منزلةُ عُبيد الله عنده، ثمّ لم يلبث إلَّا قليلًا حتى ندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما كان عليّ لو احتملتُ الأذى وأنزلتُه معي في داري، وحكَّمته فيما يريد؛ وإن كان عليّ في ذلك وكَفٌ وَوَهنٌ في سلطاني، حِفْظًا لرسولِ الله ﷺ ورعايةً لحقه وقرابته! لعن الله ابنَ مَرْجانة، فإنَّه أخرجه واضطرّه، وقد كان سأله أن يُخَلِّيَ سبيلَه، ويرجع فلم يفعل، أو يضع يَده في يدي، أو يلحق بثَغْر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله فلم يفعل، فأبى ذلك وردّه عليه وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوةَ، فبَغَضَني البَرُّ والفاجرُ، بما استعظم الناس من قتلي حُسينًا؛ مالي ولابن مرجانة لعنه الله، وغضِب عليه!
ثمّ إنّ عبيد الله بعث مولىً يقال له: أيوب بن حَمْران إلى الشام ليأتيَه بخبر يزيدَ، فركب عبيد الله ذاتَ يوم حتى إذا كان في رَحْبة القصّابين؛ إذا هو بأيوب بن حُمران قد قَدِم، فلحقه فأسرّ إليه موتَ يزيدَ بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك فأتى منزلَه، وأمر عبد الله بن حِصْن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصلاة جامعة.
قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدّثني قال: الذي بعثه عُبيد الله حُمران مولاه، فعاد عُبيد الله عبدَ الله بن نافع أخا زياد لأمه، ثمَّ خرج عبيد الله ماشيًا من خَوْخة كانت في دار نافع إلى المسجد، فلما كان في صحنه إذا هو بمولاه حُمران أدنى ظلمة عند المساء - وكان حُمران رسولَ عبيد الله بن زياد إلى معاوية حياتَه وإلى يزيدَ - فلما رآه ولم يكن [آن] له أن يقدم - قال: مَهيْم! قال: خيرٌ، قال: وما وراءك؟ قال: أدنو منك. قال: نعم - وأسرّ إليه موتَ يزيد واختلاف أمر الناس بالشام، وكان يزيدُ ماتَ يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأولّ سنة أربع وستين - فأقبل عبيد الله مِن فَوْرِهِ، فأمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعِد المنبرَ فنعَى يزيدَ، وعرّض بثلبِه لِقَصْد يزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيد الله، فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيدَ في أعناقنا بَيْعة، وكان يقال: أعْرِضْ عن ذي فَنَن، فأعرَض عنه، ثمَّ قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام، وقال: إنّي قد وليتكم. . . ثمَّ ذكر نحو حديث عمر بن شبّة عن زهير بن حرب إلى: فبايعوه عن رِضًا منهم ومشورةٍ.
ثمَّ قال: فلمّا خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفّهم بباب الدار وحيطانه،
стр. 3887
ويقولون: ظَنَّ ابن مرجانة أنا نوليه أمرَنا في الفرقة! قال: فأقام عبيد الله أميرًا غيرَ كثير حتى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيُردّ عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيُحال بين أعوانه وبينه. (٥: ٥٠٦ - ٥٠٧).
قال أبو عبيدة: فحدّثني غيرُ واحد، عن سَبْرة بن الجارود الهُذليّ، عن أبيه الجارُود، قال: وقال عبيدُ الله في خطبته: يا أهلَ البصرة! والله لقد لبسْنَا الخزّ واليُمنة والليّن من الثياب حتى لقد أجمَنا ذلك وأجمَتْه جلوُدنا، فما بِنَا إلى أن نُعقِبها الحديدَ! يا أهل البصرة! والله لو اجتمعتم على ذَنب عَيْر لتكسروه ما كَسرتُموه، قال الجارود: فوالله ما رُمي بجُمّاح حتى هَرب، فتَوارَى عند مسعود فلما قُتل مسعود لحق بالشام.
قال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يومَ خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقلُّ - وقال عليّ بن محمَّد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إنَّ هذا فيئكم، فخذوا أعطياتِكم وأرزاق ذراريّكم منه، وأمر الكَتَبَةَ بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتَّاب في ذلك حتى وكَّل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع.
قال: فلما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان؛ كفّ عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تَردّدُ في آل زياد، فيكون فيهم العُرس أو المأتم فلا يُرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغَضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساءَ خاصّة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إنْ أمَرَنا قُوّادُنا قاتلْنا معك، فقال إخوةُ عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتلَ عنه فإن هُزِمتَ فئتَ إليه وإن استمددتَه أمدّك، وقد علمتَ أَنّ الحرب دُوَل، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتّخذنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالًا، فإن ظفروا أهلَكونا وأهلَكوها، فلم تَبقَ لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمّه مرجانة: والله لئن قاتلَ القوم لأعْتمِدنَّ على ظُبَة السيف حتى يخرج من صُلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صُهْبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جَهْضَم بن جذَيمة بن مالك بن فَهْم، فقال له: يا حارِ! إنَّ أبي كان أوصاني إن احْتجتُ إلى الهرب يومًا أن أختاركم، وإنّ نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلَوْك في أبيك ما قد علِمت، وأبلَوْه فلم يجدوا
стр. 3888
عنده ولا عندَك مُكافأةً، وما لك مَردٌّ إذا اخترتنَا، وما أدري كيف أتأتّى لك إن أخرَجتك نهارًا! إني أخاف ألَّا أصِلَ بك إلى قومي حتى تُقْتَلَ وأقتَلَ، ولكنّي أقيم معك حتى إذا وارى دَمْسٌ دَمْسًا وهَدَأت القدَمُ؛ ردفتَ خلفي لئلا تُعرف، ثمَّ أخذتك على أخوالي بني ناجِية، قال عبيد الله: نِعْمَ ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خَلْفَه، وقد نَقل تلك الأموال فأحرزها، ثمّ انطلق به يمرّ به على الناس، وكانوا يتحارسون مخافة الحروريّة فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سُليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سُلَيم؛ قال: سلِمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجوْنا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: مَن أنتَ؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختِكم؛ وعرف رجل منهم عبيدَ الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهمًا فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دارَ نفسه في الجهاضم، ثمّ مضى إلى مسعود بن عمرو بن عديّ بن محارب بن صُنَيم بن مُليح بن شَرْطان بن مَعْن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة: فلما رآه مسعود قال: يا حارِ، قد كان يُتعوّذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شرّ ما طرقتَنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمتَ: أنّ قومك قد أنجَوا زيادًا فوفَوْا له، فصارت لهم مكرُمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايَعْتَم عبيد الله بيعةَ الرضا؛ رِضًا عن مَشورَة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني: بيعةَ الجماعة - فقال له مسعود: يا حارِ، أترى لنا أن نعاديَ أهلَ مِصْرِنا في عبيد الله، وقد أبليْنا في أبيه ما أبلينا، ثمَّ لم نُكافأ عليه، ولم نُشكَر! ما كنتُ أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يُعاديك أحد على الوَفاء ببيْعتك حتى تبلغَه مأمنَه (٥: ٥٠٨ - ٥١٠).
هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد
قال وهب: فحدّثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان: أنهم جعلوا يقولون: أين ترونه توجّه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجّه! اندَحَسَ والله في أجَمَةِ أبيه.
وكانت وفاةُ يزيدَ حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف
стр. 3889
ألف، ففرّق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كان دعا البخارّية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبَوا عليه. (٥: ٥١١).
حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا الأسوَد بن شيبان عن عبد الله بن جَرير المازنيّ، قال: بعث إليّ شقيق بن ثور، فقال لي: إنه قد بلغني: أنّ ابن منجوف هذا وابن مسمع يُدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردّا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذَيْن الغاريْن، فيهريقوا دماءكم، ويُعِزُّوا أنفسهم، ولقد هممتُ أن أبعَثَ إلى ابن منجوف فأشدَّه وثاقًا، وأخرِجَه عني؛ فاذهب إلى مسعود، فاقرأ ﵇ منّي، وقيل له: إنّ ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك، قال: وكان معه عُبيد الله، وعبد الله ابنا زياد، قال: فدخلتُ على مسعود وابنا زياد عنده: أحدُهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قَيْس، قال: وعليك السلام؛ قلتُ: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنه بلغني؛ فردّ الكلام بعينه إليَّ: "فأخرِجهما عنك"؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونَسِي كُنْيَتَه، إنما كان يُكنَى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرْتُمونا، وعقدتم لنا ذِمَّتَكم، فلا نخرج حتى نُقتَلَ بين أظهُرِكم، فيكون عارًا عليكم إلى يوم القيامة. (٥: ٥١١ - ٥١٢).
قال أصحابنا: دعت مُضرُ إلى العبّاس بن الأسود بن عوف الزهريّ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعَتِ اليَمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناسُ أن حكّموا قيسَ بن الهيثم والنعمان بن صُهْبان الراسبيّ لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيُهما على أن يولّيا المضريّ الهاشميّ إلى أن يجتمع أمرُ الناس على إمام؛ فقيل في ذلك:
نزَعْنَا وَوَلَّيْنا وبَكْرُ بنُ وائلٍ ... تَجُرُّ خُصاهَا تَبتِغي من تحالِفُ
فلما أمّروا ببّة على البصرة ولّى شرطتَه هِمْيان بن عديّ السَّدُوسيّ.
(٥: ٥١٢ - ٥١٣).
