خطيبين فقالا: يا أهل البصرة! توبة بحوْبة، إنما أردنا أن يستعتب أميرُ المؤمنين عثمان ولم نرد قتله، فغلب سُفهاء الناس الحلماءَ حتى قتلوه، فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد! قد كانت كُتبك تأتينا بغير هذا، فقال الزبير: فهل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتلَ عثمان ﵁ وما أتى إليه، وأظهر عيب عليّ، فقام إليه رجلٌ من عبد القيس، فقال: أيّها الرجل، أنصت حتى نتكلّم، فقال عبد الله بن الزبير: ومَالَك وللكلام! فقال العبديّ: يا معشر المهاجرين! أنتم أوّل من أجاب رسولَ الله ﷺ ، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفِّيَ رسول الله ﷺ بايعتم رجلًا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا واتّبعناكم، فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة، ثمّ مات ﵁ واستخلف عليكم رجلًا منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلّمنا، فلما توُفّيَ الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتمْ عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرّجل شيئًا، فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثمّ بايعتم عليًّا عن غير مشورة منا، فما الذي نقَمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء، أو عمل بغير الحقّ؟ أو عمل شيئًا تنكرونه فنكون معكم عليه! وإلّا فما هذا! فهمُّوا بقتل ذلك الرّجل، فقام من دونه عشيرتُه؛ فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى مَن كان معه، فقتلوا سبعين رجلًا (١). (٤: ٤٦٩/ ٤٧٠).
٩٥٦ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضَرب عنقَ حُكَيم بن جبلة رجل من الحُدّان يقال له: ضخَيم، فمال رأسهُ، فتعلّق بجلده، فصار وجههُ في قفاه، قال ابن المثنّى الحُدّاني: الذي قتل حُكَيْمًا يزيدُ بن الأسحم الحُدانيّ، وجُد حُكيَم قتيلًا بين يزيد بن الأسحم، وكعب بن الأسحم، وهما مقتولان (٢). (٤: ٤٧٤).
٩٥٧ - حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثنا أبو بكر
стр. 3362
الهُذليّ، عن أبي المليح، قال: لما قتل حُكَيم بن جبلة؛ أرادوا أن يقتلوا عثمان بن حُنيف، فقال: ما شئتم، أمَا إن سهل بن حُنيف والٍ على المدينة، وإن قتلتموني انتصر، فخلّوْا سبيله، واختلفوا في الصّلاة، فأمّرت عائشة ﵂ عبد الله بن الزبير فصلّى بالناس، وأراد الزّبير أن يعطيَ الناس أرزاقَهم ويقسم ما في بيت المال، فقال عبد الله ابنه: إن ارتزق الناس تفرّقوا. واصطلحوا على عبد الرحمن بن أبي بكر، فصيّروه على بيت المال (١). (٤: ٤٧٤).
٩٥٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ عن أبي بكر الهُذَليّ، عن الجارود بن أبي سَبْرة، قال: لمّا كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حُنيف، وفي رَحَبَة مدينة الرّزق طعامٌ يرتزقه الناس، فأراد عبد الله أن يرزقه أصحابه وبلغ حُكَيم بن جبلة ما صنع بعثمان، فقال: لستُ أخاف الله إن لم أنصره، فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس، فأتى ابن الزّبير مدينة الرزق، فقال: مَا لَك يا حُكيَم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تخلّوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدَم عليّ، والله لو أجد أعوانًا عليكم أخبِطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلَكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإنّ دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله ! بم تستحلّون سَفْك الدّماء! قال: بدم عثمان بن عفان، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان! أما تخافون مقتَ الله؟ فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّي سبيل عثمان بن حُنيف حتى يخلع عليًّا، قال حُكيم: اللهمّ إنك حكَم عَدْل فاشهد. وقال لأصحابه: إنّي لست في شكّ من قتال هؤلاء، فمن كان في شكّ فلينصرف، وقاتلَهَم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وضرب رجل ساق حُكيَم، فأخذ حكيمٌ ساقَه، فرماه بها، فأصاب عنقه فصرعه، ووَقَذَه، ثم حبا إليه، فقتله، واتَّكأ عليه، فمرّ به رجلٌ فقال: من قتلك؟ قال: وسادتي، وقتل سبعون رجلًا من عبد القيس، قال الهذليّ: قال حكيم حين قطعت رجله:
أقولُ لَما جَدَّ بي زَماعي ... للرِّجْل يا رجلِيَ لن تراعي
إنَّ مَعي مِنْ نجْدَةٍ ذراعي
стр. 3363
قال عامر، ومسلمة: قتل مع حُكيم ابنهُ الأشرف، وأخوه الرّعِل بن جبَلة (١). (٤: ٤٧٤/ ٤٧٥).
٩٥٩ - حدَّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المثنَّى بن عبد الله عن عوف الأعرابيّ، قال: جاء رجل إلى طلحة والزّبير وهما في المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما بالله في مسيركما! أعَهِد إليكما فيه رسول الله ﷺ شيئًا! فقام طلحة ولم يجبْه، فناشد الزّبير، فقال: لا، ولكن بلغنا: أنّ عندكم دراهم، فجئنا نشارككم فيها (٢). (٤: ٤٧٥).
٩٦٠ - حدثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا سُليمان بن أرقم عن قتادة، عن أبي عمرة مولى الزبير، قال: لما بايع أهل البصرة الزّبيرَ وطلحة، قال الزّبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ، فإما بيَّتُّه وإما صبَّحته، لعلِّي أقتله قبل أن يصل إلينا! فلم يُجبه أحدٌ، فقال: إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدّث عنها؛ فقال له مولاه: أتُسمّيها فتنة وتُقاتل فيها! قال: ويحك! إنا نُبصر ولا نبصر، ما كان أمر قطّ إلّا علمتُ موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا أدري أمُقْبل أنا فيه أم مُدبر (٣)! (٤: ٤٧٥/ ٤٧٦).
٩٦١ - حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا هشام بن يوسف -قاضي صَنْعاء- عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: لما خرج طلحة، والزّبير، وعائشة ﵃؛ رأيتُ طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْرِه، فقلت: يا أبا محمد! أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زَوْرك؛ إن كرهتَ شيئًا فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقّاص! بينا نحن يدٌ واحدة على مَن سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يَطلبُ بعضنا بعضًا، إنه كان منِّي في عثمان شيءٌ ليس توبتي إلّا أن يُسفك دمي في طلب دمه. قال: قلت: فرُدّ محمد بن
стр. 3364
طلحة فإنّ لك ضيعة وعيالًا؛ فإن يك شيء يخلفك؛ فقال: ما أحبّ أن أرى أحدًا يخِفّ في هذا الأمر فأمنعه، قال: فأتيت محمد بن طلحة، فقلت له: لو أقمتَ، فإن حدث به حدَث؛ كنتَ تخلفه في عياله وضيعته، قال: ما أحبّ أن أسأل الرجال عن أمره (١). (٤: ٤٧٦).
٩٦٢ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن مجالد بن سعيد، قال: لما قدمت عائشةُ ﵂ البصْرة كتبتْ إلى زيد بن صُوحان: من عائشة ابنة أبي بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله ﷺ إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أمّا بعد: فإذا أتاك كتابي هذا؛ فاقدم؛ فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل؛ فخذل الناس عن عليّ.
فكتب إليها: من زيد بن صُوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصدّيق حبيبةِ رسول الله ﷺ ، أمّا بعد: فأنا ابنك الخالص؛ إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أوّل من نابَذَكِ. قال زيد بن صُوحان: رحم الله أمَّ المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمِرنا أن نُقاتل، فتركتْ ما أمِرَتْ به، وأَمَرَتْنا به، وصنعت ما أمِرْنا به، ونَهتنا عنا (٢)! (٤: ٤٧٦/ ٤٧٧).
ذكر الخبر عن مسير عليّ بن أبي طالب نحو البصرة
٩٦٣ - مما كتب به إليّ السريّ: أن شعيبًا حدّثه، قال: حدّثنا سيفٌ، عَن عُبيدة بن معتِّب، عن يزيد الضخم، قال: لما أتى عليًّا الخبرُ وهو بالمدينة بأمر عائشة، وطلحة، والزّبير: أنهم قد تَوَجّهوا نحو العراق؛ خرج يُبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردّهم، فلما انتهى إلى الرّبَذة؛ أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالرَّبَذة أيامًا، وأتاه عن القوم: أنهم يُريدون البصرة، فسرّيَ بذلك عنه، وقال: إنَّ أهلَ الكوفة أشدُّ إليَّ حبًّا، وفيهم رؤوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم: إنّي
стр. 3365
قد اخترتكم على الأمصار وإنّي بالأُثْرة (١). (٤: ٤٧٧).
٩٦٤ - حدّثني عُمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن بشير بن عاصم، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كتب عليّ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني اخترتُكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودَّتكم وحبكم لله ولرسوله ﷺ ، فمن جاءني، ونصرني؛ فقد أجاب الحقَّ وقضى الذي عليه (٢). (٤: ٤٧٧).
٩٦٥ - حدّثني عمر: قال: حدّثنا أبو الحسن. قال: حدّثنا حبّان بن موسى عن طلحة بن الأعلم، وبشر بن عاصم عن ابن أبي ليلَى، عن أبيه، قال: بُعِث محمد بن أبي بكر إلى الكوفة ومحمّدُ بن عون، فجاء الناس إلى أبي موسى يستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أمَّا سبيلُ الآخرة فأنْ تقيموا، وأمَّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا، وأنتم أعلم. وبلغ المحمديْن قولُ أبي موسى، فبايناه، وأغلظا له، فقال: أما والله إنَّ بيعة عثمان في عُنقي وعُنق صاحبكما الذي أرسلكما، إن أردْنا أن نُقاتِل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قَتَلة عثمان إلا قُتل حيث كان. وخرج عليّ من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت أخت عليّ بن عديّ من بني عبد العزى بن عبد شمس:
لا هُمَّ فاعْقِرْ بِعَلِيّ جَملَهْ ... ولا تُبَارك في بعيرٍ حَمَلهْ
ألا عليّ بنُ عَديٍّ ليس لَه (٣)
(٤: ٤٧٧/ ٤٧٨).
٩٦٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف، عن نُمَير بن وعْلة، عن الشعبيّ؛ قال: لمَّا نزل عليٌّ بالرَّبَذَةَ أتته جماعة من طيئ، فقيل لعليّ: هذه جماعة من طَييء قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك؛ قال: جزَى الله كلًّا خيرًا، وفَضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا، ثمّ دخلوا عليه فقال عليّ: ما شهدتمونا به؟ قالوا:
стр. 3366
شهدناك بكلّ ما تحبّ، قال: جزاكم الله خيرًا! فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتَدّين، ووافيتم بصدقاتكم المسلمين، فنهض سعيد بن عبيد الطائيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ من الناس من يعبّر لسانه عما في قلبه، وإني والله ما كلّ ما أجد في قلبي يعبّر عنه لساني وسأجهد وبالله التوفيق، أمّا أنا فسأنصح لك في السرّ والعلانية، وأقاتل عدوك في كلّ موطن، وأرى لك من الحقّ ما لا أراه لأحَدٍ من أهل زمانك لفضلك، وقرَابَتِك، قال: رحمك الله! قد أدَّى لسانُك عما يجنُّ ضميرك، فقُتِل معه بصفِّين ﵀ (١). (٤: ٤٧٨).
٩٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما قدم عليَّ الرَّبَذَة؛ أقام بها، وسرّح منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر؛ وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصارًا، وأَيِّدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نُريد، لتعود الأمة إخوانًا، ومن أحبَّ ذلك، وآثره؛ فقد أحبَّ الحقّ وآثره، ومن أبغض ذلك؛ فقد أبغض الحقّ، وغمصه.
