← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ليكوننّ مثل أبي بكر وعمرَ ﵄، وإن ظهر معاوية؛ لا يُقِرّ لقائل بقول حقّ. قال الزّهريّ: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفَهم، ودَعَوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحَكَمين، فاختار أهلُ العراق أبا موسى الأشعريّ، واختار أهلُ الشأم عمرَو بن العاص، فتفرّق أهلُ صِفّين حين حُكِّمَ الحكَمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفِضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد ﷺ ، وأنّهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرُح. فلما انصرف عليّ خالفت الحَرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه: إنّ حكم بني آدم في حكم الله ، وقالوا: لا حكمَ إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرُح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكَمان إلى عبد الله بن عمرَ بن الخطاب، وعبد الله بن الزّبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاويةُ بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافُوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوِي الرأي من قريش: أتروْن أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحَكَمان أم يتفرّقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظنّ أنِّي سأعلمه منهما حين أخلُو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبدِ الله! أخبرني عمّا أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزِلة، فإنا قد شككْنا في الأمر الذي تبيّن لكم من هذا القتال، ورأيْنا أن نستأنيَ ونتثبَّت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشرَ المعتزِلة خَلْفَ الأبرار، وأمامَ الفُجّار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك؛ حتى دخل على أبي موسى فقال له مثلَ ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبتَ الناس رأيًا، فيكم بقيَّة المسلمين. فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرّأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكَمان وتكلّما؛ قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! رأيت أوّل ما تقضي به من الحقّ أن تقضيَ لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغَدرِهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وأهل الشأم قد وَفَوا، وقَدمِوا للموعد

стр. 3502

الذي واعدْناهم إيّاه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتُبها؛ فكتَبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى! أأنتَ على أن نسمِّيَ رجلًا يلِي أمرَ هذه الأمة؟ فسمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعَك فلك عليّ أن أتابعك، وإلا فلِي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمِّي لك عبدَ الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمِّي لك معاوية بن أبي سُفيان، فلم يَبرحا مجلسهما حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إنّي وجدت مَثلَ عمرو مَثل الّذين قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فلمّا سكت أبو موسى؛ تكلم عمرو فقال: أيُّها الناس وجدت مَثلَ أبي موسى كَمَثل الذي قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكتب كلُّ واحد منهما مَثلَه الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار. قال ابن شهاب: فقام معاوية عشيَّةً في الناس، فأثنَى على الله جلّ ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلّمًا في الأمر؛ فليطلع لنا قَرْنَه، قال ابن عمر: فأطلقتُ حُبْوَتي، فأردت أن أقول قولًا يتكلَّم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرِّق الجماعة، أو يُسفك فيها دم، أو أحمَل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله في الجنان أحبّ إليّ من ذلك، فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مَسْلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلّم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين جميع، أو يُسفَك فيها دم، أو أحمَل فيها إلى غير رأي، فكان ما وعد الله من الجنان أحبّ إليّ من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عُصمْتَ (١). (٥: ٥٧/ ٥٨/ ٥٩). ١١٤٢ - رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف: قال أبو مخنف: حدثني فُضيل بن خَديج الكنديّ، قال: قيل لعليّ بعدما كُتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يُقرّ بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال عليّ: وأنا والله ما رضيتُ، ولا أحببتُ أن ترضَوْا، فإذْ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيتُ، فإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرّضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يُعصَى الله

стр. 3503

عزّ وجلّ، ويُتعدّى كتابُه، فقاتِلوا مَن تَرَك أمرَ الله . وأمّا الذي ذكرتم من تركه أمرِي وما أنا عليه؛ فليس من أولئك، ولستُ أخافهْ على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوّي ما أرَى، إذًا لخفّتْ عليّ مؤونتكم، ورجوتُ أن يستقيم لي بعض أوَدكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هَوازن: وهل أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّة إن غَوَتْ ... غَوَيتُ وإن تَرْشُدْ غزيّةُ أَرْشُدِ فقالت طائفة ممَّن معه: ونحن ما فعلْنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلِمَ كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنّا! وأما القضيّة فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألّا تَضلُّوا إن شاء الله ربّ العالمين. فكان الكتاب في صفَر، والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر؛ إلى أن يلتقي الحَكَمان، ثم إنّ الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعورَ فنادى في الناس بالرّحيل (١). (٥: ٥٩). ١١٤٣ - قال أبو مِخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندت عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفِّين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلْنا فيه؛ أخذنا على طريق البرّ على شاطئ الفرات، حتى انتهينا إلى هِيتَ، ثم أخذْنا على صَنْدودَاء، فخرج الأنصاريّون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا عليّا، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، وأقبلْنا معه، حتى إذا جُزْنا النُّخَيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه عليّ، ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فردّ ردًّا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له عليّ: أرى وجهك منكفئًا فمِنْ مَهْ؟ أمِن مرض؟ قال: نعم، قال: فلعلَّك كرهتَه، قال: ما أحبّ أنه بغيري، قال: أليس احتسابًا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى! قال: فأبشر برحمةِ ربّك وغفران ذنبِك، مَن أنت يا عَبد الله؟ قال: أنا صالح بن سُلَيم، قال: ممَّن؟ قال: أمّا الأصل فمِن سَلَامَان طيِّئ، وأما الجِوار والدَّعوة ففي بني سُليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسَن اسمَك واسمَ أبيك واسمَ أدْعِيائك واسمَ من اعتزيتَ إليه! هل شهدتَ معنا غَزاتنا هذه؟ قال: لا والله

стр. 3504

ما شهدتُها! ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحَبِ الحمَّى خزَلني عنها؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. خبِّرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبينُ أهل الشام؟ قالا: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغِشَّاء الناس - وفيهم المكبوت - الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نُصحاء الناس لك - فذهب لينصرف، فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًّا لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجرَ فيه، ولكنه لا يَدَع على العبد ذنبًا إلا حطَّه؛ وإنما أجرٌ في القول باللسان، والعمل باليد، والرِّجل، وإنّ الله جل ثناؤه ليُدخل بصدق النيَّة والسريرة الصالحة عالمًا جمًّا من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَدِيعة الأنصاريّ، فدنا منه، وسلّم عليه وسايره، فقال له: ما سمعتَ الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجَب به، ومنهم الكاره له، كما قال : ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فقال له: فما قول ذَوِي الرّأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون: إنّ عليًّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وكان له حِصن حَصِين فهدّمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرّق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذًا كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرّقت أم هم فرّقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يَظفرَ أو يهلك، إذًا كان ذلك الحزم، فوالله ما غَبِيَ عن رأيي ذلك، وإن كنتُ لسخيًّا بنفسي عن الدنيا طيّبَ النفس بالموت، ولقد هممتُ بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدَرَاني - يعني: الحسن، والحسين - ونظرتُ إلى هذين قد استقدماني - يعني: عبدَ الله بن جعفر، ومحمد بن عليّ - فعلمت أن هذين إنْ هلكا انقطع نسْلُ محمد ﷺ من هذه الأمَّة، فكرهت ذلك، وأشفقتُ على هذين أن يَهلِكا، وقد علمتُ أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني: محمد بن علي، وعبدَ الله بن جعفر - وايمُ الله لئن لقيتُهم بعد يومي هذا لألقينّهم وليسوا معي في عسكر ولا دار! ثم مضى حتى إذا جُزْنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قُدامة بن العجلان الأزديّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ خبّاب بن الأرتّ توفِّي بعد مخرجك، فأوصَى بأن يُدفَن في الظَّهر، وكان الناس إنما يُدفنون في دُورهم

стр. 3505

وأفنِيَتهم، فدفن بالظَّهر ﵀، ودفَن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خبّابًا، فقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلِيَ في جسمه أحوالًا! وإنّ الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا. تم جاء حتى وقف عليهم فقال: السّلام عليكم يا أهلَ الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفِرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سَلَف فارط، ونحن لكم تَبَعٌ، بكم عمّا قليل لاحقون. اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوَز بعفوك عنّا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقَكم، وفيها معادَكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبَى من ذكر المَعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكَفاف، ورضيَ عن الله ! ثم أقبل حتى حاذَى سكَّة الثوريّين، ثم قال: خُشّوا، ادخُلوا بين هذه الأبيات (١). (٥: ٦٠/ ٦١/ ٦٢). ١١٤٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: مرّ عليٌّ بالثوريِّين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلَى صفّين، فقال: أما إنّي أشهد من قُتل منهم صابرًا محتسِبًا بالشهادة! ثم مرّ بالفائشييّن، فسمع الأصوات، فقال مِثلَ ذلك، ثم مضى حتى مرّ بالشِّباميّين، فسمعَ رجّة شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شُرحبيل الشِّباميّ، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهنّ عن هذا الرَّنين! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت دارًا أو دارين أو ثلاثًا قدَرنا على ذلك، ولكن قُتِل من هذا الحيّ ثمانون ومئة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأمّا نحن معشرَ الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليّ: رحم الله قَتلاكم وموتاكم! وأقبل يمشي معه؛ وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مَشْيَ مِثلِك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلّة للمؤمن، ثم مضى حتى مرَّ بالناعطيّين - وكان جُلُّهم عثمانية - فسمع رجلًا منهم يقال له: عبد الرحمن بن يزيد، من بني عُبيد من الناعِطِيّين يقول: والله ما صنع عليّ شيئًا، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى عليّ؛ أبلَسوا، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشأمَ العامَ. ثم قال لأصحابه: قوم فارقْناهم آنفًا خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول: أخوك الذي إنْ أَجْرَضتْكَ مُلِمَّةٌ ... منَ الدَّهْرِ لم يَبْرَحْ لِبَثِّك واجِمَا

