ولأحببتُ أن يقتلوك بظُلمك، وقطيعتك، وعَدْوِك على عثمان يوم يُطعَن بمشَاقِصك بين خُشَشائه وأوداجِه، ولكن أكرَه أن أمثّل بقرَشيّ، ولن يُسلِمك اللهُ من القصاص أبدًا أينما كنت! والسلام.
قال: فطوى محمد كتابيْهما، وبعث بهما إلى عليّ، وكتب معهما: أما بعد، فإنّ ابن العاص قد نزل أدانيَ أرضِ مصرَ، واجتمع إليه أهلُ البلد جلُّهم ممن كان يَرى رأيَهم، وقد جاء في جيش لجِب خُرّاب، وقد رأيت ممن قِبَلي بعضَ الفشل، فإن كان لك في أرض مصرَ حاجة فأمدّني بالرجال والأموال؛ والسّلام عليك.
فكتب إليه عليّ:
أمّا بعد: فقد جاءني كتابُك تذكُر: أنّ ابن العاصِ قد نزل بأداني أرضِ مصرَ في لجبٍ من جيشه خُرّاب، وإن مَن كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندَك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَنْ قبَلك فَشَلًا، فلا تَفشَل، وإن فشلوا؛ فحصِّنْ قريَتك، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ بِشر المعروفَ بالنصيحة والنّجدة والبأس. فإني نادبٌ إليك الناسَ على الصَّعب والذَّلول، فاصبر لعدوّك، وامض على بصيرتك، وقاتلْهم على نيّتك، وجاهِدْهم صابرًا محتسبًا، وإن كانت فئتُك أقلَّ الفئتين، فإنّ الله قد يُعزّ القليل، ويَخذُل الكثير، وقد قرأتُ كتابَ الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عَمرو، المتحابَّيْن في عمل المعصية، والمتوافِقَين المرتَشِييْن في الحكومة، المنكسرين في الدنيا، قد استَمتَعوا بخَلاقهم كما استمتَع الذين من قبلهم بخَلاقهم، فلا يَهُلْك إرعادُهما، وإبراقُهما، وأجبْهما إن كنتَ لم تجبْهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالًا ما شئت، والسلام (١). (٥: ٩٧/ ٩٨/ ٩٩/ ١٠٠/ ١٠١/ ١٠٢).
١١٧٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاريّ، عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جوابَ كتابه:
стр. 3537
أما بعد: فقد أتاني كتابُك تذكِّرني من أمرِ عثمانَ أمرًا لا أعتذر إليك منه، وتأمُرني بالتنحّي عنك كأنك لي ناصح، وتُخوّفني المُثْلَة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون ليَ الدائرةُ عليكم، فأجتاحَكم في الوقعة، وإن تُؤتَوا النصرَ ويكن لكم الأمر في الدّنيا، فكَم لَعمرِي من ظالم قد نَصرْتم، وكم من مؤمن قَتلتم، ومثّلتم به! وإلى الله مصيرُكم ومصيرُهم، وإلى الله مَرَدّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون! والسلام.
وكتب محمد إلى عمرو بن العاص:
أمّا بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ في كتابك يا بنَ العاص! زعمتَ: أنك تكره أن يصيبَني منك ظَفَر، وأشهدُ أنك من المبطِلين! وتَزعم: أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظَنين! وتَزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، ونَدِموا على اتّباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبُنا الله ربّ العالَمين، وتوكَّلنا على الله ربّ العرش العظيم! والسلام.
قال: أقبل عَمرو بن العاص حتى قصد مصرَ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد معاشرَ المسلمين والمؤمنين، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحُرمة، ويَنعشُون الضلال، ويَشُبّون نارَ الفتنة، ويتسلّطون بالجَبريّة قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود، عبادَ الله! فمن أراد الجنّة والمغفرة فلْيخرج إلى هؤلاء القوم، فلْيجاهدْهم في الله. انتدبِوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر.
قال: فانتدب معه نحو من ألفَي رجل، وخرج محمد في ألفَيْ رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانةَ وهو على مقدّمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانةَ، فلما دنا من كنانة سرّح الكتائبَ كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانةُ لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهلِ الشام إلا شدّ عليها بمن معه، فيضربها حتّى يقرّبها لعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارًا؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حُدَيج السَّكونيّ، فأتاه في مثل الدّهْم، فأحاط بكنانةَ وأصحابه، واجتمع أهلُ الشأم عليهم من كلّ جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه. ونزل أصحابُه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ
стр. 3538
الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. فضارَبَهم بسيفه حتى استشهد ﵀.
وأقبل عمرو بن العاص نحوَ محمد بن أبي بكر، وقد تفرّق عنه أصحابُه لمّا بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خَرِبة في ناحية الطريق، فأوَى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدَيج في طلب محمّد حتى انتهى إلى عُلوج في قارعة الطريق، فسألهم: هل مرَّ بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حُدَيج: هو هو وربّ الكعبة؛ فانطلقوا يركُضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصرَ. قال: ووثب أخوه عبدُ الرحمن بن أبي بكر إلى عَمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا! ابعث إلى معاويةَ بن حُدَيجْ فانْهَه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيَه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانةَ بنَ بشر وأخلّي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. فقال لهم محمد: اسقُوني من الماء، قال له معاوية بن حُدَيج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا! إنكم مَنعتمْ عثمانَ أن يشرب الماءَ حتى قتلتموه صائمًا مُحرِمًا، فلقاه الله بالزَحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك الله الحميمَ، والغَسّاق! قال له محمد: يا بن اليهودّية النسّاجة! ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله يَسقي أولياءَه، ويُظمئ أعداءَه؛ أنتَ وضُرَبَاؤُك ومَن تولّاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنعُ بك؟ أدخِلك في جوف حمار. ثم أحْرِقُه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فُعِل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النارَ التي تُحْرِقني بها أن يَجعَلها الله عليّ بردًا وسلامًا كما جعلها على خليلِه إبراهيمَ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذَ وأوليائِه، إنّ الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامكَ - يعني: معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تَلظَّى عليكم، كلَّما خَبَتْ زادها الله سعيرًا، قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما أنتَ وعثمان! إنّ عثمانَ عَمِل بالجور، ونبذ
стр. 3539
حكمَ القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فنقَمنا ذلك عليه، فقتلناه، وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكُه في إثمه، وعظم ذنبه، وجاعِلك على مثاله. قال: فغضب معاوية، فقدمه، فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشةَ جزِعت عليه جزعًا شديدًا، وقَنَتت عليه في دُبُر الصلاة تدعو على معاوية، وعمرو، ثم قبضتْ عيالَ محمّد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: وكتب عمرو بنُ العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر:
أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر في جموع جَمّة من أهل مصرَ، فدعوْناهم إلى الهدى، والسنّة، وحكم الكتاب، فرفضوا الحقّ، وتورّكوا في الضلال، فجاهَدْناهم، واستنصَرْنا اللهَ عليهم، فضرب الله وجوهَهم وأدبارَهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر، وأماثلَ القوم، والحمد لله رب العالمين! والسَّلام عليك (١). (٥: ١٠٢/ ١٠٤/١٠٣/ ١٠٥).
١١٧٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر لي: أنّ سُوَيد بن عبد العزيز حدّثه عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص خرج في أربعةِ آلاف، فيهم معاوية بن خُدَيج، وأبو الأعور السلَميّ، فالتقوا بالمسنّاة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتّاب التُّجيبِيّ، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلًا، فانهزم، فاختبأ عند جَبَلة بن مسروق، فدلّ عليه معاوية بن خُدَيج، فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قُتِل.
قال الواقديّ: وكانت المسنّاة في صفرَ سنة ثمان وثلاثين، وأذْرُح في شعبانَ منها في عام واحدٌ (٢). (٥: ١٠٥).
وفيها قُتِل محمد بن أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
стр. 3540
ذكر الخبر عن مقتله:
١١٧٩ - اختَلف أهلُ السير في وقت مَقتله؛ فقال الواقديّ: قُتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله: أنّ معاوية، وعمرًا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعَيْن شمس، فعالجا الدّخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذَيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العَريش، فخرج، وخلّف الحَكَم بن الصلت على مصرَ، فلما خرج محمد بن أبي حُذَيفة إلى العريش تحصّن، وجاء عمرو فنصب المجانيقَ حتى نزل في ثلاثينَ من أصحابه، فأخِذوا فقُتلوا. قال: وذاك قبل أن يَبعث عليّ إلى مصرَ قيسَ بنَ سعد (١). (٥: ١٠٥/ ١٠٦).
١١٨٠ - وأما هشام بن محمد الكلبيّ فإنه ذكر: أنّ محمد بن أبي حُذَيفة إنما أخِذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، ودخل عَمرو بن العاص مصرَ، وغلَب عليها، وزعم أنّ عمرًا لما دخل هو وأصحابه مصرَ؛ أصابوا محمد بن أبي حُذَيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غيرَ كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خَال معاوية - فأرَى معاويةُ الناسَ أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: مَنْ يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحبّ فيما يرون أن ينجوَ، فقال رجل من خَثْعم - يقال له: عبدُ الله بن عمرو بن ظلام، وكان رجلًا شجاعًا، وكان عثمانيًّا: أنا أطلبه. فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البَلْقاء بحَوْران وقد دخل في غار هناك. فجاءت حُمُرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمُر الرجل في الغار فزِعت، فنفرتْ، فقالَ حصّادُون كانوا قريبًا من الغار: والله إنّ لنَفْرِ هذه الحمُرِ من الغار لشأنًا، فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخِرجوا، ويوافِقهم عبدُ الله بن عمرو بن ظلام الخَثْعمِيّ، فسألهم عنه، ووصفه لهم، فقالوا له: هاهو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يُرجعه إلى معاوية فيخلِّيَ سبيله، فضرب عنقه (٢). (٥: ١٠٦).
١١٨١ - قال هشام: عن أبي مخنف، قال: وحدّثني الحارث بن كعب بن
стр. 3541
فُقَيم عن جُندَب، عن عبد الله بن فقيم، عمّ الحارث بن كعب ... يستصرخ من قبَل محمد بن أبي بكر إلى عليّ - ومحمّد يومئذ أميرُهم - فقام عليّ في الناس وقد أمر فنُوديَ الصّلاةَ جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثْنَى عليه، وصلى على محمد ﷺ ، ثم قال: أمّا بعد، فإن هذا صريخُ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النّابغة عدوّ الله، ووليّ من عادَى الله، فلا يكوننّ أهل الضّلال إلى باطلهم والرّكون إلى سبيل الطاغوت أشدَّ اجتماعًا منكم على حقّكم هذا، فإنهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغَزْو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر. عباد الله! إنّ مصرَ أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخيرٌ أهلًا، فلا تغلَبوا على مصر، فإنّ بقاءَ مصر في أيديكم عزٌّ لكم، وكَبْتٌ لعدوّكم، اخرجوا إلى الجَرَعة بين الحيرة والكُوفة، فوافُوني بها هناك غدًا إن شاء الله. قال: فلمّا كان من الغد؛ خرج يمشي، فنزلها بُكرةً، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد؛ فرجع. فلما كان من العشيَ؛ بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضَى من أمري، وقدّر من فعلي، وابتلاني بكم أيَّتُها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يُجيب إذا دَعوتُ، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم؟ !
الموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ، فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرّقنّ بيني وبينكم، وأنا لِصُحْبَتِكُمْ قالٍ؛ وبكم غيرُ ضنين، لله أنتم! لا دينَ يجمعكم، ولا حميّة تحميكم؛ إذا أنتم سيعتم بعدوّكم يَرِدُ بلادَكم، ويشنّ الغارة عليكم، أوَليس عجبًا: أنّ معاوية يدعو الجفاةَ الطَّغام فيتبعونه على غير عطاء، ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرّتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء، وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النّهَى وبقيّة الناس - على المعونة، وطائفةً منكم على العطاء، فتقومون عنّي، وتعصوْنني، وتختلفون عليّ؟ ! فقام إليه مالكُ بن كعب الهمْدانيّ ثم الأرحبيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! اندب الناسَ فإنه لا عطرَ بعد عروس! لمِثلِ هذا اليوم كنتُ أدّخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة، اتقوا الله وأجيبوا إمامَكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوَّه، ألْا أسير إليها يا أميرَ المؤمنين! قال: فأمر عليّ مناديَه سعدًا، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب.
стр. 3542
ثمّ إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سِرْ فوالله ما إخالك تُدرِك القوم حتى ينقضيَ أمرهم؛ قال: فخرج بهم، فسار خمسًا، ثمّ إن الحجاج بن غَزيّة الأنصاريّ، ثم النّجّاريّ قَدِم على عليّ من مصر، وقَدم عبدُ الرحمن بن شَبيبٍ الفَزاريّ، فأمّا الفَزاريّ فكان عينَه بالشأم، وأما الأنصاريّ فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدّثه الأنصاريّ بما رأى وعايَن وبهلاك محمد، وحدّثه الفزاريّ أنه لم يخرج من الشام حتى قَدمت البُشَراء من قِبَل عمرو بن العاصِ تَتْرى، يمبعُ بعضُها بعضًا بفتح مصر، وقَتْل محمد بن أبي بكر، وحتى أذِّن بقتله على المنبر، وقال: يا أميرَ المؤمنين! قلّما رأيت قومًا قطّ أسرّ، ولا سرورأ قطّ أظهرَ من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاكُ محمد بن أبي بكر، فقال عليّ: أما إن حُزْننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا. قال: وسرّح عليّ عبدَ الرحمن بن شُريح الشّباميّ إلى مالك بن كعب، فردّه من الطريق. قال: وحَزِن عليّ على محمد بن أبي بكر حتى رئيَ ذلك في وجهه، وتبيّن فيه، وقام في الناس خطيبًا، فحمِد الله وأثنَى عليه، وصلَّى على رسوله ﷺ ، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفَجَرة أولو الجَوْر والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله، وبغَوا الإسلام عِوَجًا، ألا وإنّ محمد بن أبي بكر قد استُشهد ﵀، فعند الله نَحتسبه، أما والله إن كان ما علمت لممّن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويُبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدي المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمُقاساة الحرب لجدّ خبير، وإنّي لأقدِم على الأمر؛ وأعرِف وجهَ الحزم، وأقومُ فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنًا، وأناديكم نداءَ المستغيث مُعرِبًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بيَ الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القومُ لا يُدرَك بكم الثار، ولا تُنقَض بكم الأوتار؛ دعوتُكم إلى غِياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جَرجرةَ الجَمَل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقُلَ من ليس له نيّة في جهاد العدوّ، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إليّ منكم جُنيْد متذانب كأنّما يُساقون إلى الموت وهم يَنظرون. فأفٍّ لكم! ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبَصرة:
стр. 3543
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى عبد الله بن عبّاس، سلامٌ عليك، فإنّي أحمد اللهَ إليك الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد: فإن مصر قد افتتِحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نَحتسبه وندّخره، وقد كنت قمتُ في الناس في بدئه، وأمرْتهم بغياثِهِ قبل الوقعة، ودعوتهم سرًّا وجهرًا، وعَودًا وبدءًا، فمنهم من أتى كارهًا، ومنهم من اعتلّ كاذبًا، ومنهم القاعد حالًا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فَرَجًا ومَخرجًا، وأن يُريحَني منهم عاجلًا، والله لولا طمعي عند لقاء عدوّي في الشهادة لأحببتُ ألّا أبقى مع هؤلاء يومًا واحدًا، عَزَم الله لنا ولك على الرُّشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كلّ شيء قدير، والسلام.
فكتب إليه ابنُ عبّاس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبدِ الله بن عباس. سلامٌ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله وبركاته! أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاحَ مصر، وهلاكَ محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كلّ حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر، وآجَرَك يا أميرَ المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك التي ابتليت بها فرَجًا ومخرجًا، وأن يُعزّك بالملائكة عاجلًا بالنصرة، فإن الله صانعٌ لك ذلك، ومعزّك، ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوّك، أخبرك يا أميرَ المؤمنين: أنّ الناس ربما تثاقلوا ثم ينشَطون، فارفق بهم يا أميرَ المؤمنين! وداجِنْهم ومَنِّهم، واستعنِ بالله عليهم، كفاك الله ألَمَهم والسلام (١). (٥: ١٠٦/ ١٠٨/١٠٧/ ١٠٩).
١١٨٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج عن مالك بن الحور: أنّ عليًّا قال: رحِم الله محمدًا! كان غلامًا حَدَثًا، أما والله لقد كنتُ على أن أولِّيَ المِرْقال هاشم بن عُتْبة مصرَ، أما والله لو أنه وليّها ما خلّى لعمرو بن العاص
стр. 3544
وأعوانه الفَجَرة العَرْصةَ، ولمَا قُتِل إلا وسيفه في يده، لا بلا دمٍ كمحمدٍ، فرحم الله محمدًا، فقد اجتهد نفسَه، وقَضَى ما عليه (١). (٥: ١٠٩/ ١١٠).
وفي هذه السنة وجّه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبدَ الله بن عمرو بن الحضرميّ إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحُكم عمرو بن العاص فيه.
وفيها قُتل أعيَن بن ضبيعة المُجاشعيّ، وكان عليّ وجّهه لإخراج ابن الحضرميّ من البَصرة (٢). (٥: ١١٠).
ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرميّ وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم
١١٨٣ - حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو الذيّال عن أبي نَعامة، قال: لما قُتِل محمد بن أبي بكر بمصرَ، خرج ابنُ عباس من البَصرة إلى عليٍّ بالكوفة، واستَخلف زيادًا، وقدم ابنُ الحضرميّ من قِبَل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حُضَين بن المنذر، ومالك بن مِسمَع، فقال: أنتم يا معشر بَكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاتِه، وقد نزل ابن الحَضْرميّ حيث ترون، وأتاه مَنْ أتاه، فامنعوني حتى يأتيَني رأيُ أميرِ المؤمنين. فقال حُضَين: نعم، وقال مالك - وكان رأيه مائلًا إلى بني أميّة. وكان
стр. 3547
مروانُ لجأ إليه يومَ الجمل: هذا أمرٌ لي فيه شركاء، أستشير وأنظر. فلما رأى زياد تَثاقُلَ مالك؛ خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع أن أشِرْ عليّ، فأشار عليه نافع بصَبِرة بن شَيْمان الحُدّانيّ، فأرسل إليه زياد، فقال: ألا تجيرني! وبيت مالِ المسلمين فإنه فَيئُكم، وأنا أمينُ أمير المؤمنين. قال: بلى إن حملتَه إليّ ونزلتَ داري. قال: فإني حامله، فحَمَله، وخرج زياد حتى أتى الحُدّان، ونزل في دار صَبِرة بن شَيْمان، وحوّل بيت المال والمنبر، فوضعه في مسجد الحُدّان، وتحوّل مع زياد خمسون رجلًا، منهم أبو أبي حاضر - وكان زياد يصلي الجمعة في مسجد الحُدَّان، ويطعم الطعام - فقال زياد لجابر بن وهب الرّاسبيّ: يا أبا محمد! إني لا أرى ابنَ الحضرميّ يكفّ، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك فآمِرْهم، وانظر ما عندهم، فلما صلى زياد جلس في المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشرَ الأزد! تميم تَزعم: أنهم هم الناس، وأنهم أصبرُ منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جارَكم، ويخرجوه من المِصر قسْرًا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجَرْتموه وبيت مال المسلمين! فقال صَبِرة بن شَيْمان - وكان مفخّمًا: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحُتَات جئت، وإن جاء شُبّان ففينا شُبّان. فكان زياد يقول: إنني استضحكت، ونهضت، وما كدتُ مكيدةً قطّ كنتُ إلى الفضيحة بها أقربَ مني للفضيحة يومئذ؛ لما غلبني من الضّحك. قال: ثمّ كتب زياد إلى عليّ: إنّ ابن الحضرميّ أقبل من الشأم فنزل في دار بني تميم، ونَعَى عثمان، ودعا إلى الحرب، وبايعتْه تميم وجُلُّ أهل البصرة، ولم يبقَ معي مَن أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صَبِرة بن شَيْمان، وتحوّلت فنزلت معهم، فشيعةُ عثمان يختلفون إلى ابن الحضرميّ، فوخه عليّ أعين بن ضُبَيعة المجاشعيّ ليفرّق قومه عن ابن الحضْرميّ. فانظر ما يكون منه، فإن فُرّق جمعُ ابن الحضرميّ، فذلك ما تُريد، وإن ترقّت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان؛ فانهض إليهم فجاهدْهم، فإنْ رأيتَ ممن قِبَلك تثاقلًا، وخِفتَ ألّا تبلغ ما تريد، فدارهمْ وطاوِلهم، ثم تسمّع وأبصر، فكأنّ جنود الله قد أظلّتك، تقتل الظالمين، فقَدِم أعيَن فأتى زيادًا، فنزل عنده، ثم أتى قومَه، وجمع رجالًا ونهض إلى ابن الحضرميّ، فدعاهم، فشتموه، وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل أعيَن بن ضُبيعة؛ أراد زياد قتالَهم، فأرسلتْ بنو تميم إلى
стр. 3548
الأزْد: إنا لم نَعرِض لجاركم، ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا! فكرِهَت الأزد القتالَ، وقالوا: إن عَرَضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفُّوا عن جارنا كففْنا عن جارهم، فأمسكوا، وكتب زيادٌ إلى عليّ: أن أعيَن بن ضُبيَعة قَدِم فجمعَ مَن أطاعه من عشيرته، ثم نهض بهم بجدّ وصدق نيّة إلى ابن الحضرميّ، فحثّهم على الطاعة، ودعاهم إلى الكفّ والرجوع عن شِقاقهم، ووافقتْهم عامّة قوم، فهالَهم ذلك، وتصدَّع عنهم كثير ممن كان معهم، يمنّيهم نُصرَته، وكانت بينهم مناوَشة. ثم انصرف إلى أهله، فدخلوا عليه، فاغتالوه فأصيب، رحم الله أعيَن! فأردت قتالَهم عند ذلك، فلم يخفّ معي مَن أقوَى به عليهم، وتَراسَل الحيّان، فأمسك بعضُهم عن بعض.
