← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

صاحبها، وأصيبت يدُ عبد الرحمن بن عتّاب يومئذ قبل قتله، وكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب شيء من أطرافه استَقْتَل إلى أن يُقتَل (١). (٤: ٥١٥/ ٥١٦). ٩٩٦ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة بن بلال، عن أبيه، قال: اشتدّ الأمر حتى أرِزت ميمنة الكوفة إلى القلب، حتى لزِقت به، ولزِقت ميسرة البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنةَ أهلِ الكوفة أن يختلطوا بقلبهم، وإن كانوا إلى جنبهم، وفعلَ مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة، فقالت عائشة ﵂ لمن عن يسارها: مَن القوم؟ قال صَبْرة بن شيمان: بَنُوكِ الأزْد، قالت: يا آل غَسّان! حافِظوا اليومَ جلادكم الذي كنا نسمع به، وتمثّلتْ: وجالَدَ مِنْ غَسَّانَ أهْلُ حِفاظِها ... وهِنْبٌ وأَوْسٌ جالَدَتْ وشَبيبُ وقالت لمن عن يمينها: مَن القوم؟ قالوا: بكر بن وائل؛ قالت: لكم يقول القائل: وجاؤوا إلَينا في الحَديدِ كَأَنَّهُمْ ... مِنَ العِزّةِ القَعْساءِ بكْرُ بنُ وائلِ إنما بإزائكم عبدُ القيس، فاقتتلوا أشدّ القتال من قتالهم قبل ذلك، وأقبلتْ على كتيبة بين يديها، فقالت: مَن القوم؟ قالوا: بنو ناجية، قالت: بَخٍ بَخٍ! سيوفٌ أبطحيّة، وسيوف قرشيّة، فجالدوا جلادًا يُتفادى منه، ثمّ أطافت بها بنو ضبّة، فقالت: ويهًا جمْرةَ الجمرات! حتى إذا رقُّوا؛ خالَطَهم بنو عديّ، وكثروا حولَها، فقالت: مَن أنتم؟ قالوا: بنو عديّ، خالطنا إخواننا، فقالت: ما زال رأس الجمل معتدلًا حتى قتلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأسَ الجمل، ثم ضربوا ضربًا ليس بالتعذير، ولا يعدَلون بالتطريف؛ حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكريْن جميعًا. رامُوا الجمل وقالوا: لا يُزال القومُ أو يصرع، وأرزتْ مجنِّبتا عليّ فصارتا في القلب، وفعل ذلك أهلُ البصرة، وكره القومُ بعضهم بعضًا، وتلاقَوا جميعًا بقلبيهم، وأخذ ابن يثربيّ برأس الجمل وهو يرتجز، وادّعى قتل علباء بن الهيثم، وزيد بن صُوحان، وهند بن عمرو، فقال:

стр. 3397

أنا لِمنْ يُنْكِرُني ابْنُ يَثْربي ... قاتلُ عِلْباء وهِنْدِ الجملي وابْنٍ لِصُوحانَ عَلَى دينِ علي فناداه عمّار: لقد لعمري لذتَ بحريز، وما إليك سبيل، فإن كنتَ صادقًا فاخرج من هذه الكتيبة إليّ؛ فترك الزمام في يد رجل من بني عديّ حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب عليّ، فزحم الناس عمّارًا حتى أقبل إليه، فاتّقاه عمار بدرَقته، فضربه فانتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمّار إليه لا يَملِك من نفسه شيئًا، فأسفّ عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على استه، وحمله أصحابه، فارتُثَّ بعدُ، فأتي به عليّ، فأمرَ بضرب عنقه، ولما أصيب ابن يثربيّ ترك ذلك العدَويُّ الزمام، ثم خرج فنادى: مَن يبارز؟ فخنَس عمّار، وبرز إليه ربيعة العُقَيليّ - والعدويّ يدعى عمرة بن بَجْرة، أشدّ الناس صوتًا - وهو يقول: يا أمّنا أَعَقّ أُمٍّ نَعْلَمُ ... والأُمُّ تَغْذو ولَدًا وتَرْحَمُ ألا تَرَيْنَ كَمْ شجَاعٍ يُكلَمُ ... وتُختَلَى مِنْهُ يَدٌ ومِعْصَمُ! ثم اضطرَبا، فأثْخنَ كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا. وقال عطيّة بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بني ضبّة، فقام مقام العَدَوِيّ، فما رأيْنا رجلًا قطّ أشدَّ منه، وجعل يقول: نحن بني ضَبَّةَ أصحابُ الجملْ ... نَنعَى ابن عفانَ بأطرافِ الأسَلْ الموتُ أحلَى عندنا من العسلْ ... رُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١) (٤: ٥١٦/ ٥١٧/ ٥١٨). ٩٩٧ - حدّثني عمرُ بن شبَّة، قال: حدَّثنا أبو الحسن، عن المفضّل بن محمد، عن عديِّ بن أبي عديّ، عن أبي رجاء العطارديّ، قال: إني لأنظر إلى رجل يومَ الجمل وهو يقلِّب سيفًا بيده كأنه مِخراق، وهو يقول: نحن بني ضبّة أصحابُ الجملْ ... ننازِلُ الموتَ إذا الموتُ نَزَلْ

стр. 3398

والموتُ أشهى عندَنا من العَسَلْ ... ننعى ابنَ عفَّانَ بأطراف الأسَلْ رُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١) (٤: ٥١٨). ٩٩٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن المفضّل الضبّيّ، قال: كان الرجل وسيمَ بن عمرو بن ضِرار الضبّي (٢). (٤: ٥١٨). ٩٩٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن الهُذَليّ، قال: كان عمرو بن يثربيّ يحضّض قومَه يوم الجمل، وقد تعاوروا الخِطام يَرتجزون: نحن بني ضَبَّةَ لا نَفِرُّ ... حتى نَرَى جماجمًا تَخِرُّ يَخِرُّ منها العَلَقُ المُحْمَرُّ يا أُمّنا يا عيْشُ لن تُراعي ... كلّ بنِيكِ بطَلٌ شُجاعُ يا أُمّنا يا زوجَة النبيّ ... يا زوجة المباركِ المهْدِي حتى قُتل على الخِطام أربعون رجلًا، وقالت عائشة ﵂: ما زال جَمَلي معتدلًا حتى فقدت أصواتَ بني ضَبّة، وقتل يومئذ عمرو بن يثربيّ علباءَ بن الهيثم السَّدوسىّ، وهندَ بن عمرو الجَمَليّ، وزيد بن صوحان؛ وهو يرتجز، ويقول: أضرِبُهُمْ ولا أَرى أَبا حَسَنْ ... كفى بهذا حَزَنًا من الحزنْ إنا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ فزعم الهُذَليّ: أنَّ هذا الشعر تُمُثِّلَ به يومَ صفّين، وعرض عمار لعمرو بن يثربيّ - وعمار يومئذ ابن تسعين سنة، عليه فَرْوٌ قد شَدّ وسَطه بحَبل من ليف - فبَدره عَمرو بن يثربيّ فنحّى له دَرَقته فنشب سيفه فيها، ورماه الناس حتى صُرع وهو يقول: إن تقتلوني فأنا ابنُ يثْرِبيّ ... قاتلُ عِلباءَ وهنْد الجملي ثمَّ ابنِ صُوحانَ على دينِ علي وأخِذ أسيرًا حتى انتُهِي به إلى عليّ، فقال: استبْقني، فقال: أبعد ثلاثة تُقبل

стр. 3399

عليهم بسَيفك تضربُ به وجوههم! فأمر به، فقُتل (١). (٤: ٥١٨/ ٥١٩) ١٠٠٠ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن إسحاق بن راشد، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، قال: مشيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربةٍ وطَعنةٍ، وما رأيتُ مثلَ يوم الجمل قطّ، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلّا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلّا قُتل، فأخذه عبدُ الرحمن بن عتاب فقُتل، فأخذه الأسوَد بن أبي البَخْتريّ فصُرع، وجئتُ فأخذت بالخِطام، فقالت عائشة: مَن أنت؟ قلت: عبد الله بن الزّبير، قالت: واثُكْل أسماء! ومرّ بي الأشتر، فعرفتُه فعانقْته، فسقطنا جميعًا، وناديت: "اقتُلُوني ومالِكًا"؛ فجاء ناسٌ منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزْنا، وضاع الخطام، ونادى عليّ: اعقروا الجمل، فإنه إن عُقر تفرّقوا؛ فضربَه رجلٌ فسقط، فما سمعتُ صوتًا قطّ أشدّ من عَجيج الجمل. وأمر عليّ محمدَ بن أبي بكر فضرب عليها قبّة، وقال: انظر، هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسَه، فقالت: من أنتَ؟ وَيْلَك! فقال: أبغض أهلك إليكِ، قالت: ابن الخَثعميّة؟ قال: نعم؛ قالت: بأبي أنت وأميّ! الحمد لله الذي عافاك (٢). (٤: ٥١٩). ١٠٠١ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان عمرو بن الأشرف أخذ بخطام الجمل، لا يدنو منه أحدٌ إلا خَبطه بسيفه؛ إذْ أقبل الحارث بن زُهَير الأزديّ وهو يقول: يا أُمَّنا يا خيْرَ أُمٍّ نَعلَمُ ... أما تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكلَمُ! وتُختَلَى هامَتُهُ والمِعْصَمُ! فاختلفا ضربتين، فرأيتُهما يفحصان الأرض بأرجُلهما حتى ماتا. فدخلتُ على عائشة ﵂ بالمدينة، فقالت: مَن أنت؟ قلت: رجل من الأزْد، أسكُن الكوفة؛ قالت: أشهِدْتنا يومَ الجمل؟ قلت: نعم. قالت: ألنا

