباب في قول سيف وروايته، قال: وقالوا -يعني الذين ذكرت أسماءهم قبل-: ردّ عمر أبا موسى إلى البصرة، وردّ سُراقة بن عمرو - وكان يدعَى ذا النور - إلى الباب، وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة - وكان أيضًا يدعى ذا النور - وجعل على إحدى المجنّبتين حُذَيفة بن أسيد الغفاريّ، وسمّى للأخرى بكير بن عبد الله الليثيّ - وكان بإزاء الباب قبل قدوم سُراقة بن عمرو عليه، وكتب إليه أن يلحق به - وجعل على المقاسم سَلْمان بن ربيعة. فقدّم سُراقة عبد الرحمن بن ربيعة، وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذْرَبيجان نحو الباب؛ قدم على بُكير في أداني الباب، فاستدفَّ ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عبّاه عمر. وأمدّه عمر بحبيب بن مسلمة، صرفه إليه من الجزيرة، وبعث زياد بن حنظلة مكانَه على الجزيرة. ولما أطلّ عبد الرحمن بن ربيعة على الملك بالباب - والملك بها يومئذ شهربراز، رجل من أهل فارس؛ وكان على ذلك الفرْج، وكان أصله من أهل شهربراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل، وأعرَى الشأم منهم - فكاتبه شهر براز، واستأمنه على أن يأتيَه، ففعل فأتاه، فقال: إنّي بإزاء عدوّ كَلِب، وأمم مختلفة، لا يُنْسَبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يُعين أمثال هؤلاء، ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من القبْج في شيء، ولا من الأرمن وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم، وصَغْوي معكم، وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم النصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوّكم. فقال عبد الرحمن: فوقي رجلٌ قد أظلك فسرْ إليه، فجوّزه، فسار إلى سُراقة فلقيَه بمثل ذلك، فقال سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزاء ممّن يقيم ولا ينهض. فقبل ذلك، وصار سنّة فيمن كان يحارب العدوّ من المشركين، وفيمن لم يكن عنده الجزاء، إلّا أن يستنفَروا فتُوضع عنهم جزاء تلك السنة. وكتب سُراقة إلى عمر بن الخطاب بذلك، فأجازه وحسّنه، وليس لتلك البلاد التي في ساحة تلك الجبال نَبَك لم يُقم الأرمن بها إلّا على أوْفاز، وإنما هم سكان ممّن حولها ومن الطرَّاء استأصلت الغارات نبَكها من أهل

стр. 3088

القرار، وأرَز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلَوْا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم. واكتتبوا من سُراقة بن عمرو كتابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شهر براز، وسكان أرمينية والأرْمن من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، وملّتهم ألّا يضارّوا، ولا ينتقضوا، وعلى أهل أرمينية والأبواب - الطرّاء منهم، والتُّنَّاء، ومَنْ حولهم، فدخل معهم - أن ينفِروا لكلّ غارة، وينفذُوا لكلّ أمر ناب، أو لم يَنُبْ رآه الوالي صلاحًا؛ على أن توضع الجزاء عمّن أجاب إلى ذلك إلّا الحشْر، والحشْر عِوَضٌ من جزائهم ومن استُغني عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذْرَبيجان من الجزاء والدلالة والنُّزْل يومًا كاملًا، فإن حُشِروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به. شهد عبد الرحمن بن ربيعة، وسلْمان بن ربيعة، وبُكير بن عبد الله. وكتب مَرْضِيّ بن مقرّن وشهد. ووجّه سُراقة بعد ذلك بُكير بن عبد الله، وحَبيب بن مسلمة، وحُذيفة بن أسِيد، وسلْمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجِبال المحيطة بأرمينية، فوجّه بُكيرًا إلى مُوقان، ووجه حبيبًا إلى تَفْلِيس، وحُذيفة بن أسيد إلى مَن بجبال اللّان، وسَلْمان بن ربيعة إلى الوجْه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجّه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بن الخطاب، فأتى عمرَ أمرٌ لم يكن يرى أنه يستتمّ له على ما خرج عليه في سَريح بغير مؤونة. وكان فرْجًا عظيمًا به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صَنِيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها. فلما استوسَقوا، واستحْلوا عَدْل الإسلام؛ مات سُراقة، واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة، وقد مضى أولئك القوّاد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجّه له إلّا بكير فإنه فضّ مُوقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما أعطى بُكير بن عبد الله أهلَ مُوقان من جبال القَبْج الأمانَ على أموالهم، وأنفسهم، وملّتهم، وشرائعهم على الجزاء: دينار على كلّ حال أو

стр. 3089

قيمته، والنصح، ودِلالة المسلم، ونُزْله يومَه وليلتَه، فلهم الأمان ما أقرُّوا ونصحُوا، وعلينا الوفاء، والله المستعان. فإن تركوا ذلك، واستبان منهم غِشّ؛ فلا أمان لهم إلا أن يسلِموا الغَشَشة برُمّتهم؛ وإلّا فهم متمالئون. شهد الشّماخ بن ضرار، والرُّسارس بن جنادب، وحمَلة بن جُوَيّة. وكتب سنة إحدى وعشرين. قالوا: ولما بلغ عمرَ موت سُراقة واستخلافُه عبد الرحمن بن ربيعة؛ أقرّ عبد الرحمن على فَرْج الباب، وأمره بغزو التُّرك، فخرج عبدُ الرحمن بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهر براز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلَنْجر؛ قال: إنَّا لنرضَى منهم أن يَدَعُونا من دون الباب. قال: لكنَّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيَهُم في ديارهم؛ وتالله إنّ معنا لأقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الرّدْم. قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله ﷺ ودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائمًا لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم مَن يغلبهم، وحتى يُلْفَتُوا عن حالهم بمن غيّرهم. فغزا بَلَنْجَر غزاة في زمن عمر لم تئِمْ فيها امرأة، ولم ييتم فيها صبّي، وبلغ خيله في غزاتها البَيْضاء على رأس مئتي فرسخ من بَلَنْجر، ثم غزا فسلِم؛ ثمّ غزا غزوات في زمان عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان لاستعماله مَن كان ارتدّ استصلاحًا لهم، فلم يصلحهم ذلك، وزادهم فسادًا أن سادهم من طلب الدنيا، وعَضَّلوا بعثمان حتى جعل يتمثل: وكنْتُ وعَمْرًا كالمُسَمِّن كَلْبَهُ ... فخَدَّشَهُ أنْيابُهُ وأظافِرُهْ (١) (٤: ١٤٦/ ١٤٧/ ١٤٨/ ١٤٩/ ١٥٠/ ١٥١/ ١٥٢/ ١٥٣/ ١٥٤/ ١٥٥/١٥٦/ ١٥٧/ ١٥٨). وأما الواقديّ فإنه قال: كان فتح هَمَذان والرّي في سنة ثلاث وعشرين. قال: ويقال: افتتح الرّيّ قَرَظة بن كعب. وحدّثني ربيعة بن عثمان: أنَّ فَتْح هَمَذان كان في جُمادى الأولى، على رأس

стр. 3090

ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب؛ وكان أميرها المغيرة بن شعبة. قال: ويقال: كان فتح الرّيّ قبل وفاة عمر بسنتين، ويقال: قتل عُمر؛ وجيوشه عليها (١). (٤: ١٤٨). ٥٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سَلمان بن ربيعة، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة حال الله بين الترك والخُروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعه الملائكة تمنعه من الموت؛ فتحصنوا منه وهربوا، فرجع بالغُنْم والظَّفَر، وذلك في إمارة عمر؛ ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان، ظفر كما كان يظفر، حتى إذا تبدّل أهلُ الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتدّ فغزاهم بعد ذلك، تذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون قال: انظروا، وفعلوا فاختفوْا لهم في الغياض، فرمَى رجلٌ منهم رجلًا من المسلمين على غِرّة، فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتدّ قتالهم، ونادى مناد من الجوّ: صبرًا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنَّة! فقاتل عبدُ الرحمن حتى قتل، وانكشف الناس، وأخذ الرّاية سلمان بن ربيعة، فقاتل بها، ونادى المنادي من الجوّ: صبرًا آل سلمان بن ربيعة! فقال سلمان: أوَ ترى جزعًا! ثمّ خرج بالناس، وخرج سلمان وأبو هُريرة الدَّوْسي على جيلان، فقطعوها إلى جُرجان، واجترأ الترك بعدها، ولم يمنعهم ذلك مِن اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن. ثمّ إنّ شهر براز قال: أيّها الأمير، أتدري مِنْ أين جاء هذا الرجل؟ هذا الرجل بعثتُه منذ سنين نحو السُّدّ لينظر ما حاله ومَنْ دونه، وزوّدتُه مالًا عظيمًا، وكتبت له إلى مَن يليني، وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى مَنْ وراءه، وزوّدته لكلّ ملك هديّة؛ ففعل ذلك بكلّ ملِك بينه وبينه، حتى انتهى إليه، فانتهى إلى الملك الذي السُّدّ في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازيارَه ومعه عُقابه، فأعطاه حريرة، قال: فتشكّر لي البازيار، فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سُدّ مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السُّد خندق أشدّ سوادًا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله، وتفرّست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسْلِك أكافك! إنه لا يلي ملك