قال أبو جعفر: وأمَّا أبو عُبيدة فإنَّه - فيما حدّثني محمَّد بن عليّ، عن أبي سعدان، عنه - قصّ من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غيرَ القصّةِ التي قصّها وهب بن جرير، عمّن روى عنهم خبرَهم، قال: حدّثني مسلمة بن
стр. 3890
محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمّن أدرك ذلك منهم ومِنْ مواليهم - والقوم أعلم بحديثهم -: أنّ الحارث بن قيس لم يكلِّم مسعودًا، ولكنه آمن عبيدَ الله، فحمل معه مئةَ ألف درهم، ثمَّ أتى بها إلى أمّ بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمّه، ومعه عُبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فقال لها الحارث: قد أتيتُكِ بأمر تَسُودِين به نساءَكِ وتتمّين به شرفَ قومك، وتعجّلين غنىً ودنيا لك خاصّة، هذه مئة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضُمّي عبيد الله، قالت: إني أخاف ألَّا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوبًا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلّي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلمّا جاءَ مسعود أخبرتْه، فأخذ برأسها، فخرج عبيد الله والحارث من حَجَلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتْني ابنة عمّك عليك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامُك في بطني، وقد التفّ عليّ بيتُك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطّفا له حتى رضي.
قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قُتِل مسعود. (٥: ٥١٣).
قال أبو عبيدة: فحدّثني يزيد بن سُمَير الجَرْميّ عن سَوّار بن عبد الله بن سعيد الجرميّ؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبَر أهلُ البَصْرِة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمّرون عليهم، ثمَّ تراضَوْا برجلين يختاران لهم خِيرَة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السُّلَميّ، وبنعمان بن سُفْيان الراسبيّ، راسب بن جَرْم بن رَبَّان بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا مَن يرضيان لهم، فذكَرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سُفْيان بن حرب بن أميّة - وكان يلقب بَبّة، وهو جدّ سليمان بن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزّهريِّ، فلما أطبقا عليهما اتَّعدا المِرْبَد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذيْن.
قال: فحضر الناسُ، وحضرتُ معهم قارعةَ المِربد - أي: أعلاه - فجاء قيس بن الهيثم، ثمّ جاء النعمان بعد، فتجاوَلَ قيس والنعمان، فأرى النعمان قيسًا: أنّ هواه في ابن الأسود، ثمّ قال: إنَّا لا نستطيع أن نتكلم معًا، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان
стр. 3891
على الناس عهدًا لَيرَضَوُنَّ بما يختار، قال: ثمّ أتى النعمانُ عبدَ الله بن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه شرائطَ حتى ظنّ الناس: أنَّه مبايِعه، ثمّ تركه، وأخذ بيد عبد الله بن الحارث، فاشترط عليه مِثلَ ذلك، ثمّ حمِد الله تعالى وأثنَى عليه، وذكر النبيّ ﷺ وحقّ أهل بيته وقرابته، ثمَّ قال: يا أيّها الناس! ما تَنقِمون من رجل من بني عمّ نبيّكم ﷺ ، وأمّه هند بنت أبي سُفْيان! فإن كان فيهم فهو ابن أختكم؛ ثمَّ صفق على يده وقال: ألا إني قد رضيتُ لكم به، فنادَوْا: قد رَضِينا؛ فأقبَلوا بعبد الله بن الحارث إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك في أوّل جُمادى الآخرة سنة أربع وستين، واستعمل على شُرطته هميان بن عديّ السدوسيّ، ونادى في الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فقال الفرزدق حين بايعه:
وبايعتُ أقوامًا وفَيت بعهدِهم ... وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غَيرَ نادِم
(٥: ٥١٣ - ٥١٤).
قال أبو عبيدة: فحدَّثني زهير بن هُنَيد، عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسْمَع الجَحْدَريّ في الباطنة عند باب عبد الله الإصبهانيّ في خُطّ بني جَحدر، الذي عند مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هو قاعد فيه - وذلك بعد يسيرٍ من أمر ببَّة - وافى الحلْقةَ رجلٌ من ولد عبد الله عامر بن كُرَيْز القرشيّ يريد ببّة، ومعه رسالة من عبد الله بن خازم، وبيعته بَهَراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشيُّ لمالك، فلطم رجلٌ من بكر بن وائل القرشيَّ، فتهايج مَنْ ثمَّ مِنْ مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة، فنادى رجل: يالَ تميم! فسمعَت الدّعوةَ عصبةٌ من ضَبّة ابن أدّ - كانوا عند القاضي - فأخذوا رماح حَرَس من المسجد وتِرَسَتَهم، ثمَّ شدّوا على الرّبَعيّين فهزموهم، وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسيّ - وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل - فأقبل إلى المسجد فقال: لا تجدُنّ مضريًّا إلا قتلتموه، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلًا يُسكّن الناس، فكفّ بعضُهم عن بعض، فمكث الناس شهرًا أو أقلّ، وكان رجل من بني يشكر يجالس رجلًا من بني ضبّة في المسجد، فتذاكرَا لطمة البَكْريّ القرشيَّ، ففخر اليشكريّ، قال: ثمَّ قال: ذهبت ظَلْفًا، فأحفظ الضّبيّ بذلك، فوجأ عنقَه، فوقذَه الناس في الجمعة، فحُمِل إلى أهله ميتًا - أعني: اليشكريّ -
стр. 3892
فثارت بكر إلى رأسهم أشيمَ بن شقيق، فقالوا: سِرْ بنا؛ فقال: بل أبعث إليهم رسولًا، فإن سيّبوا لنا حقَّنا وإلا سرنا إليهم، أبتْ ذلك بكر، فأتَوْا مالك بن مسمع - وقد كان قبل ذلك مملَّكًا عليهم قبل أشيم، فغلب أشيمَ على الرّياسة حين شخص أشيم إلى يزيدَ بن معاوية؛ فكتب له إلى عبيد الله بن زياد أن ردّوا الرّياسة إلى أشيم، فأبت اللَّهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافوا هم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يَشكُر، وذهل بن ثعلبة وحلفاؤها ضُبيْعة بن ربيعة بن نزار؛ أربع قبائل وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوَبَر في الجاهلية، فكانت حنيفة بقيتْ من قبائل بكر لم تكن دخلتْ في الجاهلية في هذا الحلف، لأنهم أهلُ مَدَر، فدخلوا في الإِسلام مع أخيهم عجل، فصاروا لِهْزمةً، ثمّ تراضوْا بحكم عمران بن عِصام العَنَزيّ أحد بني هُمَيْم، وردّها إلى أشيَم، فلما كانت هذه الفتنة استخفّت بكر مالك بن مسمع، فخفّ وجمع وأعدّ، فطلب إلى الأزد أن يجدّدوا الحِلْف الذي كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد بن معاوية، فقال حارثة بن بدر في ذلك:
نزعْنا وأَمَرْنا وبكرُ بن وائل ... تجر خُصاها تبتغي من تحالِفُ
وما باتَ بَكريٌّ من الدهرِ ليلةً ... فيُصْبِحَ إلَّا وهو لِلذُّلّ عارِفُ
قال: فبلغ عبيد الله الخبر - وهو في رحْلِ مسعود - من تباعد ما بين بكر وتميم، فقال لمسعود: اِلقَ مالكًا فَجدّدِ الحِلف الأوّل؛ فلقِيَه، فترادّا ذلك، وتأبَّى عليهما نفر من هؤلاء وأولئك، فبعث عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطاه جزيلًا من المال، حتى أنفق في ذلك أكثر من مئتي ألف درهم على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحِلْف، وكتبوا بينهم كتابًا سوى الكتابين اللذين كانا كتُبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتابًا عند مسعود بن عمر. (٥: ٥١٤ - ٥١٦).
قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود: أنّ أول تسمية من فيه الصّلت بن حُريْث بن جابر الحنفيّ، ووضعوا كتابًا عند الصّلت بن حريث أوّل تسميته ابن رجاء العَوْذيّ، من عَوْذ بن سُود، وقد كان بينهم قبل هذا حِلف. (٥: ٥١٦).
قال أبو عبيدة: وزعم محمَّد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حُدَير وزهير بن هنيد: أنّ مضر كانت تَكثُر ربيعةَ بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخرَ من
стр. 3893
نزل بالبَصرة، كانوا حيث مُصِّرت البصرة، فحوّل عمر بن الخطّاب ﵀ من تَنُوخَ من المسلمين إلى البَصرة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثمَّ لحقوا بالبَصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية، وأوّل خلافة يزيدَ بن معاوية، فلمَّا قدموا قالت ينو تميم للأحنف: بادرْ إلى هؤلاء قبل أن تسبقنَا إليهم ربيعة، وقال الأحنف: إنْ أتَوكم فاقبلوهم، وإلّا؛ لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعًا. فأتاهم مالكُ بنُ مِسمَع ورئيس الأزْد يومئذ مسعود بن عمرو المعني، فقال مالك: جدّدوا حِلفنَا وحلف كندة في الجاهليّة، وحلْف بني ذُهْل بن ثعلبة في طيّئ بن أدَد من ثُعَل، فقال الأحنف: أما إذ أتوهم، فلن يزالوا لهم أتباعًا أذنابًا. (٥: ٥١٦ - ٥١٧).
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حُدَير عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أن جرت بكر إلى نصر الأزد على مضرَ، وجدّدوا الحِلف الأوَّل، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منّا، فرأسوا مسعودًا عليهم. (٥: ٥١٧).