فلما قرأ عليٌّ كتابَه دعا جارية بن قدامة السعديّ، فوجّهه في خمسين رجلًا من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور - ويقال: بعث مع جارية خمسمئة رجل - وكَتَب إلى زياد كتابًا يصوّب رأيه فيما صنع، وأمَرَه بمعونة جارية بن قُدامة والإشارةِ عليه، فقدِم جارية البصرة، فأتى زيادًا فقال له: احتفِزْ واحذر أن يصيبَك ما أصاب صاحبَك، ولا تثِقنّ بأحد من القوم، فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتابَ عليّ، ووعدهم، فأجابه أكثرُهم، فسار إلى ابن الحضرميّ فحصره في دار سُنْبيل، ثم أحرَق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعين رجلًا - ويقال أربعون - وتفرّق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى عليّ مع ظَبْيان بن عُمارة، وكان ممن قَدِم مع جارية ...... وأن جارية قَدِم علينا فسار إلى ابن الحضرميّ فقَتله حتى اضطرّه إلى دار من دُور بني تميم، في عدّة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار، والدعاء إلى الطاعة، فلم يُنيبوا ولم يَرجِعوا، فأضرَم عليهم الدّار فأحرَقَهم فيها، وهُدّمتْ عليهم، فبعدًا من طغى وعَصَى! فقال عمرو بن العَرنْدَس العَوْديّ:
رَدَدْنا زِيادًا إلى دارِهِ ... وجارُ تَميمِ دخانًا ذَهَبْ
لحَى اللهُ قَوْمًا شَوَوْا جارَهُمْ ... وللشاءِ بالدِّرْهَمَيْن الشَّصَبْ
يُنادي الخِناقُ وخُفَانُها ... وقد سَمَطوا رأْسَهُ باللَّهَبْ
ونحْنُ أُناسٌ لنا عادَةٌ ... نحامي عَن الجارِ أَنْ يُغْتَصبْ
حمَيْناهُ إذْ حَلَّ أَبياتَنا ... ولا يَمْنَعُ الجارَ إلا الحَسَبْ
стр. 3549
ولَمْ يَعْرِفوا حُرْمَةً لِلْجِوا ... ر إذْ أَعظَم الجارَ قَوْمٌ نُجُبْ
كفِعْلِهِمُ قَبلَنا بالزُّبَيْر ... عَشِيَّةَ إذْ بَزُّهُ يُسْتَلَبْ
وقال جرير بن عطيّة بن الخَطفَي:
غَدَرْتمْ بالزُّبَيْرِ فما وَفَيْتمْ ... وَفاءَ الأَزدِ إذ مَنَعُوا زِيادَا
فأَصْبَحِ جارهُمْ بنجاةِ عِزٍّ ... وجارُ مُجاشعٍ أَمَسى رمادا
فلوْ عاقدتَ حَبْلَ أَبي سعيدٍ ... لذادَ القَوْمَ ما حَمَل النّجادا
وأَدْنى الخَيْلَ مِنْ رَهَجِ المنايا ... وأَغْشَاها الأَسِنّةَ والصِّعادا (١)
(٥: ١١٠/ ١١١/ ١١٢/ ١١٣).
الخرّيت بن راشد وإظهاره الخلاف على عليّ
١١٨٤ - ومما كان في هذه السنة - أعني: سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخِرّيت بن راشد في بني ناجية الخلاف على عليّ، وفراقُه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن الحارث الأزديّ، عن عمّه عبد الله بن فُقَيم، قال: جاء الخِرِّيت بن راشد إلى عليّ - وكان مع الخِرّيت ثلاثمئة رجل من بني ناجية مقيمين مع على بالكوفة، قَدِموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يومَ الجمل، وشَهِدوا معه صِفّينَ والنهروان - فجاء إلى عليّ في ثلاثين راكبًا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يَديْ عليّ، فقال له: والله يا عليّ لا أطيع أمرَك، ولا أصلّي خلفك، وإنّي غدَا لمُفارِقك! وذلك بعد تحكيم الحَكَمين، فقال له على: ثكِلتْك أمّك! إذَا تعصي ربّك، وتَنكُث عهدَك، ولا تصرّ إلا نفسك، خبِّرني لِمَ تفعل ذلك؟ ! قال: لأنك حكّمتَ في الكتاب، وضعُفتَ عن الحقّ إذ جدّ الجدّ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسَهم، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقِم، ولكم جميعًا مُبَاين، فقال له عليّ: هلمّ أدارِسْك الكتاب، وأناظِرْك في السنن، وأفاتحْك أمورًا من الحقّ أنا أعلَم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن مُنكِر، وتَستبصِر ما أنت عنه الآن جاهل. قال: فإني عائد إليك. قال: لا يستهوينّك الشيطان، ولا يستخفنّك الجهل، وواللهِ لئن استرشدْتني،
стр. 3550
واستنصحتني، وقبلتَ مني؛ لأهدينّك سبيلَ الرشاد.
فخرج من عنده منصرفًا إلى أهله، فعجِلْت في أثره مسرِعًا، وكان لي من بني عمّه صديق، فأردت أن ألقى ابنَ عمّه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أميرِ المؤمنين ومناصحته، ويخبره: أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجلِ الآخرة، فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخولَه على عليّ. قال: فوالله ما جزم شيئًا مما قال، ومما ردّ عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء! إني قد رأيت أن أفارقَ هذا الرجل، وقد فارقتُه على أن أرجعَ إليه من غد، ولا أراني إلّا مُفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيَه، فإنْ أتاك بأمير تعرفه قبلتَ منه، وإن كانت الأخرى فما أقدَرَك على فراقه، فقال لهم: فنِعم ما رأيتم. قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلتُ فقلت: أنشُدك اللهَ أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعةَ المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلًا، وأن تقتل مَنْ أرى من عشيرتك! إنّ عليّا لَعلَى الحق. قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجّته، وأنظر ما يعرض عليَّ به ويذكر، فإن رأيتُ حقًّا ورُشْدًا؛ قبلتُ، وإن رأيتُ غَيًّا وجَورًا؛ تَركتُ. قال: فخلوت بابن عمّه ذلك - قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الرّيان، وكان من رجال العرب - فقلت له: إنّ لك عليّ حقًّا لإخائك وودّك ذلك عليّ بعد حقّ المسلم على المسلم، إنّ ابنَ عمّك كان منه ما قد ذكر لك، فأجِدَّ به، فاردد عليه رأيَه، وعظّم عليه ما أتَى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته، فقال: جزاك الله خيرًا من أخ! فقد نصحتَ وأشفقتَ، إن أراد صاحبي فراقَ أمير المؤمنين فارقتُه وخالفته، وكنتُ أشدّ الناس عليه، وأنا بعدُ فإني خال به، ومشير عليه بطاعة أمير المؤمنين، ومناصحتِه، والإقامةِ معه، وفي ذلك حظّه ورشْدُه.
فقمت من عنده، وأردتُ الرُّجوعَ إلى أمير المؤمنين لأعلِمَه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعتُ إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيتُ أميرَ المؤمنين، فجلستُ عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدّثه بالذي كان من قوله لي على خَلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناسُ إلا كثرةً، فدنوت منه، فجلستُ وراءه، فأصغى إليّ بأذنيه، فخبَّرته بما سمعتُ من الخِرّيت بن -
стр. 3551
راشد، وبما قلتُ له، وبما ردّ علي، وبما كان من مقالتي لابن عمّه، وبما ردّ عليّ، فقال: دَعْه، فإن عَرَف الحقّ وأقبلَ إليه؛ عرفْنا ذلك، وقَبِلْنا منه، وإن أبى؛ طلبناه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ولمَ لا تأخذه الآن وتستوثقُ منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكلّ مَنْ نتّهمه من الناس ملأنا سجننَا منهم، ولا أراه - يعني الوثوبَ على الناس والحبس والعقوبة - حتى يُظهروا لنا الخلاف، قال: فسكتّ عنه، وتنحّيت، فجلست مع القوم.
ثم مكث ما شاء الله، ثم إنه قال: ادنُ مني؛ فدنوتُ منه، فقال لي مسرًّا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلَم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة، فأتيتُ منزلَه، فإذا ليس في منزله منهم ديّار، فدعوتُ على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب، فرجعت. فقال لي حين رآني: وطنوا فأمِنوا، أم جنبوا فظَعَنوا! فقلمت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بُعدًا لهم كما بَعِدتْ ثمود! أما لو قد أشرِعَتْ لهم الأسنّة، وصبّبَتْ على هامهم السيوف، لقد ندموا. إنّ الشيطان اليومَ قد استهواهم وأضلّهم، وهو غدًا متبرّئ منهم، ومخلٍّ عنهم.
فقام إليه زياد بن خَصَفة، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لو لم يكن من مضرّة هؤلاء إلا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدُهم فنَأسَى عليهم، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فائْذَنْ لي في اتّباعهم حتى أردّهم عليك إن شاء الله. فقال له عليّ: وهل تدري أين توجّه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرُج رحمك الله حتى تنزل ديرَ أبي موسى، ثم لا تتوجّه حتى ياتيَك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة. فإنّ عمّالي ستكتب إليّ بذلك، وإن كانوا متفرّقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمّالي فيهم. فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمّال:
أما بعد، فإنّ رجالًا خرجوا هُرّابًا ونظنّهم وجّهوا نحوَ بلاد البَصرة، فسلْ عنهم أهلَ بلادِك، واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك، واكتب إليّ بما ينتهى إليك عنهم، والسلام.
стр. 3552
فخرج زياد بن خَصَفة حتى أتى دارَه، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عَليه، ثمّ قال: أمّا بعد يا معشرَ بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندَبني لأمر من أمره مُهِمّ له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعتُه وأنصارُه، وأوثقُ حيٍّ من الأحياء في نفسه، فانتدِبوا معي الساعة، واعجلوا. قال: فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مئة وعشرون رجلًا أو ثلاثون؛ فقال: اكتفينا، لا نريد أكثرَ من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقيّة يومه ذلك ينتظر أمرَ أمير المؤمنين.
رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف، قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيم الأزديّ، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع مَعْقل بن قيس، فلما أراد الخروج؛ أقبل إلى عليّ فودّعه، فقال: يا معقِل! اتق الله ما استطعت، فإنّها وصية الله للمؤمنين، لا تَبغِ على أهل القبلة، ولا تظلم أهلَ الذّمّة، ولا تتكبّر فإن الله لا يحبّ المتكبّرين. فقال: الله المستعان! فقال له عليّ: خيرُ مستعان؛ قال: فخرج؛ وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، فقام فينا معقلُ بن قيس، فقال: يا أيّها الناس! إنا قد انتظرنا أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، وليس بحمد الله بناقِلةٌ ولا وَحْشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدوّ القليل الذّليل، فإني أرجو أن ينصركم الله، وأن يهلِكهم.