стр. 3091

بعد ملك إلّا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمي به في هذا اللهْب، فشرّح بَضعة لحم معه، فألقاها في ذلك الهواء، وانقضّت عليها العُقاب، وقال: إن أدركَتْها قبل أن تقع فلا شيء؛ وإن لم تُدركها حتى تقع فذلك شيء؛ فخرجت علينا العُقاب باللحم في مخالبها؛ وإذا فيه ياقوته، فأعطانيها؛ وها هي هذه. فتناولها شهر براز حمراء، فناولها عبدَ الرحمن، فنظر إليها، ثم ردّها إلى شهر براز، وقال شهر براز: لَهذه خير من هذا البلد - يعني: الباب - وأيمُ الله لأنتم أحبّ إليّ ملَكة من آل كسرى؛ ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني؛ وأيمُ الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملكُكم الأكبر. فأقبل عبدُ الرحمن على الرّسول، وقال: ما حال هذا الرَّدم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرّجل، قال: فنظر إلى ثوبي، فقال مطر بن ثلج لعبد الرحمن بن ربيعة: صدق والله الرَّجُل؛ لقد نفذ ورأى، فقال: أجل، وصف صفة الحديد والصُّفْر، وقال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ... ﴾. إلى آخر الآية. وقال عبد الرحمن لشهر براز: كم كانت هديَّتُّك؟ قال: قيمة مئة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان (١). (٤: ١٥٨/ ١٥٩/ ١٦٠). وحدّث عمرو بن معد يكرب عن مطر بن ثَلْج التميميّ، قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهر براز عنده، فأقبل رجل عليه شُحُوبة؛ حتى دخل على عبد الرحمن، فجلس إلى شهر بَراز، وعلى مَطَر قباء بُرود يمنيّة، أرضه حمراء، ووشيه أسود - أو وشيه أحمر وأرضه سوداء -، فتساءلا (٢). (١٥٩: ٤). وزعم الواقديّ: أنّ معاوية غزا الصائفة في هذه السّنة، ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين. وقال بعضهم: في هذه السنة كانت وفاة خالد بن الوليد. وفيها ولِد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مرْوان (٣). (٤: ١٦٠).

стр. 3092

ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة وفي هذه السنة عدّل عمر فتوحَ أهل الكوفة والبصرة بينهم. ذكر الخبر بذلك: ٥٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب وعمرو، وسعيد، قالوا: أقام عمّار بن ياسر عاملًا على الكوفة سنةً في إمارة عمر وبعض أخرى. وكتب عمر بن سراقة وهو يومئذ على البصرة إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة، وعجز خراجهم عنهم، ويسأله أن يزيدهم أحد الماهيْن، أو ماسَبَذان. وبلغ ذلك أهلَ الكوفة، فقالوا لعمّار: اكتبْ لنا إلى عمر: أنّ رامَهُرمز وإيذَج لنا دونهم، لم يعينونا عليهما بشيء؛ ولم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما، فقال عمّار: ما لي ولما ها هنا! فقال له عطارد: فعلامَ تدعُ فيئنَا أيها العبد الأجدع! فقال: لقد سَبَبْتَ أحبّ أذنيّ إليّ. ولم يكتب في ذلك، فأبغضوه. ولما أبى أهل الكوفة إلّا الخصومة فيهما لأهل البصرة شهد لهم أقوام على أبي موسى؛ أنه قد كان آمن أهلَ رَامَهُرمز وإيذَج؛ وأنّ أهلَ الكوفة والنعمان راسلوهم وهم في أمان. فأجاز لهم عمر ذلك، وأجراها لأهل البصرة بشهادة الشهود. وادّعى أهل البصرة في أصبَهان قرَيات افتتحها أبو موسى دون جيّ، أيام أمدّهم بهم عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عِتبان، فقال أهل الكوفة: أتيتمونا مددًا وقد افتتحنا البلاد، فآسيناكم في المغانم، والذّمة ذمتنا، والأرض أرضُنا؛ فقال عمر: صدقوا. ثمّ إنّ أهل الأيّام وأهل القادسيّة من أهل البصرة أخذوا في أمر آخر حتى قالوا: فلْيعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيه. فقال لهم عمر: أترضوْن بماه؟ وقال لأهل الكوفة: أترضون أن نعطيَهم من ذلك أحد الماهَيْن؟ فقالوا: ما رأيتَ أنه ينبغي فاعمل به، فأعطاهم ماهَ دينار بنصيبهم لمن كان شهد الأيام والقادسيّة منهم إلى سَواد البصرة ومِهْرَجَانْقذَق، وكان ذلك لمن شهد الأيّام والقادسيّة من أهل البصرة. ولما ولي معاوية بن أبي سفيان - وكان معاوية هو الذي جنّد قنَّسرين من رافضة العراقين أيام عليّ، وإنما كانت قِنَّسْرين رُستاقًا من رَساتيق حِمْص حتّى مصّرها معاوية وجنّدها بمن ترك الكوفة والبصرة في ذلك الزمان، وأخذ لهم معاوية بنصيبهم من فتوح العراق أذْرَبيجان والموْصل والباب، فضمّها فيما ضمّ، وكان أهل الجزيرة والموصل

стр. 3093

يومئذ ناقلة رُمِيتا بكلّ من كان ترك هجرته من أهل البلدين؛ وكانت الباب، وأذرَبيجان، والجَزيرِة، والموْصل من فتوح أهل الكوفة - نقل ذلك إلى من انتقل منهم إلى الشام أزمان عليّ؛ وإلى مَن رُمِيت به الجزيرة والموصل ممن كان ترك هجرته أيام عليّ، وكفر أهل أرمينية زمانَ معاوية؛ وقد أمّر حبيبَ بن مسلمة على الباب - وحبيب يومئذ بجُرزان - وكاتبَ أهل تَفْليس وتلك الجبال؛ ثم ناجزهم؛ حتى استجابوا واعتقدوا من حبيب. وكتب بينه وبينهم كتابًا بعد ما كاتبهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حَبيب بن مسلمة إلى أهل تَفْلِيس من جُرْزَان أرض الهُرْمز. سِلْم أنتم؛ فإني أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو؛ فإنه قد قدِم علينا رسولكم تفلى، فبلَّغ عنكم، وأدّى الذي بعثتم. وذكر تفلى عنكم أنّا لم نكن أمّة فيما تحسبون؛ وكذلك كنا حتى هدانا الله بمحمد ﷺ ، وأعزّنا بالإسلام بعد قلة وذلة وجاهلية. وذكر تفلى أنكم أحببتم سلمنا. فما كرهت والذين آمنوا معي، وقد بعثتُ إليكم عبدَ الرحمن بن جَزْء السُّلَميّ؛ وهو من أعلمنا من أهل العلم بالله وأهل القرآن؛ وبعثت معه بكتابي بأمانكم، فإن رضيتم؛ دَفعه إليكم، وإن كرهتم؛ آذنكم بحرب على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تَفْليس من جُرْزان أرض الهُرْمز بالأمان على أنفسكم، وأموالكم، وصوامعكم، وبِيعكم، وصلواتكم على الإقرار بصَغار الجِزْية؛ على كلّ أهل بيت دينار وافٍ، ولنا نصحُكم، ونصركم على عدوّ الله وعدوّنا، وقرى المجتاز ليلةً من حلال طعام أهل الكتاب وحلال شرابهم، وهداية الطريق في غير ما يُضَرّ فيه بأحد منكم. فإن أسلمتم، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة؛ فإخواننا في الدّين وموالينا؛ ومن تولّى عن الله ورسله وكتبه وحِزْبه فقد آذنّاكم بحرب على سواء، إن الله لا يحبّ الخائنين. شهد عبد الرحمن بن خالد، والحجّاج، وعياض. وكتب رباح، وأشهد الله وملائكته والذين آمنوا، وكفى بالله شهيدًا (١). (٤: ١٦٠/ ١٦١/ ١٦٢).

стр. 3094

ذكر عزل عمَّار عن الكوفة ٥٦٨ - قد تقدّم ذكرِي بعض سبب عزله، ونذكر بقيته. ذكر السري - فيما كتب به إليّ - عن شعيب، عن سيف، عمّن تقدم ذكري من شيوخه، قال: قالوا: وكتب أهلُ الكوفة؛ عطاردٌ ذلك، وأناس معه إلى عمر في عمّار، وقالوا: إنه ليس بأمير، ولا يحتمل ما هو فيه، ونزا به أهلُ الكوفة. فكتب عمر إلى عمّار: أن أقبِل؛ فخرج بوفد من أهل الكوفة، ووفَّد رجالًا ممن يرى: أنهم معه، فكانوا أشدّ عليه ممن تخلّف، فجزع فقيل له: يا أبا اليَقْظان، ما هذا الجزع! فقال: والله ما أحمِد نفسي عليه؛ ولقد ابتليت به - وكان سعد بن مسعود الثقفيّ عمُّ المختار، وجرير بن عبد الله معه - فسعيا به، وأخبرا عمر بأشياء يكرهها، فعزله عمر، ولم يولّه (١). (٤: ١٦٣). ٥٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومجالد، عن الشعبيّ، قال: قال عمر لأهل الكوفة: أيّ منزليْكم أعجبُ إليكم؟ - يعني: الكوفة، أو المدائن - وقال: إني لأسألكم وإني لأعرفُ فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم، فقال جرير: أما منزلنا هذا الأدنى فإنه أدنَى محِلّةً من السواد من البرّ، وأما الآخر؛ فوعْك البحر، وغمُّه، وبَعوضه. فقال عمار: كذبت؛ فقال عمر لعمار: بل أنت أكذب منه، وقال: ما تعرفون من أميركم عمار؟ فقال جرير: هو والله غير كافٍ، ولا مجزٍ، ولا عالم بالسياسة (٢). (٤: ١٦٣). ٦٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن هشام بن عبد الرحمن الثقفيّ: أن سعد بن مسعود، قال: والله ما يدري علام استعملته! فقال: عمر: علام استعملتُك يا عمّار؟ قال: على الحيرة وأرضِها. فقال: قد سمعتُ بالحيرة تجارًا تختلف إليها، قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على بابل وأرضها، قال: قد سمعتَ بذكرها في القرآن. قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على المدائن وما حولها، قال: أمدائن كسرى؟ قال: نعم. قال: وعلى أيّ شيء؟