قال أبو عبيدة: فحدثني مسلمة بن محارب، قال: قال مسعود لعبيد الله: سرْ معنى حتى نعيدَك في الدار؛ فقال: ما أقدر على ذلك، امضِ أنتَ، وأمر برواحله فشدّوا عليها أدواتها وسوادها، وتزمّل في أهبة السفر، وألقوا له كرسيًّا على باب مسعود، فقعد عليه؛ وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلمانًا له على الخيل مع مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحْدُث فأقول: إذا كان كذا؛ فليأتني بعضُكم بالخبر، ولكن لا يحدثَنّ خير ولا شرّ إلَّا أتاني بعضكم به، فجعل مسعود لا يأتي على سكّة، ولا يتجاوز قبيلةً إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك، وقدم مسعود ربيعةَ، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعًا سكّة المربد، فجاء مسعود حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إنَّ مسعودًا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا، وسيهيج بين الناس شرّ، فلو أصلحتَ بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم! فقال: أبعدهم الله! لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول:
لأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ ... جارِيَةً في قبَّهْ
تَمْشُطُ رأسَ لَعْبهْ
стр. 3894
فهذا قول الأزْد وربيعة، فأما مضرُ فيقولون: إنَّ أمه هند بنت أبي سُفْيان كانت ترقّصِه وتقول هذا؛ فلما لم يحلْ أحد بين مسعود وبين صعود المِنبر؛ خرج مالك بن مسمع في كتيبته حتى علا الجبَّان من سكة المرْبد، ثمَّ جعل يمرّ بعِداد دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدويَّة من قِبل الجبَّان، فجعل يحرّق دورَهم للشَّحناء التي في صدورهم لقتل الضبيّ اليشكريّ، ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهَراة، قال: فبينا هو في ذلك إذ أتَوْه فقالوا: قتلوا مسعودًا، وقالوا: سارت بنو تميم إلى مسعود، فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بني قيس في سكّة المِربد، وبلغه قتلُ مسعود، وقف. (٥: ٥١٧ - ٥١٨).
قال أبو عبيدة: فحدّثني زهير بن هُنيد، قال: حدّثنا الضحاك - أو الوضّاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارِم - قال: حدّثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون؛ قال: فأتيته وأتتْه بنو تميم، فقالوا: إنّ مسعودًا قد دخل الدار، وأنت سَيدنا، فقال: لستُ بسيّدكم، إنما سيّدكم الشيطان. (٥: ٥١٨).
وأما هبيرة بن حدير، فحدّثني عن إسحاق بن سويد العدويّ، قال: أتيت منزل الأحنف في النظّارة، فأتوا الأحنف، فقالوا: يا أبا بحر، إنَّ ربيعة والأزد قد دخلوا الرَّحبَة، فقال: لستم بأحقَّ بالمسجد منهم؛ ثمَّ أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار؛ فقال: لستم بأحقَّ بالدار منهم؛ فتسرّع سلمة بن ذؤيب الرّياحيّ، فقال: إليَّ يا معشر الفتيان، فإنما هذا جِبْسٌ لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبان بني تميم فانتدب معه خمسمئة، وهم مع ماه أفريذون، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إيَّاكم أردنا؛ قال: فتقدّموا. (٥: ٥١٨).
فحدّثني زهير، قال: حدّثنا أبو ريحانة العُرَيْنيّ، قال: كنتُ يومَ قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعديّ أعْدُو حتى بلغْنا شريعة القديم. (٥: ٥١٩).
قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواهَ السّكَك وقفوا، فقال لهم ماه أفريذون بالفارسيّة: ما لكم يا معشر الفِتْيان؟ قالوا: تلقّونا بأسنّة الرّماح؛ فقال لهم بالفارسية: صكّوهم بالفنجقان - أي بخمس نُشَّابات في رَمْيَة، بالفارسيّة - والأساورة أربعمئة، فصكّوهم بألفي نشّابة في دفعة، فأجلوا عن أبواب
стр. 3895
السكّك، وقاموا على باب المسجد، ودلفت التميميّة إليهم، فلما بلغوا الأبواب؛ وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لَكم؟ قالوا: أسندوا إلينا أطرافَ رماحِهم؛ قال: ارموهم أيضًا؛ فرمَوْهم بألفيْ نشّابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجدَ، فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضّض، فجعل غَطَفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة. أحد بني كعب بن عمرو بن تميم - وكان يزيد بن فهدة فارسًا في الجاهلية يقاتل ويحضُّ قومَه ويرتجِز:
يال تميمٍ إنَّها مذكوره ... إنْ فات مسعودٌ بها مَشْوَرَهْ
فاستمسِكوا بجانبِ المقْصورَهْ
أي: لا يهرب فيفوت.
قال إسحاق بن يزيد: فأتَوْا مسعودًا وهو على المِنبَر يحضّ، فاستنزلوه فقتلوه، وذلك في أوّل شوّال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئًا، فانهزموا. وبادر أشْيمُ بن شَقِيق القوم بباب المقصورة هاربًا، فطعنه أحدُهم فنجا بها، ففي ذلك يقول الفرزدق:
لو أنَّ أشيْمَ لم يَسْبقْ أَسِنَّتَنا ... وأخطأ البابَ إذْ نِيرانُنا تَقِد
إذًا لصاحَبَ مسْعودًا وصاحِبه ... وقد تهافَتَتِ الأعفاجُ والكَبِدُ
(٥: ٥١٩ - ٥٢٠).
قال أبو عبيدة: فحدّثني سلّام بن أبي خَيْرة، وسمعتُه أيضًا من أبي الخَنْساء كُسَيْب العنبريّ يحدّث في حَلْقة يونسَ، قالا: سمعنا الحسنَ بن أبي الحسن يقول في مجلسه في مسجد الأمير: فأقبل مسعود من هاهنا - وأشار بيده إلى منازل الأزْد في أمثال الطير - مُعْلِمًا بقباء ديباج أصفر مغيّر بسواد، يأمر الناسَ بالسنّة، وينهى عن الفتنة: ألا إنَّ من السّنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القَمر القمَرَ، فوالله ما لبثوا إلَّا ساعةً حتى صار قمرهم قُميْرًا، فأتوه فاستنزلوه عن المِنبر وهو عليه - قد علم الله - فقتلوه.
قال سلّام في حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من هاهنا - وأشار بيده إلى دُور بني تميم. (٥: ٥٢٠).
قال أبو عُبيدة: فحدّثني مسْلَمة بن محارب، قال: فأتَوا عُبيدَ الله، فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم يُرمَ دون الدار بكُثّاب، فبيناه في ذلك يتهيَّأ ليجئ
стр. 3896
إلى الدار؛ إذ جاؤوا فقالوا: قد قتل مسعود، فاغترز في ركابه فلحق بالشام، وذلك في شوّال سنة أربع وستين. (٥: ٥٢١).
قال أبو عبيدة: فحدثني رَوَّاد الكعبيّ، قال: فأتى مالكَ بن مسمع أناسٌ من مضرَ، فحصروه في داره، وحرّقوا، ففي ذلك يقول غَطَفان بن أنيف الكعبيّ في أرجوزة:
وأصْبَح ابنُ مِسْمَع مَحْصورَا ... يَبْغِي قُصورًا دونَهُ وَدُورَا
حَتَّى شَببْنا حَوْلَهُ السَّعِيرَا
ولما هرب عُبيد الله بن زياد اتَّبعوه، فأعجز الطلبَة، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن مِنقرَ بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد:
يا رُبَّ جَبَّار شَدِيد كَلْبُهْ ... قد صَارَ فينا تاجُهُ وسَلَبُهْ
مِنْهُم عُبيْدُ اللهِ حينَ نَسْلُبهْ ... جيادَهُ وبزَّه ونَنْهَبُهْ
يوْم التَقَى مِقْنَبُنا ومِقْنَبُهْ ... لَوْ لَمْ يُنْجِّ ابنَ زيادٍ هَرَبُهْ
وقال جرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدويّة في قتل مسعود في كلمة طويلة:
ومسْعودَ بن عَمرو إذْ أَتانا ... صبَحْنَا حَدَّ مَطْرُور سَنينَا
رجا التَّأْمِيرَ مسعودٌ فأَضحى ... صَريعًا قد أَزرْناهُ المَنونَا
(٥: ٥٢١)
قال أبو جعفر محمَّد بن جرير: وأمَّا عُمر؛ فإنَّه حدّثني في أمر خروج عبيد الله إلى الشام، قال: حدّثني زهير، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثنا الزبير بن الخِرِّيت، قال: بعث مسعود مع ابن زياد مئةً من الأزْد، عليهم قرّة بن عمرو بن قيس، حتى قاموا به الشام. (٥: ٥٢١ - ٥٢٢).