стр. 3506

وليس أَخوك بالّذي إنْ تَشَعّبَتْ ... عليك الأمورُ ظَلَّ يلحَاك لائما ثم مضى، فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر (١). (٥: ٦٢/ ٦٣). ١١٤٥ - قال أبو مخنف: حدّثنا أبو جَناب الكلبيّ، عن عُمارة بن ربيعة، قال: خرجوا مع عليّ إلى صفين وهم متوادُّون أحبّاء، فرجعوا متباغضين أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصِفّين حتى فشَا فيهم التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون الطريقَ كله ويتشاتمون ويضطَرِبون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله! أدهنتم في أمر الله وحكَّمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامَنا، وفرّقتم جماعتَنا، فلمّا دخل عليّ الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوْا حَرُوراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، ونادى مناديهم: إنّ أمير القتال شَبَث بن رِبعيّ التميميّ، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليَشْكريّ، والأمر شُورَى بعد الفتح، والبيعة لله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). (٥: ٦٣). بعثة عليّ جعدةَ بن هُبيرة إلى خُراسان وفي هذه السنة بعث عليٌّ جَعدة بن هبيرةَ فيما قيلَ إلى خراسان ذكر الخبر عن ذلك: ١١٤٦ - ذكر عليُّ بن محمد قال: أخبرنا عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليّ بعدما رجع من صفِّين جَعْدة بنَ هُبيَرة المخزومي إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرَشَهْر، وقد كفروا، وامتنعوا، فقدم على عليّ. فبعث خُليد بن قُرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مَرْو، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان، فبعث بهما إلى عليّ، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوّجهما، قالتا: زوّجنا ابنيك، فأبى، فقال له بعض الدّهَاقين: ادفعهما إليّ، فإنه كرامة تُكرِمُنِي بها، فدفعهما إليه، فكانتا عنده، يفرش لهما الديباج، ويُطعِمهما في آنية

стр. 3507

الذهب، ثمّ رجعتَا إلى خُراسان (١). (٥: ٦٣/ ٦٤). اعتزال الخوارج عليًّا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك وفي هذه السنة اعتزل الخوارج عليًّا وأصحابه، وحكّموا، ثم كلَّمهم عليٌّ فرجعوا ودخلوا الكوفة. ذكر الخبر عن اعتزالهم عليًّا: ١١٤٧ - قال أبو مخنف في حديثه عن أبي جَناب: عن عُمارة بن ربيعة، قال: ولما قدم عليٌّ الكوفة وفارقتْه الخوارج، وثبتْ إليه الشيعة فقالوا: في أعناقنا بَيعة ثانية، نحن أولياء من والَيت، وأعداءُ من عادَيت؛ فقالت الخوارج: استبقتم أنتم وأهلُ الشأم إلى الكُفْر كَفرَسَيْ رِهان، بايع أهلُ الشأم معاوية على ما أحبّوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليًّا على أنكم أولياء مَن والى وأعداءُ مَن عادَى؛ فقال لهم زياد بن النَّضر: والله ما بسط عليّ يدَه فبايعناه قطّ إلا على كتاب الله وسنّة نبيِّه ﷺ ، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعتُه، فقالوا: نحن أولياء مَن والَيت، وأعداءُ من عاديت؛ ونحن كذلك، وهو على الحقّ والهدى، ومن خالفه ضالٌّ مُضِل، وبعث عليٌّ ابنَ عبَّاس إليهم، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلّمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقَمتم من الحَكَمين، وقد قال الله : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ فكيف بأمَّة محمد ﷺ ! فقالت الخوارج: قلنا: أمَّا ما جعل حكمَه إلى الناس، وأمر بالنّظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به، وما حَكمَ فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه؛ حَكمَ في الزاني مئة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا. قال ابن عبّاس: فإن الله يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فقالوا: أوَتجعل الحُكم في الصَّيْد، وَالحدَث يكون بين المرأة وزوجها كالحُكم في دماء المسلمين! وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعَدْلٌ عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويَسفِك دماءنا! فإن كان عَدْلًا فلسنا بعدُول ونحن أهلُ حربه، وقد حكّمتم في أمر الله الرّجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحزبِه أن يُقتَلوا، أو

стр. 3508

يرجعوا، وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله فأبوْه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتابًا، وجعلتم بينكم وبينه الموادَعة والاستفاضة، وقد قطع الاستفاضة والموادَعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلتْ براءة، إلا من أقرّ بالجزية. وبحث عليّ زياد بن النّضر إليهم، فقال: انظر بأيّ رؤوسهم هم أشدّ إطافة، فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيدَ بن قيس، فخرج عليّ في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فُسطاط يزيد بن قيس، فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين، وأمّره على إصبهان والرّيّ، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابنَ عبّاس، فقال: انتهِ عن كلامهم، ألم أنْهَك رحمك الله! ثم تكلَّم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهمّ إنّ هذا مقامٌ مَنْ أفلجَ فيه كان أَولى بالفُلْح يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث فهُوَ في الآخرة أعمَى وأضلُّ سبيلًا. ثم قال لهم: مَن زعيمُكم؟ قالوا: ابن الكوّاء. قال عليّ: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومَتُكم يومَ صفّين. قال: أنشُدُكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعُوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقومِ مِنكم، إنهم ليسوا بأصحاب دِين ولا قرآن، إني صحبتهم، وعَرفتهم أطفالًا ورجالا، فكانوا شرَّ أطفال وشرَّ رجال. امضُوا على حقِّكم وصِدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحفَ خديعة وَدهْنًا ومَكيدة. فرددتم عليّ رأي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم إيّاي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطتُ على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيا القرآن، وأن يُمِيتا ما أماتَ القرآن، فإن حَكَما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حُكمًا يحكم بما في القرآن، وإن أبيَنا فنحن من حكمهما براء، قالوا له: فخبِّرنا أتراه عدلًا تحكيم الرّجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكّمنا الرجال، إنما حكَّمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلَّم به الرجال، قالوا: فخبّرنا عن الأجل، لم جعلتَه فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويتثبّت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمّة. ادخلوا مصرَكم رحمكم الله! فدخلوا مِن عند آخِرِهم (١). (٥: ٦٤/ ٦٥/ ٦٦).

стр. 3509

١١٤٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُنْدَب الأزديّ، عن أبيه بمثل هذا (١). (٥: ٦٦). ١١٤٩ - وأما الخوارج فيقولون: قلنا: صدقتَ، قد كنا كما ذكرت، وفعلنا ما وصَفْت، ولكنّ ذلك كان منا كفرًا، فقد تُبْنا إلى الله منه، فتبْ كما تُبْنا نبايعْك، وإلا فنحن مخالفون، فبايَعَنا عليّ وقال: ادخلوا فلنمكث ستّة أشهر حتى يجبَى المال، ويَسمَن الكُراع، ثم نخرج إلى عدوّنا، ولسنا نأخذ بقولهم؛ وقد كذبوا. وقدم معن بن يزيد بِن الأخنس السلَمِيّ في استبطاء إمضاء الحكومة، وقال لعليّ: إنّ معاوية قد وفى، فَفِ أنت لَا يَلْفِتنّك عن رأيك أعاريبُ بكر وتميم. فأمر عليٌّ بإمضاء الحكومة، وقد كانوا افترقوا من صِفّين على أن يقدم الحَكَمان في أربعمئة أربعمئة إلى دومة الجَنْدَل (٢). (٥: ٦٦). ١١٤٩/ أ - وزعم الواقديّ: أنّ سعدًا قد شهد مع من شهد الحكمين، وأن ابنه عمر لم يدَعْه حتى أحضره أذرُحَ، فندم، فأحرم من بيت المَقدس بعُمرة (٣). (٥: ٦٦). اجتماع الحكَمين بدُومة الْجندَل وفي هذه السنة كان اجتماع الحكَمين. ذكر الخبر عن اجتماعهما: ١١٥٠ - قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، عن زياد بن النَّضر الحارثيّ: أن عليًّا بحث أربعمئة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثيُّ، وبحث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلّي بهم، ويلِي أمورَهم، وأبو موسى الأشعريّ معهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمئة من أهل الشأم، حتى توافَوْا بدُومة الجندل بأذْرح، قال: فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء

стр. 3510

الرسول وذهب لا يدري بما جاء به، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهلُ الشأم عن شيء؛ وإذا جاء رسول عليّ؛ جاؤوا إلى ابن عبَّاس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين؟ فإن كتَمهم ظنوا به الظنون، فقالوا: ما نُراه كتب إلا بكذا وكذا. فقال ابن عباس: أما تعقلون! أما ترَوْن رسولَ معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به، ويرجع لا يعلم ما رجع به، ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندي كل يوم تظنُّون الظنون! قال: وشهد جماعَتهم تلك عبدُ الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرّحمن بن الحارث بنِ هشام المخزوميّ، وعبد الرحمن بن عبد يَغوث الزُّهريّ، وأبو جَهْم بن حُذيفة العدويّ، والمغيرة بن شُعبة الثَّقفِيّ، وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبني سُليم بالبادية، فقال: يا أبتِ! قد بلغك ما كان بين الناس بصِفّين، وقد حكم الناسُ أبا موسى الأشعريّ، وعمرَو بنَ العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحبُ رسول الله ﷺ وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهتْه هذه الأمة، فاحضُر فإنك أحقّ الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه تكون فتنةٌ؛ خيرُ الناس فيها الخفيّ التقيّ"، واللهِ لا أشهد شيئًا من هذا الأمر أبدًا. والتقى الحَكَمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! ألستَ تعلم: أنّ عثمان ﵁ قتل مظلومًا؟ قال: أشهد، قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى؛ قال: فإن الله قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، فما يمنعك من معاوية وليِّ عثمانَ يا أبا موسى، وبيتُه في قريش كما قد علمت؟ فإن تخوّفت أن يقول الناس: ولِيَ معاوية وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حُجَّة؛ تقول: إني وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير، وهو أخو أمّ حبيبة زوجة النبيّ ﷺ ، وقد صحبه، فهو أحد الصحابة، ثم عرّض له بالسلطان، فقال: إن وَلي أكرمك كرامةً لم يُكرِمها خليفة، فقال أبو موسى: يا عمرو، اتّق الله ! فأما ما ذكرت من شرَف معاوية فإنّ هذا ليس على الشرف يولّاه أهلُه، ولو كان على الشرت لكان هذا الأسر لآلِ أبْرَهة بن الصّبّاح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيَه أفضلَ قريش شرفًا