فمضى الرَّجلان، وبقي عليّ بالرَّبَذة يتهيّأ، وأرسل إلى المدينة، فلحقه ما أراد من دابّة وسلاح، وأمِر أمرُه وقام في الناس فخطبهم؛ وقال: إنّ الله أعزَّنَا بالإسلام، ورفَعَنا به، وجعلنا به إخوانًا بعد ذلَّة، وقلَّة، وتباغُضٍ، وتباعد؛ فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحقّ فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرّجل بأيدي هؤلاء القوم الذّين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا إنَّ هذه الأمَّة لابُدَّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شرّ ما هو كائن، ثمّ عاد ثانية، فقال: إنه لابدَّ مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستَفْتَرِقُ على ثلاث وسبعين فرقة، شرّها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعَمَلِي، فقد أدركتم، ورأيتم فالزموا دينكم، واهدوا بهدي نبيّكم ﷺ ، واتَّبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن؛ فالزموه وما أنكره؛ فردّوه، وارضُوا بالله جلَّ وعزَّ ربًّا، وبالإسلام دينًا؛ وبمحمّد ﷺ نبيًّا، وبالقرآن حكمًا وإمامًا (٢). (٤: ٤٧٨/ ٤٧٩).
стр. 3367
٩٦٨ - كَتَب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما أراد عليّ الخروجَ من الرَّبَذَة إلى البصرة قام إليه ابنٌ لرفاعة بن رافعٍ، قال: يا أمير المؤمنين! أيّ شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمَّا الذي نريد وننوي فالإصلاح؛ إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟ قال ندَعُهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر؛ قال: فإن لم يرضَوْا؟ قال: ندَعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذًا، وقام الحجاج بن غزّية الأنصاريّ قال: لأرضينّك بالفعل كما أرضيتني بالقول. وقال:
دَرَاكها دَراكِها قَبْلَ الفوْت ... وانفِرْ بنا واسْمُ بنا نحْوَ الصَّوْت
لا وَألَتْ نَفْسيَ إنْ هِبْتُ الموْت
والله لأنصرنّ الله كما سمّانا أنصارًا، فخرج أمير المؤمنين؛ وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجرّاح، والرّاية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة، أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وخرَجَ عليّ، وهو في سبعمئة وستين؛ وراجزُ عليّ يرجز به:
سيروا أبابيلَ وحُثُّوا السَّيْرَا ... إذْ عَزَمَ السَّيْرَ وقولوا خَيْرا
حتَّى يُلاقوا وتُلاقوا خيْرا ... نغزو بها طَلْحَةَ والزُّبَيرا
وهو أمام أميرِ المؤمنين، وأميرُ المؤمنين عليّ على ناقة له حمراء يقود فرسًا كُميتًا. فتلقّاهم بفيْدَ غلامٌ من بني سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مُرّة، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين، فقال: سفرة فانية فيها دماء من نفوس فانية، فسمعها عليّ فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مُرَّة، قال: أمَرَّ الله عيْشك، كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف؛ فلما نزل بفيد أتته أسد، وطيِّئ، فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم, في المهاجرين كفاية. وقدِم رجلٌ من أهل الكوفة فيْد قبل خروج عليّ، فقال: مَن الرجل؟ قال: عامر بن مطر، قال: الليثيّ؟ قال: الشيبانيّ. قال: أخبرني عما وراءك، قال: فأخبره حتى سأله عن
стр. 3368
أبي موسى، فقال: إن أردت الصّلح فأبو موسى صاحبُ ذلك. وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ذلك، قال: والله ما أريدُ إلا الإصلاح حتى يردَّ علينا، قال: قد أخبرتك الخبر، وسكت، وسكت عليّ (١). (٤: ٤٧٩/ ٤٨٠).
٩٦٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي محمد، عن عبد الله بن عمير، عن محمد بن الحنفيّة، قال: قدِم عُثمان بن حُنيف على عليّ بالرَّبَذَة وقد نتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أميرَ المؤمنين! بعثتَني ذا لحية وجئتك أمرَد، قال: أصبت أجرًا وخيرًا، إنَّ الناس ولِيَهم قبلي رجلان، فعمِلا بالكتاب، ثمّ وليهم ثالث، فقالوا وفعلوا، ثم بايعوني، وبايعني طلحةُ والزّبير، ثمّ نكثَا بيعتي، وألَّبا الناس عليَّ، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عليّ، والله إنهما ليعلمان أنى لستُ بدون رجل ممن قد مضى، اللهم فاحلل ما عقدا، ولا تبرم ما قد أحكما في أنفسهما وأرِهما المساءة فيما قد عملا (٢). (٤: ٤٨٠).
٩٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولمَّا نزل على الثعلبيَّة؛ أتاه الّذي لقي عثمان بن حُنَيف وحرسُه، فقام وأخبر القوم الخبر، وقال: اللهمّ عافني مما ابتليتَ به طلحة والزبير من قَتْل المسلمين، وسلّمنا منهم أجمعين. ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حُكيمُ بن جَبَلة وقتلةُ عثمان بن عفان ﵁، فقال: الله أكبر، ما ينجيني من طلحة والزّبير إذ أصابا ثأرهما أو ينجيهما! وقرأ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. وقال:
دَعَا حُكَيْمٌ دَعوَةَ الزِّماع ... حَلَّ بها مَنزلَةَ النِّزاع
ولما انتهوْا إلى ذي قار؛ انتهى إليه فيها عثمان بن حُنَيف، وليس في وجهه شعر، فلما رآه عليّ نظر إلى أصحابه، فقال: انطلق هذا من عندنا وهو شيخ، فرجع إلينا وهو شابّ. فلم يزل بذي قار يتلوّم محمدًا، ومحمدًا، وأتاه الخبر بما
стр. 3369
لقيَتْ ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق، فقال: عبد القيس خيرُ ربيعة، في كلّ ربيعة خير. وقال:
يا لَهفَ نَفسي على رَبيعَهْ ... ربيعَةَ السامِعَةِ المُطِيعَهْ
قد سَبَقَتْني فيهِمُ الوَقيعَهْ ... دعَا عَلَيٌّ دَعوةً سَمِيعَهْ
حَلُّوا بها المَنْزِلَةَ الرَّفيعَهْ
قال: وعرضَتْ عليه بكر بن وائل، فقال لهمْ مثل ما قال لطيّئ وأسد.
ولما قدم محمد، ومحمد على الكوفة، وأتيا أبا موسى بكتاب أمير المؤمنين، وقاما في الناس بأمره، لم يجابا إلى شيء، فلما أمسوا دخل ناسٌ من أهل الحِجا على أبي موسى، فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرّأي بالأمس ليس باليوم؛ إنّ الّذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جرّ عليكم ما تَرَوْن؛ وما بقِيَ إنما هما أمران: القُعود سبيل الآخرة، والخُروج سبيل الدّنيا، فاختاروا، فلم ينفِر إليه أحدٌ، فغضِب الرّجلان وأغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله إنّ بيعة عثمان ﵁ لفي عُنقي، وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بُدّ من قتال لا نقاتل أحدًا حتى يُفرَغ من قَتَلة عثمان حيث كانوا، فانطلقا إلى عليّ فوافياه بذي قار وأخبراه الخبر، وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجِل إلى الكوفة، فقال عليّ: يا أشتر! أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترِض في كلّ شيء، اذهب أنت وعبد الله بن عبّاس فأصْلِحْ ما أفْسَدْت.
فخرج عبد الله بن عباس؛ ومعه الأشتر، فقدما الكوفة وكَلَّما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة، فقال للكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجَرَعة وأنا صاحبكم اليوم؛ فجمع الناس فخطبهم، وقال: يا أيّها الناس! إنّ أصحاب النبيّ ﷺ الّذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جلّ وعزّ وبرسُوله ﷺ ممّن لم يصحبه، وإنَّ لكم علينا حقًّا فأنا مؤدّيه إليكم. كان الرّأي ألّا تستخفُّوا بسلطان الله ، ولا تجترئوا على الله ، وكان الرّأي الثاني أن تأخذوا من قَدِم عليكم من المدينة فتردّوهم إليها حتى يجتمعوا، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تَكلّفوا الدّخول في هذا، فأمّا إذا كان ما كان فإنها فتنة صمّاء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خيرٌ من الرّاكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا
стр. 3370
السيوف، وأنصِلوا الأسنّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم، والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفِتْنة (١). (٤: ٤٨١/ ٤٨٢).
٩٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما رجع ابن عباس إلى عليّ بالخبر دعا الحسنَ بن عليّ فأرسله، فأرسل معه عمَّار بن ياسر، فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدتَ؛ فأقبلا حتى دخلا المسجد، فكان أوّل من أتاهما مسروق بن الأجْدع، فسلّم عليهما، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان! عَلام قتلتم عثمان ﵁؟ قال: عَلَى شَتم أعراضنا، وضرب أبشارنا! فقال: والله ما عاقَبْتُمْ بمثلِ ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرًا للصّابرين، فخرج أبو موسى، فلقي الحسَن فضمَّه إليه، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان! أعَدَوْت فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحللت نفسَك مع الفجار! فقال: لم أفعل، ولمَ تَسُوْءُني؟ وقطع عليهما الحسن، فأقبل عَلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى! لِمَ تثبّط النّاس عنا! فوالله ما أردنا إلّا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يُخافَ على شيء، فقال: صدَقْتَ بأبي أنت وأمي! ولكنّ المستشار مُؤْتمن، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنةٌ، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب"؛ قد جعلنا الله إخوانًا، وحرَّم علينا أموالنا ودماءَنا، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ , ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فغضب عمارٌ وساءَه، وقام، وقال: يا أيّها الناس! إنما قال له خاصّةً: أنت فيها قاعدًا خيرٌ منك قائمًا. وقام رجلٌ من بني تميم، فقال لعمار: اسكت أيها العبد! أنت أمس مع الغوغاء، واليوم تسافه أميرنا! وثار زَيْدُ بن صُوحان وطبقتُه وثار الناس، وجعل أبو موسى يُكَفْكِفُ الناس، ثمّ انطلق حتى أتى المنْبر، وسكن الناس، وأقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة ﵂ إليه وإلى أهل الكوفة، وقد كان طلب كتاب العامّة فضمّه إلى كتابه، فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامّة: أمّا بعد، فثبّطوا أيّها الناس، واجلسوا في بيوتكم إلّا عن قتَلة عثمان بن عفان ﵁
стр. 3371
فلما فرغ من الكتاب قال: أمرتْ بأمر، وأمِرْنَا بأمر؛ أمرَت أن تقرّ في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتْنا بما أمِرَت به ورَكبتْ ما أمِرنا به. فقام إليه شبَث بن رَبْعيّ، فقال: يا عُمَانيّ -وزيد من عبد القيس عُمان وليس من أهل البَحْرَيْن- سرقتَ بجَلُولاء فقطعك الله، وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما أمرتْ إلا بما أمر الله به بالإصلاح بين الناس؛ فقلت: وربّ الكعبة! وتهاوى الناس. وقام أبو موسى فقال: أيّها الناس! أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوِي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائِف، إنّا أصحابَ محمد ﷺ أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت، وإذا أدبرت بيّنت، وإنّ هذه الفتنة باقِرة كَدَاء البطن، تجري بها الشَّمال، والجَنوب، والصَّبا، والدَّبور، فتسكن أحيانًا فلا يُدْرَى من أين تؤتَى، تَذَر الحليم كابن أمس، شيموا سيوفكم، وقَصّدوا رماحكم، وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتَكم. خلّوا قريشًا - إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتُق فتقَها، وتشعَب صدعَها، فإن فعلت؛ فلأنفسها سَعَت، وإن أبَتْ؛ فعلَى أنفسها منَتْ، سمْنها تُهريق في أديمها؛ استنصحوني، ولا تستغِشُّوني، وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحرّ هذه الفتنة مَنْ جَناها.
فقام زيد فشال يدَه المقطوعة فقال: يا عبدَ الله بن قيس! ردّ الفرات عن دراجه، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تُريد، فدعْ عنك ما لست مدركه. ثم قرأ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ إلى آخر الآيتين؛ سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ.
فقام القعقاع بن عَمرو فقال: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحبّ أن ترشُدوا، ولأقولنّ لكم قولًا هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه سبيلًا، وأمّا ما قال زيد فزيدٌ في الأمر فلا تستَنْصِحوه فإنَّه لا ينتزع أحد من الفتنةِ طعَن فيها وجرى إليها؛ والقول الذي هو القول: إنه لابدّ من إمارة تنظم الناس، وتزَع الظالم، وتُعزّ المظلوم، وهذا عليّ يلِي بما ولي، وقد أنصف في الدّعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفِروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع.
