← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

١٠٥٩ - حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: كانت مصر من حين عليّ، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحبَ راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، وكان من ذوِي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدَيْن على أن يُخرجاه من مصر ليَغلِبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدروا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيسَ بن سعد من قِبَل عليّ، وكان معاوية يحدّث رجالا من ذوِي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعتُ مكايدةً قطّ كانت أعجبَ عندي من مكايدة كدتُ بها قيسًا من قبَل عليّ وهو بالعراق حين امتنع منِّى قيس. قلت لأهل الشام: لا تسبّوا قيسَ بن سعد، ولا تدْعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيِّس نصيحته سرًّا. ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خِرِبْتَا، يُجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سِرْبَهم، ويُحسن إلى كلّ راكبٍ قدم عليه منكم، لا يستنكرونه في شيء! قال معاوية: وهممتُ أن أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس عليّ عندي وبالعراق، فبلغ ذلك عليًّا، ونماه إليه محمد بن

стр. 3432

أبي بكر، ومحمّد بن جعفر بن أبي طالب، فلما بلغ ذلك عليًّا؛ اتّهَم قيسًا، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خِرِبْتَا -وأهل خَربِتا يومئذ عشرة آلاف- فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم، وأهلُ الحِفاظ منهم، وقد رَضُوا منّي أن أؤمِّن سِربَهم، وأُجرِيَ عليهم أعطياتِهم وأرزاقَهم، وقد علمت: أن هواهم مع معاوية، فلست مكايدهم بأمر أهوَن عليّ وعليك من الذي أفعل بهم، ولو أني غزوتُهم؛ كانوا لي قِرْنًا، وهم أسُود العرب، ومنهم بُسْر بن أبي أرطاة، ومسلمة بن مخلَّد، ومعاوية بن حُديج، فذَرْني فأنا أعلم بما أداري منهم، فأبى عليّ إلّا قتالَهم، وأبى قيس أن يقاتلهم. فكتب قيس إلى عليّ: إن كنت تتّهمني؛ فاعزلني عن عملك، وابعث إليه غيري، فبعث عليٌّ الأشتر أميرًا إلى مصر، حتى إذا صار بالقلزم شربَ شربَة عسل كان فيها حتفه، فبلغ حديثهم معاوية، وعمرًا، فقال عمرو: إن لله جُندًا من عَسَل. فلما بلغ عليًّا وفاة الأشتر بالقُلْزَم؛ بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر. فالزُّهريّ يذكر: أنّ عليًّا بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر بعد مَهلِك الأشتر بقلزم، وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر في خبره: أنّ عليًّا بعث بالأشتر أميرًا على مصر بعد مَهلِك محمد بن أبي بكر (١). (٤: ٥٥٢/ ٥٥٣). ولاية محمد بن أبي بكر مصر ١٠٦٠ - قال هشام عن أبي مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ -من والبة الأزْد- عن أبيه: أنّ عليًّا كتب معه إلى أهل مصر كتابًا، فلما قدم به على قيس؛ قال له قيس: ما بال أميرِ المؤمنين! ما غيَّره؟ أدَخَل أحدٌ بيني وبينه؟ قال له: لا، وهذا السلطان سلطانك؟ ! قال: لا، والله لا أقيم معك ساعة واحدة، وغضب حين عزله، فخرج منها مقبلًا إلى المدينة، فقدِمها، فجاءه حسان بن ثابت شامتًا به - وكان حسان عثمانيًا - فقال له: نزَعك عليّ بن أبي طالب، وقد

стр. 3433

قتلت عثمان فبقيَ عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمَى القلب والبصر! والله لولا أن ألقِيَ بين رهطي ورهطك حربًا؛ لضربتُ عنقك! اخرُج عنِّي. ثم إن قيسًا خرج هو وسهل بن حُنَيف حتى قدما على عليّ، فخبّره قيس؛ فصدّقه عليّ، ثم إن قيسًا، وسهلًا شهدا مع عليّ صِفيّن (١). (٤: ٥٥٥). ١٠٦١ - وأما الزّهريّ، فإنه قال فيما حدّثني به عبد الله بن أحمد؛ قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ: أنّ محمد بن أبي بكر قدم مصر، وخرج قيس فلَحِق بالمدينة، فأخافه مروان، والأسوَد بن أبي البَخْتَري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يُقتل؛ ركب راحلته، فظهر إلى عليّ، فبعث معاوية إلى مروان، والأسود يتغيّظ عليهما، ويقول: أمَدَدتما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكانه، فوالله لو أنّكما أمددْتُما بمئة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظَ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى عليّ. فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثّه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ من كان يهزُّه على عزل قيس بن سعد لم ينصح له، فأطاع عليٌّ قيسَ بن سعد في الأمر كله (٢). (٤: ٥٥٥). ١٠٦٢ - قال هشام: عن أبي مخْنَف، قال: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن أبيه، قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر، فلمّا قدم قرأ عليهم عهدَه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما عهِد عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولّاه مصر، وأمره بتقوى الله والطاعة في السرّ والعلانية، وخوفِ الله في الغيب والمشهد، وباللين على المسلمين، وبالغِلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذّمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس،

стр. 3434

وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، ويعذّب المجرمين. وأمره أن يدعوَ منْ قبَله إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يَقدرُون قدره، ولا يَعرفون كُنهه، وأمره أن يَجبيَ خراج الأرض على ما كانت تُجبَى عليه من قبل، لا يُنتقص منه، ولا يُبتدع فيه، ثمّ يقسمَه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يُلين لهم جناحَه، وأن يواسيَ بينهم في مجلسه ووجهه، وليكن القريبُ والبعيدُ في الحقّ سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقسط، ولا يتّبع الهوى، ولا يَخَفْ في الله لومة لائم، فإنّ الله ثناؤه مع من اتقى، وآثر طاعته، وأمرَه على ما سواه. وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ لغرّة شهر رمضان. قال: ثمّ إن محمد بن أبي بكر قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدانا وإيّاكم لما اختُلِف فيه من الحقّ، وبصّرنا وإيّاكم كثيرًا مما عَمِي عنه الجاهلون، ألا إنّ أمير المؤمنين ولّاني أمورَكم، وعهد إليّ ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهةً، ولن آلوَكم خيرًا ما استطعت، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾؛ فإن يكن ما ترون من إمارتي، وأعمالي طاعة لله، وتقوى؛ فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملًا عمل غير الحق زائغًا؛ فارفعوه إليّ، وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعَد، وأنتم بذلك جديرون، وفّقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته، ثمّ نزل (١). (٤: ٥٥٦/ ٥٥٧). ١٠٦٣ - وذكر هشام عن أبي مخنف، قال: وحدّثني يزيد بن ظَبيان الهمْدانيّ: أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا وُلِّيَ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعَها العامّة، قال: ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرًا كاملًا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادَعَهم. فقال: يا هؤلاء! إمّا أن تدخلوا في طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: إنا لا نفعل، دعْنا حتى ننظرَ إلى ما تصير إليه

стр. 3435

أمورنا، ولا تعجل بحرْبنا، فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حِذْرهم، فكانت وقعة صِفّين، وهم لمحمّد هائبون، فلما أتاهم صبرُ معاوية، وأهل الشام لعليّ، وأنّ عليًّا وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشام، وصار أمرُهم إلى الحكومة؛ اجترؤوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا له المبارزة، فلما رأى ذلك محمد بعث الحارث بن جُمْهان الجعفيّ إلى أهل خِرِبْتَا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كنانة، فقاتلهم، فقتلوه، ثم بعث إليهم رجلًا من كلب يُدعَى ابن مُضاهم، فقتلوه (١). (٤: ٥٥٧). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فيما قيل: قدم ماهَوَيْهِ مَرْزبان مَرْو مقرًّا بالصلح الذي كان جرى بينه وبين ابن عامر على عليّ. ذكر من قال ذلك: ١٠٦٤ - قال عليّ بن محمد المدائنيّ عن أبي زكرياء العجْلانيّ، عن ابن إسحاق، عن أشياخه، قال: قدم ماهويه أبراز مَرْزُبان مرْو على عليّ بن أبي طالب بعد الجمل مقرًّا بالصلح، فكتب له عليٌّ كتابًا إلى دَهاقين مرْو،

стр. 3436

والأساورة، والجند سلارين ومن كان في مَرْو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن ماهويه أبراز مَرْزبان مَرْو جاءني، وإني رضيتُ عنه، وكتب سنة ست وثلاثين. ثم إنهم كفرُوا، وأغلقوا أبْرَشهَر (١). (٤: ٥٥٧/ ٥٥٨). توجيه عليّ خلَيد بن طَريف إلى خراسان ١٠٦٥ - قال عليّ بن محمد المدائنيّ: أخبرنا أبو مخنف عن حنظلة بن الأعلم، عن ماهان الحنفيّ، عن الأصبغ بن نُباتة المُجاشعيّ، قال: بعث عليٌّ خُلَيد بن قرّة اليَربوعيّ -ويقال: خُلَيد بن طريف- إلى خُراسان (٢). (٤: ٥٥٨). ذكر خبر عمرو بن العاص ومبايعته معاوية ١٠٦٦ - وفي هذه السنة -أعني: سنة ستٍّ وثلاثين- بايع عمرو بن العاص معاوية، ووافقه على محاربة عليّ، وكان السبب في ذلك ما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: لما أحيط بعثمانَ ﵁ خرج عَمرو بن العاص من المدينة متوجّهًا نحو الشام، وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركَه قتْل هذا الرجل إلّا ضربه الله بذلّ! من لم يستطع نصرَه فليهرُب. فسار، وسار معه ابناه عبد الله، ومحمد، وخرج بعدَه حسّان بن ثابت، وتتابع على ذلك ما شاء الله (٣). (٤: ٥٥٨). ١٠٦٧ - قال سيف: عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا: بينا عمرو بن العاص جالس بعَجْلان؛ ومعه ابناه؛ إذْ مرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، فقال عمرو: ما اسمك؟ قال: حَصِيرة. قال عمرو: حُصِر الرجل،