стр. 3511

أعطيتَه عليَّ بنَ أبي طالب. وأما قولك: إنّ معاوية وليّ دم عثمان فولّه هذا الأمر، فإني لم أكن لأولِّيَه معاوية وأدَعَ المهاجرين الأوّلين، وأما تعريضُك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي من سلطانه كلِّه ما وتَيتُه، وما كنت لأرتشيَ في حكم الله ، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطَّاب (١). (٥: ٦٨/ ٦٧). ١١٥١ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ، أنه كان يقول: قال أبو موسى: أما والله لئن استطعتُ لأحيينّ اسمَ عمر بن الخطاب ﵁. فقال له عمرو: إن كنت تحبّ بَيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضلَه وصلاحَه! فقال: إنّ ابنك رجل صِدْق، ولكنّك قد غمستَه في هذه الفتنة (٢). (٥: ٦٨). ١١٥٢ - قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن إسحاق، عن نافع مولى ابن عمر، قال: قال عمرو بن العاص: إنّ هذا الأمر لا يُصلحه إلّا رجل له ضِرْس يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمرَ غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير: افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبدًا، وقال: يا بن العاص، إنّ العرب أسندتْ إليك أمرَها بعدما تقارعتْ بالسيوف، وتناجزتْ بالرّماح، فلا تُردَّنّهم في فتنة (٣). (٥: ٦٩). ١١٥٣ - قال أبو مخنف: حدّثني النّضر بن صالح العبسيّ، قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سِجِسْتان، فحدّثني: أن عليًّا أوصاه بكلمات إلى عَمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيتَه: إنّ عليًّا يقول لك: إنّ أفضلَ الناس عند الله من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه - وإن نقصَه وكرهه - من الباطل وإن حنّ إليه وزاده. يا عمرو! والله إنك لتعلم أينَ موضع الحقّ، فلم تَجاهل؟ إن أوتيت طمعًا يسيرًا؛ كنتَ به لله وأوليائه عدوًّا، فكأن والله ما أوتيتَ قد زال عنك؛ وَيْحك! فلا تكن للخائنين خصيمًا، ولا للظالمين ظهيرًا، أمَا إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وَفاتك، تَمنَّى أنك لم تُظهِرْ لمسلم عداوةً،

стр. 3512

ولم تأخذ على حُكم رِشْوة. قال: فبلغتُه ذلك، فتمعّرَ وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة عليّ، أو أنتهي إلى أمره، أو أعتدّ برأيه؟ ! فقلت له: وما يمنعك يا بن النابغة أن تقبل من مولاك وسيّد المسلمين بعد نبيّهم مشورته؟ ! فقد كان من هو خير منك أبو بكر، وعمَر يستشيرانه، ويعمَلان برأيه. فقال: إنّ مِثلي لا يكلّم مثلك، فقلت له: وبأيّ أبويك ترغب عنّي؟ ! بأبيك الوَشِيظ أم بأمّك النابغة؟ ! قال: فقام عن مكانه، وقمت معه (١). (٥: ٦٩/ ٧٠). ١١٥٤ - قال أبو مِخْنف: حدّثني أبو جَناب الكلبي: أنّ عَمرًا، وأبا موسى حيث التقيا بدُومة الجندل، أخذ عَمرو يقدّم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله ﷺ وأنت أسنّ مني، فتكلّم وأتكلّم. فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كلّ شيء، اغتزى بذلك كله أن يقدّمه فيبدأ بخلع عليّ، قال: فنظر في أمرهما وما اجتَمَعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبا موسى عمرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبّرني ما رأيك؟ قال: رأي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم مَن أحبّوا. فقال له عمرو: فإنّ الرأي ما رأيتَ، فأقبَلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى! أعلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع واتّفق. فتكلم أبو موسى فقال: إنّ رأي ورأي عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يُصلِح الله به أمرَ هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، يا أبا موسى! تقدّم فتكلّم، فتقدّم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابنُ عباس: وَيْحك! واللهِ إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدّمه فليتكلمْ بذلك الأمر قبلك، ثم تكلّمْ أنتَ بعده، فإنّ عمرًا رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرّضا فيما بينك وبينه، فإذا قمتَ في الناس خالفَك - وكان أبو موسى مغفّلًا - فقال له: إنّا قد اتفقنا. فتقدّم أبو موسى فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلح لأمرها، ولا ألمَّ لشَعَثها من أمر قد أجمع رأي ورأي عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًّا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيوتوا منهم مَنْ أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًّا ومعاوية، فاستقبلوا أمرَكم. وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا؛ ثم تنحّى،

стр. 3513

وأقبل عمرو بن العاص فقام مَقامه، فحمِد اللهَ وأثنى عليه وقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبَه، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعه، وأثبتُ صاحبي معاوية؛ فإنّه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك الله، غدرتَ وفجرتَ! إنما مَثَلك كمثل الكلب إن تَحمِل عليه يَلْهَثْ أو تتركْه يَلْهث. قال عمرو: إنما مَثَلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وحَمَل شُرَيح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحَمَل على شُرَيح ابنٌ لعَمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، وكان شُريح بعد ذلك يقول: ما ندمتُ على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألّا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدّهرُ ما أتى. والتمس أهلُ الشأم أبا موسى، فركب راحلتَه ولحق بمكّة. قال ابن عباس: قبَّح الله رأيَ أبي موسى! حذّرته وأمرته بالرأي فما عقل. فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابنُ عباس غَدْرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثِر شيئًا على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى عليّ، وكان إذا صلى الغداة تقنت فيقول: اللهمّ العن معاويَة، وعَمرًا، وأبا الأعوَر السُلَميّ، وحبيبًا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحّاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قَنَت؛ لعَنَ عليًّا، وابن عباس، والأشتر، وحَسَنًا، وحُسينًا. وزعم الواقديّ أن اجتماع الحكَمين كان في شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (١). (٥: ٧٠/ ٧١). ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحَكَم للحكومة وخبر يوم النَّهر ١١٥٥ - قال أبو مخنف: عن أبي المغفّل، عن عون بن أبي جُحَيفة: أنّ عليًّا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة؛ أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْج

стр. 3514

الطائيّ، وحُرْقوص بن زُهير السعديّ، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكمَ إلا لله، فقال عليّ: لا حكم إلا لله، فقال له حُرْقوص: تُبْ من خطيئتك، وارجع عن قضيّتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، حتى نلقى ربّنا. فقال لهم عليّ: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودَنا ومواثيقنا، وقد قال الله : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فقال له حُرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه! فقال عليّ: ما هو ذنب، ولكنه عَجْز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه، ونهيتُكم عنه. فقال له زُرعة بن البُرْج: أما والله يا على لئن لم تَدَع تحكيمَ الرجال في كتاب الله قاتلتُك! أطلبُ بذلك وجهَ الله ورضوانَه، فقال له عليّ: بؤسًا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تَسفِي عليك الريح؛ قال: وددتُ أن قد كان ذلك؛ فقال له عليّ: لو كنت محقًّا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتّقوا الله ؛ إنه لا خيرَ لكم في دُنيا تقاتِلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكّمان (١). (٥: ٧٢). ١١٥٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن أبي حُرَة الحنفيّ: أنّ عليًّا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفِي خطبته؛ إذْ حكّمت المحكّمة في جوانب المسجد، فقال عليّ: الله أكبر! كلمةُ حقّ يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلّموا حَجَجْناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربيّ، فقال: الحمد لله غير مودّع ربّنا ولا مستغنى عنه. اللهمّ إنا نعوذ بك من إعطاء الدنيَّة في ديننا، فإنّ إعطاء الدنيّة في الدّين إدْهان في أمرِ الله ، وذلّ راجع بأهله إلى سخط القه، يا عليّ! أبالقتل تخوّفنا؟ ! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفَحات، ثم لتعلمُنّ أيّنا أولَى بها صِلِيًّا، ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنُّخَيْلة (٢). (٥: ٧٢/ ٧٣). ١١٥٧ - قال أبو مخنف: وحُدّثنا عن القاسم بن الوليد: أن حكيم بن

стр. 3515

عبد الرحمن بن سعيد البَكائيّ كان يرى رأيَ الخوارج، فأتى عليًّا ذات يوم وهو يخطب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) (٥: ٧٢). ١١٥٨ - قال أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي حُرّة: إنّ عليًّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة؛ لقيت الخوارج بعضُها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الرّاسيّ، فحمِد الله عبدُ الله بن وهب، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حُكم القرآن أن تكون هذه الدنيا - التي الرّضا بها والرّكون بها والإيثار إياها عناء وتَبار - آثرَ عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحقّ، وإنْ مُنَّ وضُرَّ فإنه مَن يُمنّ ويُضرّ في هذه الدنيا فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله والخلود في جنّاته، فاخرجوا بنا إخوانَنا من هذه القرية الظالِم أهلُها إلى بعض كُوَر الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكِرين لهذه البدع المضلّة. فقال له حُرْقوص بن زهير: إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، وإنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعوَنّكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكّم عن طلب الحقّ، وإنكار الظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فقال حمزة بن سنان الأسَدِيّ: يا قوم، إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمرَكم رجلًا منكم، فإنه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها، وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائيّ فأبَى، وعرضوها على حُرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشُريح بن أوفَى العبسيّ فأبَيَا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدَعها فَرَقًا من الموت، فبايعوه لعشر خلْون من شوال - وكان يقال له ذو الثَّفِنات - ثم اجتمعوا في منزل شُريح بن أوفى العبسيّ، فقال ابن وهب: اشخَصُوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكمِ الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكّانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبِعْتُم، ولكن اخرجوا وُحْدانًا مستَخْفِين،