стр. 3095

قال: على مهرجا نقذق وأرضها. قالوا: قد أخبرناك أنه لا يدري علامَ بعثته! فعزله عنهم، ثم دعاه بعد ذلك، فقال: أساءك حين عزلتُك؟ فقال: والله ما فرحتُ به حين بعثتَنِي، ولقد ساءني حين عزلتَني. فقال: لقد علمتُ ما أنت بصاحب عمل، ولكني تأوّلت: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (١) (٤: ١٦٤). ٥٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن خُليد بن ذَفَرة النَّمَريّ، عن أبيه بمثله وزيادة، فقال: أوتُحْمِد نفسَك بمعرفة من تُعالجه منذ قدمت! وقال: والله يا عمّار! لا ينتهي بك حدُّك حتى يلقيَك في هَنة، وتالله لئن أدركك عمر لترِقّنّ، ولئن رققتَ لتُبتلينّ، فسل الله الموت. ثمّ أقبل على أهل الكوفة فقال: مَن تريدون يا أهلَ الكوفة؟ فقالوا: أبا موسى. فأمّره عليهم بعد عمار، فأقام عليهم سنة، فباع غلامُه العَلَف. وسمعه الوليد بن عبد شمس، يقول: ما صحبتُ قومًا قطّ إلا آثرتهم؛ ووالله ما منعنِي أن أكذِّب شهودَ البصرة إلّا صحبتهُم، ولئن صحبتُكم لأمنحنّكم خيرًا. فقال الوليد: ما ذهب بأرضنا غيرُك؛ ولا جرم لا تعمل علينا. فخرج وخرج معه نفر، فقالوا: لاحاجةَ لنا في أبي موسى، قال: ولم؟ قالوا: غلام له يتّجر في حَشَرنا. فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة، وصرف عمرَ بن سراقة إلى الجزيرة. وقال لأصحاب أبي موسى الذين شخصوا في عزله من أهل الكوفة: أقويٌّ مشدّد أحبّ إليكم أم ضعيف مؤمن؟ فلم يجد عندهم شيئًا، فتنحّى، فخلا في ناحية المسجد، فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فكلأه حتى استيقظ، فقال: ما فعلتَ هذا يا أمير المؤمنين إلّا من عظيم؛ فهل نابك من نائب؟ قال: وأيّ نائب أعظم من مئة ألف لا يرضوْن عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير! وقال في ذلك ما شاء الله. واختُطّت الكوفة حين اختُطّت على مئة ألف مقاتل؛ وأتاه أصحابه، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! ما شأنك؟ قال: شأني أهل الكوفة قد عَضّلوا بي. أعاد عليهم عمر المشورة التي استشار فيها، فأجابه المغيرة فقال: أمّا الضعيف المسلم؛ فضعفه عليك وعلى المسلمين، وفضله له، وأمّا القويّ المشدّد؛ فقوّته لك

стр. 3096

وللمسلمين، وشِداده عليه وله. فبعثه عليهم (١). (٤: ١٦٤/ ١٦٥). ٥٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن سعيد بن عمرو: أنَّ عمر قال قبل أن استعمل المغيرة: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم، أو رجل قويّ مشدّد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم، فإنّ إسلامَه لنفسه، وضعفه عليك، وأما القويّ المشدّد فإنّ شِداده لنفسه، وقوّته للمسلمين. قال: فإنّا باعثوك يا مغيرة! فكان المغيرة عليها حتى مات عمر رضي الله تعالى عنه وذلك في نحو من سنتين وزيادة. فلما ودّعه المغيرة للذهاب إلى الكوفة، قال له: يا مغيرة! ليأمنك الأبرار، وليخفك الفجّار. ثم أراد عمر أن يبعثَ سعدًا على عَمل المغيرة فقتِل قبل أن يبعثه، فأوصى به؛ وكان من سنّة عمر وسيرته أن يأخذ عمّاله بموافاة الحجّ في كل سنة للسياسة، وليحجزهم بذلك عن الرعيّة، وليكون لشكاة الرعية وقتًا وغاية ينهونها فيه إليه (٢). (٤: ١٦٥/ ١٦٦). وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس - في قول بعضهم خُراسان - وحارب يَزْدجِرد؛ وأما في رواية سيف؛ فإنّ خروجَ الأحنف إلى خراسان كان في سنة ثماني عشرة من الهجرة (٣). (٤: ١٦٦). ذكر مصير يَزْدَجِرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك ٥٧٣ - اختلف أهل السير في سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه؛ فأمّا ما ذكره سيف عن أصحابه في ذلك، فإنه فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: كان يَزْدَجِرد بن شهريار بن كسرى - وهو يومئذ ملك فارس - لما انهزم أهل جَلُولاء خرج يريد الرّيّ، وقد جعِل له محمل واحد يُطبق ظهر بَعيره، فكان إذا سار نام فيه ولم يعرّس بالقوم. فانتهوْا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله، فأنبهوه ليُعلم، ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ، فعنّفهم وقال: بئسما صنعتم! والله لو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة، إني رأيتُ أني ومحمدًا تناجينا عند الله، فقال له: أملِّكهم مئة

стр. 3097

سنة، فقال: زدْني، فقال: عشرًا ومئة سنة، فقال: زدني، فقال: عشرين ومئة سنة، فقال: زدني، فقال: لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة. فلما انتهى إلى الرّيّ، وعليها آبان جاذويْه؛ وثب عليه فأخذه، فقال: يا آبان جاذويه! تغدِر بي؟ ! قال: لا، ولكن قد تركتَ مُلْكك، وصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردتُ غير ذلك. وأخذ خاتم يَزْدَجِرد ووصل الأدُم؛ واكتتب الصّكاك وسجّل السجلات بكلّ ما أعجبه، ثم ختم عليها وردّ الخاتم. ثم أتى بعدُ سعدًا فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. ولما صنع آبان جاذويه بيزدَجِرْد ما صنع خرج يَزْدَجِرد من الرّيّ إلى أصبهان، وكره آبانَ جاذويه، فارًّا منه، ولم يأمنه. ثم عزم على كَرْمان، فأتاها والنار معه، فأراد أنْ يضعها في كَرْمان، ثمّ عزم على خراسان، فأتى مَرْوَ، فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتًا واتّخذ بستانًا، وبنى أزَجًا فرسخين من مَرْو إلى البستان؛ فكان على رأس فرسخين من مَرْو، واطمأنّ في نفسه، وأمِن أن يُؤتَى؛ وكاتب من مَرْوَ مَن بقيَ من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون، فدانُوا له، حتى أثار أهلَ فارس والهُرْمِزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيرُزان فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين في الانسياح، فانساح أهلُ البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الأرض؛ فخرج الأحنف إلى خُراسان، فأخذ على مِهْرَجان قَذَق، ثم خرج إلى أصبهان - وأهل الكوفة محاصرو جَيّ - فدخل خراسان من الطّبَسيْن، فافتتح هَراةَ عَنْوةً، واستخلف عليها صُحار بن فلان العبديّ. ثم سار نحو مَرْو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور - وليس دونها قتال - مطرّفَ بن عبد الله بن الشخِّير والحارثَ بن حسان إلى سَرْخس؛ فلما دنا الأحنف من مَرْو الشَّاهجان خرج منها يَزْدَجِرد نحو مَرْو الرّوذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مَرْو الشاهجان؛ وكتب يَزْدَجِرد وهو بمرْو الرّوذ إلى خاقان يستمدّه؛ وكتب إلى ملك الصُّغْد يستمدّه؛ فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصُّغْد، وكتب إلى ملك الصين يستعينه، وخرج الأحنف من مَرْو الشاهجان؛ واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهليّ بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النَّضْر النضْرِّي، وربعيّ بن عامر التميميّ، وعبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، وابن أمّ غزال الهمْدانيّ؛ وخرج سائرًا نحو مَرْو

