← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

أبي ظَبيان الأزديّ، فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيدَ بن معاوية (١). (٤٥٩: ٥). قال هشام: فحدّثني عبد الله بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُذاميّ عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجُرشى؛ من حمير، قال: والله إنا لعند يزيدَ بن معاوية بدمشق؛ إذ أقبل زَحْر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك؟ وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، وَرَدَ علينا الحسينُ بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته وستِّين من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حُكم الأمير عُبيدِ الله بن زياد، أو القتال؛ فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدوْنا عليهِم مع شروق الشمس، فأحطْنا بهم من كلّ ناحية، حتى إذا أخذتِ السيوفُ مأخَذها من هام القوم، يَهربون إلى غير وَزَر، ويلوذون منا بالآكام والحُفَر، لواذًا كما لاذ الحمَائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جَزْرَ جَزور أو نومةَ قائل حِتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادُهم مجرَّدة، وثيابُهم مرمَّلة وخدودهم معفرة، تصهرُهم الشمس، وتَسفي عليهم الريح، زُوَّارهم العِقْبان والرَّخَم بقيّ سَبْسَب، قال: فدمعتْ عينُ يزيد، وقال: قد كنت أرضَى من طاعتكم بدون قتلِ الحسين، لعن الله ابن سُميّة! أما والله لو أنّي صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسينَ! ولم يصله بشيء. قال: ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهِّزن، وأمر بعليّ بن الحسين فَغُلَّ بغلّ إلى عنقه، ثم سرّح بهم مع مُحَفّز بن ثعلبة العائذيّ، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد، فلم يكن عليّ بن الحسين يكلم أحدًا منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا، فلمّا انتهَوا إلى باب يزيدَ رفع مُحَفز بن ثعلبة صوتَه، فقال: هذا محفَز بن ثعلبة أتي أميرَ المؤمنين باللئام الفَجَرة، قال: فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدتْ أم مَحفز شرٌّ وألأم (٢). (٥: ٤٥٩ - ٤٦٠). قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن

стр. 3852

مولَى يزيد بن معاوية، قال: لما وُضعت الرؤوس بين يديْ يزيدَ -رأسُ الحسين وأهل بيته وأصحابه- قال يزيد: يُفَلِّقْنَ هامًا من رجال أعِزَّةٍ ... عَلَينا وَهُمْ كانوا أعَقَّ وأَظْلَما أما والله يا حسينُ، لو أنا صاحبُك ما قتلتُك (١)! (٥: ٤٦٠). قال أبو مخنف: حدّثني أبو جعفر العبسيّ، عن أبي عمارة العبسيّ، قال: فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم: لهامٌ بجَنْبِ الطَّفِّ أدْنى قَرابةً ... مَن ابن زيادِ العبدِ ذي الحسَب الوَغْل سُمَيَّةُ أمسى نَسلها عدد الحصى ... وبنتُ رَسُولِ الله لَيْسَ لها نَسْل قال: فضرب يزيدُ بن معاوية في صدر يحيى بن الحكَم وقال: اسكت. قال: ولمَّا جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حولَه، ثم دعا بعليِّ بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخِلوا عليه والناس ينظرون، فقال يزيد لعليّ: يا على! أبوك الذي قطع رَحمي، وجَهل حَقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيتَ! قاله: فقال عليّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فقال يزيد لابنه خالد: اردْد عليه؛ قال: فما دَرَى خالد ما يردّ عليه؛ فقال له يزيد: قل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ثمٍ سكت عنه؟ قال: ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبح الله ابنَ مَرْجانة! لو كانت بينه وبينكم رَحِم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بَعث بكم هكذا (٢). (٥: ٤٦٥ - ٤٦١). قال أبو مخنف: عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت عليٍّ، قالت: لما أجلِسْنا بين يديْ يزيدَ بن معاوية؛ رقّ لنا، وأمَرَ لنا بشيء، وألطَفنا؛ قالت: ثم إن رجلًا من أهل الشأم أحمرَ قام إلى يزيدَ فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه -يعنيني، وكنتُ جارية وَضيئةً- فأرعِدتُ وفرِقْتُ، وظَننتُ أنّ ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أختي زينب؛ قالت: وكانت أختي زينب أكبرَ منّي وأعقلَ، وكانت

стр. 3853

تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت: كذبتَ والله ولؤُمتَ! ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال: كذبت واللهِ، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعلَه لفعلت؛ قالت: كلَّا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملَّتنا، وتدينَ بغير ديننا؛ قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إيَّاي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدّين أبوكِ وأخوكِ؛ فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدّي اهتديتَ أنتَ وأبوك وجدك، قال: كذبتِ يا عدّوة الله! قالت: أنت أميرٌ مسلَّط، تشتم ظالمًا، وتقهر بسلطانك! قالت: فوالله لكأنه استحيا؛ فسكتَ ثم عاد الشاميّ فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه الجارية؛ قال: اعزُبْ، وهَب الله لك حَتفًا قاضيًا! قالت: ثمّ قال يزيدُ بنُ معاوية: يا نعمان بن بشير! جهِّزهم بما يُصلِحهم، وابعث معهم رجلًا من أهل الشأم أمينًا صالحًا، وابعث معه خيلًا وأعوانًا فيسير بهم إلى المدينة، ثمّ أمر بالنسوة أن يُنْزلن في دارٍ على حِدَة، معهنّ ما يصلحهنّ، وأخوهنّ معهنّ عليّ بن الحسين، في الدار التي هنّ فيها قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم لتبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتْهنَ تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحةَ ثلاثًا، وكان يزيد لا يتغدّى ولا يتعشى إلا دعا عليّ بن الحسين إليه؛ قال: فدعاه ذاتَ يوم، ودعا عمر بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن: أتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالدًا ابنه، قال: لا، ولكنْ أعطني سكينًا وأعطِه سكينًا، ثم أقاتله، فقال له يزيد: وأخذه فضمه إليه ثمّ قال: "شنْشِنةٌ أعْرفُها من أخْزَم"؛ هل تلِد الحيّه إلّا حيّة! قال! ولما أرادوا أن يخرجوا؛ دعا يزيدُ عليّ بنَ الحسين ثمّ قال: لعن الله ابنَ مرجانة، أما والله لو أني صاحبُه ما سألني خصلة أبدأ إلا أعطيتها إياه، ولدفعتُ الحتْف عنه بكلّ ما استطعتُ ولو بهلاك بعض ولَدي، ولكنّ الله قضى ما رأيت، كاتبْني وأنه كلَّ حاجة تكون لك، قال: وكساهم وأوصَى بهم ذلك الرسول، قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّق هو وأصحابه حولَهم كهيئة الحرَس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءًا أو قضاءَ حاجة لم يحتشم، فلم يزل يُنازلهم في الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويُلطِفهم حتى دخلوا المدينة. وقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب:

стр. 3854

يا أخَيَّة، لقد أحسنَ هذا الرجل الشأمي إلينا في صحبتنا، فهل لكِ أن نصِلَه؟ فقالت: واللهِ ما معنا شيء نصِلُه به إلّا حُليّنا؛ قالت لها: فنعطيه حُليَّنا؛ قالت: فأخذتُ سِواري، ودُمْلُجي، وأخذتْ أختي سِوارَها، ودُملجَها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرْنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيّانا بالحسَن من الفعل؛ قال: فقال: لو كان الذي صنعتُ إنما هو للدنيا كان في حليكنّ ما يرضيني ودونَه، ولكنْ والله ما فعلتُه إلا لله، ولقرابتكم من رسول الله ﷺ (١). (٥: ٤٦٣ - ٤٦١). قال هشام: وأما عَوانة بن الحكم الكلبيّ فإنه قال: لما قُتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عُبيد الله، فبينا القومُ محتبسون إذ وقع حجَر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيدَ بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يومًا، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبيرَ فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرًا فهو الأمان إن شاء الله؛ قال: فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد أُلقيَ في السجن، ومعه كتاب مربوط ومُوسى، وفي الكتاب: أوصُوا واعهَدُوا فإنما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا، فجاء البريد ولم يُسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرّح الأسارى إليّ. قال: فدعا عبيد الله بن زياد محفّز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجَوْشن، فقال: انطلقوا بالثقَل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيدَ، فقام مُحفّز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمَق الناس وألأمِهم؛ فقال يزيد: ما ولدتْ أمّ مُحفّز ألأمَ وأحمقَ، ولكنه قاطعٌ ظالم؛ قال: فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين، قال: يفلِّقن هامًا من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلَما ثم قال: أتدرون من أين أُتِي هذا؟ قال: أبي عليٌّ خيرٌ من أبيه، وأمِّي فاطمة خيرٌ من أمه، وجدّي رسول الله خيرٌ من جدّه، وأنا خيرٌ منه وأحقّ بهذا الأمر منه؛ فأما قوله: "أبوه خيرٌ من أبي"، فقد حاجّ أبي أباه، وعلم الناسُ أيُّهما حكم له؛ وأما قولُه: "أمّي خير من أمّه"، فلَعْمري فاطمةُ ابنة رسول الله ﷺ خيرٌ من

стр. 3855

أمي؛ وأما قوله: "جدّي خيرٌ من جدّه"، فلعمري ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عِدْلًا ولا نِدًّا، ولكنه إنما أتِيَ من قبَل فقهه، ولم يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ثم أدخِل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد، وبنات معاوية، وأهله، ووَلْوَلنَ، ثم إنهن أدخِلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين- وكانت أكبرَ من سُكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد! فقال يزيد: يا ابنة أخي! أنا لهذا كنت أكره؛ قالت: والله ما ترِك لنا خُرْص، قال: يا ابنة أخي! ما آتٍ إليكِ أعظَم مما أخِذَ منكِ، ثم أخرجن فأُدخلن دارَ يزيد بن معاوية، فلم تبق امرأةٌ من آل يزيدَ إلا أتتهنّ، وأقمن المأتَم، وأرسل يزيد إلى كلّ امرأة: ماذا أخِذ لك؟ وليس منْهنّ امرأة تدَّعى شيئًا بالغًا ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: ما رأيتُ رجلًا كافرًا بالله خيرًا من يزيد بن معاوية، ثم أدخل الأسارى إليه وفيهم عليٌّ بن الحسين، فقال له يزيد: إيهٍ يا عليّ! فقال عليّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال يزيد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم جهزه وأعطاه مالًا، وسرّحه إلى المدينة. (٥: ٤٦٣ - ٤٦٤). قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو حمزة الثُّماليُّ، عن عبد الله الثُّماليّ، عن القاسم بن بُخَيْت، قال: لما أقبل وفدُ أهلِ الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم، كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلًا، فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرؤوس والسَّبايا، فوثب مروان فانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم، فقال: ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حُجبتم عن محمد يومَ القيامة؛ لن أجامعَكم على أمر أبدَّا ثَم قام فانصرف، ودخلوا على يزيدَ فوضعوا الرأسَ بين يديه، وحدّثوه الحديث. قال: فسمعتْ دَوْرَ الحديثِ هند بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز -وكانت تحت يزيد بن معاوية- فتقنّعتَ بثوبها، وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين! أرأس الحسين بن فاطمةَ بنت رسول الله! قال: نعم فأعْوِلي عليه، وحُدّي على

стр. 3856

ابن بنت رسول الله ﷺ ، وصريحة قريش، عجلَ عليه ابن زياد فقتله قَتَله الله! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيبٌ فهو ينكُت به في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيّانا كما قال الحُصَين بنُ الحُمَام المُرّيّ: يفلِّقن هامًا من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعقَّ وأَظلما قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له أبو برزة الأسلميّ: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخَذ قضيبُك من ثغره مأخذًا، لربما رأيتُ رسول الله ﷺ يَرشِفه، أما إنك يا يزيد تجئ يومَ القيامة، وابن زياد شفيعك، ويجئ هذا يومَ القيامة ومحمد ﷺ شفيعه؛ ثم قام فولَّى (١). (٥: ٤٦٥). قال هشام: حدّثني عَوَانة بن الحكم، قال: لما قَتل عبيدُ الله بن زياد الحسينَ بن عليّ وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السُّلَمِيّ، فقال: انطلقْ حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشِّره بقَتْل الحسين -وكان عمرو بن سعيد بن العاص أميرَ المدينة يومئذ- قال: فذهب ليعتلّ له، فزجره -وكان عبيد الله لا يُصطلَى بنارِه- فقال: انطلق حتى تأتيَ المدينة، ولا يسبقك الخبر؛ وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتلّ، وإن قامت بك راحلتُك، فاشتر راحلة؛ قال عبد الملك: فقدمت المدينة، فلقيَني رجل من قريش، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قُتِل الحسين بن عليّ؟ فدخلتُ على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما سَرَّ الأمير، قُتِل الحسين بن عليّ؛ فقال: نادِ بقَتْله، فنادَيْت بقتله، فلم أسمع والله واعيةً قطّ مثل واعية نساء بني هاشم في دُورهنّ على الحسين، فقال عمرو بن سعيد وضحك: عجَّت نساءُ بني زياد عجّةً ... كَعجيجِ نِسْوتنا غَداةَ الأَرْنب والأرنب: وقعةٌ كانت لبني زُبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، من رهط عبد المدان، وهذا البيتُ لعَمرو بن معد يكرَب، ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمانَ بن عفَّان، ثم صعد المنبَر فأعْلَمَ الناسَ قتلَه. (٥: ٤٦٥ - ٤٦٦). قال هشام: عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن

стр. 3857

عبيد أبي الكَنود، قال: لما بلغ عبدَ الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين؛ دخل عليه بعضُ مواليه والناس يعزّونه -قال: ولا أظنّ مولاه ذلك إِلا أبا اللِّسلاس- فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يا بن اللَّخناء، أللحسين تقول هذا! والله لو شهدتُه لأحببتُ ألّا أفارقَهُ حتى أقتلَ معه، والله إنه لما يسخِّي بنفسي عنهما، ويهوّن عليّ المصابَ بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَيْن له؛ صابرَيْن معه، ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله على مصرَع الحسين، إلا تكن آستْ حسينًا يدي، فقد آساه ولَديَّ، قال: ولَمَّا أتى أهلَ المدينة مقتلُ الحسين خرجتْ ابنةُ عَقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوى بثوبها وهي تقول: ماذَا تقولونَ إنْ قال النبيُّ لكمْ ... ماذا فعلتمْ وأنتمْ آخِرُ الأُمَمِ بعِتْرتي وبأهلي بعَد مُفتَقَدي ... منهمْ أُسارَى ومنهمْ ضُرّجِوا بدم! (١) (٥ - ٤٦٧: ٤٦٦). قال هشام: عن عوانة، قال: قال عُبيد الله بن زياد لعمَر بن سعد بعد قتله الحسين: يا عمر! أين الكتاب الذي كتبتُ به إليك في قتل الحسين؟ قال: مضيتُ لأمرك وضاع الكتاب؛ قال: لتجيئنّ به؛ قال: ضاع، قال: والله لتجيئنّي به؛ قال: تُرك والله يُقرأ على عجائز قريش اعتذارًا إليهنّ بالمدينة، أمّا والله لقد نصحتُك في حسين نصيحةً لو نصحتُها أبي سعد بن أبي وّقاص كنت قد أدّيت حقه، قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، لوَددتُ أنه ليس من بني زياد رجلٌ إلا وفي أنفه خِزامةٌ إلى يوم القيامة وأنّ حسينًا لم يُقتل؛ قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله. (٤٦٧: ٥). قال هشام: حدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدّثني عمرو بن عكرمة، قال: أصبحنا صبيحةَ قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولى لنا يحدّثنا، قال: سمعتُ البارحة مناديًا ينادي وهو يقول: أيّها القاتلون جَهْلًا حُسينًا ... أبشِروا بالعذابِ والتَّنكيِل

стр. 3858

كل أهل السماء يدعو عليكمْ ... من نبيٍّ وملأَكٍ وقبيل قد لُعنِتمْ على لسان ابن داو ... دَ وموسى وحامِل الإنجيل قال هشام: حدّثني عمر بن حيزوم الكلبيّ، عن أبيه، قال: سمعتُ هذا الصوت. (٥: ٤٦٧). ذكر أسماء من قُتل من بني هاشم مع الحسين ﵇ وعدد من قُتل من كلّ قبيلة من القبائل التي قاتلته: قال هشام: قال أبو مخنف: ولما قِتل الحسين بن عليّ ﵇ جيء برؤوس مَن قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عُبيد الله بن زياد، فجاءت كِنْدة بثلاثة عشر رأسًا، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هَوازنُ بعشرين رأسًا وصاحبهم شَمر بن ذي الجوْشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسًا، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مَذْحِج بسبعة أرؤس، وجاء سائرُ الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأسًا. قال: وقُتل الحسين -وأمّه فاطمةَ بنت رسول الله ﷺ قتلَه سنان بن أنس النَّخعيّ ثم الأصبحيّ وجاء برأسه خَوْليّ بن يزيد، وقُتل العباس بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أمّ البنين ابنة حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد -قتله زيد بن رُقاد الجَنبيّ، وحكيم بن الطفيل السِّنْبِسيّ، وقتل جعفر بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أمّ البنين أيضًا- وقُتل عبد الله بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين أيضًا- وقتل عثمان بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين أيضًا- رماه خوليّ بن يزيدَ بسهم فقتله -وقتل محمد بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أم ولد -قتله رجل من بني أبان بن دارم، وقتل أبو بكر بن عليّ بن أبي طالب- وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربْعيّ بن سُلْمَي بن جندل بن نَهْشَل بن دارم، وقد شُكّ في قتله، وقُتل عليّ بن الحسين بن عليّ -وأمه ليلى ابنة أبي مرَّة بن عروة بن مسعود بن معتِّب الثقفيّ، وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب- قتله مرّة بن مُنقذ بن النعمان العبديّ، وقتل عبد الله بن الحسين بن عليّ -وأمه الرّباب ابنة امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُليم من كلْب- قتله هانئ بن ثُبيت الحضرميّ، واستصغِر عليّ بن الحسين بن على فلم يُقتل، وقُتل أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب -وأمه أمّ ولد- قتله عبدُ الله بن عقبة

стр. 3859

الغَنَويّ، وقُتل عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ ولد- قتله حرملة بن الكاهن، رماه بسهم؛ وقتل القاسم بن الحسن بن عليّ -وأمه أم ولد- قتله سعد بن عمرو بن نُفَيل الأزديّ، وقتل عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -وأمه جمانة ابنة المسيِّب بن نَجَبة بن ربيعة بن رياح من بني فَزارة- قتله عبد الله بن قُطْبَة الطائي ثم النَّبْهانيّ، وقتِل محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -وأمّه الخوصاء ابنة خَصَفة بن ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل- قتَله عامر بن نَهْشل التيميّ، وقُتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين ابنة الشقر بن الهضاب- قتله بشر بن حَوْط الهمْدانيّ، وقُتِل عبد الرحمن بن عَقِيل -وأمه أمّ ولد- قتله عثمان بن خالد بن أسير الجُهنيّ، وقتل عبد الله بن عقيل بن أبي طالب، وأمه أمّ ولد -رماه عمرو بن صُبيَح الصدائيّ فقتله؛ وقتل مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب- وأمّه أمّ ولد، ولد بالكوفة- وقتِل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأمّه رُقيّة ابنة عليّ بن أبي طالب وأمها أمّ ولد- قتله عمرو بن صبيح الصدائيّ؛ وقيل: قتله أسيد بن مالك الحضرميّ، وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل -وأمه أمّ ولد- قتله لقيط بن ياسر الجهني، واستُصغر الحسن بن الحسن بن عليّ، وأمه خولة ابنة منظور بن زبّان بن سيار الفَزارّي، واستصغر عمر بن الحسين بن علي فتُرِك فلم يُقتل -وأمه أمّ ولد- وقُتِل من الموالي سليمان مولى الحسين بن عليّ، قتله سليمان بن عوف الحضرميّ، وقتل مُنْجِح مولى الحسين بن عليّ، وقتل عبد الله بن بُقْطُر رضيع الحسين بن عليّ (١). (٤٦٧: ٥ - ٤٦٩). قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي: أن عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد الله بن الحُرّ، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه، فقال: أين كنت يابن الحرّ؟ قال: كنت مريضًا؛ قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد منَّ الله عليَّ بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبتَ؛ ولكنك كنتِ مع عدوّنا؛ قال: لو كنت مع عدوّك لرُئيَ مكاني، وما كان مثل لمكاني يخفى؛ قال: وغفل عنه ابن زياد غفلةً، فخرج ابن الحرّ فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ؟

стр. 3860

قالوا: خرج الساعة؛ قال: عليَّ به؛ فأحضِرَت الشُّرَط فقالوا له: أجب الأميرَ؛ فدفع فرسه ثم قال: أبلغوه أنِّي لا آتيه والله طائعًا أبدًا؛ ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد الطائيّ فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثم مضى حتى نزل المدائن، وقال في ذلك: يقولُ أمير غادرٌ حقَّ غادرٍ: ... ألَا كنتَ قاتَلْتَ الشهيد ابنَ فاطمةْ! فيا نَدمي ألَّا أكونَ نصرتُهُ ... ألا كلُّ نفس لا تُسدّد نادِمَهْ وإنِّي لأنِّي لم أكْن من حُماتِهِ ... لذُو حسرةٍ ما إن تفارق لازمَه سَقَى الله أرواحَ الذين تأزّروا ... على نصرهِ سُقْيَا من الغيْثِ دائمهْ وقفتُ على أجْداثِهمْ ومجالِهمْ ... فكاد الحَشَا ينفَضُّ والعينُ ساجمَه لَعَمْري لقد كانوا مَصَالِيتَ في الوَغى ... سِراعًا إلى الَهيجا حُماةً خَضارمَهْ تآسَوْا على نَصْر ابن بنتِ نبيِّهمْ ... بأسيافهمْ آسادَ غِيلٍ ضَراغِمَهْ فإن يُقتلوا فكلُّ نفسٍ تقيَّةٍ ... على الأَرض قد أَضْحَت لذلك واجمَهْ وما إن رأى الرَّاؤُون أفضل منهُمُ ... لدى الموتِ ساداتٍ وزُهْرًا قماقِمهْ أتقتلهمْ ظلمًا وترجو ودادَنا ... فَدَع خُطَّةً ليست لنا بملائمهْ! لعمري لقد راغَمتُمونا بقتلِهمْ ... فكم ناقِمٍ مِنَّا عليكم وناقِمَهْ أهُمّ مِرارًا أن أَسِيرَ بجَحْفلٍ ... إلى فئةٍ زاغَّتْ عن الحقِّ ظالِمهْ فكُفُّوا وإلَّا ذُدتُكمْ في كَتَائبٍ ... أشَدَّ عليكمْ من زُحُوفِ الديالِمَهْ (١) (٤٦٩: ٥ - ٤٧٠) ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حُدَير وفي هذه السنة قتِل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حُدَير من ربيعة بن حنظلة. ذكر سبب مقتله: قال أبو جعفر الطبريّ: قد تقدم ذكر سبب خروجه، وما كان من توجيه عبيد الله بن زياد إليه أسلَم بن زُرعة الكلابيّ في ألفيْ رجل، والتقائهم بآسَك وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا.