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل، عن عمرو بن الزبير وخلّاد بن يزيد الباهليّ والوليد بن هشام عن عمّه، عن أبيه، عن عمرو بن هُبيرة، عن يَسَاف بن شُرَيح اليشكريّ، قال: وحدّثنيه عليّ بن محمَّد، قال - وقد اختلفوا فزاد بعضُهم على بعض: إنَّ ابن زياد خرج من البَصْرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثَقُل عليّ ركوبُ الإبل، فوطِّئوا لي على ذي حافر؛ قال: فألقِيتْ له
стр. 3897
قطيفةٌ على حمار، فركبه وإنّ رجليه لتكادان تخُدّان في الأرض. قال اليشكريُّ: فإنَّه لَيسير أمامي إذ سكتَ سكْتَةً، فأطالها، فقلت في نفسي: هذا عُبيد الله أميرُ العراق أمس نائمٌ الساعةَ على حمار، لو قد سقط منه أعْنَتَه، ثمّ قلت: والله لئن كان نائمًا لأنغّصنّ عليه نومَه؛ فدنوتُ منه، فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا؛ قلت: فما أسكتك؟ قال: كنتُ أحدّث نفسي؛ قلتُ: أفلا أحدّثك ما كنت تحدّث به نفسَك؟ قال: هاتِ، فوالله ما أراك تكيس، ولا تصيب! قال: قلتُ: كنت تقول: ليتني لم أقتل الحسين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلت؛ قال: وماذا؟ قلتُ: كنتَ تقول: ليتني لم أكن بنَيتُ البَيضَاء؛ قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدّهاقِين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنتُ؛ قال: فقال: والله ما نطقتَ بصواب، ولا سكتَّ عن خطأ، أما الحسين فإنَّه سار إليّ يريد قتلي، فاخترت قتلَه على أن يقتلني؛ وأما البيضاء فإني اشتريْتها من عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيتُ فلأهلي، وإن هلِكتُ لم آسَ عليها مما لم أعنِّف فيه؛ وأما استعمال الدّهاقين فإنّ عبد الرحمن بن أبي بَكرة وزاذان فرُّوخ وقَعا فيَّ عند معاوية حتى ذكرا قشورَ الأرزّ، فبلغَا بخراج العراق مئة ألف ألف، فخيَّرني معاوية بين الضّمان والعزْل؛ فكرهتُ العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدّمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركتُه تركتُ مالَ الله وأنا أعرِف مكانَه، فوجدتُ الدّهاقينَ أبصر بالجباية، وأوفَى بالأمانة، وأهوَن في المطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناءَ عليهم لئلا يظلِموا أحدًا، وأما قولك في السخاء، فوالله ما كان لي مال فأجودَ به عليكم، ولو شئتُ لأخذتُ بعض مالِكم فخصَصْتُ به بعضَكم دون بعض، فيقولون: ما أسخاه! ولكني عمَمتكم، وكان عندي أنفع لكم، وأما قولك: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلتُ؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملًا هو أقربُ إلى الله عندي من قتلي من قتلتُ من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدّثت به نفسي؛ قلت: ليتني كنتُ قاتلت أهلَ البَصرة، فإنهم بايعوني طائعين غيرَ مكرهين، وايمُ الله لقد حرَصتُ على ذلك؛ ولكن بني زياد أتَوْني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظَهَروا عليك لم يبقوا منا أحدًا، وإن تركتهم تغيَّب الرجل منّا عند أخواله وأصهاره، فرفقت لهم فلم أقاتل، وكنتُ أقول: ليتني كنت أخرجتُ أهلَ السجن
стр. 3898
فضربتُ أعناقَهم، فأما إذ فأتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام ولم يُبرِموا أمرًا.
قال بعضهم: فقدم الشام ولم يُبرموا أمرًا، فكأنما كانوا معه صبيانًا؛ وقال بعضهم: قدم الشام وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. (٥: ٥٢٢ - ٥٢٣).
وفي هذه السنة طرد أهلُ الكوفة عَمرو بن حُرَيث وعَزَلوه عنهم، واجتمعوا على عامر بن مسعود.
ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حُريث وتأميرهم عامرًا.
قال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عديّ، قال: حدّثنا ابن عيَّاش، قال: كان أوّل من جُمع له المِصران: الكوفة والبَصرة زيادًا وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفًا، وحبس عبيد الله منهم أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيبًا، فقال: إنَّ الذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمّرتموني جبَيْت فَيْئكم، وقاتلتُ عدوّكم، وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مُقاتِل ابن مِسمَع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، فقاما بذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رُوَيم الشيبانيّ، فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سُمَيَّة، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبِّب ومُضِيَ به إلى السجن، فحالت بكْر بينهم وبينه، فانطلق يزيد إلى أهله خائفًا، فأرسل إليه محمَّد بن الأشعث: إنَّك على رأيك، وتتابعت عليه الرُّسُل بذلك، وصعد عمرو المنبر فحَصبُوه، فدخل دارَه، واجتمع الناسُ في المسجد فقالوا: نؤمِّر رجلًا إلى أن يجتمعَ الناسُ على خليفة، فأجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء هَمْدان يبكين حُسيْنًا ورجالُهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمِنبر، فقال محمَّد بن الأشعث: جاء أمرٌ غيرَ ما كنا فيه، وكانت كِنْدة تقوم بأمرِ عمر بن سَعْد لأنهم أخوالُه، فاجتمعوا على عامر بن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقرّه. (٥: ٥٢٣ - ٥٢٤).
وأما عوانة بن الحَكم؛ فإنَّه قال فيما ذكر هشام بن محمَّد عنه: لما بايع أهلُ البَصرة عُبيد الله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مِسمَع، وسعد بن القرحا التميمّي؛ ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعةَ لعُبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: إنَّ هذين الرجلين قد أتيَاكم من قِبَل أميركم يدعُوانكم إلى أمر يجمعَ الله به كلمَتكم، ويُصلح به ذات بينكم، فاسمعوا
стр. 3899
منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما بِرُشْدٍ ما أتيَاكم.
فقام عمرو بن مسمع، فحمدَ الله وأثنَى عليه، وذكَرَ أهل البصرة، واجتماعَ رأيهم على تأمير عُبيد الله بن زياد حتى يرى الناسُ رأيهم فيمن يولّون عليهم، وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمرَكم فيكونَ أميرُنا وأميركم واحدًا، فإنما الكوفة من البَصْرة والبَصْرة من الكوفة، وقام ابن القرحا فتكلم نحوًا من كلام صاحبه.
قال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيبانيّ - وهو ابن رُويم - فحَصَبهما أوّل الناس، ثمّ حصبهما الناسُ بعد، ثمَّ قال: أنحن نبايع لابن مَرْجانة! لا ولا كرامة؛ فشرّفت تلك الفعلة يزيدَ في المِصْر ورفعتْه، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهلُ الكوفة يخلعونه، وأنتم تولّونه وتبايعونه! فوثب به الناس، وقال: ما كان في ابن زياد وصمةٌ إلا استجارته بالأزد.
قال: فلمَّا نابذَه الناسُ استجار بمسعود بن عمرو الأزديّ، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يومًا بعد موت يزيدَ، ثمّ خرج إلى الشام، وبعثت الأزد وبكر بن وائل رجالًا منهم معه حتى أوردوه الشام، فاستخلف حيث توجّه إلى الشام مسعود بن عمرو على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضَى ولا نجيز ولا نولِّي إلَّا رجلًا ترضاه جماعتُنا، فقال مسعود: فقد استخلفني فلا أدَعُ ذلك أبدًا؛ فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعتْ تميم إلى الأحنف بن قيس، فقالوا له: إنَّ الأزد قد دخلوا المسجد؛ قال: ودخل المسجد فمَهْ! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه؛ قالوا: فإنَّه قد دخل القصر، فصَعِد المنبرَ، وكانت خوارجُ قد خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عُبيد الله بن زياد إلى الشام، فزعم الناس أنّ الأحنف بعث إليهم أنّ هذا الرجل الذي قد دخل القصر لنا ولكم عدوّ، فما يَمنَعكم من أن تبدؤوا به! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع مَن أتاه، فيرميه عِلْج يقال له: مُسلم من أهل فارسَ، دخل البصرة فأسلم ثمّ دخل في الخوارج، فأصاب قلبَه فقتله وخرج، وجال الناسُ بعضُهم في بعض فقالوا: قُتِل مسعود بن عمرو، قتلتْه الخوارج، فخرجَتْ الأزْد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجَرّحوا، وطردوهم عن البَصرة، ودفنوا مسعودًا، فجاءهم الناس فقالوا لهم: تعلمون أنّ بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثَت الأزدُ تسأل عن ذلك؛ فإذا
стр. 3900
أناسٌ منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأّسوا عليهم زيادَ بن عمرو العتكيّ، ثمَّ ازدَلفوا إلى بني تميم وخرجتْ مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم، وأقبلت تميم إلى الأحنف يقولون: قد جاء القوم، أخرج. وهو متمكِّث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمجمر فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، أي إنما أنت امرأة؛ فقال: اسْتك أحقّ بها، فما سُمِع منه بعد كلمةٌ كانت أرفثَ منها، وكان يُعرَف بالحلم، ثمّ إنه دعا برايته فقال: اللهمّ انصُرْها ولا تُذللها، وإن نُصرتها ألا يُظهرَ بها ولا يُظهَر عليها؛ اللهمّ احقنْ دماءَنا، واصلح ذاتَ بيننا، ثمَّ سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه، فالتقَى القوم فاقتتلوا أشدَّ القتال، فقُتل من الفريقين قَتلَى كثيرة، فقالت لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومَنْ شئتم من أهل الإِسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنةٌ أنّا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلًا، وإن لم تريدوا ذلك فنحن نَدِي صاحبكم بمئة ألف درهم، فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس في وجوه مضرَ إلى زياد بن عمرو العَتَكيّ، فقال: يا معشر الأزد! أنتم جيرَتنا في الدار، وإخوتُنا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسلِّ سخيمتكم، ولكم الحكمُ مرسلًا، فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنَّه لا يتعاظمُنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا، فقالوا: أتدون صاحبَنا عشرَ ديات؟ قال: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا؛ فقال الهيثم بن الأسود:
أعْلَى بمسعودٍ النّاعِي فقلتُ له ... نِعْمَ اليماني تجرُّوأً على الناعي
أَوْفَى ثمانين ما يسطِيعُهُ أحدٌ ... فتىً دعاهُ لرأْس العدَّةِ الداعِي
آوَى ابن حرب وقد سُدَّتْ مذاهبُه ... فأَوسعَ السَّرْبَ منه أَيَّ إيساعَ
حتَّى توارت به أرضٌ وعامِرها ... وكانَ ذا ناصرٍ فيها وأشيَاعِ
وقال عُبيد الله بن الحُرّ:
ما زِلتُ أَرجو الأَزدَ حتَّى رأيتُها ... تقصَّرُ عن بنْيانِها المتطاوِلِ
أيُقتلُ مسعودٌ ولم يثْأَرُوا به ... وصارَتْ سيوفُ الأَزدِ مِثلَ المناجلِ
وما خيرُ عقلٍ أوْرَثَ الأَزْدَ ذِلَّةً ... تسَبُّ به أحياؤهم في المحافِلِ
стр. 3901
على أَنَّهمْ شُمْطٌ كأنَّ لِحاهُمُ ... ثعالِبُ في أعناقِها كالجَلاجِلِ
واجتمع أهلُ البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميرًا يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرًا، ثمَّ جعلوا ببَّة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرَين، ثمّ قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن مَعُمر من قبَلِ ابن الزبير، فمكث شهرًا، ثمّ قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ بعزله، فوليها الحارث وهو القُباع. (٥: ٥٢٤ - ٥٢٧).