قال: فقام إليه أخي كعب بن فُقَيم، فقال: أصبتَ - أرشَدَك الله - رأيك! فوالله إني لأرجو أن يَنصرَنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا، فقال: سيروا على بَرَكة الله؛ قال: فسِرْنا ووالله ما زال معقِل لي مُكرمًا وَادًّا، ما يَعدل بي من الجند أحدًا؛ قال: ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحقّ تعزية عن الدّنيا؟ صدقت واللهِ، وأحسنت، ووُفِّقت! فوالله ما سِرْنا يومًا حتى أدركَنَا فيْج يشتدّ بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسوِلي بالمكان الذي كنت فيه مقيمًا، أو أدرَكك وقد شخصْتَ منه، فلا تبرحْ المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبتْ فيه حتى يقدم عليك بعثُنا الذي وجّهناه إليك، فإني قد بعثتُ إليك خالدَ بن معدان الطائيّ، وهو من أهل الإصلاح والدِّين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له؛ والسلام.
стр. 3553
فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحَمِد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائيّ علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلَّم عليه بالإمْرة، واجتمعا جميعًا في عسكر واحد. قال: ثم إنا خرجْنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامَهُرْمُز يريدون قَلعة بها حصينة وجاءنا أهلُ البلد فأخبرونا بذلك، فخرجْنا في آثارهم نُتبعهم، فلحقناهم وقد دنَوا من الجبل، فصففْنا لهم، ثم أقبلْنا إليهم، فجعل معقِل على ميمنته يزيدَ بن المغْفِل، وعلى ميسرته مِنجاب بن راشد الضبِّيّ من أهل البَصرة، وصَفّ الخِرّيت بن راشد الناجى مَنْ معه من العرب، فكانوا ميمنةً، وجعل أهل البلد والعُلوج ومَنْ أراد كسرَ الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسَرة. قال: وسار فينا مَعْقل بن قيس يحرّضنا ويقول لنا: عبادَ الله! لا تَعدِلوا القومَ بأبصاركم، غُضّوا الأبصار، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشِروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقة مرقتْ من الدين، وعُلوجًا منعوا الخَراج؛ وأكرادًا: انظروني فإذا حملتُ؛ فشدّوا شَدّة رجل واحد. فمرّ في الصفّ كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مرّ بالناس كلّهم أقبل حتى وقف وسط الصفّ في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع!
فحرّك رايته تحريكتين، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولَّوا، وشدَخنْا منهم سبعين عربيًّا من بني ناجية، ومن بعض من اتّبعهم من العرب، وقتلْنا نحوًا من ثلاثمئة من العُلوج والأكراد، قال كعب بن فُقَيم: ونظرتُ فيمن قُتِل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الرّيان قتيلًا، وخرج الخِزيت بن راشد وهو منهزِم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف عليّ، ويبيّن لهم فراقَه، ويخبرهم: أنّ الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقِل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى عليّ معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمتُ عليه، فكتب إليه:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، من معقِل بن قيس. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليكَ الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقِينا المارقين، وقد استظهَروا علينا بالمشركين، فقتَلْناهم قتلَ عاد وإرَم، مع أنا لم نَعْدُ فيهم سيرتَك، ولم نقتل من المارقين مدبرًا ولا أسيرًا، ولم نذفّف منهم على
стр. 3554
جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقدمتُ عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأيُ عامّتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثرَ الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يَقتلَه أو ينفيَه، فإنا لا نأمن أن يُفسد عليك الناس. قال: فردّني إليه، وكتب معي:
أمَّا بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيرًا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسَلْ عن أخي بني ناجية، فإنْ بلغك أنه قد استقرّ ببلد من البُلدان فسرْ إليه حتى تَقتلَه، أو تنفيَه، فإنه لن يزال للمسلمين عدوًّا، وللقاسِطِين وليًّا، ما بقي؛ والسلام عليك.
فسأل معقل عن مستقرّه، والمكان الذي انتهَى إليه، فنبِّئَ بمكانه بالأسياف، وأنَّه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ، وأفسدَ مَنْ قِبَله منِ عبد القيس ومَن والاهم من سائر العرب، وكان قومُه قد منعوا الصَّدَقة عام صِفين، ومنعوها في ذلك العام أيضًا، فكان عليهم عِقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارسَ حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره إليه أقبل على مَنْ كان معه من أصحابه ممن يَرَى رأيَ الخوارج، فأسرَّ لهم: إني أرى رأيَكم، فإن عليًّا لن ينبغي له أن يُحكّم الرجالَ في أمر الله، وقال للآخرين مندّدًا لهم: إنّ عليًّا حَكم حَكَمًا، ورَضِيَ به، فَخلَعه حكَمُه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيتُ أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. وقال سرًّا من يرى رأيَ عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قُتل عثمان مظلومًا، فأرضى كلّ صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال من منع الصدقة: شدّوا أيديَكم على صدقاتكم، وصِلُوا بها أرحامَكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلمّا اختلف الناس بينهم؛ قالوا: والله لَدينُنا الذي خرجْنا منه خيرٌ وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه؛ ما ينهاهم دينهُم عن سفك الدماء، وإخافةِ السبيل، وأخذ الأموال. فرجعوا إلى دينهم، فلقيَ الخِرّيت أولئك، فقال لهم: وَيْحكم! أتدرون حُكمَ عليّ فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته؟ لا والله ما يسمع لهم قولًا، ولا يرى لهم عذرًا، ولا يقبل
стр. 3555
منهم توبة ولا يدعوهم إليها، وإنّ حكمه فيهم لضربُ العنق ساعةَ يستمكِن منهم.
فما زال حتى جمعهم، وخدَعَهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناسٌ كثير.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مِخْنف: وحدّثني الحارث بن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابًا من عليّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عليٍّ أميرِ المؤمنين إلى من يُقْرَأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنّصارى والمرتدِّين. سلامٌ عليكم وعلى من اتّبع الهدى وآمَن بالله ورسوله وكتابه والبعثِ بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين، أمّا بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، والعملِ بالحقّ، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكفّ يَده واعتَزَل هذا الهالكَ الحاربَ الذي جاء يحارب الله ورسولَه والمسلمين، وسعَى في الأرض فسادًا، فله الأمان على ماله ودمه، ومَن تابَعَه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنّا بالله عليه، وجعلْنا اللهَ بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرًا!
وأخرج معقل رايةَ أمانٍ فنصَبَها، وقال: مَن أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخِرّيت وأصحابه الذين حاربونا وبدؤونا أوَل مرّة، فتفرّق عن الخِرّيت جُلّ مَن كان معه من غير قومه، وعبّأ معقِل بن قيس أصحابَه، فجعل على ميمنته يزيد بن المُغْفِل الأزديّ، وعلى ميسرته المِنْجاب بن راشد الضبيّ، ثم زحف بهم نحو الخِرّيت، وحضر معه قومُه مسلموهم ونصاراهم ومانعةُ الصدقة منهم (١).
(٥: ١١٣/ ١١٤/ ١١٥/ ١١٦ تكملة ١٢٢/ ١٢٣/ ١٢٤/ ١٢٥ تكملة ١٢٦/ ١٢٧).
١١٨٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الصَّلْت الأعوَر التيميّ عن أبي سعيد العُقَيليّ، عن عبد الله بن وأل التيميّ، قال: والله إني لَعندَ أمير المؤمنين إذ جاءه فَيْج، كتابٌ بيديْه، من قِبَل قَرَظة بن كعب الأنصاريّ:
стр. 3556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمّا بعد: فإنّي أخبر أميرَ المؤمنين: أنّ خيلًا مزت بنا من قِبَل الكوفة متوجِّهةً نحوَ نِفّر، وإنّ رجلًا من دَهاقِين أسفل الفرات قد صلّى، يقال له: زاذان فرّوخ، أقبل من قبَل أخواله بناحية نِفّر، فَعَرضوا له، فقالوا: أمسلِم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولُك في عليّ؛ قال: أقول فيه خيرًا، أقول: إنه أميرُ المؤمنين، وسيّد البَشَر، فقالوا له: كفرت يا عدوّ الله! ثم حَملتْ عليه عصابةٌ منهم فقطّعوه، ووجدوا معه رجلًا من أهل الذمّة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذّمة، قالوا: أمّا هذا فلا سبيلَ عليه، فاقبل علينا ذلك الذّميّ فأخبرَنَا هذا الخبر، وقد سألتُ عنهم فلم يخبرْني أحدٌ عنهم بشيء، فليكتب إليّ أميرُ المؤمنين برأيه فيهم أنْتَهِ إليه. والسّلام.
فكتب إليه:
أما بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ من العصابة التي مرّت بك، فقتلت البَرَّ المُسلِم، وأمِن عندهم المخالِف الكافرِ، وإنّ أولئك قوم استهواهم الشيطان، فضَلّوا، وكانوا كالذين حسبوا ألّا تكون فتنةٌ، فعَموا، وصَمُّوا، فأسمِع بهم وأبصِر يوم تُخبَر أعمالهم. والزم عملَك، وأقبِل على خَراجِك؛ فإنك كما ذكرتَ في طاعتك ونصيحتك؛ والسلام (١). (٥: ١١٧).
١١٨٦ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور التيْميّ عن أبي سعيد العُقَيْليّ، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب عليٌّ ﵇ معي كتابًا إلى زياد بن خَصَفة؛ وأنا يومئذ شابّ حَدَث:
أما بعد: فإنّي كنت أمرتك أن تنزل ديرَ أبي موسى حتى يأتيَك أمري، وذلك لأنّي لم أكن علمت إلى أيّ وجه توجّه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها: نِفّر، فاتّبع آثارَهم، وسلْ عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلًا من أهل السواد مصلّيًا، فإذا أنت لحقتَهم؛ فارددْهم إليّ، فإن أبوْا؛ فناجِزْهم، واستعِن بالله
стр. 3557
عليهم، فإنهم قد فارقوا الحقّ، وسَفَكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل! والسلام.
قال: فأخذتُ الكتاب منه، فمضيتُ به غيرَ بعيد، ثم رجعتُ به، فقلت: يا أميرَ المؤمنين! ألا أمضي مع زياد بن خَصَفة إذا دفعتُ إليه كتابك إلى عدوّك؟ فقال: يا بنَ أخي! افعل، فوالله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين! فقلت له: أنا والله يا أميرَ المؤمنين كذلك، ومن أولئك، وإنا حيث تحبّ!
قال ابن وأل: فوالله ما أحبّ أنّ لي بمقالة علي تلك حُمْر النَعَم.
قال: ثمّ مضيت إلى زياد بن خَصَفة بكتاب عليٍّ؛ وأنا على فرس لي رائع كريم، وعليَّ السلاح، فقال لي زياد: يا بن أخي! والله مالي عنك من غَناء! وإنّي لأحبّ أن تكون معي في وجهي هذا؛ فقلت له: قد استأذنتُ في ذلك أميرَ المؤمنين فأذِن لي، فسرّ بذلك.