стр. 3516

فأمّا المدائن فإنّ بها مَنْ يمنعكم، ولكن سِيروا حتى تنزلوا جسرَ النّهروان، وتكاتِبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرّأي. وكتب عبد الله بن وهب إلى مَن بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثّهم على اللحاق بهم، وستر الكتاب إليهم، فأجابوه: أنهم على اللحاق به، فلما عزموا على المسيرِ تعبّدوا ليلتَهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يومَ السبت، فخرج شُريح بن أوَفى العبسيّ، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وخرج معهم طرَفة بن عديّ بن حاتم الطائيّ، فاتّبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهَى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباطَ لقيَه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسًا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النّبْهانيّ وبشر بن زيد البَوْلانيّ، وأرسل عديّ إلى سعد بن مسعود عامل عليّ على المدائن يحذّره أمرَهم، فحذِر، وأخذ أبوابَ المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبرَه فرابأ طريقه، وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكَرْخ في خمسمئةِ فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبدُ الله في ثلاثين فارسًا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القومُ منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإنْ أمَرَك باتّباعهم اتَّبعتَهم، وإن كَفاكَهُم غيرُك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جَنّ عليهم الليلُ؛ خرج عبد الله بن وهب، فعَبَر دجلة إلى أرض جُوخَى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيِسُوا منه، وقالوا: إن كان هلك؛ ولَّيْنا الأمرَ زَيدَ بن حصين، أو حُرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردّهم أهلوهم كَرْهًا، منهم: القعقاع بن قيس الطائيّ عمّ الطِّرِمّاح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكّائيُّ، وبلغ عليًّا: أن سالم بن ربيعة العبسيّ يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى. ولما خرجت الخوارج من الكوفة؛ أتى عليًّا أصحابُه وشيعتُه فبايعوه وقالوا: نحن أولياء مَن واليتَ، وأعداءُ مَن عادَيْت، فشرط لهم فيه سنّة رسولِ الله ﷺ ،

стр. 3517

فجاءه ربيعة بن أبي شدّاد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصِفَين، ومعه راية خَثْعَم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنّةِ رسولِ الله ﷺ ؛ فقال ربيعة: على سُنَّة أبي بكر وعمر؛ قال له عليّ: ويلك! لو أن أبا بكر وعمرَ عَمِلا بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لم يكونا على شيء من الحقِّ، فبايعه، فنظر إليه على وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرتَ مع هذه الخوارج فقُتلت، وكأني بك وقد وطئتْك الخيل بحوافرها، فقُتِل يوم النَّهر مع خَوارج البصرة. وأما خوارج البصرة؛ فإنهم اجتمعوا في خمسمئة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فَدَكيّ التميميّ، فعلم بهم ابن عبالص، فأتبعهم أبا الأسود الدُّؤليَّ، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلجَ مسعر بأصحابه، وأقبل يعترِض الناس وعلى مقذَمته الأشرسُ بنُ عوف الشيبانيّ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنّهر، فلما خرجت الخوارجُ، وهَرَب أبو موسى إلى مكة، وردَّ عليٌّ ابن عباس إلى البصرة؛ قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخطب الفادح، والحَدَثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله؛ أما بعد: فإن المعصية تورِث الحسرة، وتُعقِب الندم، وقد كنت أمرتُكم في هذين الرَّجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونَحَلْتكم رأي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنتُ أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أَمَرْتُهُمُ أَمري بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبينوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ ألا إنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حَكَمين قد نَبذَا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييَا ما أماتَ القرآن، واتّبع كل واحد منهما هَواه بغير هدىً من الله، فحَكَما بغير حجّة بيتة، ولا سُنّة ماضية، واختَلَفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللهُ منهما ورسولُه وصالحُ المؤمنين. استعِدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشأم، وأصبِحوا في لمعسكركم إن شاء الله يوم الإثنين، ثم نزل. وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أمّا بعد، فإن هذين الرجلين اللذَين ارتضيْنا حكمَهما قد خالفا كتابَ الله، واتّبعا

стр. 3518

أهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يَعمَلا بالسنّة، ولم ينفِّذا للقرآن حُكمًا، فبرئ الله ورسولُه منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه. والسلام. وكتبوا إليه: أمّا بعد؛ فإنّك لم تغضب لربّك، إنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدتَ على نفسك بالكفر، واستقبلتَ التوبة؛ نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابَذْناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدَعَهم ويمضيَ بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم (١). (٥: ٧٤/ ٧٥/ ٧٦/ ٧٨). ١١٥٩ - قال أبو مخنف: عن المعلّى بن كُليب الهمْدانيّ، عن جبر بن نَوْف أبي الودّاك الهمْدانِيّ: إن عليًّا لما نزل بالنُّخَيلة، وأيس من الخوارج؛ قام فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله، وأدْهن في أمره كان على شَفا هُلْكِه إلا أن يتداركَه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتِلوا من حاد الله، وحاوَلَ أن يطفئ نورَ الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولّوا عليكم، لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقل، تيسّروا، وتهيّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قَدموا، فاجتمعتم؛ شخصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر: أمّا بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخيلة، وقد أجمعْنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيَك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام. فلما قدم عليه الكتاب؛ قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألفٌ وخمسمئة رجل، فاستقلّهم عبد الله بن عبّاس، فقام في الناس، فحمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة! فإنه

стр. 3519

جاءني أمرُ أميرِ المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتُكم بالنَّفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يَشخَص معه منكم إلا ألف وخمسمئة، وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفِروا مع جارية بنِ قدامة السعديّ، ولا يجعلَنّ رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني مُوقع بكلّ من وجدتُه متخلِّفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدُّؤَليّ بحشْركم، فلا يَلُمْ رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسَه. فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمئة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنُّخَيلة، فلم يزل بالنُّخَيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البَصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة، ورؤوس الأسباع، ورؤوس القبائل، ووجوه الناس. فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: يا أهلَ الكوفة! أنتم إخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، وصَحَابتِي على جهاد عدوّي المحلّين بكم، أضرب المدْبِر، وأرجو تمام طاعة المقْبِل، وقد بعثتُ إلى أهل البصرة فاستنفرتُهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فأعينوني بمناصحة جليّة خليّة من الغشّ، إنكم ... مَخرَجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كلّ قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتِلة الذين أدركوا القتال، وعبدان عشيرته، ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا. فقام سعيد بن قيس الهمْدانيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! سمعًا وطاعة، وودًّا ونصيحة، أنا أوّل الناس جاء بما سألت، وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرّياحيّ فقال له نحوًا من ذلك، وقام عديّ بن حاتم وزياد بن خصَفة وحُجْر بن عديّ، وأشراف الناس والقبائل فقالوا مِثلَ ذلك. ثمّ إن الرؤوس كَتبوا مَن فيهم، ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليَهم أن يخرجوا معهم، وألّا يتخلّف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين! أمّا مَن عندنا من المقاتِلة وأبناء المقاتلة ممّن قد بلغ الحُلُم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذَوِي القوّة والجَلَد،

стр. 3520

وأمرْناهم بالشّخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضِياعنا وأشياءَ مما يُصلحنا. وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفًا، وثلاثة آلاف ومئتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانية وستّين ألفًا ومئتي رجل (١). (٥: ٧٨/ ٧٩/ ٨٠). ١١٦٠ - قال أبو مِخْنَف، عن أبي الصَّلْت التيميّ: إن عليًّا كتب إلى سعد بن مسعود الثَّقَفِي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك زيادَ بنَ خَصَفة فأشخص معه مَن قِبَلك من مقاتِلة أهل الكوفة، وعجّل ذلك إن شاء الله ولا قوّة إلا بالله. قال: وبلغ عليًّا: أنَّ الناس يقولون: لو سارَ بنا إلى هذه الحَروريّة فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجّهنا من وجّهنا ذلك إلى المُحِلّين! فقام في الناس فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولُكم: لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجتْ عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجهنا إلى المحِلّين؛ وإن غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم، فدعوا ذكرَهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكًا، ويتّخذوا عباد الله خَوَلًا. فتنادَى الناسُ من كلّ جانب: سْر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، قال: فقام إليه صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! نحن حِزبُك وأنصارُك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسِر بنا إلى عدوّك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تُؤتَى من قلّة عَدَد، ولا ضعف نيّةِ أتباع، وقام إليه مُحرِز بن شهاب التميميّ من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلْبِ رجل واحد في الإجماع على نُصْرتك، والجدّ في جهاد عدوّك، فأبْشِر بالنصر، وسِرْ بنا إلى أيّ الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالَفك صالحَ الثواب، ونَخاف في خذلانك

стр. 3521

والتخلّف عنك شدّةَ الوبال (١). (٥: ٨٠/ ٨١). ١١٦١ - قال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد عليّ المسيرَ إلى أهل النهر من الأنبار، قدّم قيس بن سعد بن عُبادة وأمره أن يأتيَ المدائنَ فينزلَها حتى يأمرَه بأمره، ثم جاء مقبِلًا إليهم، ووافاه قيس، وسعد بن مسعود الثقفى بالنّهر، وبعث إلى أهل النّهر: ادفعوا إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم، وكافّ عنكم حتى ألقَى أهلَ الشأم؛ فلعلّ الله يقلِّب قلوبَكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قَتَلَتهُم، وكلنا نستحلّ دماءهم ودماءَكم (٢). (٥: ٨٣). ١١٦٢ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني الحارث بن حَصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم: عباد الله! أخرِجوا إلينا طِلبتَنَا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم، فإنكم ركبتُم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشِّرْك، والشِّرْك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماءَ المسلمين، وتعدّونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السُّلَميّ: إن الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم، أو تأتونا بمثلِ عمر! فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تُهلكوها، فإنّي لأرى الفتنةَ قد غلبتْ عليكم! . وخطَبَهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاريّ؛ فقال: عبادَ الله! إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فُرْقة، فعلام تقاتلوننا؟ ! فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكّمتم غدًا، قال: فإنِّي أنشُدكم الله أن تعجّلوا فتنة العام مخافةَ ما يأتي في قابل (٣)! (٥: ٨٣/ ٨٤). ١١٦٣ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب: أن عليًّا أتى أهلَ النّهر، فوقف عليهم فقال: أيّتها العصابة التي أخرجَتْها عداوةُ المِراء واللَّجاجة، وصدّها عن الحقّ الهَوَى، وطمح بها النَّزَق، وأصبحتْ في اللّبس،