стр. 3861

ولما هزم مرداس أبو بلال أسلمَ بن زرعة، وبلغ عبيدَ الله بن زياد؛ سرَّح إليه -فيما حُدّثتُ عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ- ثلاثة آلاف، عليهم عبّاد بن الأخضر التميميّ، فأتبعه عبّاد يطلبه حتى لحقه بتَوَّج، فصفّ له، فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه، فثبتوا، وتعطّف النالس عليهم فلم يكونوا شيئًا، وقال أبو بلال لأصحابه: مَنْ كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب، ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاءَ ربِّه فقد سبق ذلك إليه، وقرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان، فقُتلوا من عند آخرهم، ورجع عبَّاد بن الأخضر، وذلك الجيش الذي كان معه إلى البصرة، وأقبل عبيدة بن هلال معه ثلاثة نفر هو رابعهم، فرصد عبّاد بغ الأخضر، فأقبل يريد قصر الإمارة وهو مردف ابنًا له غلامًا، صغيرًا، فقالوا: يا عبد الله! قف حتى نستفتيك؛ فوقف، فقالوا: نحن إخوةٌ أربعة، قُتل أخونا، فما تَرَى؟ قال: استَعدُوا الأميرَ، قالوا: قد استعدَيناه فلم يُعْدِنا؛ قال: فاقتلوه، قتله الله! فوَثَبوا عليه فحكَّموا، وألقى ابنَه فقتلوه (١). (٥: ٤٧٠ - ٤٧١). ذكر خبر ولاية سَلْم بن زياد على خراسان وسجستان وفي هذه السنة وَلَّى يزيد بن معاوية سَلْمَ بن زياد سِجستانَ وخُراسان. ذكر سبب توليته إياه: حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا مسلَمة بن مُحارب بن سلم بن زياد، قال: وفد سَلْم بن زياد على يزيدَ بن معاوية وهو ابن أربع وعشرين سنة، فقال له يزيد: يا أبا حرْب! أولّيك عمل أخوَيك: عبد الرحمن وعبّاد؟ فقال: ما أحَبَّ أميرُ المؤمنين. فولّاه خُراسان وسجِستان، فوجَّه سلْم الحارثَ بن معاوية الحارثيّ جدّ عيسى بن شبيب من الشام إلى خُراسان، وقَدِم سلم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فأخذ الحارث بن قيس بن الهيثم السُّلمِيّ فحبسه، وضرب ابنه شبيبًا، وأقامه في سراويلَ، ووّجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان، فكتب عبيد الله بن زياد إلى عبّاد أخيه -وكان له

стр. 3862

صديقًا- يخبره بولاية سَلْم، فقسم عبّاد ما في بيت المال في عبيده، وفَضلَ فضلٌ فنادَى مناديه: من أراد سلفًا فليأخذ، فأسلف كلّ من أتاه، وخرج عبّاد عن سِجِسِتْان، فلمْا كان بجِيرَفْت بلغه مكانُ سَلْم -وكان بينهما جبل- فعدل عنه، فذهب لعبّاد تلك الليلة ألف مملوك، أقلُّ ما مع أحدهم عشرة آلاف، قال: فأخذ عبّاد على فارس، ثمّ قدم على يزيد، فقال له يزيد: أين المال؟ قال: كنتُ صاحبَ ثغر، فقسمتُ ما أصبتُ بين الناس، قال: ولما شخَصَ سَلْم إلى خُراسانَ شخص معه عمران بن الفَصِيل البُرْجمي، وعبد الله بن خازم السلَميّ، وطلحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ، والمهلّب بن أبي صُفْرَةَ، وحنظلة بن عَرَادة، وأبو حُزّابة الوليد بن نَهيك أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن يَعْمَر العَدْوانيّ حليف هُذَيل، وخلْق كثير من فُرسان البصرة وأشرافهم، فقَدِم سَلْم بن زياد بكتاب يزيدَ بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بنُخْبَةِ ألفَي رجل ينتخبهم -وقال غيره: بل نُخبةِ ستة آلاف- قال: فكان سلْم ينتخب الوجوهَ والفرسان، ورغب قوم في الجهاد فطلبوا إليه أن يُخرجهم، فكان أول من أخرجه سلم حنظلة بن عَرَادة، فقال له عُبيد الله بن زياد: دعه لي؛ قال: هو بيني وبينك، فإن اختارك فهو لك، وإن اختارني فهو لي، فاختار سَلْمًا؛ وكان الناس يكلّمون سلمًا ويطلبون إليه أن يكتبهم معه، وكان صلة بن أشْيَم العَدوِيّ يأتي الديوان فيقول له الكاتب: يا أبا الصّهباء، ألا أثبتُ اسمك، فإنه وجهٌ فيه جهادٌ وفَضل؟ فيقول له: أستخير الله وأنظرُ، فلم يزل يدافع حتى فرغ من أمرِ الناس، فقالت له امرأته مُعاذة ابنة عبد الله العَدوّية: ألَا تكتب نفسك؟ قال: حتى أنظر، ثم صلى واستخار الله؛ قال: فرأى في منامه آتيًا أتاه، فقال له: أخرج فإنك تَرْبَح وتُفلِح وتنجح؛ فأتى الكاتب فقال له: أثبتني؛ قال: قد فرغْنا ولن أدعَك، فأثبته وابنه، فخرج سلْم فصيَّره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سِجِستان. (٥: ٤٧١ - ٤٧٣). قال عليّ بن محمد: ذكر الحسن بن رشيد الجُوزَجانيُّ عن شيخ من خُزاعة، عن أبيه، عن جدّه، قال: غزوت مع سَلم بن زياد خُوارَزْم، فصالحوه على مال كثير، ثم عبر إلى سمرقند فصالحه أهلُها، وكانت معه امرأته أمّ محمد، فولدتْ له في غزاته تلك ابنًا، وأرسلتْ إلى امرأة صاحب الصُّغْد تستعير منها حليًّا، فبعثتْ إليها بتاجها؛ وقَفَلوا، فذهبتْ بالتاج. (٥: ٤٧٣ - ٤٧٤).

стр. 3863

ذكر سبب عزل يزيد عمرَو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة وكان السبب في ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزّبير الدعاءَ إلى نفسه -فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نَوْفل- قال: حدّثني أبي، قال: لما قُتل الحسين ﵇ قام ابن الزُّبير في أهل مكة وعظَّم مقتلَه، وعاب على أهل الكوفة خاصّة، ولامّ أهلَ العراق عامة، فقال بعد أن حَمِد الله وأثْنَى عليه وصَلى على محمد ﷺ : إن أهل العراق غُدُرٌ فُجُرٌ إلا قليلًا، وإن أهل الكوفة شِرارُ أهل العراق؛ وإنهم دَعَوا حُسينًا لينصروه ويولّوه عليهم، فلما قدِم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إمّا أن تضع يدَك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميَّة سِلْمًا فيُمضِيَ فيك حكمَه، وإما أن تحارب؛ فرأى -والله إنه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله لم يُطلع على الغيب أحدًا-: أنه مقتول، ولكنّه اختار الميتة الكريمةَ على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينًا، وأخزَى قاتلَ حسين! لعَمري لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حُمَّ نازل، وإذا أراد الله أمرًا لن يُدْفَع، أفبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدًا؟ ! لا، ولا نراهم لذلك أهلًا؛ أما والله لقد قتلوه طويلًا بالليل قيامه، كثيرًا في النهار صيامه، أحقَّ بما هم فيه منهم وأوْلى به في الدّين والفضل! أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناءَ، ولا بالبكاء من خشية الله الحُداء، ولا بالصّيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حَلَق الذكر الرّكض في تَطْلاب الصيد -يعرّض بيزِيد- فسوف يلقون غَيًّا. فثارَ إليه أصحابه فقالوا له: أيُّها الرجل أظهِر بيعتك، فإنه لم يبقَ أحد -إذْ هَلَك حسين- ينازعك هذا الأمر، وقد كان يبايع الناس سرًّا، ويُظهر: أنه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا. وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة، وقد كان أشدّ شيء عليه وعلى أصحابه، وكان مع شدّته عليهم يداري ويرفق. فلما استقرّ عند يزيدَ بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجُموع بمكة، أعطى الله عهدًا ليُوثِقَنّه في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضّة، فمرّ بها البريد على مَرْوان بن الحَكَم بالمدينة، فأخبِر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه، فقال مروان: خُذْها فليستْ للعزيز بخُطَّةٍ ... وفيها مقالٌ لامرئٍ مُتضَعفِ

стр. 3864

ثم مضى من عندِه حتى قدم على ابن الزبير، فأتى ابنَ الزبير فأخبَرَه بممرّ البريد على مروان، وتمثُّل مروان بهذا البيت، فقال ابن الزبير: لا والله لا أكون أنا ذلك المتضعّف؛ وردّ ذلك البريد ردًّا رقيقًا. وعلا أمر ابن الزبير بمكة، وكاتَبه أهلُ المدينة، وقال الناس: أمّا إذ هَلَك الحسين ﵇ فليس أحدٌ ينازع ابن الزبير (١). (٥: ٤٧٤ - ٤٧٥). قال هشام: عن خالد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد: إن عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد اشرأبُّوا إلى ابن الزُّبير، ومَدُّوا إليه أعناقَهم؛ ظَنّ أن تلك الأمور تامّةٌ له، فبعث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص -وكانت له صُحبهَ، وكان مع أبيه بمِصْر، وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك، وكانت قريش إذ ذاك تَعُدّه عالمًا- فقال له عمرو بن سعيد: أخبِرْني عن هذا الرجل، أتَرَى ما يطلب تامًا له؟ وأخبِرْني عن صاحبي إلى ما ترى أمرَه صائرًا إليه؟ فقال: لا أرى صاحبَك إلا أحد الملوك الذين تتمُّ لهم أمورهم حتى يموتوا وهم ملوك، فلم يزدد عند ذاك إلا شدّةً. على ابن الزبير وأصحابه، مع الرفق بهم، والمداراة لهم. ثمّ إنّ الوليد بن عتبة وناسًا معه من بني أمية قالوا ليزيد بن معاوية: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك، فسرّح الوليد بن عُتْبة على الحجاز أميرًا، وعزل عَمرًا. (٥: ٤٧٦ - ٤٧٧). ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عمَّا كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه: وكان السبب في ذلك -فيما ذكر لوط بن يحيى، عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحق، عن عبد الله بن عروة: أنّ يزيد بن معاوية لما سرّح الوليد بن عُتْبة على الحجاز أميرًا، وعَزَل عمرو بن سعيد؛ قدم الوليدُ المدينة فأخذ غلمانًا كثيرًا لعمرو ومواليَ له، فحبَسَهم، فكلّمه فيهم عمرو، فأبى أن يخلّيَهم، وقال له:

стр. 3865

لا تجزع يا عمرو؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن العاص: أعمرو يَجزع! والله لو قبضتم على الجَمْرِ وقبض عليه ما تَرَكه حتى تتركوه، وخرج عمرو سائرًا حتى نزل من المدينة على ليلتين، وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلاثمئة رجل: إني باعث إلى كلّ رجل منكم جَمَلًا وحقيبةً وأداته، وتُناخ لكم الإبل في السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا بابَ السجن، ثم ليقمْ كلُّ رجل منكم إلى جَمَله فليركبْه، ثمّ أقبِلوا عليّ حتى تأتوني؛ فجاء رسولُه حتى اشترى الإبل، ثمّ جهزها بما ينبغي لها، ثمّ أناخها في السوق، ثمّ أتاهم حمَى أعلمهم ذلك، فكسروا باب السجن، ثم خرجوا إلى الإبل فاستوَوْا عليها، ثمّ أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيدَ بن معاوية، فلما دخل عليه رحّب به وأدنى مجلسَه. ثمّ إنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزّبير، فلا ينفّذ منها إلا ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين! الشاهدُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وإنّ جُلَّ أهلِ مكة وأهل المدينة قد كانوا مالُوا إليه وهوَوه وأعطوه الرّضا، ودعا بعضهم بعضًا سِرًّا وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عليه لو ناهضتهُ، وقد كان يحذَرُني ويتحرَّز مني، وكنت أرفق به وأداريه لأستمكر منه فأثبَ عليه، مع أني قد ضَيَّقتُ عليه، ومنعتُه من أشياءَ كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً، وجعلتُ على مكة وطُرُقها وشعابها رجالًا لا يَدَعون أحدًا يدخلها حتى يكتبوا إليّ باسمه واسم أبيه، ومن أيّ بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد؛ فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددتُه صاغرًا، وإن كان ممن لا أتَّهم، خلّيتُ سبيلَه، وقد بعثتَ الوليد، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضلّ مبالغتي في أمرك، ومناصحتي لك إن شاء الله، واللهُ يصنع لك، ويَكبت عدوّك يا أمير المؤمنين! . فقال له يزيد: أنت أصدَق ممن رقَّى هذه الأشياء عنك، وحَمَلّني بها عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدخره لرأبِ الصَّدْع، وكفاية المُهمّ، وكشفِ نوازل الأمور العظام؛ فقال له عمرو: وما أرى يا أميرَ المؤمنين أنّ أحدًا أولَى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدّة على من نابَذَك مني. وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير، فلا يجده إلا متحذّرًا متمنّعًا، وثار

стр. 3866

نَجْدة بن عامر الحنفيّ باليمامة حين قُتل الحسين، وثار ابن الزبير، فكان الوليد يُفيض من المُعَرَّف، وتُفيض معه عامة الناس، وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابه، ثم يُفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه، لا يُفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه، وكان نجدة يَلقَى ابن الزّبير فيكثر حتى ظنّ الناس أنه سيبايعه، ثمّ إنّ ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عُتبة، فكتب إلى يزيدَ بن معاوية: إنك بعثتَ إلينا رجلًا أخرَق، لا يَتَّجه لأمر رشَد، ولا يَرعَوي لعظَة الحكيم، ولو بعثتَ إلينا رجلًا سهلَ الخُلُق، ليِّن الكتف؛ رجوتُ أن يَسْهُل من الأمور ما استَوْعَر منها، وأن يجتمع ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامّنا إن شاء الله؛ والسلام. فبعث يزيدُ بن معاوية إلى الوليد فعزَله وبعث عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان -فيما ذكر أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حميد بن حمزة؛ مولىٌ لبني أمية، قال: فقَدِم فتى غزٌّ حَدَثٌ غَمْرٌ لم يُجرّب الأمور، ولم يحنّكه السنّ، ولم تُضرّسه التجارب؛ وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيدَ وفدًا من أهل المدينة فيهم عَبدُ الله بن حنظلة الغَسيل الأنصاريّ وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ، والمنذر بن الزبير، ورجالًا كثيرًا من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيدَ بن معاوية، فأكرمهم، وأحسنَ إليهم، وأعظم جوائزَهم، ثمّ انصرفوا من عنده، وقَدِموا المدينة كلهم إلّا المنذر بن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة -وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف درهم- فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينةَ قاموا فيهم فأظهروا شَتْمَ يزيدَ وعُتبة، وقالوا: إنا قدمْنا من عندِ رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويَعزِف بالطنابير، ويَضرِب عنده القيان، ويَلعَب بالكلاب، ويسامر الخُرَّاب والفتيان، وإنا نُشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابَعَهم الناس (١). (٤٧٨: ٥ - ٤٨٠). قال لوط بن يحيى: فحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنّ الناس أتَوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم (٢). (٥: ٤٨).

