سيرةً أشبه بسيرة كِسرَى أنوشِرْوان من سِيرة هذا العربيّ في اللين، والمُداراة، والعلم بما يأتي.
قال: ولما قدِم زياد فارسَ؛ بعث إلى رؤسائها، فوعد مَن نَصرَه ومنّاه، وخوّفَ قومًا وتوعَّدهم، وضرب بعضَهم ببعض، ودلّ بعضَهم على عورةِ بعض، وهربتْ طائفة, وأقامت طائفة، فقتل بعضُهم بعضًا، وصفتْ له فارس، فلم يَلْقَ فيها جمعًا ولا حَرْبًا، وفعل مثلَ ذلك بكَرْمان، ثم رجع إلى فارسَ، فسار في كُوَرها ومنّاهم، فسَكنَ الناسُ إلى ذلك، فاستقامت له البلاد، وأتى إصْطَخْرَ فنزلها، وحصّن قلعةً بها ما بين بيضاء إِصْطَخْر وإصْطَخْر، فكانت تسمَّى قلعةَ زياد، فحمل إليها الأموال، ثم تحصّن فيها بعد ذلك منصور اليشكريّ، فهي اليومَ تُسمَّى قلعةَ منصور (١). (٥: ١٣٧/ ١٣٨).
ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
١٢٠٣ - فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز.
فذُكر عن زياد بن عبد الله البَكَّاليّ عن عَوانة، قال: أرسل معاويةُ بنُ أبي سفيان بعد تحكيم الحَكَمين بُسرَ بنَ أبي أرطاة - وهو رجلٌ من بني عامر بن لؤيّ في جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعاملُ عليّ على المدينة يومئذ أبو أيوبَ الأنصاريّ، ففرّ منهم أبو أيوب، فأتى عليًّا بالكوفة، ودخل بُسر المدينة؛ قال: فصعِد مِنبرَها ولم يقاتلْه بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجّار، ويا زُريق، شَيْخي شَيْخي! عهدي به بالأمس، فأين هو! يعني عثمانَ، ثمّ قال: يا أهل المدينة! واللهِ لولا ما عهد إليّ معاويةُ ما تركتُ بها محتلِمًا إلّا قتلته! ثم بايَعَ أهل المدينة، وأرسل إلى بني سلِمة، فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايَعة حتى تأتوني بجابر بنِ عبد الله، فانطلق جابر إلى أمّ سَلمة زوج النبيّ ﷺ فقال لها: ماذا تَرَيْن؟ إنّي قد خشيتُ أن أقتل، وهذه بَيْعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايعَ، فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سَلَمة أن يبايع،
стр. 3572
وأمرتُ خَتَنِي عبد الله بن زَمْعة - وكانت ابنتها زينب بنة أبي سَلَمة عند عبد الله بن زمعة - فأتاه جابر فبايعه، وهدّم بُسْر دُورًا بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتلَه، فقال له بُسر: ما كنتُ لأفعلَ بصاحب رسولِ الله ﷺ ذلك؛ فخلّى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليَمن: إنّ خيلًا مبعوثةً من عند معاوية تَقتُل الناس، تقتُل مَن أبَى أن يقرّ بالحكومة. ثم مضى بُسر إلى اليَمَن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملًا لعليّ، فلما بلغه مسيرُه فرّ إلى الكوفة حتى أتى عليًّا، واستخلف عبدَ الله بن عبد المَدان الحارثيّ على اليَمَن، فأتاه بُسر فقتله، وقتل ابنَه، ولقي بُسر ثَقَل عبيد الله بن عباس، وفيه ابنان له صغيران، فذبَحهما، وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبد الله بن عباس عند رجل من بني كنانةَ من أهل البادية، فلما أراد قتلَهما قال الكنانيّ: علامَ تَقتُل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنتَ قاتِلَهما فاقتلني، قال: أفعل؛ فبدأ بالكنانيّ فقتله، ثم قتلَهما ثمّ رجع بُسْر إلى الشأم، وقد قيل: إن الكنانيّ قاتل عن الطفلين حتى قُتِل، وكان اسمُ أحدِ الطفلين اللذَين قتلَهما بُسْر: عبد الرحمن، والآخر قُثَم. وقَتل بُسر في مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من شِيعة عليٍّ باليمن. وبلغ عليًّا خبرُ بُسر، فوجّه جارية بن قُدامة في ألفين، ووهْب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نَجْران فحرّق بها، وأخذ ناسًا من شِيعة عثمانَ فقتلهم، وهَرَب بُسْر وأصحابُه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعونا؛ فقالوا: قد هلك أميرُ المؤمنين، فلمن نبايع؟ قال: من بايَعَ له أصحابُ عليّ، فتثاقلوا: ثمّ بايعوا. ثمّ سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلِّي بهم، فهرب منه، فقال جارية: واللهِ لو أخذتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عنقَه، ثم قال لأهل المدينة: بايِعوا الحسنَ بن عليّ: فبايَعوه وأقام يومَه، ثم خرج منصرِفًا إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلَّى بهم (١). (٥: ١٣٩/ ١٤٠).
وفي هذه السنة - فيما ذكر - جرتْ بين عليٍّ وبين معاويةَ المهادنة - بعد مكاتبات جرتْ بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وَضْعِ الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاويةَ الشأم، فلا يدخل أحدُهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غَزْو.
стр. 3573
١٢٠٤ - قال زياد بنُ عبد الله عن أبي إسحاق: لما لم يعطِ أحدُ الفريقين صاحبَه الطاعةَ كتب معاويةُ إلى عليّ: أما إذا شئتَ فلك العراق وليَ الشأم، وتكفّ السيف عن هذه الأمة، ولا تُهَرِيق دماءَ المسلمين؛ ففعل ذلك، وتراضَيَا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يَجْبيها وما حولها، وعليٌّ بالعراق يَجبيها ويقسمها بين جنوده (١). (٥: ١٤٠)
خروج ابن عباس من البصرة إلى مكة
وفيها خرج عبدُ الله بن العباس من البَصرة ولحق مكة في قول عامة أهلِ السِّيَر، وقد أنكر ذلك بعضُهم، وزعَم أنه لم يَزلْ بالبصرة عاملًا عليها من قِبَل أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ حتى قُتِل، وبعد مَقتَل عليّ حتى صالح الحسن معاوية، ثمّ خرج حينئذ إلى مكة.
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق:
١٢٠٥ - حدَّثني عمرُ بنُ شبّة، قال: حدّثني جماعة عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عُبيد أبي الكُنود، قال: مرّ عبدُ الله بنُ عباس على أبي الأسود الدّؤليّ، فقال: لو كنتَ من البهائم كنتَ جَمَلًا، ولو كنتَ راعيًا ما بلغتَ من المرعى، ولا أحسنتَ مهنته في المشْي. قال: فكتب أبو الأسود إلى عليّ:
أما بعد، فإنّ الله جل وعلا جعلك واليًا مؤتمنًا، وراعيًا مستوليًا، وقد بلوناك فوجدْناك عظيمَ الأمانة، ناصحًا للرعية، توفر لهم فيْئهُم، وتَظْلَف نفسَك عن دنياهم، فلا تأكل أموالَهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابنَ عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير عِلمك، فلَمْ يَسعْني كتمانُك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إليّ برأيك فيما أحببتَ أنتهِ إليك، والسلام.
فكتب إليه عليّ: أما بعْد، فمِثلك نصح الإمامَ والأمة، وأدّى الأمانة، ودلّ على الحقّ، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليّ فيه من أمرِه، ولم أعلِمه أنك
стр. 3574
كتبتَ، فلا تَدَع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاحٌ، فإنك بذلك جدير، وهو حقٌّ واجب عليك؛ والسلام.
وكتبَ إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وإني لِمَا تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدِّق الظنون؛ والسلام.
قال: فكتب إليه عليّ: أما بعد، فأعلِمني ما أخذتَ من الجزية، ومِن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟
قال: فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فقد فهمتُ تعظيمَك مَرْزَأة ما بلغك أنّي رَزَأتُه من مال أهلِ هذا البلد، فابعث إلى عملك مَنْ أحببت، فإنّي ظاعنٌ عنه، والسلام.
ثم دعا ابن عباس أخوالَه بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رَزين بن أبي عمرو الهلاليَّان، ثم اجتمعت معه قيس كلُّها فحمل مالًا (١). (٥: ١٤١/ ١٤٢).
١٢٠٦ - قال أبو زيد: قال أبو عبيدة: كانت أرزاقًا قد اجتمعتْ، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطَّفّ، فتواقَفوا يريدون أخذَ المال، فقالت قيس: واللهِ لا يُوصَل إلى ذلك وفينا عينٌ تَطرف. وقال صبرة بن شيمان الحُدّانيّ: يا معشر الأَزْد! واللهِ إنّ قيسًا لإخوانُنا في الإسلام، وجيرانُنا في الدار، وأعوانُنا على العدوّ! وإن الذي يصيبكم من هذا المال لو رُدّ عليكم لقليل، وهم غدًا خيرٌ لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرِفوا عنهم ودَعُوهم، فأطاعوه فانصرفوا؛ فقالت بكر، وعبد القيس: نعم الرأيُ رأيُ صَبِرة لقومه، فاعتزَلوا أيضًا، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم؛ نقاتلهم عليه. فقال الأحنف: قد ترك قتالَهم من هو أبعدُ منكم رَحمًا؛ فقالوا: واللهِ لنقاتلنّهم! فقال: إذًا لا أساعدكم عليهم، فاعتزلَهم؛ قال: فراسوا عليهم ابن المُجّاعة من بني تميم، فقاتَلوهم، وحمل الضحّاك على ابن المُجّاعة فطعنه، واعتَنَقَه عبد الله بن رَزِين، فسَقَطا إلى الأرض يعتَرِكان، وكثرت الجراح فيهم ولم يكن
стр. 3575
بينهم قتيل؛ فقالت الأخماس: ما صنعْنا شيئًا، اعتزلْناهم وتركْناهم يتحاربون، فضربوا وجوهَ بعضِهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: لنحن أسخَى منكم أنفسًا حين تركْنا هذا المال لبني عمِّكم، وأنت تقاتلونهم عليه، إن القومَ قد حَملَوا وحُموا، فخَلّوهم، وإن أحببتم فانصرِفوا، ومضى ابنُ عباس ومعه نحو من عشرين رجلًا حتى قدِم مكّة (١). (٥: ١٤٢).