стр. 3437

قال: فما الخبر؟ قال: تركت الرجل محصورًا، قال عمرو: يُقتَل، ثم مكثوا أيامًا، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمُك؟ قال: قَتّال؛ قال عمرو: قُتِل الرجل، فما الخبرُ؟ قال: قُتِل الرجل. قال: ثم لم يكن إلّا ذلك إلى أن خرجتُ، ثم مكثوا أيّامًا، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمُك؟ قال: حرب، قال عمرو: يكون حرب؛ فما الخبر؟ قال: قُتِل عثمانُ بن عفان ﵁، وبويع لعليّ بن أبي طالب. قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ تكون حربٌ من حكَّ فيها قرحة نكَأها، رحم الله عثمان ورضيَ الله عنه، وغفَر له! فقال سلامة بن زِنْباع الجُذاميّ: يا معشر قريش! إنه والله قد كان بينكم وبين العرب باب، فاتخذوا بابًا إذ كُسر الباب. فقال عمرو: وذاك الّذي نريد. ولا يُصلِح البابَ إلا أشافٍ تُخرِج الحقّ من حافرة البأس، ويكون الناس في العدل سواء، ثم تمثّل عمرو في بعض ذلك: يا لَهْفَ نفسي على مالكٍ ... وهل يَصْرِفُ اللهْفُ حِفْظَ القَدَر! أنَزْعٌ من الحَرِّ أوْدَى بهمْ ... فأعذِرَهم أم بقومي سَكَرْ! ثم ارتحل راجلًا يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: واعُثْماناه! أنعَى الحياءَ والدين! حتى قدم دمشق، وقد كان سقط إليه من الذي يكون عِلْمٌ، فعمل عليه (١). (٤: ٥٥٨/ ٥٥٩). ١٠٦٨ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: كان النبيُّ ﷺ قد بعث عمرًا إلى عُمان، فسمع هنالك من حَبْرٍ شيئًا، فلما رأى مِصداقَه وهو هناك أرسل إلى ذلك الحبْر، فقال: حدِّثني بوفاة رسول الله ﷺ ، وأخبرني من يكون بعده؟ قال: الذي كتب إليك يكون بعده، ومدّته قصيرة، قال: ثمّ من؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة؛ قال: فما مدّته؟ قال: طويلة؛ ثم يقتل. قال: غيلةً أم عن ملأ؟ قال: غِيلة؛ قال: فمن يلي بعده؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة، قال: فما مدّته؟ قال: طويلة، ثم يُقتل، قال: أغيلة أم عن ملأ؟ قال: عن ملأ. قال: ذلك أشدّ؛ فمن يلي بعده؟

стр. 3438

قال: رجل من قومه ينتشر عليه الناس، وتكون على رأسه حرب شديدة بين الناس، ثمّ يُقتل قبل أن يجتمعوا عليه، قال: أغيلة أم عن ملأ؟ قال: غيلة، ثم لا يروْن مثله، قال: فمن يلي بعدَه؟ قال: أمير الأرض المقدّسة، فيطول ملكه، فيجتمع أهل تلك الفرقة وذلك الانتشار عليه، ثم يموت (١). (٤: ٥٥٩/ ٥٦٠). ١٠٦٨ - وأما الواقديُّ، فإنه فيما حدّثني موسى بن يعقوب عن عمّه، قال: لما بلغ عَمرًا قتلُ عثمان ﵁، قال: أنا عبد الله: قتلتُه وأنا بوادي السِّباع، مَن يلي هذا الأمر من بعده! إن يَلِه طلحة فهو فتى العرب سيْبًا، وإن يَلِه ابن أبي طالب فلا أراه إلّا سيستنظِف الحقّ، وهو أكره مَن يليه إليّ، قال: فبلغه أنّ عليًّا قد بويع له، فاشتدّ عليه، وتربّص أيامًا ينظر ما يَصنع الناس، فبلغه مسير طلحة، والزبير، وعائشة، وقال: أستأنِي، وأنظر ما يصنعون. فأتاه الخبر: أنّ طلحة، والزبير قد قُتِلا، فأُرتِج عليه أمرُه، فقال له قائل: إن معاوية بالشام لا يريد أن يبايع لعليّ، فلو قاربت معاوية! فكان معاوية أحبّ إليه من عليّ بن أبي طالب، وقيل له: إنّ معاوية يُعظِم شأنَ قتل عثمان بن عفان، ويحرّض على الطلب بدمه؛ فقال عمرو: ادعوا لي محمدًا، وعبدَ الله، فدُعِيا له، فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمانَ ﵁، وبَيعة الناس لعليّ، وما يُرصِد معاوية من مخالَفة عليّ، وقال: ما تَريان؟ أما عليٌّ فلا خيرَ عنده، وهو رجل يُدِلّ بسابقته، وهو غير مُشرِكي في شيء من أمره، فقال عبد الله بن عمرو: توفّي النبيّ ﷺ وهو عنك راضٍ، وتوفي أبو بكر ﵁ وهو عنك راضٍ، وتوفّي عمرُ ﵁ وهو عنك راضٍ، أرى أن تكفّ يدك، وتجلسَ في بيتك، حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعَه. وقال محمد بن عمرو: أنت نابٌ من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر؛ وليس لك فيه صوت ولا ذكر، قال عمرو: أمّا أنت يا عبدَ الله؛ فأمرْتَني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلمَ في دِيني، وأما أنت يا محمد؛ فأمرتَني بالّذي أنبه لي في دنياي، وشرٌّ لي في آخرتي، ثم خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهلَ الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحقّ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم -ومعاوية

стр. 3439

لا يلتفت إلى قول عمرو- فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك! انصرف إلى غيره، فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لَعَجب لك! إني أرفِدك بما أرفِدك وأنت مُعرِض عني! أما والله إن قاتلْنا معك نَطلب بدمِ الخليفة إنّ في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقتَه وفضله وقرابتَه؛ ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاويةُ، وعطَفَ عليه (١). (٤: ٥٦٠/ ٥٦١). توجيه عليِّ بن أبي طالب جرير بن عبد الله البَجَليَّ إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته ١٠٧٠ - وفي هذه السنة وجّه عليّ عند منصرَفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من الجمل جريرَ بنَ عبد الله البَجَليّ إلى معاوية يدعوه إلى بَيعته، وكان جرير حين خرج عليّ إلى البصرة لقتال مَنْ قاتله بها بهمَذَان عاملًا عليها، كان عثمان استعمله عليها، وكان الأشعث بن قيس على أذْربِيجانَ عاملًا عليها، كان عثمان استعمله عليها، فلما قدم عليّ الكوفة منصرفًا إليها من البصرة، كتب إليهما يأمرهما بأخذ البَيْعة له على مَن قِبَلهما من الناس، والانصراف إليه، ففعلا ذلك، وانصَرَفا إليه. فلما أراد عليٌّ توجيهَ الرسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله -فيما حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عوانة-: ابعثْني إليه، فإنه لي وِدّ؛ حتى آتيه فأدعوه إلى الدخول في طاعتك، فقال الأشتر لعليّ: لا تبعثه، فوالله إنّي لأظنّ هواه معه؛ فقال عليّ: دعْه حتى ننظرَ ما الذي يرجع به إلينا؛ فبعثه إليه، وكتب معه كتابًا يُعلِمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بَيْعته، ونكث طلحة والزبير، وما كان من حربِه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته، فشخص إليه جرير، فلمّا قدم عليه ماطله واستنظره، ودعا عمرًا فاستشاره فيما كتب به إليه، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام، ويُلزم عليًّا دم عثمان، ويقاتله بهم، ففعل ذلك معاوية.

стр. 3440

فلما قدم جرير بن عبد الله على عليّ -فيما حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عوانة- فأخبره خبر معاوية، واجتماع أهل الشامِ معه على قتاله، وأنّهم يبكون على عثمان، ويقولون: إنّ عليًّا قتله، وآوى قتَلتَه، وإنّهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم، أو يقتلوه. فقال الأشتر لعليّ: قد كنت نهيتُك أن تبعث جريرًا، وأخبرتُك بعداوته وغشّه، ولو كنتَ بعثتَني كان خيرًا من هذا الذي أقام عنده حتى لم يَدَع بابًا يرجو فتحَه إلّا فتحَه، ولا بابًا يخاف منه إلّا أغلَقَه، فقال جرير: لو كنتَ ثمّ لقتلوك؛ لقد ذكروا أنَّك من قَتَلة عثمان ﵁، فقال الأشتر: لو أتيتُهم واللهِ يا جرير لم يُعيِني جوابُهم، ولحملتُ معاوية على خُطّة أعجِله فيها عن الفكر، ولو أطاعني فيك أميرُ المؤمنين؛ لحبَسَك وأشباهَك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور. فخرج جرير بن عبد الله إلى قَرْقِيسياءَ، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، وخرج أميرُ المؤمنين فعسكر بالنُّخيلة، وقدم عليه عبد الله بنُ عباس بمن نهض معه من أهل البصرة. عاد الحديث إلى حديث عوانة، فبعث عليٌّ زيادَ بن النّضر الحارثيّ طليعةً في ثمانيةِ آلاف، وبعث معه شُريح بن هانئ في أربعة آلاف، وخرج عليٌّ من النُّخَيلة بمن معه، فلمّا دخل المدائنَ شَخصَ معه مَن فيها من المقاتلة، وولّى على المدائن سعدَ بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار بن أبي عُبيد، ووجّه عليّ من المدائن معقلَ بنَ قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيَه (١). (٤: ٥٦١/ ٥٦٢ وتكملة - ٥٦٥). ١٠٧١ - وكان أهل الشام فيما كتب إليّ السريّ يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف، عن محمد وطلحة - لما قدم عليهم النّعمان بن بشير بقميص عثمانَ ﵁ الذي قتل فيه مخضّبًا بدمِه وبأصابع نائلةَ زوجته مقطوعة بالبَراجم؛ إصبعان منها وشيء من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام - وضع معاوية القميصَ على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثابَ إليه الناس، وبكوْا سنة وهو على المنبر والأصابع معلّقة فيه، وآلى الرجال من أهل