стр. 3867

قال لوط: وحدثني أيضًا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف: ورجع المنذر من عند يزيدَ بن معاوية، فقَدِم على عُبيد الله بن زيادة البصرةَ، فأكرمه وأحسن ضيافتَه، وكان لزياد صديقًا، إذ سقط إليه كتابٌ من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمرُ أصحابه بالمدينة، أن أوثقْ المنذرَ بن الزبير واحبِسه عندَك حتى يأتيَك فيه أمري؛ فكره ذلك عبيد الله بن زياد لأنه ضيْفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه، وقال له: إنك كنت لزياد وُدًّا وقد أصبحتَ لي ضيفًا، وقد آتيتُ إليك معروفًا، فأنا أحبُّ أن أسدِيَ ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقُمْ فقُلْ: ائذنْ لي فلأنصرفْ إلى بلادي، فإذا قلتُ: لا بَلْ أقِمْ عندي فإنّ لك الكرامةَ والمواساة والأثَرةَ، فقُل: لي ضيعةٌ وشُغْلٌ، لا أجد من الانصراف بُدًّا فائْذَنْ لي، فإني آذنُ لك عند ذلك؛ فالحقْ بأهلك. فلما اجتمع الناس عند عُبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال: لا بل أقِمْ عندي فإني مُكرمُك ومُواسيك ومؤثرُك، فقالى له: إنّ لي ضيعةً وشُغلًا، ولا أجدُ من الانصراف بدًّا فائْذَنْ لي؛ فأذن له، فانطلق حتى لحِق بالحجاز، فأتى أهلَ المدينة، فكان فيمن يحرِّض الناسَ على يزيد، وكان من قوله يومئذ: إن يزيدَ والله لقد أجازني بمئة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليّ أن أخبركم خبرَه، وأصدُقكم عنه، والله إنه ليَشرب الخمر، وإنه ليَسكَرْ حتى يدَع الصلاة؛ وعابه، بمثل ما عابه به أصحابُه الذين كانوا معه وأشدَّ، فكان سعيد بن عمرو يحدِّث بالكوفة: أنّ يزيدَ بن معاوية بلغه قولُه فيه فقال: اللهمَّ إني آثرتُه وأكرمتُه، ففعل ما قد رأيت، فاذكرْه بالكذب والقطيعة (١). (٥: ٤٨٠ - ٤٨١). قال أبو مخنف: فحدّثني سعيد بن زيد أبو المثلم: أنّ يزيدَ بن معاوية بعث النعمان بن بشير الأنصاريّ فقال له: ائتِ الناس وقومك فافثأهم عمّا يريدون، فإنهم إنْ لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناسُ على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحبّ أن ينهض في هذه الفتنة فيَهلك. فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومَه، ودعا الناس إليه عامّة، وأمَرَهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوَّفهم الفتنةَ، وقال لهم: إنه لا طاقةَ لكم بأهل الشام؛ فقال

стр. 3868

عبد الله بن مطيع العدويّ: ما يحملك يا نُعمانُ على تفريق جماعتنا، وفسادِ ما أصلَح الله من أمرنا! فقال النعمان: أمَا والله لكاني بك لو قد نزلتْ تلك التي تدعو إليها، وقامت الرَجال على الرُّكَب تَضرِب مفَارقَ القوم وجباهَهم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربتَ على بغلتك تضرب جنبيْها إلى مكة، وقد خلّفت هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سِكَكِهم ومساجدهم، وعلى أبواب دُورهم! فعصاه الناس، فانصرف، وكان والله كما قال (١). ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمانَ بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وإظهارهم خلعَ يزيد بن معاوية وحصارهم من كان بها من بني أمية ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كُرّة: أنّ أهل المدينة لمّا بايعوا عبد الله بن حنظلة الغَسيل على خلع يزيد بن معاوية؛ وثبوا على عثمانَ بن محمد بن أبي سُفْيان، ومن بالمدينة من بني أميّة ومواليهم ومَن رأى رأيَهم من قريش، فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دارَ مروان بن الحكم، فحاصَرَهم الناسُ فيها حصارًا ضعيفًا، قال: فدعت بنو أميّة حبيب بن كرّة، وكان الذي بَعَث إليه منهم مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان بن عفان، وكان مروان هو يدبِّر أمرهم. فأما عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان فإنما كان غلامًا حدَثًا لم يكن له رأي قال عبد الملك بن نوفل: فحدّثني حبيب بن كرة، قال: كنت مع مروان، فكتب معي هو وجماعة من بني أميّة كتابًا إلى يزيدَ بن معاوية، فأخذ الكتابَ عبدُ الملك بن مروان حتى خرج معي إلى ثنيّة الوَدَاع، فدفع إليّ الكتاب وقال: قد أجّلتك اثنتي عشرة ليلة ذاهبًا واثنتي عشرة ليلة مُقبلًا، فوافِني لأربع وعشرين ليلة في هذا المكان تجدني إن شاءَ الله في هذه الساعة جالسًا أنتظرك. وكان الكتاب:

стр. 3869

بسم الله الرّحمن الرّحيم: أمّا بعد، فإنه قد حُصِرنا في دار مروان بن الحَكم، ومُنِعنا العذْب، ورُمِينا بالجَبوب، فياغَوْثاه! يا غَوْثاه! قال: فأخذتُ الكتاب ومضيت به حتى قدمتُ على يزيد وهو جالس على كُرسيّ، واضع قدمَيه في ماء طست من وَجَع كان يجده فيهما -ويقال: كان به النِّقْرِس- فقرأه ثمّ قال فيما بلغَنا متمثِّلًا: لقد بدّلوا الحِلم الَّذي مِن سَجيَّتي ... فبدّلتُ قومي غِلظةً بليانِ ثم قال: أما يكون بنو أميَّة ومواليهم ألفَ رجل بالمدينة؟ قال: قلت: بلى، والله وأكثر؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين! أجمع الناس كلهم عليهم، فلم يكن لهم بجمع الناس طاقةٌ؛ قال: فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتابَ، وأخبَره الخبر، وأمَرَه أن يسير إليهم في الناس، فقال له: قد كنتُ ضبطتُ لك البلاد، وأحكمتُ لك الأمور، فأمّا الآن؛ إذ صارت إنما هي دِماء قريش تُهراق بالصّعيد، فلا أحبّ أن أكون أنا أتولى ذلك، يتولّاها منهم مَن هو أبعد منهم متي، قال: فبعثني بذلك الكتاب إلى مسلم بن عُقْبة المرّيّ -وهو شيخ كبير ضعيف مريض- فدفعتُ إليه الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرتُه، فقال لي مِثلَ مقالة يزيدَ: أمَا يكون بنو أمية ومواليهم وأنصارهم بالمدينة ألفَ رجل! قال: قلت: بل يكونون؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! ليس هؤلاء بأهل أن يحصَروا حتى يَجهَدوا أنفسهم في جهاد عدّوهم، وعِز سلطانهم؛ ثم جاء حتى دخل على يزيدَ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلّاء؛ أما استطاعوا أن يقاتلوا يومًا واحدًا أو شَطرَه، أو ساعة منه؟ ! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهَدوا أنفسهَم في جهاد عدوّهم، وعزّ سلطانهم، ويستبينَ لك من يقاتل منهم على طاعتك، ويصبر عليها أو يستسلم؛ قال: وَيحْك! إنه لا خيرَ في العيش بعدهم، فاخرج فأنْبِئْني نبَأك، وسرْ بالناس؛ فخرج مناديه فنادَى: أن سيروا إلى الحِجاز على أخذِ أعطياتكم كَمَلًا ومعونه مئة دينار توضَحُ في يد الرجل من ساعته، فانتدب ذلك اثنا عشر ألف رجل (١). (٥: ٤٨٢ - ٤٨٣)،

стр. 3870

حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير، عن مغيرة، قال: كتب يزيد إلى ابن مَرْجانة: أن اغزُ ابنَ الزبير؛ فقال: لا أجمعهما للفاسق أبدًا، أقتل ابنَ بنت رسولِ الله ﷺ ، وأغزو البيتَ! قال: وكانت مَرْجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتِل الحسين ﵇: ويْلك! ماذا صنعتَ! وماذا ركبت! (٥: ٤٨٣ - ٤٨٤). رجع الحديث إلى حديث حبيب بن كُرّة، قال: فأقبلت حتى أوفِيَ عبد الملك بن مروان في ذلك المكان في تلك الساعة أو بُعَيدَها شيئًا. قال: فوجدتُه جالسًا متقنِّعًا تحت شجرة، فأخبرته بالذي كان، فُسرّ به، فانطلقنا حتى دخلنا دارَ مروانَ على جماعة بني أمية، فنبّأتهم بالذي قُدِمتُ به، فحمِدوا الله (١). (٥: ٤٨٤). قال عبد الملك بن نوفل. حدَّثني حبيب: أنه بلغه في عشرة، قال: فلم أبرحْ حتى رأيت يزيد بن معاوية خرج إلى الخيل يتصفّحها وينظر إليها؛ قال: فسمعتُه وهو يقول وهو متقلِّد سيفًا، متنكبٌ قوسًا عربيَّة: أَبلغْ أبا بَكرٍ إذا الليلُ سَرَى ... وهَبَطَ القومُ على وادِي القُرَى عشرون ألفًا بين كهلٍ وفتى ... أجَمْع سكرانَ مِنَ القوم تَرَى! أم جَمْع يَقظانَ نُفي عنه الكَرَى! ... يا عجبًا مِن مُلْحِدٍ يا عَجبا! مُخادع في الدين يقْفُو بالعُرى قال عبد الملك بن نوفل: وفَصَل ذلك الجيش من عند يزيدَ وعليهم مُسلِم بن عُقْبة، وقال له: إن حَدث بك حَدَثٌ فاستخلفْ على الجيش حصين بن نُمَير السَّكونيّ؛ وقال له: ادعُ القومَ ثلاثًا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلْهم، فإذا أظْهِرتَ عليهم فأبِحْها ثلاثًا، فما فيها من مالٍ أو رِقَةٍ أو سِلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاثُ فاكفُف عن الناس؛ وانظر عليّ بن الحسين، فاكففْ عنه، واستَوْصِ به خيرًا، وأدنِ مجلسَه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابُه، وعليّ لا يعلم بشيء مما أوصَى به يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة، وقد كان عليّ بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشأم أوى إليه ثَقَل مروان بن