وقال سَيْحان: أيّها الناس! إنه لابدّ لهذا الأمر وهؤلاء الناس من والٍ يدفع
стр. 3372
الظالم، ويُعزّ المظلوم، ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمّة، الفقيه في الدّين، فمن نهض إليه فإنا سائرون معه، ولان عمّار بعد نَزْوته الأولى، فلما فرغ سَيْحان من خطبته، تكلم عمار، فقال: هذا ابن عمّ رسول الله ﷺ يستنفركم إلى زوجة رسول الله ﷺ وإلى طلحة والزّبير، وإني أشهد أنّها زوجته في الدنيا والآخرة، فانظروا ثمّ انظروا في الحق فقاتلوا معه؛ فقال رجل: يا أبا اليقظان! لَهو مع مَن شهدتَ له بالجنّة على من لم تشهد له. فقال الحسن: اكفف عنّا يا عمار! فإن للإصلاح أهلًا.
وقام الحسن بن عليّ، فقال: يا أيّها الناس! أجيبوا دَعْوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن ينفر إليه، والله لأنْ يليَه أولو النهى أمثلُ في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. فسامح الناس، وأجابوا، ورضوا به، وأتى قومٌ من طيِّئ عديًّا فقالوا: ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس، فأخبِر بقيام الحسن وكلام من تكلم، فقال: قد بايعنا هذا الرّجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا الحدَث العظيم لننظر فيه، ونحن سائرون وناظرون.
وقام هند بن عمرو، فقال: إنَّ أمير المؤمنين قد دعانا، وأرسل إلينا رسلَه؛ حتى جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره، وانفروا إلى أميركم، فانظروا مَعه في هذا الأمر، وأعينوه برأيكم.
وقام حُجْر بن عديّ، فقال: أيّها الناس! أجيبوا أميرَ المؤمنين وانفِروا خِفافًا وثِقالًا مُروا، أنا أولكم، وقام الأشتر فذكر الجاهليّة وشدّتها، والإسلام ورخاءَه، وذكر عثمان ﵁، فقام إليه المقطّع بن الهيثم بن فجيع العامريّ ثم البُكائي، فقال: اسكت قبحك الله! كلْبٌ خُلّيَ والنّباح؛ فثار الناس فأجلسوه.
وقام المقطّع، فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحدٌ بذكر أحد من أئمتنا! وإنّ عليًّا عندنا لمَقْنع، والله لئن يكن هذا الضّرب لا يرضى بعليّ، فعضّ امرؤ على لسانه في مشاهدنا! فأقبلوا على ما أحثّاكم.
فقال الحسن: صدق الشيخ، وقال الحسن: أيّها الناسِ! إنّي غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظَّهر، ومن شاء فليخرج في الماء فنفرَ معه تسعة آلاف،
стр. 3373
فأخذ بعضهم البرّ، وأخذ بعضهم الماءَ وعلى كل سُبْع رجُلٌ؛ أخذ البرّ ستة آلاف ومئتان، وأخذ الماء ألفان وثمانمئة (١). (٤: ٤٨٢/ ٤٨٣/ ٤٨٤/ ٤٨٥).
٩٧٢ - وفيما ذكر نصرُ بن مزاحم العطار عن عمر بن سعيد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العلم: أن عبد خير الخَيْوانيّ قام إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى! هل كان هذان الرّجلان -يعني: طلحة، والزبير- ممن بايع عليًّا؛ قال: نعم، قال: هل أحدث حدثًا يحِلّ به نقص بيعتِه؟ قال: لا أدري! قال: لا دريتَ! فإنا تاركوك حتى تدري. يا أبا موسى! هل تعلم أحدًا خارجًا من هذه الفتنة التي تزعم أنها هي فتنة؟ إنما بقي أربع فِرَق: عليٌّ بظهر الكوفة،
стр. 3374
وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة أخرى بالحجاز؛ لا يجبَى بها فيء، ولا يقاتَل بها عدوّ؛ فقال له أبو موسى: أولئك خيرُ الناس، وهي فتنة؛ فقال له عبد خير: يا أبا موسى! غلب عليك غِشُّك.
قال: وقد كان الأشتر قام إلى عليّ فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني قد بعثت إلى أهل الكوفة رجلًا قبل هذين فلم أره أحكم شيئًا، ولا قدر عليه، وهذان أخلَقُ من بعثت أن يُنْشَبَ بهم الأمر على ما تحبّ، ولستُ أدري ما يكون؛ فإن رأيت -أكرمك الله- يا أمير المؤمنين أن تبعثني في أثرهم، فإن أهل المصر أحسن شيء لي طاعةً، وإن قدمتُ عليهم رجوت ألّا يُخالفني منهم أحدٌ.
فقال لي عليّ: الحقْ بهم؛ فأقبل الأشترُ حتى دخل الكوفةَ؛ وقد اجتمع الناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمرُّ بقبيلة يرى فيها جماعة في مجلس، أو مسجد إلا دعاهم، ويقول: اتّبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعةٍ من الناس، فاقتحم القصر، فدخله وأبو موسى قائم في المسجد يخطب النّاس ويثبِّطهم، يقول: أيها الناس! إنّ هذه فتنة عمياء صماء تطأُ خِطامها، النائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الرّاكب؛ إنها فتنة باقرة كداء البطن، أتتكم من قِبَل مأمنكم، تَدَع الحليم فيها حيرانَ كابن أمس. إنا معاشر أصحاب محمد ﷺ أعلم بالفتنة، إنها إذا أقبلت شبَّهت وإذا أدبرت أسْفرت، وعمّار يُخاطبه، والحسن يقول له: اعتزل عَمَلَنا لا أمّ لك! وتنحّ عن منبرنا. وقال له عمار: أنت سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو موسى: هذه يدي بما قلت، فقال له عمّار: إنما قال لك رسول الله ﷺ هذا خاصة، فقال: "أنتَ فيها قاعدًا خيرٌ منك قائمًا"، ثمّ قال عمّار: غلب الله مَنْ غالبَه وجاحَده (١). (٤: ٤٨٦/ ٤٨٧).
٩٧٣ - قال نصر بن مزاحم: حدّثنا عمر بن سعيد، قال: حدّثني رجل عن نُعَيم، عن أبي مريم الثقفيّ، قال: والله إني لفي المسجد يومئذ؛ وعمّار يخاطبُ أبا موسى ويقول له ذلك القولَ؛ إذ خرج علينا غلمان لأبي موسى يشتدّون
стр. 3375
ينادون: يا أبا موسى! هذا الأشتر قد دخل القصر، فضَرَبَنا، وأخرجنا، فنزل أبو موسى، فدخل القصرَ، فصاح به الأشتر: اخرج من قَصْرنا لا أمّ لك! أخرج الله نفسَك، فوالله إنك لمن المنافقين قديمًا، قال: أجّلني هذه العشيّة، فقال: هي لك، ولا تبيتنّ في القصر الليلة، ودخل الناس ينتهبون متاع أبي موسى فمنعهم الأشتر، وأخرجهم من القصر، وقال: إني قد أخرجته، فكفّ الناس عنه. (١) (٤/ ٤٨٧).
نزول أمير المؤمنين ذا قار
٩٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما التقوا بذي قار؛ تلقّاهم عليّ في أناس، فيهم ابن عباس فرحّب بهم، وقال: يا أهلَ الكوفة! أنتم ولَّيتم شوكة العَجَم وملوكهم، وفضضتم جموعهم؛ حتى صارت إليكم مواريثُهم، فأغنيتم حَوْزَتكم، وأعنتم الناس على عدوّهم، وقد دعوتُكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة؛ فإن يرجعوا؛ فذاك ما نُريد وإن يلجّوا داويناهم بالرفق، وباينّاهم حتى يبدؤونا بظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاحٌ إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله!
فاجتمع بذي قار سبعة آلاف ومئتان، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين عليّ وأهل البصرة ينتظرون مرور عليّ بهم، وهم آلاف- وفي الماء ألفان وأربعمئة (٢). (٤: ٤٨٧).
٩٧٥ - قال أبو جعفر: أخرج إليَّ زيادُ بن أيوب كتابًا فيه أحاديث عن شيوخ ذكر: أنه سمعها منهم؛ قرأ عليَّ بعضَها، ولم يقرأ عليّ بعضها، فممّا لم يقرأ عَلَيَّ من ذلك، فكتبتُه منه؛ قال: حدّثنا مُصعب بن سلام التميميّ، قال: حدّثنا محمد بن سُوقة، عن عاصم بن كُليب الجرميّ، عن أبيه، قال: رأيتُ فيما يرى النائم في زمان عثمان بن عفان: أنّ رجلًا يلي أمورَ الناس مريضًا على فراشه وعند رأسه امرأةٌ؛ والناس يريدونه، ويبهَشُون إليه، فلو نهتهم المرأة لانتهوْا؛ ولكنها
стр. 3376
لم تفعل، فأخذوه، فقتلوه، فكنتُ أقصّ رؤيايَ على الناس في الحضَر والسفر، فيعجبون، ولا يدرون ما تأويلها! فلما قتل عثمان ﵁ أتانا الخبرُ ونحن راجعون من غَزاتنا، فقال أصحابنا: رؤياك يا كُليب. فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلّا قليلًا حتى قيل: هذا طلحة، والزّبير معهما أمّ المؤمنين، فراع ذلك الناسَ وتعجّبوا، فإذا هم يزعمون للناس: أنهم إنما خرجوا غضَبًا لعثمان، وتوبةً مما صنعوا من خذلانه، وإنّ أمّ المؤمنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: إمارة الفُتِيّ، وموقع الغمامة، وضربة السوط والعصا، فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه: حرمة الشهر، والبلد، والدم. فقال الناس: أفلم تُبايعوا عليًّا وتدخلوا في أمره! فقالوا: دخلنا واللجّ على أعناقنا، وقيل: هذا عليّ قد أظلّكم، فقال قومُنا لي ولرجلين معي: انطلقوا حتى تأتوا عليًّا وأصحابَه فسلوهم عن هذا الأمر الّذي قد اختلط علينا؛ فخرجنا حتى إذا دنونا من العسكر؛ طلع علينا رجل جميل على بغلة، فقلت لصاحبيّ: أرأيتم المرأةَ التي كنت أحدّثكم عنها: أنها كانت عند رأس الوالي؟ فإنها أشبه الناس بهذا، ففطن أنّا نخوضُ فيه، فلما انتهى إلينا قال: قفوا، ما الّذي قلتم حين رأيتموني؟ فأبينا عليه، فصاح بنا، وقال: والله لا تبرحون حتى تخبروني، فدخلتنا منه هيبةً، فأخبرناه، فجاوزَنا وهو يقول: والله لقد رأيت عجبًا، فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا: مَن هذا؟ فقال: محمّد بن أبي بكر، فعرفنا أن تلك المرأة عائشة ﵂، فازددنا لأمرها كراهيةً، وانتهينا إلى عليّ فسلمنا عليه، ثم سألناه عن هذا الأمر، فقال: عَدا الناس على هذا الرّجل وأنا مُعتزل فقتلوه، ثمّ ولَّوني وأنا كارهٌ، ولولا خشية على الدّين؛ لم أجبهم، ثمّ طفق هذان في النكث، فأخذت عليهما وأخذتُ عهودهما عند ذلك، وأذنْت لهما في العُمْرة، فقدما على أمّهما حليلة رسول الله ﷺ فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، وعرّضاها لما لا يحلّ لهما ولا يصلح، فاتّبعتُها لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقًا، ولا يخرِقوا جماعة.