стр. 3441

الشام ألّا يأتوا النساءَ، ولا يمسّهم الماء للغسل إلّا من احتلام، ولا يناموا على الفُرُش حتى يَقْتلوا قَتلَة عثمان، ومَن عرض دونهم بشيء، أو تفنى أرواحُهم، فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كلّ يوم على المنبر ويجلَّلُه أحيانًا فيُلبَسه، وعُلّق في أردانه أصابع نائلة ﵂ (١). (٤: ٥٦٢). خروج علي بن أبي طالب إلى صِفِّين ١٠٧٢ - حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي عن سليمان، عن عبد الله، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن أبي بكر الهُذَليّ، أن عليًّا لما استَخلف عبدَ الله بن عبّاس على البصرة سار منها إلى الكوفة، فتهيَّأ فيها إلى صِفِّين، فاستشار الناسَ في ذلك، فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم؛ وأشار آخرون بالمسير، فأبَى إلّا المباشرة؛ فجهّز الناس، فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أمّا إذ بلغك أنه يسير فسِرْ بنفسك، ولا تغبْ عنه برأيك ومَكيدتك. قال: أمّا إذًا يا أبا عبد الله فجهّز الناس، فجاء عمرو فحضّض الناسَ، وضعَّف عليًّا وأصحابَه، وقال: إنّ أهل العراق قد فَرّقوا جمعَهم، وأوهَنُوا شوكتَهم، وفلّوا حدّهم، ثم إنّ أهل البصرة مخالفون لعليّ، قد وتَرهم وقتلهم، وقد تفانت صَناديدُهم وصناديدُ أهل الكوفة يومَ الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، ومنهم مَن قد قَتل خليفَتكم؛ فاللهَ اللهَ في حقّكم أن تضيّعوه، وفي دمكم أن تُبطِلوه! وكتب في أجناد أهل الشام، وعقد لواءه لعمرو، فعقد لوَرْدان غلامِه فيمن عقد، ولابنيه عبدِ الله ومحمد، وعقد عليٌّ لغلامه قَنْبَر، ثم قال عمرو: هل يُغْنِيَنْ وَرْدانُ عَنّي قَنْبَرَا ... وَتغنِيَ السَّكونُ عنّي حِمْيَرَا إذا الكُماةُ لَبِسُوا السَّنَوَّرا فبلغ ذلك عليًّا فقال: لأصْبِحَنَّ العاصِيَ ابنَ العاصِي ... سبعين ألفًا عاقِدي النّواصِي مُجَنِّبِينَ الخيلَ بالقِلاصِ ... مُسْتَحْقِبيِنَ حَلَق الدِّلاصِ

стр. 3442

فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابنَ أبي طالب إلّا قد وفىَ لك؛ فجاء معاوية يتأنى في مسيره. وكتب إلى كلّ من كان يرى أنه يخاف عليًّا أو طعن عليه ومَن أعظم دمَ عثمان واستعواهم إليه. فلما رأى ذلك الوليد بعث إليه يقول: ألا أَبْلِغْ مُعاوية بنَ حرْبٍ ... فإنَّكَ من أخي ثِقَةٍ مُليمُ قَطَعْتَ الدهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنّى ... تُهدِّرُ في دِمَشْقَ فما تَريمُ وإنّك والكتابَ إلى عليٍّ ... كدابِغَةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ يُمَنّيكَ الإمارةَ كلُّ ركْبٍ ... لأنْقاضِ العراقِ بها رَسيم وليس أخو التِّرات بمن تَوانَى ... ولكنْ طالِبُ التِّرَةِ الغَشومُ ولو كنتَ القتيلَ وكان حيًّا ... لَجَرَّدَ لا ألَفُّ ولا سَؤُومُ ولا نَكِلٌ عن الأوتارِ حتّى ... يُبيءَ بها، ولا بَرِمٌ جَثومُ وقومُكَ بالمدينة قد أبيروا ... فهمْ صَرْعَى كأنَّهُمُ الهَشيمُ وقال غيرُ أبي بكر: فدعا معاوية شدّاد بنَ قيس كاتبه وقال: ابغني طُومارًا، فأتاه بطُومار، فأخذ القلم فكتب، فقال: لا تَعجلْ، اكتب: ومُستعْجِبٍ مما يَرَى من أَناتِنا ... ولو زَبَنَته الحربُ لم يترمرَمِ ثم قال: اطوِ الطّومار، فأرسل به إلى الوليد، فلما فتحه لم يجد فيه غير هذا البيت. قال أبو بكر الهذليّ: وكتب رجل من أهل العراق حيث سار عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بيتين: أبْلِغْ أميرَ المؤمنيـ ... ـن أخا العِراق إذا أتَيْنَا أنَّ العِراقَ وأهلَها ... عُنُقٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتَا (١) (٤: ٥٦٣/ ٥٦٤/ ٥٦٥). ما أمر به عليّ بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات ١٠٧٣ - فلما انتهى عليٌّ إلى الرّقة قال فيما حُدّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجّاج بن عليّ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث

стр. 3443

البارقيّ - لأهل الرّقة: اجسُروا لي جسْرًا حتى أعبر من هذا المكان إلى الشام، فأبوا. وقد كانوا ضمّوا إليهم السفن، فنهض من عندهم ليعبر من جسر مَنبج، وخلّف عليهم الأشتر، وذهب ليمضيَ بالناس كيما يعبرَ بهم على جسر مَنْبج، فناداهم الأشتر، فقال: يا أهل هذا الحصن، ألا إني أقسم لكم بالله ؛ لئن مضى أمير المؤمنين؛ ولم تُجسِّروا له عند مدينتكم جِسْرًا حتى يَعبُر لأجرّدنّ فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال ولأخرّبنّ الأرض، ولآخذنّ الأموال. قال: فلقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا: أليس الأشتر يفي بما حلف عليه، أو يأتي بشرٍّ منه؟ قالوا: نعم، فبعثوا إليه: إنّا ناصبون لكم جسرًا، فأقبلوا، وجاء عليٌّ فنصبوا له الجسر، فعبر عليه بالأثقال والرجال، ثم أمر عليٌّ الأشترَ فوقف في ثلاثة آلافِ فارس، حتى لم يبق من الناس أحد إلّا عبر، ثم إنه عبر آخر الناس رجلًا (١). (٤: ٥٦٥/ ٥٦٦). ١٠٧٤ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحجّاج بن عليّ عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث: أنّ الخيل حين عبرت زَحمَ بعضُها بعضًا، فسقطت قَلَنْسُوَة عبد الله بن أبي الحصين الأزديّ، فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطتْ قلنسوَةُ عبدِ الله بن الحجّاج الأزدّي، فنزل فأخذها، ثم ركب، وقال لصاحبه: فإن يكُ ظَنُّ الزاجرِي الطَّيْرِ صادقًا ... كما زعموا أُقْتَلْ وَشيكًا وتُقْتلُ فقال له عبد الله بن أبي الحصين: ما شيء أُوتاه أحبّ إليّ مما ذكرت؛ فقُتِلا جميعًا يومَ صِفّين (٢). (٤: ٥٦٦). ١٠٧٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني خالد بن قطَن الحارثيّ: أنّ عليًّا لما قطع الفرات؛ دعا زياد بن النَّضر، وشُريح بن هانئ، فسرّحهما أمامَه نحو معاوية على حالهما التي كانا خرجا عليها من الكُوفة. قال: وقد كانا حيث سرّحهما من الكُوفة أخَذَا على شاطئ الفرات من قِبَل البرّ مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات، فبلغهما أخذُ عليّ على طريق الجزيرة، وبلغهما: أنّ معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشام لاستقبال عليّ، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي؛ أن نسير وبيننا

стр. 3444

وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر! وما لنا خير في أن نلقَى جنود أهل الشام بقلّة مَن معنا منقطعين من العدد والمدد. فذهبوا ليَعبُروا من عانات، فمنَعَهم أهلُ عانات، وحبسوا عنهم السُّفُن، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هِيت، ثم لحقوا عليًّا بقرية دون قَرْقِيسياء؛ وقد أرادوا أهلَ عانات، فتحصَّنوا وفرّوا، ولما لحقت المقدّمة عليًّا قال: مقدّمتي تأتيني من ورائي، فتقدّم إليه زياد بن النَّضر الحارثيّ وشريح بن هانئ؛ فأخبرَاه بالذي رأيَا حين بلغهما من الأمر ما بلغهما، فقال: سددتما، ثم مضى عليّ، فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه نحوَ معاوية، فلما انتهيا إلى سور الرّوم لقيهما أبو الأعور السُّلَميّ عمرو بن سفيان في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى عليّ: إنّا قد لقينا أبا الأعور السُّلميّ في جند من أهل الشام، وقد دعوناهم فلَم يُجبنا منهم أحد، فمرْنا بأمرك، فأرسل عليّ إلى الأشتر؛ فقال: يا مالك إنّ زيادًا وشريحًا أرسلا إلىّ يعلِماني: أنهما لقيا أبا الأعور السلميّ في جمع من أهل الشام، وأنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين، فالنَّجاء إلى أصحابك النّجاء، فإذا قدمتَ عليهم فأنت عليهم، وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلّا أن يبدؤوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع، ولا يَجِرَمنّك شنآنُهم على قتالهم قبل دعائهم، والإعذار إليهم مرة بعد مرّة، واجعل على ميمنتك زيادًا، وعلى ميسرتك شُريحًا، وقف من أصحابك وسطًا، ولا تدنُ منهم دنوّ من يريد أن يُنشب الحرب، ولا تَباعد منهم بُعد من يهاب البأس حتى أقدم عليك، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله. قال: وكان الرّسول الحارث بن جُمهان الجُعفيّ، فكتب عليّ إلى زياد وشريح: أمّا بعد، فإني قد أمّرتُ عليكما مالكًا، فاسمعا له وأطيعا، فإنه ممن لا يخاف رهقُه ولا سِقاطُه ولا بطؤُه عمَّا الإسراع إليه أحزَم، ولا الإسراع إلى ما الإبطاء عنه أمثَل، وقد أمرْته بمثل الذي كنتُ أمرتكما به ألّا يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوَهم ويُعذَر إليهم. وخرج الأشتر حتى قدم على القوم، فاتّبع ما أمره عليّ وكفّ عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السُّلَميّ، فثبتوا له، واضطربوا ساعة، ثم إنّ أهل الشام انصرفوا، ثم خرج إليهم من الغد هاشمُ بن عُتبة الزّهري في خيل ورجال حسن عَددها وعُدّتها، وخرج إليه