стр. 3871

الحكم، وامرأتَه عائشة بنت عثمان بن عفّان، وهي أمّ أبان بن مروان. (٥: ٤٨٥ - ٤٨٤). وقد حدّثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، قال: لما أخرج أهلُ المدينة عثمانَ بن محمد من المدينة، كلّم مروان بن الحكم بن عمر أن يغيِّب أهلَه عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم عليَّ بن الحسين، وقال: يا أبا الحسن، إن لي رحِمًا وحُرَمي تكون مع حُرَمك، فقال: أفعل؛ فبعث بحُرَمه إلى عليّ بن الحسين، فخرج بحُرمه وحُرَم مروان حتى وضعهم بيَنْبُعَ، وكان مروانُ شاكرًا لعليّ بن الحسين، مع صداقة كانت بينهما قديمة. (٤٨٥: ٥). رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نَوْفل، قال: وأقبل مسلم بن عُقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهلَ المدينة إقبالُه وثبوا على مَنْ لمعهم من بني أميّة، فحصروهم في دار مَرْوان، وقالوا: والله لا نكفّ عنكم حتى نستنزلَكم ونضربَ أعناقكم، أو تُعطونا عهدَ الله وميثاقَه لاتَبْغونا غائلةً، ولا تدلّوا لنا على عَوْرة، ولا تظَاهِروا علينا عدوّا، فنكفّ عنكم ونُخرجَكم عنّا، فأعطَوْهم عهدَ الله وميثاقَه لا نبغيكم غائلةً، ولا ندل لكم على عورة، فأخرَجوهم من المدينة، فخرجتْ بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القُرى، وخرجتْ عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف، فتمر بعلي بن حسين وهو بمالٍ له إلى جنب المدينة قد اعتزلها كراهية أن يشهد شيئًا من أموالهم، فقال لها: احملي ابني عبد الله معكِ إلى الطائف فحملتْه إلى الطائف حتى نُقِضتْ أمورُ أهل المدينة. ولما قدمت بنو أميّة على مسلم بن عُقبة بوادي القرى دعا بعَمرو بن عثمان بن عفان أوَّل الناس فقال له: أخبرني خبرَ ما وراءك، وأشِرْ على؛ قال: لا أستطيع أن أخبرَك، أخِذ علينا العهودَ والمواثيقِ ألّا ندلَّ على عورة، ولا نظاهرَ عدوًّا، فانتهره ثم قال: والله لولا أنَّك ابنُ عثمان لضربتُ عنقَك، وَايمُ الله لا أقيلها قُرَشيّا بعدك، فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مَرْوان بن الحكَم لابنه عبد الملك: ادخُلْ قبلي لعلّه يجتزِئ بك عني، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هاتِ ما عندَك، أخبِرني خبرَ الناس، وكيف ترى، فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك؛ فتنكَبَ هذا الطريقَ إلى المدينة، حتى إذا انتهيتَ إلى أدنى نَخل بها

стр. 3872

نزلتَ، فاستظل الناس في ظلّه، وأكلوا من صَقْره؛ حتى إذا كان الليلُ أذكيتَ الحرس الليل كلّه عقبًا بين أهل العسكر، حتى إذا أصبحت صلّيتَ بالناس الغداةَ، ثمّ مضيتَ بهم وتركت المدينة ذاتَ اليسار، ثمّ أدَرْت بالمدينة حتى تأتيَهم من قبل الحرّة مُشرّقًا، ثمّ تستقبل القومَ، فإذا استقبلتَهم وقد أشرقَتْ عليهم وطلعت الشمسُ طلعت بين أكتاف أصحابك، فلا تؤذيهم، وتقع في وجوههم فيؤذيهم حَرُّها، ويصيبهم أذاها، ويرون ما دمتُم مُشَرقين من ائتلاق بيضكم وحِرابِكم، وأسنَّة رماحِكم وسيوفِكم ودروعِكم وسَواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغَرِّبين، ثم قاتِلْهم واستَعِنْ بالله عليهم، فإن الله ناصِرُك؛ إذا خالفوا الإمام، وخرجوا من الجماعة، فقال له مسلم: لله أبوك! أيَّ امرئ ولد إذ ولدك! لقد رأى بك خَلفًا، ثمّ إنّ مروان دخَل عليه فقال له: إيه! قال: أليس قد دخل عليك عبد الملك! قال: بلى، وأيّ رجل عبد الملك! قلّما كلمت من رجال قريش رجلًا به شبيهًا؛ فقال له مروان: إذا لقيتَ عبد الملك فقد لقيتَني؛ قال: أجَل، ثمّ ارتحل من مكانه ذلك، وارتحل الناسُ معه حتى نزل المنزل الذي أمره به عبد الملك، فصنع فيه ما أمره به، ثم مضى في الحَرّة حتى نزلها، فأتاهم من قِبَل المشرق، ثمّ دعاهم مسلم بن عقبة، فقال: يا أهلَ المدينة! إنّ أمير المؤمنين يزيدَ بن معاوية يزعم أنكم الأصل، وإني أكره هِراقةَ دمائكم، وإنَي أؤجّلكم ثلاثًا، فمن ارعوَى وراجَع الحقّ قبلنا منه، وانصرفت عنكم، وسرت إلى هذا المُلْحد الذي بمكة، وإن أبَيتم كنا قد أعذرنا إليكم- وذلِك في ذي الحِجّة من سنة أربع وستّين؛ هكذا وجدتُه في كتابي، وهو خطأ، لأنَّ يزيد هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت وقعة الحَرّة في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه. ولما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة! قد مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب؟ فقال لهم: لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدَّنا وشوكتنا على هذا الملحِد الذي قد جمع إليه المُرّاقَ والفُسّاق من كلّ أوْب، فقالوا لهم: يا أعداءَ الله! والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلَكم، نحن نَدعكم أن تأتوا بيت الله الحرام، وتخِيفوا أهلَه، وتلحدوا فيه، وتستحلوا حرمتهُ! لا والله لا نفعل! .

стр. 3873

وقد كان أهل المدينة اتّخذوا خندقًا في جانب المدينة، ونزله جمع منهم عظيمٌ، وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف ابن عمّ عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، وكان مَعْقِل بن سنان الأشْجَعيّ على ربع آخر في جانب المدينة، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاريّ، في أعظم تلك الأرباع وأكثرها عددًا (١). (٥: ٤٨٥ - ٤٨٧). قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي، فذكر: أنّ عبد الله بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ومعقِل بن سنان على المهاجرين. (٥: ٤٨٧). قال هشام: عن أبي مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: وصمد مسلم بن عُقْبة بجميع من معه، فأقبل من قِبل الحَرّة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، ثم وجّه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل على الخيل في الرجال الذين معه حتى كشف الخيل، حتى انتهوا إلى مسلم بن عقبة، فنهض في وجوههم بالرّجال، وصاح بهم، فانصرفوا فقاتلوا قتالًا شديدًا. ثمّ إنّ الفضلَ بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى عبد الله بن حنظلة الغسيل فقاتل في نحو من عشرين فارسًا قتالًا شديدًا حَسْنًا. ثم قال لعبد الله: مُر من معك فارسًا فليأتني فليقفْ معي، فإذا حملتُ فليحْملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلمًا، فإمّا أن أقتلَه، وإما أن أقتَل دونه، فقال عبد الله بن حنظلة لعبد الله بن الضحاك من بني عبد الأشهل من الأنصار: نادِ في الخيل فلْتَقف مع الفضل بن العباس، فنادى فيهم فجمعهم إلى الفضل، فلما اجتمعت الخيل إليه حمل على أهل الشأم فانكشفوا، فقال لأصحابه: ألا ترونهم كُشْفًا لئامًا! احملوا أخرى جُعِلتُ فداكم! فوالله لئن عاينتُ أميرهم، لأقتلنه أو لأقتَلنَّ دونه، إنّ صبر ساعة مُعقِبٌ سرور أبد، إنه ليس بعدُ لصبرنا إلا النصرُ، ثم حمل وحمل أصحابه معه، فانفرجت خيلُ أهل الشأم عن مسلم بن عقبة في نحو من خمسمئة راجل جُثاة على الرُّكَب، مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى

стр. 3874

كما هو نحوَ رايته حتى يضربَ رأس صاحب الراية، وإنّ عليه لمِغفرًا، فقطّ المغفر، وفلق هامته فخرّ ميتًا، فقال: خذها منيّ وأنا ابن عبد المطلب! فظنّ أنه قَتَل مسلمًا، فقال: قتلتُ طاغيةَ القوم وربّ الكعبة! فقال مسلم: أخطَأت استُك الحُفرةَ! وإنما كان ذلك غلامًا له، يقال له: روميّ وكان شجاعًا، فأخذ مسلم رايتَه ونادى: يا أهلَ الشأم، أهذا القتال قتالُ قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم، وأن يُعزّوا به نصر إمامهم! قبَّح الله قتالَكم منذُ اليوم! ما أوجعه لقلبي، وأغيظه لنفسي! أمَا والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تُحرَموا العطاءَ، وأن تجمّروا في أقاصي الثغور، شدّوا مع هذه الراية، ترّح الله وجوهكم إن لم تُعتِبوا! فمشى برايته، وشدّت تلك الرّجال أمام الراية، فصُرع الفضل بن عباس، فقُتل وما بينه أطناب مسلم بن عقبة إلَّا نحو من عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وقُتل معه إبراهيم بن نُعيم العدويّ في رجال من أهل المدينة كثير (١). (٤٨٧: ٥ - ٤٨٩). قال هشام، عن عوانة: وقد بلغنا في حديث آخر: أنِّ مسلم بن عقبة كان مريضًا يومَ القتال، وأنه أمر بسرير وكرسي فوُضع بين الصفين، ثم قال: يا أهل الشام، قاتِلوا عن أميركم أو دَعُوا، ثمّ زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمِدون لرُبعٍ من تلك الأرباع إلا هزموه، ولا يقاتلون إلا قليلًا حتى تولَّوا. ثم إنه أقبل إلى عبد الله بن حنظلة فقاتله أشدَّ القتال، واجتمع من أراد القتال من تلك الأرباع إلى عبد الله بن حنظلة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فحمل الفضل ابن العبّاس بن ربيعة في جماعة من وجوه الناس وفُرسانهم يريد مسلمَ بن عقبة، ومسلم على سريره مريض، فقال: احمِلوني فضعوني في الصفّ، فوضعوه بعدما حملوه أمام فسطاطه في الصّف، وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير، وكان الفضل أحمَر، فلما رفع السيفَ ليضربَه صاح بأصحابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يا بَني الحرائر! اشْجروه بالرّماح، فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط. (٥: ٤٨٩). قال هشام: قال أبو مخنف: ثمّ إنّ خيل مسلم ورجالَه أقبلتْ نحو عبد الله بن

стр. 3875

حنظلة الغسيل ورجاله بعده -كما حدّثني عبد الله بن مُنْقذ- حتى دنَوا منه، وركب مسلم بن عُقْبة فرسًا له، فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرّضهم ويقول: يا أهل الشام! إنكم لستُم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عددًا، ولا أوسعها بلدًا، ولم يخصُصْكم الله بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم، إلا بطاعتكم واستقامتكم؛ وإنَّ هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيَّروا فغيَّر الله بهم، فتِمّوا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمّم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفُلْج، ثمّ جاء حتى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل، وأصحابه، فأخذتِ الخيلُ إذا أقدمتْ على الرّجال فثاروا في وجوهها بالرّماح والسيوف نفرتْ وابذعرّتْ وأحجمتْ، فنادى فيهم مسلم بن عقبة: يا أهلَ الشأم! ما جعلهم الله أولَى بالأرض منكم، يا حُصَيْن بن نُمَير، انِزِل في جندك؛ فنزل في أهل حِمْصَ، فمشى إليهم، فلما رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عدوّكم قد أصابوا وَجْه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألّا تلبثوا إلا ساعةً حتى يفصل الله بينكم وبينهم إمّا لكم وإمّا عليكم، أمّا إنكم أهل البصيرِة ودار الهجرة، والله ما أظنّ ربَّكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضي منه عنكم، ولا على أهل بلد من بُلدان العرب بأسخطَ منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، إنّ لكل امرئ منكم ميتةً هو ميِّت بها، والله ما من ميتة بأفضلَ من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها، فوالله ما كلّ ما أردتموها وجدْتموها، ثم مشى برايته غيرَ بعيد، ثمّ وقف، وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها، وأمر مسلم بن عُقْبة عبد الله بن عضاه الأشعريّ فمشى في خمسمئة مُرامٍ حتى دنَوا من ابن الغسيل وأصحابه، فأخذوا ينضحونهم بالنّبل، فقال ابن الغسيل: علامَ تستهدفون لهم! من أراد التعجّل إلى الجنة فليلزم هذه الراية؛ فقام إليه كلّ مستميت، فقال: الغدُوّ إلى ربّكم، فوالله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريرِي عَيْن؛ فنهض القوم بعضُهم إلى بعض فاقتتلوا أشدّ قتال رُئيَ في ذلك الزمان ساعةً من نهار، وأخذ يقدّم بنيه أمامه واحدًا واحدًا حتى قتلوا بين يديه، وابن الغسيل يضرب بسيفه، ويقول: بُعْدًا لمن رامَ الفَسادَ وطَغَى ... وجانَبَ الحقَّ وآيات الهدى لا يُبْعِدِ الرحْمَنُ إلَّا مَنْ عَصَى