стр. 3522

والخطب العظيم! إني نذيرٌ لكم أن تُصبِحوا تُلفيكم الأمّة غدًا صَرْعَى بأثناء هذا النّهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بيِّنة من ربّكم، ولا برهان بيِّن، ألم تعلموا: أنّي نهيتُكم عن الحكومة، وأخبرتكم: أنّ طلب القوم إيّاها منكم دَهْن ومكيدة لكم! ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرَفُ بهم منكم، عرفتُهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهلُ المكَر والغَدْر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حَكَّمْتُ، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيَا القرآن، وأن يُميتَا ما أماتَ القرآن، فاختلَفَا، وخالَفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرَهما، ونحن على أمرنا الأوّل، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكَّمنا، فلمّا حكَمنا أثِمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تُبْنا فإن تبتَ كما تبنا فنحنُ منك ومعك، وإن أبيتَ فاعتزِلْنا فإنا منابِذُوك على سَواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فقال عليّ: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر! أبعْدَ إيماني برسول الله ﷺ وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكُفر؟ ! لـ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] قد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم (١). (٥: ٨٤). ١١٦٤ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو سَلَمة الزُّهريّ - وكانت أمّه بنت أنَس بن مالك -: أنّ عليًّا قال لأهل النّهر: يا هؤلاء! إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراقَ هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم: أنّ القوم سألوكُمُوها مكيدةً ودَهنًا، فأبيتم عليَّ إباءَ المخالِفين، وعدلتم عنّي عدولَ النكَداء العاصِين، حتى صرفت رأي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفَّاء الهام، سُفَهاء الأحلام، فلم آتِ - لا أبا لكم - حرامًا، والله ما خبلتُكَم عن أموركم، ولا أخفيتُ شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عَشْوة، ولا دَنّيتُ لكم الضَّرّاء! وإن كان أمرُنا لأمرِ المسلمين ظاهرًا؛ فأجمَعَ رأي مَلَئِكم على أن اختاروا رجلين، فأخذْنا عليهما أن يَحكما بما في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسنا

стр. 3523

حين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لَعَظُم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرامٌ؟ ! فتنادَوا: لا تُخاطبوهم، ولا تكلّموهم، وتهيّؤوا للقاء الربّ، الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنَّة! فخرج عليٌّ فعبّأ الناس، فجعل على ميمنته حُجْر بن عديّ، وعلى ميسرته شَبَث بن رِبْعيّ - أو معقِل بن قيس الرّياحيّ - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاريّ، وعلى الرّجالة أبا قَتادة الأنصاريّ، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمئة أو ثمانمئة رجل - قيس بن سعد بن عُبادة. قال: وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حُصَين الطائيّ، وعلى الميسرة شُريح بن أوفَى العبسيّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسَديّ، وعلى الرّجالة حُرقوص بن زُهير السعديّ. قال: وبعث عليّ الأسود بن يزيد المُراديّ في ألفي فارس؛ حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمئة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ رايةَ أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل، ولم يستعرض فهو آمِن، ومَن انصرف منكم إلى الكُوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آِمِن، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتلةَ إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فرْوة بن نوفل الأشجعيّ: والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليًّا! لا أرى إلا أن أنْصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه. وانصرف في خمسمئة فارس، حتى نزل البَنْدَنيجَيْن، والدَّسْكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرّقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى عليّ منهم نحو من مئة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقُوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمئة، وزحفوا إلى عليّ، وقدّم عليّ الخيلَ دون الرجال، وصفّ الناس وراء الخيل صَفّين، وصَفّ المرامية أمامَ الصفّ الأوّل، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدؤوكم، فإنهم لو قد شدّوا عليكم - وجُلّهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغِبين وأنتم رادّون حامُون، وأقبلت الخوارج، فلما أن دنَوا من الناس نادَوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس على

стр. 3524

أصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس! لا حُكْمَ إلّا لله، وإن كرهتْ أصبهان! فناداهم عباس بن شريك وقَبيصة بن ضبَيعة العبسيّان: يا أعداء الله! أليس فيكم شُرَيح بن أوفى المسرِف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرّجال بالرّماح والسيوف، فوالله ما لَبَّثوهم أن أناموهم، ثم إنّ حمزة بن سنان صاحبَ خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزِلوا، فذهبوا لينزِلوا فلم يتقارّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المراديّ، وجاءتهم الخيل من نحو عليّ، فأهمِدوا في الساعة (١). (٥: ٨٤/ ٨٥/ ٨٦). ١١٦٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثُمامة الحنفيّ عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلّا أنْ لقينا أهلَ البصرة، فما لبّثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم، وتعظمَ نكايتُهم (٢). (٥: ٨٧). ١١٦٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو جَناب: أنّ أبا أيّوب أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين! قتلتُ زيدَ بن حُصين، قال: فما قلتَ له وما قال لك؟ قال: طعنتُه بالرّمح في صدره حتى نجمَ من ظهره، قال: وقلتُ له: أبشر يا عدوّ الله بالنار! قال: ستعلم أيُّنا أولَى بِها صِليًّا. فسكت عليٌّ عليها (٣). (٥: ٨٧). ١١٦٧ - قال أبو مِخنف، عن أبي جَناب: إنْ عليًّا قال له: هو أوْلى لها صِليًّا، قال: وجاء عائذ بن حملة التميميّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قتلتُ كلابًا، قال: أحسنت! أنت محِقّ قتلتَ مُبطِلًا. وجاء هانئ بن خطاب الأرْحَبيّ، وزياد بن خَصَفة يحتجّان في قتل عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين! لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعنّاه برمْحَيْنا،

стр. 3525

فقال عليّ: لا تختلفا، كلاكُما قاتِل. وشدّ جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانيّ على حُرقوص بن زهير فقَتلَه، وشدّ عبد الله بن زَحْر الخَوْلانيّ على عبد الله بن شَجرَة السُلمِيّ فقتله، ووقع شريحٍ بن أوفَى إلى جانب جدار، فقاتل على ثُلْمة فيه طويلًا من نَهار، وكان قَتَل ثلاثةً من هَمْدان، فأخذ يرتجِز ويقول: قد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عَبْسِيَّهْ ... ناعِمَةٌ في أَهَلِها مَكْفِيَّهْ أَنِّي سَأَحْمي ثُلْمَتِي العَشِيَّهْ فشدّ عليه قيسُ بن معاوية الدُّهنِيّ، فقطع رجلَه، فجعل يقاتلهم، ويقول: * القَرْمُ يحْمي شَوْلهُ مَعْقولَا * ثم شدّ عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس: اقتَتَلَتْ هَمْدانُ يَوْمًا ورَجُلْ ... اقتَتَلوا مِنْ غُدْوة حتى الأصُلْ * فَفتحَ الله لَهمْدانَ الرَّجُلْ * وقال شُريح: أَضْربُهُمْ وَلوْ أَرَى أَبا حَسَنْ ... ضَرَبْتُهُ بالسيفِ حتى يَطْمَئنّ وقال: أَضرِبُهُمْ ولو أَرَى عَليًّا ... أَلْبَسْتُهُ أَبْيَضَ مَشْرَفيَّا (١) (٥: ٨٧/ ٨٨). ١١٦٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة: أنّ عليًّا خرج في طلب ذي الثُّدَيّة ومعه سليمان بن ثُمامة الحنفيّ أبو جَبْرة، والرّيان بن صبرة بن هَوْذة، فوجده الرّيان بن صبرة بن هَوْذة في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا، قال: فلما استُخرِج نظر إلى عَضُدِه، فإذا لحم مجتمع على منكبِه كثَدْي المرأة، له حَلَمة عليها شَعَرات سُود، فإذا مُدّت امتدّت حتى تحاذى طول يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استُخرج قال عليّ: الله أكبر! والله ما كذَبتُ، ولا كُذِبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيّه ﷺ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحقّ الذي نحن عليه. قال: ثم مرَّ وهم صرعَى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرّكم مَن

стр. 3526

غرّكم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! مَن غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصي، ونبّأتهم أنهم ظاهرون، قال: وطلِب مَن به رَمَق منهم فوجدناهم أربعمئة رجل، فأمر بهم عليّ فدُفِعوا إلى عشائرهم، وقال: احمِلوهم معكم فداوُوهم، فإذا بَرِئوا فوافُوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء. قال: وأما السلاح والدّوابّ وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم ردّه على أهله، وطلب عديّ بن حاتم ابنه طَرفة فوجده، فدَفَنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك، ودَفَن رجالٌ من الناس قَتْلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحِلِوا إذًا، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس (١). (٥: ٨٨/ ٨٩). ١١٦٩ - قال أبو مِخنف عن مجاهد، عن المحِلّ بن خليفة: أنّ رجلًا منهم من بني سَدوس يقال له: العَيْزار بن الأخنس كان يرى رأيَ الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عديّ بن حاتم، ومعه الأسود بن قيس، والأسود بن يزيد المُراديّان، فقال له العيزار حين استقبلَه: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عديّ: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديّان: ما قلت هذا إلا لشرّ في نفسك، وإنك لنعرفك يا عَيزار برأي القوم، فلا تفارِقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبرَه خبرَك. فلم يكن بأوشَكَ أن جاء عليّ فأخبرَاه خبَره، وقالا: يا أميرَ المؤمنين! إنه يرى رأيَ القوم، قد عرفْناه بذلك، فقال: ما يحِلّ لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عديّ بن حاتم: يا أميرَ المؤمنين! ادفَعْه إليّ وأنا أضمن ألّا يأتيَك مِن قبَله مكروه، فدَفَعَه إليه (٢). (٥: ٨٩). ١١٧٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عمران بن حُدير عن أبي مِجْلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله أنه لم يقتَل من أصحاب عليّ إلا سبعة (٣). (٥: ٨٩).