стр. 3445

أبو الأعور فاقتتلوا يومَهم ذلك، تَحمِل الخيلُ على الخيل والرجالُ على الرجال، وصبر القوم بعضهم لبعض، ثم انصرَفوا، وحمل عليهم الأشتر، فقُتل عبد الله بن المنذر التّنوخيّ، قتله يومئذ ظَبيان بن عمّار التميميّ، وما هو إلّا فتىً حدث، وإن كان التنوخيّ لفارس أهل الشام، وأخذ الأشتر يقول: وَيْحَكم! أروني أبا الأعور، ثم إن أبا الأعور دعا الناس، فرجعوا نحوَه، فوقف من وراء المكان الذي كان فيه أوّل مرة، وجاء الأشتر حتى صفّ أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور، فقال الأشتر لسنان بن مالك النّخَعيّ: انطلِق إلى أبي الأعور، فادعه إلى المبارزة، فقال: إلى مبارَزتي أو مبارزتك؟ فقال له الأشتر: لو أمرتُك بمبارزته فعلتَ؟ قال: نعم، والله لو أمرتَني أن أعترض صفّهم بسيفي ما رجعتَ أبدًا حتى أضرب بسيفي في صفّهم، قال له الأشتر: يابن أخي! أطال الله بقاءك! قد والله ازددتُ رغبةً فيك، لا أمرتك بمبارزته، إنما أمرتُك أن تدعوَه إلى مبارزتي، إنه لا يبرُز إن كان ذلك من شأنه إلّا لذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت -لربّك الحمد- من أهل الكفاءة والشرف، غير أنّك فتىً حدَث السنّ، فليس بمبارز الأحداث، ولكن ادعه إلى مبارزتي. فأتاه فنادى: آمنوني فإنِّي رسول. فاؤمن، فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور (١). (٤: ٥٦٦/ ٥٦٧/ ٥٦٨). ١٠٧٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح أبو زهير العبسيّ، قال: حدّثني سنان، قال: فدنوت منه فقلت: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته. قال: فسكت عني طويلًا ثم قال: إنّ خفّة الأشتر وسوءَ رأيه هو حمله على إجلاء عمّال ابن عفان ﵁ في العراق، وانتزاؤه عليه يقبّح محاسنه، ومن خِفّة الأشتر وسوءِ رأيه أن سار إلى ابن عفان ﵁ في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله، فأصبح متّبعًا بدمه؛ ألا لا حاجة لي في مبارزته. قال: قلتُ: إنك قد تكلمت، فاسمع حتى أجيبَك، فقال: لا، لا حاجة لي في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عني، فصاح بي أصحابه فانصرفتُ عنه، ولو سمع إليَّ لأخبرته بعذر صاحبي وحجّتِه، فرجعت إلى الأشتر، فأخبرتُه أنه قد أبى المبارزة، فقال: لنفسه نظر، فوَاقفناهم حتى حجز الليلُ بيننا وبينهم، وبتنا

стр. 3446

متحارِسين، فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم، ويصبّحنا عليّ بن أبي طالب غُدوة، فقدم الأشتر فيمن كان معه في تلك المقدّمة حتى انتهى إلى معاوية، فواقفه، وجاء عليّ في أثره فلحق بالأشتر سريعًا، فوقف وتواقفوا طويلًا. ثمّ إنّ عليًّا طلب موضِعًا لعسكره، فلما وجده أمر الناسَ فوضعوا الأثقال، فلما فعلوا ذهب شبابُ الناس وغِلمَتُهم يستقون، فمنعهم أهلُ الشام، فاقتتل الناس على الماء، وقد كان الأشتر قال له قبل ذلك: إنّ القوم قد سبقوا إلى الشريعة وإلى سهولةِ الأرض وسعةِ المنزل، فإن رأيتَ سرنا نجوزُهم إلى القرية التي خرجوا منها، فإنهم يشخصون في أثرنا، فإذا هم لحقونا نزَلْنا فكنّا نحن وهم على السواء، فكَرِه ذلك عليٌّ، وقال: ليس كلّ الناس يقْوَى على المسير، فنَزَل بهم (١). (٤: ٥٦٨/ ٥٦٩). القتال على الماء ١٠٧٧ - قال أبو مخْنَف: وحدّثني تميم بن الحارث الأزديّ، عن جندَب بن عبد الله، قال: إنّا لما انتهينا إلى معاوية؛ وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفْيَح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة في الفُرات، ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، وجعلها في حيّزِه، وبعث عليها أبا الأعور يمنعها ويحميها، فارتفْعنا على الفرات رجاءَ أن نجد شريعة غيرَها نستغني بها عن شريعتهم فلم نجدها، فأتينا عليًّا فأخبرناه بعطش الناس، وأنا لا نجد غيرَ شريعة القوم. قال: فقاتلوهم عليها، فجاءه الأشعث بن قيس الكنديّ فقال: أنا أسير إليهم، فقال له عليّ: فسر إليهم، فسار، وسرنا معه، حتى إذا دنونا من الماء؛ ثاروا في وجوهنا ينضِحوننا بالنَّبل، ورشَقْناهم والله بالنّبل ساعة، ثم اطَّعَنّا والله بالرماح طويلًا، ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم إلى السيوف، فاجتلَدْنا بها ساعة. ثم إنّ القوم أتاهم يزيد بن أسد البَجَليّ مُمِدًّا في الخيل والرجال، فأقبلوا نحونا، فقلت في نفسي: فأمير المؤمنين لا يبعث إلينا بمن يغني عنا هؤلاء، فذهبتُ فالتفتّ فإذا عدّة القوم أو أكثر، قد سرّحهم إلينا ليغنُوا عنّا يزيد بن أسد وأصحابه، عليهم

стр. 3447

شَبَث بن رِبْعيّ الرّياحيّ، فوالله ما ازداد القتال إلّا شدّة، وخرج إلينا عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جند كثير، فأخذ يُمدّ أبا الأعور ويزيدَ بن أسد، وخرج الأشتر من قبَل عليّ في جمع عظيم، فلمّا رأى الأشتر عمرو بن العاص يُمِدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، أمدّ الأشعثَ بن قيس، وَشبَث بن رِبعيّ، فاشتدّ قتالنا وقتالهم، فما أنسى قولَ عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ: خَلُّوا لنا ماءَ الفُراتِ الجاري ... أو اثبُتوا لجحْفَلٍ جَرَّارِ لكلِّ قَرْمٍ مُسْتميتٍ شارِي ... مطاعنٍ برُمْحِه كَرَّارِ ضَرَّابِ هاماتِ العِدَا مِغوارِ (١) (٤: ٥٦٩/ ٥٧٠). ١٠٧٨ - قال أبو مخنف: وحدّثني رجل من آل خارجة بن التميميّ: أن ظَبْيان بن عُمارة جعل يومئذ يقاتِل وهو يقول: هل لك يا ظَبْيانُ مِن بقاءِ ... في ساكِنِ الأرْضِ بِغَيْرِ ماءِ لا وإلهِ الأرضِ والسَّماءِ ... فاضْرِبْ وجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ بالسَّيْفِ عند حَمَسِ الوغاء ... حتّى يُجيبوك إلى السّواءِ قال ظبيان: فضربناهم والله حتى خلّوْنا وإيّاه (٢). (٤: ٥٧٠). ١٠٧٩ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبي يحيى بن سعيد عن عمّه محمد بن مخْنَف، قال: كنت مع أبي مخْنف بن سُليَم يومئذ، وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست في عطاء، فلما مُنع الناس الماءَ قال لي أبي: لا تبرحنّ الرّحْل، فلما رأيت المسلمين يذهبون نحو الماء لم أصبر، فأخذتُ سيفي، وخرجتُ مع الناس، فقاتلت، قال: وإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ومعه قِربة، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الشريعة اشتدّ حتى ملأ قِرْبته، ثم أقبل، ويَشُدّ عليه رجل من أهل الشام فيضربه فيَصرعه، وسقطت القِربة منه. قال: وأشدّ على الشاميّ فأضربه فأصرَعه، واشتدّ أصحابُه فاستنقذوه، فسمعتُهم وهم يقولون: لا نأمن عليك، ورجعتُ إلى المملوك فاحتملتُه، فإذا هو يكلّمني وبه جرح

стр. 3448

رَغيب، فما كان أسرع من أن جاءه مولاه، فذهب به، وأخذتُ قربته وهي مملوءةٌ، وآتي بها أبي مخنفًا، فقال: من أين جئت بها؟ فقلت: اشتريتها وكرهت أن أخبره الخبر، فيَجِدَ عليَّ -فقال: اسقِ القومَ، فسقيتُهم، ثم شرب آخرهم، ونازعتْني نفسي والله إلى القتال، فأنطلق فأتقدّم فيمن يقاتل، فقاتلناهم ساعة، ثم أشهدُ أنهم خلّوا لنا عن الماء، فما أمسينا حتى رأينا سُقاتنا وسُقاتهم يزدحمون على الشريعة، وما يؤذِي إنسانٌ إنسانًا، فأقبلت راجعًا، فإذا أنا بمولَى صاحب القربة، فقلت: هذه قِرْبتك عندنا، فأرسِل من يأخذها، أو أعلِمني مكانَك حتى أبعث بها إليك، فقال: رحمك الله! عندنا ما نكتفي به؛ فانْصرفت وذهب، فلما كان من الغد مرّ على أبي، فوقف فسلّم عليه، ورآني إلى جَنْبتِه، فقال: ما هذا الفتى منك؟ قال: ابني؛ قال: أراك الله فيه السرور، أنقذ الله أمس غلامي به من القتل، حدّثني شباب الحيّ أنه كان أمس أشجعَ الناس، فنظر إليّ أَبي نظرةً عرفتُ منها في وجهه الغضب، فسكتّ حتى إذا مضى الرجل قال: هذا ما تقدّمت إليك فيه! فحلّفني ألّا أخرج إلى قتال إلّا بإذنه، فما شهدت من قتالهم إلّا ذلك اليوم حتى كان يوم من أيامهم (١). (٤: ٥٧٠/ ٥٧١). ١٠٨٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، عن مِرهان مولى يزيد بن هانئ، قال: والله إنّ مولاي يزيد بن هانئ ليُقاتل على الماء، وإنّ القربة لفي يده، فلما انكشف أهل الشام انكشافةً عن الماء، استدرْتُ حتى أسقي، وإنِّي فيما بين ذلك لأقاتل وأرامي (٢). (٤: ٥٧١). ١٠٨١ - قال أبو مخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصِفّين، وجدناهم قد نزلوا منزلًا اختاروه مستويًا بِساطًا واسعًا، أخذوا الشريعة، فهي في أيديهم، وقد صفّ أبو الأعور السُّلميّ عليها الخيل والرجال، وقد قدّم المُرامية أمام من معه، وصفّ صفًّا معهم من الرماح والدّرَق، وعلى رؤوسهم البَيْض، وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماءَ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبّرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صُوحان، فقال له: ائت معاوية وقل له: إنّا سِرْنا مسيرنا هذا إليكم،