стр. 3400

أمْ علينا؟ قلتُ: عليكم؛ قالت: أفتعرف الذي يقول: يا أمَّنا يا خيرَ أمٍّ نعلمُ قلت: نعم، ذاك ابنُ عمّي، فبكتْ حتى ظننتُ أنها لا تسكت (١). (٤: ٥٢٠/ ٥٢١). ١٠٠٢ - حدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن عن أبي ليلى، عن دينار بن العَيْزار، قال: سمعت الأشتر يقول: لقيتُ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأروَغَه، فعانقتُه، فسقطْنا إلى الأرض جميعًا، فنادى: "اقْتُلُوني ومالِكًا" (٢). (٤: ٥٢١). ١٠٠٣ - حدّثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن عن ابن أبي ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الأشتر يقول: رأيت عبد الله بن حَكيم بن حزام معه رايةُ قريش؛ وعديّ بن حاتم الطائيّ، وهما يتصاولان كالفحلين، فتعاوَرْناه، فقتلناه -يعني عبد الله- فطعن عبد الله عديًّا ففقأ عينَه (٣). (٤: ٥٢١). ١٠٠٤ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن عمّه محمّد بن مخنف، قال: حدَّثني عدّةٌ من أشياخ الحيّ كلّهم شهد الجَمَل، قالوا: كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخْنف سُلَيم، فقتل يومئذ، فتناول الراية من أهل بيته الصَّقعب وأخوه عبد الله بن سُليم، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح، وهي في يده، وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن مسلم، فقتل وقتل معه زيد بن صُوحان وسَيْحان بن صُوحان؛ وأخذ الراية عدّة منهم فقُتِلوا؛ منهم عبد الله بن رقبة، وراشد، ثم أخذها مُنْقذ بن النُّعمان، فدفعها إلى ابنه مُرّة بن منقذ، فانقضى الأمر وهي في يده، وكانت راية بكْر بن وائل من أهل الكُوفة في بني ذُهْل، كانت مع الحارث بن حسَّان بن خُوط الذُّهليّ، فقال أبو العَرْفاء الرقاشيّ: أبقِ على نفسك وقومك، فأقدمَ، وقال: يا معشرَ بكر بن وائل، إنّه لم يكن أحدٌ له من رسول الله ﷺ مثل منزلة صاحبكم،

стр. 3401

فانصروه، فأقدمَ، فقُتل، وقُتل ابنه، وقُتِل خمسة إخوة له، فقال له يومئذ بشر بن خُوط وهو يقاتل: أنا ابنُ حَسَّان بن خُوطٍ وأبي ... رسولُ بَكْرٍ كلّها إلى النَّبي وقال ابنه: أنْعَى الرئيسَ الحارثَ بنَ حسَّانْ ... لآلِ ذُهْلٍ ولآلِ شَيْبانْ وقال رجل من ذُهْل: تَنعَى لنا خيرَ امْرِئٍ مِنْ عَدْنانْ ... عند الطِّعانِ ونِزالِ الأقرانْ وقُتل رجال من بني محدوج، وكانت الرِّياسة لهم من أهل الكوفة، وقُتل من بني ذُهْل خمسةٌ وثلاثون رجلًا، فقال رجل لأخيه وهو يقاتل: يا أخي! ما أحسنَ قتالَنا إن كنَّا على حقّ! قال: فإنا على الحقّ، إن الناسَ أخذوا يمينًا وشمالًا، وإنما تمسَّكنا بأهل بيت نبيِّنا؛ فقاتَلَا حتى قُتلا، وكانت رياسة عبد القيس من أهل البصرة -وكانوا مع عليّ- لعمرو بن مرحوم، ورياسة بكر بن وائل لشَقيق بن ثَوْر، والرّاية مع رَشراشة مولاه، ورياسة الأزْد من أهل البصرة -وكانوا مع عائشة- لعبد الرحمن بن جُشَم بن أبي حُنَيْن الحمّامِيّ -فيما حدّثني عامر بن حفص، ويقال: لصبرة بن شيْمان الحُدّانيّ- والراية مع عمرو بن الأشرف العَتكيّ، فقُتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلًا من أهل بيته (١). (٤: ٥٢١/ ٥٢٢). ١٠٠٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو ليلى عن أبي عُكّاشة الهَمْدانيّ، عن رفاعة البَجَليّ، عن أبي البَخْتَريّ الطائيّ، قال: أطافت ضبّة، والأزد بعائشةَ يومَ الجمل، وإذا رجالٌ من الأزد يأخذون بعْرَ الجمل فيفتّونه ويشُمّونه، ويقولون: بعر جملِ أمِّنا ريحُه ريحُ المسك؛ ورجل من أصحاب عليّ يقاتل ويقول: جَرَّدتُ سيفي في رجال الأزْدِ ... أَضْرِب في كُهولِهِم والمُرْدِ كلَّ طويل الساعِدَيْن نهْدِ وماج الناس بعضُهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل؛ فضَربه

стр. 3402

بُجَير بن دُلْجة الضّبيّ من أهل الكوفة، فقيل له: لِمَ عَقرتَه؟ فقال! رأيتُ قومي يقتَلون، فخفت أن يفنَوا، ورجوت إن عقرته أن يبقَى لهم بقيّة (١). (٤: ٥٢٢/ ٥٢٣). ١٠٠٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا الصّلْت بن دينار، قال: انتهى رجلٌ من بني عُقَيْل إلى كعب بن سُور ﵀ وهو مقتول، فوضع زُجَّ رمحه في عينيه، ثم خَضخضه، وقال: ما رأيت مالًا قطّ أحكم نَقدًا منك (٢). (٤: ٥٢٣). ١٠٠٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا عَوانة، قال: اقتَتلُوا يومَ الجمل يومًا إلى الليل، فقال بعضهم: شَفى السَّيْف من زَيدٍ وهِنْدٍ نفوسَنا ... شفاءً ومن عينيْ عَدِيِّ بن حاتِم صبَرْنا لهم يومًا إلى الليلِ كلَّه ... بصمِّ القَنَا والمُرْهَفاتِ الصَّوارِم وقال ابن صامت: يا ضَبّ سيري فإن الأرضَ واسعةٌ ... على شِمالِكِ إن الموتَ بالقاعِ كَتيبةٌ كشعاعِ الشّمْسِ إذ طلعتْ ... لها أتِيٌّ إذا ما سال دُفَّاعُ إذًا نُقيم لكمْ في كلّ مُعْتَركٍ ... بالمَشْرَفِيّةِ ضَربًا غيرَ إِبْدَاع (٣) (٤: ٥٢٣). ١٠٠٨ - حدّثنا العباس بن محمد، قال: حدّثنا رَوْح بن عُبادة، قال: حَدّثنا رَوْح عن أبي رَجاء، قال: رأيت رجلًا قد اصطُلِمت أذُنه، قلت: أخِلْقة، أم شيء أصابك؟ قال: أحدّثك؛ بينا أنا أمشي بين القتلَى يومَ الجمل، فإذا رجل يَفحَص برِجله، وهو يقول: لقد أوْرَدَتْنا حَوْمَةَ الموتِ أُمُّنا ... فلم ننصرفْ إلَّا ونحن رِواءُ أطعْنا قريشًا ضَلّةً من حُلومِنا ... ونُصْرَتنا أهلَ الحجازِ عَناءُ قلت: يا عبد الله! قل: لا إله إلا الله، قال: ادنُ مني، ولقِّنِّي؛ فإنّ في أذني

стр. 3403

وقرًا، فدنَوت منه، فقال لي: ممن أنت؟ قُلت: رجل من الكوفة؛ فوثب عليّ، فاصطَلَم أذني كما ترى، ثمّ قال: إذا لقيت أمّك فأخبرها: أن عُمير بن الأهلب الضبيّ فعَل بك هذا (١). (٤: ٥٢٣/ ٥٢٤). ١٠٠٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المفضَّل الراوية، وعامر بن حفص، وعبد المجيد الأسديّ، قالوا: جُرح يوم الجمل عُمير بن الأهلب الضّبيّ، فمرّ به رجلٌ من أصحاب عليّ وهو في الجرحى، فقال له عُمير: ادْنُ منِّي، فدنا منه، فقطع أذنه، وقال عُمير بن الأهلب: لقد أوردتْنا حومةَ الموت أمُّنا ... فلَم ننصرف إلا ونحن رِواءُ لقد كان عن نَصرِ ابن ضَبَّة أمَّهُ ... وشيعَتها مَندوحةٌ وغَنَاءُ أطعنا بني تَيمِ بن مُرَّةَ شَقْوَةً ... وهل تَيْمٌ إلَّا أَعْبُدٌ وإماءُ (٢)! (٤: ٥٢٤). ١٠١٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثيّ، قال: كان منّا رجل يدعى هانئ بن خطّاب، وكان ممن غزا عثمان، ولم يشهد الجمل، فلمّا سمع بهذا الرجز- يعني رجزَ القائل: نحنُ بني ضَبَّة أصحابُ الجَملْ - في حديث الناس، نقض عليه وهو بالكوفة: أَبَتْ شيوخُ مَذْحج وهَمْدانْ ... ألَا يرُدُّوا نَعْثَلًا كما كانْ خلْقًا جَدِيدًا بعد خَلق الرَّحمنْ (٣) (٤: ٥٢٤). ١٠١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: جعل أبو الجرباء يومئذ يرتجز ويقول: أسامعٌ أنتَ مطيعٌ لعَلِي ... من قَبْلِ أن تَذوقَ حَدَّ المَشْرَفِي

стр. 3404

وخاذِلٌ في الحقِّ أزواجَ النّبي ... أعْرِفُ قومًا لستُ فيه بِعَني (١) (٤: ٥٢٥). ١٠١٢ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كانت أمّ المؤمنين في حَلْقة من أهل النَّجَدات والبصائر من أفناء مُضَر، فكان لا يأخذه أحد بالزمام إلّا كان يحمل الرّاية واللواء لا يحسِّن تركها، وكان لا يأخذه إلّا معروف عند المُطيفين بالجمل فينتسب لها: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه؛ وإنه للموتُ لا يوصل إليه إلا بطِلبَةٍ وعَنت، وما رامه أحد من أصحاب عليّ إلّا قُتل أو أفلت، ثم لم يَعُد، ولما اختلط الناس بالقلب جاء عديّ بن حاتم، فحمل عليه، ففُقئتْ عينه ونكل، فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وإنه لأقطَع مَنْزوف، فاعتنقه، ثم جلد به الأرض عن دابّته، فاضطرب تحته، فأفلت وهو جريض (٢). (٤: ٥٢٥). ١٠١٣ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان لا يجيء رجل فيأخذ بالزّمام حتى يقول: أنا فلان بن فلان يا أمّ المؤمنين! فجاء عبدُ الله بنُ الزّبير، فقالت حين لم يتكلم: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبد الله، أنا ابن أختك، قالت: واثُكْل أسماء! -تعني: أختها- وانتهى إلى الجمل الأشتر، وعديّ بن حاتم, فخرج عبد الله بن حَكِيم بن حزام إلى الأشتر، فمشى إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير، فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحًا شديدًا، وضرب عبد الله الأشتر ضربةً خفيفة، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبَه، وخرّا إلى الأرض يعتَركان، فقال عبد الله بن الزبير: "اقْتُلُوني ومالكًا". وكان مالك يقول: ما أحبّ أن يكون قال: "والأشتر" وأنّ لي حُمْر النَّعَم. وشدّ أناس من أصحاب عليّ وأصحاب عائشة فافترقا، وتنقّذ كلّ واحد من الفريقين صاحبَه (٣). (٤: ٥٢٥/ ٥٢٦).