قال أبو جعفر: وأما عمر بن شبَّة؛ فإنَّه حدّثني في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز وأمر ببَّة ومسعود وقتله، وأمر عمر بن عبيد الله غيرَ ما قال هشام عن عوانة، والذي حدّثني عمر بن شبّة في ذلك: أنَّه قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، عن أبي مُقرِّن عبيد الله الدّهنيّ، قال: لما بايع الناسُ ببَّة ولّى ببّة شُرطته همْيَان بن عديّ، وقدم على ببَّة بعضُ أهل المدينة، وأمر هميان بن عديّ بإنزاله قريبًا منه، فأتى هميان دارًا للفيل مولى زياد التي في بني سُليم وهمّ بتفريغها ليُنزلَها إيَّاه، وقد كان هرب وأقفل أبوابَه، فمنعت بنو سُليم هميان حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز، فأرسل بُخارِيَّته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلِّم على بَبَّة، فلقيَه على الباب رجلٌ من بني قيس بن ثعلبة، فقال: أنت المعيّن علينا بالأمس! فرفع يدَه فلطمه، فضرب قوم من البخاريَّة يدَ القيسيّ فأطارها؛ ويقال: بل سلِم القيسيّ، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبتْ له مضر، فاجتمعتْ وأتت بكر بن وائل أشيمَ بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال: أيّ مضريّ وجدتموه فاسلبوه، وزعم بنو مسمع: أنّ مالكًا جاء يومئذ متفضّلًا في غير سلاح ليردّ أشيم عن رأيه، ثمّ انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضريّة، واغتنمت الأزد ذلك، فحالفوا بكرًا، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعَتْ تميم إلى الأحنف، فعقد عمامتَه على قناة، ودفَعها إلى سلمة بن ذُؤَيب الرّياحيّ، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزَلوه فقتلوه، وزَعمَت الأزْد: أن الأزَارقَة قتلوه، فكانت الفتْنة، وسفر بينهم عمر بن
стр. 3902
عبيد الله بن معمر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رَضيت الأزدُ من مسعود بعشر ديَات، ولزم عبد الله بن الحارث بيته، وكان يتديّن، وقال: ما كنتُ لأصلح الناس بفساد نفسي. (٥: ٥٢٧ - ٥٢٨).
قال عمر: قال أبو الحسن: فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصّلاة بالناس، فصلَّى بهم أربعين يومًا. (٥: ٥٢٨).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمَّد، قال: كتب ابن الزبير إلى عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر التيميّ بعهده على البَصرة، ووجّه به إليه، فوافقه وهو متوجّه يريد العُمْرة، فكتب إلى عُبيد الله يأمره أن يصلِّيَ بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر. (٥: ٥٢٨).
حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي، قال: سمعتُ محمَّد بن الزبير، قال: كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشميّ، فولي أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضُهم بعضًا؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يَمنَعُها أحد حتى تُفضَح؛ قال: فتريدون ماذا؟
قالوا: تضَع سيفَك، وتَشدُّ على الناس؛ قال: ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام! ناوِلني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله، وأمَّر الناس عليهم عُمَر بن عبيد الله بن مَعمَر التيميّ. قال أبي، عن الصَّعْب بن زيد:
إن الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمُّه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حُفرتها، وهو الأمير يومئذ. (٥: ٥٢٨ - ٥٢٩).
حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، قال: كان ببّة قد تناول في عمله على البَصرة أربعين ألفًا من بيت المال، فاستودَعها رجلًا، فلما قدم عمر بن عبيد الله أميرًا أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذّب مولىً له في ذلك المال حتى أغرمه إياه. (٥: ٥٢٩).
حدّثني عمر قال: حدَّثني عليُّ بن محمَّد عن القافْلانيّ، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زمان
стр. 3903
استعمِلت علينا أصبْتَ من المال، واتَّقيت الدم، فقال: إنَّ تَبِعة المال أهوَن من تبِعة الدم. (٥: ٥٢٩).
ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة
وفي هذه السنة ولَّى أهلُ الكوفة عامرَ بن مسعود أمرَهم، فذكر هشام بن محمَّد الكلبيّ، عن عوانة بن الحكم: أنهم لما ردّوا وافدَيْ أهل البصرة اجتمع أشرافُ أهل الكوفة، فاصطلحوا على أن يصلّيَ بهم عامر بن مسعود - وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشيّ، وهوُ دحروجَةُ الجُعَل الذي يقول فيه عبد الله بن هَمَّام السَّلوليّ:
اشْدُدْ يديْكَ بزيْدٍ إن ظَفِرْتَ بهِ ... واشفِ الأَرامِلَ مَن دُحرُوجَةِ الجُعلِ
وكان قصيرًا - حتى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثةَ أشهر من مَهلك يزيدَ بن معاوية، ثمَّ قدم عليهم عبدُ الله بن يزيدَ الأنصاريّ ثمَّ الخَطْميّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، فاجتمع لابن الزبير أهلُ الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشام، وأهل الجزيرة إلا أهلَ الأردُنّ. (٥: ٥٢٩ - ٥٣٠).
خلافة مروان بن الحكم
وفي هذه السنة بُويع لمروانَ بن الحكم بالخلافة بالشام.
ذكر السبب في البيعة له:
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمَّد بن عمرَ، قال: لما بويع عبدُ الله بن الزبير ولَّى المدينةَ عُبيدةَ بن الزبير، وعبد الرحمن بن جَحْدَم الفِهْريّ مصرَ، وأخرجَ بني أميَّة ومراون بن الحكم إلى الشام - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومَن معه إلى الشام أخبر مَرْوانَ بما خلَّف عليه ابن الزبير، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبني أمية: نراكم في اختلاط شديد، فأقيموا أمرَكم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة عمياءَ صمَّاء؛ فكان من رأي مروانَ أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، فقَدِم
стр. 3904
عبيد الله بن زياد، واجتمعت عنده بنو أميّة، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان، فقال له: استحييتُ لك مما تريد! أنت كبيرُ قريش وسيِّدها، تصنع ما تصنعه! فقال: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقام معه بنو أميَّة ومواليهم، وتجمع إليه أهلُ اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقدم دمشقَ ومن معه، والضّحاك بن قيس الفهريّ قد بايعه أهلُ دمشق على أن يصلِّيَ بهم؛ ويقيمَ لهم أمرهم حتى يجتمع أمرُ أمَّة محمَّد. (٥: ٥٣٠).
وأما عوانة فإنَّه قال - فيما ذكر هشام عنه - إنَّ يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده، وكان معاوية بن يزيدَ بن معاوية - فيما بلغني - أمَرَ بعد ولايته فنوديَ بالشام: الصلاة جامعة! فحَمد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفتُ عنه، فابتغيت لكم رجلًا مثلَ عمرَ بن الخطَّاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجدْه، فابتغيت لكم ستَةً في الشورى مثل ستّة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولَى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثمَّ دخل منزلَه ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات، فقال بعض الناس: دُسّ إليه فسُقي سمًا، وقال بعضهم: طُعن. (٥: ٥٣٠ - ٥٣١).
رجع الحديث إلى حديث عوانة، ثمّ قدم عبيد الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهريّ، فثار زُفَر بن الحارث الكلابيّ بقِنَّسرِين يبايع لعبد الله بن الزبير، وبايع النعمان بن بشير الأنصاريّ بحمص لابن الزبير، وكان حسان بن مالك بن بحْدَل الكلبيّ بفلَسْطين عاملًا لمعاوية بن أبي سُفْيان، ثمَّ ليزيد بن معاوية بعده، وكان يهوَى هَوَى بني أميَّة، وكان سيِّدَ أهل فلَسطين، فدعا حسَّان بن مالك بن بحدل الكلبيّ رَوْحَ بن زنْباع الجُذاميّ، فقال: إني مستخلفُك على فلسطين، وأدخل هذا الحيَّ من لَخْم وجُذام، ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسَّان بن مالك إلى الأردُنّ واستخلف رَوْح بن زَنْباع على فلسطين، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه، فاستولى على فلَسطين، وبايع لابن الزبير، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفيَ بني أميَّةَ من المدينة، فنُفوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشام، فقدِمتْ بنو أميّة دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسّان بن مالك بالأردن يَهوَى هَوى بني أمية، ويدعو إليهم؛ والضحَّاك بن قيس
стр. 3905
الفهريّ بدمشقَ يَهوَى هَوَى عبد الله بن الزبير، ويدعو إليه.