стр. 3449

ونحن نكرَه قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدّمت إلينا خيلَك ورجالك فقاتلتَنا قبل أن نقاتِلَك، وبدأتَنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ عنك حتى ندعوَك ونحتجّ عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حُلتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدِمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجبَ إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب، فعلْنا، فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان ﵁، حصروه أربعين صباحًا يمنعونه بَرْدَ الماء، ولينَ الطعام، اقتُلهم عطشًا، قَتلَهم الله عطشًا! فقال له عمرو بن العاص: خلِّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يَعطَشوا وأنت ريّان؛ ولكن بغير الماء، فانظر ما بينك وبينهم. فأعاد الوليد بن عقبة مقالته، وقال عبد الله بن أبي سَرْح: امنعهم الماءَ إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، ولو قد رجعوا كان رجوعُهم فَلًّا، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله يوم القيامة الكَفرَة الفَسَقة وشَرَبة الخمر؛ ضَرْبك وضَرْب هذا الفاسقَ -يعني الوليد بن عقبة- قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كُفوا عن الرجل فإنه رسول (١). (٤: ٥٧١/ ٥٧٢). ١٠٨٢ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: أن صعصعة رجع إلينا فحدّثنا عمّا قال لمعاوية، وما كان منه وما ردّ، فقلنا: فما ردّ عليك؟ فقال: لما أردت الانصرافَ من عنده قلت: ما ترد عليَّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيي؛ فوالله ما راعنا إلا تسريتُه الخيل إلى أبي الأعور ليكفّهم عن الماء. قال: فأبرَزَنا عليٌّ إليهم، فارتمَينا ثم اطَّعنَّا، ثم اضطربنا بالسيوف، فنُصِرنا عليهم، فصار الماء في أيدينا، فقلنا: لا والله لا نسقيهُموه، فأرسل إلينا عليّ: أن خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخَلّوا عنهم؛ فإنّ الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (٢). (٤: ٥٧٢).

стр. 3450

دعاء عليّ معاوية إلى الطاعة والجماعة ١٠٨٣ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة الحنفيّ: أنّ عليًّا قال: هذا يومٌ نُصِرتم فيه بالحميّة، وجاء الناس حتى أتوا عسكرهم، فمكث عليٌّ يومين لا يُرسل إلى معاوية أحدًا، ولا يرسل إليه معاوية، ثم إن عليًّا دعا بشير بن عمرو بنِ محْصَن الأنصاريّ، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وشَبَث بن ربعيّ التميميّ، فقال: ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة، والجماعة، فقال له شَبَث بن ربعيّ: يا أمير المؤمنين! ألا تُطمِعه في سلطان تولّيه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال عليّ: ائتوه فالقوه واحتجُّوا عليه، وانظروا ما رأيُه -وهذا في أول ذي الحجّة- فأتَوْه، ودخلوا عليه، فحمِد الله وأثنى عليه أبو عُمرة بشير بن عمرو، وقال: يا معاوية! إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله محاسبك بعملك، وجازيك بما قدّمتْ يداك، وإني أنشدُك الله أن تفرّق جماعةَ هذه الأمة، وأن تَسفِك دماءها بينها! فقطع عليه الكلام، وقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبَك؟ فقال أبو عَمرة: إنّ صاحبي ليس مثلك، صاحبي أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر في الفضل، والدّين، والسابقة في الإسلام، والقرابةِ من الرسول ﷺ . قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله ، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحقّ، فإنّه أسلم لك في دنياك، وخيرٌ لك في عاقبة أمرك. قال معاوية: ونُطلّ دمَ عثمان ﵁! لا والله لا أفعل ذلك أبدًا، فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبادره شَبث بن رِبْعيّ، فتكلّم فحمِد الله وأثنىَ عليه، وقال: يا معاوية! إني قد فهمت ما رددت على ابنِ محصَن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب؛ إنك لم تجد شيئًا تَستغوِي به الناسَ، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: "قتل إمامكم مظلومًا، فنحن نطلب بدمه"، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمْنا أن قد أبطأتَ عنه بالنصر، وأحببتَ له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورُبّ متمنِّي أمر وطالبِه اللهُ يحول دونَه بقدرته، وربما أوتي المتمنّي أمنيّتَه وفوق أمنيّته، ووالله مَا لَك في واحدةٍ منهما خير، لئن أخطأتَ ما ترجو إنك لشرّ العرب حالًا في ذلك، ولئن

стр. 3451

أصبت ما تَمنّى لا تصيبه حتى تستحقّ من ربِّك صُلِيَّ النار، فاتّق الله يا معاوية! ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهلَه. فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن أوّل ما عرفت فيه سَفَهَك، وخفّة حلمك، قطعُك على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقَه، ثم عنِيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبتَ، ولَؤُمتَ أيها الأعرابي الجِلْف الجافي في كلّ ما ذكرت ووصفت، انصرِفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلّا السيف، وغضب، وخرج القوم وشَبث يقول: أفَعليْنا تهوّل بالسيف! أقسم بالله ليُعجَلنّ بها إليك. فأتوا عليًّا وأخبروه بالذي كان من قوله، وذلك في ذي الحجة، فأخذ عليّ يأمر الرجل ذا الشرف، فيخرج معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقَوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما يتخوّفون أن يكون في ذلك من الاستئصال والهلاك، فكان عليٌّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حُجْر بن عديّ الكنديّ، ومرّة شَبَثَ بن رِبْعيّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النضر الحارثيّ، ومرّة زياد بن خَصفة التيميّ، ومرّة سعيد بن قيس، ومرّة معقل بن قيس الرّياحيّ، ومرّة قيس بن سعد، وكان أكثر القوم خروجًا إليهم الأشتر، وكان معاوية يُخرج إليهم عبدَ الرحمن بن خالد المخزومي، وأبا الأعور السُّلميّ، ومرّة حبيب بن مسلمة الفهريّ، ومرّة ابن ذي الكَلاع الحِمْيريّ، ومرة عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، ومرّة شُرحبيل بن السِّمْط الكنديّ، ومرّة حمزة بن مالك الهمدانيّ، فاقتَتَلوا من ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرّتين أوّله وآخره (١). (٤: ٥٧٣/ ٥٧٤). ١٠٨٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: حدّثني رجل من قومي: أنّ الأشتر خرج يومًا يقاتل بصفِّين في رجال من القرّاء، ورجال من فُرسان العرب، فاشتدّ قتالهم، فخرج علينا رجل واللهِ لَقَلَّما رأيتُ رجلًا قطّ هو أطوَل ولا أعظم منه، فدعا إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد إلّا الأشتر، فاختلفا ضربتين، فضربه الأشتر، فقتله، وأيمُ الله لقد كنا أشفَقنْا عليه، وسألناه

стр. 3452

ألّا يخرج إليه، فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه: يا سَهْمُ سَهْمَ ابن أبي العَيْرَارِ ... يا خَيْرَ مَنْ نَعْلَمُهُ من زارٍ وزارة: حيٌّ من الأزد، وقال: أقسم بالله لأقتلنّ قاتلَك أو ليقتلنّي، فخرج فحمل على الأشتر، وعطف عليه الأشتر فضرَبَه، فإذا هو بين يديْ فرسه، وحمل عليه أصحابُه فاستنقذوه جريحًا، فقال أبو رُفَيْقة الفهميّ: هذا كان نارًا، فصادَف إعصارًا، واقتتل الناس ذا الحجّة كلّه، فلما انقضى ذو الحجّة تداعى الناس إلى أن يكفّ بعضهم عن بعضٍ المحرّم، لعلّ الله أن يُجري صلحًا أو اجتماعًا، فكفّ بعضُهم عن بعض (١). (٤: ٥٧٥). ١٠٨٥ - وحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر عليٍّ إيَّاه بذلك، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢). (٤: ٥٧٦).