١٢٠٧ - وحدّثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدةَ - ولم أسمعه منه -: أنّ ابن عباس لم يبرحْ من البَصرة حتى قُتل عليّ ﵇، فشخص إلى الحسن، فشهد الصّلحَ بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثَقَلُه بها، فَحملَه ومالًا من بيت المال قليلًا؛ وقال: هي أرزاقي.
قال أبو زيد: ذكرتُ ذلك لأبي الحسن فأنكرَه، وزعمَ: أنّ عليًّا قُتل؛ وابن عباس بمكة، وأنّ الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيدُ الله بن عباس (٢). (٥: ١٤٣).
ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب
١٢٠٨ - وكذلك قال الواقديّ: حدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد عنه، وأما أبو زيد فحدّثني عن عليّ بن محمد: أنه قال: قُتِل عليُّ بنُ أبي طالب بالكُوفة يومَ الجمعة لإحدى عشرة. قال: ويقال: لثلاث عشرة بقيتْ من شهر رمضان سنة أربعين. قال: وقد قيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين (٣).
ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله:
حدّثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن الحرانيّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبَرَنا إسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن مُلجَم وأصحابه: أنّ ابن ملجم، والبُرَك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميميّ اجتمعوا، فتذاكَروا أمرَ الناس، وعابوا على وُلاتهم، ثم
стр. 3576
ذكروا أهلَ النّهر، فترحَّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدَهم شيئًا! إخوانُنا الذين كانوا دُعاةَ الناس لعبادة ربّهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومةَ لائم، فلو شَرَيْنا أنفسَنا فأتينا أئمّة الضلالة فالتمسْنا قتلَهم، فأرحْنا منهم البلاد، وثأرْنا بهم إخوانَنا! فقال ابن مُلجَم: أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب - وكان من أهل مصرَ - وقال البُرَك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاويةَ بنَ أبي سُفْيان؛ وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عَمرَو بنَ العاص، فتعاهَدوا وتواثَقوا بالله لا يَنكُص رجل منّا عن صاحبه الذي توجّه إليه حتى تقتلَه، أو يموت دونَه، فأخذوا أسيافَهم، فسمُّوها واتَّعَدوا لسبع عشرة تخلو من رمضانَ أن يثبَ كلُّ واحد منهم على صاحبه الذي توجّه إليه، وأقبل كلّ رجل منهم إلى المِصْرِ الذي فيه صاحبُه الذي يَطلب.
فأما ابنُ ملجَم المُراديّ فكان عداده في كِنْدة، فخرج فلقيَ أصحابَه بالكوفة، وكاتَمهم أمرَه كراهة أن يُظهروا شيئًا من أمره، فإنه رأى ذاتَ يوم أصحابًا من تَيْمِ الرِّباب - وكان عليٌّ قَتَل منهم يوم النهر عشرة - فذكروا قَتْلاهم، ولقَى من يومه ذلك امرأة من تيم الرِّباب يقال لها: قَطام ابنة الشِّجْنَة - وقد قَتَل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقةَ الجمال - فلما رآها؛ التبستْ بعَقله، ونسي حاجتَه التي جاء لها؛ ثم خطبها، فقالت: لا أتزَوّجك حتى تَشفي لي! قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل عليّ بن أبي طالب، قال: هو مهرٌ لك، فأمّا قتل عليٍّ فلا أراكِ ذكرتِه لي وأنت تريديني! قالت: بلَى، التمس غرّته، فإن أصبت؛ شفيتَ نفسك ونفسي، ويَهنِئك العيشُ معي، وإن قُتِلت؛ فما عنَد الله خيرٌ من الدنيا، وزينتها، وزينة أهلها؛ قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المِصْر إلا قتلُ عليّ! فلك ما سألتِ. قالت: إنّي أطلب لك من يُسند ظهرَك، ويساعدُك على أمرك، فبعثتْ إلى رجل من قومها من تَيْم الرِّباب يقال له: وَرْدان، فكلّمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلًا من أشجع يقال له: شبيب بن بَجرَة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ ! قال: وما ذاك؟ قال: قتلُ عليّ بن أبي طالب؛ قال: ثكلتْك أمُّك! لقد جئتَ شيئًا إدًّا، كيف تقدر على عليّ! قال: أكمُن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شدَدْنا عليه فقَتلْناه، فإن نجوْنا؛ شفَيْنا أنفسَنا، وأدرَكنْا ثأرَنا، وإن قُتِلنا فما عند الله خيرٌ من الدنيا وما فيها، قال: وَيحك! لو كان غير عليٍّ؛ لكان أهوَن عليّ، قد عرفتَ بلاءَه في الإسلام،
стр. 3577
وسابقَتَه مع النبيّ ﷺ وما أجدني أنشرِح لقتله. قال: أما تعلم: أنه قتل أهلَ النهر العبّاد الصالحين! قال: بلى! قال: فنقتله بمن قَتل من إخواننا. فأجابه - فجاؤوا قَطام - وهي في المسجد الأعظم معتكِفة - فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل عليّ؛ قالت: فإذا أردتم ذلك؛ فائْتُوني، ثم عاد إليها ابن ملجَم في ليلة الجمعة التي قُتل في صبيحتها عليّ سنة أربعين - فقال: هذه الليلة التي واعدتُ فيها صاحبيّ أن يقتل كلّ منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير؛ فعصَبتْهم به، وأخذوا أسيافَهم؛ وجلسوا مقابل السدّة التي يَخرج منها عليّ، فلما خرج؛ ضربه شبيبٌ بالسيف، فوقع سيفُه بعِضادة الباب، أو الطّاق، وضَرَبَه ابنُ ملجَم في قَرْنه بالسيف، وَهرَب وَرْدان حتى دخل منزلَه، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحريرَ عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ ! فأخبره بما كان وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وَرْدان حتى قَتَله، وخرج شبيب نحو أبواب كِنْدة في الغَلَس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموتَ يقال له: عُوَيْمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجَثم عليه الحضرميّ، فلما رأى الناسَ قد أقبلوا في طلبه، وسيفُ شبيب في يده خشيَ على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غُمار الناس، فشدّوا على ابن ملجم فأخذوه، إلّا أنّ رجلًا من هَمْدان يُكنّى أبا أدْماء أخذَ سيفه فضرب رجله، فصرَعه، وتأخّر عليّ، ورفع في ظهره جَعْدة بن هبيرة بن أبي وَهْب، فصلّى بالناس الغَدَاة، ثم قال عليّ: عليَّ بالرجل، فأُدْخِل عليه، ثم قال: أي عدوّ الله! ألم أحسِن إليك؟ ! قال: بلى! قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذتُه أربعين صباحًا، وسألتُ الله أن يقتل به شرّ خلقه؛ فقال ﵇: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا مِن شرّ خلقه (١). (٥: ١٤٣/ ١٤٤/ ١٤٥).
١٢١٠ - وذكروا: أن ابن مُلجَم قال قبل أن يَضرب عليًّا - وكان جالسًا في بني بكْر بن وائل؛ إذ مُرّ عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلّي أبي حجّار، وكان نصرانيًّا، والنصارى حولَه، وأناس مع حجّار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق بن ثور - فقال ابن ملجم: ما هؤلاء؟ فأُخبِر الخبر، فأنشأ يقول:
стр. 3578
لئن كان حَجّارُ بنُ أَبْجَرَ مُسْلِمًا ... لقد بُوعدَتْ منه جنازةُ أَبْجَرِ
وإن كان حجّارُ بنُ أبجرَ كافرًا ... فما مِثْلُ هذا من كَفُورٍ بمُنكر
أَتَرْضوْنَ هذا أَنَّ قَيْسًا وَمُسلِمًا ... جمِيعًا لدى نَعشٍ، فَيا قُبْحَ مَنْظَرِ!
فلولا الَّذي أَنوِي لَفَرَّقْتُ جَمْعَهمْ ... بأَبْيَضَ مَصْقولِ الدِّياسِ مُشَهَّرِ
ولكنني أَنوِي بِذاك وسيلَةً ... إلى الله أو هذا فخُذ ذاك أَو ذَرِ
وذكر: أنّ محمد بن الحنفيَّة، قال: كنتُ والله إني لأصلِّي تلك الليلةَ التي ضُرب فيها عليّ في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المِصْر، يصلون قريبًا من السدّة، ما هم إلّا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أوّل الليل إلى آخره؛ إذ خرج عليّ لصلاة الغَداة، فجعل ينادِي: أتها الناس! الصلاةَ الصلاة! فما أدري أخرج من السُّدّة فتكلّم بهذه الكلمات أم لا! فنظرتُ إلى بريق، وسمعتُ: الحكْم لله يا عليّ! لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفًا، ثم رأيت ثانيًا، ثم سمعتُ عليًّا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشدّ الناس عليه من كلّ جانب. قال: فلم أبرح حتى أُخذ ابنُ مُلجَم، وأدخِل على عليّ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعتُ عليًّا يقول: النَفْس بالنفس، إن أنا؛ مِتّ فاقتلوه كما قتَلَني، وإن بقيتُ؛ رأيت فيه رأيي.
وذكر: أنّ الناس دخلوا على الحسن فَزِعين لِما حدث من أمر عليّ، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوفٌ بين يديه، إذ نادته أمُّ كُلثوم بنت عليّ؛ وهي تبكي: أي عدوّ الله! لا بأسَ على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى مَن تبكين؟ والله لقد اشتريتُه بألف، وسَممْته بألف، ولو كانت هذه الضّربة على جميع أهلِ المِصْر ما بقيَ منهم أحد.