стр. 3098

الرّوذ؛ حتى إذا بلغ ذلك يَزْدَجرد خرج إلى بَلْخ، ونزل الأحنف مَرْوَ الرّوذ؛ وقدم أهل الكوفة؛ فساروا إلى بَلْخ، وأتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويَزْدَجِرد ببلْخ، فهزم الله يَزْدَجِرد، وتوجّه في أهل فارس إلى النهر فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة؛ وقد فتح الله عليهم؛ فبلْخُ من فتوح أهل الكوفة. وتتابع أهل خراسان ممن شذّ أو تحصّن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طُخَارستان ممّن كان في مملكة كسرى، وعاد الأحنف إلى مَرْو الرّوذ، فنزلها واستخلف على طُخَارستان ربعيّ بن عامر، وهو الذي يقول فيه النجاشيّ - ونسبه إلى أمّه؛ وكانت من أشراف العرب -: ألا رُبَّ مَن يُدْعَى فتىً ليس بالفَتى ... ألا إنَّ رِبْعِيَّ بْنَ كأس هو الفَتى طويلٌ قُعودُ القومِ في قَعْرِ بيتِهِ ... إذا شَبِعُوا من ثُفْلِ جَفْتتِهِ سَقى كتب الأحنف إلى عمر بفتْح خُراسان، فقال: لودِدت أني لم أكن بعثتُ إليها جندًا، ولودِدت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار؛ فقال عليّ: ولمَ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لأنّ أهلَها سينفَضُّون منها ثلاث مرّات، فيُجتاحون في الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحبَّ إليّ من أن يكون بالمسلمين (١). (٤: ١٦٦/ ١٦٧/ ١٦٨). ٥٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عبد الرحمن القزاريّ، عن أبي الجَنوب اليشكريّ، عن عليّ بن أبي طالب ﵇، قال: لما قدِم عمر على فتح خُراسان، قال: لودِدت أنّ بيننا وبينها بحرًا من نار، فقال عليّ: وما يشتدّ عليك من فتحها! فإنّ ذلك لموضع سرور، قال: أجل ولكني ... حتى أتى على آخر الحديث (٢) (٤: ١٦٨). ٥٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عيسى بن المغيرة، وعن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خُلَيدة، قال: لما بلغ عمرَ غلبةُ الأحنف على المرْوَيْن، وبلْخ، قال: وهو الأحنف، وهو سيّد أهل المشرق المسمّى غير اسمه. وكتب عمر إلى الأحنف: أما بعد، فلا تجوزَنّ النهر واقتصِرْ

стр. 3099

على ما دونه، وقد عرفتم بأيّ شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به خراسان؛ يدمْ لكم النصر؛ وإيّاكم أن تعبروا فتفضّوا. ولمّا بلغ رسولا يَزْدَجِرد خاقانَ وغوزك، لم يستتبّ لهما إنجادُه حتى عبرَ إليهما النهر مهزومًا، وقد استتَبّ فأنجده خاقان - والملوك ترى على أنفسها إنجادَ الملوك - فأقبل في الترك، وحشر أهل فَرْغانة والصُّغْد؛ ثم خرج بهم، وخرج يَزْدَجرِد راجعًا إلى خُراسان، حتى عبر إلى بَلْخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهلُ الكوفة إلى مَرْو الرّوذ إلى الأحنف، وخرج المشركون من بَلْخ حتى نزلوا على الأحنف بمَرْو الرّوذ. وكان الأحنف حين بلغه عُبور خاقان والصُّغْد نهرَ بَلْخ غازيًا له، خرج في عسكره ليلًا يتسمّع: هل يسمع برأي ينتفع به؟ فمرّ برجلين ينقّيان علفًا، إما تِبنًا، وإما شعيرًا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندَنا إلى هذا الجبل، فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقًا؛ وكان الجبل في ظهورنا من أن نُؤتى من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع واجتزأ بها، وكان في ليلة مظلمة، فلما أصبح جمع الناس، ثم قال: إنّكم قليل، وإنّ عدوكم كثير، فلا يهولنّكم؛ فـ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ ارتحلوا من مكانكم هذا، فاسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوّكم، وقاتلوهم من وجه واحد. ففعلوا، وقد أعدّوا ما يصلحهم، وهو في عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم. وأقبلت الترك ومَنْ أجلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحَّوْن عنهم بالليل ما شاء الله. وطلب الأحنف عِلْم مكانهم بالليل، فخرج ليلة بعد ما علم علمَهم طليعة لأصحابه حتى كان قريبًا من عسكر خاقان فوقف، فلمّا كان في وجه الصّبح خرج فارس من الترك بطوْقه، وضرب بطبله، ثم وقف من العسكر موقفًا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتيْن، فطعنه الأحنف فقتله، وهو يرتجز ويقول: إنَّ عَلى كلِّ رَئيسٍ حَقًّا ... أنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا إنَّ لنا شَيْخًا بها مُلْقَّى ... سَيْفَ أبي حَفْصِ الذي تَبقَّى ثم وقف موقف التركيّ وأخذ طوقه، وخرج آخر من الترك، ففعل فعل

стр. 3100

صاحبه الأوّل، ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز: إنَّ الرَّئيسَ يَرتَبي وَيَطْلُعُ ... ويَمْنَعُ الخُلَّاءَ إمّا أرْبعُوا ثم وقف موقف التركيّ الثاني، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل الرّجلين، ووقف دون الثاني منهما، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتيْن، فطعنه الأحنف، فقتله وهو يرتجز: جَرْيَ الشَّموسِ ناجِزًا بِناجِزْ ... مُحْتَفِلًا في جَرْيِهِ مُشارِزْ ثم انصرف الأحنف إلى عسكره؛ ولم يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعدّ. وكان من شيمة الترك: أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء؛ كلُّهم يضرب بطبله، ثم يخرجون بعد خروج الثالث، فخرجت التُّرك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوْا على فرسانهم مقتَّلين، فتشاءم خاقان وتطيّر، فقال: قد طال مقامنا، وقد أصيبَ هؤلاء القوم بمكان لم يُصب بمثله قطّ؛ ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرِفوا بنا؛ فكان وجوههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يروْن شيئًا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بَلْخ. وقد كان يَزْدَجِرد بن شهريار بن كسرى تَرَك خاقان بمَرْو الرّوذ، وخرج إلى مَرْو الشاهجان؛ فتحصّن منه حاتم بن النعمان ومَن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها؛ وخاقان ببلْخ مقيم له، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتّباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. ولما جمع يَزْدَجِرد ما كان في يديه مما وضع بمَرْو، فأعجل عنه؛ وأراد أن يستقلّ به منها؛ إذْ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس، وأراد اللّحاق بخاقان فقال له أهل فارس: أيّ شيء تريد أن تصنع؟ فقال: أريد اللّحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصّين، فقالوا له: مهلًا؛ فإنّ هذا رأي سوء، إنّك إنما تأتي قومًا في مملكتهم؛ وتَدَع أرضك وقومك؛ ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحَهم؛ فإنهم أوفياء وأهل دين؛ وهم يلُون بلادنا، وإنّ عدوًّا يلينا في بلادنا أحبّ إلينا مملكة من عدُوّ يلينا في بلاده ولا دينَ لهم؛ ولا ندري ما وفاؤهم؛ فأبَى عليهم وأبوْا عليه؛ فقالوا: فدَعْ خزائننا نردّها إلى بلادنا ومَن يليها، ولا تُخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى؛ فقالوا: فإنّا لا نَدَعك؛ فاعتزلوا، وتركوه في حاشيته، فاقتتلوا، فهزموه وأخذوا الخزائن،

стр. 3101

واستولوْا عليها، ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضَهم المسلمون والمشركون بمَرْو يثفنونه، فقاتلوه وأصابوه في أُخَر القوم، وأعجلوه عن الأثقال؛ ومضى مُوائلًا حتى قطع النهر إلى فرْغانة والترك؛ فلم يزل مقيمًا زمان عمر ﵁ كله يكاتبهم ويكاتبونه، أو من شاء الله منهم. فكفر أهلُ خراسان زمانَ عثمان. وأقبل أهلُ فارس على الأحنف فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة؛ فكانوا كأنما هم في مُلكهم؛ إلّا أن المسلمين أوفَى لهم، وأعدل عليهم، ما اعتَبطوا وغُبِّطوا؛ وأصاب الفارسَ يوم يَزْدَجِرد كسهم الفارس يوم القادسيّة. ولما خلع أهل خراسان زمانَ عثمان؛ أقبل يَزْدَجِرد حتى نزل بمَرْو، فلمّا اختلف هو ومن معه وأهل خراسان؛ أوَى إلى طاحونة، فأتوْا عليه يأكلُ من كرد حول الرّحا، فقتلوه، ثم رموْا به في النهر. ولما أصيب يَزْدَجِرد بمروَ - وهو يومئذ مختبئ في طاحونة يريد أن يطلب اللحاق بكَرْمان - فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون، وبلغ ذلك الأحنف، فسار من فَوْره ذلك في الناس إلى بلْخ يريد خاقان، ويتبع حاشية يَزْدَجِرد وأهله في المسلمين والمشركين من أهل فارس، وخاقان والترك ببلْخ. فلما سمع بما ألْقى يَزْدَجِرد، وبخروج المسلمين مع الأحنف من مَرْو الرّوذ نحوه، ترك بلْخ، وعبر النهر؛ وأقبل الأحنف حتى نزلَ بلْخ؛ ونزل أهل الكوفة في كُورها الأربع، ثم رجع إلى مَرْو الرّوذ فنزل بها؛ وكتب بفتْح خاقان ويَزْدَجِرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس، ووفّد إليه الوفود. قالوا: ولما عَبَر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل كسرى، أو من أخذ نحو بَلْخ منهم مع يَزْدَجِرد؛ لقوا رسولَ يزدجرد الذي كان بعث إلى ملك الصين، وأهدى إليه معه هدايا، ومعه جواب كتابه من ملك الصين. فسألوه عمّا وراءه، فقال: لما قدِمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما تروْن - وأراهم هديّته - وأجاب يَزْدجرد، فكتب إليه بهذا الكتاب بعد ما كان قال لي: قد عرفت: أنّ حقًّا على الملوك إنجاد الملوك على مَنْ غَلبَهم، فصِفْ لي صِفة هؤلاء القوم الّذين أخرجوكم من بلادكم؛ فإنّي أراك تذكر قلةً منهم، وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من