стр. 3453

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين عليّ ومعاوية ١٠٨٦ - فكان في أوّل شهر منها -وهو المحرّم- موادَعة الحرب بين عليّ ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد؛ عن أبي مِخْنَف الأزديّ، قال: حدّثني سعد أبو المجاهد الطائيّ عن المُحِلّ بن خليفة الطائيّ، قال: لما توادَع عليّ ومعاوية يوم صِفّين، اختلف فيما بينهما الرُّسل رجاء الصُّلْح، فبعث عليّ عديَّ بنَ حاتم، ويزيدَ بنَ قيس الأرحبيّ، وشَبَث بن رِبْعيّ، وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلمَّا دخلوا حمِد الله عديُّ بن حاتم، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّا أتيناكَ ندعوكَ إلى أمرٍ يجمعُ اللهُ به كلمتنا وأمَّتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمِّن به السُّبل، ويصلح به ذاتَ البين، إنّ ابن عمك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله بالذي رأوْا، فلم يبق أحد غيرك وغير مَن معك، فانتهِ يا معاوية لا يصبْك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدّدًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عديّ! كلّا والله إني لابنُ حرب، ما يُقعقَع لي بالشِّنان، أما والله إنك لمن المجلِبين على ابن عفَّان ﵁، وإنك لمن قَتَلتِه، وإنِّي لأرجو أن تكون ممن يَقتل اللهُ به. هيهات يا عديّ بن حاتم! قد حلبتَ بالساعد الأشدّ. فقال له شَبَث بن رِبعيّ وزياد بن خَصَفة- وتنازَعا جوابًا وَاحدًا: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلتَ تضرب لنا الأمثال! دَعْ ما لا يُنتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمُّنا وإياك نفعُه، وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلّا لنبلِّغك ما بُعثنا به إليك، ولنؤدّيَ عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم نَدَع أن ننصحَ لك، وأن نذكر ما ظننّا أن لنا عليك به حجّة، وأنَّك راجع به إلى الألفة والجماعة. إنَّ صاحبنا من قد عرفتَ وعرفَ المسلمون فضلَه، ولا أظنُّه يخفى عليك: إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعليّ، ولن يميِّلوا بينك وبينه، فاتَّق الله يا معاوية، ولا تخالف عليًّا، فإنَّا والله ما رأينا رجلًا قطّ أعملَ بالتقوى، ولا أزهدَ في الدنيا، ولا أجمعَ لخصال الخير كلِّها منه!

стр. 3454

فحمِد اللهَ معاويةَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إنّ صاحبكم قتل خليفتَنا، وفرّق جماعتَنا، وآوى ثأرنا، وقتلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه، أرأيتم قتلَة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعْهم إلينا فلنقتلْهم به. ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شَبَث: أيسرّك يا معاوية أنك أُمْكِنْت من عمّار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكِنْتُ من ابن سُميَّة ما قتلتُه بعثمانَ، ولكن كنتُ قاتلَه بناتل مولَى عثمان، فقال له شَبَث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلتَ معتدلًا. لا والذي لا إله إلّا هو لا تصل إلى عمَّار حتى تندُر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برُحْبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيَق. وتفرّق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصَفة التيميّ، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطّع أرحامنا، وآوى قَتلَة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرَتك وعشيرِتك، ثم لك عهدُ الله جلّ وعزّ وميثاقُه أن أوَلِّيَك إذا ظهرتُ أىَّ المِصريْن أحببت (١). (٥: ٥ - ٦).

стр. 3455

١٠٨٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني سعد أبو المجاهد عن المحِلّ بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامَه حمدتُ الله ، وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بيِّنة من ربِّي وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظَهيرًا للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص -وكان إلى جنبه جالسًا: ليس يكلّم رجل منا رجلًا منهم فيُجيب إلى خير، ما لهم عَضبهم الله بشرّ! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد (١). (٥: ٦ - ٧). ١٠٨٨ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد الأزديّ عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكُنود: أنّ معاوية بعث إلى عليّ حبيبَ بن مسلمة الفهريّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمِد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ عثمان بن عفان ﵁ كان خليفةً مهديًّا، يعمل بكتاب الله ، ويُنيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاتَه، فعدوْتم عليه فقتلتموه؛ فادفع إلينا قتلةَ عثمان - إنْ زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزِل أمرَ الناس فيكون أمرُهم شورى بينهم، يولّى الناس أمرَهم مَن أجمع عليه رأيهم. فقال له عليّ بن أبي طالب: وما أنت لا أمَّ لك والعزل وهذا الأمر! اسكُت فإنك لستَ هناك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لترَينّي بحيث تكره. فقال عليّ: وما أنت ولو أجلبتَ بخَيْلك ورَجِلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ! أحُقْرَةً وسوءًا؟ ! اذهب فصوِّب، وصعِّد ما بدا لك. وقال شُرحبيل بن السّمط: إنّي إن كلمتك فلَعَمْري ما كلامي إلّا مثل كلام صاحبي قبلُ، فهل عندك جواب غير الذي أجبتَه به؟ فقال عليّ: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبتُه به. فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ الله جلّ ثناؤه بعث محمدًا ﷺ بالحقّ، فأنقَذ به من الضلالة، وانتاش به من الهَلَكة، وجمع به من الفُرْقة، ثمّ قبَضه الله إليه وقد أدّى ما عليه ﷺ ، ثم استَخلف الناسُ أبا بكر ﵁، واستخلف أبو بكر عمرَ ﵁،

стр. 3456

فأحسَنَا السّيرة، وعدَلَا في الأمّة، وقد وَجَدنا عليهما أن تَولَّيا علينا- ونحن آل رسول الله ﷺ فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان ﵁ فعمل بأشياءَ عابها النّاس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورَهم، فقالوا لي: بايع، فأبَيتُ عليهم، فقالوا لي: بايعْ، فإنّ الأمة لا ترضى إلا بك! وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتُهم، فلم يَرعْنِي إلّا شقاق رجُلين قد بايَعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله له سابقةً في الدين، ولا سلف صِدْق في الإسلام، طليق ابن طَلِيق، حِزْب من هذه الأحزاب، لم يزل لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين عدوًّا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غَرْوَ إلّا خلافكم معه، وانقيادُكم له، وتدَعون آلَ نبيكم ﷺ الذين لا ينبغي لكم شقاقُهم ولا خلافُهم، ولا أن تَعدِلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه ﷺ وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة. فقالا: اِشهَدْ أنّ عثمانَ ﵁ قُتل مظلومًا، فقال لهما: لا أقول إنه قُتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمَنْ لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلومًا فنحن منه براء، ثم قاما فانصرفا. فقال عليّ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثم أقبل عليّ على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء أوْلى بالجِدّ في ضلالهم منكم بالجِد في حقّكم وطاعة ربّكم (١). (٤: ٧ - ٨).

стр. 3457

١٠٨٩ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني جعفر بن حُذَيفة من آل عامر بن جُوَين: أن عائذ بن قيس الحِزمريّ، واثبَ عديَّ بن حاتم في الرّاية بصِفّين -وكانت حِزْمر أكثر من بني عديّ رهط حاتم- فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائيّ البَوْلانيّ عند عليّ، فقال: يا بني حِزْمر، على عديّ تتوثّبون؟ ! وهل فيكم مثل عَدِيّ أو في آبائكم مثل أبي عَديّ! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم رَوِيّة؟ أليس بابن ذي المِرباع وابن جواد العرب؟ ! أليس بابن المُنْهب ماله، ومانع جاره؟ ! أليس مَن لم يغدر ولم يفجُر، ولم يجهل ولم يبخَل، ولم يمنُن ولم يجبن؟ ! هاتوا في آبائكم مثلَ أبيه، أو هاتوا فيكم مِثلَه. أوَ ليس أفضلكم في الإسلام! أو ليس وافدكم إلى رسول الله ﷺ ؟ ! أليس برأسكم يوم النُّخيَلة، ويوم القادسيَة، ويوم المدائن، ويوم جَلُولاء الوقيعة، ويوم نِهاوَند، ويوم تُستَر؟ ! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثلَ الذي تطلبون، فقال له عليّ بن أبي طالب: حسبُك يا بن

стр. 3458

خليفة! هَلُمّ أيّها القوم إليّ، وعليَّ بجماعة طيِّئ! فأتوْه جميعًا، فقال عليّ: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيّئ: عديّ، فقال له ابن خليفة: فسلْهم يا أمير المؤمنين! أليسوا راضين مسلّمين لعديّ الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عديّ أحقُّكم بالراية. فسلّموها له، فقال عليّ -وضجّت بنو الحِزْمِر-: إنّي أراه رأسَكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلّمين له غيرَكم، فاتّبع في ذلك الكثرة، فأخذها عديّ. فلما كان أزمان حُجْر بن عديّ طُلب عبد الله بن خليفة لِيُبْعَثَ به مع حُجر -وكان من أصحابه- فسيِّر إلى الجبلين؛ وكان عديّ قد منَّاه أن يردّه، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال: وتَنْسَونَني يَوْمَ الشَّريعَةِ والقنَا ... بصِفِّينَ في أكتفِهمْ قد تَكَسَّرا جَزَى ربُّهُ عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ ... برَفْضي وخِذلاني جَزاءً مُوَفَّرا أتَنْسَى بَلائي سادرًا يا بْنَ حاتِمٍ ... عشِيَّةَ ما أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حِزْمرا فدَافَعْت عنك القَوْمَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخَصْمَ الألَدَّ العَذَوَّرا فوَلَّوا وما قاموا مقامي كأنّما ... رأَوْنِيَ لَيْثًا بالأباءَة مُخْدِرا نَصَرْتُكَ إذ خامَ القَريبُ وأبْعَطَ الـ ... ـبعيدُ وقد أفْرِدْتُ نَصْرًا مُؤزَّرا فكان جزائي أن أُجَرَّدَ بينكم ... سجينًا، وأنْ أولَى الهَوانَ وأوسَرا وكم عِدَةٍ لي مِنْكَ أنّكَ راجِعِي ... فَلَمْ تُغْنِ بالميعادِ عَنّيَ حَبْتَرا (١) (٥: ٨/ ٩/ ١٠). تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال قال: ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرَّم أمر عليّ مَرْثَد بن الحارث الجُشَميّ فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: ألَا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتُنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله ، فدعوْتكم إليه، فلم تَنَاهَوْا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حقّ، وإنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص في الناس يكتّبان الكتائب ويعبّيان

