← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

هو مال الله ، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتِلوا عباد الله القومَ الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا يأخذكم في جهادهم لومُ لائم، فإنهم إن يظهروا عليكم؛ يُفسِدوا عليكم دينكم، ودنياكم؛ وهم مَن قد عرفتم، وخبرْتم، وايمُ الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرًّا! وقاتلهم عبد الله بن بُدَيل في الميمنة قتالًا شديدًا حتى انتهى إلى قبَّة معاوية. ثم إنّ الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمُدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهلُ العراق من قِبَل الميمنة حتى لم يبقَ منهم إلّا ابن بُديل في مئتين، أو ثلاثمئة من القرّاء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، وانجفل الناس، فأمر عليٌّ سهلَ بن حُنيف، فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتْهم جموعٌ لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتْهم بالميمنة، وكان في الميمنة إلى موقف عليٍّ في القلب أهل اليمن، فلما كشِفوا؛ انتهت الهزيمة إلى عليّ، فانصرف يتمشّى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مُضَر من الميسرة، وثبتت ربيعة (١). (٥: ١٧/ ١٨).

стр. 3467

١٠٩٨ - قال أبو مِخنْف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب الجُهَني، قال: مرّ عليّ معه بنوه نحو الميسَرة. ومعه ربيعة وحدها، وإنِّي لأرى النَّبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلّا يقيه بنفسه. فيكره عليٌّ ذلك، فيتقدّم عليه، فيحول بين أهل الشام وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلْقيه بين يديه أو من ورائه، فبصُر به أحمر -مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أميّة- فقال عليّ: وربّ الكعبة! قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسانُ مولى عليّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أمية، وينتهزه عليٌّ، فيقع بيده في جيب درعه، فيجبذه، ثم حمله على عاتقه؛ فكأنّي أنظر إلى رُجَيْلَتَيْهِ، تختلفان على عنق علي، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعَضُديه، وشدّ ابنا عليّ عليه: حسين، ومحمد، فضرباه بأسيافهما، حتى برد، فكأني أنظر إلى عليّ قائمًا, وإلى شِبليْه يضربان الرجلَ، حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما، والحسن قائمًا؛ قال له: يا بنيّ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كَفَياني يا أميرَ المؤمنين! ثمّ إن أهل الشام دنَوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعةً في مشيه، فقال له الحسن: ما ضرّك لو سعيتَ حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوّك من أصحابك؟ فقال: يا بنيّ! إن لأبيك يومًا لن يَعدُوَه ولا يبطِّئُ به عند السعي، ولا يعجّل به إليه المشي، إنّ أباك والله ما يبالي أوَقَع على الموت، أو وَقَع الموتُ عليه (١). (٥: ١٨/ ١٩). ١٠٩٩ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج الكِنْديّ عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمتْ ميمنة العراق وأقبل عليٌّ نحو الميسرة؛ مرّ به الأشتر يركض نحو الفَزع قبَل الميمنة، فقال له عليّ: يا ما لك! قال: لبّيك! قال: ائت هؤلاء القومَ فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تُعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم؟ ! فمضى فاستقبل الناسَ منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له عليٌّ، وقال: إليَّ أيّها الناس! أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث. ثم ظنّ أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إليّ أيُّها الناس! فأقبلت

стр. 3468

إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيُّها الناس! عضِضتم بهَنِ آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيُّها الناس! أخلِصوا إليَّ مذحِجًا. فأقبلت إليه مذحِج، فقال: عضِضتم بصمّ الجندل! ما أرضَيتُم ربّكم، ولا نصحتُم له في عدوّكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفِتيان الصباح، وفرسان الطِّراد، وحتوف الأقران، ومذحِج الطّعان؛ الذين لم يكونوا يُسبَقون بثأرهم، ولا تُطلّ دماؤهم، ولا يُعرفون في موطن بخسفٍ، وأنتم حَدُّ أهل مصركم، وأعدّ حيٍّ في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم؛ فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، واصدقوا عدوَّكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفسُ مالك بيده ما من هؤلاء -وأشار بيَده إلى أهل الشام- رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد ﷺ ! أنتم ما أحسنتم القِراع، اجْلُوا سواد وجهي يرجعْ في وجْهي دمي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ الله لو قد فَضّه تبعه مَن بجانبيه كما يتبع مؤخَّر السيل مقدّمه. قالوا: خذ بنا حيث أحببت، وصمد نحو عُظْمهم فيما يلي الميمنة، فأخذ يزحف إليهم، ويردّهم، ويستقبله شباب من هَمْدان -وكانوا ثمانمئة مقاتل يومئذ- وقد انهزموا آخرَ الناس، وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومئة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسًا، كلّما قُتل منهم رجل أخذ الراية آخرُ، فكان الأوّل كُريب بن شُرَيح، ثم شُرحبيل بن شريح، ثم مرثَد بن شُريح، ثم هُبيرة بن شريح، ثم يريم بن شُريَح، ثم سُمَير بن شريح، فقتِل هؤلاء الإخوة الستّة جميعًا، ثم أخذ الراية سُفيان بن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كُرَيب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعًا، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتِلا، ثم أخذ الراية وهب بن كُرَيب أخو القَلوص، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية -رحمك الله- فقد قُتِل أشرافُ قومك حولَها، فلا تقتل نفسك، ولا من بقيَ من قومك! فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عِدّتَنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم، فلا ننصرف حتى نقتَل أو نظفر، فمرُّوا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إليّ أنا أحالفكم، وأعاقدكم على ألا نرجع أبدًا حتى نَظفرَ أو نَهلِك، فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جُعَيل التغلبيّ:

стр. 3469

وهَمدانُ زُرْقٌ تبتَغي مَن تُحالِفُ وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمُد لكتيبة إلا كَشفها، ولا لجمع إلا حازه وردّه؛ فإنه لكذلك؛ إذ مرّ بزياد بن النَّضْر يحمَل إلى العسكر، فقال: مَن هذا؟ فقيل: زياد بن النَّضر، استُلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حتى صُرع، ثم لم يمكثوا إلا كَلَا شيء حتى مُرّ بيزيد بن قيس الأرحبيّ محمولًا نحو العسكر، فقال الأشتر: مَن هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صُرع زياد بن النّضر رفع لأهل الميمنة رايتَه، فقاتل حتى صُرع، فقال الأشتر: هذا واللهِ الصبرُ الجميل، والفعل الكريم، ألا يستحي الرّجلُ أن ينصرف لا يقتُل ولا يُقتَل، أو يُشفَى به على القتل (١). (٥: ١٩/ ٢٠/ ٢١). ١١٠٠ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن الحرّ بن الصيّاح النّخَعيّ: أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية، إذا

стр. 3470

طأطأها خِلْت فيها ماء منصبًّا، وإذا رفعها كاد يُغْشِي البصرَ شعاعُها، وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغَمَرَاتِ ثمَّ يَنْجَلِينا قال: فبصرُ به الحارث بن جُمهان الجُعفيّ؛ والأشتر متقنّع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيرًا منذ اليوم عن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين! فعرفه الأشتر. فقال: يابن جمهان! مثلُك يتخلّف عن مثل موطني هذا الّذي أنا فيه! فنظر إليه ابن جُمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطوَله -وكان في لحيته خِفةٌ قليلة- فقال: جُعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة، ولا أفارقك حتى أموت! قال: ورآه منقذٌ وحِمْير ابنا قيس الناعِطيّان، فقال منقذ لحميرَ: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله على نيَّته، فقال له حمير: وهل النيّة إلا ما تراه يصنع! قال: إني أخاف أن يكون يحاول مُلْكًا (١). (٥: ٢٢). ١١٠١ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضيل بن خَدِيج عن مولى للأشتر: أنه لما اجتمع إليه عُظْم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم، ثم قال: عَضّوا على النَّواجذ من الأضراس، واستقبِلوا القوم بهامِكم، وشُدّوا شِدّةَ قوم موتورين ثأرًا بآبائهم وإخوانهم حِناقًا على عدوِّهم، قد وطَّنوا على الموت أنفسَهم كيلا يُسبَقُوا بوَتر، ولا يلحقوا في الدنيا عارًا، وايمُ الله ما وُتِر قوم قطّ بشي أشدّ عليهم من أن يوتَروا دينَهم! وإنّ هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليُميتوا السنَّة، ويُحيُوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله منها بحسن البصيرة. فطيبوا عبادَ الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنّات النعيم، وإنّ الفِرار من الزّحف فيه السلب للعزّ، والغلَبة على الفيء، وذلّ المحيَا والممات، وعارُ الدنيا والآخرة.

стр. 3471

وحَمَلَ عليهم حتى كشفهم، فألحقهم بصفوف معاويةَ بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بُديل وهو في عُصْبة من القرّاء بين المئتين والثلاثمئة، وقد لصِقوا بالأرض كأنّهم جُثًا، فكشف عنهم أهل الشام، فأبصروا إخوانَهم قد دنَوا منهم، فقالوا: ما فعل أميرُ المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننّا أن قد هلك وهلكتم، وقال عبد الله بن بُدَيل لأصحابه: استقدِموا بنا؛ فأرسل الأشتر إليه: ألَّا تفعل، اثبتْ مع الناس فقاتِل، فإنَّه خيرٌ لهم وأبقَى لك ولأصحابك. فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سَيْفان، وقد خرج فهو أمامَ أصحابه، فأخذ كلَّما دنا منه رجلٌ ضربه فقتله، حتى قتل سبعة، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتَلَ حتى قُتِل، وقُتِل ناس من أصحابه، ورجعتْ طائفة قد جرحوا منهزمين، فبعث الأشتر ابن جُمهان الجعفيّ فحمل على أهل الشام الذين يُتبعون مَن نجا من أصحاب ابن بُديل حتى نفّسوا عنهم، وانتهَوْا إلى الأشتر، فقال لهم: ألم يكن رأي لكم خيرًا من رأيكم لأنفسكم؟ ! ألم آمرْكم أن تثبتُوا مع الناس؟ ! وكان معاوية قال لابن بُديل وهو يضرب قُدُمًا: أتَرونه كبش القوم! فلما قُتِل؛ أرسل إليه، فقال: انظروا مَنْ هو؟ فنظر إليه ناس من أهل الشام فقالوا: لا نعرفه، فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بُدَيل، والله لو استطاعت نساءُ خُزاعة أن تقاتِلَنا فضلًا على رجالها لفعلتْ، مُدّوه، فمَدُّوه، فقال: هذا واللهِ كما قال الشاعر: أخو الحَرْب إنْ عَضَّتْ به الحرب عَضَّها ... وإن شَمَّرَتْ يومًا به الحربُ شَمَّرَا والبيت لحاتم طيّئ، وإن الأشتر زحف إليهم، فاستقبله معاوية بعكّ والأشعَرِين، فقال الأشتر لمذحِج: اكفونا عَكًّا، ووقف في هَمْدان، وقال: لِكنْدة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ يخرج إلى قومه، فيقول: إنما هم عَكّ، فاحمِلوا عليهم، فيجثُون على الرُّكب ويرتجزون: يا وَيلَ أمِّ مَذْحِجٍ من عَكِّ ... هاتيكَ أمُّ مَذْحِجٍ تُبَكِّي فقاتلوهم حتى المساء. ثم إنه قاتلهم في هَمْدانَ وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحَقَهم بالصفوف الخمسة المعقَّلة