وذكر: أن جُندَب بن عبد الله دخل على عليّ فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين! إنْ فَقَدناك - ولا نَفْقِدك - فنُبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم، ولا أنهاكم، أنتمْ أبصر. فردّ عليه مثلَها، فدعا حسنًا، وحسينًا، فقال: أوصيكما بتقوى الله، وألّا تَبغِيا الدنيا؛ وإن بَغتْكما، ولا تَبكيا على شيء زُوِي عنكما، وقُولَا الحقّ، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنَعا للآخرة، وكونا للظالم خَصْمًا، وللمظلوم ناصرًا، واعْمَلا بما في الكتاب، ولا تأخذْكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفيّة، فقال: هل حفظتَ ما أوصيتُ به أخوَيْك؟ قال:
стр. 3579
نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخوَيك، لعظيم حقِّهما عليك، فاتبع أمرَهما، ولا تقطع أمرًا دونَهما. ثم قال: أوصيكُما به، فإنه شقيقكما، وابنُ أبيكما، وقد علمتما: أن أباكما كان يحبّه، وقال للحسن: أوصيك أي بُنَيَّ بتقوى الله، وإقامِ الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسنِ الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطَهور، ولا تُقبَل صلاة من مانع زكاة، وأوصيكَ بغَفْر الذنب، وكَظْم الغيظ، وصلة الرِّحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبُّت في الأمر، والتعاهُد للقرآن، وحسن الجِوار، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش.
فلما حضرتْه الوفاة؛ أوصىَ، فكانت وصيَّته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أوصَى به عليّ بن أبي طالب، أوصَى: أنه يَشْهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه بالهدى ودينِ الحق ليظهرَه على الدّين كله ولو كره المشركون، ثم إنّ صلاتي ونُسُكي وَمحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريكَ له وبذلك أمِرت وأنا من المسلمين؛ ثمّ أوصيك يا حسن وجميعَ ولدي وأهلي بتقوى الله ربّكم، ولا تموتُنّ إلّا وأنتم مسلمون، واعتَصِموا بحبل الله جميعًا ولا تَفرَّقوا، فإنّي سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "إن صلاحَ ذات البين أفضلُ من عامّة الصلاة والصيام"! انظروا إلى ذوِي أرحامِكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب، اللهَ الله في الأيتام! فلا تُعنوا أفواهَهم، ولا يضيعُنّ بحضرتكم. واللهَ اللهَ في جيرانكم! فإنّهم وصية نبيِّكم ﷺ ، ما زال يُوصِي به حتى ظننّا أنه سيورِّثه. واللهَ اللهَ في القرآن! فلا يسبقَنَّكم إلى العملِ به غيرُكم. واللهَ الله في الصَّلاة، فإنها عمود دِينكم، واللهَ الله في بيتِ ربّكم فلا تُخفوه ما بقيتم، فإنه إن تُرِك لم يناظر، واللهَ الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم! والله الله في الزّكاة! فإنها تطفئ غضبَ الربّ، واللهَ الله في ذمّة نبيكم! فلا يُظْلمُنّ بين أظهركم، واللهَ الله في أصحاب نبيَّكم! فإنّ رسول الله أوصَى بهم، واللهَ الله في الفقراء والمساكين! فأشرِكوهم في معايشكم، واللهَ الله فيما ملكتْ أيمانكم! الصلاةَ الصلاةَ لا تخافُنّ في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم، وبَغَى عليكم. وقولُوا للنّاس حُسْنًا كما أمركم الله، ولا تَتْركُوا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن
стр. 3580
المنكر فيولّى الأمر شِراركم، ثم تَدْعُون فلا يُستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذُل، وإيّاكم والتدابر والتقاطُع والتفرّق، وتعاوَنوا على البِرّ والتقوى، ولا تَعاوَنوا على الإثم والعدوان، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. حفظكم الله من أهلِ بيت، وحفظ فيكم نبيَّكم، أستودِعكم الله، وأقرأ عليكم السلامَ ورحمةَ الله.
ثم لم ينطق إلا "بلا إله إلا الله" حتى قُبِض ﵁، وذلك في شهر رمضان سنة أربعين، وغسّله ابناه الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وكُفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكَبّر عليه الحسن تسع تكبيرات، ثم ولِيَ الحسن ستة أشهر.
وقد كان عليٌّ نهى الحَسَن عن المُثْلة، وقال: يابني عبد المطلب! لا ألفينّكم تخوضون في دماءَ المسلمين، تقولون: قُتِل أمير المؤمنين، قُتِل أمير المؤمنين! ألا لا يقتَلنّ إلا قاتلي. انظر يا حسن؛ إنْ أنا مِتّ من ضربتِه هذه فاضربه ضربةً بضربة، ولا تمثل بالرّجل، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ : يقول: "إياكم والمُثْلة، ولو أنها بالكلب العَقور". فلمَا قُبض ﵇؛ بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيتُ الله عهدًا إلا وفيتُ به! إني كنت قد أعطيت الله عهدًا عند الحَطيم أن أقتل عليًّا، ومعاويةَ، أو أموتَ دونهما، فإن شئتَ خلّيتَ بيني وبينه، ولك الله عليّ إن لم أقتله، أو قتلته، ثم بقيت أن آتيَك حتى أضعَ يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النارَ فلا، ثم قدّمه فقَتلَه، ثم أخذه الناسُ فأدرجوه في بواريّ، ثم أحرَقوه بالنار.
وأما البُرَك بن عبدالله؛ فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها عليٌّ قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلّي الغداةَ شدّ عليه بسيفه، فوقع السيف في ألْيَته، فأخِذ، فقال: إنّ عندي خيرًا أسِرُّك به، فإن أخبرتُك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم؛ قال: إنّ أخًا لي قَتَل عليًّا في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى! إنّ عليًّا يخرج ليس معه من يحرُسه؛ فأمر به معاوية فقُتِل، وبعث معاويةُ إلى الساعديّ - وكان طبيبًا - فلما نظر إليه قال: اخْتر إحدى خَصلتين: إما أن أحمِيَ حديدةً فأضعَها موضعَ السيف، وإمّا أن أسقيَك شربةً تَقطع منك الولَد، وتبرأ منها، فإنّ ضَرْبتك مسمومة، فقال معاوية: أمّا النار فلا
стр. 3581
صبرَ لي عليها، وأما انقطاع الولد فإنّ في يزيد، وعبد الله ما تَقرّ به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات، وحَرَس الليل، وقيام الشُّرْطة، على رأسه إذا سَجَد.
وأما عمرو بن بكر؛ فجلس لعَمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يَخرج، وكان اشتكى بطنَه، فأمر خارجة بن حُذافة، وكان صاحب شُرطته، وكان من بني عامر بن لؤيّ، فخرج ليصلّي، فشدّ عليه وهو يرى: أنه عمرو، فضَرَبه، فقتله، فأخذه الناس، فانطَلَقوا به إلى عَمرو يسلّمون عليه بالإمْرة، فقال: مَن هذا؟ قالوا: عمرو؛ قال: فمن قتلتُ؟ قالوا: خارجة بن حُذافة، قال: أمَا والله يا فاسق ما ظننتُه غيرَك! فقال عَمرو: أردَتني وأراد الله خارجة، فقدّمه عمرو فقَتلَه، فبلغ ذلك معاوية، فكتب إليه:
وقَتْلٌ وأَسبابُ المَنايا كثيرةٌ ... منيَّةُ شيخٍ من لؤيِّ بنِ غالِبِ
فيا عمرُو مَهلًا إنما أَنت عَمُّهُ ... وصاحبُهُ دون الرجالِ الأَقارِبِ
نحَوْتَ وقد بَلَّ المُراديُّ سَيْفهُ ... منِ ابن أَبي شَيخِ الأَباطِح طالِبِ
ويضرِبُني بالسيفِ آخَرُ مِثْلهُ ... فكانَتْ علينا تلك ضربَةَ لازِبِ
وأَنتَ تُناغي كلَّ يوم وليلةٍ ... بمِصْرِك بيضًا كالظِّباء السَّوارِبِ
ولما انتهى إلى عائشةَ قتلُ عليّ ﵁ قالت:
فألقتْ عَصاهَا واستقرَّتْ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عينًا بالإِيابِ المُسافِرُ
فمن قتله؟ فقيل: رجل من مُراد؛ فقالت:
فإن يَكُ نائيًا فلقد نَعاهُ ... غُلامٌ ليس في فيهِ التُّرابُ
فقالت زينب ابنة أبي سَلَمة: ألِعليّ تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسَى، فإذا نسيتُ فذكِّروني، وكان الذي ذهب بنعيه سُفيان بنُ عبدِ شمس بن أبي وقّاص الزُّهرِيّ، وقال ابن أبي ميّاس المراديّ في قتل عليّ:
ونحن ضرْبنا يا لكَ الخيْرُ حَيْدَرا ... أبا حَسَنٍ مأْمومَة فتَفَطَّرا
ونحن خلعْنا مُلكَهُ من نِظامِهِ ... بضربةِ سيفٍ إذْ عَلَا وتَجبَّرَا
ونحن كِرامٌ في الصَّباح أَعِزَّةٌ ... إذا الموتُ بالموتِ ارْتَدى وتأَزَّرا
وقال أيضًا:
ولم أرَ مَهْرًا ساقَهُ ذو سَماحَةٍ ... كمْهرِ قَطامٍ من فصيحٍ وأَعجَم
стр. 3582
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقَيْنَةٌ ... وضرْبُ عليّ بالحُسام المُصَمّم
فلا مَهْرَ أَغلَى من عليٍّ وإن غَلَا ... ولا قَتْلَ إلَّا دون قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ
وقال أبو الأسوَد الدّؤليّ:
أَلا أَبْلِغْ معاويَةَ بنَ حَرْبٍ ... فلا قَرَّتْ عيونُ الشامِتِينا
أَفي شهرِ الصِّيامِ فَجَعْتُمُونا ... بخيْرِ الناس طُرًّا أَجْمَعينا!