стр. 3102

كثرتكم إلّا بخيرٍ عندهم، وشرّ فيكم؛ فقلت: سلني عما أحببتَ، فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؛ قلت: يَدْعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنْعة، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوَعُ قوم لمرشدِهم، قال: فما يُحلّون، وما يَحَرّمون؟ فأخبرته، فقال: أيحرّمون ما حُلِّل لهم، أو يحلون ما حرِّم عليهم؟ قلت: لا، قال: فإنّ هؤلاء القوم لا يهلِكون أبدًا؛ حتى يُحلّوا حرامَهم، ويحرّموا حلالهم. ثم قال: أخبرني عن لباسهم؛ فأخبرته، وعن مطاياهم، فقلت: الخيل العِراب - ووصفتها - فقال: نعمت الحصُون هذه! ووصفتُ له الإبلَ وبروكها وانبعاثها بحملها، فقال: هذه صفة دوابّ طوال الأعناق. وكتب معه إلى يزدجرد كتابًا: إنه لم يمنعني أن أبعثَ إليك بجيش أوّله بمَرْو وآخره بالصّين الجهالةُ بما يحقّ عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصَف لي رسولك صفتَهم لو يحاولون الجبال لهدّوها، ولو خُلّي سَرْبهم أزالوني ما داموا على ما وصف؛ فسالمْهم وارضَ منهم بالمساكنة؛ ولا تُهجْهم ما لم يُهِيجُوك. وأقام يَزْدَجِرِد وآل كسرى بفَرْغانة، معهم عهد من خاقان. ولمَّا وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قِبَل الأحنف، جمع الناس وخطبهم، وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، فقال في خطبته: إنّ الله ﵎ ذكَر رسولَه ﷺ ، وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتّباعه من عاجل الثواب وآجله خيرَ الدنيا والآخرة. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾؛ فالحمد الذي أنجز وعده، ونصر جنده. ألا إنّ الله قد أهلك ملك المجوسيّة، وفرّق شملَهم، فليسُوا يملكون من بلادهم شبرًا يضرّ بمسلم. ألَا وإنّ الله قد أورَثكم أرضَهم، وديارَهم، وأموالَهم، وأبناءهم؛ لينظر كيف تعملون! ألا وإنّ المصرَيْن من مسالحها اليوم كأنتم والمصرَيْن فيما مضَى من البُعد، وقد وغلوا في البلاد، والله بالغ أمرَه، ومنجز وعْده؛ ومتبع آخر ذلك أوّلَه، فقوموا في أمره على رجل يوفِّ لكم بعهده، ويؤتِكم وعدَه؛ ولا تبدّلوا، ولا تغيّروا؛ فيستبدل الله

стр. 3103

بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلّا من قِبَلكم (١). (٤: ١٦٨/ ١٦٩/ ١٧٠/ ١٧١/ ١٧٢/ ١٧٣). قال أبو جعفر: ثمّ إنّ أداني أهل خراسان وأقاصيه اعترضوا زمانَ عثمان بن عفان لسنتين خلتا من إمارته؛ وسنذكر بقيّة خبر انتقاضهم في موضعه إن شاء الله مع مقتل يَزْدَجِرد (٢). (٤: ١٧٣). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ٥٧٦ - فكان فيها فتح إصْطَخْر في قول أبي مَعْشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت إصْطَخر الأولى، وهَمَذان سنة ثلاث وعشرين. وقال الواقديّ مثل ذلك. وقال سيف: كان فتح إصْطَخر بعد توّج الآخرة (٣). (٤: ١٧٤). ذكر الخبر عن فتح تَوَّج ٥٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: خرج أهل البصرة الذين وُجّهوا إلى فارس أمراء على فارس؛ ومعهم سارية بن زُنَيم ومن بُعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهلُ فارس مجتمعون بتوّج؛ فلم يصمُدوا لجمعهم بجموعهم، ولكن قصد كلّ أمير كورة منهم قَصْدَ إمارته وكُورته التي أمر بها، وبلغ ذلك أهلَ فارس، فافترقوا إلى بلدانهم؛ كما افترق المسلمون ليمنعوها، وكانت تلك هزيمتهم وتشتُّت أمورهم وتفريق جموعهم؛ فتطيّر المشركون من ذلك؛ وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود لسابور، وأردشير خُرّه فيمن معه من المسلمين، فالتقوْا بتوّج وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله. ثمّ إنّ الله هزَم أهل توّج للمسلمين، وسلّط عليهم المسلمين، فقتلوهم كلّ قِتلة، وبلغوا منهم ما شاؤوا، وغنّمهم ما في عسكرهم فحوَوْه؛ وهذه توّج الآخرة؛ ولم يكن لها بعدها

стр. 3104

شوْكة، والأولى التي تُنُقّذ فيها جنود العلاء أيّام طاووس، الوقعة التي اقتتلوا فيها؛ والوقْعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجِلتان. ثم دُعُوا إلى الجِزْية والذّمة؛ فراجعوا وأقرّوا، وخَمّس مجاشع الغنائم، وبعث بها، ووفّد وفدًا، وقد كانت البُشراء والوفود يجازون وتقضَى لهم حوائجهم، لسنّة جرت بذلك من رسولِ الله ﷺ (١). (٤: ١٧٤/ ١٧٥). فتح إصطَخر ٥٧٨ - وأما أبو معشر فإنّه قال: كانت فارس الأولى، وإصطخر الآخرة في سنة ثمان وعشرين. قال: وكانت فارس الآخرة وجُور سنة تسع وعشرين؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني من سمع إسحاق بن عيسى، يذكر ذلك عن أبي معشر (٢). (٤: ١٧٦). ٥٧٩ - وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدّثني عبيد الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى البَحْرين، فأرسل أخاه الحكَم بن أبي العاص في ألفيْن إلى تَوّج؛ وكان كسرى قد فرّ عن المدائن، ولحق بجُور من فارس (٣). (٤: ١٧٦). ٥٨٠ - قال: فحدّثني زياد مولَى الحكَم بن أبي العاص عن الحكَم بن أبي العاص، قال: قصد إلى شهرك - قال عبيد: وكان كسرى أرسله - قال الحكم: فصعد إليّ في الجنود، فهبطوا من عَقَبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تعشوَ أبصارُ الناس، فأمرت مناديًا، فنادى: أنّ مَن كان عليه عمامة؛ فلْيلفَّها على عينيه، ومَنْ لم يكن عليه عمامة؛ فليغمّض بصَره؛ وناديت أن حُطّوا عن دوابّكم. فلما رأى شهرك ذلك حَطّ أيضًا. ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلتُ الجارودَ العبديّ على الميمنة وأبا صُفْرة على الميسرة - يعني: أبا المهلّب - فحملوا على المسلمين فهزموهم؛ حتى ما أسمع لهم صوتًا، فقال

стр. 3105

لي الجارود: أيّها الأمير! ذهب الجند، فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلُهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤوس بين يديّ، ومعي بعض ملوكهم - يقال له المُكَعْبِر، فارقَ كسرى ولحِق بي - فأتِيتُ برأس ضخم، فقال المُكَعْبِر: هذا رأس الازدهاق -يعني: شهرك - فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم -وملكهم آذَرْبِيان- فاستعان الحَكَم بآذَرْبيان على قتال أهل إصْطَخر، ومات عُمر ﵁؛ فبعث عثمان عُبيدَ الله بن معمر مكانَه، فبلغ عبيد الله أن آذَرْبيان يريد أن يغدِر بهم، فقال له: إنّي أحبّ أن تتخذ لأصحابي طعامًا، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها في الجَفْنة التي تليني، فإنّي أحبّ أن أتمشَّش العظام. ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفؤوس، فكسره بيده، فيتمخّخه - وكان من أشدّ الناس - فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ. فأعطاه عهدًا، فأصابت عبيد الله منجنيقة، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعة. ففعلوا فقتلوا منهم بشرًا كثيرًا. وكان عثمان بن أبي العاص لحق الحكَم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر: إنّ بيني وبين الكوفة فُرْجة أخاف أن يأتيَني العدوّ منها. وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إنّ بيني وبين كذا فُرجة. فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمئة، فأنزلهم البصرة (١). (٤: ١٧٦/ ١٧٧). ذكر فتح فساودارا بِجَرْدَ ٥٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دِثار بن أبي شبيب، عن أبي عثمان وأبي عمرو بن العلاء، عن رجل من بني مازن، قالا: كان عمر قد بعث سارية بن زُنيم الدؤليّ إلى فَسا ودارَابِجِرْد؛ فحاصرهم. ثم إنهم تداعَوْا فأصحرُوا له، وكثَرُوه فأتوه من كلّ جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية بن زُنيم! الجبل، الجبل! ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل، إن لجؤوا إليه؛ لم يؤتوا إلّا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانمهم، وأصاب في المغانم