стр. 3472

بالعمائم حول معاوية، ثم شَدّ عليهم شَدّة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، -وكانوا معقَّلين بالعمائم- حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرس فركب، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرتُ قولَ ابنِ الإطنابة من الأنصار -كان جاهليًّا، والإطنابة امرأة من بَلْقَيْن-: أبتْ لي عِفّتي وحَياءُ نَفْسي ... وإقدامي على البَطَلِ الْمشيحِ وإعطائي على المَكروهِ مالي ... وأخذي الحَمْدَ بالثَّمَنِ الرَّبيح وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأت وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمدي أو تَستَريحي فمنعني هذا القولُ من الفرار (١). (٥: ٢٢/ ٢٣/ ٢٤). ١١٠٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعين الجُهنيّ عن زيد بن وهْب: أنّ عليًّا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعِها ومصافّها وكشفت مَن بإزائها من عدوّها حتى ضاربوهم في مواقفِهم ومراكزهم؛ أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جَولتكم وانحيازَكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجافة وأعراب أهل الشام، وأنتم لَهامِيمُ العرب، والسَّنام الأعظم، وعُمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهلُ دعوة الحق إذ ضلّ الخاطئون؛ فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكرُّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولِّي يومَ الزّحف دبرَه، وكنتم من الهالكين؛ ولكنْ هوّن وَجدي، وشفَى بعضَ أُحاحِ نفسي: أني رأيتكم بأخَرة حُزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافّهم كما أزالوكم، تحسُّونهم بالسيوف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرَّدة الهيم؛ فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبَّتكم الله باليقين، ليعلم المنهزم: أنه مسخِط ربّه، وموبِق نفسَه؛ إن في الفرار موجِدةَ الله عليه، والذلّ اللازم، والعارَ الباقي، واعتصار

стр. 3473

الفيء من يده، وفساد العيش عليه، وإنّ الفارّ منه لا يزيد في عُمره، ولا يُرضِي ربّه، فموت المرء مُحِقًّا قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتأنيس لها، والإقرار عليها (١). (٥: ٢٥). ١١٠٣ - قال أبو مخنف: حدّثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسيّ: أن راية بَجِيلة بصِفِّين كانت في أحْمس بن الغوث بن أنْمار مع أبي شدّاد -وهو قيس بن مَكْشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن عليّ بن أسلم بن أحْمَس بن الغوث- وقالت له بجِيلة: خذ رايتَنا. فقال: غيري خيرٌ لكم منّي. قالوا: ما نريد غيرَك! قال: والله لئن أَعطيتُمونِيها لا أنتهي بكم دون صاحب التُّرْس المُذهَب. قالوا: اصنَع ما شئتَ. فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم إلى صاحب التُّرْس المُذهَب -وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية، وذكروا: أنّه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزوميّ- فاقتتل الناسُ هنالك قتالًا شديدًا، فشدّ بسيفه نحو صاحب التُّرس، فتعرّض له روميّ، مولى لمعاوية فيضرب قَدَم أبي شدّاد فيقطعها، ويضربه أبو شدّاد فيقتله، وأشرِعت إليه الأسنَّة فقتِل، وأخذ الرَّاية عبد الله بن قِلْع الأحمسيّ وهو يقول: لا يُبْعِدِ اللهُ أَبا شَدَّادِ ... حَيْثُ أَجاب دَعْوَةَ المنادِي وشَدَّ بالسيف على الأعادي ... نِعْمَ الفَتى كان لَدَى الطِّرادِ وفي طِعانِ الرَّجْل والجِلادِ فقاتل حتى قُتِل، فأخذ الرَّاية أخوه عبد الرحمن بن قِلْع، فقاتل حتى قُتِل، ثم أخذها عَفيف بن إياس، فلم تزل في يده حتى تحاجزَ الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسيّ -أخو قيس بن أبي حازم- يومئذ، وقتِل نُعيم بن صُهيب بن العُلَيّة البَجَليّ يومئذ، فأتى ابنُ عمّه، وسميُّه نُعيم بن الحارث بن العُليّة معاويةَ

стр. 3474

-وكان معه- فقال: إن هذا القتيل ابنُ عمّي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنه فليس لذلك أهلًا، والله ما قدرنا على دفن ابن عفَّان ﵁ إلا سرًّا، قال: والله لتأذننّ في دفنه، أو لألحقنّ بهم ولأدَعنّك! قال معاوية: أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورُهم، فأنت تسألني في دفن ابنِ عمك! ادفنه إن شئتَ أو دَعْ، فَدفَنه (١). (٥: ٢٥/ ٢٦). ١١٠٤ - قال أبو مخنف: حدثنى الحارث بن حَصيرة الأزديّ، عن أشياخ من النَّمِر من الأزد: أن مِخْنَف بن سُليم لما نُدبت الأزْد للأزْد، حمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ من الخطأ الجليل، والبلاءِ العظيم، أنّا صُرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطّعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نجدّها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاسِ جماعتَنا، ولم نناصحْ صاحبنا، كفرْنا، وإن نحن فعلْنا فعزَّنا أبحْنا، ونارنا أخمَدْنا؛ فقال له جُندَب بن زهير: والله لو كنّا آباءهم وولدناهم، أو كنّا أبناءهم ووَلَدونا- ثم خرجوا من جماعتنا، وطعنوا على إمامنا، وإذًا هم الحاكمون بالجوْر على أهل ملّتنا وذمَّتنا، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عمّا هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم. فقال له مخنف -وكان ابن خالته: أعزَّ الله بك النيّة! والله ما عُلمت صغيرًا وكبيرًا إلّا مشؤومًا! والله ما ميَّلْنا الرأيَ قطّ أيَّهما نأتي أو أيَّهما نَدَع- في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا- إلّا اخترتَ أعسرهما وأنكدَهما! اللهمّ أن تُعافِيَ أحبّ إلينا من أن تَبتَلِيَ! فأعطِ كلّ امرئ منّا ما يسألك. وقال أبو بُريدة بن عوف: اللهمّ احكم بيننا بما هو أرضى لك، يا قوم إنكم تبصرون ما يصنع الناس، وإنّ لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حقّ، وإن يكونوا صادقين؛ فإنّ أُسْوةً في الشرِّ - والله ما علمنا - ضرَرٌ في المحيا والممات. وتقدّم جندَب بن زهير، فبارز رأسَ أزْد الشام فقتله الشاميّ، وقُتل من رهطه عِجْل وسَعْد ابنا عبد الله من بني ثعلبة وقُتِل مع مِخْنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا

стр. 3475

ناجذ، وعمرو وعامر ابنا عُوَيف، وعبد الله بن الحجاج وجُندَب بن زهير، وأبو زينب بن عوف بن الحارث، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزديّ في الفقراء الذين مع عمّار بن ياسر فأصيب معه (١). (٥: ٢٦/ ٢٧). ١١٠٥ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن حَصيرة عن أشياخ النَّمِر: أنّ عقبة بن حديد النمريّ قال يوم صِفّين: ألا إنّ مرعى الدنيا قد أصبح هشيمًا، وأصبح شجرُها خضِيدًا، وجديدها سَمَلًا، وحلوها مرَّ المذاق، ألا وإنّي أنبئكم نبأ امرئ صادق: إني قد سئمتُ الدنيا، وعزفتْ نفسي عنها، وقد كنت أتمنّى الشهادة، وأتعرّض لها في كلّ جيش وغارة؛ فأبى الله إلا أن يبلِّغني هذا اليوم، ألا وإني متعرّض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرَمها، فما تنتظرون عبادَ الله بجهاد مَنْ عادى الله؟ خوفًا من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كفٍّ بالسيف! تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله وموافقة النبيّين، والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين في دار القرار! ما هذا بالرأي السديد! ثم مضى فقال: يا إخوتي! قد بعتُ هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها لا يبرح وجوهَكم، ولا يقطع الله رجاءكم! فتبعه إخوته: عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزقَ الدنيا بعدَك، فقبَّح الله العيشَ بعدك! اللهمّ إنا نحتسب أنفسنَا عندك! فاستقدموا فقاتَلوا حتى قُتِلوا (٢). (٥: ٢٧/ ٢٨).

стр. 3476

١١٠٦ - قال أبو مخنف: حدّثني صلة بن زهير النهديّ عن مسلم بن عبد الله الضّبابيّ، قال: شهدت صِفِّين مع الحيّ ومعنا شَمر بن ذي الجوشن الضبابيّ، فبارزه أدهم بن محرز الباهلي، فضرب أدهم وجه شَمِر بالسيف، وضربه شَمِر ضربة لم تضْرره، فرجع شَمِر إلى رَحْله فشرب شربةً - وكان قد ظمئ - ثم أخذ الرمح، فأقبل وهو يقول: إنِّي زَعيمٌ لأَخي باهلَهْ ... بطَعْنَةٍ إنْ لم أُصبْ عاجِلهْ أو ضَرْبَةٍ تَحْتَ القَنا والوَغى ... شَبيهَةٍ بالقَتْلِ أو قاتِلَهْ ثم حمل على أدهم فصرعه، ثم قال: هذه بتلك (١). (٥: ٢٨). ١١٠٧ - قال أبو مخنف: حدّثني عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجُشَميّ: أن بشر بن عِصْمة المُزَنيّ كان لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصِفِّين؛ بَصُر بشر بن عِصْمة بمالك بن العَقَدِيّة -وهو مالك بن الجُلاح الجُشَميّ، ولكنّ العَقَدِيّة غلبتْ عليه- فرآه بِشْر وهو يَفرِي في أهل الشام فَرْيًا عجيبًا، وكان رجلًا مسلمًا شجاعًا، فغاظ بشرًا ما رأى منه، فحمل عليه فطعنه فصرعه، ثم انصرف، فندم لطعنته إيّاه جبَّارًا، فقال: وإني لأرْجو مِنْ مَليكي تَجَاوُزًا ... ومنْ صاحِبِ الموسوم في الصَّدْر هاجسُ دَلَفْتُ له تَحْتَ الغُبارِ بِطَعْنَةٍ ... على ساعَةٍ فيها الطِّعان تخَالسُ فبلغتْ مقالتُه ابنَ العَقَدِيّة، فقال: ألا أَبْلِغَا بِشْرَ بنَ عِصْمَةَ أَنَّنِي ... شُغِلْتُ وألْهاني الّذِين أمارِسُ فصادَفْتَ مِني غِرَّةً وأصَبْتَها ... كذلكَ والأبْطالُ ماضٍ وخالِسُ ثم حمل عبد الله بن الطُّفَيْل البَكّائيّ على جمع لأهل الشام، فلمّا انصرف؛ حمل عليه رجل من بني تَميم -يقال له: قيس بن قُرّة، ممّن لحق بمعاوية من أهل العراق- فيضع الرُّمح بين كتفي عبد الله بن الطُّفيل، ويعترضه يزيد بن معاوية، ابن عم عبد الله بن الطُّفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميميّ، فقال: والله لئن طعنتَه؛ لأطعننّك! فقال: عليك عهد الله وميثاقُه لئن رفعتُ السنان على ظهر صاحبك لترفعنّ سنانَك عنِّي! فقال له: نعم، لك بذلك عهدُ الله! فرفع