قَتَلْتُمْ خيرَ مَن رَكِبَ المَطايا ... ورحَّلَها ومن ركب السَّفينا
ومن لبِسَ النِّعالَ ومن حَذاها ... ومن قرأَ المَثانِيَ والمُبينا
إذا اسْتقْبَلْتَ وجْهَ أَبي حُسيْنٍ ... رأَيتَ البدرَ راعَ الناظِرينا
لقد علمَتْ قريشٌ حيثُ كانَتْ ... بأَنَّكَ خيْرُها حَسَبًا ودِينا
واختُلِف في سنّه يومَ قُتل، فقال بعضهم: قُتل وهو ابن تسع وخمسين سنه (١).٥: ١٤٥/ ١٤٧/١٤٦/ ١٤٨/ ١٤٩/ ١٥٠/ ١٥١).
١٢١١ - وحدّثت عن مصعب بن عبد الله، قال: كان الحسن بن عليّ يقول: قُتل أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة (٢). (٥: ١٥١).
١٢١٢ - وحدّثنا عن بعضهم، قال: قُتل وهو ابن خمس وستين سنة (٣). (٥: ١٥١).
١٢١٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: ضُرِب عليّ ﵇ ليلة الجمعة، فمكث يومَ الجمعة وليلةَ
стр. 3583
السبت، وتوفّي ليلةَ الأحد لإحدَى عشرةَ ليلة بقيتْ من شهر رمضانَ سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٥: ١٥٢).
ذكر الخبر عن صفته
١٢١٤ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، قال: سألت أبا جعفر محمد بن عليّ، قلت: ما كانت صفة عليّ ﵇؟ قال: رجلٌ آدَم شديد الأَدْمة ثقيلُ العَيْنين عظيمُهما، ذو بطن، أصلَع، هو إلى القِصر أقرَب (٢). (٥: ١٥٣).
ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده
١٢١٥ - وأما الواقديّ فإنه قال فيما حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرنا الواقديّ: أن أسماء ولدتْ لعليٍّ يحيى، وعونًا ابني عليّ. ويقول بعضهم: محمّد الأصغر لأمّ ولد، وكذلك قال الواقديّ في ذلك؛ وقال: قتل محمد الأصغر مع الحسين (٣) (٥: ١٥٤).
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد عن الواقديّ، قال: كان النسل من ولد عليّ الخمسة: الحَسَن، والحسين، ومحمد بن الحنفيّة، والعباس بن الكلابيَّة، وعمر بن التغلبيَّة (٤). (٥: ١٥٥).
ذكر بعض سيره ﵇
١٢١٦ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبَرَنا وَهْب، قال: أخبرني ابن أبي ذِئْب عن عباس بن الفَضْل مولَى بني هاشم، عن أبيه، عن جدّه ابن
стр. 3584
أبي رافع: أنه كان خازنًا لعليّ ﵇ على بيت المال، قال: فدخل يومًا وقد زُيّنت ابنته، فرأى عليها لؤلؤةً من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله عليّ أن أقطع يَدَها؛ قال: فلما رأيتُ جِدّه في ذلك؛ قلتُ: أنا واللهِ يا أميرَ المؤمنين زَيّنتُ بها ابنةَ أخى! ومن أين كانت تَقدر عليها لو لم أعطِها! فسَكَت (١). (١٥٦: ٥).
١٢١٧ - حدّثني إسماعيل بن موسى الفَزاريّ، قال: حدّثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية القرشيّ، عن عمّه يزيد بن عديّ بن عثمان، قال: رأيت عليًّا ﵇ خارجًا من هَمْدان، فرأى فئتين يقتتلان، ففرّق بينهما، ثم مضى فسمع صوتًا: يا غوثا بالله! فخرج يُحضِر نحوَه حتى سمعتُ خَفْقَ نعلِه؛ وهو يقول: أتاك الغَوْث؛ فإذا رجل يلازم رجلًا، فقال: يا أمير المؤمنين! بعتُ هذا ثوبًا بتسعةِ دراهم، وشرطتُ عليه ألّا يعطيَني مغموزًا ولا مقطوعًا - وكان شرطهم يومئذ - فأتيتُه بهذه الدراهم ليبدِّلها لي فأبَى، فلَزِمته، فلَطَمني، فقال: أبدِلْه؛ فقال: بيِّنتَك على اللّطمة؛ فأتاه بالبينة، فأقعده ثم قال: دونَك فاقتصّ؛ فقال: إنّي قد عفوتُ يا أمير المؤمنين! قال: إنما أردتُ أن أحتاط في حقّك، ثم ضرب الرجلَ تسعَ دِرّات، وقال: هذا حقّ السلطان (٢). (٥: ١٥٦/ ١٥٧).
١٢١٨ - حدّثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الأصبهانيّ، قال: حدّثنا المسعوديّ عن ناجية، عن أبيه، قال: كنا قيامًا على باب القصر؛ إذ خرج عليٌّ علينا، فلما رأيناه؛ تنحّينا عن وجهه هيبةً له، فلما جاز؛ صرْنا خلفَه، فبينا هو كذلك؛ إذ نادى رجل: يا غوثا بالله! فإذا رجلان يقتَتِلان، فَلكَز صدرَ هذا وصدرَ هذا، ثم قال لهما: تنحّيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا اشترى مني شاةً، وقد شرطتُ عليه ألّا يعطيَني مغموزًا ولا محذَّقًا، فأعطاني دِرْهمًا مغموزًا، فرددتُه عليه، فلَطَمني. فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صَدقَ يا أميرَ المؤمنين! قال: فأعطه شرطَه، ثم قال لِلّاطِم: اجلِس، وقال لِلمَلْطوم: اقتصّ. قال: أوَ أعفو يا أميرَ المؤمنين؟ ! قال: ذاك إليك؛ قال: فلما جاز الرجل قال عليّ: يا معشر المسلمين! خذوه.
стр. 3585
قال: فأخذوه، فحُمِل على ظهرِ رجل كما يُحمل صبيان الكتّاب، ثم ضربه خمسَ عشرةَ دِرّة، ثم قال: هذا نَكالٌ لِما انتهكتَ من حرمتِه (١). (٥: ١٥٧).
١٢١٩ - حدّثني ابن سنان القزّاز، قال: حدّثنا أبو عاصم، قال: حدّثنا سُكَين بن عبد العزيز، قال: أخبَرَنا حفص بن خالد، قال: حدّثني أبي خالد بن جابر، قال: سمعتُ الحسن يقول: لما قُتِل عليّ ﵇ وقد قام خطيبًا، فقال: لقد قتلتم الليلةَ رجلًا في ليلة فيها نزل القرآن، وفيها رُفع عيسى بن مريمَ ﵇، وفيها قُتل يوشع بن نون فتَى موسى ﵉، والله ما سبَقه أحد كان قبله، ولا يدركُه أحد يكون بعدَه، والله إن كان رسولُ الله ﷺ ليبعثه في السريّة؛ وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، واللهِ ما ترك صَفراءَ، ولا بيَضاءَ إلا ثمانمئة - أو سبعمئة - أرصَدَها لخادمه (٢). (٥: ١٥٧).
ذكر بيعة الحسن بن عليّ
١٢٢٠ - وفي هذه السنة - أعني: سنة أربعين - بويع للحسن بن عليّ ﵇ بالخلافة؛ وقيل: إنّ أوّل مَن بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسُط يَدك أبايعْك على كتاب الله ، وسنّة نبيّه، وقتال المُحِلّين! فقال له الحسن ﵁: على كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شَرْط؛ فبايَعَه، وسَكَت. وبايَعَه الناس.
وحدّثني عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزيّ، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: جعل عليّ ﵇ قيس بن سعد على مقدّمته من أهلِ العراق إلى قبَل أذْرَبيجان، وعلى أرضها وشُرْطة الخميس الذي ابتدعه من العرب، وكانوا أربعين ألفًا، بايعوا عليًّا
стр. 3586
عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يدارِئ ذلك البعثَ حتى قُتل عليّ ﵇؛ واستَخلَف أهل العراق الحسنَ بن عليّ ﵇ على الخلافة، وكان الحسن لا يرى القتال، ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن: أنّ قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمّر عبيد الله بنَ عبّاس، فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن ﵇ أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها، فشرط ذلك له معاوية (١).
١٢٢١ - وحدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الحرّانيّ الخزاعيّ أبو عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد، قال: بايع الناسُ الحسنَ بن عليّ ﵇ بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيسَ بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفًا، وأقبل معاويةُ في أهل الشأم حتى نزل مَسكِن، فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر: ألا إنّ قيسَ بنَ سعد قد قُتِل، فانفِرُوا، فنفروا ونَهبُوا سُرادِق الحسن ﵇ حتى نازَعوه بِساطًا كان تحته، وخرج الحسن حتى نزل المقصورةَ البيضاء بالمدائن، وكان عمّ المختار بن أبي عُبيد عاملًا على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شابّ: هل لك في الغِنَى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تُوثِق الحسن، وتَستأمِن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنةُ الله، أثِبُ على ابن بنتِ رسول الله ﷺ فأوثِقه! بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسنُ ﵇ تفرُّقَ الأمر عنه بَعَث إلى معاوية يطلب الصّلحَ، وبعث معاويةُ إليه عبدَ الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سُمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقَدِما على الحسن بالمدائن، فأعطيَاه ما أراد، وصالَحاه على أن يأخذ من بيت مالِ الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياءَ اشترطها، ثم قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق! إنه سَخَّى بنفسي عنكم ثلاث:
стр. 3587
قتلُكم أبي، وطعنُكم إيايّ، وانتهابُكم مَتاعي.
ودخل الناس في طاعة معاوية، ودخل معاوية الكوفةَ، فبايعه الناس (١). (٥: ١٥٧).