стр. 3405

١٠١٤ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصَّعْب بن عَطيّة، عن أبيه، قال: وجاء محمد بن طلحة فأخذ بزمام الجمل، فقال: يا أمّتاه! مُرِيني بأمرِك، قالت: آمرُك أن تكون كخير بني آدم إن تُرِكتَ. قال: فحمل، فجعل لا يَحمِل عليه أحد إلّا حمل عليه ويقول: "حم لا ينصرون"، واجتَمع عليه نفر، فكلّهم ادّعى قتلَه: المكعْبر الأسديّ، والمكعبر الضّبيّ، ومعاوية بن شدّاد العَبْسي، وعفّان بن الأشقر النصريّ، فأنفَذه بعضهم بالرّمح، ففي ذلك يقول قاتلُه منهم: وأَشعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ ربّهِ ... قليلِ الأذى فيما ترى العيْنُ مُسْلِمِ هَتكتُ له بالرمح جَيْبَ قميصِه ... فخَرَّ صريعًا لليدين ولِلفَمِ يُذَكِّرُني حم والرمحُ شاجِرٌ ... فهَلا تَلا حم قبلَ التّقَدُّمِ! على غيرِ شيءٍ غيرَ أن ليس تابِعًا ... عَلِيًّا ومن لا يَتْبع الحقَّ يَنْدَمِ (١) (٤: ٥٢٦). ١٠١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلِّبه يومئذ: هل لك في العَود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر! بعضنا أعلمَ بقتالِ بعض منك. فحمل القعقاع، وإنّ الزمام مع زُفَر بن الحارث، وكان آخر مَنْ أعقب في الزّمام، فلا والله ما بقي من بني عامر يومئذ شيخٌ إلّا أصيب قدّام الجمل، فقُتِل فيمن قُتل يومئذ ربيعة جدّ إسحاق بن مسلم، وزفر يرتجز ويقول: يا أمَّنا يا عَيْش لن تُراعِي ... كلُّ بَنيكِ بَطَلٌ شجاعُ ليس بوَهّامٍ ولا بِراعي وقام القعقاع يرتجز ويقول: إذا وَرَدْنا آجِنًا جَهَرْناهُ ... ولا يُطاقُ وِرْدُ ما منعناهُ تمثّلها تمثُّلًا (٢). (٤: ٥٢٦/ ٥٢٧). ١٠١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة،

стр. 3406

قالا: كان من آخر مَنْ قاتل ذلك اليوم زُفَر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامرىّ مكتهِل إلّا أصيب، يتسرّعون إلى الموت، وقال القعقاع: يا بُجير بن دُلجة، صِحْ بقومك؛ فليَعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أمّ المؤمنين؛ فقال: يالَ ضَبة! يا عمرو بنَ دُلْجة! ادعْ بي إليك؛ فدعا به، فقال: أنا آمن حتى أرجع؟ قال: نعم. قال: فاجتثّ ساق البعير، فرمى بنفسه على شِقّه وجرجر البعير، وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو، وزُفَر على قَطْع بِطَان البعير، وحَمَلا الهودج فوضَعاه، ثم أطافا به، وتفارّ مَن وراء ذلك من الناس (١). (٤: ٥٢٧). ١٠١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: لما أمسى الناس وتقدّم عليٌّ وأحيط بالجمل ومَن حولَه، وعَقَره بُجَير بن دُلْجة، وقال: إنكم آمنون؛ كفَّ بعض الناس عن بعض. وقال عليّ في ذلك حين أمسى وانخَنَس عنهم القتال: إليك أشكو عُجَرِي وبُجَرِي ... ومَعْشَرًا غَشَّوْا عَليَّ بَصَري قَتلتُ منهمْ مُضَرًا بِمُضرِي ... شفيْتُ نفسي وقتلتُ مَعْشَرِي (٢) (٤: ٥٢٧). ١٠١٨ - كتب إلىَّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحة يومئذ: اللهمّ أعط عثمان منّي حتى يَرضَى؛ فجاء سهم غَرْبٍ وهو واقف، فَخلّ ركبتَه بالسرج، وثبت حتى امتلأ مَوْزجُه دمًا، فلما ثَقُل قال لمولاه: اردَفْني وابغني مكانًا لا أعرفُ فيه، فلم أر كاليوم شيخًا أضيَعَ دمًا مني. فركب مولاه، وأمسكه، وجعل يقول: قد لحقَنا القوم، حتى انتهى به إلى دار من دُور البصرة خَرِبة، وأنزله في فيئها، فمات في تلك الخَرِبة، ودفن ﵁ في بني سعد (٣). (٤: ٥٢٧/ ٥٢٨). ١٠١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن البَخْتريّ العبديّ، عن أبيه، قال: كانت ربيعة مع عليّ يوم الجمل ثُلث أهل الكوفة، ونصف الناس

стр. 3407

يوم الوقعة، وكانت تعبيتهم مُضَر ومضر، وربيعة وربيعة، واليمن واليمن؛ فقال بنو صُوحان: يا أميرَ المؤمنين! ائذن لنا نقف عن مُضر؛ ففعل، فأتى زيد فقيل له: ما يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر! الموت معك وبإزائك، فاعتزل إلينا، فقال: الموتَ نريد. فأصيبوا يومئذ، وأفلت صَعْصعة من بينهم (١). (٤: ٥٢٨). ١٠٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطية، قال: كان رجل منا يدعَى الحارث، فقال يومئذ: يَال مُضَر! علامَ يقتل بعضكم بعضًا! تبادرون لا ندري إلّا أنَّا إلى قضاء، وما تُكْفَوْن في ذلك (٢). (٤: ٥٢٨). ١٠٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المُزنيّ - أو عن صعصعة - عن عمرو بن جأوان، عن جرير بن أشرس، قال: كان القتال يومئذ في صدْر النهار مع طلحة، والزبير، فانهزم الناس؛ وعائشة تَوَقّع الصّلح، فلم يَفْجأها إلّا الناس، فأحاطت بها مُضَر، ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصفَ النهار مع عائشة، وعليّ ... كعب بن سُور أخذ مصحفَ عائشة وعليّ فبدر بين الصّفين يناشدهم الله في دمائهم، وأعطى درعَه فرمى بها تحته، وأتى بتُرسه فتنكّبه، فرشقوه رِشقًا واحدًا، فقتلوه ﵁، ولم يُمهلوهم أن شدّوا عليهم، والتَحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الكوفة (٣). (٤: ٥٢٩). ١٠٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلَد بن كثير، عن أبيه، قال: أرسلْنا مسلم بن عبد الله يدعو بني أبينا، فرَشَقوه -كما صنع القلب بكعب- رِشْقًا واحدًا، فقتلوه، فكان أوّلَ من قتل بين يديْ أمير المؤمنين وعائشة ﵂، فقالت أمّ مسلم ترثيه: لا هُمَّ إنّ مسلمًا أَتاهُم ... مُسْتسْلِمًا للموتِ إذ دَعاهُمُ إلى كتابِ اللهِ لا يخشاهمُ ... فرمَّلوهُ من دَمٍ إذ جاهُمُ

стр. 3408

وأمُّهم قائمةٌ تراهُمُ ... يأتمرون الغَيَّ لا تنهاهُم (١) (٤: ٥٢٩). ١٠٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما انهزمت مجنِّبتا الكوفة عشيّة الجمل، صاروا إلى القلب -وكان ابن يثربيّ قاضيَ البصرة قبل كعب بن سُور، فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل، وهما عبد الله، وعمرو، فكان واقفًا أمامَ الجمل على فرس- فقال عليّ: مَن رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو المراديّ، فاعترضَه ابن يثربيّ، فاختَلفَا ضربتين، فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل سَيْحان بن صُوحان، فاعترضه ابن يثربيّ، فاختَلَفا ضربتين فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل علباء بن الهيثم، فاعترضه ابن يثربيّ، فقتله، ثم حمل صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة أجهَزَ عليهم في المعركة: علباء، وهند، وسَيْحان، وارتُثَّ صعصعة وزيد، فمات أحدهما، وبقي الآخَر (٢). (٤: ٥٢٩/ ٥٣٠). ١٠٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: أخذ الخِطامَ يومَ الجمل سبعون رجلًا من قريش، كلُّهم يُقتل وهو آخذ بالخِطام، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمّه، وواثَبَه عبد الله، فاعتنقه فخرّ بهِ، وجعل يقول: "اقتلُوني ومالكًا" - وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال: "والأشتر"، وكانت له ألف نفس؛ ما نجا منها شيء - وما زال يضطرب في يديْ عبد الله حتى أفلَت، وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يَعُد. وجرِح يومئذ مَرْوان، وعبدُ الله بن الزبير (٣). (٤: ٥٣٠). ١٠٢٥ - حدّثني عبدُ الله بنُ أحمد، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدّثني محمد بن أبي يعقوب، وابن عون عن أبي رَجَاء، قال: قال يومئذ عمرو بن يثربيّ الضّبيّ؛ وهو أخو عميرة القاضي:

стр. 3409

نحن بنِي ضَبّة أصحابُ الجملْ ... ننْزِلُ بالموتِ إذا الموتُ نَزَلْ وزاد ابن عون- وليس في حديث ابن أبي يعقوب: القَتْلُ أحْلَى عِندنا من العَسَلْ ... ننْعَى ابنَ عفَّانَ بأطراف الأسَلْ رُدُّوا علينا شَيْخَنا ثمَّ بَجَلْ (١) (٤: ٥٣٠). ١٠٢٦ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن داود بن أبي هند، عن شيخ من بني ضَبّة، قال: ارتجز يومئذ ابن يثربيّ: أنا لمن أنكرَني ابن يثْرَبي ... قاتِلُ عِلْباءَ وهِنْدِ الجَملي وابنٍ لِصُوحانَ عَلى دينِ عَلي وقال: مَن يُبارز؟ فبَرَز له رجل، فقتله، ثم برز له آخر فقتَلهُ، وارتجز وقال: أقْتُلُهُمْ وقد أرى عليّا ... ولو أشا أوْجَرتُهُ عَمْريا فبرز له عمّار بن ياسر، وإنه لأضعف مَن بارَزَه، وإنّ الناس ليسترجعون حين قام عمار، وأنا أقول لعمار من ضعفه: هذا والله لاحقٌ بأصحابه، وكان قضيفًا، حَمْش الساقين، وعليه سيفٌ حمائلهُ تشفّ عنه قريب من إبطه، فيضربه ابن يثربيّ بسيفه، فنشب في حَجَفته، وضرَبه عمار وأوهطه، ورَمى أصحابُ عليّ ابنَ يَثْربي بالحجارة حتى أثخنوه، وارتَثُّوه (٢). (٤: ٥٣٠/ ٥٣١). ١٠٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمّاد البُرجُميّ، عن خارجة بن الصلت، قال: لما قال الضبّيّ يوم الجمل: نحن بني ضبّة أصحابُ الجَمَل ... ننعَى ابن عفَّانَ بأطراف الأسَلْ ردُّوا علينا شيخنَا ثمَّ بَجَلْ قال عُمير بُن أبي الحارث:

стр. 3410

كيف نَرُدُّ شيخَكم وقد قَحَلْ ... نحن ضَرَبنا صدرَه حتَّى انجفَلْ (١)! (٤: ٥٣١). ١٠٢٨ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف عن الصّعب بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: عقَر الجملَ رجلٌ من بني ضبّة يقال له: ابن دُلْجة - عمرو أو بُجير - وقال في ذلك الحارث بن قيس- وكان من أصحاب عائشة: نحن ضربنا ساقَهُ فانجدلا ... من ضربَةٍ بالنّفْرِ كانت فَيْصَلا لو لم نكَوَّنْ للرِّسول ثَقَلا ... وحُرْمَةً لاقْتسمُونا عُجَّلا وقد نُحِل ذلك المثنّى بن مخرمة من أصحاب عليّ (٢). (٤: ٥٣١/ ٥٣٢). شدَّة القتال يوم الجمل وخبر أعيَن بن ضُبيعة واطلاعه في الهودج ١٠٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نُوَيرة، عن أبي عثمان، قال: قال القعقاع: ما رأيتُ شيئًا أشبَه بشيء من قتال القلب يومَ الجَمَل بقتال صِفّين، لقد رأيتُنا ندافعهم بأسنّتنا ونتَّكئ على أزِجَّتنا، وهم مثل ذلك حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم (٣). (٤: ٥٣٢). ١٠٣٠ - حدّثني عيسى بن عبد الرّحمن المَروزِىّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين العُرَنيّ، قال: حدّثنا يحيى بن يعلى الأسلميّ عن سليمان بن قَرْم، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان الكاهليّ، قال: لما كان يوم الجمل ترامَينا بالنَّبل حتى فَنيتْ، وتَطاعنَّا بالرِّماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سُيِّرت عليها الخيل لسارت، ثم قال عليّ: السيوفَ يا أبناءَ المهاجرين! قال الشيخ: فما دخلتُ دارَ الوليد إلا ذكرتُ ذلك اليوم (٤). (٤: ٥٣٢). ١٠٣١ - حدّثني عبد الأعلى بن واصل، قال: حدّثنا أبو فُقيم، قال: حدّثنا فِطْر، قال: سمعت أبا بشير قال: كنتُ مع مولاي زمنَ الجمل، فما مررتُ بدار

стр. 3411

الوليد قَطّ، فسمعت أصواتَ القَصّارين يَضرِبون إلّا ذكرت قتالهم (١). (٤: ٥٣٢). ١٠٣٢ - حدّثني عيسى بن عبد الرحمن المروزيّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين قال: حدّثنا يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطّان، قال: حاصَ الناس حَيْصة، ثم رجعنا؛ وعائشة على جمل أحمر، وفي هَوْدج أحمر، ما شبّهته إلا بالقنفذ من النَّبل (٢). (٤: ٥٣٢/ ٥٣٣). ١٠٣٣ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد السُّلَميّ، عن ميسرة أبي جميلة: أنّ محمد بن أبي بكر، وعمّار بن ياسر أتَيَا عائشة؛ وقد عُقِر الجمل، فقطعا غُرْضة الرَّحْل، واحتَمَلا الهودج، فنَحَّياه حتى أمرهما عليٌّ فيه أمرَه بعد؛ قال: أدخِلاها البصرة، فأدخَلاها دارَ عبد الله بنِ خلف الخُزاعيّ (٣). (٤: ٥٣٣). ١٠٣٤ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: أمر عليٌّ نفرًا بحَمل الهَوْدج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزُفَر بن الحارث أنزَلاه عن ظهر البعير، فوَضَعاه إلى جَنبْ البعير، فأقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه نفر، فأدخل يدَه فيه، فقالت: مَن هذا؟ قال: أخوكِ البَرّ، قالت: عَقوق، قال عمّار بن ياسر: كيف رأيت ضرْب بنيك اليوم يا أمّهْ؟ ! قالت: مَن أنت؟ قال: أنا ابنك البارّ عمار؛ قالت: لستُ لك بأمّ؛ قال: بلى، وإن كرهْتِ. قالت: فخرتم أن ظفرتم، وأتيتم مثل ما نقَمتم، هيهات! والله لن يظفر مَن كان هذا دأبَه! وأبرزوها بهَوْدجها من القتلى، ووَضعوها ليس قربها أحد، وكأنّ هودجَها فرخ مقصِّب مما فيه من النَّبل، وجاء أعين بن ضُبيعة المجاشعيّ حتى اطّلع في الهَوْدج، فقالت: إليكَ لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلّا حُمَيْراء؛ قالت: هتَك الله سترَك، وقطع يَدَك، وأبدى عورَتك! فقُتل بالبصرة وسُلب، وقطعتْ يده، ورُمي به عريانًا في خَرِبة من خَرِبات الأزْد، فانتهى إليها

стр. 3412

عليّ، فقال: أيْ أمّه! يغفر الله لنا ولكم؛ قالت: غفر الله لنا ولكم (١). (٤: ٥٣٣/ ٥٣٤). ١٠٣٥ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه، عن جده، قال: انتهى محمد بن أبي بكر ومعه عمّار، فقطع الأنساع عن الهودج، واحتملاه، فلما وضعاه، أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد، فقالت: مذمّم، قال: يا أخيَّة! هل أصابَكِ شيء؟ قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: فمَن إذًا! الضُّلّال؟ قالت: بل الهُداة، وانتهى إليها عليّ، فقال: كيف أنتِ يا أمّه؟ ! قالت: بخير، قال: يغفر الله لكِ. قالت: ولكَ (٢). (٤: ٥٣٤). ١٠٣٦ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة، فأنزلها في دارِ عبد الله بن خلف الخُزاعيِّ على صفيَّة بنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدّار، وهي أمّ طلحة الطَّلَحات بن عبد الله بن خَلَف. وكانت الوقعة يومَ الخميس لعشرٍ خلوْن من جُمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، في قول الواقديّ (٣). (٤: ٥٣٤). مقتل الزبير بن العوّام ﵁ ١٠٣٧ - كتب إلىَّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما انهزم الناس يومَ الجمل عن طلحة، والزبير، ومضى الزّبير ﵁ حتى مرّ بعسكر الأحنف، فلما رآه، وأخبِر به قال: والله ما هذا بخيار، وقال للناس: مَن يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جُرموز لأصحابه: أنا، فأتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير -وكان شديدَ الغضب- قال: ما وراءك؟ قال:

стр. 3413

إنما أردتُ أن أسألك؛ فقال غلام للزّبير يُدعَى عطية كان معه: إنه مُعِدٌّ، ما يَهولك من رجل! وحضرت الصّلاة، فقال ابن جُرموز: الصلاة؛ فقال الزبير: الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جُرموز فطعنه من خلفه في جُرُبّان درعه، فقتله، وأخذ فرسَه وخاتمَه وسلاحه، وخلّى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع؛ ورجع إلى الناس بالخبر. فأما الأحنف؛ فقال: والله ما أدري أحسنت أم أسأت! ثمّ انحدر إلى عليّ وابن جُرموز معه، فدخل عليه، فأخبره، فدعا بالسيف، فقال: سيف طالمَا جلَّى الكُرَب عن وجه رسولِ الله ﷺ ! وبعث بذلك إلى عائشة، ثم أقبل على الأحنف فقال: تربّصتَ؛ فقال: ما كنتُ أراني إلّا قد أحسنتُ، وبأمرك كان ما كان يا أميرَ المؤمنين! فارفُق؛ فإنّ طريقك الذي سلكتَ بعيد، وأنت إليَّ غدًا أحوَج منك أمسِ، فاعرف إحساني، واستصفِ مودّتي لغَدٍ، ولا تقولَنَّ مثلَ هذا، فإني لم أزل لك ناصحًا (١). (٤: ٥٣٤/ ٥٣٥). من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى في البلاد ١٠٣٨ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ومضى الزبير في صدر يوم الهزيمة راجلًا نحو المدينة، فقتله ابن جُرموز، قالا: وخرج عُتْبة بن أبي سُفيان، وعبدُ الرحمن، ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شُجِّجوا في البلاد، فلقوا عصمة بن أبَير التيمّي، فقال: هل لكم في الجوار؟ قالوا: مَن أنت؟ قال: عصمة بن أبَير. قالوا: نعم، قال: فأنتم في جواري إلى الحَوْل؛ فمضى بهم، ثم حَماهم وأقام عليهم حتى بَرَؤوا، ثم قال: اختاروا أحبَّ بلد إليكم أبْلِغكُموه، قالوا: الشام، فخرج بهم في أربعمئة راكب من تَيْم الرِّباب، حتى إذا وغلوا، في بلاد كلب بدُومة قالوا: قد وفيتَ ذمّتك وذِمَمَهم، وقضيتَ الذي عليك فارجع، فرجع، وفي ذلك يقول الشاعر: وَفى ابنُ أبَيْرٍ والرّماح شوارعٌ ... بِآل أَبي العاصي وفاءً مُذَكَّرَا وأما ابن عامر؛ فإنه خرج أيضًا مشجّجًا، فتلقاه رجل من بني حُرْقوص يُدعَى