стр. 3527

١١٧١ - قال أبو محْنف عن نُمَير بن وَعْلة اليناعيّ، عن أبي دَرْداء، قال: كان عليّ لما فرغ من أهل النهروان حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسَن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين! نفدَتْ نبالنا، وكَلّت سيوفُنا، ونصَلْت أسنّة رماحِنا، وعاد أكثرها قِصَدًا، فارجع إلى مِصرنا، فلنستَعدّ بأحسن عدّتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عُدّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدوّنا، وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النّخَيلة، فأمر الناسَ أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا، ثم تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وتُرك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيُه في المسير (١). (٥: ٨٩/ ٩٥). ١١٧٢ - قال أبو مخنف عمّن ذكره، عن زيد بن وهب: إنّ عليًّا قال للناس - وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر -: أيّها الناس! استعدّوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القُربة إلى الله ودرَك الوسيلة عنده، حيارَى في الحقّ، جُفاة عن الكتاب، نُكُبٌ عن الدّين، يَعمَهون في الطّغيان، ويُعْكَسون في غَمْرة الضلال، فأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا! قال: فلا هم نفروا ولا تيسّروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهَهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنظرهم، فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرَه، وأقلّهم من نَشِط، فقام فيهم خطيبًا، فقال: عبادَ الله! ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِروا اثّاقلتم إلى الأرض! أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّلّ والهوان من العِزّ! أوَ كلّما ندبتُكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،

стр. 3528

ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحَرب اليَقْظان ذو عقل، وبات لذلّ مَن وادَع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال: أما بعد، فإنّ لي عليكم حقًّا، وإن لكم عليَّ حقًّا، فأمّا حقكم عليّ فالنّصيحة لكم ما صحبتُكم، وتوفيرُ فَيئكم عليكم، وتعليمُكم كيما لا تجهلوا، وتأديبُكم كي تَعلَّموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يُرِد اللهُ بكم خيرًا؛ انتزعتم عما أكره، وتَراجَعوا إلى ما أحِبّ، تنالوا ما تَطلُبون، وتُدرِكوا ما تأمُلون (١). (٥: ٩٠/ ٩١). ١١٧٣ - وذكر عليّ بن محمد عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: بعث عليٌّ بعدما رجع من صِفين جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ، وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب - إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرشهر؛ وقد كَفَروا وامتنعوا، فقدم على عليّ، فبعث خُليد بن قرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نَيْسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مرْو (٢). (٥: ٩٢). ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث ١١٧٤ - فمما كان فيها مَقتَل محمّد بن أبي بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها، وقد ذكرنا سببَ تولية عليٍّ إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سببَ قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ويبدأ بذكرٍ من تتمّة حديث الزّهريّ الذي قد ذكرنا أوّله قبلُ، وذلك ما حدّثنا عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: لما حُدّث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرًا، تلقّاه، وخلَا به، وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرئ لا رأيَ له، وليس عَزْلُكم

стр. 3529

إيّايَ بمانعي أن أنصح لكم، وأنا مِن أمرِكم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرًا وأهل خِرْبَتا، فكايِدْهم به، فإنك إن تكايدْهم بغيره تَهلِك، ووصف قيس بن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشّه محمد بن أبي بكر، وخالف كلّ شيء أمره به. فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قِبَل المدينة؛ بعث محمد أهلَ مصر إلى خِرْبَتا، فاقتتلوا، فهزِم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمرًا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقَتَلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيّز معاوية، حتى ظهر، وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البَخْتريّ، حتى إذا خاف أن يؤخذ، أو يُقتَل؛ ركب راحلته، وظهر إلى عليّ. فكتب معاوية إلى مرْوان، والأسود يتغيّظ عليهما ويقول: أمددتُما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكايَدته، فوالله لو أنّكما أمددتُماه بمئة ألفِ مقاتل ما كان بأغيظَ إليّ من إخراجِكما قيسَ بن سعد إلى عليّ، فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثَّه الحديثَ، وجاءهم قتلُ محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يوازي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ مَن كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم يَنصَح له. وأمّا ما قال في ابتداء أمرِ محمد بن أبي بكر في مصيرِه إلى مصر وولايتِه إياها أبو مخنف؛ فقد تقدّم ذكرُنا له، ونذكر الآن بقيّة خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظَبْيان الهَمْدانيّ، قال: ولما قتل أهل خِرْبَتا ابنَ مضاهم الكلبيّ الذي وجّهه إليهم محمد بن أبي بكر؛ خرج معاوية بن حُديج الكنديّ ثم السَّكونيّ، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخَرون، وفسدتْ مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليًّا وثوبُ أهل مصرَ على محمد بن أبي بكر، واعتمادُهم إياه، فقال: ما لمصرَ إلا أحد الرَّجُلين! صاحبنا الَّذي عزَلْناه عنها - يعني: قيسًا - أو مالك بن الحارث - يعني: الأشتر. قال: وكان عليّ حين انصرف من صِفِّين ردّ الأشترَ على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شُرَطِي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذْرَبيجان؛ فإن قيسًا مقيم مع عليّ على شُرْطته. فلما انقضى أمرُ الحكومة كتب عليّ إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنَصِيبين: أمّا بعد، فإنك ممّن استظهرتُه على إقامة الدين، وأقمعُ به نخوةَ الأثيم، وأشُدّ به الثّغر المَخُوف، وكنت ولّيت محمد بن أبي بكر مصر،

стр. 3530

فخرجتْ عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حَدَث ليس بذي تجرِبة للحَرْب، ولا بمجرّب للأشياء، فاقدم عليٌّ لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلِف على عَملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك، والسلام. فأقبَل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدّثه حديثَ أهل مصرَ، وخبّره خبرَ أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحِمَك الله! فإني إن لم أوصِك؛ اكتفيتُ برأيك، واستعِن بالله على ما أهمّك، فاخلِط الشدّة باللِّين، وارفق ما كان الرفق اْبلَغ، واعتزِم بالشدّة حين لا يغني عنك إلا الشدّة. قال: فخرج الأشتر من عند عليّ فأتى رحله، فتهيَّأ للخروج إلى مصر، وأتت معاويةَ عيونُه، فأخبروه بولاية عليّ الأشتر، فعظُم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم: أن الأشتر إنْ قدمها كان أشدّ عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: إنّ الأشتر قد وُلِّيَ مصر، فإن أنت كَفْيتَنيه؛ لم آخذْ منك خراجًا ما بقيتَ، فاحتلْ له بما قدرتَ عليه، فخرج الجايستار حتى أتى القُلْزم، وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصرَ، فلما انتهى إلى القلزُم؛ استقبله الجايستار، فقال: هذا مَنزِل، وهذا طعامٌ وعَلَف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدِّهقان بعَلَف وطعام، حتى إذا طَعِم؛ أتاه بشربة من عَسَل قد جعل فيها سُمًّا فسقاه إيّاه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: إنّ عليًّا وجّه الأشتر إلى مصَر، فادعوا الله أن يَكفيَكُموه. قال: فكانوا كلّ يوم يَدْعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبَرَه بمَهلِك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبًا، فحَمِد اللهَ وأثنَى عليه وقال: أمّا بعد، فإنه كانت لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان، قُطعتْ إحداهما يومَ صِفِّين - يعني: عمّار بن ياسر - وقُطِعت الأخرى اليوم - يعني: الأشتر (١). (٥: ٩٤/ ٩٥/ ٩٦). ١١٧٥ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَديج عن مولىً للأشتر، قال: لما هلك الأشتر؛ وجدْنا في ثَقَله رسالة عليّ إلى أهل مصر:

стр. 3531

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلىّ أمّة المسلمين الذين غَضِبوا لله حين عُصِيَ في الأرض، وضَرَب الجورُ بأرواقه على البَرّ والفاجر، فلا حقّ يُستراح إليه، ولا منكرَ يُتناهَى عنه، سلام عليكم، فإني أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد بعثتُ إليكم عبدًا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا يَنكل عن الأعادي حِذارَ الدوائر، أشدّ على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مُذحِج، فاسمعوا له، وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضّريبة، ولا كلَيل الحدّ، فإن أمَرَكم أن تُقدموا؛ فأقدموا، وإن أمَرَكم أن تَنفِروا؛ فانفروا، فإنه لا يُقدم ولا يُحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنُصحِه لكم وشدّة شَكيمته على عدوّكم، عصَمَكم الله بالهدى، وثبّتكم على اليقين. والسلام. قال: ولما بلغ محمّد بن أبي بكر: أنّ عليًّا قد بعث الأشتر شقّ عليه، فكتب عليّ إلى محمد بن أبي بكر عند مَهلِك الأشتر، وذلك حين بلغه مَوْجِدةُ محمد بن أبي بكر لقُدوم الأشتر عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فقد بلغني موجِدَتُك من تسريحي الأشترَ إلى عَمَلِك، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد، ولا ازديادًا مني لك في الجدّ، ولو نزعتُ ما تحتَ يدك من سلطانك لولّيتُك ما هو أيسرُ عليك في المؤونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إنّ الرجل الذي كنتُ وليته مصرَ كان لنا نصيحًا، وعلى عدوّنا شديدًا، وقد استكمَل أيّامَه، ولاقَى حِمامَه، ونحن عنه راضُون، فرضي الله عنه، وضاعَفَ له الثواب، وأحسَنَ له المآب. اصبر لعدوّك، وشمِّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِرْ ذكرَ الله، والاستعانةَ به، والخوفَ منه؛ يَكفِك ما أهمّك، ويُعِنْك على ما ولّاك، أعاننا الله وإيّاك على ما لا يُنَال إلا برحمته، والسلام عليك.