١٢٢٢ - قال زياد بن عبد الله: عن عوانة، وذكر نحوَ حديث المسروقيّ، عن عثمان بن عبد الرحمن هذا، وزاد فيه: وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح، وطلب الأمان، وقال الحسن للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني قد كتبتُ إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان؛ فقال له الحسين: نشدْتُك اللهَ أن تصدِّق أحدوثةَ معاوية، وتكذّب أحدوثةَ عليّ! فقال له الحسن: اسكُت، فأنا أعلم بالأمر منك، فلمّا انتهى كتابُ الحسن بن عليّ ﵇ إلى معاوية؛ أرسل معاويةُ عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سَمُرة، فقَدِما المدائن، وأعطيا الحسن ما أرادَ، فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدّمته في اثني عشر ألفًا يأمره بالدّخول في طاعة معاوية، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: يا أيّها الناس! اختاروا الدخولَ في طاعة إمامِ ضلالة، أو القتال مع غير إمام؛ قالوا: لا، بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة. فبايَعوا لمعاوية، وانصرف عنهمْ قيس بن سعد، وقد كان صالَح الحسنُ معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دارا بجرد على ألَّا يُشتمَ عليٌّ وهو يسمَع، فأخذ ما في بيت مالِه بالكوفة، وكان فيه خمسة آلاف ألف (٢). (٥: ١٦٠).
١٢٢٣ - وحجّ بالناس في هذه السنة المغيرةُ بن شُعْبة، حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الخُزاعيّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال: لما حضر الموسم - يعني في العام الذي قُتِل فيه عليّ ﵇ كتب المغيرةُ بن شعبة كتابًا افتعلهُ على لسان معاوية، فأقام
стр. 3588
للناس الحجّ سنة أربعين، ويقال: إنّه عرّف يوم التروية، ونحر يوم عرفة، خوفًا أن يفطن بمكانه، وقد قيل: إنه إنما فعل ذلك المغيرة لأنه بلغه أن عُتبة بن أبي سُفيان مصبّحه واليًا على الموسم، فعجل الحجّ من أجل ذلك (١).
* * *
стр. 3589
الضَّعِيفُ وَالمَسكوت عَنْه
تَاريِخ الطَّبَري
تَاريِخ الخِلَافَةِ في عَهْدِ الأَمَوييْنَ وَالعَبَاسيين
لِلإِمَامِ أبِي جَعْفَر بْنِ جَرِير الطَّبَرِي
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقّقَه وَخَرَّج روَايَاتِه وعَلَّقَ عَلَيْه
محمّد بن طاهر البَرزنجيّ
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
المجّلد التّاسع
دَار ابْن كَثير
دمشق - بَيروت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com
стр. 3593
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵌.
وبعد:
فقد وضعنا في قسم الضعيف هذا من الروايات التاريخية التي أخرجها الطبري من [٥/ ١٥٢ إلى ٦/ ٥٧٣] وبما أن الطبري يكرر أسانيد معروفة عنده عشرات وأحيانًا مئات المرات رأينا من الضروري أن نذكر تلك الأسانيد الضعيفة في هذه المقدمة مع ذكر كلام أئمة الحديث وحكمهم على رجالها حتى لا يكرر كثيرًا فيصاب القارئ الكريم بالملل، وهذه الروايات إما من طريق تالف هالك، أو متهم بالوضع والكذب، أو ضعيف جدًّا، أو رواه الطبري معضلًا، أو بلا إسناد.
١ - أغلب روايات هذا القسم من طريق التالف الهالك: أبي مخنف لوط بن يحيى.
فقد أخرج الطبري من طريقه في هذا القسم أكثر من (٢٤٠) رواية ومتونها مليئة بالنكارات والطعن في عدالة الصحابة والكذب والتزوير والتشويه، وإليك آراء العلماء في لوط بن يحيى هذا (أبي مخنف):
قال الحافظ ابن عدي: شيعي محترف صاحب أخبارهم.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا حاتم عنه، فنفض يده وقال: أحدٌ يسأل عن هذا؟
стр. 3594
وقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به.
[ميزان الاعتدال (ت ٧٤٥١)، لسان الميزان (٤/ ٥٨٤)، الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ١٦٢١)].
٢ - الواقدي (محمد عمر).
وتأتي رواياته بالدرجة الثانية بالنسبة لعددها مقارنة مع روايات أبي مخنف فقد أخرج عنه الطبري في هذا القسم في أكثر من (٩٠) موضعًا وقد ذكرنا جُلَّ مروياته في قسم الضعيف سوى ما يتعلق بالوفيات فلها لما يشهد لها مع روايات قليلة جدًّا له لما يؤيدها وإلَّا فأغلب رواياته في قسم الضعيف هنا، وإليك ما قاله الأئمة فيه:
قال أحمد: هو كذاب.
وقال ابن عدي: ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة.
وقال النسائي: متروك.
وقال البخاري: متروك.
واتهمه أبو حاتم، والنسائي بوضع الحديث.
وقال الذهبي: واستقر الإجماع على وهن الواقدي.
وقال ابن حجر: متروك على سعة علمه.
[التقريب (ت ٦١٧٥)، التاريخ الكبير (١/ ١٧٨/١)؛ الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٤١/ ١٧١٩)، ميزان الاعتدال (ت ٨٤٥٧)، الضعفاء والمتروكين (١/ ٢١٧ / ت ٥٥٧)].
٣ - هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
أخرج عنه الطبري في هذا القسم أكثر من (٤٠) رواية بالإضافة إلى عشرات الروايات اجتمع فيها مع أبي مخنف فزاد الطين بلّةً والإسناد وهنًا وهشاشةً وطامةً، وإليك أقول العلماء فيه:
قال الدارقطني: متروك.
стр. 3595
وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة.
وقال ابن معين: غير ثقة وليس عن مثله يروى الحديث.
وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ومعروف مولى سليمان والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها.
وقال أيضًا: وكان غاليًا في التشيع أخباره في الأغلوطات أشهر من أن تحتاج إلى الإغراق في وصفها.
وقال الذهبي: تركوه كأبيه وكانا رافضيين.
[لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، ميزان الاعتدال (ت ٩٧٣٧)، المجروحين ٣/ ٩١)].
٣ - وما عدا هؤلاء الثلاثة (أبو مخنف، الواقدي، هشام الكلبي) فقد أخرج الطبري روايات أخرى متفرقة عن متروكين أو وضاعين أو ضعفاء ولكن مروياتهم قليلة كالهيثم بن عدي (٤) روايات.
وهو الذي قال فيه البخاري: كان يكذب.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي.
وقال أبو داود والعجلي: كذاب.
[الجرح والتعديل (٤/ ٢/ ٨٥)، لسان الميزان (٧/ ٢٩٦/ ت ٩٠٥٦)، التاريخ الكبير (٤/ ٢/ ٢١٨) تاريخ الثقات (٤٦/ ت ١٧٥٧)
بالإضافة إلى رواة وردت أسماؤهم مرة واحدة أو أكثر من أمثال علي بن جعدبة (٦/ ٤١٥)، وهو كذاب متهم بالوضع.
[تهذيب الكمال (ت ٧٠٣٥)].
وإسحاق بن يحيى بن طلحة [٦/ ٨٢]، وهو متروك منكر الحديث.
[ميزان الاعتدال (ت ٨٠٢)، الجرح والتعديل (٢/ ت ٨٣٠)].
وعلي بن مجاهد الكابلي، وهو كذاب متروك.
[التقريب (ت ٤٧٩٠)].
стр. 3596
ومحمد بن حميد الرازي (٥/ ٤٨٣) الذي ضعفه جمهور أئمة الجرح والتعديل كالبخاري والنسائي ويعقوب بن شيبة وقال: كثير المناكير.
[تحرير التقريب (٣/ ت ٥٨٣٤)، تهذيب الكمال (٥/ ت ٦١٦٧)، الجرح والتعديل (٧/ ت ١٢٧٥)].
ومحمد بن السائب الكلبي (٦/ ١٠٣ - ٣٤٩ - ٣٦٤)، وهو متهم بالكذب ورمي بالرفض.
[تقريب التهذيب (ت ٥٩٠١)].
ومحمد بن مخنف، مجهول.
[لسان الميزان (ت ١٢٢٠)].
وأبو بكر بن أبي سبرة، رموه بالوضع.
[تقريب التهذيب (ت ١٠٠٢)].
وأبو بكر الهذلي. وهو أخباري متروك من السادسة توفي ١٦٧ هـ. [التقريب (ت ٨٠٣١)].
وزكريا بن يحيى بن أيوب الضرير، مجهول الحال.
وزياد بن جيل. مجهول.
[ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان (ت ٣٢٥٥)].
وغيرهم من الرواة الذين ذكرنا حكم العلماء فيهم أثناء مرورنا بروايات الطبري في هذا القسم، ولقد فصلنا في ذكر تراجم الرواة في كتابنا [رجال تاريخ الطبري جرحًا وتعديلًا] فلا داعي للإطالة والتكرار.
ولعلنا ذكرنا رواية بعضهم في الصحيح وأخرى في الضعيف كالمفضل بن محمد فهو غير ثقة في الحديث ولكن إذا كان في إسناد مرسل متعدد المخارج، أو كان له ما يقويه ذكرنا روايته في قسم الصحيع اعتمادًا على قول الخطيب: كان
стр. 3597
أخباريًا موثقًا [لسان الميزان (٦/ ٨١)]، هذا إن لم نجد في متنه نكارة أو طعنًا في عدالة الصحابة، أو مخالفة لما في الرواية الصحيحة والله أعلم.
وأخيرًا فإننا قد توصلنا إلى قناعة تامة حول الروايات التاريخية فما من نكارة في المتن إلَّا وله ما يبرره من السند من وجود راوٍ متروك أو وضاع أو كذاب، وما إلى ذلك، والحمد لله على نعمة الإسناد.
ولنبدأ الآن بذكر روايات قسم الضعيف المتمم لتاريخ القرن الهجري الأول فيما يتعلق بالصلح بين سيدنا الحسن وسيدنا معاوية ﵃ ثم عهد أمير المؤمنين معاوية وانتهاءً بوفاة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز سنة ١٠١ هـ.