стр. 3414

مُرَيًّا، فدعاه للجِوار، فقال: نعم، فأجاره، وأقام عليه، وقال: أىّ البلدان أحبّ إليك؟ قال: دمَشق، فخرج به في رَكب من بني حُرْقوص حتى بلغوا به دمشق، وقال حارثةُ بن بدر- وكان مع عائشة، وأصيب في الوقعة ابنه، أو أخوه زراع: أتاني من الأنباءِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ ... أناخَ وألْقى في دِمَشْقَ المَراسيَا وأوَى مَرْوان بن الحَكم إلى أهل بيت من عنَزة يومَ الهزيمة، فقال لهم: أعلِموا مالكَ بنَ مِسمع بمكاني، فأتَوْا مالكًا، فأخبروه بمكانه، فقال لأخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الذي قد بعث إلينا يُعلِمنا بمكانه؟ قال: ابعث ابن أخي فأجِرْه، والتمسوا له الأمان من عليّ، فإن آمَنه؛ فذاك الذي نحبّ، وإن لم يؤمنه؛ خرجْنا به وبأسيافنا، فإن عرض له؛ جالَدْنا دونَه بأسيافنا، فإمّا أن نسلم، وإمّا أن نَهلك كرامًا، وقد استشار غيره من أهله من قَبْل في الذي استشار فيه مقاتلًا، فنهاه، فأخذ برأي أخيه، وترك رأيهم، فأرسل إليه، فأنزله داره، وعزم على منعه إن اضطر إلى ذلك، وقال: الموت دون الجوار وفاءٌ، وحفظ لهم بنو مَروان ذلك بعد، وانتفعوا به عندهم، وشرّفوهم بذلك، وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزْد يُدعَى وزيرًا، وقال: ائتِ أمَّ المؤمنين، فأعلمْها بمكاني، وإيّاك أن يطّلع على هذا محمد بن أبي بكر، فأتَى عائشةَ ﵂، فأخبَرَها، فقالت: عليَّ بمحمد، فقال: يا أمّ المؤمنين! إنه قد نهاني أن يعلم به محمد، فأرسلت إليه فقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تجيئَني بابن أختك؛ فانطَلَق معه فدخل بالأزديّ على ابن الزبير، قال: جئتك والله بما كرهتَ، وأبتْ أمّ المؤمنين إلّا ذلك، فخرج عبدُ الله، ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان، فشَتمَه، وشتم عبد الله محمدًا حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف -وكان عبد الله بن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، وقُتل عثمانُ أخوه مع عليّ- وأرسلت عائشةُ في طلب من كان جريحًا فضمّت منهم ناسًا، وضمّت مرْوان فيمن ضَمّت، فكانوا في بيوت الدار (١). (٤: ٥٣٥/ ٥٣٦/ ٥٣٧). ١٠٣٩ - كتب إليّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة،

стр. 3415

قالا: وغشيَ الوجوهُ عائشة؛ وعليٌّ في عسكره، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أوّل من دخل، فسلّم عليها، فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتَلدَا بين يديّ وارتَجزَا بكذا، فهل تَعرف كُوفيَّك منهما؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: "أعقُّ أمٍّ نعلم"، وكذَب والله، إنكِ لأبرّ أمّ نَعلَمُ، ولكن لم تطاعي، فقالت: والله لوددت أني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وخرج فأتى عليًّا فأخبره أنّ عائشة سألتْه، فقال: وَيْحك! منَ الرجلان؟ قال: ذلك أبو هالة الذي يقول: كيما أرى صاحبه عليًّا فقال: والله لوددتُ أني متّ قبلَ هذا اليومِ بعشرين سنة، فكان قولُهما واحدًا (١). (٤: ٥٣٧). ١٠٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وتسلّل الجرحى في جوف الليل، ودخلَ البَصْرة مَن كان يطيق الانبعاث منهم، وسألتْ عائشةُ يومئذ عن عِدّة من الناس، منهم من كان معها، ومنهم من كان عليها، وقد غشيَها الناس، وهي في دار عبدالله بن خلَف، فكلما نُعيَ لها منهم واحد، قالت: يرحمُه الله! فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسولُ الله ﷺ : فلانٌ في الجنة، وفلانٌ في الجنة. وقال عليّ بن أبي طالب يومئذ: إني لأرجو ألّا يكون أحد من هؤلاء نَقَّى قلبَه إلّا أدخله الله الجنّة (٢). (٤: ٥٣٧). ١٠٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي أيّوب، عن عليّ، قال: ما نُزِّل على النبيّ ﷺ آية أفرَح له من قول الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فقال ﷺ : "ما أصاب المسلمَ في الدّنيا من مصيبة في نفسه فبذَنْب، وما يعفو الله عنه أكثر، وما أصابه في الدّنيا فهو كفّارة له، وعفوٌ منه لا يُعتدّ عليه فيه عقوبة

стр. 3416

يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا؛ فقد عفا عنه، واللهُ أعظم من أن يعودَ في عفوه" (١). (٤: ٥٣٧/ ٥٣٨). توجّع عليّ على قتلى الجمل ودفنُهم وجمعه ما كان في العسكر والبعثُ به إلى البصرة ١٠٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وأقام عليّ بن أبي طالب في عسكره ثلاثةَ أيام لا يدخل البصرة، ونُدب الناس إلى موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف عليٌّ معهم في القتْلى، فلما أتِيَ بكَعْب بن سُور قال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحَبْر قد تروْن، وأتى علَى عبد الرحمن بن عتّاب، فقال: هذا يَعْسوب القوم -يقول الذي كانوا يُطيفون به- يعني: أنهم قد كانوا اجتمعوا عليه، ورضُوا به لصلاتهم، وجعل عليّ كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعمَ مَن زعم أنه لم يخرج إلينا إلّا الغوغاء، هذا العابد المجتهد، وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة؛ وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مدَنيين ومَكيِّين، ودَفن عليٌّ الأطرافَ في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أن من عرف شيئًا فليأخذه، إلّا سلاحًا كان في الخزائن عليه سِمَة السلطان، فإنه لمّا بقي لم يعرف، خذُوا ما أجلَبوا به عليكم من مال الله ، لا يحلّ لمسلم من مال المسلم المتوفَّى شيء، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفيل من السلطان (٢). (٤: ٥٣٨/ ٥٣٩). عدد قتلَى الجمل ١٠٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان قتلَى الجمل حول الجمل عشرة آلاف؛ نصفهُم من أصحاب عليّ، ونصفهم من أصحاب عائشة؛ من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمئة، ومن

стр. 3417

مضرَ ألفان، وخمسمئة من قيس، وخمسمئة من تميم، وألف من بني ضبّة، وخمسمئة من بكر بن وائل. وقيل: قتِل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقتل من أهل البصرة في المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. قالا: وقُتل من بني عديّ يومئذ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يَقرأ القرآن. وقالت عائشة ﵂: ما زلتُ أرجو النصرَ حتى خفيتْ أصواتُ بني عديّ (١). (٤: ٥٣٩). دخول عليّ على عائشة وما أمر به من العقوبة فيمن تناولها ١٠٤٤ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ودخل عليّ البصرة يومَ الإثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف -وهي أعظم دار بالبصرة- وجد النِّساءَ يبكين على عبد الله، وعثمان ابني خَلَف مع عائشة، وصفيّةُ ابنة الحارث مختمِرة تبكي، فلما رأته قالت: يا عليّ! يا قاتلَ الأحبّة! يا مفرّق الجمع! أيتمَ اللهُ بَنيك منك كما أيتمتَ ولدَ عبد الله منه! فلم يردّ عليها شيئًا، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلَّم عليها، وقعدَ عندها، وقال لها: جَبَهَتْنَا صفيّة، أما إني لم أرها منذ كانت جاريةً حتى اليوم، فلما خرج عليّ؛ أقبلت عليه، فأعادت عليه الكلام، فكفّ بغلته وقال: أمَا لهمَمْتُ -وأشار إلى الأبواب من الدار- أن افتح هذا الباب وأقتلَ من فيه، ثم هذا فأقتل مَن فيه، ثم هذا فأقتل من فيه -وكان أناس من الجرحَى قد لجؤوا إلى عائشة، فأخبِر عليٌّ بمكانهم عندها، فتغافل عنهم- فسكتت. فخرج عليُّ، فقال رجل من الأزد: واللهِ لا تُفلتنَا هذه المرأة. فغضب وقال: صَه! لا تَهْتِكُنّ سترًا، ولا تَدخُلنّ دارًا، ولا تُهيِّجُنّ امرأةً بأذَى، وإن شَتَمن أعراضَكم، وسفَّهن أمراءَكم، وصُلَحاءكم، فإنهنّ ضعاف؛ ولقد كنا نؤمر بالكفّ عنهنّ، وإنهنّ لمشركات، وإن الرجل ليكافئ المرأة، ويتناولها

стр. 3418

بالضّرب، فيُعيَّر بها عَقِبه من بعده، فلا يبلغنِّي عن أحد عرض لامرأة فأنكل به شرار الناس! ومضى عليّ، فلَحِق به رجل، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قام رجلان ممن لقيتُ على الباب، فتناولا مَنْ هو أمضُّ لك شتيمة من صفيّة. قال: ويحك! لعلها عائشة. قال: نعم، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما: جُزيتِ عنّا أمَّنا عُقوقا وقال الآخر: يا أمَّنا تُوبي فقد خَطِيتِ فبعث القعقاعَ بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين، فقال: أضربُ أعناقهما، ثم قال: لأنهَكنّهما عقوبة، فضرَبهما مئةً مئة، وأخرجَهما من ثيابهما (١). (٤: ٥٣٩/ ٥٤٠). ١٠٤٥ - كتب إلىّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الحارث بن حَصِيرة، عن أبي الكنود، قال: هما رجلان من أزْد الكوفة يقال لهما: عِجْل، وسعد ابنا عبدالله (٢). (٤: ٥٤٠). بيعة أهل البصرة عليًّا وقسمُه ما في بيت المال عليهم ١٠٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بايع الأحنف من العشيّ لأنه كان خارجًا هو وبنو سَعد، ثم دخلوا جميعًا البصرة، فبايع أهل البصرة على راياتهم، وبايع عليّ أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمِنة، فلما رجع مروان لحق بمعاوية، وقال قائلون: لم يبرح المدينة حتى فُرغ من صفين. قالا: ولما فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة؛ نظر في بيت المال فإذا فيه ستمئة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه الوقعة، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمئة خمسمئة، وقال: لكن إن أظفركم الله بالشام؛ مِثلُها إلى أعطياتكم.