стр. 3532

فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لعبد الله عليٍّ أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلام عليك، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إلهَ غيره، أما بعد: فإنّي قد انتهى إليّ كتابُ أمير المؤمنين، ففهِمْته، وعرفتُ ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضَى مني برأي أميرِ المؤمنين، ولا أجهدَ على عدوّه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجتُ فعسكرتُ، وأمَّنتُ الناس إلا من نَصَب لنا حربًا، وأظهَر لنا خلافًا، وأنا متّبع أمرَ أمير المؤمنين وحافظُه، وملتجئ إليه، وقائمٌ به، والله المستعان على كلّ حال؛ والسلام عليك (١). (٥: ٩٦/ ٩٧). ١١٧٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَهضم الأزديّ - رجل من أهل الشأم - عن عبد الله بن حَوالة الأزديّ: أنّ أهل الشأم لما انصرفوا من صِفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحَكَمان، فلما انصرفا، وتفرّقا؛ بايع أهلُ الشأم معاويةَ بالخلافة، ولم يزدد إلا قوّة، واختلف الناسُ بالعراق على على، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر، وكان لأهلها هائبًا خائفًا، لقربهم منه، وشدّتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان عَلَى ذلك علِم: أن بها قومًا قد ساءهم قتلُ عثمانَ، وخالفوا عليًّا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ، لحكل خَراجها، قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش: عمروَ بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وبُسْرَ بن أبي أرطاة، والضحّاك بن قيس، وعبدَ الرحمن بن خالد بن الوليد؛ ومن غيرهم: أبا الأعور عَمرَو بن سُفيان السُّلَميّ، وحمزةَ بن مالك الهَمْدانيّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط الكِنديّ، فقال لهم: أتدرون لِمَ دعوتكم؟ إنِّي قد دعوتُكم لأمر مُهِمّ أحبّ أن يكون اللهُ قد أعان عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إنّ الله لم يُطلع على الغيب أحدًا، وما يُدرِينا ما تُريد! فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمرَ هذه البلاد الكثير خراجُها، والكثير عُدَدُها وعدد أهلها، أهمّك أمرُها، فدعوتَنا إذًا لتسألَنا عن

стр. 3533

رأينا في ذلك، فإن كنتَ لذلك دعوتَنا، وله جمعتَنا؛ فاعزم وأقدم، ونِعمَ الرأي رأيتَ! ففي افتتاحها عِزُّك وعزّ أصحابك، وكَبْت عدوّك، وذلّ أهل الخلاف عليك. قال له معاوية مجيبًا: أهمَّك يا بن العاصِ ما أهمّك - وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالَح معاويةَ حين بايعه على قتال عليّ بن أبي طالب، على أنّ له مصرَ طُعْمَةً ما بقيَ - فأقبل معاوية على أصحابه، فقال: إنّ هذا - يعني: عمرًا - قد ظنّ، ثم حقّق ظنّه، قالوا له: لكنا لا ندري؛ قال معاوية: فإنّ أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله، قال: إنّ أفضل الظُّنون ما أشبه اليقين. ثم إنّ معاوية حمِد الله، وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد: فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوّكم، جاؤوكم وهم لا يَروْن إلا أنهم سيقيضون بَيضَتكم، ويُخربون بلادَكم، ما كانوا يرَون إلّا أنكم في أيديهم، فردّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبّوا، وحاكَمْناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتَنا، وأصلح ذاتَ بينِنا، وجعلهم أعداء متفرّقين يشهدُ بعضهم على بعض بالكُفْر، ويسفِك بعضهم دَم بعض، والله إنّي لأرجو أن يتمّ لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نُحاول أهلَ مصرَ، فكيف تروْن ارتثاءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتُك عمَّا سألتَني عنه، وقد أشرتُ عليك بما سمعت؛ فقال معاوية: إنّ عَمرًا قد عزم وصَرَم، ولم يفسّر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإنّي أشير عليك كيف تصنع، أرى أن تَبعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمَنُه وتثق به، فيأتي مصرَ حتى يدخلَها، فإنه سيأتيه مَن كان من أهلها على رأينا فيظاهرهُ على مَن بها من عدوّنا، فإذا اجتمع بها جندُك ومَن بها من شيعتك على مَن بها من أهل حربك؛ رجوتُ أن يعين الله بنصرِك، ويُظهر فُلْجَك! قال له معاوية: هل عندك شيء دون هذا يُعمَل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلَمه، قال: بلى، فإنّ غير هذا عندي، أرى أن نكاتِب مَن بها من شيعتنا، ومَن بها من أهل عدوّنا، فأمّا شيعتنا فآمُرُهم بالثبات على أمرهم، ثم أصنِّيهم قُدومَنا عليهم. وأما مَن بها مِن عدوّنا فندعوهم إلى صلْحنا، ونمنِّيهم شكرَنا، ونخوّفهم حربنا، فإن صلَح لنا ما قبَلهم بغير قتال؛ فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربُهم من وراء ذلك كلّه. إنك يا بن العاص امرؤ بورك لك في العَجَلة، وأنا امرؤٌ بورك لي في التُّؤَدة؛ قال: فاعمل بما أراك الله، فوالله ما أرى أمرَك وأمرَهم يصيرُ إلّا إلى الحرب العَوان.

стр. 3534

قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ، وإلى معاوية بن حُدَيج الكِنديّ - وكانا قد خالفا عليًّا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد: فإنّ الله قد ابتَعَثكما لأمر عظيم أعظمَ به أجرَكما، ورفَع به ذِكرَكما، وزيّنكُما به في المسلمين، طَلبكما بدمِ الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ تُرِك حكم الكتاب، وجاهدتما أهلَ البغي والعُدوان، فأبشروا برضوان الله، وعاجِل نصرِ أولياء الله، والمواساة لكما فَي الدنيا، وسلطاننا، حتى يُنْتَهَى في ذلك ما يرضيكما، ونؤدّي به حقَّكما إلى ما يصير أمرُكما إليه، فاصبروا وصابروا عدوَّكما، وادعوا المدبِر إلى هُداكما وحفظِكما، فإنّ الجيش قد أضِلّ عليكما، فانقشع كلّ ما تكرهان، وكان كلّ ما تَهوَيان، والسلام عليكما. وكَتب هذا الكتابَ وبَعث به مع مولىً له يقال له: سُبَيع. فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر؛ ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصَب هؤلاء الحربَ بها، وهو غير متخوّن بها يوم الإقدام عليه. فدفع كتابَه إلى مسلمة بن مخلّد، وكتابَ معاوية بن حُدَيج، فقال مسلمة: امضِ بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه، ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاويةَ بن حُدَيج إليه، فأقرأه إيّاه، فلما قرأه قال: إنّ مسلمة بن مخلّد قد أمرني أن أردّ إليه الكتاب إذا قرأتَه لكي يجيبَ معاوية عنك وعنه. قال: قل له فليفعل؛ ودفع إليه الكتاب، فأتاه، ثم كتب مسلمة عن نفسه، وعن معاوية بن حُدَيج: أما بعد، فإنّ هذا الأمر الذي بذلنا له نفسَنا، واتّبعْنا أمرَ الله فيه، أمرٌ نرجو به ثوابَ ربّنا، والنصرَ ممن خالفنا، وتعجيلَ النِّقمة من سَعَى على إمامنا، وطأطأ الرّكض في جهادنا، ونحن بهذا الحيّز من الأرض قد نَفَينا مَن كان به من أهل البغي، وأنهَضْنا من كان به من أهل القِسْط والعدل، وقد ذكرتَ المواساة في سلطانِك ودنياك، وبالله إنّ ذلك لأمرٌ مالَه نهضْنا، ولا إيّاه أردْنا، فإنْ يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمَنَّينا، فإنّ الدنيا والآخرةَ لله ربِّ العالمين، وقد يؤتيهما الله معًا عالمًا من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلفَ لموعده، قال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 3535

عجّل علينا خَيلَك ورَجْلك، فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربًا، وكنا فيهم قليلًا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحْنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمَدَد من قِبَلك؛ يفتح الله عليكم، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل! والسلام عليك. قال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفِلَسطين، فدعا النّفرَ الذين سمّاهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرّأي أن تبعث جُندًا من قِبَلك، فإنك تفتتحها بإذن الله، قال معاوية: فتجهَّز يا أبا عبد الله إليها - يعني: عمرَو بنَ العاص - فال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودّعه وقال له ضد وداعه إيّاه: أوصيك يا عَمرو بتقوَى الله، والرفق فإنه يُمْن، وبالمهَل، والتُّؤدَة، فإنّ العَجَلَة من الشيطان، وبأن تقبلَ ممن أقبَل، وأن تعفوَ عمّن أدبرَ، فإن قَبل؛ فَبِها ونِعمتْ، وإن أبَى؛ فإن السطوة بعد المعذرة أبلَغ في الحجّة، وأحسَن في العاقبة، وادعُ الناسَ إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرتَ؛ فليكن أنصارُك آثرَ الناس عندَك، وكلَّ الناس فأوْلِ حُسْنًا. قال: فخرج عَمرٌو يسير حتى نزل أدانيَ أرض مصرَ، فاجتمعتَ العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتنحّ عني بدمك يا بن أبي بكر! فإنّي لا أحبّ أن يصيبَك مني ظَفَر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفضِ أمرِك، ونَدِموا على اتّباعك، فهم مُسلِموك لو قد التقت حَلْقتا البِطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين؛ والسلام. وبعث إليه عمرو أيضًا بكتاب معاوية إليه: أما بعد، فإنّ غبَّ البغي والظلم عظيم الوَبال، وإنّ سَفْك الدم الحرام لا يَسلَم صاحبه من النّقمة في الدنيا، ومن التَّبعة الموبِقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدًا كان أعظم على عثمانَ بغيًا، ولا أسوأ له عيبًا، ولا أشدّ عليه خلافًا منك؛ سعيتَ عليه في الساعين، وسفكتَ دَمه في السافكين، ثم أنت تظنّ أني عنك نائمٌ، أو ناسٍ لك، حتى تأتي فتأمّر على بلاد أنتَ فيها جاري، وجُلّ أهلِها أنصاري، يرَون رأي، ويَرْقُبون قولي، ويَستصرخوني عليك. وقد بعثتُ إليك قومًا حِناقًا عليك، يستسقون دمَك، ويتقرّبون إلى الله بجهادك، وقد أعطَوا الله عهدًا ليمثّلُنّ بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك،