стр. 3477

السنّان عن ابن الطُّفيل، ورفع يزيد السنانَ عن التَّميميّ، فقال: ممّن أنت؟ قال: من بني عامر؛ فقال له: جعلني الله فداكم! أينما أُلفكم أُلفِكم كرامًا، وإني لحادي عَشَرَ رجلًا من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم اليوم، وأنا كنت آخرَهم، فلما رجع الناس إلى الكوفة؛ عتب على يزيد بن الطُّفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمّه، فقال له: ألم تَرَني حامَيْتُ عنك مُناصِحًا ... بِصفِّينَ إذْ خَلَّاكَ كلُّ حَميمِ ونَهْنَهْتُ عنك الحنظَليَّ وقدْ أتَى ... على سابحٍ ذي مَيْعَةٍ وهَزيمِ! (١) (٥: ٢٨/ ٢٩). ١١٠٨ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَديج، قال: خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكنديّ، ثم الطمَحِيّ، فتجاوَلا ساعة، ثم إن عبد الرحمن حمل على الشاميّ فطعنه في ثُغرة نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحَه، فإذا هو حبشيّ، فقال: إنّا لله! لِمَنْ أخطرت نفسي! لعبد أسود! وخرج رجل من عكّ يسأل المبارزة، فخرج إليه قيس بن فَهْدان الكِنانيّ، ثم البَدَنِيّ، فحمل عليه العكِّيّ فضربه واحتمله أصحابُه فقال قيس بن فَهْدان: لَقَدْ عَلِمَتْ عَكٌّ بصِفّينَ أننا ... إذا التَقَتِ الخيلان نَطْعنُها شَزْرَا ونحْمِلُ راياتِ الطّعانِ بِحَقِّها ... فنُورِدُها بيضًا ونُصْدِرُها حُمْرا (٢) (٥: ٣٠). ١١٠٩ - قال أبو مخنف: وحدّثني فُضَيل بن خَدِيج: أن قيس بن فهدان كان يحرّض أصحابه فيقول: شدّوا إذا شددتم جميعًا، وإذا انصرفتم؛ فأقبِلوا معًا، وغُضّوا الأبصار، وأقلّوا اللفظ، واعتوِروا الأقران، ولا يؤتَينّ من قِبلكم العرب، قال: وقتلِ نُهَيك بن عُزَير -من بني الحارث بن عديّ، وعمرو بن يزيد من بني ذُهل، وسعيد بن عمرو- وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فرّ إلى معاوية من عليّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه أخوه أبو العَمَرّطة بن يزيد، فتعارفا،

стр. 3478

فتواقفا وانصرفا إلى الناس، فأخبر كلّ واحد منهما أنه لقي أخاه (١). (٥: ٣٠). ١١١٠ - قال أبو مِخنف: حدّثني جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوَين الطائيّ: أن طيّئًا يوم صِفِّين قاتلت قتالًا شديدًا، فعبّيَت لهم جموع كثيرة، فجاءهم حمزة بن مالك الهمْدانيّ، فقال: ممّن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله بن خليفة البَوْلانيّ -وكان شيعيًّا شاعرًا خطيبًا: نحن طيِّئ السهل، وطيِّئ الرمل، وطيِّئ الجَبل، الممنوع ذي النخل؛ نحن حُماة الجبلين، إلى ما بين العُذَيب والعَيْن، نحن طيّئ الرماح، وطيِّئ النِّطاح، وفُرسان الصّباح، فقال حمزة بن مالك: بخٍ بخٍ! إنك لحسن الثناء على قومك، فقال: إنْ كُنْتَ لم تَشْعُر بنَجدَةِ مَعْشَرٍ ... فأَقدِمْ عَلَيْنا وَيْبَ غَيْرِك تَشعُرِ ثم اقتتل الناس أشدّ القتال، فأخذ يناديهم ويقول: يا معشر طيّئ! فِدًى لكم طارِفي وتالِدي! قاتِلوا على الأحساب، وأخذ يقول: أنا الذي كنْت إذا الدّاعي دَعا ... مصَمِّمًا بالسَّيْفِ نَدْبًا أرْوَعَا فأنزل المُسْتَلْئِمَ المُقَنّعا ... وأقتلُ المُبالِطَ السَّمَيْدَعَا وقال بشر بن العَسوس الطائيّ ثم المِلْقطيّ: يَا طيّئ السُّهولِ والأجبالِ ... ألا انهدُوا بالبيضِ والعَوالي وبالْكُماةِ مِنْكُمُ الأبطالِ ... فقارِعوا أئِمَّةَ الجُهَّالِ السّالِكينَ سُبُلَ الضَّلال ففُقئتْ يومئذ عين ابن العَسوس، فقال في ذلك: ألا لَيْتَ عَيني هذِهِ مِثلُ هذِهِ ... فلَم أمشِ في الآناسِ إلَّا بقائِدِ ويا لَيْتَنِي لم أَبْقَ بعد مُطَرِّفٍ ... وسَعد وبعد المُسْتَنِيرِ بنِ خالِدِ فوارِسَ لم تَغْذُ الحواضِنُ مِثْلَهُمْ ... إذا الحربُ أَبدَتْ عن خدامِ الخَرائِد ويا ليت رِجلي ثَمّ طُنَّتْ بِنِصْفِها ... ويا ليت كفِّي ثَمَّ طاحَتْ بِساعدي (٢) (٥: ٣٠/ ٣١).

стр. 3479

١١١١ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو الصّلت التيميّ، قال: حدّثني أشياخ محارب: أنّه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يومَ صِفِّين، جعل يرى أصحابه منهزِمين، فأخذ ينادي: يا معشر قيْس! أطاعةُ الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن! الفِرار فيه معصية الله سبحانه وسخطُه، والصبر فيه طاعة الله ورضوانُه، فتختارون سخطَ الله تعالى على رضوانِه، ومعصيتَه على طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا لنفسه. وقال: لا وأَلَتْ نَفسُ امْرِئٍ وَلَّى الدُّبُرْ ... أنا الَّذِي لا يَنثني ولا يَفِرْ ولا يُرَى مع المعازيل الغُدُرْ فقاتلَ حتى ارتُثّ، ثم إنه خرج مع الخمسمئة الذين كانوا اعتزلوا مع فَرْوة بن نَوْفل الأشجعيّ، فنزلوا بالدَّسكرة والبَنْدنيجَيْن، فقاتلت النَّخَع يومئذ قتالًا شديدًا، فأصيب منهم يومئذ بكْر بن هوْذَة، وحيّان بن هَوذة، وشُعيب بن نُعيم من بني بكْر النَّخع، وربيعة بن مالك بن وَهْبيل، وأبيّ بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقُطِعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحِبّ أنّ رجلي أصحّ ما كانت، وإنها لمما أرجو به حسنَ الثواب من ربي ، وقال: لقد كنت أحبّ أن أرى في نومي أخي، أو بعض إخواني، فرأيتُ أخي في النوم، فقلت: يا أخي! ماذا قَدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججنا عند الله ، فحججْناهم، فما سُررت منذ عقلتُ سروري بتلك الرؤيا (١). (٥: ٣٢). ١١١٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني سُويَد بن حيّة الأسديّ عن الحُضَين بن المنذر: أنّ أناسًا كانوا أتوْا عليًّا قبل الوقْعة فقالوا له: إنا لا نرى خالد بن المعمَّر إلّا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعَه، فبعَث إليه عليّ وإلى رجال من أشرافنا، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ يا معشر ربيعة! فأنتم أنصارِي، ومجيبو دَعْوَتي، ومِن أوثقِ حيٍّ في العرب في نفسي، وقد بلَغني: أنّ معاوية قد

стр. 3480

كاتب صاحبَكم خالد بن المعمَّر، وقد أتيتُ به، وجمعتُكم لأشهِدَكم عليه، ولتسمعوا أيضًا ما أقوله، ثمّ أقبل عليه، فقال: يا خالد بن المعمر! إن كان ما بلغني حقّا فإني أُشهِد الله ومَن حَضرني من المسلمين أنّك آمِنٌ حتى تلحق بأرض العراق، أو الحجاز، أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنتَ مكذوبًا عليك، فإنْ صدورنا تطمئنّ إليك، فحلف بالله ما فعل، وقال رجال منّا كثير: لو كنا نعلم أنه فعل؛ أمثلناه، فقال شقيق بن ثوْر السَّدوسيّ: ما وُفّق خالد بن المعمّر أنْ نصَر معاوية وأهل الشأم على عليّ وربيعة! فقال زياد بن خَصفة التّيميّ: يا أمير المؤمنين! استوثِق من ابن المعمَّر بالأيمان لا يغدرنّك. فاستوثق منه، ثم انصرفنا، فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قِبَل الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عالٍ جهير، كغير المكترِث لما فيه الناس: من هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة، فقال: بل هي رايات الله ، عصم الله أهلها، فصبّرهم، وثبّت أقدامهم، ثم قال لي: يا فتى! ألا تُدْني رايتَك هذه ذراعًا؟ قلت: نعم والله وعشرَةَ أذرُع؛ فقمت بها فأدنيتُها، حتى قال: إنّ حسبَك مكانك، فثبتُّ حيث أمرني، واجتمع أصحابي (١). (٥: ٣٣). ١١١٣ - قال أبو مخنف: حدّثنا أبو الصّلت التيميّ، قال: سمعتُ أشياخَ الحي من تيم الله بن ثعلبة يقولون: إن راية ربيعة - أهل كوفتها وبصرتها - كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة. قال: وسمعتهم يقولون: إنّ خالد بن المعمر وسُفيان بن ثور السَّدوسيّ اصطلحا على أن ولّيا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحُضيْن بن المنذر الذُّهليّ، وتنافَسَا في الرّاية، وقالا: هذا فتىً منَّا له حَسَب، نجعلها له حتى نرى من رأينا. ثم إنّ عليًّا ولَّى خالد بن المعمّر بعدُ راية ربيعة كلَّها، قال: وضرب معاوية لحميَر بسهمهم على ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددًا منها يومئذ: على ربيعة، وهَمْدان، ومذحِج، فوقع سهم حِمْير على ربيعة، فقال ذو الكَلاع؛ قبّحك الله من سهم! كرهتَ الضِّراب! فأقبل ذو الكَلاع في حميَر ومَن تعلّقها، ومعهم عبيد الله بن عمرَ بن الخطّاب في أربعة آلاف من قرّاء أهل