стр. 3419

وخاض في ذلك السبَئيّة، وطعَنوا على عليّ من وراء وراء (١). (٤: ٥٤١). سيرة عليّ فيمن قاتل يوم الجمل ١٠٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال: كان من سيرة عليّ ألّا تقتل مدبرًا ولا يذفِّف على جريح، ولا يكشف سِترًا، ولا يأخذ مالًا؛ فقال قوم يومئذ: ما يُحلّ لنا دماءهم، ويُحرّم علينا أموالهم؟ فقال عليّ: القومُ أمثالكم، من صفح عنّا فهو منّا، ونحن منه، ومن لجَّ حتى يصاب؛ فقتاله منِّي على الصّدر والنّحر، وإنّ لكم في خُمْسِه لغنىً، فيومئذ تكلّمت الخوارج (٢). (٤: ٥٤١). بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخروجهما من البصرة إلى مكة ١٠٤٨ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: قصدتْ عائشة مكة فكان وجهها من البصرة، وانصرف مروان، والأسوَد بن أبي البَخْتَريّ إلى المدينة من الطريق، وأقامت عائشة بمكّة إلى الحجّ، ثم رجعت إلى المدينة (٣). (٤: ٥٤٢). ما كتب به عليّ بن أبي طالب من الفتح إلى عامله بالكوفة ١٠٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وكتب عليّ بالفتح إلى عامله بالكوفة حين كتب في أمرها وهو يومئذ بمكة: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين، أمّا بعد: فإنا التقينا في النصف من جمادى الآخرة بالحُريبة -فِناءٌ من أفنية البصرة- فأعطاهم الله سُنّة المسلمين، وقُتل منّا ومنهم قتلَى كثيرة، وأصيب ممّن أصيب منا ثُمامَة بن المثنّى، وهند بن عمرو، وعِلباء بن الهيثم، وسَيْحَان، وزيد ابنا صُوحان، ومحدوج. وكتب

стр. 3420

عبيد الله بن رافع. وكان الرسول زُفَر بن قيس إلى الكوفة بالبشارة في جمادَى الآخرة (١). (٤: ٥٤٢). أخذ عليّ البيعة على الناس وخبر زياد بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة ١٠٥٠ - وكان في البيعة: عليك عهدُ الله وميثاقُه بالوَفاء لتكونَنّ لسِلْمِنا سِلْمًا، ولحربنا حربًا، ولتكفّنّ عنّا لسانك ويدَك، وكان زياد بن أبي سفيان ممن اعتزل، ولم يشهد المعركة، قعد، وكان في بيت نافع بن الحارث، وجاء عبد الرحمن بن أبي بَكْرة في المستأمنين مسلّمًا بعدما فرغ عليّ من البيعة، فقال له عليٌّ: وعمُّك المتربّص المقاعد بي! فقال: والله يا أمير المؤمنين! إنه لك لَوَادّ، وإنه على مسرّتك لحريص، ولكنه بلغني أنه يشتكي، فأعلم لك علمَه ثم آتيك. وكتم عليًّا مكانه حتى استأمره، فأمره أن يُعلمه فأعلمه، فقال عليّ: امشِ أمامي فاهدني إليه، ففعل؛ فلما دخل عليه قال: تقاعدتَ عنّي، وتربّصْت- ووضع يده على صدره، وقال: هذا وجع بيّن- فاعتذر إليه زياد، فقبل عذره واستشاره. وأراده عليٌّ على البصرة، فقال: رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس؛ فإنه أجدر أن يطمئنّوا أو ينقادوا، وسأكفيكه وأشيرُ عليه. فافترقا على ابن عباس، ورجع عليٌّ إلى منزله (٢). (٤: ٥٤٣). تأمير ابن عبَّاس على البصرة وتولية زياد الخراج ١٠٥١ - وأمَّر ابنَ عبّاس على البصرة، وولَّى زيادًا الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه، فكان ابن عباس يقول: استشرته عند هَنَة كانت من الناس، فقال: إن كنتَ تعلم أنك على الحقّ، وأنّ مَنْ خالفك على الباطل، أشرتُ عليك بما ينبغي، وإن كنتَ لا تدري، أشرتُ عليك بما ينبغي كذلك،

стр. 3421

فقلت: إنِّي على الحقّ، وإنهم على الباطل، فقال: اضرب بمن أطاعك مَنْ عصاك ومن ترك أمرَك، فإن كان أعزّ للإسلام وأصلح له أن يُضرب عنُقه فاضرب عنقه، فاستكتبتهُ، فلما ولّي رأيتُ ما صنع، وعلمتُ أنه قد اجتهد لي رأيه، وأعجلت السَّبَئيّةُ عليًّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرًا إن كانوا أرادوه، وقد كان له فيها مقام (١). (٤: ٥٤٣/ ٥٤٤). ١٠٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: علم أهلُ المدينة بيوم الجمل يومَ الخميس قبل أن تغرب الشمس من نَسْر مرَّ بما حول المدينة، معه شيء متعلّقه، فتأمّله الناس فوقع، فإذا كفٌّ فيها خاتم، نقشه "عبد الرحمن بن عتّاب"، وجفل مَن بين مكة والمدينة من أهل البصرة، مَنْ قرُب من البصرة أو بعُد، وقد علموا بالوقعة مما ينقل إليهم النُّسور من الأيدي والأقدام (٢). (٤: ٥٤٤). تجهيز عليّ ﵇ عائشةَ ﵂ من البصرة ١٠٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وجهّز عليّ عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركَب، أو زاد، أو متاع، وأخرج معها كلَّ من نجا ممّن خرج معها إلّا من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهّز يا محمّد! فبلِّغها. فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه؛ جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجتْ على الناس، وودّعوها، وودّعتهم، وقالت: يا بَنيّ! تَعتَّب بعضُنا على بعض استبطاءً واستزادة، فلا يعتدّنّ أحدٌ منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلّا ما يكون بين المرأة وأحمائهَا؛ وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال عليٌّ: يا أيها الناس! صدقتْ والله وبَرّت، ما كان بيني وبينها إلّا ذلك، وإنها لزوجة نبيِّكم ﷺ في الدنيا والآخرة.

стр. 3422

وخرجت يوم السبت لغرَّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيَّعها عليٌّ أميالًا، وسرّح بنيه معها يومًا (١). (٤: ٥٤٤). ما رُوي من كثرة القتلى يوم الجمل ١٠٥٤ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا محمد بن الفضل بن عطيّة الخُراسانيّ عن سعيد القُطَعِيّ، قال: كنّا نتحدّث: أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستّة آلاف (٢). (٤: ٥٤٥). ١٠٥٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد بن شبّوَيْه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله عن جرير بن حازم، قال: حدّثني الزبير بن الخِرّيت عن أبي لبيد لمازة بن زياد، قال: قلت له: لمَ تسبّ عليًّا؟ قال: ألا أسبّ رجلًا قتل منا ألفين وخمسمئة، والشمس هاهنا! قال جرير بن حازم: وسمعتُ ابن أبي يعقوب يقول: قَتَل عليّ بن أبي طالب يومَ الجمل ألفين وخمسمئة، ألف وثلاثمئة وخمسون من الأزْد وثمانمئة من بني ضبّة، وثلاثمئة وخمسون من سائر الناس (٣). (٤: ٥٤٥). ١٠٥٦ - وحدّثني أبي عن سليمان، عن عبد الله، عن جَرِير، قال: قتِل المعرِّض بن عِلاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج: لم أر يَوْمًا كان أكثرَ ساعِيًا ... بِكفّ شِمالٍ فارقتْها يمينُها قال معاذ: وحدّثني عبد الله، قال: قال جرير: قتل المعرِّض بن عِلاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج: لم أرَ يومًا كان أكْثرَ ساعِيًا ... بِكفّ شِمالٍ فارَقَتْها يَمينُها (٤) (٤: ٥٤٥).

стр. 3423

آخر حديث الجمل بعثة عليّ بن أبي طالب قيس بن سعد بن عبادة أميرًا على مصر وفي هذه السنة -أعني: سنة ست وثلاثين، قُتِل محمد بن أبي حذيفة، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريون إلى عثمان مع محمد بن أبي بكر، أقام بمصر، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وضبطها، فلم يزل بها مقيمًا حتى قتل عثمان ﵁، وبويع لعليّ، وأظهر معاوية الخلاف، وبايعه على ذلك عمرو بن العاص، فسار معاوية، وعمرو إلى محمد بن أبي حُذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر، فعالجا دخولَ مصر، فلم يقدرا على ذلك، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عَرِيش مصر في ألف رجل، فتحصّن بها، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من أصحابه وأخِذوا وقُتلوا ﵏. ١٠٥٧ - وأما هشام بن محمد فإنه ذكر: أن أبا مِخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مِخنف بن سُليم حدّثه عن محمد بن يوسف الأنصاريّ مِن بني الحارث بن الخزرج، عن عبّاس بن سهل الساعديّ: أنّ محمد بن أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذي كان سَرّب المصريّين إلى عثمان بن عفان، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أحد بني عامر بن لؤيّ القرشيّ، وهو عامل عثمان يومئذ على مصر، فطرده منها، وصلى بالناس، فخرج عبد الله بن سعد من مصر فنزل على تُخوم أرضِ مصر مما يلي فِلَسطين، فانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلع راكبٌ فقال: يا عبد الله! ما وراءك؟ خبِّرنا بخبر الناس خلفك؛ قال: أفعل، قتل المسلمون عثمانَ ﵁، فقال عبد الله بن سعد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، يا عبد الله! ثم صنعوا ماذا؟ قال: ثم بايعوا ابنَ عمّ رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، قال عبد الله بن سعد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، قال له الرجل: كأنّ ولاية عليّ بن أبي طالب عدلتْ عندك قتلَ عثمان! قال: أجل. قال: فنظر إليه الرّجل، فتأمّله فعرفه وقال: كأنّك عبد الله بن أبي سرْح أمير مصر! قال: أجلْ؛ قال له الرجل: فإن كان لك في نفسك حاجة فالتجاء النّجاء، فإنّ رأيَ أمير المؤمنين فيك وفي أصحابك سَيِّئ، إن ظفر بكم قتلَكم أو نفاكم عن