قال: فقام حسان بن مالك بالأردنّ، فقال: يا أهلَ الأردنّ! ما شهادتُكم على ابن الزبير وعلى قَتْلَى أهلِ الحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ ابن الزبير منافق، وأنّ قتلى أهلِ الحرّة في النار؛ قال: فما شهادتُكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ يزيد على الحقّ، وأنّ قتلانا في الجنة؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دينُ يزيدَ بن معاوية وهو حيّ حقًّا يومئذ إنه اليومَ وشيعتُه على حقّ؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليومَ على باطل وشيعته؛ قالوا له: قد صدقتَ، نحن نبايعك على أن نقاتل مَن خالفك من الناس، وأطاعَ ابنَ الزبير، على أن تجنِّبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يعنُون: ابنَي يزيد بن معاوية عبد الله، وخالدًا - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتيَنا الناس بشيخ ونأتيهم بصبيّ، وقد كان الضحاك بن قيس بدمشقَ يَهَوى هَوَى ابن الزبير، وكان يمنعه من إظهار ذلك أنّ بني أميَّة كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سرًّا، فبلغ ذلك حسان بن مالك بن بحدل، فكتب إلى الضحاك كتابًا يعظّم فيه حقّ بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحُسْنَ بلاءِ بني أميَّة عندَه وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى طاعتهم، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه، ويذكر: أنَّه منافق، قد خلع خليفتَين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس، ودعا رجلًا من كَلْب يُدعى ناغضة فسرَّح بالكتاب معه إلى الضحَّاك بن قيس، وكتب حسَّان بن مالك نسخةَ ذلك الكتاب، ودفَعه إلى ناغضة، وقال: إن قرأ الضحَّاك كتابي على الناس وإلّا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس؛ وكتب حسَّان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقَدِم ناغضةُ بالكتاب على الضحَّاك فدفعه إليه ودفع كتابَ بني أميَّة إليهم، فلما كان يومَ الجمعة صعِد الضحَّاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادعُ بكتاب حسَّان فاقرأه على الناس، فقال له الضحاك: اجلس، فجلس، ثمّ قام إليه الثانية فقال له: اجلس؛ ثمّ قام إليه الثالثة فقال له: اجلس؛ فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتابَ الذي معه فقرأه على الناس، فقام الوليد بن عُتبة بن أبي سُفْيانَ فصدّق حسانًا وكذّب ابنَ الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النِّمس الغسّانيّ، فصدّق مقالة حسان وكتابَه، وشتم ابن الزبير، وقامَ سُفيان بن الأبرد الكلبيّ فصدّق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير.
стр. 3906
وقام عمرو بن يزيد الحكميّ فشتم حسّان وأثنَى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعًا لهم، ثمّ أسر الضحاك بالوليدَ بنَ عُتبة ويزيد بن أبي النّمس وسُفْيان بن الأبرد الذين كانوا صدّقوا مقالةَ حسان وشتَموا ابن الزبير فحُبسوا، وجال الناسُ بعضُهم في بعض، ووثبت كَلْب على عمرو بن يزيد الحَكَميّ، فضربوه وحرّقوه بالنار، وخرّقوا ثيابه.
وقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرْقاتين من المنبر، وهو يومئذ غلام. والضحَّاك بن قيس على المنبر، فتكلَّم خالد بن يزيد بكلام أوْجَز فيه لم يُسمع مثلُه، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة، ثمّ دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيانَ بن الأبرد، وجاءت غسَّان فأخرجوا يزيد بن أبي النِّمس، فقال الوليد بن عتبة، لو كنتُ من كلب أو غسان أخرِجت.
قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالد، وعبد الله؛ معهما أخوالُهما من كلب فأخرجوه من السِّجن، فكان ذلك اليوم يسمِّيه أهل الشام يومَ جَيْرون الأوّل.
وأقام الناس بدمشقَ، وخرج الضحَّاك إلى مسجد دمشقَ، فجلس فيه فذكر يزيدَ بنَ معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شابٌّ من كلب بِعَصًا معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلِّدي السُّيوف، فقام بعضُهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونُصرْة الضحَّاك، وكلْب تدعو إلى بني أمية ثمَّ إلى خالد بن يزيد، ويتعصّبون ليزيد، ودخل الضحاك دارَ الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوَوْن هَوَى بني أمية، وناس يهوَوْن هَوَى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أميَّة فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذكر حُسنَ بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئًا يكرهونه.
قال: فتكتبون إلى حسّان ونكتب، فيسير من الأردنّ حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيَه بها، فنبايع لرجل منكم، فرضيَتْ بذلك بنو أميّة، وكتبوا إلى حسّان، وكتب إليه الضحَّاك، وخرج الناس وخرجت بنو أميّة واستقبلت الرايات، وتوجَّهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد بن الأخنس السُلَميّ إلى الضحاك، فقال: دعوْتَنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعْناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابيّ من كَلْب تستخلف ابنَ أخيه خالد بن يزيد!
стр. 3907
فقال له الضحّاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نُظهر ما كنا نسرّ وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها، فمالَ الضحّاك بمن معه من الناس فعَطفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمَرْج راهطَ.
واختُلف في الوقعة التي كانت بمرج راهط بين الضحّاك بن قيس ومروان بن الحَكَم، فقال محمَّد بن عمرَ الواقديّ: بُويع مروانُ بنُ الحكم في المحرّم سنة خمس وستين، وكان مروانُ بالشام لا يُحدّث نفسه بهذا الأمر حتى أطْمَعَه فيه عُبيد الله بن زياد حين قَدِم عليه من العراق، فقال له: أنت كبيرُ قريش ورئيسها، يلي عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك في جيش، فقَتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير، وقُتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لَمْ يُقتل مِثلُها في موطن قطّ. (٥: ٥٣١ - ٥٣٤).
قال محمَّد بن عمر: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عُروة، قال: قُتِل الضحاك يومَ مَرْج راهط على أنَّه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكُتِبَ به إلى عبد الله لما ذُكِر عنه من طاعته وحسن رأيه. (٥: ٥٣٤).
وقال غيرُ واحد: كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة أربع وستّين.
وقد حُدِّثت عن ابن سعد، عن محمَّد بن عمر، قال: حدّثني موسى بن يعقوب عن أبي الحُوَيْرث، قال: قال أهل الأردنّ وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزبير كَهْل، وإنما يُقرع الحديدُ بعضُه ببعض، فلا تبارِه بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحوه، ونحن نبايعك، ابسُط يدَك، فَبَسَطها، فبايعوه بالجابِيَة يومَ الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. (٥: ٥٣٤).
قال محمَّد بن عمر: وحدّثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله: أن الضّحاك لما بلغه: أنّ مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة، بايع من معه لابن الزبير، ثمَّ سار كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل الضحاك وأصحابه. (٥: ٥٣٤ - ٥٣٥).
قال محمَّد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه؛ قال: لما ولي المدينة
стр. 3908
عبد الرحمن بن الضحاك كان فتىً شابًّا، فقال: إنَّ الضحاك بن قيس قد كان دعا قيسًا وغيرَها إلى البيعة لنفسه، فبايعهم يومئذ على الخلافة، فقال له زُفَر بن عقيل الفِهريّ: هذا الذي كنا نعرف ونسمع، وإنّ بني الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج في طاعته حتى قتل، الباطلَ والله يقولون؛ كان أوّل ذاك أنّ قريشًا دعتْه إليها، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهًا. (٥: ٥٣٥).
ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحَّاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث في سنة أربع وستين
قال أبو جعفر: حدّثنا نوح بن حبيب، قال: حدّثنا هشام بن محمَّد، عن عوانة بن الحَكم الكلبيّ، قال: مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسَّان بن مالك، فعَطَفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمرْج راهط، وأظهر البيعة لابن الزبير، وخلع بني أميَّة، وبايعه على ذلك جُلّ أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم.
قال: وسارت بنو أميّة ومَن تبعهم حتى وافَوا حسّانَ بالجابية، فصلّى بهم حسّان أربعين يومًا، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حِمْص، وإلى زُفر بن الحارث وهو على قِنَّسرين، وإلى ناتل بن قيس، وهو على فِلسطين يستمدّهم، وكانوا على طاعة ابن الزبير، فأمدّه النعمان بشُرَحبْيل بن ذي الكلَاع، وأمدّه زُفَر بأهل قنَّسْرِين، وأمدّه ناتل بأهل فلَسطين، فاجتمعت الأجناد إلى الضحاك بالمرْج.
وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة، فأمَّا مالك بن هبيرة السَّكُونيّ فكان يَهَوى هوى بني يزيد بن معاوية، ويحبّ أن تكون الخلافة فيهم، وأما الحصين ابن نمير السَّكونيّ فكان يهوَى أن تكون الخلافة لمروانَ بن الحكم، فقال مالك ابن هبيرة لحصين بن نمير: هلمّ فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فإنَّه يحملنا على رقاب العرب غدًا - يعني: خالد بن يزيد - فقال الحصين: لا، لعمر الله! لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبيّ؛ فقال مالك: هذا ولم تردى تهامة، ولما يَبلُغ الحزامُ الطُّبيين.