ثم قال أصحابه: والله ما نُريد قتالهم إلّا أن يقاتلوا، وما خرجنا إلّا لإصلاح. فصاح بنا أصحابُ عليّ: بايعوا بايعوا، فبايع صاحبيَّ، وأمّا أنا فأمسكتُ وقلت: بعثني قومي لأمر، فلا أحدث شيئًا حتى أرجع إليهم. فقال عليّ: فإن لم يفعلوا؟ فقلتُ: لم أفعل، فقال: أرأيتَ لو أنهم بعثوك رائدًا فرجعت إليهم، فأخبرتَهم
стр. 3377
عن الكَلأ والماء فحالوا إلى المعاطش والجُدوبة ما كنت صانعًا؟ قال: قلتُ: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء، قال: فمدّ يدك، فوالله ما استطعتُ أن أمتَنع، فبسطتُ يدي فبايعتُه، وكان يقول: عليٌّ من أدْهىَ العرب. وقال: ما سمعتَ من طلحة، والزّبير؟ فقلتُ: أما الزّبير فإنه يقول: بايعنا كرهًا، وأمّا طلحة فمقبل على أن يتمثّل الأشعارَ، ويقول:
ألَا أَبلِغ بني بكرٍ رسولًا ... فليسَ إلى بني كَعبٍ سبيلُ
سيَرجِعُ ظُلمُكمْ منكمْ عليكمْ ... طويلُ السَّاعدين له فضُول
فقال: ليس كذلك، ولكن:
ألمْ تَعلَمْ أبا سِمْعان أنَّا ... نصِمّ الشَّيخ مثلك ذَا الصُّداعِ
ويذْهَلُ عقلُه بالحرب حتَّى ... يقومَ فيستجيب لغير داعِ
ثم سار حتى نزل إلى جانب البصرة، وقد خَنْدق طلحة، والزّبير، فقال لنا أصحابنا من أهل البصرة: ما سمعتم إخواننا من أهل الكوفة يريدون، ويقولون؟ فقلنا: يقولون خرجنا للصلح وما نريد قتالًا، فبينا هم على ذلك لا يحدّثون أنفسهم بغيره؛ إذْ خَرج صبيان العسكرين، فتسابّوا، ثم ترامَوْا، ثم تتابع عبيدُ العسكرين، ثم ثلَّث السفهاء، ونشبت الحرب، وألجأتهم إلى الخندق، فاقتتلوا عليه حتى أجلَوْا إلى موضع القتال، فدخل منه أصحاب عليّ وخرج الآخرون.
ونادى عليّ: ألا لا تُتبعوا مُدبرًا، ولا تُجْهِزوا على جَريح، ولا تدخلوا الدّور، ونَهَى الناسَ، ثم بعث إليهم أن اخرجوا للبيعة، فبايعهم على الرّايات وقال: من عرف شيئًا فلْيأخذْه، حتى ما بقي في العسكرين شيء إلّا قبض، فانتهى إليه قوم من قيس شباب، فخطب خطيبُهم، فقال: أين أمراؤكم؟ فقال الخطيب: أصيبوا تحت نُظّار الجمل، ثمّ أخذ في خطبته، فقال عليٌّ: أما إنّ هذا لهو الخطيب السحْسَح، وفرغ من البيعة؛ واستعمل عبد الله بن عباس وهو يُريد أن يقيم حتى يحكم أمرها، فأمرني الأشتر أن أشتريَ له أثمنَ بَعير بالبصرة ففعلتُ، فقال: ائت به عائشة، وأقرئها مني السلام، ففعلتُ، فدعتْ عليه وقالت: اردُدْه عليه؛ فأبلغته، فقال: تلومُني عائشة أن أفلتُّ ابنَ أختها!
وأتاه الخبر باستعمال عليّ ابنَ عباس فغضب وقال: علامَ قتلنا الشيخ! إذ
стр. 3378
اليمَنُ لعبيد الله، والحجاز لقُثَم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعليّ، ثم دعا بدابّته فركب راجعًا، وبلغ ذلك عليًّا فنادى: الرّحيل، ثمّ أجَدَّ السّير، فلحق به فلم يُره: أنه قد بلغه عنه، وقال: ما هذا السير؟ سبقتَنا! وخشيَ إن تُرِكَ والخروج أن يُوقع في أنفس الناس شرّا (١). (٤: ٤٩٠/ ٤٩١/ ٤٩٢/ ٤٩٣).
٩٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما جاءت وفودُ أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أمّ المؤمنين، وطلحة، والزّبير بمثل رأيهم، جمع عليّ الناس، ثمّ قام على الغرائر، فحمد الله ، وأثنى عليه، وصلى على النَّبي ﷺ . وذكر الجاهليَّة وشقاءَها والإسلامَ والسعادة وإنعامَ الله على الأمّة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ، ثمّ الذي يليه، ثم حدَث هذا الحدث الّذي جرّه على هذه الأمّة أقوامٌ طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءَها الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رَدَّ الأشياء على أدبارها، والله بالغٌ أمره، ومصيبٌ ما أراد، ألا وإني راحلٌ غدًا فارتحلوا، ألّا ولا يرتحلنّ غدًا أحدٌ أعان على عُثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليُغْنِ السفهاء عني أنفسَهم.
فاجتمع نفرٌ، منهم علباء بن الهيثم، وعديّ بن حاتم، وسالم بن ثعلبة العبسيّ، وشُرَيح بن أوفى بن ضُبَيعة، والأشتر في عدّة ممن سار إلى عثمان ورضيَ بسيْر مَن سار، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء، وخالد بن ملجم، وتشاوروا، فقالوا: ما الرّأي؟ وهذا والله عليّ، وهو أبصر النّاس بكتاب الله، وأقرب ممّن يطلب قتلة عثمان، وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم والقليلُ من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، وإذا رأوا قِلّتنا في كثرتهم! أنتم والله ترادُون، وما أنتم بأنْجَى من شَيءْ. فقال الأشتر، أمّا طلحة، والزبير؛ فقد عَرفْنا أمْرَهما، وأمّا عليّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأيُ الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعليّ؛ فعَلَى دمائنا؛ فهلمّوا فلنتواثبْ على عليّ، فنلحِقه بعثمان؛ فتعود فتنة يُرضَى منّا فيها بالسّكون.
стр. 3379
فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرّأي رأيت! أنتمْ يا قتلةَ عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمئة أو نحو من ستمئة، وهذا ابن الحنظليّة، وأصحابُه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلًا، فارقأ على ظَلْعك.
وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عَنْهُمْ، ودعوهم، فإن قلّوا؛ كان أقوى لعدوهم عليهم، وإن كثروا؛ كان أحرى أن يصطلحوا عليكم؛ دَعُوهم، وارجِعوا، فتعلّقوا ببلد من البُلْدان حتى يأتيَكم فيه مَن تتّقون به، وامتنعوا من الناس. فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت! ودّ والله الناس أنكم على جَديلة، ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطّفكم كلّ شيء.
فقال عديّ بن حاتم: والله ما رضيتُ ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تَرَدَّد عن قتله في خوض الحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنْ لنا عتادًا من خيول وسلاح محمودًا، فإن أقدمتم أقْدَمنا وإن أمسكتم أحجمنا، فقال ابن السّوداء: أحسنت!
وقال سالم بن ثعلبة: مَنْ كان أراد بما أتى الدّنيا فإنّي لم أرِدْ ذلك، والله لئن لقيتُهم غدًا لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتُهُم لا يد على جَزْر جَزور، وأحلف بالله إنكم لتفرَقون السيوف فرَق قوم لا تصير أمورُهم إلّا إلى السّيف. فقال ابن السوداء: قد قال قولًا.
وقال شريح بن أوفى: أبرِموا أمورَكم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخروا أمرًا ينبغي لكم تعجيلُه؛ ولا تعجّلوا أمرًا ينبغي لكم تأخيره؛ فإنّا عندَ الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانِعون غدًا إذا ما هم التقوا!
وتكلّم ابن السوداء فقال: يا قوم! إنّ عزّكم في خُلْطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا؛ فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا مَن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًّا، وطلحة، والزبير، ومن رَأى رأيهم عمّا تكرهون. فأبصَروا الرّأي، وتفرّقوا عليه؛ والناس لا يشعرون.
وأصبح عليّ على ظَهر، فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عَبْد القيس؛ نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك، ثم ارتحل حتى نزل على أهل
стр. 3380
الكوفة وهم أمام ذلك، والناس متلاحِقون به وقد قطعهم، ولما بلغ أهلَ البصرة رأيُهم ونزل عليُّ بحيث نزل، قام أبو الجرباء إلى الزّبير بن العوّام فقال: إنّ الرّأي أن تبعث الآن ألف فارس فيمسّوا هذا الرّجل ويصبّحوه قبل أن يوافي أصحابه؛ فقال الزبير: يا أبا الجرباء! إنا لنعرف أمور الحرب؛ ولكنهم أهل دعوتنا؛ وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم، هذا أمر مَنْ لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة؛ ومع ذلك إنه قد فارقَنا وافدُهم على أمر، وأنا أرجو أن يتمّ لنا الصّلح؛ فأبشروا واصبروا، وأقبل صَبْرة بن شَيْمان فقال: يا طلحة! يا زبير! انتهزا بنا هذا الرّجُل فإنّ الرّأي في الحرب خيرٌ من الشدّة. فقالا: يا صَبْرة! إنا وهم مسلمون، وهذا أمرٌ لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سُنّة، إنما هو حدَث، وقد زعم قوم: أنه لا ينبغي تحريكه اليوم. وهمّ علي ومَنْ معه، فقلنا: نحن لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم، ولا نؤخره، فقال عليّ: هذا الّذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شرّ وهو خير من شرّ منه، وهو كأمر لا يدرك، وقد كاد أن يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمِّها منفعةً وأحوَطِها، وأقبل كعب بن سُور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم! اقطعوا هذا العُنق من هؤلاء. فقالوا: يا كعب! إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمرٌ ملتبس، لا والله ما أخذ أصحابُ محمد ﷺ مذ بعث الله نبيّه طريقًا إلّا علموا أين مواقع أقدامهم؛ حتى حدث هذا؛ فإنهم لا يدرون أمُقبلون هم أم مدبرون! إن الشيء يحسن عندنا اليوم ويقبحُ عند إخواننا؛ فإذا كان من الغد قَبُحَ عندنا وحسن عندهم؛ وإنا لنحتجّ عليهم بالحجَّة فلا يروْنها حجَّة، ثم يحتجَّون بها على أمثالها، ونحن نرجو الصّلح؛ إن أجابوا إليه وتمّوا، وإلّا فإن آخر الدواء الكيّ.
وقام إلى عليّ بن أبي طالب أقوامٌ من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، فقام إليه فيمن قام الأعورُ بن بُنان المِنْقريّ؛ فقال له عليّ: على الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا، ويضع حَرْبَهم؛ وقد أجابوني، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.
وقام إليه أبو سلامة الدّألانيّ فقال: أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا من هذا
стр. 3381
الدم، إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم، قال: فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يُدرك فالحكم فيه أحوطُه وأعمُّه نفعًا، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إنّي لأرجو ألّا يُقتَل أحدٌ نَقَّى قلبه لله منا ومنهم إلا أدخله الله الجنّة.
وقام إليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيتَ هؤلاء القوم؟ قال: قد بان لنا ولهم: أنّ الإصلاح الكفّ عن هذا الأمر، فإنْ بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلّا القتال فصَدْعٌ لا يلتئم؛ قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا؟ قال: من أراد اللهَ نفعه ذلك وكان نجاءه.
وقام عليّ؛ فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيُّها الناس، املِكوا أنفسكم، كفُّوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، واصبروا على ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا فإنّ المخصوم غدًا من خَصم اليوم.
ثم ارتحل، وأقدم، ودفع تعبيته التي قدم فيها حتى إذا أطلّ على القوم؛ بعث إليهم حَكيم بن سلامة، ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو؛ فكفّوا، وأقِرّونا ننزل وننظر في هذا الأمر.
فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين، قد منعوا حرقوص بن زهير، ولا يرون القتال مع عليّ بن أبي طالب. فقال: يا عليّ! إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدًا أنك تقتل رجالهم، وتسبي نساءَهم. فقال: ما مثلي يُخاف هذا منه، وهل يحلّ هذا إلّا ممّن تَولَّى وكَفرَ، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾، وهم قوم مسلمون! هل أنت مُغنٍ عني قومك؟ قال: نعم، واخْتَر مني واحدة من ثنتين، إمَّا أن أكون آتيك فأكون معك بنَفْسي، وإمّا أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف، فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القُعود وقد بدأ فقال: يالَ خِنْدف، فأجابه ناسٌ، ثمّ نادَى يالَ تميم! فأجابه ناسٌ، ثم نادى! يالَ سعد؛ فلم يبق سعديّ إلّا أجابه، فاعتزل بهم، ثم نظرَ ما يصنع الناس، فلما وقع القِتال، وظفر عليّ جاؤوا وافرين، فدخلوا فيما دخل فيه الناس (١). (٤: ٤٩٣/ ٤٩٤/ ٤٩٥/ ٤٩٦/ ٤٩٧)
стр. 3382
بعثة عليّ بن أبي طالب من ذى قار ابنه الحسن وعمَّار بن ياسِر ليستنفرا له أهل الكوفة
٩٧٧ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدثنا بشير بن عاصم عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج هاشم بن عتبة إلى عليّ بالرّبذَة؛ فأخبره بقُدوم محمد بن أبي بكر وقول أبي موسى، فقال: لقد أردْتُ عزله، وسألني الأشترُ أن أقِرّه فردّ عليّ هاشمًا إلى الكوفة وكتب إلى أبي موسى: إنّي وَجَّهْت هاشم بن عتبة ليُنهض مَنْ قبَلك من المسلمين إليّ، فأشخِص الناس فإنّي لم أولّك الذي أنت به إلّا لتكون من أعواني على الحقّ. فدعا أبو موسى السائب بن مالك الأشعريّ، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكني لا أرى ذلك، فكتب هاشم إلى عليّ: إني قدِمْتُ على رجُل غالٍ مشاقٍّ ظاهر الغلّ والشنآن. وبعث بالكتاب مع المُحلّ بن خليفة الطائيّ، فبعث عليّ الحسن بن عليّ وعمَّار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرَظةَ بن كعب الأنصاريّ أميرًا على الكوفة، وكتب معه: إلى أبي موسى: أما بعد، فقد كنت أرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك منه نصيبًا سيمنعك من ردّ أمري، وقد بعثتُ الحسنَ بن عليّ، وعمّار بن ياسر، يستنفران الناس، وبعثتُ قرَظة بن كعب واليًا على المصر، فاعتزل عَمَلَنَا مذمومًا مدحورًا، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابِذك، فإن نابذتَه فظفر بك أن يقطِّعك آرابًا.
فلما قدِم الكتابُ على أبي موسى؛ اعتزل، ودخل الحسن، وعمار المسجد فقالا: أيّها الناس! إنّ أمير المؤمنين يقول: إني خرجتُ مخرَجي هذا ظالمًا، أو مظلومًا؛ وإني أذكّر الله رجلًا رعى الله حقًّا إلا نفر، فإن كنتُ مظلومًا أعانني، وإن كنت ظالمًا أخذ مني، والله إنّ طلحة، والزّبير لأوّلُ من بايعني!
стр. 3383
وأوّلُ من غدر، فهل استأثرتُ بمال، أو بدّلت حُكمًا! فانفِروا، فمروا بمعروف وانهَوْا عن منكر (١). (٤: ٤٩٩/ ٥٠٠).
٩٧٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن جابر، عن الشعبيّ، عن أبي الطُّفَيْل، قال: قال عليٌّ: يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألفَ رجل ورجل، فقعدت على نَجفَةِ ذي قار، فأحصيتهُم فما زادوا رجلًا، ولا نقصوا رجلًا (٢). (٤: ٥٠٠).
٩٧٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج إلى عليّ اثنا عشر ألف رجل، وهم أسباع: على قريش وكنانة وأسَد وتميم والرِّباب ومُزينة معقل بن يسار الرّياحيّ، وسُبْع قيس عليهم سعد بن مسعود الثقفيّ، وسُبْع بكر بن وائل وتغلب عليهم وَعْلة بن مخدوج الذّهلي، وسُبْع مَذحِج والأشعَرِيين عليهم حُجْر بن عديّ، وسُبْعُ بجيلة وأنمار وخَثْعم والأزْد عليهم مِخنف بن سُلَيم الأزديّ (٣). (٤: ٥٥٠).
نزول عليّ الزاوية من البصرة
٩٨٠ - حدّثني عمر بن شبَّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن مسلمة بن محارب، عن قتادة، قال: نزل عليٌّ الزاويةَ وأقام أيامًا، فأرسل إليه الأحنف: إن شئتَ؛ أتيتُك، وإن شئتَ؛ كففتُ عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه عليٌّ: كيف بما أعطيت أصحابَك من الاعتزال! قال: إنّ من الوفاء لله قتالَهم، فأرسل إليه: كُفَّ مَن قدرتَ على كفّه، ثم سار عليٌّ من الزّاوية، وسار طلحة، والزبير، وعائشة من الفُرْضَة، فالتَقوْا عند موضع قصر عُبيد الله -أو عبد الله- بن زياد، فلما نزل الناسُ أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبديّ: أن اخرج، فإذا خرجتَ؛ فمِلْ بنا إلى عسكر عليّ. فخرجا في عبد القيْس، وبكر بن وائل، فعدَلوا إلى عسكر أمير المؤمنين، فقال الناس: مَن كان هؤلاء معه
стр. 3384
غَلب، ودفع شَقيق بن ثور رايتهم إلى مولىً له يقال له: رَشْراشة، فأرسل إليه وعلة بن محدوج الذهلي: ضاعت الأحساب، دفعت مكرمة قومك إلى رشراشة فأرسل شقيق: أن أغنِ شأنَك فإنا نُغني شأننَا، فأقاموا ثلاثةَ أيام لم يكن بينهم قتال، يرسل إليهم عليّ، ويكلّمهم، ويردَعهم (١). (٤: ٥٠٠/ ٥٠١).
٩٨١ - حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو بكر الهُذَليّ عن قتادة، قال: سار عليٌّ من الزاوية، يريد طلحة، والزبير، وعائشة، وساروا من الفُرْضة، يريدون عليًّا، فالتقَوْا عند موضع قصر عُبيد الله بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثلاثين يوم الخميس، فلما تراءى الجَمعان؛ خَرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل: لعليّ: هذا الزبير؛ قال: أما إنه أحرى الرّجلين إن ذُكّر بالله أن يذكره، وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ، فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم، فقال عليّ: لعَمري لقد أعددتُما سلاحًا، وخيلًا، ورجالًا! إن كنتما أعددتُما عند الله عذرًا فاتّقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نَقضتْ غزلَها من بعد قوّة أنكاثًا، ألم أكن أخاكما في دينكما، تحرِّمان دمي، وأحرِّم دماءكما! فهل من حَدَث أحلّ لكما دمي؟ قال: طلحة: ألَّبْت الناسَ على عثمان ﵁، قال عليّ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾؛ يا طلحة! تطلُب بدم عثمان ﵁؟ فلعن الله قَتلَة عثمانَ! يا زبير! أتذكر يوم مررتَ مع رسول الله ﷺ في بني غَنْم، فنظر إليّ، فضحك، وضحكت إليه، فقلتَ: لا يَدَع ابن أبي طالب زَهوَه، فقال لك رسولُ الله ﷺ : "صَه، إنه ليس به زهو، ولتقاتلَنه وأنت له ظالم"؟ فقال: اللهمّ نعم، ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدًا.
فانصرف عليّ إلى أصحابه، فقال: أمّا الزّبير؛ فقد أعطى الله عهدًا ألّا يقاتلكم، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلّا وأنا أعرف فيه أمري غير مَوطِني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعَهم، وأذهب؛ فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ بين هذين الغارَيْن، حتى إذا حدّد بعضهم لبعض؛ أردتَ أن تتركهم وتذهب! أحسست رايات ابن أبي طالب،
стр. 3385
وعلمتَ أنها تحملها فتيةٌ أنجاد. قال: إني قد حلفتُ ألّا أقاتله، وأحفَظَه ما قال له، فقال: كفِّر عن يمينك، وقاتلْه، فدعا بغلام له يقال له مكحول، فأعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التيميّ:
لم أرَ كاليَومِ أخا إخوانِ ... أعْجَبُ مِنْ مُكَفِّرِ الأيمانِ
بالعِتقِ في مَعْصِيَة الرَّحْمن
وقال رجل من شعرائهم:
يُعْتِقُ مَكْحولًا لصَونِ دينِهْ ... كفَارةً لله عن يَمينهْ
والنَّكثُ قد لاحَ على جَبِينهْ (١)
(٤: ٥٠١/ ٥٠٢).
٩٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضُّرَيس البَجَليّ، عن ابن يعمَر، قال: لما رجع الأحنف بنُ قيس من عند عليّ لقيه هلالُ بن وكيع بن مالك بن عمرو، فقال: ما رأيك؟ قال! الاعتزال، فما رأيُك؟ قال: مكانفة أمّ المؤمنين، أفتدَعنا وأنت سيّدنا! قال: إنما أكون سيِّدكم غدًا إذا قتِلت وبقيتُ؛ فقال هلال: هذا وأنت شيخُنا! فقال: أنا الشيخ المعْصِيّ، وأنت الشابّ المطاع، فاتّبعتْ بنو سعد الأحنف، فاعتزل بهم إلى وادي السباع؛ واتَّبعت بنو حنظلة هلالًا، وتابعت بنو عمرو أبا الجرباء، فقاتلوا (٢). (٤: ٥٠٤).
٩٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، قال: لما أقبل الأحنف نادى. يا لأدّ! اعتزلوا هذا الأمر، وولُّوا هذين الفريقين كَيْسَه وعَجْزَه، فقام المنجاب بن راشد فقال: يالَ الرّباب! لا تعتزلوا، واشهدوا هذا الأمرَ، وتولوا كَيْسَه، ففارقوا، فلما قال: يَال تميم! اعتزلوا هذا الأمر، وولوا هذين الفريقين كيسَه وعجْزه! قام أبو الجرباء -وهو من بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم- فقال: يالَ عمرو! لا تعتزِلوا هذا الأمر، وتولَّوا كيسَه، فكان أبو الجرباء على بني عمرو بن تميم، والمنجاب بن راشد على بني ضبَّة، فلما قال: يالَ زيد مَناة! اعتزلوا هذا الأمر، وولُّوا هذين الفريقين كيْسَه
стр. 3386
وعَجْزه؛ قال هلال بن وَكيع: لا تعتزلوا هذا الأمر؛ ونادى: يالَ حنظلة! تولوْا كَيْسَه، فكان هلالٌ على حنظلة، وطاوعتْ سعدٌ الأحنف، واعتزلوا إلى وادي السباع (١). (٤: ٥٠٤).
٩٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان على هَوازن وعلى بني سُليم والأعجاز مجاشع بنُ مسعود السُّلميّ، وعلى عامر زُفَر بن الحارث، وعلى غَطفَان أعصُر بن النعمان الباهليّ، وعلى بكر بن وائل مالكُ بن مِسمَع، واعتزلت عبد القيس إلى عليّ إلّا رجلًا فإنه أقام، ومن بكر بن وائل قُيَّام، واعتزل منهم مثل مَن بقي منهم، عليهم سِنان، وكانت الأزد على ثلاثة رؤساء: صَبْرة بن شَيْمان، ومسعود، وزياد بن عمرو، والشواذب عليهم رجلان: على مضرَ الخِرّيت بن راشد، وعلى قضاعة والتوابع الرّعبي الجَرْميّ - وهو لقب - وعلى سائر اليمن ذو الآجرة الحِمْيَريّ.
فخرج طلحة، والزبير فنزلا بالناس من الزّابوقة، في موضع قريةِ الأرزاق، فنزلتْ مضر جميعًا وهم لا يشكّون في الصلح، ونزلتْ ربيعة فوقَهم جميعًا وهم لا يشكّون في الصّلح، ونزلت اليمن جميعًا أسفل منهم، وهم لا يشكّون في الصلح، وعائشة في الحدّان، والناس في الزّابوقة، على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفًا، وردّوا حَكيمًا ومالكًا إلى عليّ؛ بأنّا علَى ما فارقْنا عليه القعقاع فاقدَم، فخرجا حتى قدما عليه بذلك، فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم، فنزلتِ القبائل إلى قبائلهم؛ مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكّون في الصّلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، ولا يذكرون ولا ينوون إلّا الصّلح، وخرح أمير المؤمنين فيمن معه، وهم عشرون ألفًا، وأهل الكوفة على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار، وعبد القيس على ثلاثة رؤساء: جَذيمة وبكرٌ على ابن الجارود، والعمور على عبد الله بن السّوداء، وأهل هَجَر على ابن الأشجّ، وبكر بن وائل من أهل البصرة على ابن الحارث بن نهار، وعلى دنور بن عليّ الزّط والسيابجة، وقدِم عليّ ذا قار في عشرة آلاف، وانضمّ إليه عشرة آلاف.