قال: ثمّ خرجنا حتى أتينا نِفّر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جَرْجَرايا، فاتّبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذار، فلحقناهم؛ وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يومًا وليلة، وقد استراحوا، وأعلفوا؛ وهم جامّون، فأتيناهم؛ وقد تقطّعنا، ولَغِبنا، وشَقِينا، ونَصِبنا، فلما رأونا؛ وثبوا على خيولهم فاستوَوْا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقَفْناهم، ونادانا صاحبهم الخِرّيتُ بن راشد: يا عميانَ القلوب والأبصار! أمع اللهِ أنتم وكتابه وسنّة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خَصَفة: بل نحن مع الله ومَنِ اللهُ وكتابه ورسوله آثرُ عندَه ثوابا من الدّنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيّها العُمْي الأبصار، الصُّمُّ القلوب، والأسماع! فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجرّبًا رفيقًا: قد ترى ما بنا من اللُّغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يُصلِحه الكلامُ علانيةً على رؤوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرَنا هذا جميعًا وننظر، فإن رأيتَ ما جئناك فيه حظًّا لنفسك قبلتَه، وإن رأيتَ فيما أسمعه منك أمرًا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردُدْه عليك. قال: فانزل بنا، قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء؛ قال: فأقبلْنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلْنا فتفرّقنا، ثم تحلّقنا من عشرة وتسعة
стр. 3558
وثمانية وسبعة، يضعون طعامَهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء، فيشربون. وقال لنا زياد: علّقوا على خيولكم، فعلّقنا عليها مَخاليَها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحَّوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرّقنا وتحلُّقَنا قال: سُبحان الله، أنتم أهلُ حرب؟ ! والله لو أن هؤلاء جاؤوكم الساعةَ على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها. اعجَلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعْنا، فتحشحشنا فمنا من يتنفض، ثم يتوضّأ، ومنّا من يشرب، ومنا من يسقي فرسَه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله؛ أتانا زياد؛ وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتيْن أو ثلاثًا، وأتى بأداوة فيها ماءٌ، فشرب منه، ثم ألقى العَرْق من يده، ثم قال: يا هؤلاء! إنا قد لقينا القومَ، ووالله إن عدّتكم كعدّتهم، ولقد حَزرْتكم وإيّاهم، فما أظنّ أحدَ الفريقين يزيدُ على الآخر بخمسة نفر، وإنّي والله ما أرى أمرَهم وأمرَكم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصيِّر بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجزَ الفريقين. ثم قال لنا: ليأخذْ كلّ امرئ منكم بعنان فرسِه حتى أدنوَ منهم، وادعوا إليّ صاحبَهم فأكلّمه، فإن بايعَني على ما أريد؛ وإلا فإذا دعوتكم؛ فاستَوُوا على متون الخيل، ثم أقبِلوا إليَّ معًا غيرَ متفرِّقين.
قال: فاستقدم أمامنا؛ وأنا معه، فأسمع رجلًا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالُّون معيُون، وأنت جامُّون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوءُ الرأي! والله لا يرجع الأمرُ بكم وبهمْ إلا إلى القتال، فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خَصفة صاحبهم، فقال: اعتزل بنا فلننظرْ في أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إليّ زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاهم في عدّتهم؛ فقال لي: اُدع مَن أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثًا، فكّنا خمسةً وخمسةً، فقال له زياد: ما الذي نقصْتَ على أمير المؤمنين وعلينا؛ إذ فارقْتَنا؟ فقال: لم أرضَ صاحبكم إمامًا، ولم أرضَ سيرتَكم سيرة، فرأيتُ أن أعتزِل وأكونَ مع مَن يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناسُ على رجل لجميع الأمة رضًا كنت مع الناس، فقال له زياد: وَيْحك! وهل يجتمع الناسُ على رجل منهم يداني صاحبَك الذي فارقته علمًا بالله، وبسُنن الله وكتابه، مع قرابته من الرّسول ﷺ وسابقته في الإسلام!
стр. 3559
فقال له: ذلك ما أقول لك، فقال له زياد: ففيم قتلتَ ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلتُه، إنما قتلتْه طائفةٌ من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا؛ قال: ما إلى ذلك سبيل؛ قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع! قال: فدعَوْنا أصحابَنا، ودعا أصحابه، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالًا مثلَه منذ خلقني ربّي، قال: اطّعنّا والله بالرماح حتى لم يبقَ في أيدينا رُمح! ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنتْ وعقِر عامّه خيلِنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقُتل منّا رجلان: مولَى زياد كانت معه رايتُه يدعى سُوَيدًا، ورجل من الأبناء يدعَى وافد بن بكر، وصرَعْنا منهم خمسةً، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرِهناهم، وقد جرح زياد، وجرحت.
قال: ثمّ إنّ القوم تنحّوا، وبتْنا في جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم إنهم ذهبوا، واتّبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلَغَنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مئتين كانوا معهم يالكوفة، ولى يكن لهم من القوّة ما يُنهضهم معهم حتى نهضوا، فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم، وكتب زياد بن خَصَفة إلى علي:
أمّا بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجيّ بالمذار، فدعَوْناهم إلى الهدى والحقّ وإلى كلمة السَّواء، فلم ينزلوا على الحقّ، وأخذتْهم العزّة بالإثم، وزَيّن لهم الشيطان أعمالَهم فصدّهم عن السبيل، فقَصَدوا لنا، وصَمدْنا صمدَهم، فاقتتلْنا قتالًا شديدًا ما بين قائم الظَّهيرةِ إلى دُلُوك الشمس، فاستشهِد منّا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسةُ نفر، وخلّوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إنّ القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكّبين إلى أرض الأهواز، فبلَغَنا أنهم نزلوا منها جانبًا ونَحن بالبصرة نُداوِي جراحَنا، ونَنتظر أمرَك رحمك الله؛ والسّلام عليك.
فلما أتيتُه بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال: أصلَحك الله يا أميرَ المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كلّ رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لَحِقوهم استأصَلوهم وقطعوا دابرَهم، فأمّا أن يلقاهم أعدادُهم فلعَمري ليصبرُنَّ لهم، هم قومٌ عرب، والعدّة تصبر للعدّة، وتنتصف منها، فقال: تجهّز يا معقلَ بنَ قيس إليهم، وندب معه ألفين من أهل
стр. 3560
الكُوفة منهم يزيد بن المغفّل الأزديّ، وكتب إلى ابن عباس:
أما بعد، فابعث رجلًا من قِبَلك صليبًا شجاعًا معروفًا بالصّلاح في ألفي رجل، فليتبع معقِلًا، فإذا مرّ ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقِلًا، فإذا لقي معقلًا فمعقلٌ أميرُ الفريقين، وليسمع من معقل وليُطِعه، ولا يخالفه، ومُر زيادَ بن خَصَفة فليُقبل، فنعم المرءُ زياد، ونعم القبيل قبيله (١)! (٥: ١١٧/ ١١٨/ ١١٩/ ١٢٠/ ١٢١).
١١٨٧ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصَّلت الأعور عن أبي سعيد العُقيليّ، قال: كتب عليّ إلى زياد بن خَصَفة:
أما بعد: فقد بلغني كتابك، وفهمتُ ما ذكرت من أمر الناجيّ وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم فهم يعمَهون، وَيحسبون أنهم يُحسنون صُنْعًا، ووصفتَ ما بلغ بك وبهم الأمر، فأمّا أنت وأصحابك فللَّه سعيُكم، وعلى الله تعالى جَزاؤكم! فأبشر بثواب الله خيرٌ من الدنيا التي يقتل الجهّال أنفسَهم عليها، فإنّ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. وأما عدوّكم الذين لقيِتموهم فحسْبهم بخروجهم من الهدى إلى الضّلال، وارتكابهم فيه، وردّهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ودَعْهم في طغيانهم يَعمَهون، فتسمّع وتبصّر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل. أقبِل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء؛ والسلام.
ونزل الناجيّ جانبًا من الأهواز، واجتمع إليه عُلوجٌ من أهلها كثير أرادوا كسر الخَراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب تَرَى رأيَه (٢). (٥: ١٢١/ ١٢٢).
١١٨٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عليِّ بن مجاهد، قال: قال الشعبيّ: لما قتل عليٌّ ﵇ أهلَ النّهروان، خالَفَه قوم كثير،
стр. 3561
وانتقضت عليه أطرافه، وخالَفَه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرميّ البصرة، وانتقض أهلُ الأهواز، وطَمِع أهلُ الخراج في كسرِه، ثم أخرجوا سهل بن حُنَيف من فارس، وكان عامل عليٍّ عليها، فقال ابن عبّاس لعلي: أكفيك فارسَ بزياد، فأمره عليٌّ أن يوجّهه إليها، فقدِم ابن عباس البَصرةَ، ووجّهه إلى فارسَ في جمع كثير، فوطئ بهم أهل فارس، فأدَّوا الخراج (١). (٥: ١٢٢).
١١٨٩ - فحدّثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحرّ، عن عمار الدّهنيّ، قال: حدّثني أَبو الطُّفَيل، قال: كنت في الجيش الذي بعثهم عليّ بن أبي طالب إلى بني نَاجِية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاثِ فِرَق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ نصارى، لم نر دينًا أفضلَ من ديننا، فثبتْنا عليه، فقال لهم: اعتزِلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنّا نصارى، فأسلَمْنا، فثبتْنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزِلوا؛ ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ كنّا نصارى، فأسلمنَا، فلم نَرَ دينًا هو أفضلُ من ديننا الأوّل؛ فقال لهم: أسلِموا. فأبَوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحتُ رأسي ثلاثَ مرّات؛ فشدّوا عليهم، فاقتلوا المُقاتِلة، واسبُوا الذّرّية، فجيء بالذرّية إلى عليّ، فجاء مَصقَلة بن هُبيرة، فاشتراهم بمئتي ألف، فجاء بمئةِ ألف فلم يقبلها عليّ، فانطلق بالدراهم، وعمَد إليهم مصقلة فاعتقَهم ولحق بمعاوية، فقيل لعليّ: ألا تأخذ الذرّية؟ فقال: لا، فلم يَعرِض لهم (٢). (٥: ١٢٥/ ١٢٦).
١١٩٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن أبي الصّديق النّاجيّ: أن الخِرّيت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمَكم، وقاتِلوا عن نسائكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم؛ ليقتلُنّكم، وليسبُنّكم.
فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جَنتْه علينا يَداك ولسانُك، فقال: قاتِلوا
стр. 3562
لله أنتم! سَبَق السيفُ العَذَل، إيهًا والله لقد أصابت قومي داهيه" (١)! (٥: ١٢٧).