стр. 3876

فقُتِل، وقُتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بنِ قيس بن شمّاس، استقدم فقاتل حتى قتِل، وقال: ما أحبّ أنّ الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم؛ ثم قاتل حتى قُتل وقُتل معه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فمرَّ عليه مروان بن الحَكَم وكأنه بِرْطيل من فِضّة، فقال: رحمك الله! فرُبَّ سارية قد رأيتك تطيل القيامَ في الصلاة إلى جنبها (١). (٥: ٤٨٩ - ٤٩١). قال هشام: فحدّثني عوانة، قال: فبلغنا: أنّ مسلم بن عقبة كان يجلس على كرسيّ ويحمله الرجال وهو يقاتل ابن الغسيل يوم الحَرّة وهو يقول: أحْيا أَباه هاشِمُ بن حَرْمَلهْ ... يوم الهَبَاتَيْن ويومَ اليعْمُلَهْ كلُّ المُلوك عِنْدَهُ مُغَرْبَلَة ... ورُمحُهُ للوالدات مثكلَهْ لا يُلبِثُ القتيلَ حتى يَجْدِله ... يَقْتُل ذا الذَّنْبِ ومن لا ذَنْبَ لهْ (٤٩١: ٥). قال هشام عن أبي مخنف: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص يومئذ يقاتل، فلما انهزم الناسُ مال عليهم يضربهم بسيفه حتى غلبته الهزيمةُ، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناسَ ويأخذون الأموالَ؛ فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخُدْريّ حتى دخل في كَهْف في الجبل، فبَصُر به رجل من أهل الشأم، فجاء حتى اقتحم عليه الغار (٢). (٥: ٤٩١). قال أبو مخنف: فحدّثني الحسن بن عطية العَوْفيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: دخل إليَّ الشاميّ يمشي بسيفه، قال: فانتضيتُ سيفي فمشيت إليه لأرعِبَهُ لعله ينصرف عنيّ، فأبى إلا الإقدامَ عليَّ، فلما رأيت أن قد جدّ شمتُ سيفي، ثمّ قلتُ له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال لي: من أنت لله أبوك! فقلت: أنا أبو سعيد الخُدْريّ، قال: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعمَ؛ فانصرف عنّي (٣). (٥: ٤٩١).

стр. 3877

قال هشام: حدّثني عوانة، قال: دعا الناسَ مُسلم بن عُقْبة بقُبَاء إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش: ليزيدَ بن عبد الله بن زَمْعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى ومحمد بن أبي الجَهْم بن حذيفة العدويّ ولمعقل بن سنان الأشجعيّ، فأتِي بهما بعد الوقعة بيوم فقال: بايعا، فقال القرشيّان: نبايعك على كتاب الله وسنَّة نبيِّه؛ فقال: لا والله لا أقيلكم هذا أبدًا، فقدّمهما فضرب أعناقهما! فقال له مروان: سبحان الله! أتقْتل رجليْنِ من قريش أتَيَا ليؤمنا فضَربتَ أعناقهما! فنَخسَ بالقضيب في خاصرتِه ثم قال: وأنتَ والله لو قلتَ بمقالتهما ما رأيتَ السماءَ إلا بَرْقَةً. (٥: ٤٩١ - ٤٩٢). قال هشام: قال أبو مخنف: وجاء مَعقل بن سنان، فجلس مع القوم، فدعا بشراب ليُسقَى، فقال له مسلم: أيّ الشراب أحبّ إليك؟ قال: العسل، قال: اسقوه، فشَرِب حتى ارتَوى، فقال له: أقضيت رِيَّك من شرابِك؟ قال: نعم، قال: لا والله لا تشرب بعده شرابًا أبدًا إلا الحميمَ في نار جهنم، أتذكر مقالتكَ لأمير المؤمنين: سرتُ شهرًا، ورجعتُ شهرًا، وأصبحتُ صِفرًا، اللهمّ غَيِّر. تعني: يزيدَ! فقدمه فضرب عنقه (١). (٥: ٤٩٢). قال هشام: وأمّا عوانة بن الحَكم فذكر: أن مسلم بن عقبة بعث عمرو بن مُحْرِز الأشجعى فأتاه بمَعقِل بن سنان فقال له مسلم: مرحبًا بأبي محمد! أراك عطشان! قال: أجَل، قال: شُوبوا له عسلًا بالثلج الذي حملتموه معنا -وكان له صديقًا قبل ذلك- فشابوه له، فلما شرب معقل قال له: سقاك الله من شراب الجنة؛ فقال له مسلم: أمَا والله لا تشربُ بعدها شرابًا أبدًا حتى تشربَ من شراب الحَميم؛ قال: أنشُدُك الله والرَّحِمَ! فقال له مسلم: أنت الذي لقيتني بطبريّة ليلةَ خرجت من عند يزيد، فقلت: سرْنا شهرًا ورجعْنا من عند يزيد صفرًا، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق، ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين! فيمَ غطفان وأشجع من الخلع والخلافة! إنّي آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلا فعلت، ثمّ أمر به فقُتِل. قال هشام: قال عوانة: وأتِيَ بزيد بن وهب بن زَمْعة؛ فقال: بايعْ، قال:

стр. 3878

أبايعك على سنّة عمر؛ قال: اقتلُوه، قال: أنا أبايع! قال: لا والله لا أقيلك عثرتَك، فكلّمه مروان بن الحكم -لصهر كان بينهما- فأمر بمروان فوجِئتْ عنقُه، ثم قال: بايعوا على أنكم خوَل ليزيدَ بن معاوية، ثمّ أمر به فقُتل. (٥: ٤٩٢ - ٤٩٣). قال هشام: قال عوِانة: عن أبي مخنف، قال: قال عبد الملك بن نوفل بن مساحق: ثمّ إنّ مروان أتِيَ بعليّ بن الحسين، وقد كان عليّ بن الحسين حين أخرِجت بنو أميّة منع ثَقَل مروان وامرأته وآواها، ثمّ خرجتْ إلى الطائف، فهي أمّ أبان ابنة عثمان بن عفان، فبعث ابنه عبد الله معها، فشكر ذلك له مروان -وأقبل عليّ بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان، فجاء حتى جلس عنده بينهما، فدعا مروان بشراب ليتحرّم بذلك من مسلم، فأتى له بشراب، فشرب منه مروان شيئًا يسيرًا، ثمّ ناوله عليًّا، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعِدت كفّه، ولم يأمنْه على نفسه، وأمسك القَدَح بكفّه لا يشربه ولا يضعه، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؛ والله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك، ولكنّ أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبَرَني أنك كاتبته، فذلك نافِعُك عندي، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، وإن شئت دعونا بغيره، فقال: هذه التي في كفّي أريد، قال: اشرَبها، ثم قال: إليَّ هاهنا، فأجلَسه معه (١). (٥: ٤٩٣). قال هشام: وقال عوانة بن الحكم: لما أتى بعليّ بن الحسين إلى مسلم، قال: مَن هذا؟ قالوا: هذا عليّ بن الحسين؛ قال: مرحبًا وأهلًا؛ ثم أجلَسَه معه على السرير والطِّنفِسة، ثم قال: إنّ أمير المؤمنين أوصاني بك قبلًا، وهو يقول: إنّ هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وُصْلتك؛ ثم قال لعليّ: لعلّ أهلك فزِعوا! قال: إي والله! فأمر بدابّته فأسرِجتْ، ثمّ حمله فردّه عليها. (٥: ٤٩٣ - ٤٦٤). قال هشام: وذكر عوانة: أنّ عَمرو بن عثمان لم يكن فيمن خرج من بني أميّة، وأنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عُقْبة فقال: يا أهل الشام! تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال: هذا الخبيث ابن الطيّب، هذا عمرو بن عثمان بن عفّان أمير

стр. 3879

المؤمنين، هيه يا عمرو! إذا ظهر أهل المدينة قلتَ: أنا رجل منكم، وإن ظهر أهلُ الشام قلتَ: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنُتِفت لحيتُه، ثم قال: يا أهل الشام! إنّ أمّ هذا كانت تدخِل الجُعَل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين! حاجيْتك ما في فمي؟ وفي فمها ما ساءَها وناءَها، فخلّي سبيله، وكانت أمُّه من دَوْس. (٣: ٤٩٤). وقعة الحرة وقد ذُكر من أمر وقعة الحرّة ومقتل ابن الغسيل أمرٌ غيْرُ الذي رُوي عن أبي مخنف، عن الذين رَوَى ذلك عنهم، وذلك ما حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعتُ أشياخَ أهل المدينة يحدّثون: أن معاوية لمّا حضرته الوفاة دعا يزيدَ فقال له: إن لك من أهل المدينة يومًا، فإنْ فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفتُ نصيحتَه. فلما هلك معاوية وفد إليه وفدٌ منْ أهل المدينة، وكان ممن وفد عليه عبدُ الله بنُ حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفًا فاضلًا سيّدًا عابدًا، معه ثمانية بنينَ له، فأعطاه مئةَ ألف درهم، وأعطَى بنيه لكلّ واحد منهم عشرة آلاف سوى كُسوتهم وحُملانهم، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس، فقالوا: ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنيَّ هؤلاء لجاهدتهُ بهم؛ قالوا: قد بلغَنا: أنه أجداك، وأعطاك، وأكرمك؛ قال: قد فعل، وما قبلتُ منه إلا لأتقوَّى به؛ وحضَّض الناسَ فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد، فبعث مُسْلم بن عُقْبة إليهم، وقد بعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين الشأم، فصبّوا فيه زقًّا من قَطِران، وعُوِّر، فأرسل الله السماء عليهم، فلم يستقوا بدَلْوٍ حتى ورَدُوا المدينة، فخرج إليهم أهلُ المدينة بجموع كثيرة، وهيئة لم يُرَ مِثلُها، فلما رآهم أهل الشأم هابُوهم وكرهوا قتالَهم، ومسلم شديدُ الوجع، فبينما الناس في قتالهم؛ إذ سمعوا التكبيرَ من خلْفهم في جوف المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة أهلَ الشأم، وهم على الجَدّ، فانهزم الناسُ، فكان من أصيب في الخندق أكثرَ ممن قُتل من الناس، فدخلوا المدينة، وهُزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستندٌ إلى أحد بنيه يغطّ نومًا، فنبّهه ابنه، فلما فتح عينيه فرأى ما صنع

стр. 3880

الناسُ أمرَ أكبرَ بنيه، فتقدّم حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة، فدعا الناسَ للبيعة على أنهم خَوَلٌ ليزيدَ بن معاوية، يحْكم في دمائهم وأموالهم وأهلِيهم ما شاء. (٥: ٤٩٥). ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث قال أبو جعفر: فمن ذلك مسيرُ أهل الشام إلى مكة لحرب عبد الله بن الزّبير ومَنْ كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيدَ بن معاوية. ولما فرغ مسلم بن عُقْبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جندِه أموالهم ثلاثًا، شَخَص بمن معه من الجند متوجّهًا إلى مكة، كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثني عبد الملك بن نوفل: أنّ مسلمًا خرج بالناس إلى مكة يريد ابن الزبير، وخلَّف على المدينة رَوْح بن زِنباع الجُذاميّ. وأما الواقديّ فإنه قال: خلَّف عليها عمرو بن محرز الأشجعيّ؛ قال: ويقال: خلَّف عليها رَوْح بن زِنْباع الجُذاميّ. (٥: ٤٩٦). ذكر موت مسلم بن عقبة ورمي الكعبة وإحراقها رجع الحديث إلى أبي مخنف، قال: حتى إذا انتهى إلى المُشلَّل - ويقال: إلى قفا المشلَّل - نزل به الموت، وذلك في آخر المحرَّم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السَّكونيّ فقال له: يا بن برذعة الحمار، أمَا والله لو كان هذا الأمر إليّ ما ولَّيتُك هذا الجندَ! ولكنّ أمير المؤمنين ولّاك بعدي، وليس لأمر أمير المؤمنين مَرَدٌّ؛ خُذ عني أربعًا: أسرع السيرَ، وعجّل الوِقاع، وعمّ الأخبار، ولا تُمكِنْ قُرَشيًّا من أذنك! ثمّ إنه مات، فدُفن بقَفا المشلّل (١). (٥: ٤٩٦). قال هشام بن محمد الكلبيّ: وذكر عَوَانة: أنّ مسلم بن عُقْبة شخص يريد ابن الزبير، حتى إذا بلغ ثنيَّة هَرْشَا نزل به الموت، فبعث إلى رؤوس الأجناد،