стр. 3424

بلاد المسلمين، وهذا بعدي أمير يقدم عليك. قال له عبد الله: ومن هذا الأمير؟ قال: قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاريّ؛ قال عبد الله بن سعد: أبْعَد الله محمدَ بن أبي حذيفة! فإنه بغى على ابن عمِّه، وسعى عليه، وقد كان كفله وربّاه وأحسن إليه، فأساء جوارَه، ووثب على عمّاله، وجهز الرجال إليه حتى قتل، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان، لم يمتِّعه بسلطان بلاده حولًا ولا شهرًا، ولم يره لذلك أهلًا، فقال له الرجل: انجُ بنفسك، لا تُقتَل، فخرج عبد الله بن سعد هاربًا حتى قدم على معاوية بن أبي سُفيان دِمشق. قال أبو جعفر: فخبرُ هشامٍ هذا يدلّ على أن قيس بن سعد ولي مصر؛ ومحمد بن أبي حذيفة حيّ (١). (٤: ٥٤٦/ ٥٤٧). ١٠٥٨ - وفي هذه السنة بعث عليّ بن أبي طالب على مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، فكان من أمره ما ذكر هاشم بن محمد الكَلبيّ، قال: حدّثني أبو مِخنف عن محمد بن يوسف بن ثابت، عن سهل بن سعد، قال: لما قُتِل عثمان ﵁، وولي عليّ بن أبي طالب الأمر؛ دعا قيس بن سعد الأنصاريّ، فقال له: سر إلى مصرَ فقد وليتُكَها، واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومَن أحببت أن يصحبك حتى تأتيَها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوّك، وأعزّ لوليّك، فإذا أنت قدِمتهَا إن شاء الله فأحسِن إلى المحسن، واشتدّ على المريب، وارفُق بالعامة والخاصّة، فإنّ الرفق يُمن.

стр. 3425

فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا أميرَ المؤمنين! فقد فهمتُ ما قلتَ، أمّا قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلّا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدًا، فأنا أدَعُ ذلك الجند لك، فإن أنت احتجت إليهم كانوا منك قريبًا، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عُدّة لك، وأنا أصير إليها بنفسي وأهل بيتي، وأمّا ما أوصيتَني به من الرفق والإحسان، فإنّ الله هو المستعان على ذلك. قال: فخرج قيس بن سعد في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر، فجلس عليه، وأمرَ بكتابٍ معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى مَن بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإنّي أحمدَ إليكم اللهَ الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد، فإنّ الله بحسن صنعه، وتقديره، وتدبيره اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرّسل ﵈ إلى عباده، وخصّ به مَن انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله به هذه الأمّة، وخصّهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محمدًا ﷺ ، فعلَّمهم الكتاب، والحكمة، والفرائضَ، والسنّة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرّقوا، وزكّاهم لكيما يتطهّروا، ورفّهَهُمْ لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. ثم إنَّ المسلمين استخلفوا به أميريْن صالحين، عَمِلَا بالكتاب والسنّة، وأحسَنَا السيرة، ولم يَعدُوَا السنّة، ثم توفّاهما الله ، ﵄. ثم وليَ بعدهما والٍ فأحدث أحداثًا، فوجدت الأمة عليه مقالًا فقالوا، ثم نقَموا عليه فغَيّروا، ثم جاؤوني فبايعوني، فأستهدِي الله بالهُدى، وأستعينه على التقوى، ألَا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ , والقيام عليكم بحقه والتنفيذ لسنّته، والنّصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد بعثت إليكم قيسَ بن سعد بن عبادة أميرًا، فوازِروه وكانِفوه، وأعينوه على الحقّ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدّة على مُريبكم، والرّفق بعوامِّكم وخواصّكم، وهو ممّن

стр. 3426

أرضَى هديَه، وأرجو صلاحَه ونصيحته، أسأل الله لنا ولكم عملًا زاكيًا، وثوابًا جزِيلًا، ورحمةً واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين. قال: ثم إنّ قيس بن سعد قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ، وقال: الحمد لله الذي جاء بالحقّ، وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيّها الناس! إنا قد بايعْنا خير من نعلم بعد محمد نبينا ﷺ ، فقوموا أيّها الناس فبايِعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعةَ لنا عليكم. فقام الناس فبايَعوا، واستقامت له مصر، وبعث عليها عمّاله، إلّا أن قريةً منها يقال لها: "خِرِبْتَا" فيها أناس قد أعظموا قتلَ عثمان بن عفان ﵁، وبها رجل من كنانة ثم من بني مُدْلِج يقال له: يزيد بن الحارث من بني الحارث بن مُدْلج، فبعث هؤلاء إلى قيس بن سعد: إنّا لا نقاتلك فابعث عمّالك، فالأرضُ أرضكَ، ولكن أقِرّنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس. قال: ووثب مسلمة بن مخلَّد الأنصاريّ، ثمّ مَنْ ساعده من رهط قيس بن سعد، فنعى عثمان بن عفان ﵁، ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس بن سعد: ويحك، عليَّ تَثِب! فوالله ما أحبّ أنّ لي ملك الشام إلى مصرَ وأني قتلتك. فبعث إليه مسلمة: إني كافٌّ عنك ما دمت أنت واليَ مصر. قال: وكان قيس بن سعد له حزم ورأي، فبعث إلى الذين بِخِرِبْتَا: إنِّي لا أكرِهكم على البيعة، وأنا أدَعُكم وأكفّ عنكم، فهادَنَهم، وهادَن مسلمة بن مخلَّد، وجَبى الخراجَ، ليس أحد من الناس ينازعه. قال: وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى الكُوفة من البصرة وهو بمكانه، فكان أثقلَ خلق الله على معاوية بن أبي سفيان لقربه من الشام، مخافة أن يُقبِل إليه عليٌّ في أهلِ العراق، ويُقبل إليه قيس بن سعد في أهل مصر، فيقع معاوية بينهما. وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد - وعلىّ بن أبي طالب يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صِفّين:

стр. 3427

من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، سلام عليك، أمَّا بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمانَ بن عفان ﵁ في أُثْرةٍ رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في استعماله الفُتِيّ، فإنكم قد علمتم -إن كنتم تعلمون- أنَّ دمه لم يكن يحلّ لكم، فقد ركبتم عظيمًا من الأمر، وجئتم شيئًا إدًّا، فتبْ إلى الله يا قيس بن سعد! فإنك كنت في المجلِبين على عثمان بن عفان - إن كانت التوبة من قتل المؤمن تُغني شيئًا - فأمّا صاحبك فإنا استيقنّا أنّه الذي أغْرَى به الناس، وحَمَلَهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عُظْم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمانَ فافعل. تابعْنا على أمرنا، ولك سلطان العِراقَين إذا ظهرتُ ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلْني غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألني شيئًا إلا أوتيتَه، واكتب إليّ برأيك فيما كتبت به إليك، والسلام. فلما جاءه كتاب معاوية؛ أحبّ أن يدافعه ولا يبدي له أمره، ولا يتعجّل له حربه، فكتب إليه: أمّا بعد: فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه من قتل عثمانَ، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أطِفْ به، وذكرتَ: أنّ صاحبي هو أغرى الناسَ بعثمان، ودسَّهم إليه حتى قتلوه، وهذا مالم أطّلع عليه، وذكرت: أن عظْم عشيرتي لم تَسلَم من دم عثمان، فأوّل الناس كان فيه قيامًا عشيرتي، وأمّا ما سألتَني من متابعتك، وعرضتَ عليّ من الجزاء به، فقد فهمتُه، وهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرَع إليه، وأنا كافّ عنك، ولن يأتيَك مِن قِبَلي شيء تكرهه حتى تَرَى، ونرى إن شاء الله، والمستجارُ الله ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال: فلما قرأ معاوية كتابَه، لم يره إلّا مقارِبًا مباعِدًا، ولم يأمن أن يكون له فى ذلك مباعدًا مكايدًا، فكتب إليه معاوية أيضًا: أمّا بعدُ: فقد قرأتُ كتابك، فلم أرك تدنو فأعُدّك سِلْمًا، ولم أرك تباعِد فأعُدّك حربًا، أنت فيما هاهنا كحنَك الجَزور، وليس مثلي يصانع المخادع, ولا يَنْتزع للمكايد، ومعه عدد الرّجال، وبيده أعنّةُ الخيل؛ والسلام عليك.

стр. 3428

فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية، ورأى أنه لا يقبل معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ذاتَ نفسه، فكتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من قيس بن سعد، إلى معاوية بن أبي سُفيان. أما بعد: فإنّ العَجب من اغترارك بي، وطمعِك فيّ، واستسقاطك رأيي. أتسومني الخروج من طاعة أوْلى الناس بالإمْرة، وأقْوَلِهم للحق، وأهداهم سبيلًا، وأقربهم من رسول الله ﷺ وسيلةً، وتأمرني بالدُّخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقْوَلهم للزّور، وأضلِّهم سبيلًا، وأبعدِهم من الله ورسوله ﷺ وسيلة، ولد ضالّين مُضلِّين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأمّا قولك: إني مالئ عليك مصر خيلًا ورَجْلًا فوالله إن لم أشغَلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمَّ إليك؛ إنك لذو جَدّ، والسلام! فلما بلغ معاوية كتاب قيس؛ أيس منه، وثقل عليه مكانُه. رجع الحديث إلى حديث هشام عن أبي مخنف: ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره؛ شقّ عليه ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسهِ، وأظهر للناس قِبلَه: أن قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه، قال: واختلَق معاوية كتابًا من قيس بن سعد، فقرأه على أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد، سلامٌ عليك، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فإنّني لمّا نظرت رأيت: أنه لا يسعني مظاهرة قوم قَتلوا إمامَهم مُسلِمًا مُحرَّمًا برًّا تقيًّا، فنستغفر الله لذنوبنا، ونسأله العصمةَ لديننا، ألَا وإنني قد ألقيت إليكم بالسِّلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمانَ، إمام الهدى المظلوم، فعوِّل عليّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجّل عليك، والسلام. فشاع في أهل الشام: أن قيس بن سعد قد بايع معاوية بن أبي سُفيان، فسرّحت عيون عليّ بن أبي طالب إليه بذلك؛ فلما أتاه ذلك، أعظمه، وأكبره، وتعجّب له، ودعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال: ما رأيكم؟ فقال: عبد الله بن جعفر: يا أميرَ المؤمنين! دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يرِيبُك، اعزِل قيسًا عن مصر. قال لهم