١١٩١ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيْم، قال: سار فينا معقِل فحرّض الناسَ فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيُّها الناس المسلمون! ما تزيدون أفضلَ مما سِيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم؛ إنّ الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدّوا عن الإسلامِ، ونَكَثوا البيعة ظُلمًا وعدوانًا، فأشهد من قُتل منكم بالجنة، ومَنْ عاش فإن الله مُقِرّ عينَه بالفتح والغنيمة! ففعل ذلك حتى مرّ بالناس كلِّهم، ثم إنه جاء حتى وقف في القلْب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة: أنِ احملْ عليهم، فَحمَل عليهم، فثبَتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم إنه انصرف حتى وقف موقِفه الذي كان به في الميمنة، ثم إنه بعث إلى مِنْجاب بن راشد الضّبيّ وهو في الميسرة، ثم إنّ مِنجابًا حَمَل عليهم، فثَبَتُوا، وقاتَلوا قتالًا شديدًا طويلًا، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلًا بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملتُ؛ فاحملوا بأجمعكم، فحرّك رايتَه وهَزّها، ثم إنه حمل وحمل أصحابُه جميعًا، فصبروا ساعةً لهم، ثم إنّ النعمان بن صُهْبان الراسبيّ من جَزم بصُرَ بالخِرّيت بن راشد فحَمَل عليه، فطَعَنه فصرعه عن دابّته، ثم نزل وقد جَرَحه فأثْخنه، فاختَلَفا ضربتين، فقتله النعمان بن صُهْبان، وقُتِل معه في المعركة سبعون ومئة، وذهبوا يمينًا وشمالًا، وبعث معقل بن قيس الخيلَ إلى رحالهم، فسبَى مَن أدرك منهم، فسبى رجالًا كثيرًا ونساءً وصبيانًا، ثم نظر فيهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فخلّاه، وأخذ بيعته، وترك له عيالَه، وأما من كان ارتدّ فعرض عليه الإسلام، فرجعوا، وخلّى سبيلهم، وسبيلَ عيالهم إلّا شيخًا منهم نصرانيًّا يقال له: الرُّمَاحس بن منصور؛ قال: والله ما زَللْتُ منذ عقلتُ إلا في خروجي من ديني، دينِ الصّدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع دِيني، ولا أقرب دينكم ما حييت! فقدّمه فضَرَب عنقَه، وجمع معقل الناسَ، فقال: أدُّوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة، فأخذ من المسلمين عِقالَين، وعمَد إلى النصارى، وعيالِهم فاحتملهم مقبلًا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيّعونهم، فأمر معقل بردّهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجالُ والنساء بعضهم إلى
стр. 3563
بعض. قال: فأشهد أنّي رحمتُهم رحمةً ما رحمتُها أحدًا قبلَهم ولا بعدَهم.
قال: وكتب معقل بن قيس إلى عليّ: أما بعد، فإنِّي أخبر أميرَ المؤمنين عن جُنْده وعدوّه؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائلَ ذات عِدّة، وحِدّة، وجِدّ، وقد جُمعت لنا، وتحزّبتْ علينا، فدعَوْناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حُكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتابَ أمير المؤمنين، ورفعنا لهم رايةَ أمان، فمالَتْ إلينا منهم طائفة، وبقيتْ طائفة أخرى مُنابِذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصَمدْنا للتي أدبرتْ، فضرب الله وجوهَهم، ونُصِرنا عليهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فإنا مننّا عليه، وأخذنا بيعتَه لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتدّ؛ فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام، وإلا؛ قتلناه، فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه، وأما النصارى، فإنا سبيْناهم، وقد أقبلْنا بهم ليكونوا نكالًا من بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهلِ القبلة، وهم أهل الصّغار والذلّ، رحمك الله يا أميرَ المؤمنين، وأوجَبَ لك جنّات النعيم! والسلام عليك.
ثم أقبل بهم حتى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ، وهو عاملُ عليّ على أردَشِير خُرّه، وهم خمسمئة إنسان، فبكى النساء والصبيانُ، وصاحَ الرجال: يا أبا الفضل، يا حاميَ الرجال، وفَكّاك العُناة، امنن علينا فاشترِنا، وأعتِقنا! فقال مصقَلة: أقسم بالله لأتصدّقنَ عليهم، إنّ الله يَجزِي المتصدّقين! فبُلِّغها عنه معقِل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجُّعًا لهم، وزراءً عليكم؛ لضربتُ عنقَه، ولو كان في ذلك تفانِي تميم وبكْر بن وائل! ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذّهليّ إلى معقِل بن قيس فقال له: بِعني بني ناجية. فقال: نعم، أبيعك بألف ألف، ودفَعَهم إليه، وقال له: عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر، ثم أبعثُ بصدر آخر كذلك، حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى. وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنتَ وأصبتَ، وانتظَرَ عليٌّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ عليًّا: أنّ مصقلة خلَّى سبيلَ الأسارى ولم يسألهم أن يُعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظنّ مصقلة إلا قد تحمّل حَمالةً؛ ألا أراكم سترَوْنه عن قريب ملبّدًا، ثم إنه كتب إليه: أمّا بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانة
стр. 3564
الأمة، وأعظم الغِشّ على أهل المصر غشّ الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمئة ألف، فابعث بها إليّ ساعةَ يأتيك رسولي، وإلا فاقبِل حين تنظرُ في كتابي، فإني قد تقدّمت إلى رسولي إليك ألّا يَدَعَك أن تقيمَ ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال! والسلام عليك.
وكان الرسول أبو جُرّة الحنفيّ، فقال له أبو جُرّة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشْخَصْ إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه؛ أقبل حتى نزل البَصرة، فمكث بها أيامًا، ثم إنّ ابن عباس سأله المال، وكان عمّال البصرة يحملون من كُوَر البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابنُ عباس هو الذي يبعث به إلى عليّ؛ فقال له: نعم، أنظِرني أيامًا، ثم أقبل حتى أتى عليًّا فأقرّه أيامًا، ثم سأله المال، فأدّى إليه مئتي ألف، ثم إنه عجز فلم تقدِر عليه (١). (٥: ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩).
١١٩٢ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور عن ذُهل بن الحارث، قال: دعاني مَصْقلة إلى رَحْلِه، فقُدّم عشاؤه، فطَعِمْنا منه، ثم قال: والله إن أميرَ المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدِر عليه! فقلت: والله لو شئتَ ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميعَ المال؛ فقال: والله ما كنت لأحمّلهَا قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال: أما والله لو أن ابنَ هند هو طالبني بها، أو ابن عفان لتركها لي؛ ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعَم الأشعثَ من خراج أذْرَبيجان مئة ألف في كلّ سنة! فقلت له: إنّ هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئًا كنتَ أخذته، فسكت ساعةً، وسكت عنه، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. وبلغ ذلك عليًّا، فقال: ماله برّحه اللهَ؛ فعَل فِعلَ السيِّد، وفرّ فِرارَ العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدْنا له شيئًا أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه. ثم سار إلى داره فنقضها وهدّمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعتًا، ولعليٍّ مناصحًا، فكتب إليه مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بني تَغلِب يقال له حُلْوان:
أما بعد: فإني كلّمتُ معاويةَ فيك، فوعَدَك الإمارة، ومنّاك الكرامة، فأقبِل إليَّ ساعةَ يلقاك رسولي إن شاء الله؛ والسلام.
стр. 3565
فأخذه مالك بن كعب الأرحبيّ، فسرّح به إلى عليّ، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يَد النصرانيّ، فمات، وكتب نُعيم إلى أخيه مَصْقَلة:
لا ترْمِيَنَّ هَداكَ اللهُ مُعْتَرِضًا ... بالظَّنِّ مِنْك فما بالي وحُلوانا!
ذاك الحَريصُ على ما نالَ مِن طَمَع ... وهْوَ البَعيدُ فلا يُحْزِنْكَ إذْ خانا
ماذا أَردْتَ إلى إرْسالِهِ سَفَهًا ... ترْجو سِقَاطَ امْرِئٍ لمْ يُلْفَ وَسْنانا
عَرَّضْتَهُ لِعَليٍّ إنَّهُ أَسَدٌ ... يمشي العِرَضْنَةَ مِنْ آسادِ خَفّانا
قد كنْتَ في مَنْظَرٍ عن ذا ومُسْتَمَعٍ ... تحْمِي العراقَ وتُدْعى خَيْرَ شيْبانا
حَتَّى تَقَحَّمْتَ أَمْرًا كنْتَ تَكْرَهُهُ ... للرّاكبين لَهُ سِرًّا وإِعلانا
لو كنْتَ أَدَّيْتَ ما للقَوْم مُصْطَبِرًا ... للْحَقِّ أَحْييْتَ أَحيانَا ومَوْتانا
لكن لَحِقْتَ بأَهْلِ الشأمِ مُلتمِسًا ... فضل ابن هِنْدٍ وذاك الرأيُ أَشجانا
فاليَوْمَ تَقْرَعُ سِنَّ الغُرْمِ من ندَمٍ ... ماذا تَقولُ وقَدْ كان الذي كانا!
أَصْبحْتَ تُبْغِضكَ الأَحياءُ قاطِبةً ... لم يَرْفَع اللهُ بالبَغْضاء إنسانا
فلما وَقَع الكتاب إليه عَلِم: أنّ رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيّون إلا قليلًا حتى بلغهم هلاكُ صاحبهم حُلوان، فأتوا مصقلةَ فقالوا: إنك بعثتَ صاحبَنا فأهْلَكتَه، فإما أن تُحييَه وإما أن تَدِيَه، فقال: أمّا أن أحِييَه فلا أستطيع، ولكنّي سأدِيه؛ فوَداه (١). (٥: ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١).
١١٩٣ - قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندَب، قال: حدّثني أبي، قال: لما بلِغ عليًّا مصابُ بني ناجية، وقتلَ صاحبهم، قال: هوتْ أمّه! ما كان أنقَصَ عقله، وأجرَأه على ربّه! فإنّ جائيًا جاءني مرّة، فقال لي: في أصحابك رجالٌ قد خشيتُ أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له: إنّي لا آخذ على التّهمة، ولا أعاقب على الظنّ، ولا أقاتل إلا من خالفَني، وناصَبَني، وأظهر لي العداوة، ولست مُقاتِلَه حتى أدعوَه وأعذرَ إليه، فإن تاب ورجع إلينا؛ قبلْنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزامَ على حربنا، استعنّا عليه اللهَ، وناجَزْناه. فكفّ عني ما شاء الله. ثم جاءني مرّة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يَفسد عليك عبدُ الله بنُ وهب الراسبيّ وزيدُ بن حصين، إني سمعتُهما يَذكرانك
стр. 3566
بأشياء لو سمعتَها؛ لم تُفارِقْهما عليها حتى تقتلهما، أو توبِقهما، فلا تفارقْهما من حبسِك أبدًا، فقلت: إنّي مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإنّي آمرك أن تدعوَ بهما، فتضربَ رِقابهما. فعلمت: أنه لَا ورعٌ ولا عاقل، فقلت: واللهِ ما أظنّك وَرِعًا ولا عاقِلًا نافعًا، واللهِ لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلَهم أن تقول: اتّق اللهِ، لِم تستحلّ قتلَهم ولم يقتلوا أحدًا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك (١)! (٥: ١٣١/ ١٣٢).
واختُلف في عامله على خُراسان فقيل: كان خليد بن قرّة اليربوعيّ، وقيل: كان ابن أبزَى؛ وأما الشأم ومصرَ فإنه كان بهما معاوية وعمّاله (٢). (٥: ١٣٢).