стр. 3881

فقال: إنَّ أمير المؤمنين عهد إليَّ إنْ حدَثَ بي حَدَثُ الموت أن أستخلف عليكم حصينَ بن نمير السَّكونيّ، والله لو كان الأمر إليّ ما فعلت، ولكن أكره معصية أمرِ أمير المؤمنين عند الموت، ثمَّ دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار، فاحفظ ما أوصيك به: عمِّ الأخبار، ولا تُرْعِ سمعَك قريشًا أبدًا، ولا تردّنّ أهل الشام عن عدوّهم، ولا تقيمنّ إلا ثلاثًا حتى تناجزَ ابن الزبير الفاسق؛ ثمّ قال: اللهمّ إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله أحبَّ إليّ من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة، ثمّ قال لبني مُرَّة: زرَّاعتي التي بَحوْرانَ صدقةٌ على مرَّة، وما أغلقتْ عليه فلانة بابَها فهو لها - يعني أمَّ ولدِه - ثمَّ مات. ولما مات خرج حصين بن نمير بالناس، فقَدِم على ابن الزبير مكة وقد بايعه أهلُها، وأهلُ الحجاز. (٥: ٤٩٦ - ٤٩٧). قال هشام: قال عوانة: قال مسلم قبل الوصيّة: إنَّ ابني يزعم: أنّ أم ولدي هذه سقتْني السمّ؛ وهو كاذب، هذا داءٌ يُصيبُنا في بطوننا أهلَ البيت، قال: وقدم عليه - يعني: ابن الزبير - كلُّ أهل المدينة، وقد قدم عليه نَجْدة بن عامر الحنفيّ في أناس من الخوارج يمنعون البيت، فقال لأخيه المنذر: ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيري وغيرُك - وأخوه المنذر ممن شهد الحرّة، ثمّ لحق به - فجرّد إليهم أخاه في الناس، فقاتلهم ساعةً قتالًا شديدًا. ثمّ إنَّ رجلًا من أهل الشام دعا المنذر إلى المبارزة - قال: والشاميُّ على بغلة له - فخرج إليه المنذر، فضرب كلُّ واحد منهما صاحبَه ضربةً خرّ صاحبُه لها ميّتًا، فجثا عبدُ الله بنُ الزّبير على ركبتيه وهو يقول: يا ربّ أَبِرْها من أصلها ولا تَشدَّها، وهو يدعو على الذي بارز أخاه، ثمّ إنّ أهل الشام شدُّوا عليهم شَدّةً منكرةً، وانكشف أصحابُه انكشافةً، وعثرتْ بغلته فقال: تعْسًا! ثمَّ نزل وصاح بأصحابه: إليَّ؛ فأقبَلَ إليه المِسْوَر بن مَخْرمة بن نوفل بن أهْيَب بن عبد مناف بن زُهرة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزّهرّي، فقاتلوا حتى قُتلوا جميعًا، وصابرَهم ابنُ الزبير يجالدهم حتى الليل، ثمّ انصرفوا عنه؛ وهذا في الحصار الأوّل، ثمّ إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع

стр. 3882

الأوّل يوم السبت سنة أربع وستين قَذَفوا البيتَ بالمجَانيق، وحرّقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون: خطَّارةٌ مِثلُ الفنِيق المزبدِ ... نَرْمِي بها أَعْوَادَ هذا المْسجدِ قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بنُ حَوْط السدوسيّ يقول: كيف تَرى صنيع أُمِّ فَرْوَهْ ... تأْخُذُهُمْ بين الصَّفَا والمَرْوَهْ (٥: ٤٩٧ - ٤٩٨). يعني بأمّ فروةَ المنجنيق. وقال الواقديّ: سار الحُصين بن نمير حين دُفن مسلم بن عُقبة بالمشلَّل لسبعٍ بقين من المحرّم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرّم، فحاصر ابنَ الزبير أربعًا وستين يومًا حتّى جاءهم نعْي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر. (٥: ٤٩٨). دكر الخبر عن حرق الكعبة وفي هذه السنة حُرقت الكعبة. ذكر السبب في إحراقها: قال محمَّد بن عمر: احترقت الكعبة يومَ السبت لثلاث ليال خلوْن من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين قبل أن يأتيَ نعيُ يزيدَ بن معاوية بتسعة وعشرين يومًا، وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء. (٥: ٤٩٨). قال محمَّد بن عمر: حدّثنا رياح بن مسلم عن أبيه، قال: كانوا يوقدون حولَ الكعبة، فأقبلتْ شَرَرة هبّت بها الريح، فاحترقتْ ثياب الكعبة، واحترف خشبُ البيت يومَ السبت لثلاثِ ليال خلوْن من ربيع الأوّل. (٥: ٤٩٨). قال محمَّد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن زيد، قال: حدّثني عروة بن أذَيْنَة، قال: قدمتُ مكة مع أمّي يومَ احترقت الكعبة قد خَلَصتْ إليها النار، ورأيتُها مجرّدة من الحرير، ورأيت الرّكن قد اسودّ وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير، قالوا: هذا احترقتْ بسببه، أخذ قبَسًا في رأس رمح له فطيّرت الريحُ به، فضرَبتْ أستارَ الكعبة ما بين الركن اليمانيّ والأسوَد. (٥: ٤٩٨ - ٤٩٩).

стр. 3883

وأما هشام بن محمَّد الكلبيّ فإنَّه قال في سنّ يزيدَ خلافَ الذي ذكره الزهريّ؛ والذي قال هشام في ذلك - فيما حُدِّثنا عنه -: استُخلف أبو خالد يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان وهو ابن اثنتين وثلاثين سنةً وأشهر في هلال رجب سنة ستين، وولي سنتين وثمانية أشهر، وتوفي لأربع عشرةَ ليلةً خلت من ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وستين وهو ابن خمسن وثلاثين، وأمّه مَيْسون بنت بَحْدل بن أنيف بن وَلْجة بن قُنافةَ بن عديّ بن زهير بن حارثة الكلبيّ. (٥: ٤٩٩). خلافة معاوية بن يزيد فحدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا عبد العزيز بن خالد بن رُسْتم الصنعانيّ أبو محمَّد، قال: حدّثنا زياد بن جيل، قال: بينا حُصَين بن نمير يقاتل ابنَ الزبير؛ إذْ جاء موت يزيد؛ فصاح بهم ابن الزبير، فقال: إنَّ طاغِيتَكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخلَ فيما دخل فيه الناس فلْيفعلْ، فمن كَرِه فليلْحقْ بشأمه، فغَدَوْا عليه يقاتلونه. قال: فقال ابن الزبير للحصين بن نُمَير: اُدنُ مني أحدّثْك، فدنا منه فحدّثه، فجعل فرسُ أحدهما يجْفِل - والجَفل: الرَّوْث - فجاء حَمام الحَرَم يلتقط من الجَفْل، فكفّ الحصين فرسَه عنهنّ، فقال له ابن الزبير: ما لَك؟ قال: أخاف أن يَقتُل فرسي حَمامَ الحرَم؛ فقال له ابن الزبير: أتتحَرَّجُ من هذا وتريد أن تَقتُل المسلمين! فقال له: لا أقاتلك؛ فائْذَنْ لنا نَطفْ بالبيت، وننصرف عنك، ففعل فانصرفوا. (٥: ٥٠١). وأما عوانة بن الحكَم فإنَّه قال - فيما ذكر هشام، عنه - قال: لما بلغ ابنَ الزبير موتُ يزيد، وأهل الشام لا يعلمون بذلك، قد حصروه حصارًا شديدًا وضيّقوا عليه - أخذ يناديهم هو وأهل مكّة: علامَ تقاتلون؟ قد هلك طاغيِتُكم؛ وأخذوا لا يصدّقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المُنْقَع النخَعيّ من أهل الكوفة في رؤوس أهل العراق، فمرّ بالحصين بن نمير - وكان له صديقًا، وكان بينهما صِهْر، وكان يراه عند معاوية، فكان يعرف فضلَه وإسلامَه وشرفَه - فسأل عن الخبر، فأخبره بهلاك يزيدَ، فبعث الحصين بن نُمَير إلى عبد الله بن الزبير، فقال: موعدُ ما بيننا وبينك الليلةَ الأبطحُ، فالتقيا، فقال له الحصين: إن يكُ هذا الرجل قد

стр. 3884

هلك فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر؛ هلمَّ فلنبايعْك، ثمّ أخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذي معي هم وجوهُ أهل الشام وفُرسانُهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمّن الناس وتُهدِر هذه الدّماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرَّة؛ فكان سعيد بن عمرو يقول: ما مَنَعه أن يبايعَهم ويخرج إلى الشام إلَّا تطَيّرٌ، لأنَّ مكة التي منعه الله بها، وكان ذلك من جند مروان، وإن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشام ما اختلف عليه منهم اثنان، فزعم بعضُ قريش: أنَّه قال: أنا أهدِر تلك الدماء! أما والله لا أرضى أن أقتُل بكلّ رجل منهم عَشرة، وأخذ الحصينُ يكلّمه سرًّا، وهو يجهر جهرًا، وأخذ يقول: لا والله لا أفعل؛ فقال له الحصين بن نمير: قبح اللهُ من يعدّك بعد هذه داهيًا قطّ أو أديبًا! قد كنتُ أظنّ أنّ لك رأيًا، ألا أراني أكلمك سرًّا وتكلمني جهرًا، وأدعوك إلى الخلافة، وتعِدُني القتلَ والهَلَكة! ثمَّ قام فخرج وصاح في الناس، فأقبل فيهم نحوَ المدينة، وندم ابن الزبير على الذي صنع، فأرسل إليه: أمَّا أن أسيرَ إلى الشام فلستُ فاعلًا، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإنِّي مؤمّنكم وعادلٌ فيكم، فقال له الحصين: أرأيتَ إن لم تقدم بنفسك، ووجدتُ هنالك أناسًا كثيرًا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانعٌ؟ فأقبَل بأصحابه ومَنْ معه نحوَ المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلة له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نمير فرسٌ له عتيق، وقد فَنِيَ قَتُّهُ وشعيرُه، فهو غَرِضٌ، وهو يسبّ غلامَه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا عَلفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوَجهه، فأمر له بما كان عنده من عَلَف، واجترأ أهلِ المدينة وأهلُ الحجاز على أهل الشام فذلّوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلَّا أخِذ بلجام دابته ثمَّ نُكِس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون. وقالت لهم بنو أميّة: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، وقد أوصى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية بن يزيد، فَلم يلبث إلَّا ثلاثة أشهر حتى مات (١). (٥: ٥٠١ - ٥٠٣).

стр. 3885

ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد حدّثني عمر، قال زهير: قال: حدثنا وهب، قال: وحدّثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سُمَير: أنّ شقيق بن ثور، ومالك بن مِسْمع، وحضين بن المنذر أتوا عبيد الله ليلًا وهو في دار الإمارة، فبلغ ذلك رجلًا من الحيّ من بني سَدُوس؛ قال: فانطلقتُ فلزمتُ دار الإمارة، فلبثوا معه حتى مضى عليه الليل، ثمّ خرجوا ومعهم بغلٌ موقَرٌ مالًا؛ قال: فأتيت حضينًا فقلت: مُرْ لي من هذا المال بشيء، فقال: عليك ببني عمّك، فأتيت شقيقًا فقلت: مُرْ لي من هذا المال بشيء - قال: وعلى المال مولىً له يقال له: أيّوب - فقال: يا أيوب! أعطِه مئة درهم؛ قلت: أما مئة درهم والله لا أقبلها، فسكت عني ساعةً، وسارَ هنَيْهة، فأقبلتُ عليه فقلتُ: مُرْ لي من هذا المال بشيء، فقال: يا أيّوب! أعطه مئتي درهم، قلت: لا أقبل والله مئتين، ثمَّ أمر بثلاثمئة ثمَّ أربعمئة، فلما انتهينا إلى الطُّفاوة قلت: مُرْ لي بشيء؛ قال: أرأيتَ إن لم أفعل ما أنت صانع؟ قلتُ: أنطلق والله حتى إذا توسَّطتُ دُورَ الحيّ وضعتُ إصبعيّ في أذنيَّ، ثمّ صرختُ بأعلى صوتي: يا معشر بكر بن وائل! هذا شقيق بن ثور، وحضَين بن المنذر، ومالك بن المسمع، قد انطلقوا إلى ابن زياد، فاختلفوا في دمائكم؛ قال: ما له فعَل الله به وفعل! ويلك أعطِه خمسمئة درهم؛ قال: فأخذتها ثمّ صبَّحت غاديًا على مالك - قال وهب: فلم أحفظ ما أمر له به مالك - قال: ثمّ رأيت حضَينًا فدخلت عليه، فقال: ما صنع ابن عمّك؟ فأخبرتُه وقلت: أعطني من هذا المال؛ فقال: إنَّا قد أخذْنا هذا المال ونجوْنا به، فلن نَخشَى من الناس شيئًا، فلم يعطِني شيئًا. (٥: ٥٠٥ - ٥٠٦). قال أبو جعفر: وحدّثني أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى: أنّ يونس بن حبيب الجَرْميّ حدّثه، قال: لما قتَل عُبيدُ الله بنُ زياد الحسينَ بن عليّ ﵇ وبني أبيه؛ بعث برؤوسهم إلى يزيدَ بن معاوية، فسُرّ بقَتْلهم أوّلًا، وحسُنَتْ بذلك