стр. 3106

سَفَطًا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر، فوهبوه له، فبعث به مع رجل، وبالفتح. وكان الرّسل والوفد يُجازون وتقضَى لهم حوائجهم، فقال له سارية: استقرض ما تَبلَّغُ به وما تُخلِّفه لأهلك على جائزتك. فقدِم الرّجل البَصْرة، ففعل، ثمّ خرج فقدِم على عمر، فوجده يُطعم الناس، ومعه عصاه التي يزجُر بها بعيرَه، فقصد له، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلَس حتى إذا أكل القوم؛ انصرف عمر، وقام فاتبعه، فظنّ عمر: أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخُل - وقد أمر الخبّاز أن يذهب بالخِوان إلى مطبخ المسلمين - فلما جلس في البيت أتِيَ بغَدائه خبز وزيت وملح جَريش، فوُضع، وقال: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إني لأسمع حسَّ رجل، فقال: أجل، فقالت: لو أردتَ أن أبرزَ للرجال اشتريتَ لي غير هذه الكسوة؛ فقال: أوَ ما ترضَيْن أن يقال: أمّ كلثوم بنت عليّ وامرأة عمر! فقالت: ما أقلّ غَناء ذلك عني! ثم قال للرجل: ادنُ فكلْ؛ فلو كانت راضيةً لكان أطيب مما تَرى، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسولُ سارية بن زُنيم يا أمير المؤمنين! فقال: مرحبًا وأهلًا، ثم أدناه حتى مسّت ركبتُهُ ركبَتَه، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زُنيم، فأخبره، ثم أخبره بقصّة الدُّرْج، فنظر إليه ثم صاح به، ثم قال: لا ولا كرامةَ حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم. فطرده، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني قد أنضيتُ إبلي واستقرضت في جائزتي، فأعطني ما أتبلّغ به؛ فما زال عنه حتى أبدله بعيرًا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيرَه فأدخله في إبل الصدقة، ورجع الرسول مغضوبًا عليه محرومًا حتى قدم البصرة، فنفذ لأمر عمر، وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية، وعن الفتح وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة؟ فقال: نعم، سمعنا: "يا سارية، الجبل"، وقد كدنا نهلِك، فلجأنا إليه، ففتح الله علينا (١). (٤: ١٧٨/ ١٧٩). ٥٨٢ - كتب إليَّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، مثل حديث عمرو (٢). (٤: ١٧٩).

стр. 3107

ذكر فتح كَرْمان ٥٨٣ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو؛ قالوا: وقصد سُهَيل بن عديّ إلى كَرْمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وعلى مقدّمة لسُهيل بن عديّ النُّسير بن عمرو العِجْليّ، وقد حشد له أهل كَرْمان، واستعانوا بالقُفْس؛ فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضّهم الله، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النُّسَيرُ مرزبانَها، فدخل سهيل من قِبَل طريق القُرى اليومَ إلى جِيَرفْت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاؤوا من بعير أو شاء، فقوّموا الإبل والغنم فتحاصُّوها بالأثمان لعظَم البُخْت على العِراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر؛ فكتب إليهم: إنّ البعير العربيّ إنما قُوّم بتعيير اللحم؛ وذلك مثله؛ فإذا رأيتم أنّ في البُخت فضلًا؛ فزيدوا، فإنما هي من قِيَمه. ذكر فتح سِجِسْتَان قالوا: وقصد عاصم بن عمرو لسِجِسْتَان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلوهم فالتقوْا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزَرَنْج، ومخروا أرض سِجِسْتان ما شاؤوا. ثمّ إنهم طلبوا الصّلح على زَرَنْج وما احتازوا من الأرَضين؛ فأعطُوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم: أنّ فدافِدَها حِمىً؛ فكان المسلمون إذا خرجوا تناذَرُوا خِشية أن يصيبوا منها شيئًا، فيُخْفِروا. فتتم أهلُ سِجِسْتان على الخراج والمسلمون على الإعطاء؛ فكانت سِجِسْتان أعظمَ من خُراسَان، وأبعد فروجًا، يقاتلون القُنْدُهار والترك وأممًا كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بَلْخ بحياله، فلم تَزلْ أعظم البلدين، وأصعب الفَرْجين، وأكثرهما عددًا وجُندًا؛ حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه - واسم أخي الشاه يومئذ رُتْبيل - إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسِلْم بن زياد، وهو يومئذ على سِجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يُرى أنه قد فُتح عليه. فقال معاوية: إنّ ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليَحزُنُني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولمَ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لأنّ آمُلَ بلدة بينها وبين زَرَنْج صُعوبة وتضايُق، وهؤلاء قوم نُكُر غُدُر،

стр. 3108

فيضطرب الحبل غدًا، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمُل بأسرها. وتمّ لهم على عهد ابن زياد؛ فلمّا وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلَب على آمُل، وخاف رُتبِيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يُرْضِه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زَرَنْج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رُتبيل والذين جاؤوا معه؛ فنزلوا تلك البلاد شَجًا لم يُنْتَزَعْ إلى اليوم؛ وقد كانت تلك البلاد مذلّلة إلى أن مات معاوية. فتح مُكران قالوا: وقصد الحكَم بن عمرو التغلبيّ لمُكْران؛ حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضمّ إليه، وأمدّه سهيل بن عديّ، وعبد الله بن عبد الله بن عِتبان بأنفُسهما، فانتهوا إلى دُوَين النهر، وقد انفضّ أهل مُكْران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبَر إليهم راسل ملكهم ملكَ السند، فازدلف بهم مستقبلَ المسلمين. فالتقوْا فاقتتلوا بمكان من مُكْران من النهر على أيام، بعد ما كان قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم الله راسل، وسلَبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أيامًا، حتى انتهوا إلى النهر. ثم رجعوا فأقاموا بمُكْران. وكتب الحكَم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صُحار العبديّ، واستأمره في الفِيَلة، فقدم صُحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مُكْران - وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه - فقال: يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جَبَل، وماؤها وشَل، وتمرها دَقَل، وعدوّها بطل، وخيرها قليل، وشرّها طويل، والكثير بها قليل، والقليلُ بها ضائع، وما وراءها شرّ منها. فقال: أسَجّاعٌ أنت أم مخبِر؟ قال: لا؛ بل مخبر، قال: لا، والله لا يغزوها جيش لي ما أُطِعْتُ؛ وكتب إلى الحكم بن عمرو، وإلى سهيل ألّا يجوزَنّ مُكْران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر! وأمره ببيع الفيَلة بأرض الإسلام، وقَسْم أثمانها على مَنْ أفاءها الله عليه. وقال الحكَم بن عمرو في ذلك: لقد شَبِعَ الأرَامِلُ غَيْرَ فَخْرٍ ... بفيءٍ جاءَهُمْ من مُكُّرانِ

стр. 3109

أتاهمْ بعد مَسْغَبَةٍ وجَهْدٍ ... وقد صَفِرَ الشِّتاءُ من الدُّخانِ فإنِّي لا يَذُمُّ الجيشُ فِعْلي ... ولا سَيْفي يُذَمُّ ولا سِناني غَداةَ أُدَفِّعُ الأوْباشَ دَفْعًا ... إلى السِّندِ العَريضةِ والمَداني ومِهْرانٌ لنا فيما أرَدْنا ... مطيعٌ غَيْرَ مُسْتَرْخي العِنان فلَوْلا ما نهى عنه أميري ... قطَعناه إلى البُدُدِ الزَّواني خبر بَيْرُوذ من الأهواز قالوا: ولما فَصلت الخيول إلى الكُور؛ اجتمع بِبَيْروذ جمعٌ عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكُور أن يسير حتى ينتهي إلى ذِمّة البصرة، كي لا يؤتَى المسلمون من خَلْفهم، وخشيَ أن يُسْتلحم بعضُ جنوده، أو ينقطع منهم طرَف، أو يخلَفوا في أعقابهم؛ فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ؛ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزِل ببَيْروذ على الجمْع الذي تجمّعوا بها في رمضان، فالتقَوْا بين نهر نيري ومناذر؛ وقد توافَى إليها أهلُ النَّجدات من أهل فارس والأكراد؛ ليكيدوا المسلمين، وليُصيبوا منهم عَوْرة ولم يشكّوا في واحدة من اثنتين. فقام المهاجر بن زياد وقد تحنّط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقسِمْ على كلّ صائم لَمّا رجع فأفطر. فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسَم، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال؛ وتقدّم فقاتل حتى قتِل، ووهّن الله المشركين حتى تحصّنوا في قِلّة وذلّة؛ وأقبل أخوه الربيع، فقال: هَيْىْءَ يا والع الدنيا؛ واشتدّ جزعُه عليه؛ فرقّ أبو موسى للربيع للذي رآه دخله مِن مصاب أخيه، فخلّفه عليهم في جُند؛ وخرج أبو موسى حتى بلَغ أصبهان، فلقِيَ بها جنودَ أهل الكوفة محاصري جَيّ، ثم انصرف إلى البصرة؛ بعد ظفر الجنود، وقد فتح الله على الرّبيع بن زياد أهل بيروذ من نهر تيري؛ وأخذ ما كان معهم من السَّبْي، فتنقّى أبو موسى رجالًا منهم ممن كان لهم فداء - وقد كان الفداء أردّ على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم - ووفّد الوفود والأخماس؛ فقام رجل من عَنَزة فاستوفده؛ فأبى؛ فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذَر إلّا في أمر خادمه، فضعّفه فردّه إلى عمله، وفجّر الآخر؛ وتقدّم إليه في ألّا