* * *
стр. 3598
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر بذلك:
حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: أخبرني أبي، قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: بايع أهلُ العراق الحسنَ بنَ عليّ بالخلافة، فطفِق يشترط عليهم الحسن: إنكم سامعون مطيعون، تُسالِمون مَنْ سالمْت، وتحارِبون مَن حاربت، فارتاب أهلُ العراق في أمرِهم حين اشترط عليهم هذا الشرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد هذا القتال؛ فلم يلبث الحسنُ ﵇ بعدَ ما بايعوه إلا قليلًا حتى طُعِن طعنةً أشْوَتْه، فازداد لهم بُغْضًا، وازداد منهم ذُعْرًا، فكاتب معاوية، وأرسل إليه بشروط، قال: إن أعطيتَني هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفيَ لي به. ووقَعت صحيفةُ الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترِط في هذه الصحيفة التي ختمتُ أسفلَها ما شئت فهو لك.
فلما أتت الحسنَ اشترط أضعافَ الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاويةُ صحيفةَ الحسن ﵇ التي كتب إليه يسأله ما فيها، فلما التقى معاويةُ والحسن ﵇، سأله الحسن أن يعطيَه الشروط التي شَرَط في السجلّ الذي ختم معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيَه ذلك، فقال: لك ما كنتَ كتبت إليّ أولًا تسألني أن أعطِيَكَه، فإني قد أعطيتُك حين جاءني كتابك. قال الحسن ﵇: وأنا قد اشترطتُ حين جاءني كتابُك، وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه. فاختلَفَا في ذلك، فلم يُنفِذ للحسن ﵇ من الشروط شيئًا، وكان عَمرو بنُ العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلّم معاوية، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إلى أن يَخْطُب الناس! فقال عَمرو: لكني أريد أن يَبدُوَ عِيُّه للناس؛
стр. 3599
فلم يزل عَمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية فخطب الناس، ثم أمر رجلًا فنادى الحسنَ بن عليٍّ ﵇؛ فقال: قم يا حَسَن فكلّم الناس، فتَشهّد في بديهةِ أمرٍ لم يروّ فيه، ثم قال: أما بعد، يا أيّها الناس، فإن الله قد هداكم بأوّلنا، وحَقَن دماءَكم بآخِرنا، وإن لهذا الأمر مدّة، والدنيا دوَل، وإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]؛ فلمّا قالها قال معاوية: اجلس، فلم يزل ضَرِمًا على عَمرو، وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن ﵇ بالمدينة (١). (٥: ١٦٢/ ١٦٣).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: سلّم الحسن بن عليّ ﵇ إلى معاوية الكوفَة، ودخلها معاويةُ لخمس بقِين من ربيع الأوّل، ويقال من جُمَادى الأولى سنة إحدى وأربعين (٢). (٥: ١٦٣).
ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد
وفي هذه السنة جرى الصّلحُ بين معاويةَ وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته.
ذكر الخبر بذلك:
حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن الفَضْل، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: لما كتب عبيدُ الله بنُ عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الأمان لنفسه إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، فشَرَط ذلك له معاوية، بعث إليه معاوية ابنَ عامر في خيلٍ عظيمة، فخرج إليهم عبيد الله ليلًا حتى لحِق بهم، ونزل وترك جندَه الذي هو عليه لا أمير لهم، فيهم قيسُ بن سعد، واشترط الحسنُ ﵇ لنفسه، ثم بايع معاوية، وأمّرت شُرْطةُ الخميس قيسَ بنَ سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم على قتالِ معاوية حتى يشترط لشيعة عليّ ﵇ ولمن كان اتّبعه على أموالهم ودمائهم. وما أصابوا في الفتنة؛ فَخلَص معاويةُ حين فرغ من عبيد الله بن عباس والحسن ﵇
стр. 3600
إلى مكايدة رجل هو أهمّ الناس عنده مكايدةً، ومعه أربعون ألفًا، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكّره اللهَ ويقول: على طاعة مَن تقاتل، وقد بايَعني الذي أعطيتَه طاعتك؟ فأبى قيس أن يَلينَ له، حتى أرسل إليه معاوية بسِجِلٍّ قد ختم عليه في أسفله، فقال: اكتب في هذا السجلّ ما شئتَ، فهو لك. قال عمرو لمعاوية: لا تُعطِه هذا، وقاتِلْه، فقال معاوية: على رِسْلِك! فإنا لا نَخلُص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادَهم من أهل الشام، فما خيرُ العيش بعد ذلك! وإني والله لا أقاتله أبدًا حتى لا أجد من قتاله بدًّا. فلما بعث إليه معاوية بذلك السجلّ أشترط قيس فيه له ولشيعة عليّ الأمان على ما أصابوا من الدّماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجلّه ذلك مالًا، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومَن معه في طاعته، وكانوا يَعُدّون دهاةَ الناس حين ثارت الفتنة خمسةَ رهْط، فقالوا: ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سُفْيان، وعَمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بُدَيل الخُزاعيّ؛ وكان قيس وابن بُدَيل مع عليّ ﵇، وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية، إلا أنّ المغيرة كان معتزلًا بالطائف حتى حُكّم الحكَمان، فاجتمعوا بأذرُح.
وقيل: إنّ الصلح تمّ بين الحَسَن ﵇ ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرّة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دَخلَها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقديّ (١). (٥: ١٦٣/ ١٦٤/ ١٦٥).
دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة
وفي هذه السنة دخل الحسنُ والحسين ابنا عليّ ﵇ منصرِفَين من الكوفة إلى المدينة.
ذكر الخبر بذلك:
ولما وقع الصلح بين الحسن ﵇ وبين معاوية بمسكِن، قام - فيما حُدّثت عن زياد البَكّائيّ، عن عوانة - خطيبًا في الناس فقال: يا أهلَ العراق، إنه
стр. 3601
سَخَّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلُكم أبي، وطعنُكم إيّاي، وانتهابُكم مَتاعي. قال: ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحَشَمهم وأثقالهم حتى أتَوا الكوفة، فلما قَدِمها الحسن وبَرَأ من جِراحته، خرج إلى مسجد الكوفة فقال: يا أهل الكوفة، اتقوا الله في جِيرانكم وضِيفانكم، وفي أهل بيتِ نبيِّكم ﷺ الذين أذهبَ الله عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيرًا. فجعل الناسُ يَبكون، ثم تحمَّلوا إلى المدينة. قال: وحال أهلُ البصرة بينه وبين خَراج دارابجرد؛ وقالوا: فيئنا، فلما خرج إلى المدينة تلقّاه ناسٌ بالقادسيّة فقالوا: يا مُذِلّ العَرَب (١)! (٥: ١٦٥).
ذكر خروج الخوارج على معاوية
وفيها خرجت الخوارجُ التي اعتزلتْ أيام عليّ ﵇ بشَهْرَزور على معاوية.
ذكر خبرهم:
حدّثت عن زياد، عن عَوانة، قال: قدم معاوية قبل أن يَبرَح الحسن من الكوفة حتى نزل النُّخَيلة، فقالت الحَرُوريّة الخمسمئة التي كانت اعتزلتْ بشَهْرَزور مع فَرْوة بن نوفل الأشجعيِّ: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكُوفة، فأرسل إليهم معاويةُ خيِلًا من خيل أهل الشام، فكَشَفوا أهلَ الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفّوا بَوائقَكم؛ فخرج أهلُ الكوفة إلى الخوارج فقاتَلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويْلَكم! ما تَبْغُوِن منّا! أليس معاوية عدوّنا وعدوّكم! دعُونا حتى نُقاتِله، وإن أصبْناه كنا قد كَفيناكم عدوَّكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتِلَكم؛ فقالوا: رحم اللهُ إخوِانَنا من أهل النّهر، هم كانوا أعلمَ بكم يا أهلَ الكوفة. وأخذتْ أشجعُ صاحبَهم فروة بن نوفل - وكان سيّد القوم - واستعملوا عليهم عبدَ اللهَ بن عَمرو بن العاص على الكُوفة، فأتاه المغيرةُ بن شُعبة وقال لمعاوية: استعملتَ عبد الله بنَ عمرو على
стр. 3602
الكوفة وعَمرًا على مصر، فتكون أنت بين لَحيَي الأسَد! فعزلَ عبد الله، ستعمَلَ المغيرةَ بن شعبة على الكوفة، وبلغ عمرًا ما قال المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية فقال: استعملتَ المغيرةَ على الكوفة؟ فقال: نعم، فقال: أجَعلتَه على الخراج؟ فقال: نعم؛ قال: تستعمل المغيرةَ على الخراج فيغتال المالَ، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئًا؛ استعمِل على الخراج مَن يَخافك ويهابُك ويتّقيك. فعزل المغيرةَ عن الخراج، واستعمله على الصّلاة، فلقيَ المغيرةُ عمرًا فقال: أنت المشيرُ على أمير المؤمنين بما أشرتَ به في عبدِ الله؟ قال: نعم؛ قال: هذه بتلك؛ ولم يكن عبدُ الله بنُ عَمرو بن العاص لمضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها (١). (٥: ١٦٥/ ١٦٦).
ذكر ولاية بسر بن أبي أرطاة على البصرة
وفي هذه السنة غلب حُمران بن أبان على البَصْرة، فوجّه إليه معاوية بُسرًا، أمره بقتل بني زياد.
ذكر الخبر عمّا كان من أمره في ذلك:
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: لما صالح الحسن بن عليّ ﵇ معاويةَ أوّل سنة إحدى وأربعين، وَثَب حُمران بن أبان على البصرة فأخذها، وغلب عليها، فأراد معاوية أن يَبعث رجلًا من بني القَيْن إليها، فكلّمه عبيدُ الله بن عباس ألّا يَفعل ويبعث غيره، فبعث بُسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمرَه بقتل بني زياد (٢). (٥: ١٦٧).
فحدثني مَسلمة بن مُحارب، قال: أخذ بعض بني زياد فحبسه - وزياد يومئذ بفارس، كان عليّ ﵇ بعثَه إليها إلى أكراد خرجوا بها، فظَفر بهم زياد، وأقام بإصْطَخْر - قال: فركب أبو بكْرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فاستأجَل بُسرًا، فأجّله أسبوعًا ذاهبًا وراجعًا، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابّتين، فكلّمه، فكتب معاوية بالكفّ عنهم.