стр. 3481

الشأم، وعلى ميمنتهم ذو الكَلاع، فحملوا على ربيعة، وهم ميسرة أهلِ العراق، وفيهم ابنُ عبّاس، وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكَلاع، وعبيد الله بن عمر حَمْلةً شديدة بخيلهم ورجلهم، فتضعضعتْ رايات ربيعة إلّا قليلًا من الأخيار والأبدال. قال: ثمّ إن أهل الشأم انصرفوا، فلم يمكثوا إلّا قليلًا حتى كرّوا، وعبيد الله بن عمر يقول: يا أهل الشأم! إنّ هذا الحيَّ من أهل العراق قتلة عثمان بن عفّان ﵁، وأنصار عليّ بن أبي طالب، وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان، وهلك عليّ بن أبي طالب، وأهل العراق، فشَدّوا على الناس شدّة، فثبتتْ لهم ربيعة، وصبروا صبرًا حسنًا إلا قليلًا من الضعفاء والفَشَلة، وثبت أهل الرايات، وأهلُ الصَّبر منهم، والحفاظ، فلم يزولوا، وقاتَلوا قتالًا شديدًا. فلما رأى خالد بن المعمّر ناسًا من قومه انصرفوا؛ انصرف، ولمّا رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا؛ رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرّجوع، فقال: مَنْ أراد من قومه أن يتّهمه؛ أراد الانصراف، فلمّا رآنا قد ثبتنا؛ رجع إلينا، وقال هو: لما رأيت رجالًا منا انهزموا رأيتُ أن أستقبلهم وأردّهم إليكم، وأقبلت إليكم فيمن أطاعني منهم، فجاء بأمر مشبّه (١). (٥: ٣٣/ ٣٤/ ٣٥). ١١١٤ - قال أبو مخنف: حدّثني رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرحمن العجْليّ، أنّ خالدأ قال يومئذ: يا معشرَ ربيعة! إن الله قد أتى بكلّ رجل منكم من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعًا لم يجمعكم مِثله منذ نشرَكم في الأرض، فإنْ تمسِكوا بأيديكم، وتنكُلوا عن عدوّكم، وتزولوا عن مصافِّكم؛ لا يرض الله فعلَكم، ولا تقدَموا من الناس صغيرًا أو كبيرًا إلّا يقول: فضحتْ ربيعة الذِّمار، وحاصَت عن القتال، وأتِيتْ من قِبلها العرب، فإيّاكم أن يتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم، وإنكم إن تمضُوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين؛ فإنّ الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجيّة، واصبروا ونيّتكم صادقة أن تؤجَروا، فإنّ ثواب مَن نَوَى ما عند الله شرفُ الدنيا وكرامةُ الآخرة، ولن يُضيع اللهُ أجرَ من أحسن عملًا. فقام رجل من ربيعة فقال: ضاع والله أمرُ ربيعة حين جعلتْ إليك أمورَها!

стр. 3482

تأمرنا ألّا نزول ولا نحُول حتى تَقتل أنفسَنا، وتَسفِك دماءنا! ألا ترى الناس قد انصرف جُلُّهم! فقام إليه رجال من قومه فنهروه، وتناولوه بألسنتهم، فقال لهم خالد: أخرِجوا هذا من بينكم، فإنّ هذا إن بقيَ فيكم ضرّكم، وإن خرج منكم لم يَنْقصكم، هذا الذي لا ينقص العدَد، ولا يَملأ البلد، برّحك الله من خطيب قوم كرام! كيف جُنِّبتَ السداد! واشتدّ قتال ربيعة، وحمير، وعُبيد الله بن عمر حتى كثرتْ بينهم القتلى، فقتِل سُمَير بن الرّيان بن الحارث العجليّ، وكان من أشدّ الناس بأسًا (١). (٥: ٣٥/ ٣٦). ١١١٥ - قال أبو مخنف: حدّثني جيفر بن أبي القاسم العبديّ عن يزيد بن علقمة، عن زيد بن بدر العَبْديّ: أن زياد بن خَصَفة أتى عبدَ القيس يومَ صفين وقد عُبّيتْ قبائلُ حميَر مع ذي الكَلاع - وفيهم عُبيد الله بن عمرَ بن الخطاب - لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالًا شديدًا، خافوا فيه الهلاك، فقال زياد بن خَصَفة: يا عبدَ القيس! لا بَكْر بعد اليوم. فركبنا الخيولَ، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثْنا إلّا قليلًا حتى أصيب ذو الكَلاع، وقُتل عبيد الله بن عمرَ ﵁، فقالت هَمْدان: قتله هانئ بن خطّاب الأرحبيّ؛ وقالت حَضْرَمَوْت: قتله مالك بنُ عمرو التِّنْعيّ، وقالت بكر بن وائل: قتله مُحرِز بن الصّحصح من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح، فأخذ به معاوية بالكُوفة بكرَ بن وائل، فقالوا: إنما قتله رجل منا من أهل البصرة، يقال له: محرز بن الصّحْصح، فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف، وكان رأسَ النَّمِر بن قاسط عبدُ الله بن عَمرو من بني تيم الله بن النّمِر (٢). (٥: ٣٦). ١١١٦ - قال هشام بن محمد: الذي قتل عُبَيد الله بن عمرَ ﵁ محرزُ بن الصّحصحِ، وأخذ سيفه ذا الوشاح، سيفَ عمر، وفي ذلك قول كعب بن جُعيل التغلبيّ: ألا إنَّما تُبْكِي العُيونُ لِفارِسٍ ... بصِفّينَ أجْلَتْ خَيْلُهُ وَهُوَ واقِفُ يُبَدِّلُ مِنْ أسْماءَ أسيافَ وائِلٍ ... وكان فتى لو أخْطَأتْهُ المَتالِفَ تركْنَ عُبَيْدَ الله بالقاعِ مُسْنَدًا ... تمُجُّ دَمَ الخِرْقِ العُرُوقُ الذَّوارِفُ

стр. 3483

وهي أكثر من هذا. وقُتل منهم يومئذ بِشر بن مرّة بن شُرَحبيل، والحارث بن شَرحبيل، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميميّ تحت عبيد الله بن عمر، ثمّ خلَف عليها الحسن بن عليّ (١). (٥: ٣٧). ١١١٧ - قال أبو مخنف: حدّثني ابن أخي غياث بن لَقيط البكريّ: أن عليًّا حيث انتهى إلى ربيعة، تبارتْ ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب عليّ فيكم وقد لجأ إلى رايتكم، افتضحتم، وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة! لا عذرَ لكم في العرب إن وُصِل إلى عليّ فيكم وفيكم رجلٌ حيّ، وإن منعتموه؛ فمجدُ الحياة اكتسبتموه، فقاتَلوا قتالًا شديدًا حين جاءهم عليّ لم يكونوا قاتَلوا مثلَه، ففي ذلك قال عليّ: لِمَنْ رَايَةٌ سوْداءُ يَخْفِق ظِلَّها ... إذا قيل قَدِّمها حُضَيْنُ تقَدَّما يُقَدِّمُها في المَوْتِ حتى يُزيرها ... حياضَ المَنايا تَقْطُرُ الموتَ والدَّما أذَقْنا ابنَ حَربٍ طَعنَنا وضِرابَنا ... بأَسيافنا حتى توَلَّى وأحجَما جَزَى الله قَومًا صابَروا في لقائهمْ ... لدى الموتِ قَومًا ما أعَفَّ وأكْرَما! وأطيبَ أخْبارًا وأكْرَمَ شيمَةً ... إذا كان أصواتُ الرِّجال تَغَمغُما رَبيعَةَ أعنِي أنَّهُمْ أهلُ نَجْدة ... وبأْسٍ إذا لاقَوْا جَسيمًا عَرَمرَما (٢) (٥: ٣٧/ ٣٨). مقتل عمَّار بن ياسر ١١١٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة الحنفيّ: أنّ عمّار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: اللهمّ إنك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أن أقذفَ بنفسي في هذا البحر؛ لفعلتُه، اللهمّ إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظُبَةَ سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تَخرج من ظهري؛ لفعلتُ، وإني لا أعلم اليومَ عملًا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أنّ عملًا

стр. 3484

من الأعمال هو أرضَى لك منه؛ لفعلته (١). (٥: ٣٨). ١١١٩ - قال أبو مخنف: حدّثني الصّقْعب بن زُهير الأزديّ، قال: سمعتُ عمّارًا يقول: واللهِ إني لأرى قومًا ليضربُنكم ضربًا يرتاب منه المبطلون! وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر؛ لعلمنا أنّا على الحقّ، وأنهم على الباطل (٢)! (٥: ٣٨). ١١٢٠ - حدّثني محمد! عن خلف، قال: حدّثنا منصور بن أبي نويرة عن أبي مِخْنف، وحُدِّثت عن هشام بن الكلبيّ، عن أبي مخنف، قال: حدّثني مالك بن أعينَ الجُهَنيّ، عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أن عمّار بن ياسر ﵀ قال يومئذ: أين مَن يبتغي رضوانَ الله عليه، ولا يثوب إلى مال ولا ولد! فأتتْه عصابة من الناس، فقال: أيُّها الناس! اقصدوا بنا نحوَ هؤلاء الذين يبغون دمَ ابن عفان، ويزعمون: أنه قتِل مظلومًا، والله ما طلبتهُم بدمه، ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا، فاستحبُّوها، واستمرؤوها، وعلموا أن الحقّ إذا لزمهم حالَ بينهم وبين