стр. 3110

يعود لمثلها (١). (٤: ١٨٠/ ١٨١/ ١٨٢/ ١٨٣/ ١٨٤). ٥٨٤ - وأما المدائنيّ، فإنه ذكر: أنّ عليّ بن مجاهد أخبره عن حَنْبل بن أبي حريدة - وكان قاضي قُهِسْتان - عن مَرْزُبان قُهِستان، قال: فتح كَرْمان عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ في خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطَّبَسَيْن من كَرْمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني افتتحت الطَّبَسَيْن فأقطعْنِيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رُستاقان عظيمان، فلم يُقطعه إيّاهما؛ وهما بابا خُراسان (٢) (٤: ١٨٠). ٥٨٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما رَجع أبو موسى عن أصبهان بعد دخول الجنود الكُور، وقد هزم الربيع أهلَ بيروذ، وجمع السَّبي والأموال؛ فغدا على ستين غلامًا من أبناء الدّهاقين تنقّاهم، وعزلهم؛ وبعث بالفتح إلى عمر، ووفّد وفدًا فجاءه رجلٌ من عَنَزة، فقال: اكتبني في الوفْد، فقال: قد كتبنا مَن هو أحقّ منك. فانطلق مغاضبًا مراغمًا، وكتب أبو موسى إلى عمر: إنّ رجلًا من عَنَزة يقال له: ضبّة بن محْصَن، كان من أمره ... وقصّ قِصّته. فلما قدِم الكتاب، والوفد، والفتح على عمر؛ قدم العَنَزيّ، فأتى عمر، فسلم عليه، فقال: مَنْ أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبًا ولا أهلًا! فقال: أما المَرْحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل؛ فاختلَف إليه ثلاثًا، يقول له هذا، ويردّ عليه هذا؛ حتى إذا كان في اليوم الرابع؛ دخل عليه، فقال: ماذا نقِمْتَ على أميرك؟ قال: تنقَّى ستين غلامًا من أبناء الدّهاقين لنفسه؛ وله جارية تدعى عَقيلة، تُغدَّى جَفْنة وتُعشَّى جفنة، وليس منا رجلٌ يقدر على ذلك؛ وله قفيزان، وله خاتمان، وفوّض إلى زياد بن أبي سفيان - وكان زياد يلي أمورَ البصرة - وأجاز الحطيئة بألف. فكتب عمر كلّ ما قال. فبعث إلى أبي موسى؛ فلما قدم حَجَبه أيامًا، ثم دعا به، ودّعا ضبّة بنِ محْصن؛ ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلامًا

стр. 3111

لنفسه. فقال أبو موسى: دُلِلتُ عليهم وكان لهم فداء ففديتُهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين؛ فقال ضبّة: والله ما كذب ولا كذبتُ! وقال: له قفيزان؛ فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتُهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم؛ يأخذون به أرزاقهم؛ فقال ضَبّة: والله ما كذب، ولا كذبتُ! فلما ذكر عَقِيلة سكت أبو موسى، ولم يعتذر؛ وعلم: أنّ ضبّة قد صدقه. قال: وزياد يلي أمور الناس، ولا يعرف هذا ما يلي؛ قال: وجدت له نُبْلًا ورأيًا، فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف، قال: سددتُ فَمَه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلتَ. فردّه عمر، وقال: إذا قدمتَ فأرسل إليّ زيادًا وعقِيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد؛ وقدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر؛ وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتّان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانُها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدّقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما صنعت في أوّل عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عُبَيْدًا فأعتقتُه، فقال: وفِّقْت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيهًا. فردّه، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عَقِيلة بالمدينة. وقال عمر: ألا إنّ ضبّة العَنَزِيّ غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغِمًا أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبُه صدقَه؛ فإيّاكم والكذبَ؛ فإن الكذب يهدي إلى النار. وكان الحطيئة قد لقيَه فأجازه في غَزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلّهم، ثم جازهم ووكّل بهم الربيع؛ ثم رجع إليهم بعد الفتح فولِيَ القسم (١). (٤: ١٨٤/ ١٨٥/ ١٨٦). ٥٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمّس بن أخي الأحنف بن قيس، قال: شهدتُ مع أبي موسى يوم أصبَهان فتح القُرَى، وعليها عبد الله بن وَرْقاء الرّياحيّ،

стр. 3112

وعبد الله بن ورقاء الأسديّ. ثم إنّ أبا موسى صُرِف إلى الكوفة، واستُعمل على البَصْرة عمر بن سراقة المخزومي، بدويّ. ثم إنّ أبا موسى رُدّ على البصرة، فمات عمر؛ وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقًا غير مجموع؛ وكان عمر ربما بعث إليه، فأمدّ به بعض الجنود، فيكون مدَدًا لبعض الجيوش (١). (٤: ١٨٦). ذكر الخبر عن وفاة عمر وفي هذه السنة كانت وفاته ذكر الخبر عن مقتله: ٥٨٧ - حدّثني سلم بن جُنادة، قال: حدّثنا سُليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المِسْور بن مخْرمة.- وكانت أمّه عاتكة بنت عوف - قال: خرج عمر بن الخطاب يومًا يطوف في السوق، فلقيَه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة؛ وكان نَصرانيًّا، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أعْدِني على المغيرة بن شعبة؛ فإنّ عليّ خراجًا كثيرًا! قال: وكم خراجُك؟ قال: درهمان في كلّ يوم، قال: وأيشٍ صناعتك؟ قال: نجّار، نقّاش، حدّاد، قال: فما أرى خراجَك بكثير على ما تصنع من الأعمال؛ قد بلغني أنك تقول: لو أردتُ أن أعملَ رحًا تطحن بالريح؛ فعلت، قال: نعم. قال: فاعمل لي رحًا. قال: لئن سلمتُ لأعملنّ لك رحًا يتحدّث بها مَنْ بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه؛ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد توعّدني العبد آنفًا! قال: ثمّ انصرف عمر إلى منزله؛ فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين! اعهد، فإنك ميّت في ثلاثة أيام؛ قال: وما يُدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التوراة، قال عمر: آللهَ إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ ! قال: اللهمّ لا؛ ولكني أجد صفتَك، وحِلْيتك، وأنه قد فني أجلُك - قال: وعمر لا يُحسُّ وجعًا ولا ألمًا - فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أميرَ المؤمنين! ذهب يوم

стр. 3113

وبقي يومان؛ قال: ثمّ جاءه من غدِ الغد؛ فقال: ذهب يومان وبقيَ يوم وليلة؛ وهي لك إلى صبيحتها. قال: فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكّل بالصّفوف رجالًا، فإذا استوت؛ جاء هو فكبّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ستّ ضربات، إحداهنّ تحت سُرّتِه؛ وهي التي قتلته؛ وقتل معه كُليب بن أبي البُكَيْر الليثيّ - وكان خلفه - فلما وجد عمر حرّ السلاح سقط، وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالو: نعم يا أميرَ المؤمنين! هو ذا. قال: تقدّم فصلّ بالناس، قال: فصلى عبدُ الرحمن بن عوف، وعمر طريح، ثم احتمِل فأدخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إني أريد أن أعهَد إليك؛ فقال: يا أميرَ المؤمنين! نعم إن أشرت عليّ؛ قبلت منك؛ قال: وما تريد؟ قال: أنشدك الله! أتشير عليّ بذلك؟ قال: اللهم لا! قال: والله لا أدخل فيه أبدًا! قال: فهبْ لي صمتًا حتى أعهد إلى النّفر الذين تُوفّيَ رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. ادعُ لي عليّا، وعثمان، والزبير، وسعدًا. قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثًا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ أنشدك الله يا عليّ إن وَلِيتَ من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس! أنشدك الله يا عثمان إن وَليت من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني أبي مُعيط على رقاب الناس! أنشدك الله يا سعد إن وَلِيت من أمور الناس شيئًا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس! قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمرَكم، وليصلّ بالناس صُهيب. ثم دعا أبا طلحة الأنصاريّ، فقال: قم على بابهم، فلا تدعْ أحدًا يدخل إليهم، وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان، أن يُحسِن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم؛ وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب؛ فإنها مادّة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فيوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة من بعدي بذمّة رسول الله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلّغت! تركتُ الخليفة من بعدي على أنقَى من الراحة؛ يا عبد الله بن عمر! اخرج فانظر مَنْ قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة! يا عبد الله بن عمر! اذهب إلى عائشة فسلْها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي ﷺ -