стр. 3387
رجع الحديث إلى حديث محمد، وطلحة: قالا: فلما نزل الناس واطمأنوا، خرج عليّ وخرج طلحَة، والزبير، فتواقَفوا، وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصّلح ووضع الحرب حين رأوا الأمرَ قد أخذ في الانقِشاع، وأنه لا يُدرَك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع عليٌّ إلى عسكره، وطلحة، والزبير إلى عسكرهما (١). (٤: ٥٠٥ وتكملة ٥٠٦).
أمر القتال
٩٨٥ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وبعث عليّ من العشيّ عبد الله بن عبّاس إلى طلحة، والزبير، وبعثاهما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابَه، فقالوا: نعمْ، فلما أمسَوْا - وذلك في جُمادى الآخرة - أرسل طلحةُ، والزُّبيرُ إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الّذين هَضُّوا عثمان، فباتوا على الصّلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنُّزوع عمَّا اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمرَ عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشْرَفوا على الهَلَكة، وجعلوا يتشاورون ليلتَهم كلّها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا بذلك خشية أن يُفطَن بما حاولوا من الشرّ، فغدَوا مع الغَلَس، وما يشَعرُ بهم جيرانُهم، انسلُّوا إلى ذلك الأمر انسلالًا، وعليهم ظلمة، فخرج مُضَريُّهم إلى مضريِّهم، ورَبعيُّهم إلى ربعيِّهم، ويمانيُّهم إلى يمانيِّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين بَهَتوهم، وخرج الزبير، وطلحة في وجوه الناس من مضرَ فبعثا إلى الميمنة - وهم ربيعة - يعبئوها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيِّد، وثبتا فى القلب، فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكُوفة ليلًا، فقالا: قد علمنا: أنّ عليًّا غير منته حتى يسفك الدماء، ويستحلّ الحرْمة، وأنه لن يطاوعَنا، ثم رجعا بأهل البصرة، وَقَصف أهل البصرة أولئك حتى
стр. 3388
رَدّوهم إلى عسكرهم، فسمع عليّ وأهلُ الكوفة الصوتَ، وقد وضعوا رجلًا قريبًا من عليّ ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال ذاك الرّجل: ما فجئَنا إلّا وقوم منهم بيَّتونا، فرددْناهم من حيث جاؤوا، فوجدْنا القوم على رِجْل فركبونا، وثارَ الناس، وقال عليّ لصاحب ميمنته: ائتِ الميمنة، وقال لصاحب ميسرته: ائت الميسرةَ، ولقد علمتَ: أنّ طلحة والزّبير غير منتهيين حتى يَسْفِكا الدّماء، ويستحلّا الحرمة، وأنهما لن يطاوِعانا، والسّبئيّة لا تفترُ إنشابًا، ونادى عليّ في الناس: أيها الناس! كفّوا فلا شيء. فكان من رأيهم جميعًا في تلك الفتنة ألّا يقتتلوا حتى يُبدؤوا؛ يطلبون بذلك الحُجّة، ويستحقون على الآخرين، ولَا يقتُلوا مدبرًا، ولا يُجْهزوا على جريح، ولا يُتبعوا، فكان مما اجتمع عليه الفريقان ونادَوا فيما بينهما.
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد، وطلحة: قالا: ولما انهزم الناس في صدر النهار؛ نادى الزبير: أنا الزّبير، هلُمّوا إليَّ أيُّها الناس، ومعه مولىً له ينادي: أعن حواريّ رسول الله ﷺ تنهزمون! وانصرف الزبير نحو وادي السباع، واتَّبعه فُرسان، وتشاغلَ الناسُ عنه بالناس، فلما رأى الفُرسان تتبَعه؛ عطف عليهم، ففرّق بينهم، فكرُّوا عليه، فلمّا عرفوه قالوا: الزّبير! فدعوْه، فلما نفر فيهم علباء بن الهيثم؛ ومرّ القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول: إلىَّ عباد الله! الصبرَ الصبر! قال له: يا أبا محمد؛ إنك لجريح، وإنك عمّا تريد لعليل؛ فادخل الأبياتَ، فقال: يا غلام! أدخِلني وابغني مكانًا. فأدخِل البصرة ومعه غلام ورجلان، فاقتتل الناس بعْده، فأقبل الناس في هزيمتهم تلك وهم يريدون البَصرة. فلمّا رأوا الجمل أطافت به مضر عادوا قَلْبًا كما كانوا حيث التقَوا، وعادوا إلى أمر جديد، ووقفتْ ربيعة البصرة، منهم ميمنة، ومنهم ميسرة، وقالت عائشة: خلّ يا كعب عن البعير، وتقدّم بكتاب الله فادعُهم إليه، ودفعت إليه مصحفًا، وأقبل القوم وأمامهم السبئيّة يخافون أن يجري الصّلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليٌّ من خلفهم يَزَعُهم ويأبَوْن إلّا إقدامًا، فلما دعاهم كعب رشَقوه رِشْقًا واحدًا، فقتلوه، ورمَوا عائشةَ في هَودجها، فجعلت تنادي: يا بَنيَّ! البقيّة البقيّة - ويعلو صوتُها كَثْرة - الله الله! اذكروا الله ، والحساب، فيأبون إلّا إقدامًا، فكان أوّل شيء أحدثتْه حين أبوْا أن قالت: أيُّها الناس! العنوا قتلةَ عثمان وأشياعَهم، وأقبلتْ تدعو.
стр. 3389
وضجَّ أهل البصرة بالدعاء، وسمع عليُّ بن أبي طالب الدعاءَ فقال: ما هذه الضجَّة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قَتَلة عثمان وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللهم العنْ قتلةَ عثمان وأشياعَهم، وأرسلتْ إلى عبد الرحمن بن عتّاب وعبد الرحمن بن الحارث: اثبُتا مكانَكما، وذمرت الناسَ حين رأت أنّ القوم لا يريدون غيرَها، ولا يكفّون عن الناس، فازدلفت مُضَر البصرة، فقصفت مضرَ الكوفة حتى زُوحم عليّ، فنخس عليٌّ قفا محمد، وقال: احمِل، فنكَل، فأهوى عليٌّ إلى الرّاية ليأخذَها منه، فحمل، فترك الراية في يده، وحملت مضر الكوفة، فاجتَلَدوا قدّام الجمل حتى ضرِسوا، والمجنِّبات على حالها، لا تصنع شيئًا، ومع عليِّ أقوام غير مُضَر، فمنهم زيد بن صُوحَان، فقال له رجل من قومه: تنحّ إلى قومك، مَا لَك ولهذا الموقف! ألستَ تعلم أن مضرَ بحيالك، وأن الجمل بين يديك، وأن الموتَ دونه! فقال: الموت خير من الحياة، الموت ما أريد؛ فأصيب، وأخوه سَيْحان، وارتُثّ صعصعة، واشتدّت الحرب، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى اليمن، وإلى ربيعة: أن اجتمعوا على مَن يليكم، فقام رجلٌ من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله ؛ قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله مَن لا يقيم حدودَ الله سبحانه، ومن قتل داعيَ الله كعب بن سُور! فرمَتْه رَبيعة رِشْقًا واحدًا فقتلوه، وقام مسلم بن عبد الله العجليّ مَقامه، فرشقوه رِشقًا واحدًا، فقتلوه، ودعت يَمَنُ الكوفة يَمن البَصْرة فرشَقوهم (١). (٤: ٥٠٦/ ٥٠٧/ تكملة ٥١٢/ ٥١٣/ ٥١٤).
٩٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة وأبي عمرو، قالوا: وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة ﵂، فقال: أدركي فقد أبى القوم إلّا القتال، لعلَّ الله يُصلح بكِ، فركبتْ، وألبسوا هَودجها الأدراع، ثم بعثوا جمَلَها، وكان جَملُها يدعى عسكرًا، حمَلَها عليه يَعلَى بن أميّة، اشتراه بمئتي دينار، فلما برزتْ من البيوت - وكانت بحيثُ تَسمَع الغوغاء - وقفتْ، فلم تلبث أن سمعتْ غوغاء شديدة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجّة العسكر؛ قالت: بخير أو بشر؟ قالوا: بشرّ. قالت: فأيّ الفريقين كانت منهم هذه الضجّة فهم المهزومون، وهي واقفة، فوالله ما فَجِئَها إلّا الهزيمة،
стр. 3390
فمضى الزبير من سننِه في وجهه، فسَلَك وادي السباع، وجاء طلحة سَهْم غَرْب يخُلّ ركبتَه بصفحة الفرس، فلما امتلأ مَوْزَجه دمًا وثَقُل قال لغلامه: اردفنى وأمْسكني، وابغني مكانًا أنزل فيه، فدخل البصرة وهو يتمثّل مثَله ومثَل الزبير:
فإن تكُنِ الحوادِثُ أقْصَدَتْني ... وأَخْطَأَهُنَّ سَهْمي حين أَرْمي
فقد ضُيِّعْتُ حين تَبِعْتُ سَهْمًا ... سفاهًا مَا سَفِهْتُ وضَلَّ حِلْمي
ندِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لمَّا ... شريْتُ رِضَا بني سَهْمٍ برَغْمِي
أَطَعْتُهُمُ بفُرْقةِ آل لأْيٍ ... فأَلْقوْا للسِّباع دَمي ولَحْمِي (١)
(٤: ٥٠٧/ ٥٠٨).
خبر وقعة الجمل من رواية أخرى
٩٨٧ - قال أبو جعفر: وأما غير سيف فإنه ذكر من خبر هذه الوقعة، وأمر الزبير، وانصرافه عن الموقف الذي كان فيه ذلك اليوم غيرَ الذي ذكر سيف عن صاحبيه، والذي ذكر من ذلك بعضُهم ما حدّثَنيه أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خَيْثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعتُ أبي قال: سمعتُ يونس بنَ يزيد الأيْليّ عن الزّهريّ، في قصة ذكرها من خبر عليّ، وطلحة، والزبير، وعائشة في مسيرهم الذي نحن في ذكره في هذا الموضع. قال: وبلغ الخبرُ عليًّا - يعني: خبرَ السَّبْعين الذين قُتلوا مع العبديّ بالبصرْة - فأقبل -يعني: عليًّا- في اثني عشر ألفًا، فقدِم البصرة، وجعل يقول:
يَا لَهْفَ نَفسي على رَبيعَهْ ... رَبيعَةَ السامعَةَ المُطيعَهْ
سُنَّتُها كانت بها الوَقيعَهْ
فلما تواقفوا خرج عليّ على فرسه، فدعا الزبيرَ، فتواقفا، فقال عليّ للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلًا، ولا أولى به منّا؛ فقال عليّ: لستَ له أهلًا بعد عثمان! قد كنا نَعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنُك ابنُ السوء ففرَّق بيننا وبينك؛ وعظّم عليه أشياء، فذكر أن النبيّ ﷺ مرّ عليهما، فقال لعليّ: "ما يقول ابن عمتك؟ ليُقاتِلنّك وهو لك ظالم". فانصَرَف عنه الزبير،
стр. 3391
وقال: فإني لا أقاتلك. فرجع إلى ابنه عبدِ الله فقال: مَا لي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيتَ رايات ابن أبي طالب، وعرفت أن تحتها الموت، فجبُنت، فأحفَظَه حتى أُرعد، وغضب، وقال: ويحك! إني قد حلفت له ألّا أقاتله، فقال له ابنه: كفِّر عن يمينك بعتْق غلامك سَرْجس، فأعتقه، وقام في الصّفّ معهم، وكان عليّ قال للزّبير: أتطلب مني دمَ عثمان وأنت قتلتَه! سلّط الله على أشدّنا عليه اليومَ ما يكره وقال عليّ: يا طلحة! جئت بعِرْسِ رسول الله ﷺ تقاتل بها وخَبَأتَ عِرْسَك في البيت! أما بايعتني! قال: بايعتُك وعلى عُنُقي اللجّ، فقال عليّ لأصحابه: أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يدُه أخَذَه بيده الأخرى، وإن قطعتْ أخذَه بأسنانه؟ قال فتىً شابٌّ: أنا، فطاف علىٌّ على أصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلّا ذلك الفتى، فقال له علىٌّ: اعرضْ عليهم هذا، وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، واللهَ في دمائنا ودمائكم، فحُمل على الفتى وفي يده المصحف، فقُطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قُتل، فقال عليّ: قد طاب لكم الضِّراب فقاتلوهم، فقتِل يومئذ سبعون رجلًا، كلهم يأخذ بخطام الجمل، فلما عُقرِ الجمل وهُزِم الناس، أصابت طلحة رَمية فقتلته، فيزعمون: أن مروان بنَ الحَكَم رماه، وقد كان ابن الزبير أخذ بخطام جمل عائشة، فقالت: من هذا؟ فأخبرها؛ فقالت: واثُكْل أسماء! فجُرِح، فألقى نفسَه في الجَرْحَى، فاستُخرِج فبرأ من جراحته، واحتمل محمد بنُ أبي بكر عائشة، فضُرب عليها فُسطاط، فوقف عليٌّ عليها فقال: استفززتِ الناس وقد فزّوا، فألَّبتِ بينهم، حتى قَتل بعضُهم بعضًا .... في كلام كثير. فقالت عائشة: يا بنَ أبي طالب! ملكتَ فأسجح، نعْم ما أبليت قومَكَ اليوم! فسرّحها عليّ، وأرسل معها جماعةً من رجال ونساء، وجهّزها؛ وأمر لها باثني عشر ألفًا من المال؛ فاستقلّ ذلك عبدُ الله بن جعفر، فأخرج لها مالًا عظيمًا، وقال: إن لم يُجزه أمير المؤمنين فهو عليّ. وقتِل الزبير، فزعموا أن ابن جُرموز لهو الذي قتله، وأنه وقف بباب أمير المؤمنين؛ فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزُّبير؛ فقال عليّ: ائذن له، وبشّره بالنار (١). (٤: ٥٠٨/ ٥٠٩/ ٥١٠).