стр. 3459

الناس، وأوقدوا النيران، وبات عليٌّ ليلتَه كلَّها يعبِّئ الناس، ويكتِّب الكتائب، ويدور في الناس يحرِّضهم. ١٠٩٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، أنّ عليًّا كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه معه عدوًّا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فأنتم بحمد الله على حجّة، وتركُكم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبِرًا، ولا تُجهِزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتِكوا سترًا، ولا تدخلوا دارًا إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تُهيِّجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمن أعراضَكم، وسبَبن أمراءكم وصلحاءَكم، فإنهنّ ضعاف القُوَى والأنفس (١). (٥: ١٠ - ١١). ١٠٩١ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني إسماعيل بن يزيد عن أبي صادق، عن الحضرميّ، قال: سمعت عليًّا يحرّض الناس في ثلاثة مواطن: يحرّض الناس يومَ صِفّين، ويومَ الجمل، ويوم النَّهر، يقول: عباد الله! اتقوا الله، وغُضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلُّوا الكلام، ووطِّنوا أنفسكم على المنازلة، والمجاوَلة، والمبارَزة، والمناضَلة، والمُجالَدة، والمعانَقة، والمكادَمة، والملازمة، ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر. فأصبح عليّ من الغد، فبعث على الميمنة والميسرة والرجّالة والخيل، قال أبو مخنف: فحدّثني فضيل بن خَديج الكنِديّ: أن عليًّا بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حُنَيف، وعلى رجّالة أهل الكوفة عمّار بن ياسر، وعلى رجّالة أهل البصرة قيس بن سعد، وهاشم بن

стр. 3460

عُتبة، ومعه رايته، ومِسعر بن فَدَكيّ التميميّ على قرّاء أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بُدَيل، وعمّار بن ياسر. قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزديّ عن القاسم مولى يزيد بن معاوية: أنّ معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكَلاع الحِمْيَرِيّ، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهريّ، وعلى مقدّمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السُّلَميّ -وكان على خيل أهل دمشق- وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عقبة المرِّيّ على رجّالة أهل دمشق، والضحّاك بن قيس على رجّالة الناس كلها، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقّلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقّلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصُفّون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفًّا، فخرجوا أوّل يوم من صفِّين فاقتتلوا وعلى مَن خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيبُ بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جُلَّ النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عُتبة في خيل ورجال حَسَنٍ عددُها وعُدّتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومَهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثمّ انصرفوا وقد كان القوم صَبر بعضُهم لبعض، وخرج اليومَ الثالث عمّارُ بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشدّ القتال، وأخذ عمّار يقول: يا أهلَ العراق! أتريدون أن تنظروا إلى من عادَى الله ورسوله وجاهدَهما، وبغى على المسلمين، وظاهَرَ المشركين، فلما رأى الله يعزُّ دينَه، ويُظهر رسوله أتى النبيَّ ﷺ فأسلم، وهو فيما نرَى راهب غير راغب؛ ثم قبض الله رسوله ﷺ ! فوالله إنْ زال بعدَه معروفًا بعداوة المسلم، وهَوادة المجرم، فاثبُتوا له، وقاتِلوه فإنه يطفئ نورَ الله، ويظاهر أعداءَ الله . فكان مع عمّار زياد بن النّضْر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وشدّ عمّار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه، وبارز يومئذ زياد بن النّضر أخًا له لأمّه، يقال له: عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عُقَيل -وكانت أمّهما امرأة من بني يزيد- فلما التقيا تعارَفا فتواقفا، ثم انصرف كلّ واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس.

стр. 3461

فلمّا كان من الغد خرج محمد بن عليّ وعبيدالله بن عمر في جمعيْن عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال، ثم إن عبيد الله بن عمرَ أرسل إلى ابن الحنفيّة: أن اخرج إليّ؛ فقال: نعم، ثم خرج يمشي، فبصُر به أمير المؤمنين فقال: مَنْ هذان المتبارِزان؟ فقيل: ابن الحنفيّة وعُبيد الله بن عمر؛ فحرّك دابَّته ثم نادى محمّدًا، فوقف له، فقال: أمسِكْ دابّتي، فأمسَكَها، ثم مشى إليه عليّ فقال: أبرز لك، هلّم إليّ؛ فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر، فأخذ ابن الحنفيَّة يقول لأبيه: يا أبتِ، لم منعتَنى من مبارزته؟ فوالله لو تركتَني لرجوتُ أن أقتلَه، فقال: لو بارزتَه لرجوتُ أن تقتله، وما كنتُ آمن أن يقتلَك، فقال: يا أبتِ أوَ تبرز لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبتُ بك عنه؛ فقال عليّ: يا بُنَيّ، لا تَقُلْ في أبيه إلا خيرًا، ثم إنّ الناس تحاجزوا، وتراجعوا. قال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عُقْبة فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودنا ابن عبَّاس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسبّ بني عبد المطّلب، وأخذ يقول: يا بن عباس! قطّعتم أرحامَكم، وقتلتم إمامَكم، فكيف رأيتم الله صنع بكم؟ ! لم تُعطَوْا ما طلبتم، ولم تُدرِكوا ما أمّلتم، واللهُ إن شاء مُهلِككم وناصرٌ عليكم، فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز لي؛ فأبى. وقاتل ابن عباس يومئذ قتالًا شديدًا، وغشيَ الناس بنفسه. ثم خرج قيس بن سعد الأنصاريّ وابن ذي الكَلاع الحِميَريّ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انصرَفا، وذلك في اليوم السادس. ثمّ خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مَسلمة في اليوم السابع، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم انصرفا عند الظهر، وكلٌّ غير غالب، وذلك يوم الثلاثاء (١). (٥: ١١/ ١٢/ ١٣).

стр. 3462

١٠٩٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب: أن عليًّا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في النّاس عشيّة الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذي لا يُبرَم ما نَقَض، وما أبرَم لا ينقضُه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خَلْقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضولُ ذا الفضل فضلَه، وقد ساقتْنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفّت بيننا فى هذا المكان، فنحن من رَبِّنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجّل النِّقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذِّب الله الظالم، ويَعلم الحقُّ أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ألا إنكم لاقُوا القومِ غدًا، فأطِيلوا الليلة القيامَ، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلُوا الله النّصر والصبر، والقَوْهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين، ثم انصرف، ووثب الناسُ إلى سيوفهم ورماحِهم ونبالهِم يصلحونها، ومرّ بهم كعب بن جُعَيل التغلبيّ وهو يقول: أصْبَحَتِ الأمَّةُ في أمْرٍ عَجَبْ ... والمُلك مجمْوعٌ غدًا لمن غَلَبْ فقلتُ قولًا صادقًا غيرَ كَذِبْ ... إنَّ غدًا تَهلكُ أعلامُ العربْ قال: فلما كان من الليل خرج عليٌّ فعبّى الناس ليلته كلها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فأخذ عليٌّ يقول: مَن هذه القبيلة؟ ومَن هذه القبيلة؟ فنُسبت له قبائل أهل الشام، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزَهم قال للأزد: اكفُوني الأزد، وقال لخثْعم: اكفوني خَثْعم، وأمر كلَّ قبيلة من أهل العراق أن تكفيَه أختها من أهل الشام إلّا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بَجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخْم، ثم تناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالًا شديدًا نهارهم كلَّه، ثم انصرفوا عند المساء؛ وكلٌّ غير

стр. 3463

غالب، حتى إذا كان غداة الخميس؛ صلى عليُّ بغَلَس (١). (٥: ١٣/ ١٤). ١٠٩٣ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، قال: ما رأيت عليًّا غلّس بالصلاة أشدّ من تَغْليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم، فكان يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم (٢). (٥: ١٤). ١٠٩٤ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ عليًّا خرج إليهم غَداة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهمّ ربَّ السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مَغيضًا لليل والنهار، وجعلتَ فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكّانه سِبْطًا من الملائكة، لا يسأمون العبادة، وربّ هذه الأرض التي جعلتَها قرارًا للأنام، والهوامّ والأنعام، وما لا يُحصى مما لا يُرَى ومما يُرَى من خَلْقك العظيم. وربّ الفلْك التي تجري في البحر بما يَنفع الناس، وربّ السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم، وربّ الجبال الرّواسي التي جعلتَها للأرض أوتادًا، وللخلق متاعًا؛ إن أظهرتَنا على عدوّنا؛ فجنِّبنا البغيَ، وسدِّدنا للحقّ، وإن أظهرتَهم علينا؛ فارزقني الشهادة، واعصم بقيَّة أصحابي من الفتنة. قال: وازدلف الناس يومَ الأربعاء، فاقتتلوا كأشدّ القتال يومَهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصّلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عن الليل؛ وكلٌّ غيرُ غالب، فأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلّس بالصّلاة أشدّ التَّغليس، ثم بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم؛ خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بُديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عبّاس، وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمَّار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بُدَيل؛ والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعُظْم مَن معه من أهل

стр. 3464

المدينة الأنصارُ، ومعه من خُزاعة عدد حَسن، ومن كنانةَ وغيرهم من أهل المدينة. ثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبَّةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عُظْم الناس من أهل الشام على الموت، وبعث خيلَ أهل دمشق، فاحتاطت بقبّته، وزحف عبد الله بن بُدَيل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه؛ ويكشف خيلَه من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبّة معاوية عند الظهر (١). (٥: ١٤/ ١٥). ١٠٩٥ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ ابن بُدَيل قام في أصحابه فقال: ألَا إنّ معاوية ادَّعى ما ليس أهلَه، ونازع هذا الأمرَ من ليس مثلَه، وجادل بالباطل ليُدحِض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زيّن لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبَّ الفتنة، ولبَس عليهم الأمر، وزادهم رِجْسًا إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربّكم، وبرهان مبين، فقاتلوا الطغاة الجفاة، ولا تخشَوهم، فكيف تخشوْنهم وفي أيديكم كتاب الله طاهرًا مبرورًا! ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ , وقد قاتلناهم مع النبيّ ﷺ مرّة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى، ولا أزكى، ولا أرشد! قوموا إلى عدوّكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابه (٢). (٥: ١٦). ١٠٩٦ - قال أبو مخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاريّ عن أبيه ومولى له: أنّ عليًّا حرّض الناس يومَ صِفّين، فقال: إنّ الله قد دلّكم على تجارة تُنجيِكم من عذاب أليم، تُشفي بكم على