стр. 3603
قال: وحدّثني بعضُ علمائنا: أنّ أبا بكْرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس، وأخرج بُسْر بني زياد ينتظر بهم غروبَ الشمس ليقتلَهم إذا وجبتْ، فاجتمع الناس لذلك وأعينُهم طامحة ينتظرون أبا بكْرة؛ إذ رُفِع علم على نَجِيب أو برْذَون يكُدّه ويجهده، فقام عليه، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبّر وكبّر الناسُ، فأقبل يسعى على رجليه حتى أدرك بُسْرًا قبل أن يقتلَهم، فدفع إليه كتابَ معاوية، فأطلقهم (١). (٥: ١٦٧).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: خطب بُسْر على مِنبرِ البَصرة، فَشتَم عليًّا ﵇، ثم قال: نشدْت الله رجلًا عَلِم أني صادق إلا صَدّقني، أو كاذب إلا كذّبني! قال: فقال أبو بكْرة: اللهمّ إنا لا نعلمك إلا كاذبًا؛ قال: فأمَر به فخُنِق، قال: فقام أبو لؤلؤة الضّبيّ فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فأقطعه أبو بكْرة بعد ذلك مئةَ جَريب. قال: وقيل لأبي بكْرة: ما أردتَ إلى ما صنعت! قال: أيُناشِدُنا بالله ثم لا نصدّقه! قال: فأقام بُسْر بالبَصرة ستّة أشهر، ثم شَخَص لا نَعلَمه ولَّى شرطتَه أحدًا (٢). (٥: ١٦٧/ ١٦٨).
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، قال: أخبرني شيخٌ من ثَقيف، عن بُسر بن عُبيد الله، قال: خرج أبو بَكْرة إلى معاويةَ بالكوفة فقال له معاوية: يا أبا بَكْرة، أزائرًا جئتَ أم دعتْك إلينا حاجة؟ قال: لا أقول باطلًا، ما أتيتُ إلا في حاجة! قال: تُشَفَّع يا أبا بَكْرة ونرى لك بذلك فضلًا، وأنت لذلك أهل، فما هو؟ قال: تؤمّن أخي زيادًا وتكتب إلى بُسر بتَخْلية ولده وبترك التعرّض لهم؛ فقال: أما بنو زياد فنكتب لك فيهم ما سألت؛ وأما زياد ففي يده مالٌ للمسلمين، فإذا أدّاه فلا سبيل لنا عليه؛ قال: يا أميرَ المؤمنين، إن يكن عنده شيء فليس يحبسه عنك إن شاء الله. فكتب معاوية لأبي بكْرة إلى بُسْر ألّا يتعرّض لأحد من ولد زياد، فقال معاوية لأبي بَكْرة: أتعهد إلينا عهدًا يا أبا بكرة؟ قال: نعم، أعهد إليك يا أميرَ المؤمنين أن تنظرَ لنفسك ورعيّتك، وتعمل صالحًا فإنك قد تقلدت عظيمًا، خلافةَ الله في خلقه، فاتّق اللهَ فإنّ لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك
стр. 3604
طالب حَثيث، فأوشك أن تبلغ المدَى، فيلحق الطالب، فتصير إلَى من يسألك عمّا كنتَ فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرنّ على رضا الله شيئًا (١). (٥: ١٦٩).
حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن سلَمة بن عثمان، قال: كتب بُسر إلى زياد: لئن لم تُقدِم لأصلبنّ بَنيك. فكتب إليه: إن تفعل فأهل ذلك أنتَ، إنما بعث بك ابنُ آكلة الأكباد. فركب أبو بكْرة إلى معاوية، فقال: يا معاوية، إنّ الناس لم يُعطوك بَيعتهم على قتل الأطفال، قال: وما ذاك يا أبا بَكْرة؟ قال: بُسر يريد قتلَ أولاد زياد، فكتب معاوية إلى بُسر: أن خلّ مَن بيدك من ولد زياد.
وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل عليّ ﵇ يتوعّده (٢). (٥: ١٦٩/ ١٧٠).
فحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ عن حبّان بن موسى، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: كَتب ساوية حين قتِل عليّ ﵇ إلى زياد يتهدده، فقام خطيبًا فقال: العجبُ من ابن آكِلة الأكباد، وكهفِ النفاق، ورئيسِ الأحزاب؛ كتب إليّ يتهدّدني وبيني وبينه ابنا عمّ رسول الله ﷺ يعني ابن عباس والحسنَ بن عليّ - في تسعين ألفًا، واضعي سيوفَهم على عواتقهم، لا ينثنون، لئن خَلَص إليّ الأمرُ ليجدني أحمزَ ضَرّابًا بالسيف. فلم يزل زياد بفارسَ واليًا حتى صالح الحسن ﵇ معاوية، وقدم معاويةُ الكوفة، فتحصّن زيادٌ في القلعة التي يقال لها: قلعةُ زياد (٣). (٥: ١٧٠).
ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سِجِستان وخُراسان
وفي هذه السنة ولَّى معاويةُ عبدَ الله بنَ عامر البَصرة وحرب سجستان وخُراسان.
стр. 3605
ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها:
حدّثني أبو زيد، قال: حدّثنا عليّ، قال: أراد معاوية توجيهَ عتبة بن أبي سُفيان على البَصرة، فكلمه ابن عامر وقال: إنّ لي بها أموالًا وودائع، فإن لم توجّهني عليها ذهبتْ. فولّاه البصرة، فقَدِمها في آخر سنة إحدى وأربعين وإليه خُراسان وسجِستان، فاراد زيدَ بن جَبَلة على ولاية شرطته فأبى، فولّى حبيبَ بن شهاب الشاميّ شُرْطته - وقد قيل: قيس بن الهثيم السُّلميّ - واستقضى عميرة بن يَثربيّ الضَبيّ أخا عمرو بن يثربيّ الضّبيّ (١). (٥: ١٧٠).
حدّثني أبو زيد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيدُ مالك الباهليّ، وهو الخَطيم - وإنما سمّي الخَطيم لضربة أصابتْه على وجهه - فخرج هو وسهمُ بن غالب الهجيميّ فأصبحوا عند الجسِر، فوجدوا عبادة بن قرص الليثيّ أحد بني بُجير - وكانت له صحبة - يصلي عند الجسر، فأنكروه فقتلوه، ثم سألوه الأمان بعد ذلك، فآمنهم ابنُ عامر، وكتب إلى معاوية: قد جعلت لهم ذمّتك. فكتب إليه معاوية: تلك ذمّةٌ لو أخفرتَها؛ لَسُئِلْتَ عنها، فلم يزالوا آمنين حتى عُزل ابن عامر (٢). (٥: ١٧٠/ ١٧١).
وفي هذه السنة ولد عليّ بن عبد الله بن عباس وقيل: وُلد في سنة أربعين قبل أن يُقتل عليّ ﵇، وهذا قول الواقديّ.
وحجّ بالناس في هذه السنة عُتبة بن أبي سُفيان في قول أبي معشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وأما الواقديّ فإنه ذكر عنه: أنه كان يقول: حجّ بالناس في هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - عَنْبَسة بن أبي سُفيْان (٣). (٥: ١٧١).
стр. 3606
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فافيها غزا المسلمون اللّان، وغزَوْا أيضًا الرّوم، فهزموهم هزيمةً منكرَة - فيما ذكروا - وقَتلوا جماعةً من بَطارِقتهم (١).
وقيل: في هذه السنة وُلد الحجّاج بن يوسف (٥: ١٧٢).
وذكر عليّ بن محمد عن محمد بن الفضل العبسييّ، عن أبيه، قال: بعث عبد الله بن عامر قيسَ بن الهيثم على خُراسان حين ولّاه معاوية البَصرة وخُراسان، فأقام قيس بخُراسان سنتين (٢). (٥: ١٧٢).
وقد قيل في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن أبي صالح السُّلَميّ عن زياد بن صالح، قال: بعث معاوية حيق استقامت له الأمور قيس بنَ الهيثم إلى خُراسان، ثم ضمَّها إلى ابن عامر، فترك قيسًا عليها (٣). (٥: ١٧٢).
ذكر الخبر عن تحرّك الخوارج
وفي هذه السنة تحرّكت الخوارجُ الذين انحازوا عمّن قُتل منهم بالنَّهرَوان ومن كان ارتُثّ من جَرْحاهم بالنَّهروان، فبرَؤوا، وعفا عنهم عليّ بن أبي طالب ﵁ (٤). (٥: ١٧٢).
ذكر الخبر عمّا كان منهم في هذه السنة:
ذكر هشام بن محمد عن أبي مِخْنف، قالى: حدّثني النَّضْر بن صالح بن حبيب عن جَرير بن مالك بن زُهير بن جَذيمة العبسيّ، عن أبيّ بن عُمارة العبسيّ: أن حيّان بن ظَبيان السُّلَميّ كان يرى رأيَ الخوارج، وكان ممن ارتُثّ يومَ النّهراون،
стр. 3607
فعفا عنه عليّ ﵇ في الأربعمئة الذين كان عفا عنهم من المرتثِّين يوم النّهر، فكان في أهله وعشيرته، فلبث شهرًا أو نحوَه. ثم إنه خرج إلى الرّيّ في رجال كانوا يَروْن ذلك الرأي، فلم يزالوا متهيمين بالرّيّ حتى بلغهم قتلُ عليّ كرّم الله وجهه، فدعا أصحابه أولئك - وكانوا بضعةَ عشر رجلًا، أحدهم سالم بن ربيعة العبسيّ - فأتَوْه، فحمدَ الله وأثنَى عليه ثم قال: أيّها الإخوان من المسلمين، إنه قد بلغني أنّ أخاكم ابن ملجم أخا مُراد قَعد لقتل عليّ ابن أبي طالب عند أغباش الصُّبح مقابل السُّدّة التي في المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكدًا ينتظر خروجَه حتى خرج عليه حين أقام المقيمُ الصّلاة صلاة الصبح، فشدّ عليه فضرب رأسَه بالسيف، فلم يَبق إلا ليلتين حتى مات، فقال سالم بن ربيعة العبسيّ: لا يقطع الله يمينًا علتْ قَذالَه بالسَّيف؛ قال: فأخذ القومُ يَحمَدون الله على قتلِه ﵇ ورضي الله عنه ولا رضيَ عنهم ولا رحمهم!