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من الأحداث المذكورة:
تفريق معاوية جيوشه في أطراف عليّ
١١٩٤ - فوجّه النعمانَ بن بشير - فيما ذكر علي بن محمد بن عوانة - في ألفي رجل إلى عين التّمْر، وبها مالك بن كعب مَسلَحةً لعليّ في ألف رجل، فأذن لهم، فأتَوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبق معه إلّا مئة رجل، فكتب مالًا إلى عليّ يخبرُه بأمرِ النعمان ومن معه، فخطب عليّ النَّاس، وأمَرَهم بالخُروج، فتثاقلُوا، وواقع مالك النعمان، والنّعمان في ألفيْ رجل ومالك في مئة رجل، وأمر مالك أصحابَه أن يجعلوا جَدْرَ القرية في ظهورهم، واقتتلوا وكتب إلى مخْنف بن سُلَيْم يسأله أن يُمدّه وهو قريب منه، فقاتلهم مالك بن كعب في العصابة التي معه كأشدّ القتال، ووجّه إليه مخنَف ابنَه عبد الرحمن في خمسين رجلًا، فانتهوْا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفونَ سيوفهم، واستقتَلوا،
стр. 3567
فلما رآهم أهلُ الشأم وذلك عند المساء، ظنّوا: أنّ لهم مددًا، وانهزموا، وتبِعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، ومضوْا على وجوههم.
رجع الحديث إلى حديث عوانة، قال: ووجّه معاوية في هذه السنة سُفيانَ بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتيَ هِيت، فيقطعها، وأن يُغيرَ عليها، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقعَ بأهلها، فسار حتى أتى هِيت فلم يَجِد بها أحدًا، ثم أتى الأنبارَ وبها مَسلَحة لعليّ تكون خمسمئة رجل، وقد تفرّقوا فلم يبقَ منهم إلا مئة رجل، فقاتَلَهم، فصبر لهم أصحابُ عليّ مع قلّتهم، ثم حملت عليهم الخيلُ والرَّجالة، فقتلوا صاحبَ المسلحة، وهو أشرَس بن حسّان البكرِيّ في ثلاثين رجلًا، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموالِ أهلها، ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليًّا، فخرج حتى أتى النُّخَيلة، فقال له الناس: نحن نكفيك! قال: ما تكفونني ولا أنفسكم. وسرّح سعيد بن قيس في أثر القوم، فخرج في طلبهم حتى جاز هِيت، فلم يلحقهم فرجع.
قال: وفيها وجّه معاوية أيضًا عبدَ الله بن مسعدة الفَزَاريّ في ألف وسبعمئة رجل إلى تَيْماء، وأمره أن يُصَدِّق مَن مرّ به من أهل البوادي، وأن يقتل مَن امتنع من عطائه صدقة ماله، ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز، يفعل ذلك، واجتمع إليه بشرٌ كثير من قومه، فلما بلغ ذلك عليًّا وجه المسيَّب بن نَجبَة الفَزَاريّ؛ فسار حتى لحق ابن مسعدة بتَيْماء، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالًا شديدًا، وحمل المسيَّب على ابن مسعدة فضربه ثلاثَ ضَرَبات، كلّ ذلك لا يلتمس قتله، ويقول له: النَّجاء النَّجاء! فدخل ابن مسعدة وعامة مَن معه الحصن، وهرَب الباقون نحو الشأم، وانتهب الأعراب إبلَ الصّدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحَصَره ومَن كان معه المسيَّب ثلاثة أيام، ثم ألقَى الحطَب على الباب، وألقى النيرانَ فيه، حتى احترق، فلما أحسوا بالهلاك؛ أشرَفوا على المسيّب، فقالوا: يا مسيّب، قومك! فرقّ لهم، وكرِه هلاكَهم، فأمر بالنار فأطفئتْ، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيون فأخبرُوني: أنَّ جندًا قد أقبل إليكم من الشأم، فانضمّوا في مكان واحد، فخرج ابنُ مسعدة في أصحابه ليلًا حتى لحقوا بالشأم، فقال له عبد الرحمن بن شبيب: سِرْ بنا في طلبِهم، فأبى ذلك عليه، فقال له: غششتَ أميرَ المؤمنين وداهنتَ في أمرهم.
стр. 3568
وفيها أيضًا وجّه معاويةُ الضحّاك بنَ قيس، وأمره أن يمرّ بأسفل واقِصة، وأن يُغير على كلّ مَن مرّ به ممن هو في طاعة عليّ من الأعراب، ووَجّه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار، فأخذ أموالَ الناس، وقتل من لقيَ من الأعراب، ومرّ بالثّعلبيّة، فأغار على مسالح عليّ، وأخذ أمتِعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القُطْقُطانة، فأتى عَمرو بن عميس بن مسعود - وكان في خيل لعليّ وأمامه أهله، وهو يريد الحجّ - فأغار على من كان معه، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك عليًّا؛ سرّح حُجْر بن عديّ الكنديّ في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضَّحَّاك بتَدْمُر فقتل منهم تسعةَ عشرَ رجلًا، وقتِل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حُجْر ومن معه.
وفيها سار معاوية بنفسه إلى دِجْلة حتى شارَفَها، ثم نكص راجعًا، ذكر ذلك ابن سعد عن محمد بن عمر، قال: حدّثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة قال: لما كانت سنة تسع وثلاثين أشرَف عليها معاوية (١). (٥: ١٣٣/ تكملة ١٣٤/ ١٣٥/ ١٣٦).
١١٩٥ - حدّثني عبدُ الله بن أحمدَ بن شبّوَيه المروزيّ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني سليمان عن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن أبى معاوية عن عمرو بن حسّان، عن شيخ من بني فَزارة، قال: بعث معاوية النعمانُ بن بشير في ألفين، فأتوا عينَ التَمْر، فأغاروا عليها، وبها عامل لعليّ يقال له ابن فلان الأرحبيّ في ثلاثمئة، فكتب إلى عليّ يستمِدّه، فأمر الناسَ أن ينهضوا إليه، فتثاقلوا، فصعِد المنبر، فانتهيت إليه؛ وقد سبَقَني بالتشهّد وهو يقول:
يا أهلَ الكُوفة! كلَّما سمعتم بمِنسر من مناسر أهل الشأم أظلّكم وأغلقَ بابَه؛ انجَحَر كلّ امرئ منكم في بيته انجحارَ الضبّ في جُحْره، والضّبع في وِجارِها؛ المغرورُ من غررتموه، ولمَنْ فازَ بكم فاز بالسهم الأخيَب. لا أحرارٌ عند النداء، ولا إخوانُ ثقة عند النجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا مُنِيتُ به منكم! عميٌّ لا تُبصِرون، وبُكْمٌ لا تنطقون، وصُمّ لا تَستَمعون إنا لله وإنا إليه راجعون (٢)! . (٥: ١٣٣/ ١٣٤).
стр. 3569
١١٩٦ - وحدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر مثله (١). (٥: ١٣٦).
١١٩٧ - واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بالناس فيها عبيد الله بن عبّاس من قبَل عليّ، وقال بعضُهم: حجّ بهم عبد الله بن عباس؛ فحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة، قال: يقال: إنّ عليًّا وجّه ابنَ عباس ليشهد الموسم، ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرّهاويّ.
قال: وزعم أبو الحسن: أن ذلك باطل، وأن ابنَ عباس لم يشهد المَوْسم في عمل حتى قُتِل عليّ ﵇؛ قال: والذي نازعه يزيد بن شجرة قُثَم بن العباس، حتى إنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان، فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين (٢). (٥: ١٣٦).
١١٩٨ - وكالذي حكيت عن أبي زيد عن أبي الحسن، قال أبو معشر في ذلك: حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه (٣). (٥: ١٣٦).
وقال الواقديّ: بعث عليّ على الموسم في سنة تسع وثلاثين عُبيد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيدَ بن شجرة الرهاويّ ليقيمَ للناس الحِجّ، فلما اجتمعا بمكّة تَنازَعا، وأبَى كلُّ واحد منهما أن يسلّم لصاحبه، فاصطَلحا على شيبة بن عثمانَ بن أبي طلحة.
وكانت عمّال عليٌّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرْنا أنهم كانوا عمّالَه في سنة ثمان وثلاثين غير ابن عباس، كان شَخَصَ في هذه السنة عن عمله بالبَصرة، واستخلف زيادًا - الذي كان يقال له: زياد بنُ أبيه - على الخرَاج، وأبا الأسوَد الدُّؤَليّ على القضاء (٤). (٥: ١٣٦).
стр. 3570
ذكر توجيه ابن عباس زيادًا إلى فارس وكرمان
وفي هذه السنة وجّه ابنُ عباس زيادًا عن أمر عليّ إلى فارسَ وكِرْمان عند منصرَفه من عند عليّ من الكُوفة إلى البَصرة.
ذكر سبب توجيهه إياه إلى فارس:
١١٩٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ؛ قال: لما قتل ابن الحضْرميّ، واختلف الناسُ على عليّ؛ طَمِع أهلُ فارسَ، وأهلُ كَرمانَ في كسْر الخراج، فغلب أهلُ كل ناحية على ما يليهم، وأخرجوا عمّالَهم (١). (٥: ١٣٧).
١٢٠٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو القاسم عن سَلَمة بن عثمان، عن عليّ بن كثير: أنّ عليًّا استشار الناسَ في رجُل يولّيه فارسَ حين امتنعوا من أداء الخراج، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلّك يا أميرَ المؤمنين على رجل صليب الرأي، عالم بالسياسة، كافٍ لِمَا وليَ؟ قال: مَن هو؟ قال: زياد؛ قال: هو لها؛ فولّاه فارسَ، وكِرْمان، ووجّهه في أربعة آلاف، فدوّخ تلك البلادَ؛ حتى استقاموا (٢). (٥: ١٣٧).
١٢٠١ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عليّ بن مجاهد، قال: قال الشعبيّ: لما انتقَض أهلُ الجبال، وطمع أهلُ الخراج في كسره، وأخرَجوا سهلَ بن حنيف من فارسَ - وكان عاملًا عليها لعليّ - قال ابن عباس لعليّ: أكفيكَ فارسَ! فقدم ابنُ عباس البَصرة، ووجّه زيادًا إلى فارسَ في جمع كثير، فوطِئ بهم أهلَ فارس، فأدَّوا الخَراج (٣). (٥: ١٣٧).
١٢٠٢ - حدّثني عمر، قال: حدّثني أبو الحسن عن أيّوب بن موسى، قال: حدّثني شيخٌ من أهل إصْطَخْر قال: سمعتُ أبي يقول: أدركتُ زيادًا وهو أميرٌ على فارسَ وهي تَضرَم نارًا، فلم يزل بالمُداراة؛ حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطّاعة والاستقامة، لم يقفْ موقفًا للحرب، وكان أهل فارسَ يقولون: ما رأيْنا
стр. 3571
سيرةً أشبه بسيرة كِسرَى أنوشِرْوان من سِيرة هذا العربيّ في اللين، والمُداراة، والعلم بما يأتي.