стр. 3429

عليّ: إني والله ما أصدّق بهذا على قيس؛ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين! اعزِله، فوالله لئن كان هذا حقًّا لا يعتزل لك إن عزلتَه! فإنهم كذلك إذ جاء كتابٌ من قيس بن سعد فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد: فإني أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله: أنّ قِبَلي رجالًا معتزلين قد سألوني أن أكفّ عنهم، وأن أدَعَهم على حالهم حتى يستقيمَ أمرُ الناس، فنرى ويَروْا رأيَهم، فقد رأيتُ أن أكفّ عنهم، وألّا أتعجّل حربَهم، وأن أتألّفهم فيما بين ذلك لعلّ الله أن يُقبل بقلوبهم، ويفرّقهم عن ضلالتهم؛ إن شاء الله. فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين! ما أخوَفَني أن يكون هذا ممالأة لهم منه، فمُرْه يا أمير المؤمنين بقتالهم، فكتب إليه عليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد: فسِرْ إلى القوم الّذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون؛ وإلّا؛ فناجزْهم إن شاء الله. فلما أتى قيسَ بن سعد الكتابُ فقرأه، لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين: أما بعد يا أمير المؤمنين! فقد عجبتُ لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافِّين عنك، مُفرِّغيك لقتال عدوّك! وإنّك متى حاربتَهم ساعدوا عليك عدوّك، فأطعني يا أمير المؤمنين! واكفُف عنهم، فإنّ الرأي تركهم، والسلام. فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا أميرَ المؤمنين! ابعَثْ محمد بن أبي بكر على مصر يَكفِك أمرَها، واعزِل قيسًا، والله لقد بلغني أن قيسًا يقول: والله إنّ سلطانًا لا يتمّ إلّا بقتل مسلمة بن مخلَّد لسلطان سَوْء؛ والله ما أحبّ أنّ لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلت ابن المخلّد، قال: وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمّه، فبعث عليّ محمد بن

стр. 3430

أبى بكر على مصر، وعزل عنها قيسًا (١). (٤: ٥٤٧/ ٥٤٨/ ٥٤٩/ ٥٥٠/ ٥٥١، تكملة - ٥٥٣/ ٥٥٤/ ٥٥٥).

стр. 3431

١٠٥٩ - حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: كانت مصر من حين عليّ، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحبَ راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، وكان من ذوِي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدَيْن على أن يُخرجاه من مصر ليَغلِبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدروا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيسَ بن سعد من قِبَل عليّ، وكان معاوية يحدّث رجالا من ذوِي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعتُ مكايدةً قطّ كانت أعجبَ عندي من مكايدة كدتُ بها قيسًا من قبَل عليّ وهو بالعراق حين امتنع منِّى قيس. قلت لأهل الشام: لا تسبّوا قيسَ بن سعد، ولا تدْعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيِّس نصيحته سرًّا. ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خِرِبْتَا، يُجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سِرْبَهم، ويُحسن إلى كلّ راكبٍ قدم عليه منكم، لا يستنكرونه في شيء! قال معاوية: وهممتُ أن أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس عليّ عندي وبالعراق، فبلغ ذلك عليًّا، ونماه إليه محمد بن

стр. 3432

أبي بكر، ومحمّد بن جعفر بن أبي طالب، فلما بلغ ذلك عليًّا؛ اتّهَم قيسًا، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خِرِبْتَا -وأهل خَربِتا يومئذ عشرة آلاف- فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم، وأهلُ الحِفاظ منهم، وقد رَضُوا منّي أن أؤمِّن سِربَهم، وأُجرِيَ عليهم أعطياتِهم وأرزاقَهم، وقد علمت: أن هواهم مع معاوية، فلست مكايدهم بأمر أهوَن عليّ وعليك من الذي أفعل بهم، ولو أني غزوتُهم؛ كانوا لي قِرْنًا، وهم أسُود العرب، ومنهم بُسْر بن أبي أرطاة، ومسلمة بن مخلَّد، ومعاوية بن حُديج، فذَرْني فأنا أعلم بما أداري منهم، فأبى عليّ إلّا قتالَهم، وأبى قيس أن يقاتلهم. فكتب قيس إلى عليّ: إن كنت تتّهمني؛ فاعزلني عن عملك، وابعث إليه غيري، فبعث عليٌّ الأشتر أميرًا إلى مصر، حتى إذا صار بالقلزم شربَ شربَة عسل كان فيها حتفه، فبلغ حديثهم معاوية، وعمرًا، فقال عمرو: إن لله جُندًا من عَسَل. فلما بلغ عليًّا وفاة الأشتر بالقُلْزَم؛ بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر. فالزُّهريّ يذكر: أنّ عليًّا بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر بعد مَهلِك الأشتر بقلزم، وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر في خبره: أنّ عليًّا بعث بالأشتر أميرًا على مصر بعد مَهلِك محمد بن أبي بكر (١). (٤: ٥٥٢/ ٥٥٣). ولاية محمد بن أبي بكر مصر ١٠٦٠ - قال هشام عن أبي مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ -من والبة الأزْد- عن أبيه: أنّ عليًّا كتب معه إلى أهل مصر كتابًا، فلما قدم به على قيس؛ قال له قيس: ما بال أميرِ المؤمنين! ما غيَّره؟ أدَخَل أحدٌ بيني وبينه؟ قال له: لا، وهذا السلطان سلطانك؟ ! قال: لا، والله لا أقيم معك ساعة واحدة، وغضب حين عزله، فخرج منها مقبلًا إلى المدينة، فقدِمها، فجاءه حسان بن ثابت شامتًا به - وكان حسان عثمانيًا - فقال له: نزَعك عليّ بن أبي طالب، وقد

стр. 3433

قتلت عثمان فبقيَ عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمَى القلب والبصر! والله لولا أن ألقِيَ بين رهطي ورهطك حربًا؛ لضربتُ عنقك! اخرُج عنِّي. ثم إن قيسًا خرج هو وسهل بن حُنَيف حتى قدما على عليّ، فخبّره قيس؛ فصدّقه عليّ، ثم إن قيسًا، وسهلًا شهدا مع عليّ صِفيّن (١). (٤: ٥٥٥). ١٠٦١ - وأما الزّهريّ، فإنه قال فيما حدّثني به عبد الله بن أحمد؛ قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ: أنّ محمد بن أبي بكر قدم مصر، وخرج قيس فلَحِق بالمدينة، فأخافه مروان، والأسوَد بن أبي البَخْتَري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يُقتل؛ ركب راحلته، فظهر إلى عليّ، فبعث معاوية إلى مروان، والأسود يتغيّظ عليهما، ويقول: أمَدَدتما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكانه، فوالله لو أنّكما أمددْتُما بمئة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظَ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى عليّ. فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثّه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ من كان يهزُّه على عزل قيس بن سعد لم ينصح له، فأطاع عليٌّ قيسَ بن سعد في الأمر كله (٢). (٤: ٥٥٥). ١٠٦٢ - قال هشام: عن أبي مخْنَف، قال: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن أبيه، قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر، فلمّا قدم قرأ عليهم عهدَه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما عهِد عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولّاه مصر، وأمره بتقوى الله والطاعة في السرّ والعلانية، وخوفِ الله في الغيب والمشهد، وباللين على المسلمين، وبالغِلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذّمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس،

стр. 3434

وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، ويعذّب المجرمين. وأمره أن يدعوَ منْ قبَله إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يَقدرُون قدره، ولا يَعرفون كُنهه، وأمره أن يَجبيَ خراج الأرض على ما كانت تُجبَى عليه من قبل، لا يُنتقص منه، ولا يُبتدع فيه، ثمّ يقسمَه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يُلين لهم جناحَه، وأن يواسيَ بينهم في مجلسه ووجهه، وليكن القريبُ والبعيدُ في الحقّ سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقسط، ولا يتّبع الهوى، ولا يَخَفْ في الله لومة لائم، فإنّ الله ثناؤه مع من اتقى، وآثر طاعته، وأمرَه على ما سواه. وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ لغرّة شهر رمضان. قال: ثمّ إن محمد بن أبي بكر قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدانا وإيّاكم لما اختُلِف فيه من الحقّ، وبصّرنا وإيّاكم كثيرًا مما عَمِي عنه الجاهلون، ألا إنّ أمير المؤمنين ولّاني أمورَكم، وعهد إليّ ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهةً، ولن آلوَكم خيرًا ما استطعت، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾؛ فإن يكن ما ترون من إمارتي، وأعمالي طاعة لله، وتقوى؛ فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملًا عمل غير الحق زائغًا؛ فارفعوه إليّ، وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعَد، وأنتم بذلك جديرون، وفّقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته، ثمّ نزل (١). (٤: ٥٥٦/ ٥٥٧). ١٠٦٣ - وذكر هشام عن أبي مخنف، قال: وحدّثني يزيد بن ظَبيان الهمْدانيّ: أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا وُلِّيَ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعَها العامّة، قال: ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرًا كاملًا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادَعَهم. فقال: يا هؤلاء! إمّا أن تدخلوا في طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: إنا لا نفعل، دعْنا حتى ننظرَ إلى ما تصير إليه

стр. 3435

أمورنا، ولا تعجل بحرْبنا، فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حِذْرهم، فكانت وقعة صِفّين، وهم لمحمّد هائبون، فلما أتاهم صبرُ معاوية، وأهل الشام لعليّ، وأنّ عليًّا وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشام، وصار أمرُهم إلى الحكومة؛ اجترؤوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا له المبارزة، فلما رأى ذلك محمد بعث الحارث بن جُمْهان الجعفيّ إلى أهل خِرِبْتَا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كنانة، فقاتلهم، فقتلوه، ثم بعث إليهم رجلًا من كلب يُدعَى ابن مُضاهم، فقتلوه (١). (٤: ٥٥٧). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فيما قيل: قدم ماهَوَيْهِ مَرْزبان مَرْو مقرًّا بالصلح الذي كان جرى بينه وبين ابن عامر على عليّ. ذكر من قال ذلك: ١٠٦٤ - قال عليّ بن محمد المدائنيّ عن أبي زكرياء العجْلانيّ، عن ابن إسحاق، عن أشياخه، قال: قدم ماهويه أبراز مَرْزُبان مرْو على عليّ بن أبي طالب بعد الجمل مقرًّا بالصلح، فكتب له عليٌّ كتابًا إلى دَهاقين مرْو،
следующие страницы →