стр. 3909
فقالوا: مهلًا يا أبا سليمان! فقال له مالك: والله لئن استخلفت مروان وآل مروان ليحسدُنَّك على سوطك وشراك نعلك وظلّ شجرة تستظلّ بها؛ إنَّ مروان أبو عشيرة، وأخو عشيرة، وعمّ عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدًا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد، فقال حصين: إنّي رأيت في المنام قِنْديلًا معلَّقًا من السماء، وإنّ من يمدّ عنقه إلى الخلافة تناوَلَه فلم ينله، وتناوله مروان فناله، والله لنستخلفنَّه؛ فقال له مالك: ويحك يا حصين! أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس! فلما اجتمع رأيُهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذاميّ، فحمد الله، وأثنى عليه ثمَّ قال: أيُّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطّاب وصُحبَتَه من رسول الله ﷺ ، وقدمَه في الإِسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ، وليس بصاحب أمة محمَّد الضعيفُ، وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنّه لابنُ الزبير حواريّ رسول الله ﷺ وابن أسماء ابنة أبي بكر الصدّيق ذات النِّطاقين، وهو بعدُ كما تذكرون في قدمه وفضْله، ولكنّ ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد، وسَفَك الدماء، وشقّ عصا المسلمين، وليس صاحبَ أمر أمة محمَّد ﷺ المنافقُ؛ وأمَّا مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان في الإِسلام صَدَعٌ قطُّ إلا كان مروان ممَّن يشعب ذلك الصّدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان يوم الدار، والذي قاتل عليّ بن أبي طالب يومَ الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبُّوا الصغير - يعني بالكبير: مروان ابن الحكم، وبالصغير: خالد بن يزيد بن معاوية، قال: فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان، ثمّ لخالد بن يزيد من بعده، ثمَّ لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أنّ إمارة دمشق لعمرو بن سعيد بن العاص، وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية، قال: فدعا حسان بن مالك بن بحدل خالد بن يزيد فقال: يَابْنَ أختي! إنّ الناس قد أبَوْك لحداثة سنِّك، وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرًا لكم؛ فقال له خالد بن يزيد: بل عُجِّزت عنا، قال: لا والله ما عُجِّزت عنك، ولكنّ الرأي لك ما رأيتُ ثمّ دعا حسان بمروان فقال: يا مروان! إن الناس والله ما كلُّهم يرضى بك، فقال له مروان: إن يُرِد الله أن يعطنيها لا يمنعني إياها أحدٌ من خلقه، وإن يُردْ أن يمنَعنيها لا يُعطنيها أحدٌ من خلقه. قال: فقال له
стр. 3910
حسان: صدقت، وصَعِد حسان المنبر يومَ الاثنين، فقال: يا أيها الناس! إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله. فلما كان يوم الخميس بايع لمروانَ، وبايع الناسُ له، وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مَرْجَ راهط على الضحاك في أهل الأردنّ من كلب، وأتته السَّكاسك والسَّكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردنّ.
قال: وعلى ميمنته - أعني: مروان - عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العُقيْليّ وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وكان يزيد بن أبي النِّمس الغسانيّ لم يشهد الجابية، وكان مختبئًا بدمشق، فلما نزل مروانُ مرجَ راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها، فغلب عليها، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمدَّه بالأموال والرجال والسلاح، فكان أوّلَ فتح فتحَ على بني أميّة. قال: وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلةً كان، ثمَّ هُزِم أهل المرج، وقُتِلوا وقُتل الضحاك، وقُتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلًا كلهم كان يأخذ القطيفة، والذي كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء، وقتل أهل الشام يومئذ مقتلةً عظيمةً لم يقتلوا مثلها قطّ من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عُليم يقال له: مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقُتل يومئذ صاحب لواء قُضاعة حيث دخلت قضاعة الشام، وهو جدّ مُدلَّج ابن المقدام بن زَمْل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجُرَشيّ، وقُتِل ثور بن معن بن يزيد السُّلميّ، وهو الذي كان ردّ الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا: أنّ مروان حين أتِيَ برأسه ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبِرتْ سنّي ودقّ عظمي وصرتُ في مثل ظِمءِ الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! قال: وذكروا: أنَّه مرّ يومئذ برجل قتيل فقال:
ومَا ضرَّهُمْ غير حَيْنِ النُّفُو ... سِ أيُّ أمِيري قريش غَلَبْ
وقال مروان حين بُويع له ودعا إلى نفسه:
لما رأيتُ الأَمرَ أمرًا نَهْبا ... سيّرت غسّان لهمْ وكلَبا
والسَّكسكيِّين رجالًا غُلبا ... وطَيِّئًا تأْباه إلَّا ضَرْبا
стр. 3911
والقَيْن تمشي في الحديد نُكبا ... ومن تنوخَ مشمَخِرًّا صعبا
لا يأْخذونَ المُلْك إلَّا غَصْبَا ... وإنْ دَنَتْ قيسٌ فقل لا قربَا
(٥: ٥٣٥ - ٥٣٨).
قال هشام بن محمَّد: حدّثني أبو مخنف لوط بن يحيى؛ قال: حدّثني رجل من بني عبد ود من أهل الشام، قال: حدّثني من شهد مقتل الضحاك بن قيس، قال: مرّ بنا رجلٌ من كلب يقال له: زُحنة بن عبد الله، كأنما يرمي بالرجال الجَدَّاء، ما يطعن رجلًا إلا صَرَعهُ، ولا يضرب رجلًا إلا قتله، فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال؛ إذ حمل عليه رجل فصرعه زُحنة وتركه، فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس، فأخذت رأسه فأتيتُ به إلى مروان، فقال: أنت قتلته؟ فقلت: لا، ولكن قتله زُحنة بن عبد الله الكلبي، فأعجبه صدقي إيّاه، وتركي ادعاءه، فأمرَ لي بمعروف، وأحسنَ إلى زحنة (١). (٥: ٥٣٨)
قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن حبيب بن كرّة، قال: والله إنَّ راية مروان يومئذ لمعي، وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهري، وقال: ادْنُ برايتك لا أبا لك! إنَّ هؤلاء لو قد وجدوا لهم حدّ السيوف انفرجوا انفراجَ الرأس، وانفراج الغنم عن راعيها، قال: وكان مروان في ستة آلاف، وكان على خيله عبيد الله بن زياد، وكان على الرُّجال مالك بن هُبيرة؛ قال عبد الملك بن نوفل: وذكروا: أنّ بِشر بن مروان كانت معه يومئذ رايةٌ يقاتل بها وهو يقول:
إنَّ على الرئيسِ حقًّا حقَّا ... أن يَخضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا
قال: وصُرع يومئذ عبد العزيز بن مروان. قال: ومرَّ مروان يومئذ برجل من محارب وهو في نفر يسيرٍ تحت راية يقاتل عن مروان، فقال مروان: يرحمك الله! لو أنك انضممت بأصحابك، فإني أراك في قلة! فقال: إنَّ معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مددًا أضعاف من تأمرنا ننضمّ إليه، قال: فُسرَّ بذلك مروان وضحك، وضمَّ أناسًا إليه ممّن كان حوله؛ قال: وخرج الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم، فانتهى أهل حمص إلى حمص والنعمان بن بشير عليها،
стр. 3912
فلمَّا بلغ النعمان الخبر خرج هاربًا ليلًا ومعه امرأته نائلة بنت عُمارة الكلبيَّة، ومعه ثَقَله وولدُه، فتحيَّر ليلته كلَّها، وأصبح أهل حمص فطلبوه؛ وكان الذي طلبه رجل من الكلاعيِّين يقال له: عمرو بن الخليّ فقتله، وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأس في حجر أمّ أبان ابنة النعمان التي كانت تحتَ الحجَّاج بن يوسف بعد. قال: فقالت نائلة: ألقُوا الرأس إليّ فأنا أحقّ به منها، فألقي الرأسُ في حجرها، ثمّ أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهوا بهم إلى حمص، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها. قال: وخرج زُفَر بن الحارث من قنَّسرين هاربًا فلحق بقرقيسيا، فلما انتهى إليها وعليها عياض الجرشي وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن حدس بن أسلم - وكان يزيد بن معاوية ولاه قرقيسيا، فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا، فقال له زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمّامها أن أخرج منها؛ فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمّامها وأقام بها، وأخرج عياضًا منها، وتحصّن زُفر بها وثابتْ إليه قيس. قال: وخرج ناتل بن قيس الجُذاميّ صاحب فلسطين هاربًا، فلحق بابنِ الزبير بمكة، وأطبق أهل الشام على مروان، واستوثقوا له، واستعمل عليها عمّاله (١). (٥: ٥٣٩ - ٥٤٠).
قال أبو مخنف: حدّثني رجل من بني عبد ودّ من أهل الشام - يعني: الشرقيّ - قال: وخرج مروان حتى أتى مصر بعد ما اجتمع له أمر الشام، فقدم مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشيّ يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، وبعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتى دخل مصر، وقام على منبرها يخطب الناس، وقيل لهم: قد دخل عمرو مصر، فرجعوا، وأمَّر الناس مروان وبايعوه، ثمّ أقبل راجعًا نحو دمشق، حتى إذا دنا منها بلغه أنّ ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزُّبير نحو فلسطين، فسرّح إليه مروان عمرو بن سعيد بن العاص في جيش، واستقبله قبل أن يدخل الشام، فقاتله فهزم أصحاب مصعب، وكان معه رجل من بني عذرة يقال له محمَّد بن حريث بن سليم، وهو خال بني الأشدق، فقال: والله ما رأيت مثل مصعب بن الزبير رجلًا قط أشدّ قتالًا فارسًا وراجلًا، ولقد رأيته في الطريق يترجَّل فيطَّرد بأصحابه، ويشدّ على
стр. 3913
رجليه، حتى رأيتهما قد دميتا. قال: وانصرف مروانُ حتى استقرت به دمشق، ورجع إليه عمرو بن سعيد.