стр. 3536

ولأحببتُ أن يقتلوك بظُلمك، وقطيعتك، وعَدْوِك على عثمان يوم يُطعَن بمشَاقِصك بين خُشَشائه وأوداجِه، ولكن أكرَه أن أمثّل بقرَشيّ، ولن يُسلِمك اللهُ من القصاص أبدًا أينما كنت! والسلام. قال: فطوى محمد كتابيْهما، وبعث بهما إلى عليّ، وكتب معهما: أما بعد، فإنّ ابن العاص قد نزل أدانيَ أرضِ مصرَ، واجتمع إليه أهلُ البلد جلُّهم ممن كان يَرى رأيَهم، وقد جاء في جيش لجِب خُرّاب، وقد رأيت ممن قِبَلي بعضَ الفشل، فإن كان لك في أرض مصرَ حاجة فأمدّني بالرجال والأموال؛ والسّلام عليك. فكتب إليه عليّ: أمّا بعد: فقد جاءني كتابُك تذكُر: أنّ ابن العاصِ قد نزل بأداني أرضِ مصرَ في لجبٍ من جيشه خُرّاب، وإن مَن كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندَك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَنْ قبَلك فَشَلًا، فلا تَفشَل، وإن فشلوا؛ فحصِّنْ قريَتك، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ بِشر المعروفَ بالنصيحة والنّجدة والبأس. فإني نادبٌ إليك الناسَ على الصَّعب والذَّلول، فاصبر لعدوّك، وامض على بصيرتك، وقاتلْهم على نيّتك، وجاهِدْهم صابرًا محتسبًا، وإن كانت فئتُك أقلَّ الفئتين، فإنّ الله قد يُعزّ القليل، ويَخذُل الكثير، وقد قرأتُ كتابَ الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عَمرو، المتحابَّيْن في عمل المعصية، والمتوافِقَين المرتَشِييْن في الحكومة، المنكسرين في الدنيا، قد استَمتَعوا بخَلاقهم كما استمتَع الذين من قبلهم بخَلاقهم، فلا يَهُلْك إرعادُهما، وإبراقُهما، وأجبْهما إن كنتَ لم تجبْهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالًا ما شئت، والسلام (١). (٥: ٩٧/ ٩٨/ ٩٩/ ١٠٠/ ١٠١/ ١٠٢). ١١٧٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاريّ، عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جوابَ كتابه:

стр. 3537

أما بعد: فقد أتاني كتابُك تذكِّرني من أمرِ عثمانَ أمرًا لا أعتذر إليك منه، وتأمُرني بالتنحّي عنك كأنك لي ناصح، وتُخوّفني المُثْلَة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون ليَ الدائرةُ عليكم، فأجتاحَكم في الوقعة، وإن تُؤتَوا النصرَ ويكن لكم الأمر في الدّنيا، فكَم لَعمرِي من ظالم قد نَصرْتم، وكم من مؤمن قَتلتم، ومثّلتم به! وإلى الله مصيرُكم ومصيرُهم، وإلى الله مَرَدّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون! والسلام. وكتب محمد إلى عمرو بن العاص: أمّا بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ في كتابك يا بنَ العاص! زعمتَ: أنك تكره أن يصيبَني منك ظَفَر، وأشهدُ أنك من المبطِلين! وتَزعم: أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظَنين! وتَزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، ونَدِموا على اتّباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبُنا الله ربّ العالَمين، وتوكَّلنا على الله ربّ العرش العظيم! والسلام. قال: أقبل عَمرو بن العاص حتى قصد مصرَ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد معاشرَ المسلمين والمؤمنين، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحُرمة، ويَنعشُون الضلال، ويَشُبّون نارَ الفتنة، ويتسلّطون بالجَبريّة قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود، عبادَ الله! فمن أراد الجنّة والمغفرة فلْيخرج إلى هؤلاء القوم، فلْيجاهدْهم في الله. انتدبِوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر. قال: فانتدب معه نحو من ألفَي رجل، وخرج محمد في ألفَيْ رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانةَ وهو على مقدّمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانةَ، فلما دنا من كنانة سرّح الكتائبَ كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانةُ لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهلِ الشام إلا شدّ عليها بمن معه، فيضربها حتّى يقرّبها لعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارًا؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حُدَيج السَّكونيّ، فأتاه في مثل الدّهْم، فأحاط بكنانةَ وأصحابه، واجتمع أهلُ الشأم عليهم من كلّ جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه. ونزل أصحابُه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ

стр. 3538

الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. فضارَبَهم بسيفه حتى استشهد ﵀. وأقبل عمرو بن العاص نحوَ محمد بن أبي بكر، وقد تفرّق عنه أصحابُه لمّا بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خَرِبة في ناحية الطريق، فأوَى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدَيج في طلب محمّد حتى انتهى إلى عُلوج في قارعة الطريق، فسألهم: هل مرَّ بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حُدَيج: هو هو وربّ الكعبة؛ فانطلقوا يركُضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصرَ. قال: ووثب أخوه عبدُ الرحمن بن أبي بكر إلى عَمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا! ابعث إلى معاويةَ بن حُدَيجْ فانْهَه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيَه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانةَ بنَ بشر وأخلّي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. فقال لهم محمد: اسقُوني من الماء، قال له معاوية بن حُدَيج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا! إنكم مَنعتمْ عثمانَ أن يشرب الماءَ حتى قتلتموه صائمًا مُحرِمًا، فلقاه الله بالزَحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك الله الحميمَ، والغَسّاق! قال له محمد: يا بن اليهودّية النسّاجة! ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله يَسقي أولياءَه، ويُظمئ أعداءَه؛ أنتَ وضُرَبَاؤُك ومَن تولّاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنعُ بك؟ أدخِلك في جوف حمار. ثم أحْرِقُه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فُعِل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النارَ التي تُحْرِقني بها أن يَجعَلها الله عليّ بردًا وسلامًا كما جعلها على خليلِه إبراهيمَ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذَ وأوليائِه، إنّ الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامكَ - يعني: معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تَلظَّى عليكم، كلَّما خَبَتْ زادها الله سعيرًا، قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما أنتَ وعثمان! إنّ عثمانَ عَمِل بالجور، ونبذ

стр. 3539

حكمَ القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فنقَمنا ذلك عليه، فقتلناه، وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكُه في إثمه، وعظم ذنبه، وجاعِلك على مثاله. قال: فغضب معاوية، فقدمه، فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشةَ جزِعت عليه جزعًا شديدًا، وقَنَتت عليه في دُبُر الصلاة تدعو على معاوية، وعمرو، ثم قبضتْ عيالَ محمّد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: وكتب عمرو بنُ العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر: أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر في جموع جَمّة من أهل مصرَ، فدعوْناهم إلى الهدى، والسنّة، وحكم الكتاب، فرفضوا الحقّ، وتورّكوا في الضلال، فجاهَدْناهم، واستنصَرْنا اللهَ عليهم، فضرب الله وجوهَهم وأدبارَهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر، وأماثلَ القوم، والحمد لله رب العالمين! والسَّلام عليك (١). (٥: ١٠٢/ ١٠٤/١٠٣/ ١٠٥). ١١٧٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر لي: أنّ سُوَيد بن عبد العزيز حدّثه عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص خرج في أربعةِ آلاف، فيهم معاوية بن خُدَيج، وأبو الأعور السلَميّ، فالتقوا بالمسنّاة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتّاب التُّجيبِيّ، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلًا، فانهزم، فاختبأ عند جَبَلة بن مسروق، فدلّ عليه معاوية بن خُدَيج، فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قُتِل. قال الواقديّ: وكانت المسنّاة في صفرَ سنة ثمان وثلاثين، وأذْرُح في شعبانَ منها في عام واحدٌ (٢). (٥: ١٠٥). وفيها قُتِل محمد بن أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

стр. 3540

ذكر الخبر عن مقتله: ١١٧٩ - اختَلف أهلُ السير في وقت مَقتله؛ فقال الواقديّ: قُتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله: أنّ معاوية، وعمرًا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعَيْن شمس، فعالجا الدّخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذَيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العَريش، فخرج، وخلّف الحَكَم بن الصلت على مصرَ، فلما خرج محمد بن أبي حُذَيفة إلى العريش تحصّن، وجاء عمرو فنصب المجانيقَ حتى نزل في ثلاثينَ من أصحابه، فأخِذوا فقُتلوا. قال: وذاك قبل أن يَبعث عليّ إلى مصرَ قيسَ بنَ سعد (١). (٥: ١٠٥/ ١٠٦). ١١٨٠ - وأما هشام بن محمد الكلبيّ فإنه ذكر: أنّ محمد بن أبي حُذَيفة إنما أخِذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، ودخل عَمرو بن العاص مصرَ، وغلَب عليها، وزعم أنّ عمرًا لما دخل هو وأصحابه مصرَ؛ أصابوا محمد بن أبي حُذَيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غيرَ كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خَال معاوية - فأرَى معاويةُ الناسَ أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: مَنْ يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحبّ فيما يرون أن ينجوَ، فقال رجل من خَثْعم - يقال له: عبدُ الله بن عمرو بن ظلام، وكان رجلًا شجاعًا، وكان عثمانيًّا: أنا أطلبه. فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البَلْقاء بحَوْران وقد دخل في غار هناك. فجاءت حُمُرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمُر الرجل في الغار فزِعت، فنفرتْ، فقالَ حصّادُون كانوا قريبًا من الغار: والله إنّ لنَفْرِ هذه الحمُرِ من الغار لشأنًا، فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخِرجوا، ويوافِقهم عبدُ الله بن عمرو بن ظلام الخَثْعمِيّ، فسألهم عنه، ووصفه لهم، فقالوا له: هاهو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يُرجعه إلى معاوية فيخلِّيَ سبيله، فضرب عنقه (٢). (٥: ١٠٦). ١١٨١ - قال هشام: عن أبي مخنف، قال: وحدّثني الحارث بن كعب بن
следующие страницы →