стр. 3114

وأبي بكر، يا عبدَ الله بن عمر، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر؛ وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتّبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن. يا عبد الله! ائذن للناس، قال: فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول: فأَوعَدَني كعبٌ ثلاثًا أُعدُّها ... ولا شكَّ أن القولَ ما قال لي كعبُ وما بي حِذارُ الموتِ إنّي لمَيِّتٌ ... ولكنْ حِذارُ الذَّنبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ قال: فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو دعوتَ الطبيب! قال: فدعي طبيب من بني الحارث بن كعب، فسقاه نبيذًا فخرج النبيذ مشكّلًا، قال: فاسقوه لبنًا، قال: فخرج اللبن محضًا، فقيل له: يا أمير المؤمنين! اعهد، قال: قد فرغت. قال: ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وعشرين. قال: فخرجوا به بكْرة يوم الأربعاء، فدفن في بيت عائشة مع النبيّ ﷺ وأبي بكر. قال: وتقدّم صُهيب فصلّى عليه، وتقدّم قبل ذلك رجُلان من أصحاب رسول الله ﷺ : عليّ، وعثمان، قال: فتقدّم واحد من عند رأسه، والآخر من عند رجليه؛ فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله؛ ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أنّ أمير المؤمنين قال: ليُصَلّ بالناس صهيب! فتقدّم صهيب فصلّى عليه. قال: ونزل في قبره الخمسة (١). (٤: ١٩٠/ ١٩١/ ١٩٢/ ١٩٣). قال أبو جعفر: وقد قيل: إن وفاته كانت في غرّة المحرّم سنة أربع وعشرين. (٤: ١٩٣). ذكر من قال ذلك: ٥٨٨ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال:

стр. 3115

طُعِن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرّم سنة أربع وعشرين؛ فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلةً، من متوفَّى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا من الهجرة. وبويع لعثمان بن عفان يوم الإثنين لثلاث مضين من المحرّم. قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسيّ، فقال: ما أراك إلا وهِلْت؛ توفّي عمر رضي الله تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفّان لليلةٍ بقيت من ذي الحجّة، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين (١). (٤: ١٩٣/ ١٩٤). ٥٨٩ - وحدّثني أحمدُ بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام؛ ثم بويع عثمان بن عفان (٢). (٤: ١٩٤). ٥٩٠ - قال أبو جعفر: وأما المدائنيّ؛ فإنه قال فيما حدّثني عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش - أو عن جابر الجُعفيّ - عن عوف بن مالك الأشجعيّ وعامر بن أبي محمد، عن أشياخ من قومه؛ وعثمان بن عبد الرحمن، عن ابْنَي شهاب الزُّهريّ، قالوا: طُعِن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة. قال: وقال غيرهم: لستّ بقين من ذي الحجة (٣). (٤: ١٩٤). ٥٩١ - وأما سيف؛ فإنه قال: فيما كتب إليّ به السريّ يذكر: أن شعيبًا حدّثه عنه، عن خُليد بن ذَفَرة، ومجالد، قال: استُخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلّى بالناس العصر. وزاد: ووفّد فاستُنّ به (٤). (٤: ١٩٤).

стр. 3116

٥٩٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهلُ الشورى على عثمان؛ لثلاثٍ مضين من المحرّم؛ وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالناس، وزاد الناس مئة؛ ووفّد أهل الأمصار، وصنع فيهم. وهو أوّل من صنع ذلك (١). (١٩٤: ٤). ٥٩٣ - وحُدّثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام (٢). (٤: ١٩٤). تسميته بالفاروق ٥٩٤ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو حَزْرة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو ذكْوان، قال: قلتُ لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ ﷺ (٣). (٤: ١٩٥). ذكر صفته ٥٩٥ - وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمرَ رجلًا أبيض أمْهَق، تعلُوه حُمرة، طُوالًا أصلع (٤). (٤: ١٩٦).

стр. 3117

ذكر مولده ومبلغ عمره ٥٩٦ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جَدّه، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: وُلِدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين (١). (٤: ١٩٧). قال أبو جعفر: واختلف السلف في مبلغ سني عمر، فقال بعضهم: كان يوم قتل ابنَ خمس وخمسين سنة. ذكر بعض من قال ذلك: ٥٩٧ - حدّثني زيد بن أخزم الطائي، قال: حدّثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطّاب وهو ابن خمس وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٧). ٥٩٨ - وحدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدّثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدّثنا الدراوَرْديّ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة (٣). (٤: ١٩٧). ٥٩٩ - وحُدّثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: أنّ عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة (٤). (٤: ١٩٧). وقال آخرون: كان يوم توفِّي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر. ذكر من قال ذلك: حدِّثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبيّ. (٤: ١٩٧). وقال آخرون: تُوفّي وهو ابن إحدى وستين سنة. (٤: ١٩٨)

стр. 3118

ذكر من قال ذلك: ٦٠٠ - حُدّثت بذلك عن أبي سلَمة التَّبُوذَكيّ، عن أبي هلال، عن قتَادة (١). (٤: ١٩٨). وقال آخرون: تُوُفِّي وهو ابن ستّين سنة. ذكر من قال ذلك: ٦٠١ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: تُوفّيَ عمر وهو ابن ستين سنة. قال محمد بن عمر: - وهذا أثبت الأقاويل عندنا - وذكر عن المدائنيّ: أنه قال: توفِّيَ عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٨). ذكر أسماء ولده ونسائه ٦٠٢ - حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن عليّ بن محمد والحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر. وحُدّثت عن هشام بن محمد - اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها - قالوا: تزوّج عُمَر في الجاهلية زينب بنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة. وقال عليّ بن محمد: وتزوّج مليكة ابنة جَرْوَل الخُزاعيّ في الجاهليّة، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهُدْنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حُذيفة. وأما محمّد بن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر، وعبيد الله الذي قتل يوم صِفّين مع معاوية أمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم بن

стр. 3119

ضَبِيس بن حرَام بن حَبَشيّة بن سَلُول بن كعب بن عمرو بن خُزاعة، وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر. قال عليّ بن محمد: وتزوّج قُرَيبة ابنة أبي أميّة المخزوميّ في الجاهليّة، ففارقها أيضًا في الهُدْنة، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. قالوا: وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة، فطلّقها. قال المدائنيّ: وقد قيل: لم يطلقها. وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار في الإسلام - فولدت له عاصمًا، فطلّقها وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب؛ وأمّها فاطمة بنت رسولِ الله ﷺ ، وأصدقها - فيما قيل - أربعين ألفًا، فولدت له زيدًا ورقيّة. وتزوّج لُهيّة - امرأة من اليمن - فولدت له عبد الرحمن. قال المدائنيّ: ولدت له عبد الرحمن الأصغر. قال: ويقال: كانت أمّ ولد. قال الواقديّ: لُهيّة هذه أم ولد. وقال أيضًا: ولدت له لهيّة عبد الرحمن الأوسط. وقال: عبد الرّحمن الأصغر أمه أمّ ولد. وكانت عنده فُكَيْهة، وهي أمّ ولد وفي أقوالهم، فولدت له زينب. وقال الواقديّ: هي أصغر ولد عمر. وتزوّج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نُفَيل؛ وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر؛ فلمّا مات عمر، تزوّجها الزبير بن العوّام. قال المدائنيّ: وخطب أمّ كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليكِ، فقالت أمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه؛ فقالت لها عائشة: ترغبين عن أميرِ المؤمنين! قالت: نعم؛ إنه خشِن العيش، شديد على النساء؛ فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك؛ فأتى عمرَ فقال: يا أميرَ المؤمنين! بلَغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبْتَ أمّ كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم؛ أفرغبتَ بي عنها، أم رغبتَ بها عني؟ قال: لا واحدة؛ ولكنها حَدَثة نشأت تحت كنَفَ أمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة،

стр. 3120

ونحن نهابك، وما نقدر أن نردّك عن خُلُق من أخلاقك؛ فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوتَ بها! كنتَ قد خلَفت أبا بكر في ولده بغجر ما يحقّ عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلّمتُها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلّك على خير منها، أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، تَعْلَق منها بسَببٍ من رسول الله ﷺ . قال المدائنيّ: وخطب أمّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة، فكرهتْه، وقالت: يُغلِق بابه، ويمنع خيرَه، ويَدخل عابسًا، ويخرج عابسًا (١). (٤: ١٩٨/ ١٩٩/ ٢٠٠). ذكر وقت إسلامه قال أبو جعفر: ذُكِر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأة. ذكر من قال ذلك: ٦٠٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله، عن أبيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرَني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً (٢). (٤: ٢٠٠). ذكر بعض سِيَره ٦٠٤ - حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابنُ فُضَيل، عن ضرار، عن حصين المرّيّ، قال: قال عمر: إنما مثلُ العرب مثل جمل أنِفٍ اتبع قائدَه، فلينظرْ قائدُه حيث يقوده؛ فأمّا أنا فوربّ الكعبة لأحملنّهم على الطريق (٣). (٤: ٢٠٠/ ٢٠١). ٦٠٥ - حدّثنا خلّاد بن أسلم، قال: حدّثنا النَّضْر بن شُمَيل، قال: أخبرنا قَطَن، قال: حدّثنا أبو يزيد المدينيّ، قال: حدّثنا مولى لعثمان بن عفان، قال: كنت رديفًا لعثمان بن عفان؛ حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحرّ
следующие страницы →