стр. 3465

الخير: الإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكنَ طيّبة في جناتِ عدن، ثم أخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص؛ فسوُّوا صفوفَكم كالبنيان المرصوص، وقدِّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعَضّوا على الأضراس، فإنه أنبَى للسيوف عن الهام، والتَوُوا في أطراف الرماح، فإنّه أصوَن للأسنّة، وغُضّوا الأبصار فإنه أربَط للجأش، وأسكَن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرَد للفشل، وأولى بالوقار، راياتِكم فلا تُميلوها، ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذّمار، والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم ويكنفونها، يضربون حِفافيها خَلفها وأمامها، ولا يضعونها، أجزأ امرؤٌ وقذ قِرْنه -رحمكم الله- وآسى أخاه بنفسه، ولم يَكِل قِرنَه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً، ويأتِيَ به دناءة. وأنّى لا يكون هذا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يُدخل قرنه على أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه! من يفعل هذا يمقتْه الله ، فلا تعرّضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردّكم إلى الله، قال الله عزّ من قائل لقوم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وايمُ الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تَسلمون من سيف الآخرةِ! واستعِينوا بالصدق والصبر، فإنّ بعد الصبر يُنزل الله النصر (١). (٥: ١٦/ ١٧). الجدّ في الحرب والقتال ١٠٩٧ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو رَوْق الهمْدانيّ: أن يزيد بن قيس الأرحبيّ حرّض الناس، فقال: إنّ المسلم السليمَ من سَلِم دينُه ورأيُه، وإنّ هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيّعناه، وإحياء حقّ رأونا أمَتْناه! وإن يقاتلوننا إلّا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرةً فيها ملوكًا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورًا ولا سرورًا! - لزموكم بمثل سعيد، والوليد، وعبد الله بن عامر السفيه الضالّ، يخبر أحدهم في مجلسه بمثل ديَته وديَة أبيه وجَدّه، يقول: هذا لي، ولا إثمَ عليّ، كأنما أعطي تراثه عن أبيه وأمه، وإنما

стр. 3466

هو مال الله ، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتِلوا عباد الله القومَ الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا يأخذكم في جهادهم لومُ لائم، فإنهم إن يظهروا عليكم؛ يُفسِدوا عليكم دينكم، ودنياكم؛ وهم مَن قد عرفتم، وخبرْتم، وايمُ الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرًّا! وقاتلهم عبد الله بن بُدَيل في الميمنة قتالًا شديدًا حتى انتهى إلى قبَّة معاوية. ثم إنّ الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمُدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهلُ العراق من قِبَل الميمنة حتى لم يبقَ منهم إلّا ابن بُديل في مئتين، أو ثلاثمئة من القرّاء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، وانجفل الناس، فأمر عليٌّ سهلَ بن حُنيف، فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتْهم جموعٌ لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتْهم بالميمنة، وكان في الميمنة إلى موقف عليٍّ في القلب أهل اليمن، فلما كشِفوا؛ انتهت الهزيمة إلى عليّ، فانصرف يتمشّى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مُضَر من الميسرة، وثبتت ربيعة (١). (٥: ١٧/ ١٨).

стр. 3467

١٠٩٨ - قال أبو مِخنْف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب الجُهَني، قال: مرّ عليّ معه بنوه نحو الميسَرة. ومعه ربيعة وحدها، وإنِّي لأرى النَّبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلّا يقيه بنفسه. فيكره عليٌّ ذلك، فيتقدّم عليه، فيحول بين أهل الشام وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلْقيه بين يديه أو من ورائه، فبصُر به أحمر -مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أميّة- فقال عليّ: وربّ الكعبة! قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسانُ مولى عليّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أمية، وينتهزه عليٌّ، فيقع بيده في جيب درعه، فيجبذه، ثم حمله على عاتقه؛ فكأنّي أنظر إلى رُجَيْلَتَيْهِ، تختلفان على عنق علي، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعَضُديه، وشدّ ابنا عليّ عليه: حسين، ومحمد، فضرباه بأسيافهما، حتى برد، فكأني أنظر إلى عليّ قائمًا, وإلى شِبليْه يضربان الرجلَ، حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما، والحسن قائمًا؛ قال له: يا بنيّ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كَفَياني يا أميرَ المؤمنين! ثمّ إن أهل الشام دنَوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعةً في مشيه، فقال له الحسن: ما ضرّك لو سعيتَ حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوّك من أصحابك؟ فقال: يا بنيّ! إن لأبيك يومًا لن يَعدُوَه ولا يبطِّئُ به عند السعي، ولا يعجّل به إليه المشي، إنّ أباك والله ما يبالي أوَقَع على الموت، أو وَقَع الموتُ عليه (١). (٥: ١٨/ ١٩). ١٠٩٩ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج الكِنْديّ عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمتْ ميمنة العراق وأقبل عليٌّ نحو الميسرة؛ مرّ به الأشتر يركض نحو الفَزع قبَل الميمنة، فقال له عليّ: يا ما لك! قال: لبّيك! قال: ائت هؤلاء القومَ فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تُعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم؟ ! فمضى فاستقبل الناسَ منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له عليٌّ، وقال: إليَّ أيّها الناس! أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث. ثم ظنّ أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إليّ أيُّها الناس! فأقبلت

стр. 3468

إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيُّها الناس! عضِضتم بهَنِ آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيُّها الناس! أخلِصوا إليَّ مذحِجًا. فأقبلت إليه مذحِج، فقال: عضِضتم بصمّ الجندل! ما أرضَيتُم ربّكم، ولا نصحتُم له في عدوّكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفِتيان الصباح، وفرسان الطِّراد، وحتوف الأقران، ومذحِج الطّعان؛ الذين لم يكونوا يُسبَقون بثأرهم، ولا تُطلّ دماؤهم، ولا يُعرفون في موطن بخسفٍ، وأنتم حَدُّ أهل مصركم، وأعدّ حيٍّ في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم؛ فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، واصدقوا عدوَّكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفسُ مالك بيده ما من هؤلاء -وأشار بيَده إلى أهل الشام- رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد ﷺ ! أنتم ما أحسنتم القِراع، اجْلُوا سواد وجهي يرجعْ في وجْهي دمي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ الله لو قد فَضّه تبعه مَن بجانبيه كما يتبع مؤخَّر السيل مقدّمه. قالوا: خذ بنا حيث أحببت، وصمد نحو عُظْمهم فيما يلي الميمنة، فأخذ يزحف إليهم، ويردّهم، ويستقبله شباب من هَمْدان -وكانوا ثمانمئة مقاتل يومئذ- وقد انهزموا آخرَ الناس، وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومئة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسًا، كلّما قُتل منهم رجل أخذ الراية آخرُ، فكان الأوّل كُريب بن شُرَيح، ثم شُرحبيل بن شريح، ثم مرثَد بن شُريح، ثم هُبيرة بن شريح، ثم يريم بن شُريَح، ثم سُمَير بن شريح، فقتِل هؤلاء الإخوة الستّة جميعًا، ثم أخذ الراية سُفيان بن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كُرَيب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعًا، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتِلا، ثم أخذ الراية وهب بن كُرَيب أخو القَلوص، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية -رحمك الله- فقد قُتِل أشرافُ قومك حولَها، فلا تقتل نفسك، ولا من بقيَ من قومك! فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عِدّتَنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم، فلا ننصرف حتى نقتَل أو نظفر، فمرُّوا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إليّ أنا أحالفكم، وأعاقدكم على ألا نرجع أبدًا حتى نَظفرَ أو نَهلِك، فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جُعَيل التغلبيّ:

стр. 3469

وهَمدانُ زُرْقٌ تبتَغي مَن تُحالِفُ وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمُد لكتيبة إلا كَشفها، ولا لجمع إلا حازه وردّه؛ فإنه لكذلك؛ إذ مرّ بزياد بن النَّضْر يحمَل إلى العسكر، فقال: مَن هذا؟ فقيل: زياد بن النَّضر، استُلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حتى صُرع، ثم لم يمكثوا إلا كَلَا شيء حتى مُرّ بيزيد بن قيس الأرحبيّ محمولًا نحو العسكر، فقال الأشتر: مَن هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صُرع زياد بن النّضر رفع لأهل الميمنة رايتَه، فقاتل حتى صُرع، فقال الأشتر: هذا واللهِ الصبرُ الجميل، والفعل الكريم، ألا يستحي الرّجلُ أن ينصرف لا يقتُل ولا يُقتَل، أو يُشفَى به على القتل (١). (٥: ١٩/ ٢٠/ ٢١). ١١٠٠ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن الحرّ بن الصيّاح النّخَعيّ: أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية، إذا

стр. 3470

طأطأها خِلْت فيها ماء منصبًّا، وإذا رفعها كاد يُغْشِي البصرَ شعاعُها، وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغَمَرَاتِ ثمَّ يَنْجَلِينا قال: فبصرُ به الحارث بن جُمهان الجُعفيّ؛ والأشتر متقنّع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيرًا منذ اليوم عن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين! فعرفه الأشتر. فقال: يابن جمهان! مثلُك يتخلّف عن مثل موطني هذا الّذي أنا فيه! فنظر إليه ابن جُمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطوَله -وكان في لحيته خِفةٌ قليلة- فقال: جُعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة، ولا أفارقك حتى أموت! قال: ورآه منقذٌ وحِمْير ابنا قيس الناعِطيّان، فقال منقذ لحميرَ: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله على نيَّته، فقال له حمير: وهل النيّة إلا ما تراه يصنع! قال: إني أخاف أن يكون يحاول مُلْكًا (١). (٥: ٢٢). ١١٠١ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضيل بن خَدِيج عن مولى للأشتر: أنه لما اجتمع إليه عُظْم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم، ثم قال: عَضّوا على النَّواجذ من الأضراس، واستقبِلوا القوم بهامِكم، وشُدّوا شِدّةَ قوم موتورين ثأرًا بآبائهم وإخوانهم حِناقًا على عدوِّهم، قد وطَّنوا على الموت أنفسَهم كيلا يُسبَقُوا بوَتر، ولا يلحقوا في الدنيا عارًا، وايمُ الله ما وُتِر قوم قطّ بشي أشدّ عليهم من أن يوتَروا دينَهم! وإنّ هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليُميتوا السنَّة، ويُحيُوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله منها بحسن البصيرة. فطيبوا عبادَ الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنّات النعيم، وإنّ الفِرار من الزّحف فيه السلب للعزّ، والغلَبة على الفيء، وذلّ المحيَا والممات، وعارُ الدنيا والآخرة.
следующие страницы →