стр. 3485

ما يتمرّغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعةَ الناس والولايةَ عليهم، فخدعوا أتباعَهم أن قالوا: إمامُنا قتل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكًا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما تَرَوْن، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان، اللهمّ إنْ تنصرْنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهي الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذابَ الأليم، ثم مضى، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عَمرو فقال: يا عَمرو! بعتَ دينك بمصر، تبًّا لك تبًّا! طالما بغيت في الإسلام عِوَجًا. وقال لعُبيد الله بنِ عمَر بن الخطاب: صَرعك الله! بعتَ دينَك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه، قال: لا، ولكن أطلب بدم عثمانَ بن عفّان ﵁؛ قال له: أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجْهَ الله ؛ وإنّك إن لم تُقتل اليوم تمتْ غدًا، فانظر إذا أعطِيَ الناسُ على قدر نِيّاتهم ما نيّتك (١). (٥: ٣٩/ ٤٠). ١١٢١ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: أخبرنا عبيد بن الصبّاح عن عطاء بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، قال: سمعت عقار بن ياسر بصِفِّين وهو يقول لعَمرو بن العاص: لقد قاتلتُ صاحبَ هذه الراية ثلاثًا مع رسول الله ﷺ ، وهذه الرابعة ما هي بأبرّ ولا أتقى (٢). (٤٠: ٥). ١١٢٢ - حدّثنا أحمد بن محمد، قال: حدّثنا الوليد بن صالح، قال: حدّثنا عطاء بن مسلم عن الأعمش، قال: قال أبو عبد الرحمن السُّلميّ: كنا مع عليّ

стр. 3486

بصِفِّين، فكنا قد وكَلْنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعِانه من أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلةٌ يحمِل فلا يرجع حتى يخضِب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفُه، فألقاه إليهم، وقال: لولا أنه انثنى ما رجعتُ - فقال الأعمش: هذا والله ضربُ غير مرتاب، فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئًا فأدّوه وما كانوا بكذّابين - قال: ورأيت عمارًا لا يأخذ واديًا من أودية صِفّين إلا تبعه مَن كان هناك من أصحاب محمد ﷺ ؛ ورأيته جاء إلى المِرْقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية عليّ، فقال: يا هاشم! أعَورًا وجبنًا! لا خير في أعوَر لا يغشى البأس، فإذا رجلٌ بين الصفَّين قال: هذا والله ليخلُفَنّ إمامه، وليخذلَنّ جنده، وليَصْبِرَن جهده، اركب يا هاشم" فركب، ومضى هاشم يقول: أعْوَرُ يَبْغي أهلَهُ مَحَلَّا ... قد عالَجَ الحياةَ حتى مَلَّا لابدَّ أن يَفُلَّ أو يُفَلَّا وعمّار يقول: تقدّم يا هاشم! الجنّة تحت ظلال السيوف، والموتُ في أطراف الأسَل، وقد فُتحِت أبواب السماء، وتزينت الحور العين. اليوم ألقى الأحبَّهْ ... محمَّدًا وحزبَه فلم يرجعا، وقُتلا - قال: يفيد لك علمهما مَنْ كان هناك من أصحاب رسول الله ﷺ ، أنّهما كانا عَلما - فلما كان الليل قلت: لأدخلنّ إليهم حتى أعلم: هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا! وكنا إذا توادعنا من القتال تحدّثوا إلينا وتحدّثنا إليهم، فركبت فرسي وقد هدأت الرِّجل، ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية، وأبو الأعور السُّلَميّ، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو - وهو خير الأربعة - فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشِّقَّيْن، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت! قتلتم هذا الرجلَ في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال! قال: وما قال: قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس يَنقلون حجرًا حجرًا ولَبِنة لَبِنة، وعمَّار ينقل حجريْن حَجريْن ولبنتين لبنتين، فغُشي عليه، فأتاه رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: "ويحك يابن سُمَيّة! الناس ينقلون حجرًا حجرًا، ولبِنة لبِنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبةً منك في الأجر! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! ". فدفع عمرو صدرَ فرسه، ثم جذب معاوية إليه، فقال:

стр. 3487

يا معاوية! أما تسمع ما يقوله عبد الله! قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديت وأنت تدحَض في بَوْلك! أوَ نحن قتلنا عمَّارًا! إنما قتل عمَّارًا مَنْ جاء به. فخرج الناس من فَساطيطهم، وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمَّارًا من جاء به، فلا أدري مَن كان أعجب؟ هو أو هم (١)! (٥: ٤٠/ ٤١). ١١٢٣ - قال أبو جعفر: وقد ذكر: أن عمارًا لما قتِل قال عليّ لربيعةٍ وهمْدان: أنتم درعي ورُمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفًا، وتقدّمهم عليٌّ على بغلته فحمل وحملوا معه حملةَ رجل واحد، فلم يبق لأهل الشأم صفّ إلّا انتقضى، وقتلوا كلَّ من انتهوا إليه، حتى بلغوا معاوية، وعليٌّ يقول: أضْرِبُهُمْ ولا أرى معاويَهْ ... الجاحِظَ العَيْنِ العظيمَ الحاوِيَه ثم نادى معاوية، فقال عليٌّ: علامَ يُقتَّل الناس بيننا! هلمّ أحاكمك إلى الله، فأيّنا قتل صاحبَه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: أنصَفك الرجل، فقال معاوية: ما أنْصَفَ، وإنك نتعلم أنه لم يبارزْه رجل قطّ إلا قتله، قال له عمرو: وما يجمُل بك إلّا مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي (٢). (٥: ٤١/ ٤٢). ١١٢٤ - قال هشام، عن أبي مخنف: قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة عن سليمان الحضرميّ، قال: قلت لأبي عَمرة: ألا تواهم، ما أحسن هيئتَهم! يعني: أهل الشأم، ولا ترانا ما أقبح رعيَّتنا! فقال: عليك نفسَك فأصلِحها، وَدع الناسَ فإنَّ فيهم ما فيهم (٣). (٥: ٤٢). خبر هاشم بن عُتْبة المرقال وذكر ليلة الهَرير ١١٢٥ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو سلمة: أنَّ هاشم بن عتبة الزُّهريّ دعا الناسَ عند المساء: ألا مَن كان يريدُ الله والدار الآخرة فإليّ! فأقبل إليه ناسٌ كثيرة، فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشأم لمرارًا، فليس من وجه يحمل

стр. 3488

عليه إلّا صَبَر له وقاتَلَ فيه قتالًا شديدًا، فقال لأصحابه: لا يهولنّكم ما تروْنَ من صبرهم، فوالله ما تروْن فيهم إلّا حميَّة العرب وصَبْرًا تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضّلال، وإنكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابِروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدوّنا على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصَروا، واذكروا الله، ولا يَسأل رجل أخاه، ولا تُكثروا الالتفات، واصمدوا صمدَهم، وجاهدوهم محتسبين، حتى يحكمَ الله بيننا وبينهم وهو خيرُ الحاكمين. ثم إنه مضى في عصابة معه من القرّاء، فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابهُ عند المساء حتى رأوْا بعض ما يُسرُّون به، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتىً شاب وهو يقول: أنا ابنُ أربابِ الملوكِ غَسّانْ ... والدَّائنُ اليومَ بدِين عثمانْ إنّي أتاني خبرٌ فأشجانْ ... أنَّ عليًّا قَتَلَ ابنَ عفَّانْ ثم يشدّ فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويُكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد الله! إن هذا الكلام، بعده الخِصام، وإن هذا القتال، بعده الحساب، فاتّق الله فإنك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردتَ به، قال: فإني أقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلِّي كما ذكر لي، وأنتم لا تصلّون أيضًا، وأقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم أردتموه على قتله، فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان! إنما قتله أصحابُ محمد، وأبناء أصحابه، وقرّاء الناس، حين أحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب؛ وهم أهل الدّين، وأوْلى بالنّظر في أمور الناس منك ومن أصحابك، وما أظنّ أمر هذه الأمة وأمرَ هذا الدين أهمِل طرفة عين. فقال له: أجَلْ، والله لا أكذب، فإن الكذب يضرّ ولا ينفع، قال: فإنّ أهل هذا الأمر أعلم به؛ فخلّه وأهل العلم به. قال: ما أظنك والله إلا نصحت لي؛ قال: وأمَّا قولك: إن صاحبنا لا يصلِّي، فهو أوّل من صلَّى مع رسول الله، وأفقَه خلق الله في دين الله، وأولى بالرسول، وأما كلّ مَنْ ترى معي فكلهم قارئ لكتاب الله لا ينام الليل تهجُّدًا، فلا يغوينَّك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون. فقال الفتى: يا عبدَ الله! إنّي أظنك امرأً صالحًا؛ فتخبرَني: هل تجد لي من توبة؟ فقال: نعم يا عبد الله! تُبْ إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل

стр. 3489

التوبةَ عن عباده، ويعْفو عن السيئات، ويحبّ المتطهرين، قال: فجشر والله الفتى الناس راجعًا، فقال له رجل من أهل الشأم: خدعَك العراقيّ، خدعك العراقيّ، قال: لا، ولكن نصحَ لي. وقاتل هاشم قتالًا شديدًا هو وأصحابه، وكان هاشم يُدعَى المِرْقال، لأنه كان يُرْقِل في الحرب، فقاتل هو وأصحابه حتى أبرّوا على من يليهم، وحتى رأوا الظفر، وأقبلتْ إليهم عند المغرب كتيبةٌ لتَنوخ فشدّوا على الناس، فقاتلهم وهو يقول: أعور يبغِي أهلَه محلَّا ... قد عالج الحياةَ حتَّى مَلأَّ يَتُلُّهُم بذي الكُعوبِ تَلَّا فزعموا: أنه قتل يومئذ تسعةً أو عشرة، وحمل عليه الحارث بن المنذر التَّنوخيّ فطعنه فسقط، وأرسل إليه عليٌّ: أن قدّم لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو قد شُقّ، فقال الأنصاريّ الحجّاج بن غزِيّة: فإِن تَفْخروا بابن البُدَيل وهاشِمٍ ... فنحن قتَلْنا ذا الكَلاعِ وحَوْشَبا ونحن تَرَكْنا بَعدَ مُعترَكِ اللِّقا ... أخاكم عبيد الله لَحْمًا مُلَحَّبا ونحن أحطنا بالبعيرِ وأهلِه ... ونحن سقيناكمْ سِمامًا مُقَشَّبا (١) (٥: ٤٢/ ٤٣/ ٤٤).