قال النّضْر بن صالح: فسألت بعد ذلك سالمَ بن ربيعة في إمارة مُصعب بن الزبير عن قوله ذلك في عليّ ﵇، فأقرّ لي به، وقال: كنت أرى رأيهم حينًا، ولكن قد تركتُه؛ قال: فكان في أنفسنا أنه قد تركه؛ قال: فكان إذا ذكروا له ذلك يُرْمضه. قال: ثمّ إنّ حيّان بن ظَبيان قال لأصحابه: إنه والله ما يَبقى على الدّهر باقٍ، وما تَلبث الليالي والأيام والسنُون والشهور على ابن آدم حتى تُذيقَه الموت، فيفارق الإخوان الصالحين، ويدَع الدّنيا التي لا يَبكي عليها إلا العَجَزة، ولم تزل ضارّةً لمن كانت له همًّا وشَجَنًا؛ فانصرِفوا بنا رحمكم الله إلى مصرِنا، فلنأت إخوانَنا فلندْغهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذرَ لنا في القعود، ووُلاتُنا ظَلَمة، وسنّة الهدى متروكة، وثأرنا الّذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يُظفرنا الله بهمْ نعمِد بعد إلى التي هي أهدَى وأرضَى وأقومَ، ويَشفي الله بذلك صدورَ قوم مؤمنين، وإن نُقتل فإنّ في مفارقة الظالمين راحةً لنا، ولنا بأسلافنا أسوة. فقالوا له: كلّنا قائل ما ذكرتَ، وحامدٌ رأيَك الذي رأيت، فرِدْ بنا المِصرَ فإنا معك، راضون بهُداك وأمرك؛ فخرج وخرجوا معه مقبِلين على الكُوفة، فذلك حين يقول:
خليلَيَّ ما بي من عَزاءٍ ولا صبْرِ ... ولا إِرْبَةٍ بعد المُصابِينَ بالنَّهْرِ
سِوَى نَهَضاتٍ في كتائِبَ جَمَّةٍ ... إِلى الله ما تَدْعُو وفي الله ما تَفْرِي
стр. 3608
إِذا جاوزَتْ قُسْطانَةَ الرَّيِّ بَغلَتي ... فلستُ بسارٍ نحْوَها آخِرَ الدَّهرِ
ولكنَّنِي سارٍ وِإنْ قلّ ناصِرِي ... قريبًا فلا أُخزِيكما مَع مَنْ يَسْرِي
قال: وأقبل حتى نزل الكوفة، فلم يزل بها حتى قَدِم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة واليًا على الكوفة، فأحبّ العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتِّش أهلَ الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتَى فيقال له: إنّ فلانًا يَرَى رأيَ الشِّيعة، وإنّ فلانًا يرى رأيَ الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألا تزالون مختلفين، وسيَحْكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، فأمِنه الناس، وكانت الخوارج يَلقَى بعضهم بعضًا، ويتذاكرون مكانَ إخوانهم بالنَّهْروان ويَروْن أن في الإقامة الغَبْن والوكَف، وأنّ في جهادِ أهل القبلة الفضل والأجر (١). (٥: ١٧٣/ ١٧٤).
قال أبو مخنف: فحدّثني النَّضْر بن صالح، عن أبيّ بن عُمارة: أنّ الخوارج في أيام المُغيرة بن شُعبة فَزِعوا إلى ثلاثةِ نفر؛ منهم المستورِد بن عُلّفة، فخرج في ثلاثة رجالٍ مقبلًا نحو جَرْجَرايا على شاطئ دِجلْة (٢). (٥: ١٧٤).
قال أبو مِخْنف: وحدّثني جعفر بن حُذَيفة الطائيّ من آل عامر بن جُوَين عن المحلّ بن خليفة: أنّ الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورِد بن عُلّفة التّيميّ من تَيْم الرِّباب، وإلى حيّان بن ظَبيان السُّلميّ، وإلى معاذ بن جُوَين بن حُصين الطائيّ السِّنْبِسيّ - وهو ابن عمّ زيد بن حُصين، وكان زيد ممن قتله عليّ ﵇ يوم النَّهْروان، وكان معاذ بن جُوَين هذا في الأربعمئة الذين ارتُثُّوا من قَتلَى الخوارج، فعفا عنهم عليّ ﵇ فاجتمعوا في منزل حيّان بن ظَبيان السُّلميِّ، فتشارووا فيمن يولُّون عليهم. قال: فقال لهم المستورِد: يا أيُّها المسلمون والمؤمنون، أراكم الله ما تحبّون، وعزلَ عنكم ما تَكرَهون، ولُّوا عليكم مَنْ أحببتم، فو الذي يَعلَم خائنةَ الأعين وما تُخفِي الصّدور ما أبالي مَن كان الوالي عليّ منكم! وما شرفَ الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود. فقال حيّان بن ظَبْيان: أمّا أنا فلا حاجة لي فيها وأنا بك وبكلّ امرئٍ من إخواني راضٍ، فانظروا مَن شئتم
стр. 3609
منكم فسمّوه، فأنا أوّل من يُبايعه. فقال لهم معاذ بن جُوَين بن حصين: إذا قلتما أنتما هذا؛ وأنتما سيِّدا المسلمين، وذَوَا أنسابهم في صَلاحِكما ودِينكما وقَدرِكما، فمن يرأس المسلمين، وليس كلّكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغي أن يليَ على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقَهُهم في الدين، وأشدُّهم اضطلاعًا بما حُمِّل، وأنتما بحمد الله ممن يُرضى بهذا الأمر، فليتولّه أحدكما. قالا: فتولّه أنت، فقد رضيناك، فأنتَ والحمدُ لله الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسنّ مني، فليتولّه أحدكما، فقال حينئذ جماعة مَن حضرهما من الخوارج: قد رضينا بكم أيّها الثلاثة، فولوا أيَّكم أحببتم؛ فليس في الثلاثة رجل إلا قال لصاحبه: تولّها أنت، فإني بك راضٍ، وإني فيها غيرُ ذي رغبة. فلما كثر ذلك بينهم قال حيّان بن ظَبيان، فإنّ معاذ بن جُوَين قال: إنّي لا ألي عليكما وأنتما أسنّ مني، وأنا أقول لك مِثلَ ما قال لي ولك، لا ألي عليك وأنت أسنّ مني، ابسطُ يدَك أبايعْك. فبَسَط يده فبايعه، ثم بايعه معاذ بن جوين، ثم بايعه القومُ جميعًا، وذلك في جُمادى الآخرة. فاتّعدِ القوم أن يتجّهزوا ويتيسرُوا ويستعدُوا، ثم يخرجوا في غرّة الهلال هلالِ شعبان سنة ثلاث وأربعين، فكانوا في جهازهم وعدّتهم (١). (٥: ١٧٤/ ١٧٥/ ١٧٦).
وقيل: في هذه السنة سار بُسر بن أبي أرطاة العامريّ إلى المدينة ومكة واليَمن، وقَتل من قَتله في مسيره ذلك من المسلمين.
وذلك قول الواقديّ، وقد ذكرتُ مَن خالفه في وقت مسيره هذا السير (٢). (٥: ١٧٦).
وزعم الواقديّ: أن داودَ بن حيان حدّثه عن عطاء بن أبي مروان، قال: أقام بسر بن أبي أرطاةَ بالمدينة شهرًا يَستعرض الناسَ، ليس أحدٌ ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قَتَله (٣). (٥: ١٧٦).
وقال عطاء بن أبي مَرْوان: أخبرني حَنْظلة بن عليّ الأسلميّ، قال: وجد قومًا
стр. 3610
من بني كعب وغِلمانهم على بئرٍ لهم فألقاهم في البئر (١). (٥: ١٧٦).
ذكر قدوم زياد على معاوية
وفي هذه السنة قَدِم زيادٌ - فيما حدّثني عمر - قال: حدّثنا أبو الحسن عن سليمان بن أرقم: قدم على معاوية من فارسَ، فصالحه على مال يحمِله إليه (٢). (٥: ١٧٦).
وكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس وما حدّثني عمر قال: حدّثنا أبو الحسن عن مسلمة بن محارب، قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكْرة يلِي ما كان لزياد بالبصرْة، فبلغ معاوية: أنّ لزياد أموالًا عند عبد الرحمن، وخاف زيادٌ على أشياءَ كانت في يد عبد الرحمن لزياد، فكتب إليه يأمره بإحرازها، وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعبة لينظرَ في أموال زياد، فقدم المغيرة، فأخذ عبد الرحمن، فقال: لئن كان أساء إليّ أبوك لقد أحسن زياد. وكتب إلى معاوية: إني لم أصب في يد عبد الرحمن شيئًا يَحِلّ لي أخْذُه. فكتب معاويةُ إلى المغيرة أنْ عَذِّبه. قال: وقال بعض المشيخة: إنه عَذّب عبد الرحمن بن أبي بَكْرة إذْ كتب إليه معاوية، وأراد أن يُعْذِر ويبلغَ معاوية ذلك، فقال: احتفظ بما أمرك به عمُّك، فألقى على وجهه حريرةً ونضَحَها بالماء، فكانت تَلتزِق بوجهه، فغُشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرّات، ثم خلّاه، وكتب إلى معاوية: إني عذّبته، فلم أصب عنده شيئًا، فحفظ لزياد يدَه عنده (٣). (٥: ١٧٦/ ١٧٧).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عبد الملك بن عبد الله الثَّقَفيّ، عن أشياخ من ثَقيف، قالوا: دخل المغيرة بن شُعبة على معاوية، فقال معاوية حين نظر إليه:
إنَّمَا موضعُ سِرّ المرءِ إِن ... باحَ بالسِّرِّ أَخوه لمُنْتَصِحْ
فإِذا بُحْتَ بِسِرٍّ فِإلى ... ناصحٍ يَستُرُه أَوْ لا تَبُحْ