стр. 3392
٩٨٨ - حدّثني محمد بن عُمارة، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فُضيل عن سفيان بن عقبة، عن قرّة بن الحارث، عن جوْن بن قتادة، قال قرّة بن الحارث: كنتُ مع الأحنف بن قيس، وكان جَوْن بن قتادة ابن عمّي مع الزبير بن العوام، فحدّثني جَوْن بن قتادة، قال: كنتُ مع الزّبير ﵁، فجاء فارسٌ يسير -وكانوا يسلّمون على الزّبير بالإمْرة- فقال: السلام عليك أيّها الأمير! قال: وعليك السلام؛ قال: هؤلاء القوم قد أتَوْا مكان كذا وكذا، فلم أرَ قومًا أرثّ سلاحًا، ولا أقلّ عددًا، ولا أرعب قلوبًا من قوْم أتَوك، ثمّ انصرَف عنه. قال: ثمّ جاء فارسٌ فقال: السَّلام عليك أيّها الأمير! فقال: وعليك السلام، قال: جاء القوم حتى أتَوا مكانَ كذا وكذا، فسمعوا بما جمع الله لكم من العَدد والعُدّة والحدّ، فقذف اللهُ في قلوبهم الرعب، فولَّوْا مدبرين؛ قال الزُّبير: إيهًا عنك الآن؛ فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب إلا العَرْفَج؛ لدبّ إلينا فيه! ثم انصرف، ثم جاء فارس وقد كادت الخيول أن تخرج من الرّهَج فقال: السلام عليك أيّها الأمير! قال: وعليك السلام، قال: هؤلاء القوم قد أتَوْكَ، فلقيت عمارًا فقلت له وقال لي؛ فقال الزبير: إنه ليس فيهم، فقال: بلى والله إنه لَفيهم؛ قال: والله ما جعله الله فيهم، فقال: والله لقد جعله الله فيهم. قال: والله ما جعله الله فيهم؛ فلمّا رأى الرجلَ يخالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر: أحقٌّ ما يقول! فركب معه، فانطلقا وأنا أنظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلًا، ثم رجعا إلينا، فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل؛ قال الزبير: يا جدْع أنفاه - أو يا قَطْع ظَهْراه؟ - قال محمد بن عُمارة: قال عبيد الله: قال فضيل: لا أدري أيّهما قال - ثم أخذه أفكَل، فجعل السلاح ينتفض، فقال جون: ثكلتني أمي، هذا الذي كنت أريد أن أموت معه، أو أعيشَ معه، والذي نفسي بيده! ما أخذ هذا ما أرى إلّا لشيء قد سمعه أو رآه من رسول الله ﷺ . فلمّا تشاغل الناسُ انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب، فانصرف جون فجلس على دابّته، فلحق بالأحنف، ثم جاء فارسان حتى أتَيَا الأحنف وأصحابه، فنزلا، فأتيا، فأكبّا عليه، فناجيَاه ساعة، ثم انصرَفا، ثم جاء عمرو بن جرمُوز إلى الأحنف، فقال: أدركتُه في وادي السباع فقتلتُه، فكان
стр. 3393
يقول: والذي نفسي بيَدِه إن صاحب الزبير الأحنف (١). (٤: ٥١٠/ ٥١١).
٩٨٩ - حدثني عمر بن شبة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا بشير بن عاصم، عن الحجّاج بن أرطاة، عن عمار بن معاوية الدُّهني -حيّ من أحمَس بَجيلة- قال: أخذ عليٌّ مصحفًا يوم الجَمَل، فطاف به في أصحابه، وقال: مَنْ يأخذ هذا المصحف، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتىً من أهل الكوفة عليه قَباء أبيَض محشوّ، فقال: أنا، فأعرَض عنه، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا المصحفَ يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا، فأعرَض عنه، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا المصحفَ يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا؛ فدفعه إليه، فدعاهم، فقطعوا يَده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى، فدعاهم، فقطعوا يدَه اليسرى، فأخذه بصَدره والدّماء تسيل على قَبائه، فقتِل ﵁، فقال عليّ: الآن حلّ قتالُهم، فقالت أمّ الفتى بعد ذلك فيما ترثي:
لا هُمَّ إنَّ مُسْلِمًا دَعاهُمُ ... يَتْلُو كتابَ الله لا يخْشاهُمُ
وأمُّهُمْ قائمة تراهُمُ ... يأتمرون الغَيّ لا تَنْهاهُمُ
قد خُضِبَتْ مِنْ علَقٍ لِحاهُمُ (٢)
(٤: ٥١١/ ٥١٢).
٩٩٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن جابر، عن الشعبيّ، قال: حملت ميمنةُ أمير المؤمنين على ميسرةِ أهلِ البصرة، فاقتتلوا، ولاذَ الناس بعائشةَ ﵂، أكثرهم ضَبّة والأزْد، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر؛ ويقال: إلى أن زالت الشمس، ثم انهزموا، فنادى رجل من الأزد: كرّوا، فضربه محمد بن عليّ فقطع يده، فنادى: يا معشر الأزد فرّوا! واستحرّ القتل بالأزد، فنادَوا: نحن على دين عليّ بن أبي طالب؛ فقال رجل من بني ليث بعد ذلك:
سائلْ بنا يَوْمَ لقينا الأزْدا ... والخَيْلُ تَعْدو أَشْقَرًا ووَرْدَا
стр. 3394
لمّا قَطَعْنا كِبْدَهُمْ والزَّندَا ... سُحْقًا لَهُمْ في رَأْيهمْ وبُعْدَا (١)!
(٤: ٥١٢).
٩٩١ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا جعفر بنُ سليمان عن مالك بن دينار، قال: حمل عمّار على الزبير يومَ الجمل، فجعل يحُوزه بالرُّمح، فقال: أتريد أن تقتلني؟ قال: لا، انصرفْ. وقال عامر بن حفص: أقبل عمّارٌ حتى حاز الزبير يومَ الجمل بالرمح، فقال: أتقتلني يا أبا اليَقَظان! قال: لا يا أبا عبد الله (٢)! (٤: ٥١٢).
٩٩٢ - كتب إلىَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان القتال الأوّل يستحرّ إلى انتصاف النهار، وأصيب فيه طلحة ﵁، وذهب فيه الزّبير، فلما أوَوْا إلى عائشةَ، وأبَى أهل الكوفة إلّا القتال، ولم يريدوا إلّا عائشة، ذمرتْهم عائشة، فاقتتلوا حتى تنادَوْا، فتحاجزوا، فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا، وذلك يومَ الخميس في جُمادى الآخرة، فاقتتلوا صدْرَ النهار مع طلحة والزبير، وفي وسطه مع عائشةَ، وتزاحف الناس، فهزمت يَمنُ البصرة يمنَ الكوفة، وربيعةُ البصرة ربيعةَ الكوفة، ونهد عليٌّ بمضر الكوفة إلى مضر البصرة، وقال: إن الموت ليس منه فَوْت، يُدرِك الهارب، ولا يَترك المُقيم (٣). (٤: ٥١٤).
٩٩٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عبد الله القرشيّ عن يونس بن أرقم، عن عليّ بن عمرو الكنديّ، عن زيد بن حساس، قال: سمعتُ محمد بن الحنفيّة يقول: دفع إليّ أبي الرايةَ يومَ الجمل، وقال: تقدّم؛ فتقدّمتُ حتى لم أجد متقدّمًا إلّا على رمح؛ قال: تقدّم لا أمَّ لك! فتكأكأتُ وقلتُ: لا أجد متقدَّمًا إلّا على سنان رُمْح، فتناوَل الرّايةَ من يدي متناوِلٌ لا أدري مَن هو! فنظرتُ فإذا أبي بين يدىّ وهو يقول:
стр. 3395
أَنتِ الَّتي غَرَّكِ مِنِّي الحُسْنَى ... يا عَيْشَ إن القومَ قَوْمٌ أَعْدَا
الخَفْضُ خَيْرٌ مِن قِتال الأبْنا (١)
(٤: ٥١٤/ ٥١٥).
٩٩٤ - كتبَ إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: اقتتلتِ المجنِّبتان حين تزاحفتا قتالًا شديدًا، يشبه ما فيه القَلْبان، واقتتل أهلُ اليمن، فقتِل على راية أمير المؤمنين من أهل الكوفة عشرة، كلما أخذها رجلٌ قتل خمسة من هَمْدان وخمسة من سائر اليمن، فلما رأى ذلك يزيد بن قيس؛ أخذها، فثبتتْ في يده وهو يقول:
قد عِشْتِ يا نَفْس وقد غَنِيتِ ... دَهرًا فقَطكِ اليومَ ما بَقِيتِ
أطْلُبُ طولَ العُمْر ما حَييتِ
وإنما تمثّلها وهو قول الشاعر قبله. وقال نِمْران بن أبي نِمْران الهَمْدانيّ:
جَرَّدتُ سَيْفي في رِجال الأزْدِ ... أَضْرِبُ في كُهولهِمْ والمُرْدِ
كلَّ طويلِ الساعِدَيْنِ نَهْدِ
وأقبلتْ ربيعة، فقتِل على راية الميسرة من أهل الكوفة زيد، وصرع صعصعة، ثم سَيْحان، ثم عبد الله بن رَقبة بن المغيرة، ثم أبو عُبيدة بن راشد بن سُلمَى؛ وهو يقول: اللهمّ أنت هدَيتَنا من الضّلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتَنا بالفتنة، فكنّا في شُبهة وعلى ريبة؛ حتى قتل، ثمّ الحصين بن معبد بن النُّعمان، فأعطاها ابنه معبدًا، وجعل يقول: يا معبد! قرِّب لها بَوَّها؛ تحدَب، فثبتتْ في يده (٢). (٤: ٥١٥).