стр. 3490

١١٢٥ - هشام عن أبي مخنف، قال: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهنيّ عن زيد بن وهب الجهنيّ: أنّ عليًّا مرّ على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة، وهم يشتمونه، فخبِّر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه، فقال: انهدَوا إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيما الصالحين، فوالله لأقربُ قوم من الجهل قائدهم، ومؤذِنهم معاوية، وابن النابغة، وأبو الأعور السلميّ، وابن أبي مُعيط شارب الخمر المجلود حدًّا في الإسلام، وهم أوْلى من يقومون فينقصونني، ويجدبونني، وقبل اليوم ما قاتَلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يَدْعُونني إلى عبادة الأصنام، الحمدُ لله، قديمًا عاداني الفاسقون قعيدهم الله ألم يُقْبَحوا! إن هذا لهو الخَطب الجليل؛ إن فسّاقًا كانوا غير مرضيّين، وعلى الإسلام وأهله متخوِّفين، خدعوا شطر هذه الأمّة، وأشرَبوا قاوبهم حبّ الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله ، اللهمّ فافضض خدَمتهم، وشتِّت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت (١). (٥: ٤٥). ١١٢٦ - قال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وَعْلة عن الشعبيّ: أنّ عليًّا مرّ بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرّض عليهم الناس، وذُكر أنهم غسّان، فقال: إنّ هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دَرَّاك يخرج منهم النَّسم، وضرب يفلِق منه الهام، ويُطيح بالعِظام، وتسقط منه المعاصم والأكفّ، وحتى

стр. 3491

تُصدع جباههم بعُمُد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر، وطلّاب الأجر؟ ! فثاب إليه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدًا؛ فقال: امش نحوَ أهل هذه الراية مشيًا رُويدًا على هِينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسِك حتى يأتيَك رأي. ففعل، وأعدّ عليٌّ مثلهم، فلمّا دنا منهم فأشرع الرِّماح في صدورهم أمر على الذين أعدّ فشدّوا عليهم، وأنهض محمدًا بمن معه في وجوههيم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالًا، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالًا شديدًا، فما صلَّى أكثر الناس إلّا إيماء. رجع الحديث إلى حديث أبي مِخنف: قال أبو مخنف: فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح؛ وهي ليلة الهَرير، حتى تقصّفت الرّماح ونفد النَّبْل، وصارَ الناس إلى السيوف، وأخذ عليّ يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلَّ كتيبةٍ من القرّاء أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلّها خَلْف ظهره، والأشتر فى ميمنة الناس، وابن عبّاس في الميسرة، وعليّ فرب القلْب، والناس يقتتلون مْن كلّ جانب، وذلك يومَ الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولّاها عشيّة الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وأخذ يقول لأصحابه: ازحفوا قادَ هذا الرّمح، وهو يزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعلوا قال: ازحفوا قادَ هذا القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى ملّ أكثر الناس الإقدام، فلمَّا رأق ذلك الأشتر قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائرَ اليوم، ثم دعا بفرسه، وترك رايتَه مع حيَّان بن هوذة النخعيّ، وخرح يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسَه من الله ، ويقاتل مع الأشتم، حتى يظهر أو يلحق بالله! فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه، وحيّان بن هوذة. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: فلما رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلّا فُرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حَكَمٌ بيننا وبينكم، فإن أي بعضُهم أن يقبلها وجدت فيهم مَن يقول: بلى، ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن

стр. 3492

قالوا: بلى، نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنّا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين. فرفعوا المصاحفَ بالرّماح وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، مَن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام! ومَن لثغور أهلِ العراق بعدَ أهل العراق! فلما رأى الناس المصاحفَ قد رفعتْ، قالوا: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه (١). (٥: ٤٥/ ٤٦/ ٤٧/ ٤٨). ١١٢٧ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو بكر الكنديّ: أن عبد الله بن كعب المراديّ قتل يوم صفينَ، فمرّ به الأسوَدُ بن قيس المراديّ، فقال: يا أسوَد، قال: لبّيك! وعرفه وهو بآخر رَمَق، فقال: عزّ والله عليّ مصرَعُك، أما والله لو شهدتك لآسيتك، ولدافعتُ عنك، ولو عرفت الذي أشعرك لأحببتُ ألّا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك، ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارُك ليأمن بوائقَك، وإن كنتَ لَمِن الذاكرين اللهَ كثيرًا، أوصِني رحمك الله! فقال: أوصيك بتقوى الله ، وأن تُناصحَ أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحِلّين حتى يظهر أو تلحق بالله. قال: وأبلغه عنَي السلام، وقل له: قاتِل عن المعركة حتى تجعلَها خلْفَ ظهرك، فإنه من أصبح غدًا والمعركة خلف ظهره كان العاليَ، ثمّ لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى عليّ فأخبره، فقال: ﵀! جاهد فينا عدوّنا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة. قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن إسحاق مولى بني المطّلب: أنّ عبد الرحمن بن حنبل الجُمحيّ، هو الذي أشار على عليّ بهذا الرأي يوم صِفّين (٢). (٥: ٤٦). ١١٢٨ - قال هشام: حدّثني عَوانة، قال: جعل ابن حَنْبل يقول يومئذ: إنْ تَقتلوني فأنا ابْنُ حنبَلْ ... أنا الذي قدْ قلتُ فيكم نعْثلْ (٣) (٥: ٤٦). ١١٢٩ - قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبيّ، عن عُمارة بن ربيعة

стр. 3493

الجَرْميّ، قال: مرّ بي واللهِ الأشترُ فأقبلتُ معه، واجتمع إليه ناسٌ كثير، فأقبك حتى رجع إلى المكان الذي كان به الميمنة، فقام بأصحابه، فقال: شدّوا شَدّة، -فِدىً لكم عمّي وخالي! - تُرضُون بها الربّ، وتُعِزّون بها الذين، إذا شَددتُ فشُدّوا، ثم نزل فضرب وجهَ دابَّته، ثم قال لصاحب رايته: قدّم بها، ثم شَدّ على القوم، وشَدّ معه أصحابُه، فضرب أهل الشأم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم؛ ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالًا شديدًا، فقتل صاحب رايته، وأخَذ عليّ - لمَا رأى من الظفر من قِبَله - يَمُدّه بالرّجال (١). (٥: ٤٧). ١١٣٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان قال: حدّثني عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يوم صفين لوَرْدان: تدري ما مَثلي ومَثلك! مثل الأشقر إنْ تقدّم عُقِر، وأن تأخّر نُحِر، لئن تأخَّرتَ لأضربنّ عنقك، ائتوني بقيد، فوضعه في رجليه فقال: أما والله يا أبا عبد الله لأورِدنك حياضَ الموت، ضع يدك على عاتقي، ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانًا، ويقول: لأورِدنّك حياضَ الموت (٢). (٥: ٤٧/ ٤٨). ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة ١١٣١ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُندَب الأزديّ عن أبيه: أنّ عليًّا قال: عبادَ الله! امضُوا على حقكم وصِدقكم قتالَ عدوّكم، فإن معاوية، وعمرَو بن العاص، وابنَ أبي مُعيط، وحبيب بن مَسلمة، وابن أبي سرْح، والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دِين ولا قرآن، أنا أعرَف بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويْحَكم! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعةً ودَهْنًا ومَكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله فنأبى أن نَقبله؛ فقال لهم: فإنِّي إنما قاتلتُهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنَّهم قد عصَوا الله فيما أمَرَهم ونسُوا عهدَه، ونبذُوا كتابه. فقال له مِسْعر بن فَدَاكيّ التميميّ، وزيد بن حصين الطائيّ ثم السَّنْبِسيّ في عصابة معهما من القرّاء

стр. 3494

الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ! أجِب إلى كتاب الله إذْ دعيتَ إليه، وإلّا ندفعك برُمّتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله فقبلناه؛ والله لتفعلنّها، أو لنفعلنَّها بك! قال: فاحفظوا عنِّي نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، أمَّا أنا فإن تطيعوني؛ تقاتلوا، وإن تعصوني؛ فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: إمّا لَا فابعث إلى الأشتر فليأتك (١). (٥: ٤٨/ ٤٩). ١١٣٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فضَيل بن خَديج الكنديّ، عن رجل من النَّخَع: أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال: كنت عند على حين أكرَهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك، قال: فأرسل عليّ إلى الأشتر يزيدَ بن هانئ السّبيعيّ: أن ائتني؛ فأتاه فبلّغه، فقال: قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تُزِيلني فيها عن موقفي، إن قد رجوت أن يُفتَح لي، فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هانئ إلى عليّ فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرّهَج، وعلت الأصوات من قِبَل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرتَه أن يقاتل، قال: من أين ينبغي أن ترَوا ذلك! رأيتموني ساررْته؛ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية، وأنتم تسمعونني! قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك، قال له: ويْحَك يا يزيد! قل له: أقبل إليّ، فإنّ الفتنة قد وقعتْ، فأبلغه ذلك، فقال له: ألِرفع المصاحف؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لقد ظننت حين رُفعتْ أنّها ستوقع اختلافًا وفُرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ألا ترى ما صنع الله لنا! أينبغي أن أدعَ هؤلاء وأنصرف عنهم! وقال يزيد بن هانئ: فقلت له: أتحب أنك ظفرتَ هاهنا، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يُفرج عنه أو يُسْلَم؛ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا: لَتُرسلنّ إلى الأشتر فلياتينّك أو لنقتلنّك كما قتلنْا ابن عفّان، فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: يا أهلَ العراقّ يا أهل الذّلّ والوَهَن، أحين علوتم القوم ظهرًا، وظنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركوا

стр. 3495

ما أمر الله به فيها، وسنّة من أنزلتْ عليه ﷺ ، فلا تجيبوهم، أمهلوني عَدْوَ الفرس، فإني قد طمعت في النصر؛ قالوا: إذًا ندخل معك في خطيئتك؛ قال: فحدِّثوني عنكم، وقد قُتل أماثِلُكم، وبقيَ أراذلكم، متى كنتم محقِّين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم يُقتلون! فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الان أنتم محقّون، فقَتْلاكم الذين لا تنكرون فضلَهم فكانوا خيرًا منكم في النار إذًا! قالوا: دعنا منك يا أشتر! قاتَلْناهم في الله ، ونَدَع قتالهم لله سبحانه، إنا لسنا مُطيعِيك ولا صاحبك، فاجتنِبْنا، فقال: خُدِعتم والله فانخَدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحابَ الجباه السود! كنا نظنّ صلواتكم زَهادةً في الدنيا، وشوقًا إلى لقاء الله ، فلا أرى فِراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، ألا قبحًا يا أشباهَ النِّيب الجَلّالة! وما أنتم برائين بعدَها عزًّا أبدًا، فابعَدوُا كما بَعِدَ القوم الظالمون! فسبّوه، فسبّهم، فضربوا وجه دابّته بسياطهم، وأقبل يضرب بسوطه وجوهَ دوابّهم، وصاح بهم عليّ فكَفوا؛ وقال للناس: قد قبِلنا أن نجعلَ القرآن بيننا وبينهم حَكمًا، فجاء الأشدث بن قيس إلى عليّ فقال له: ما أرى الناسَ إلا قد رضُوا، وسرّهم أن يجيبوا القومَ إلى ما دعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيتُ معاوية فسألتُه ما يريد، فنظرتَ ما يسأل؛ قال: ائته إن شئتَ فسَلْه، فأتاه فقال: يا معاوية! لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون منكم رجلًا ترضَوْن به، ونبعث منّا رجلًا، ثم نأخذ عليهما أن يعمَلا بما في كتاب الله لا يعدُوانه، ثم نتبع ما اتّفقا عليه، فقال له الأشعث بنُ قيس: هذا الحقّ، فانصرف إلى عليّ فأخبرَه بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنا قد رصينا وقبِلنا، فقال أهل الشأم: فإنا قد اخترنا عمروَ بن العاص؛ فقاط الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارجَ بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعريّ، قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصُوني الآن، إني لا أرى أن أولِّيَ أبا موسى. فقال الأشعث، وزيد بن حُصين الطائيّ، ومسعر بن فدكيّ: لا نرضى إلّا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقني، وخذّل الناسَ عني ثم هرب مني حتى آمنتُه بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس ولِّيه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلّا رحلَّا هو منك ومن