قال: ولما قدِم زياد فارسَ؛ بعث إلى رؤسائها، فوعد مَن نَصرَه ومنّاه، وخوّفَ قومًا وتوعَّدهم، وضرب بعضَهم ببعض، ودلّ بعضَهم على عورةِ بعض، وهربتْ طائفة, وأقامت طائفة، فقتل بعضُهم بعضًا، وصفتْ له فارس، فلم يَلْقَ فيها جمعًا ولا حَرْبًا، وفعل مثلَ ذلك بكَرْمان، ثم رجع إلى فارسَ، فسار في كُوَرها ومنّاهم، فسَكنَ الناسُ إلى ذلك، فاستقامت له البلاد، وأتى إصْطَخْرَ فنزلها، وحصّن قلعةً بها ما بين بيضاء إِصْطَخْر وإصْطَخْر، فكانت تسمَّى قلعةَ زياد، فحمل إليها الأموال، ثم تحصّن فيها بعد ذلك منصور اليشكريّ، فهي اليومَ تُسمَّى قلعةَ منصور (١). (٥: ١٣٧/ ١٣٨).
ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
١٢٠٣ - فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز.
فذُكر عن زياد بن عبد الله البَكَّاليّ عن عَوانة، قال: أرسل معاويةُ بنُ أبي سفيان بعد تحكيم الحَكَمين بُسرَ بنَ أبي أرطاة - وهو رجلٌ من بني عامر بن لؤيّ في جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعاملُ عليّ على المدينة يومئذ أبو أيوبَ الأنصاريّ، ففرّ منهم أبو أيوب، فأتى عليًّا بالكوفة، ودخل بُسر المدينة؛ قال: فصعِد مِنبرَها ولم يقاتلْه بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجّار، ويا زُريق، شَيْخي شَيْخي! عهدي به بالأمس، فأين هو! يعني عثمانَ، ثمّ قال: يا أهل المدينة! واللهِ لولا ما عهد إليّ معاويةُ ما تركتُ بها محتلِمًا إلّا قتلته! ثم بايَعَ أهل المدينة، وأرسل إلى بني سلِمة، فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايَعة حتى تأتوني بجابر بنِ عبد الله، فانطلق جابر إلى أمّ سَلمة زوج النبيّ ﷺ فقال لها: ماذا تَرَيْن؟ إنّي قد خشيتُ أن أقتل، وهذه بَيْعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايعَ، فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سَلَمة أن يبايع،
стр. 3572
وأمرتُ خَتَنِي عبد الله بن زَمْعة - وكانت ابنتها زينب بنة أبي سَلَمة عند عبد الله بن زمعة - فأتاه جابر فبايعه، وهدّم بُسْر دُورًا بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتلَه، فقال له بُسر: ما كنتُ لأفعلَ بصاحب رسولِ الله ﷺ ذلك؛ فخلّى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليَمن: إنّ خيلًا مبعوثةً من عند معاوية تَقتُل الناس، تقتُل مَن أبَى أن يقرّ بالحكومة. ثم مضى بُسر إلى اليَمَن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملًا لعليّ، فلما بلغه مسيرُه فرّ إلى الكوفة حتى أتى عليًّا، واستخلف عبدَ الله بن عبد المَدان الحارثيّ على اليَمَن، فأتاه بُسر فقتله، وقتل ابنَه، ولقي بُسر ثَقَل عبيد الله بن عباس، وفيه ابنان له صغيران، فذبَحهما، وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبد الله بن عباس عند رجل من بني كنانةَ من أهل البادية، فلما أراد قتلَهما قال الكنانيّ: علامَ تَقتُل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنتَ قاتِلَهما فاقتلني، قال: أفعل؛ فبدأ بالكنانيّ فقتله، ثم قتلَهما ثمّ رجع بُسْر إلى الشأم، وقد قيل: إن الكنانيّ قاتل عن الطفلين حتى قُتِل، وكان اسمُ أحدِ الطفلين اللذَين قتلَهما بُسْر: عبد الرحمن، والآخر قُثَم. وقَتل بُسر في مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من شِيعة عليٍّ باليمن. وبلغ عليًّا خبرُ بُسر، فوجّه جارية بن قُدامة في ألفين، ووهْب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نَجْران فحرّق بها، وأخذ ناسًا من شِيعة عثمانَ فقتلهم، وهَرَب بُسْر وأصحابُه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعونا؛ فقالوا: قد هلك أميرُ المؤمنين، فلمن نبايع؟ قال: من بايَعَ له أصحابُ عليّ، فتثاقلوا: ثمّ بايعوا. ثمّ سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلِّي بهم، فهرب منه، فقال جارية: واللهِ لو أخذتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عنقَه، ثم قال لأهل المدينة: بايِعوا الحسنَ بن عليّ: فبايَعوه وأقام يومَه، ثم خرج منصرِفًا إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلَّى بهم (١). (٥: ١٣٩/ ١٤٠).
وفي هذه السنة - فيما ذكر - جرتْ بين عليٍّ وبين معاويةَ المهادنة - بعد مكاتبات جرتْ بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وَضْعِ الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاويةَ الشأم، فلا يدخل أحدُهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غَزْو.
стр. 3573
١٢٠٤ - قال زياد بنُ عبد الله عن أبي إسحاق: لما لم يعطِ أحدُ الفريقين صاحبَه الطاعةَ كتب معاويةُ إلى عليّ: أما إذا شئتَ فلك العراق وليَ الشأم، وتكفّ السيف عن هذه الأمة، ولا تُهَرِيق دماءَ المسلمين؛ ففعل ذلك، وتراضَيَا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يَجْبيها وما حولها، وعليٌّ بالعراق يَجبيها ويقسمها بين جنوده (١). (٥: ١٤٠)
خروج ابن عباس من البصرة إلى مكة
وفيها خرج عبدُ الله بن العباس من البَصرة ولحق مكة في قول عامة أهلِ السِّيَر، وقد أنكر ذلك بعضُهم، وزعَم أنه لم يَزلْ بالبصرة عاملًا عليها من قِبَل أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ حتى قُتِل، وبعد مَقتَل عليّ حتى صالح الحسن معاوية، ثمّ خرج حينئذ إلى مكة.
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق:
١٢٠٥ - حدَّثني عمرُ بنُ شبّة، قال: حدّثني جماعة عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عُبيد أبي الكُنود، قال: مرّ عبدُ الله بنُ عباس على أبي الأسود الدّؤليّ، فقال: لو كنتَ من البهائم كنتَ جَمَلًا، ولو كنتَ راعيًا ما بلغتَ من المرعى، ولا أحسنتَ مهنته في المشْي. قال: فكتب أبو الأسود إلى عليّ:
أما بعد، فإنّ الله جل وعلا جعلك واليًا مؤتمنًا، وراعيًا مستوليًا، وقد بلوناك فوجدْناك عظيمَ الأمانة، ناصحًا للرعية، توفر لهم فيْئهُم، وتَظْلَف نفسَك عن دنياهم، فلا تأكل أموالَهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابنَ عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير عِلمك، فلَمْ يَسعْني كتمانُك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إليّ برأيك فيما أحببتَ أنتهِ إليك، والسلام.
فكتب إليه عليّ: أما بعْد، فمِثلك نصح الإمامَ والأمة، وأدّى الأمانة، ودلّ على الحقّ، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليّ فيه من أمرِه، ولم أعلِمه أنك
стр. 3574
كتبتَ، فلا تَدَع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاحٌ، فإنك بذلك جدير، وهو حقٌّ واجب عليك؛ والسلام.
وكتبَ إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وإني لِمَا تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدِّق الظنون؛ والسلام.
قال: فكتب إليه عليّ: أما بعد، فأعلِمني ما أخذتَ من الجزية، ومِن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟
قال: فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فقد فهمتُ تعظيمَك مَرْزَأة ما بلغك أنّي رَزَأتُه من مال أهلِ هذا البلد، فابعث إلى عملك مَنْ أحببت، فإنّي ظاعنٌ عنه، والسلام.
ثم دعا ابن عباس أخوالَه بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رَزين بن أبي عمرو الهلاليَّان، ثم اجتمعت معه قيس كلُّها فحمل مالًا (١). (٥: ١٤١/ ١٤٢).
١٢٠٦ - قال أبو زيد: قال أبو عبيدة: كانت أرزاقًا قد اجتمعتْ، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطَّفّ، فتواقَفوا يريدون أخذَ المال، فقالت قيس: واللهِ لا يُوصَل إلى ذلك وفينا عينٌ تَطرف. وقال صبرة بن شيمان الحُدّانيّ: يا معشر الأَزْد! واللهِ إنّ قيسًا لإخوانُنا في الإسلام، وجيرانُنا في الدار، وأعوانُنا على العدوّ! وإن الذي يصيبكم من هذا المال لو رُدّ عليكم لقليل، وهم غدًا خيرٌ لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرِفوا عنهم ودَعُوهم، فأطاعوه فانصرفوا؛ فقالت بكر، وعبد القيس: نعم الرأيُ رأيُ صَبِرة لقومه، فاعتزَلوا أيضًا، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم؛ نقاتلهم عليه. فقال الأحنف: قد ترك قتالَهم من هو أبعدُ منكم رَحمًا؛ فقالوا: واللهِ لنقاتلنّهم! فقال: إذًا لا أساعدكم عليهم، فاعتزلَهم؛ قال: فراسوا عليهم ابن المُجّاعة من بني تميم، فقاتَلوهم، وحمل الضحّاك على ابن المُجّاعة فطعنه، واعتَنَقَه عبد الله بن رَزِين، فسَقَطا إلى الأرض يعتَرِكان، وكثرت الجراح فيهم ولم يكن
стр. 3575
بينهم قتيل؛ فقالت الأخماس: ما صنعْنا شيئًا، اعتزلْناهم وتركْناهم يتحاربون، فضربوا وجوهَ بعضِهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: لنحن أسخَى منكم أنفسًا حين تركْنا هذا المال لبني عمِّكم، وأنت تقاتلونهم عليه، إن القومَ قد حَملَوا وحُموا، فخَلّوهم، وإن أحببتم فانصرِفوا، ومضى ابنُ عباس ومعه نحو من عشرين رجلًا حتى قدِم مكّة (١). (٥: ١٤٢).
١٢٠٧ - وحدّثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدةَ - ولم أسمعه منه -: أنّ ابن عباس لم يبرحْ من البَصرة حتى قُتل عليّ ﵇، فشخص إلى الحسن، فشهد الصّلحَ بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثَقَلُه بها، فَحملَه ومالًا من بيت المال قليلًا؛ وقال: هي أرزاقي.
قال أبو زيد: ذكرتُ ذلك لأبي الحسن فأنكرَه، وزعمَ: أنّ عليًّا قُتل؛ وابن عباس بمكة، وأنّ الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيدُ الله بن عباس (٢). (٥: ١٤٣).
ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب
١٢٠٨ - وكذلك قال الواقديّ: حدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد عنه، وأما أبو زيد فحدّثني عن عليّ بن محمد: أنه قال: قُتِل عليُّ بنُ أبي طالب بالكُوفة يومَ الجمعة لإحدى عشرة. قال: ويقال: لثلاث عشرة بقيتْ من شهر رمضان سنة أربعين. قال: وقد قيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين (٣).
ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله:
حدّثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن الحرانيّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبَرَنا إسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن مُلجَم وأصحابه: أنّ ابن ملجم، والبُرَك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميميّ اجتمعوا، فتذاكَروا أمرَ الناس، وعابوا على وُلاتهم، ثم