٩٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما رأت الكُماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر؛ تنادَوا في عسكر عائشة وعسكر عليّ: يا أيُّها الناس! طرِّفوا إذا فرغ الصبر، ونزع النصر، فجعلوا يتوجّؤون الأطراف: الأيدي والأرجُل، فما رُئيت وقعة قطّ قبلَها ولا بعدَها، ولا يسمع بها أكثر يدًا مقطوعة ورجلًا مقطوعة منها، لا يُدرَى مَن
стр. 3396
صاحبها، وأصيبت يدُ عبد الرحمن بن عتّاب يومئذ قبل قتله، وكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب شيء من أطرافه استَقْتَل إلى أن يُقتَل (١). (٤: ٥١٥/ ٥١٦).
٩٩٦ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة بن بلال، عن أبيه، قال: اشتدّ الأمر حتى أرِزت ميمنة الكوفة إلى القلب، حتى لزِقت به، ولزِقت ميسرة البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنةَ أهلِ الكوفة أن يختلطوا بقلبهم، وإن كانوا إلى جنبهم، وفعلَ مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة، فقالت عائشة ﵂ لمن عن يسارها: مَن القوم؟ قال صَبْرة بن شيمان: بَنُوكِ الأزْد، قالت: يا آل غَسّان! حافِظوا اليومَ جلادكم الذي كنا نسمع به، وتمثّلتْ:
وجالَدَ مِنْ غَسَّانَ أهْلُ حِفاظِها ... وهِنْبٌ وأَوْسٌ جالَدَتْ وشَبيبُ
وقالت لمن عن يمينها: مَن القوم؟ قالوا: بكر بن وائل؛ قالت: لكم يقول القائل:
وجاؤوا إلَينا في الحَديدِ كَأَنَّهُمْ ... مِنَ العِزّةِ القَعْساءِ بكْرُ بنُ وائلِ
إنما بإزائكم عبدُ القيس، فاقتتلوا أشدّ القتال من قتالهم قبل ذلك، وأقبلتْ على كتيبة بين يديها، فقالت: مَن القوم؟ قالوا: بنو ناجية، قالت: بَخٍ بَخٍ! سيوفٌ أبطحيّة، وسيوف قرشيّة، فجالدوا جلادًا يُتفادى منه، ثمّ أطافت بها بنو ضبّة، فقالت: ويهًا جمْرةَ الجمرات! حتى إذا رقُّوا؛ خالَطَهم بنو عديّ، وكثروا حولَها، فقالت: مَن أنتم؟ قالوا: بنو عديّ، خالطنا إخواننا، فقالت: ما زال رأس الجمل معتدلًا حتى قتلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأسَ الجمل، ثم ضربوا ضربًا ليس بالتعذير، ولا يعدَلون بالتطريف؛ حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكريْن جميعًا. رامُوا الجمل وقالوا: لا يُزال القومُ أو يصرع، وأرزتْ مجنِّبتا عليّ فصارتا في القلب، وفعل ذلك أهلُ البصرة، وكره القومُ بعضهم بعضًا، وتلاقَوا جميعًا بقلبيهم، وأخذ ابن يثربيّ برأس الجمل وهو يرتجز، وادّعى قتل علباء بن الهيثم، وزيد بن صُوحان، وهند بن عمرو، فقال:
стр. 3397
أنا لِمنْ يُنْكِرُني ابْنُ يَثْربي ... قاتلُ عِلْباء وهِنْدِ الجملي
وابْنٍ لِصُوحانَ عَلَى دينِ علي
فناداه عمّار: لقد لعمري لذتَ بحريز، وما إليك سبيل، فإن كنتَ صادقًا فاخرج من هذه الكتيبة إليّ؛ فترك الزمام في يد رجل من بني عديّ حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب عليّ، فزحم الناس عمّارًا حتى أقبل إليه، فاتّقاه عمار بدرَقته، فضربه فانتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمّار إليه لا يَملِك من نفسه شيئًا، فأسفّ عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على استه، وحمله أصحابه، فارتُثَّ بعدُ، فأتي به عليّ، فأمرَ بضرب عنقه، ولما أصيب ابن يثربيّ ترك ذلك العدَويُّ الزمام، ثم خرج فنادى: مَن يبارز؟ فخنَس عمّار، وبرز إليه ربيعة العُقَيليّ - والعدويّ يدعى عمرة بن بَجْرة، أشدّ الناس صوتًا - وهو يقول:
يا أمّنا أَعَقّ أُمٍّ نَعْلَمُ ... والأُمُّ تَغْذو ولَدًا وتَرْحَمُ
ألا تَرَيْنَ كَمْ شجَاعٍ يُكلَمُ ... وتُختَلَى مِنْهُ يَدٌ ومِعْصَمُ!
ثم اضطرَبا، فأثْخنَ كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا.
وقال عطيّة بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بني ضبّة، فقام مقام العَدَوِيّ، فما رأيْنا رجلًا قطّ أشدَّ منه، وجعل يقول:
نحن بني ضَبَّةَ أصحابُ الجملْ ... نَنعَى ابن عفانَ بأطرافِ الأسَلْ
الموتُ أحلَى عندنا من العسلْ ... رُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١)
(٤: ٥١٦/ ٥١٧/ ٥١٨).
٩٩٧ - حدّثني عمرُ بن شبَّة، قال: حدَّثنا أبو الحسن، عن المفضّل بن محمد، عن عديِّ بن أبي عديّ، عن أبي رجاء العطارديّ، قال: إني لأنظر إلى رجل يومَ الجمل وهو يقلِّب سيفًا بيده كأنه مِخراق، وهو يقول:
نحن بني ضبّة أصحابُ الجملْ ... ننازِلُ الموتَ إذا الموتُ نَزَلْ
стр. 3398
والموتُ أشهى عندَنا من العَسَلْ ... ننعى ابنَ عفَّانَ بأطراف الأسَلْ
رُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١)
(٤: ٥١٨).
٩٩٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن المفضّل الضبّيّ، قال: كان الرجل وسيمَ بن عمرو بن ضِرار الضبّي (٢). (٤: ٥١٨).
٩٩٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن الهُذَليّ، قال: كان عمرو بن يثربيّ يحضّض قومَه يوم الجمل، وقد تعاوروا الخِطام يَرتجزون:
نحن بني ضَبَّةَ لا نَفِرُّ ... حتى نَرَى جماجمًا تَخِرُّ
يَخِرُّ منها العَلَقُ المُحْمَرُّ
يا أُمّنا يا عيْشُ لن تُراعي ... كلّ بنِيكِ بطَلٌ شُجاعُ
يا أُمّنا يا زوجَة النبيّ ... يا زوجة المباركِ المهْدِي
حتى قُتل على الخِطام أربعون رجلًا، وقالت عائشة ﵂:
ما زال جَمَلي معتدلًا حتى فقدت أصواتَ بني ضَبّة، وقتل يومئذ عمرو بن يثربيّ علباءَ بن الهيثم السَّدوسىّ، وهندَ بن عمرو الجَمَليّ، وزيد بن صوحان؛ وهو يرتجز، ويقول:
أضرِبُهُمْ ولا أَرى أَبا حَسَنْ ... كفى بهذا حَزَنًا من الحزنْ
إنا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ
فزعم الهُذَليّ: أنَّ هذا الشعر تُمُثِّلَ به يومَ صفّين، وعرض عمار لعمرو بن يثربيّ - وعمار يومئذ ابن تسعين سنة، عليه فَرْوٌ قد شَدّ وسَطه بحَبل من ليف - فبَدره عَمرو بن يثربيّ فنحّى له دَرَقته فنشب سيفه فيها، ورماه الناس حتى صُرع وهو يقول:
إن تقتلوني فأنا ابنُ يثْرِبيّ ... قاتلُ عِلباءَ وهنْد الجملي
ثمَّ ابنِ صُوحانَ على دينِ علي
وأخِذ أسيرًا حتى انتُهِي به إلى عليّ، فقال: استبْقني، فقال: أبعد ثلاثة تُقبل
стр. 3399
عليهم بسَيفك تضربُ به وجوههم! فأمر به، فقُتل (١). (٤: ٥١٨/ ٥١٩)
١٠٠٠ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن إسحاق بن راشد، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، قال: مشيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربةٍ وطَعنةٍ، وما رأيتُ مثلَ يوم الجمل قطّ، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلّا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلّا قُتل، فأخذه عبدُ الرحمن بن عتاب فقُتل، فأخذه الأسوَد بن أبي البَخْتريّ فصُرع، وجئتُ فأخذت بالخِطام، فقالت عائشة: مَن أنت؟ قلت: عبد الله بن الزّبير، قالت: واثُكْل أسماء! ومرّ بي الأشتر، فعرفتُه فعانقْته، فسقطنا جميعًا، وناديت: "اقتُلُوني ومالِكًا"؛ فجاء ناسٌ منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزْنا، وضاع الخطام، ونادى عليّ: اعقروا الجمل، فإنه إن عُقر تفرّقوا؛ فضربَه رجلٌ فسقط، فما سمعتُ صوتًا قطّ أشدّ من عَجيج الجمل.
وأمر عليّ محمدَ بن أبي بكر فضرب عليها قبّة، وقال: انظر، هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسَه، فقالت: من أنتَ؟ وَيْلَك! فقال: أبغض أهلك إليكِ، قالت: ابن الخَثعميّة؟ قال: نعم؛ قالت: بأبي أنت وأميّ! الحمد لله الذي عافاك (٢). (٤: ٥١٩).
١٠٠١ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان عمرو بن الأشرف أخذ بخطام الجمل، لا يدنو منه أحدٌ إلا خَبطه بسيفه؛ إذْ أقبل الحارث بن زُهَير الأزديّ وهو يقول:
يا أُمَّنا يا خيْرَ أُمٍّ نَعلَمُ ... أما تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكلَمُ!
وتُختَلَى هامَتُهُ والمِعْصَمُ!
فاختلفا ضربتين، فرأيتُهما يفحصان الأرض بأرجُلهما حتى ماتا.
فدخلتُ على عائشة ﵂ بالمدينة، فقالت: مَن أنت؟ قلت: رجل من الأزْد، أسكُن الكوفة؛ قالت: أشهِدْتنا يومَ الجمل؟ قلت: نعم. قالت: ألنا
стр. 3400
أمْ علينا؟ قلتُ: عليكم؛ قالت: أفتعرف الذي يقول:
يا أمَّنا يا خيرَ أمٍّ نعلمُ
قلت: نعم، ذاك ابنُ عمّي، فبكتْ حتى ظننتُ أنها لا تسكت (١). (٤: ٥٢٠/ ٥٢١).
١٠٠٢ - حدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن عن أبي ليلى، عن دينار بن العَيْزار، قال: سمعت الأشتر يقول: لقيتُ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأروَغَه، فعانقتُه، فسقطْنا إلى الأرض جميعًا، فنادى: "اقْتُلُوني ومالِكًا" (٢). (٤: ٥٢١).
١٠٠٣ - حدّثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن عن ابن أبي ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الأشتر يقول: رأيت عبد الله بن حَكيم بن حزام معه رايةُ قريش؛ وعديّ بن حاتم الطائيّ، وهما يتصاولان كالفحلين، فتعاوَرْناه، فقتلناه -يعني عبد الله- فطعن عبد الله عديًّا ففقأ عينَه (٣). (٤: ٥٢١).
١٠٠٤ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن عمّه محمّد بن مخنف، قال: حدَّثني عدّةٌ من أشياخ الحيّ كلّهم شهد الجَمَل، قالوا: كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخْنف سُلَيم، فقتل يومئذ، فتناول الراية من أهل بيته الصَّقعب وأخوه عبد الله بن سُليم، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح، وهي في يده، وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن مسلم، فقتل وقتل معه زيد بن صُوحان وسَيْحان بن صُوحان؛ وأخذ الراية عدّة منهم فقُتِلوا؛ منهم عبد الله بن رقبة، وراشد، ثم أخذها مُنْقذ بن النُّعمان، فدفعها إلى ابنه مُرّة بن منقذ، فانقضى الأمر وهي في يده، وكانت راية بكْر بن وائل من أهل الكُوفة في بني ذُهْل، كانت مع الحارث بن حسَّان بن خُوط الذُّهليّ، فقال أبو العَرْفاء الرقاشيّ: أبقِ على نفسك وقومك، فأقدمَ، وقال: يا معشرَ بكر بن وائل، إنّه لم يكن أحدٌ له من رسول الله ﷺ مثل منزلة صاحبكم،