стр. 3496

معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، فقال عليّ: فإنّي أجعل الأشتر (١). (٥: ٤٩/ ٥٠/ ٥١). ١١٣٣ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ: أن الأشعث قال: وهل سَعّر الأرضَ غيرُ الأشتر (٢)؟ ! (٥: ٥١). ١١٣٤ - قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه: أنّ الأشعث قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر! قال عليّ: وما حُكمه؛ قال: حكمه أن يَضرِب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتى يكون ما أردتَ وما أراد؛ قال: فقد أبَيتم إلا أبا موسى! قالوا. نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم! فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال، وهو بعُرْضٍ، فأتاه مولى له؛ فقال: إن الناس قد اصطلحوا؛ فقال: الحمد لله ربّ العالمين! قال: قد جعلوك حَكَمًا؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر حتى أتى عليًّا فقال: ألِزّني بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن ملأث عيني منه لأقتلنّه؛ وجاء الأحنف فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنك قد رُميتَ بحجر الأرض، وبمَنْ حارب اللهَ ورسوله أنْفَ الإسلام، وإنّي قد عجمتُ هذا الرجلَ وحلبتُ أشطُرَه فوجدتُه كَلِيلَ الشَّفرة، قريبَ القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلّا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفّهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيتَ أن تجعلَني حَكَمًا، فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتُها، ولن يحلّ عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكَم منها، فأبى الناسُ إلا أبا موسى والرِّضا بالكتاب؛ فقال الأحنف: فإنْ أبيتم إلا أبا موسى فأدفئِوا ظهرَه بالرجال. فكتبوا: بسم الله الرحمن الرّحيم؛ هذا ما تَقاضى عليه عليٌّ أميرُ المؤمنين ... فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميرُكم فأما أميرُنا فلا، وقال له الأحنف: لا تمح اسم "إمارة المؤمنين"، فإني أتخوّف إنْ محوتَها ألّا ترجع إليك أبدًا، لا تَمحُها وإن قتل الناسُ بعضهم بعضًا؛ فأبى ذلك عليّ مليًّا من النهار، ثم إنّ الأشعث بنَ قيس قال: امحُ هذا الاسم برحه الله! فمُحِيَ وقال على: الله أكبر، سنّة بسنّة، ومثَل

стр. 3497

بمثَل، والله إني لكاتب بين يديْ رسول الله ﷺ يومَ الحُدَيبية إذ قالوا: لستَ رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسمَ أبيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومَثَلُ هذا أن نشبّه بالكفّار ونحن مؤمنون! فقال عليّ: يا بن النابغة! ومتى لم تكن للفاسقين وليًّا، وللمسلمين عدوًّا! وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني وبينَك مجلسٌ أبدًا بعد هذا اليوم؛ فقال له عليّ: وإني لأرجُو أن يطهّر الله مجلسي منك ومن أشباهِك، وكتب الكتاب. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف، وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سُفيان، قاضى عليّ على أهل الكوفة ومَنْ معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضَى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حُكم الله وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله بيننا مِن فاتحتِه إلى خاتمته، نُحيي ما أحيا، ونُميت ما أمات، فما وجد الحكَمَان في كتاب الله وهما أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي - عَمِلَا به، وما لم يَجِدَا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة، وأخذ الحكَمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلِهما، والأمّة لهما أنصار على الذي يتقاضيَان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ الله وميثاقُه أنّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبتْ قضيّتهما على المؤمنين، فإنّ الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهلِيهم وأموالِهم، وشاهِدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهدُ الله وميثاقُه أن يحكُمَا بين هذه الأمة، ولا تردّاها في حرب ولا فُرقة حتى يُعصيا، وأجَلُ القضَاء إلى رَمضان، وإن أحبّا إن يؤخّرا ذلك أخّراه على تراضٍ منهما، وإن تُوفِّي أحد الحَكَمين فإنْ أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المَعدلة والقِسط، وإنّ مكان قضيّتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيَا وأحبّا فلا يَحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحَكَمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة،

стр. 3498

وهم أنصارٌ على مَن ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظُلمًا، اللهم إنا نستنصرك على من تَرَك ما في هذه الصحيفة. شَهِد من أصحاب عليّ: الأشعثُ بن قيس الكنديّ، وعبدُ الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وورقاء بن سُمَيّ البَجَليّ، وعبد الله بن مُحِلّ العِجليّ، وحُجْر بن عديّ الكِنديّ، وعبد الله بن الطفيل العامريّ، وعقبة بن زياد الحَضْرميّ، ويزيد بن حجيَّة التيميّ، ومالك بن كعب الهمدانيّ. ومن أصحاب معاوية: أبو الأعور السلميّ عمرو بن سفيان، وحبيب بن مسلمة الفِهريّ، والمخارق بن الحارث الزُّبيديّ، وزِمْل بن عمرو العذرِيّ، وحمزة بن مالك الهمْدانيّ، وعبد الرحمن بن خالد المخزوميّ، وسُبيع بن يزيد الأنصاريّ، وعلقمة بن يزيد الأنصاريّ، وعتبة بن أبي سُفيان، ويزيد بن الحرّ العبسيّ (١). (٥: ٥١/ ٥٢/ ٥٣/ ٥٤). ١١٣٥ - حدثني عليّ بن مسلم الطوسيّ، قال: حدّثنا حَبّان، قال: حدّثنا مُبارك، عن الحسن، قال: أخبرني الأحنف: أنّ معاوية كتب إلى عليّ أن امحُ هذا الاسمَ إن أردتَ أن يكون صلح؛ فاستشار -وكانت له قبّة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم- قال: ما تروْن فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؛ - قال مبارك: يعني: أميرَ المؤمنين - قال: برّحه الله! فإنّ رسول الله ﷺ حين وادع أهَل مكة كتب: "محمّد رسول الله"، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بنُ عبد الله، فقلت له: أيّها الرجل مالَك وما لرسول الله ﷺ ! إنا والله ما حابَيْناك ببيعتِنا، وإنا لو علمنا أحدًا من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوتَ هذا الاسم الذي بايعتَ عليه، وقاتلتهم؛ لا يعود إليك أبدًا. قال: وكان واللهِ كما قال. قال. قلّما وُزِن رأيه برأيِ رجل إلا رَجَح عليه (٢). (٥٣: ٥). ١١٣٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ عن عُمارة بن ربيعة

стр. 3499

الجَرْميّ، قال: لما كُتبت الصحيفة دُعِيَ لها الأشتر فقال: لا صحِبتْنِي يميني، ولا نفعتْني بعدَها شمالي؛ إن خُط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادَعة، أوَلستُ على بيّنة من ربّي، ومن ضلال عدوّي! أوَلستم قد رأيتم الظَّفَر لو لم تُجمِعوا على الجور! فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظَفَرًا ولا جَوْرًا، هلمَّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا؛ فقال: بلى واللهِ لرغبة بي عنك في الدّنيا للدنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفَكَ الله بسيفي هذا دماءَ رجال ما أنت عندي خيرٌ منهم، ولا أحرَم دمًا؛ قال عُمارة: فنظرتُ إلى ذلك الرجل وكأنما قُصع على أنفه الحُمم - يعني: الأشعث (١). (٥: ٥٤/ ٥٥). ١١٣٧ - قال أبو مخنف؛ عن أبي جَناب، قال: خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويَعرِضه عليهم، فيقرؤونه، حتى مرّ به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدَيّة، وهو أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة بن أدَيَّة: تحكّمون في أمر الله الرجال! لا حكم إلا لله؛ ثم شدّ بسيفه فضرب به عجُز دابته ضربة خفيفة، واندفعت الدّابة، وصاح به أصحابه، أن املك يَدك، فرجع، فغضب للأشعث قومُه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى الأحنف بنُ قيس السعديّ، ومعقِل بن قيس الرّياحيّ، وِمِسْعر بن فَدَكِي، وناس كثيرٌ من بني تميم، فتنصّلوا إليه، واعتذروا؛ فقَبِل وصَفح (٢). (٥: ٥٥). ١١٣٨ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو زيد عبد الله الأوديّ: أن رجلًا من أوْد كان يقال له: عمرو بن أوس، قاتَلَ مع عليّ يومَ صِفين، فأسره معاوية في أسارَى كثيرين، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس: إنك خالي، فلا تقتلْني، وقامت إليه بنو أوْد فقالوا: هب لنا أخانا؛ فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقًا فلنستغنينّ عن شفاعتكم، ولئن كان كاذبًا لتأتينّ شفاعتكم من ورائه، فقال له: من أين أنا خالك! فوالله ما كان بيننا وبين أوْدٍ مصاهَرة؛ قال: فإن أخبرتُك فعرفتَه فهو أماني عندَك؟ قال: نعم؛ قال: ألستَ تعلم أن أمّ حبيبة ابنة أبي سُفيان زوجُ النبيّ ﷺ ؟ قال: بلى، قال: فإنّي ابنُها، وأنتَ أخوها، فأنت خالي؛ فقال معاوية: لله أبوك! ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها

стр. 3500

غيره. ثم قال للأوْدِيّين: أيستغني عن شفاعتكم! خَلُّوا سبيله (١). (٥: ٥٥/ ٥٦). ١١٣٩ - قال أبو مخنف: حدّثني نُمَير بن وَعْلَة الهمْدانيّ عن الشعبيّ: أدن أسارى كان أصرهم عليٌّ يومَ صِفّين كثير، فخلّى سبيلهم، فأتوا معاوية، وإنّ عمرًا ليقول - وقد أسر أيضًا أسارى كثيرة ت اقتلهم، فما شعروا إلا بأسَرائهم قد خُلِّيَ سبيلهم، فقال معاوية: يا عمرو! لو أطعناك في هؤلاء الأسرى: وقعْنا في قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خُلِّي سبيل أسارانا! وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الأسارى (٢). (٥: ٥٦). ١١٤٠ - قال أبو مخنف: حدّثني إسماعيل بن يزيد عن حُميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله: أن عليًّا قال للناس يومَ صِفِّين؛ لقد فعلتم فَعلةً ضَعضعتْ قوّة، وأسقطتْ مُنّة، وأوهنت وأورثت وَهْنًا وذلّة، ولمّا كنتم الأعْلَيْن، وخاف عدوّكم الاجتياح، واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح؛ رفعوا المصاحف، ودَعوْكم إلى ما فيها ليفثَؤوكم عنهم، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربّصوا بكم ريبَ المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تُدْهِنوا وتجوّزوا! وايم اللهِ ما أظنكم بعدها توافقون رَشَدًا! ولا تصيبون بابَ حزم. (٣) (٥٦٠٥) قال أبو جعفر: فكُتب كتاب القضيّة بين عليّ ومعاوية - فيما قيل - يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي عليّ ومعاوية موضع الحكمين بدُومة الجندل في شهر رمضان، مع كلّ واحد منهما أربعمئة من أصحابه وأتباعه. ١١٤١ - فحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن يونس بن يزيدَ، عن الزّهريّ، قال: قال صعصعة بن صُوحان يومَ صفِّين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمُنّ واللهِ لئن ظهر عليّ؛