стр. 3886

منزلةُ عُبيد الله عنده، ثمّ لم يلبث إلَّا قليلًا حتى ندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما كان عليّ لو احتملتُ الأذى وأنزلتُه معي في داري، وحكَّمته فيما يريد؛ وإن كان عليّ في ذلك وكَفٌ وَوَهنٌ في سلطاني، حِفْظًا لرسولِ الله ﷺ ورعايةً لحقه وقرابته! لعن الله ابنَ مَرْجانة، فإنَّه أخرجه واضطرّه، وقد كان سأله أن يُخَلِّيَ سبيلَه، ويرجع فلم يفعل، أو يضع يَده في يدي، أو يلحق بثَغْر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله فلم يفعل، فأبى ذلك وردّه عليه وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوةَ، فبَغَضَني البَرُّ والفاجرُ، بما استعظم الناس من قتلي حُسينًا؛ مالي ولابن مرجانة لعنه الله، وغضِب عليه! ثمّ إنّ عبيد الله بعث مولىً يقال له: أيوب بن حَمْران إلى الشام ليأتيَه بخبر يزيدَ، فركب عبيد الله ذاتَ يوم حتى إذا كان في رَحْبة القصّابين؛ إذا هو بأيوب بن حُمران قد قَدِم، فلحقه فأسرّ إليه موتَ يزيدَ بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك فأتى منزلَه، وأمر عبد الله بن حِصْن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصلاة جامعة. قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدّثني قال: الذي بعثه عُبيد الله حُمران مولاه، فعاد عُبيد الله عبدَ الله بن نافع أخا زياد لأمه، ثمَّ خرج عبيد الله ماشيًا من خَوْخة كانت في دار نافع إلى المسجد، فلما كان في صحنه إذا هو بمولاه حُمران أدنى ظلمة عند المساء - وكان حُمران رسولَ عبيد الله بن زياد إلى معاوية حياتَه وإلى يزيدَ - فلما رآه ولم يكن [آن] له أن يقدم - قال: مَهيْم! قال: خيرٌ، قال: وما وراءك؟ قال: أدنو منك. قال: نعم - وأسرّ إليه موتَ يزيد واختلاف أمر الناس بالشام، وكان يزيدُ ماتَ يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأولّ سنة أربع وستين - فأقبل عبيد الله مِن فَوْرِهِ، فأمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعِد المنبرَ فنعَى يزيدَ، وعرّض بثلبِه لِقَصْد يزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيد الله، فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيدَ في أعناقنا بَيْعة، وكان يقال: أعْرِضْ عن ذي فَنَن، فأعرَض عنه، ثمَّ قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام، وقال: إنّي قد وليتكم. . . ثمَّ ذكر نحو حديث عمر بن شبّة عن زهير بن حرب إلى: فبايعوه عن رِضًا منهم ومشورةٍ. ثمَّ قال: فلمّا خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفّهم بباب الدار وحيطانه،

стр. 3887

ويقولون: ظَنَّ ابن مرجانة أنا نوليه أمرَنا في الفرقة! قال: فأقام عبيد الله أميرًا غيرَ كثير حتى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيُردّ عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيُحال بين أعوانه وبينه. (٥: ٥٠٦ - ٥٠٧). قال أبو عبيدة: فحدّثني غيرُ واحد، عن سَبْرة بن الجارود الهُذليّ، عن أبيه الجارُود، قال: وقال عبيدُ الله في خطبته: يا أهلَ البصرة! والله لقد لبسْنَا الخزّ واليُمنة والليّن من الثياب حتى لقد أجمَنا ذلك وأجمَتْه جلوُدنا، فما بِنَا إلى أن نُعقِبها الحديدَ! يا أهل البصرة! والله لو اجتمعتم على ذَنب عَيْر لتكسروه ما كَسرتُموه، قال الجارود: فوالله ما رُمي بجُمّاح حتى هَرب، فتَوارَى عند مسعود فلما قُتل مسعود لحق بالشام. قال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يومَ خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقلُّ - وقال عليّ بن محمَّد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إنَّ هذا فيئكم، فخذوا أعطياتِكم وأرزاق ذراريّكم منه، وأمر الكَتَبَةَ بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتَّاب في ذلك حتى وكَّل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع. قال: فلما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان؛ كفّ عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تَردّدُ في آل زياد، فيكون فيهم العُرس أو المأتم فلا يُرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغَضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساءَ خاصّة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إنْ أمَرَنا قُوّادُنا قاتلْنا معك، فقال إخوةُ عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتلَ عنه فإن هُزِمتَ فئتَ إليه وإن استمددتَه أمدّك، وقد علمتَ أَنّ الحرب دُوَل، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتّخذنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالًا، فإن ظفروا أهلَكونا وأهلَكوها، فلم تَبقَ لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمّه مرجانة: والله لئن قاتلَ القوم لأعْتمِدنَّ على ظُبَة السيف حتى يخرج من صُلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صُهْبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جَهْضَم بن جذَيمة بن مالك بن فَهْم، فقال له: يا حارِ! إنَّ أبي كان أوصاني إن احْتجتُ إلى الهرب يومًا أن أختاركم، وإنّ نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلَوْك في أبيك ما قد علِمت، وأبلَوْه فلم يجدوا

стр. 3888

عنده ولا عندَك مُكافأةً، وما لك مَردٌّ إذا اخترتنَا، وما أدري كيف أتأتّى لك إن أخرَجتك نهارًا! إني أخاف ألَّا أصِلَ بك إلى قومي حتى تُقْتَلَ وأقتَلَ، ولكنّي أقيم معك حتى إذا وارى دَمْسٌ دَمْسًا وهَدَأت القدَمُ؛ ردفتَ خلفي لئلا تُعرف، ثمَّ أخذتك على أخوالي بني ناجِية، قال عبيد الله: نِعْمَ ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خَلْفَه، وقد نَقل تلك الأموال فأحرزها، ثمّ انطلق به يمرّ به على الناس، وكانوا يتحارسون مخافة الحروريّة فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سُليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سُلَيم؛ قال: سلِمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجوْنا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: مَن أنتَ؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختِكم؛ وعرف رجل منهم عبيدَ الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهمًا فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دارَ نفسه في الجهاضم، ثمّ مضى إلى مسعود بن عمرو بن عديّ بن محارب بن صُنَيم بن مُليح بن شَرْطان بن مَعْن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة: فلما رآه مسعود قال: يا حارِ، قد كان يُتعوّذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شرّ ما طرقتَنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمتَ: أنّ قومك قد أنجَوا زيادًا فوفَوْا له، فصارت لهم مكرُمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايَعْتَم عبيد الله بيعةَ الرضا؛ رِضًا عن مَشورَة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني: بيعةَ الجماعة - فقال له مسعود: يا حارِ، أترى لنا أن نعاديَ أهلَ مِصْرِنا في عبيد الله، وقد أبليْنا في أبيه ما أبلينا، ثمَّ لم نُكافأ عليه، ولم نُشكَر! ما كنتُ أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يُعاديك أحد على الوَفاء ببيْعتك حتى تبلغَه مأمنَه (٥: ٥٠٨ - ٥١٠). هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد قال وهب: فحدّثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان: أنهم جعلوا يقولون: أين ترونه توجّه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجّه! اندَحَسَ والله في أجَمَةِ أبيه. وكانت وفاةُ يزيدَ حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف

стр. 3889

ألف، ففرّق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كان دعا البخارّية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبَوا عليه. (٥: ٥١١). حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا الأسوَد بن شيبان عن عبد الله بن جَرير المازنيّ، قال: بعث إليّ شقيق بن ثور، فقال لي: إنه قد بلغني: أنّ ابن منجوف هذا وابن مسمع يُدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردّا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذَيْن الغاريْن، فيهريقوا دماءكم، ويُعِزُّوا أنفسهم، ولقد هممتُ أن أبعَثَ إلى ابن منجوف فأشدَّه وثاقًا، وأخرِجَه عني؛ فاذهب إلى مسعود، فاقرأ ﵇ منّي، وقيل له: إنّ ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك، قال: وكان معه عُبيد الله، وعبد الله ابنا زياد، قال: فدخلتُ على مسعود وابنا زياد عنده: أحدُهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قَيْس، قال: وعليك السلام؛ قلتُ: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنه بلغني؛ فردّ الكلام بعينه إليَّ: "فأخرِجهما عنك"؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونَسِي كُنْيَتَه، إنما كان يُكنَى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرْتُمونا، وعقدتم لنا ذِمَّتَكم، فلا نخرج حتى نُقتَلَ بين أظهُرِكم، فيكون عارًا عليكم إلى يوم القيامة. (٥: ٥١١ - ٥١٢). قال أصحابنا: دعت مُضرُ إلى العبّاس بن الأسود بن عوف الزهريّ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعَتِ اليَمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناسُ أن حكّموا قيسَ بن الهيثم والنعمان بن صُهْبان الراسبيّ لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيُهما على أن يولّيا المضريّ الهاشميّ إلى أن يجتمع أمرُ الناس على إمام؛ فقيل في ذلك: نزَعْنَا وَوَلَّيْنا وبَكْرُ بنُ وائلٍ ... تَجُرُّ خُصاهَا تَبتِغي من تحالِفُ فلما أمّروا ببّة على البصرة ولّى شرطتَه هِمْيان بن عديّ السَّدُوسيّ. (٥: ٥١٢ - ٥١٣). قال أبو جعفر: وأمَّا أبو عُبيدة فإنَّه - فيما حدّثني محمَّد بن عليّ، عن أبي سعدان، عنه - قصّ من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غيرَ القصّةِ التي قصّها وهب بن جرير، عمّن روى عنهم خبرَهم، قال: حدّثني مسلمة بن

стр. 3890

محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمّن أدرك ذلك منهم ومِنْ مواليهم - والقوم أعلم بحديثهم -: أنّ الحارث بن قيس لم يكلِّم مسعودًا، ولكنه آمن عبيدَ الله، فحمل معه مئةَ ألف درهم، ثمَّ أتى بها إلى أمّ بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمّه، ومعه عُبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فقال لها الحارث: قد أتيتُكِ بأمر تَسُودِين به نساءَكِ وتتمّين به شرفَ قومك، وتعجّلين غنىً ودنيا لك خاصّة، هذه مئة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضُمّي عبيد الله، قالت: إني أخاف ألَّا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوبًا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلّي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلمّا جاءَ مسعود أخبرتْه، فأخذ برأسها، فخرج عبيد الله والحارث من حَجَلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتْني ابنة عمّك عليك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامُك في بطني، وقد التفّ عليّ بيتُك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطّفا له حتى رضي. قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قُتِل مسعود. (٥: ٥١٣). قال أبو عبيدة: فحدّثني يزيد بن سُمَير الجَرْميّ عن سَوّار بن عبد الله بن سعيد الجرميّ؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبَر أهلُ البَصْرِة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمّرون عليهم، ثمَّ تراضَوْا برجلين يختاران لهم خِيرَة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السُّلَميّ، وبنعمان بن سُفْيان الراسبيّ، راسب بن جَرْم بن رَبَّان بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا مَن يرضيان لهم، فذكَرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سُفْيان بن حرب بن أميّة - وكان يلقب بَبّة، وهو جدّ سليمان بن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزّهريِّ، فلما أطبقا عليهما اتَّعدا المِرْبَد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذيْن. قال: فحضر الناسُ، وحضرتُ معهم قارعةَ المِربد - أي: أعلاه - فجاء قيس بن الهيثم، ثمّ جاء النعمان بعد، فتجاوَلَ قيس والنعمان، فأرى النعمان قيسًا: أنّ هواه في ابن الأسود، ثمّ قال: إنَّا لا نستطيع أن نتكلم معًا، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان
следующие страницы →