стр. 3501

ليكوننّ مثل أبي بكر وعمرَ ﵄، وإن ظهر معاوية؛ لا يُقِرّ لقائل بقول حقّ. قال الزّهريّ: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفَهم، ودَعَوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحَكَمين، فاختار أهلُ العراق أبا موسى الأشعريّ، واختار أهلُ الشأم عمرَو بن العاص، فتفرّق أهلُ صِفّين حين حُكِّمَ الحكَمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفِضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد ﷺ ، وأنّهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرُح. فلما انصرف عليّ خالفت الحَرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه: إنّ حكم بني آدم في حكم الله ، وقالوا: لا حكمَ إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرُح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكَمان إلى عبد الله بن عمرَ بن الخطاب، وعبد الله بن الزّبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاويةُ بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافُوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوِي الرأي من قريش: أتروْن أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحَكَمان أم يتفرّقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظنّ أنِّي سأعلمه منهما حين أخلُو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبدِ الله! أخبرني عمّا أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزِلة، فإنا قد شككْنا في الأمر الذي تبيّن لكم من هذا القتال، ورأيْنا أن نستأنيَ ونتثبَّت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشرَ المعتزِلة خَلْفَ الأبرار، وأمامَ الفُجّار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك؛ حتى دخل على أبي موسى فقال له مثلَ ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبتَ الناس رأيًا، فيكم بقيَّة المسلمين. فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرّأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكَمان وتكلّما؛ قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! رأيت أوّل ما تقضي به من الحقّ أن تقضيَ لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغَدرِهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وأهل الشأم قد وَفَوا، وقَدمِوا للموعد

стр. 3502

الذي واعدْناهم إيّاه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتُبها؛ فكتَبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى! أأنتَ على أن نسمِّيَ رجلًا يلِي أمرَ هذه الأمة؟ فسمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعَك فلك عليّ أن أتابعك، وإلا فلِي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمِّي لك عبدَ الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمِّي لك معاوية بن أبي سُفيان، فلم يَبرحا مجلسهما حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إنّي وجدت مَثلَ عمرو مَثل الّذين قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فلمّا سكت أبو موسى؛ تكلم عمرو فقال: أيُّها الناس وجدت مَثلَ أبي موسى كَمَثل الذي قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكتب كلُّ واحد منهما مَثلَه الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار. قال ابن شهاب: فقام معاوية عشيَّةً في الناس، فأثنَى على الله جلّ ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلّمًا في الأمر؛ فليطلع لنا قَرْنَه، قال ابن عمر: فأطلقتُ حُبْوَتي، فأردت أن أقول قولًا يتكلَّم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرِّق الجماعة، أو يُسفك فيها دم، أو أحمَل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله في الجنان أحبّ إليّ من ذلك، فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مَسْلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلّم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين جميع، أو يُسفَك فيها دم، أو أحمَل فيها إلى غير رأي، فكان ما وعد الله من الجنان أحبّ إليّ من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عُصمْتَ (١). (٥: ٥٧/ ٥٨/ ٥٩). ١١٤٢ - رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف: قال أبو مخنف: حدثني فُضيل بن خَديج الكنديّ، قال: قيل لعليّ بعدما كُتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يُقرّ بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال عليّ: وأنا والله ما رضيتُ، ولا أحببتُ أن ترضَوْا، فإذْ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيتُ، فإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرّضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يُعصَى الله

стр. 3503

عزّ وجلّ، ويُتعدّى كتابُه، فقاتِلوا مَن تَرَك أمرَ الله . وأمّا الذي ذكرتم من تركه أمرِي وما أنا عليه؛ فليس من أولئك، ولستُ أخافهْ على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوّي ما أرَى، إذًا لخفّتْ عليّ مؤونتكم، ورجوتُ أن يستقيم لي بعض أوَدكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هَوازن: وهل أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّة إن غَوَتْ ... غَوَيتُ وإن تَرْشُدْ غزيّةُ أَرْشُدِ فقالت طائفة ممَّن معه: ونحن ما فعلْنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلِمَ كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنّا! وأما القضيّة فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألّا تَضلُّوا إن شاء الله ربّ العالمين. فكان الكتاب في صفَر، والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر؛ إلى أن يلتقي الحَكَمان، ثم إنّ الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعورَ فنادى في الناس بالرّحيل (١). (٥: ٥٩). ١١٤٣ - قال أبو مِخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندت عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفِّين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلْنا فيه؛ أخذنا على طريق البرّ على شاطئ الفرات، حتى انتهينا إلى هِيتَ، ثم أخذْنا على صَنْدودَاء، فخرج الأنصاريّون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا عليّا، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، وأقبلْنا معه، حتى إذا جُزْنا النُّخَيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه عليّ، ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فردّ ردًّا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له عليّ: أرى وجهك منكفئًا فمِنْ مَهْ؟ أمِن مرض؟ قال: نعم، قال: فلعلَّك كرهتَه، قال: ما أحبّ أنه بغيري، قال: أليس احتسابًا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى! قال: فأبشر برحمةِ ربّك وغفران ذنبِك، مَن أنت يا عَبد الله؟ قال: أنا صالح بن سُلَيم، قال: ممَّن؟ قال: أمّا الأصل فمِن سَلَامَان طيِّئ، وأما الجِوار والدَّعوة ففي بني سُليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسَن اسمَك واسمَ أبيك واسمَ أدْعِيائك واسمَ من اعتزيتَ إليه! هل شهدتَ معنا غَزاتنا هذه؟ قال: لا والله

стр. 3504

ما شهدتُها! ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحَبِ الحمَّى خزَلني عنها؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. خبِّرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبينُ أهل الشام؟ قالا: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغِشَّاء الناس - وفيهم المكبوت - الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نُصحاء الناس لك - فذهب لينصرف، فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًّا لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجرَ فيه، ولكنه لا يَدَع على العبد ذنبًا إلا حطَّه؛ وإنما أجرٌ في القول باللسان، والعمل باليد، والرِّجل، وإنّ الله جل ثناؤه ليُدخل بصدق النيَّة والسريرة الصالحة عالمًا جمًّا من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَدِيعة الأنصاريّ، فدنا منه، وسلّم عليه وسايره، فقال له: ما سمعتَ الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجَب به، ومنهم الكاره له، كما قال : ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فقال له: فما قول ذَوِي الرّأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون: إنّ عليًّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وكان له حِصن حَصِين فهدّمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرّق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذًا كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرّقت أم هم فرّقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يَظفرَ أو يهلك، إذًا كان ذلك الحزم، فوالله ما غَبِيَ عن رأيي ذلك، وإن كنتُ لسخيًّا بنفسي عن الدنيا طيّبَ النفس بالموت، ولقد هممتُ بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدَرَاني - يعني: الحسن، والحسين - ونظرتُ إلى هذين قد استقدماني - يعني: عبدَ الله بن جعفر، ومحمد بن عليّ - فعلمت أن هذين إنْ هلكا انقطع نسْلُ محمد ﷺ من هذه الأمَّة، فكرهت ذلك، وأشفقتُ على هذين أن يَهلِكا، وقد علمتُ أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني: محمد بن علي، وعبدَ الله بن جعفر - وايمُ الله لئن لقيتُهم بعد يومي هذا لألقينّهم وليسوا معي في عسكر ولا دار! ثم مضى حتى إذا جُزْنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قُدامة بن العجلان الأزديّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ خبّاب بن الأرتّ توفِّي بعد مخرجك، فأوصَى بأن يُدفَن في الظَّهر، وكان الناس إنما يُدفنون في دُورهم

стр. 3505

وأفنِيَتهم، فدفن بالظَّهر ﵀، ودفَن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خبّابًا، فقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلِيَ في جسمه أحوالًا! وإنّ الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا. تم جاء حتى وقف عليهم فقال: السّلام عليكم يا أهلَ الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفِرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سَلَف فارط، ونحن لكم تَبَعٌ، بكم عمّا قليل لاحقون. اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوَز بعفوك عنّا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقَكم، وفيها معادَكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبَى من ذكر المَعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكَفاف، ورضيَ عن الله ! ثم أقبل حتى حاذَى سكَّة الثوريّين، ثم قال: خُشّوا، ادخُلوا بين هذه الأبيات (١). (٥: ٦٠/ ٦١/ ٦٢). ١١٤٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: مرّ عليٌّ بالثوريِّين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلَى صفّين، فقال: أما إنّي أشهد من قُتل منهم صابرًا محتسِبًا بالشهادة! ثم مرّ بالفائشييّن، فسمع الأصوات، فقال مِثلَ ذلك، ثم مضى حتى مرّ بالشِّباميّين، فسمعَ رجّة شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شُرحبيل الشِّباميّ، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهنّ عن هذا الرَّنين! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت دارًا أو دارين أو ثلاثًا قدَرنا على ذلك، ولكن قُتِل من هذا الحيّ ثمانون ومئة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأمّا نحن معشرَ الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليّ: رحم الله قَتلاكم وموتاكم! وأقبل يمشي معه؛ وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مَشْيَ مِثلِك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلّة للمؤمن، ثم مضى حتى مرَّ بالناعطيّين - وكان جُلُّهم عثمانية - فسمع رجلًا منهم يقال له: عبد الرحمن بن يزيد، من بني عُبيد من الناعِطِيّين يقول: والله ما صنع عليّ شيئًا، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى عليّ؛ أبلَسوا، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشأمَ العامَ. ثم قال لأصحابه: قوم فارقْناهم آنفًا خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول: أخوك الذي إنْ أَجْرَضتْكَ مُلِمَّةٌ ... منَ الدَّهْرِ لم يَبْرَحْ لِبَثِّك واجِمَا
следующие страницы →