قال: ويقال: إنه لما قدم عبيد الله بن زياد من العراق، فنزل الشام أصاب بني أميَّة بتدمُر، قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة، ومن الحجاز كله، فنزلوا بتدمرُ، وأصابوا الضّحاك بن قيس أميرًا على الشام لعبد الله بن الزبير، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فيأخذ منه الأمان لبني أميَّة؛ فقال له ابن زياد: أنشدُك الله ألَّا تفعل، ليس هذا برأي أن تنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب بالخلافة، ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم، ثمَّ سر بهم وبمن معك من بني أمية إلى الضحّاك بن قيس حتى تخرجَه من الشام؛ فقال عمرو بن سعيد بن العاص: صدق والله عبيد الله بن زياد، ثمّ أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحقّ الناس بالقيام بهذا الأمر، إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام - يعني: خالد بن يزيد بن معاوية - فتزوج أمّه فيكون في حجرك؛ قال: ففعل مروان ذلك، فتزوج أمّ خالد بن يزيد. وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ثمّ جمع بني أميّة فبايعوه بالإمارة عليهم، وبايعه أهلُ تدمر ثمَّ سار في جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغ الضحّاك ما صنع بنو أميّة ومسيرتُهم إليه؛ خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم، فيهم زفر بن الحارث، فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل الضحاك بن قيس الفهريّ وعامّة أصحابه، وانهزم بقيّتهم فتفرّقوا، وأخذ زفر بن الحارث وجهًا من تلك الوجوه، هو وشابّان من بني سليم فجاءت خيل مروان تطلبهم، فلما خاف السُّلميّان أن تلحقهم خيل مروان قالا لزفر: يا هذا، انجُ بنفسك، فأما نحن فمقتولان، فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إليه قيس، فرأسوه عليهم، فذلك حيث يقول زفر بن الحارث:
أريني سلاحي لا أبا لكِ إنَّني ... أرى الحرب لا تزدَادُ إلَّا تماديا
أتَانيَ عَنْ مرْوَانَ بالغَيْبِ أَنَّهُ ... مقِيدٌ دَمي أَو قاطعٌ من لسانِيا
ففِي العيِس منْجَاةٌ وفي الأَرْض مَهْرَب ... إذا نحْنُ رفَّعْنا لَهُنَّ المَثانِيَا
فلا تحْسِبُوني إِنْ تَغَيَّبْتُ غافِلًا ... ولا تفْرَحوا إِنْ جئتُكمْ بلِقائيا
فقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى ... وتَبْقَى حزازاتُ النُّفُوس كما هِيَا
стр. 3914
أتذْهَبُ كَلْبٌ لم تَنَلْها رِماحُنا ... وتُتْرَك قَتلَى رَاهِط هِيَ ما هِيَا!
لَعمرِي لقد أَبْقتْ وَقيعَةُ رَاهِطٍ ... لِحَسَّان صَدْعًا بَيّنًا متنائيا
أَبَعْدَ ابن عمرٍو وابنِ مَعْنٍ تتابعا ... ومقْتَلِ هَمّامٍ أُمَنَّى الأَمانِيَا!
فلم تُرَ مِنِّي نبْوَةٌ قَبْلَ هذه ... فِرَارِيَ وتَرْكي صاحبيَّ ورَائيَا
عشِيةَ أعْدو بالقِرانِ فلا أَرَى ... من الناسِ إلا مَنْ عَلَيّ ولا ليَا
أيَذهَبُ يوْمٌ واحدٌ إِنْ أَسَأْتُهُ ... بِصالح أَيّامي وحُسْنِ بَلائيا
فلا صُلْحَ حَتَّى تَنْحِطَ الخَيْلُ بالقَنَا ... وتثْأَرَ مِنْ نِسْوَانِ كَلْبٍ نِسَائِيَا
ألَا لَيْتَ شِعْرِي هلْ تُصيبَنَّ غارتي ... تَنوخًا وحَيَّ طَيئٍ من شِفائِيا
فأجابه جَوّاس بن قَعْطل:
لعَمْرِي لَقدْ أبقَتْ وقِيعَةُ راهِطٍ ... على زُفَرٍ دَاءً مِنَ الدَّاءِ باقِيَا
مقِيمًا ثَوَى بَيْنَ الضُّلوعِ مَحَلُّه ... وبَيْن الحَشا أَعْيا الطِّبِيبَ المُداوِيا
تُبَكِّي عَلَى قَتلَى سُليْم وعَامرٍ ... وذُبْيَانَ مَعْذورًا وتُبْكِي البواكِيَا
دَعا بِسِلَاحٍ ثمَّ أَحْجَمَ إذْ رأَى ... سُيُوفَ جنَابٍ والطوالَ المذَاكِيا
عليْها كأُسْدِ الغابِ فِتْيانُ نجْدَةٍ ... إذا شَرعُوا نحْوَ الطِّعان العوالِيَا
فأجابه عمر بن المِخْلَاة الكلبيّ من تيم اللّات بن رُفَيْدة، فقال:
بكى زُفَرُ القيسِيُّ من هُلكِ قَوْمِهِ ... بعَبْرَةِ عَيْنٍ ما يَجِفُّ سُجُومُهَا
يُبكِّي على قَتْلى أُصِيبَتْ بِرَاهِطٍ ... تجَاوبُهُ هامُ القِفارِ وبُومُهَا
أَبحْنَا حِمىً للحيِّ قَيْسٍ بِرِاهِط ... ووَلّتْ شِلَالًا واستُبِيح حرِيمُها
يُبَكِّيهمُ حَرَّانَ تجْرِي دُموعُهُ ... يُرَجِّي نِزارًا أَنْ تَثُوبَ حُلومُها
فَمُتْ كمدًا أَوْ عِشْ ذَليلًا مُهضَّمًا ... بِحْسَرَةِ نَفس لا تَنَامُ هُمُومُهَا
إذا خَطَرتْ حَوْلي قُضَاعَةُ بالقَنا ... تَخَبطُ فِعْلَ المُصعَبَاتِ قُرُومُهَا
خَبطْتُ بهِمْ من كادَني مِنْ قبيلة ... فمن ذا إذا عَزَّ الخُطوبُ يرُومُهَا
وقال زُفر بن الحارث أيضًا:
أَفي الله أمَّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَل ... فيحيا وأمَّا ابن الزُّبير فيُقْتَلُ!
كذبْتُمْ وبَيْتِ الله لا تَقْتُلونَهُ ... ولمّا يَكنْ يومٌ أغرُّ مُحَجَّلُ
ولمّا يكُن للمشْرَفيَّة فَوْقكم ... شُعاعٌ كقَرْنِ الشَّمسِ حِين تَرجَّلُ
فأجابه عبد الرحمن بن الحكم، أخو مروان بن الحكم، فقال:
стр. 3915
أتذهب كلب قد حمتْها رماحُها ... وتترُكُ قَتْلى راهطٍ ما أُجنَّتِ!
لَحا الله قَيْسًا قَيْسَ عيْلانَ إنها ... أضاعَتْ ثُغُورَ المسلمين وَولَّتِ
فباهِ بقيْسٍ في الرَّخاء ولا تكنْ ... أخاها إذا ما المَشْرفِيَّةُ سُلَّتِ
قال أبو جعفر: ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فيما أشار به عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية، واستقرّ لمروانَ بن الحكم المُلك، وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن يُنزل البَلْقاءَ من كان بالشام من كندة، وأن يَجعلَها لهم مأكلةً، فأعطاه ذلك؛ وإنّ بني الحكم لما استوثق الأمرُ لمروان، وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية شروطًا؛ قال مروان ذات يوم وهو جالسٌ في مجلسه، ومالك بن هبيرة جالس عنده: إن قومًا يدّعون شروطًا منهم عطّارة مكحلة - يعني: مالك بن هبيرة وكان رجلًا يتطيَّب ويكتحل - فقال مالك بن هبيرة - هذا ولمّا تَرِدِي تهامة، ولما يبلغ الحزام الطُّبْييْن؛ فقال مروان: مهلًا يا أبا سليمان، إنما داعبناك؛ فقال مالك: هو ذاك، وقال عويج الطائيّ يمتدح كَلْبًا وحُميد بن بَحْدَل:
لقد علِمَ الأَقوامُ وقْع ابنِ بَحْدَلٍ ... وأُخْرَى عليهم إن بقَي سَيُعيدُها
يَقْودونَ أَولادَ الوجِيه ولاحقٍ ... من الرِّيفِ شهرًا ما يَني من يَقُودُها
فهذا لهذا ثمَّ إني لنافِضٌ ... على الناسِ أقوامًا كثيرًا حُدودُها
فلولا أمير المؤمنين لأَصْبَحت ... قُضاعةُ أَرْبابًا وقَيْس عبيدُها
وفي هذه السنة بايع جُنْد خُراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة. (٥: ٥٤٠ - ٥٤٤).
ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد
قال عليّ بن محمَّد: وحدّثنا شيخٌ من أهل خُراسان، قال: لم يحبّ أهلُ خُراسان أميرًا قط حُبّهم سلَم بن زياد، فسُمّي في تلك السنين التي كان بها سلْم أكثر من عشرين ألف موْلود بسَلْم، من حُبِّهم سَلْما.
قال: وأخبرَنا أبو حفص الأزديّ، عن عمه قال: لما اختلف الناس بُخراسان ونكثوا بيعة سَلْم، خرج سَلْم عن خُراسان وخلّف عليها المهلب بن أبي صُفوة، فلما كان بسَرَخْسَ لقيه سليمان بن مَرْثَد أحد بني قيس بن ثعلبة، فقال له: مَنْ
стр. 3916
خَلّفت على خراسان؟ قال: المهلب؛ فقال: ضاقت عليك نِزارٌ حتى ولَّيتَ رجلًا من أهل اليمن! فولّاه مَرْوَ الرُّوذ، والفارياب، والطالَقَان، والجُوزَجان، وولى أوس بن ثعلبة بن زفر - وهو صاحب قصر أوس بالبَصرة - هراةَ، ومضَى فلما صار بنَيسابور لقيه عبد الله بن خازم، فقال: مَنْ ولَّيت خُراسان؟ فأخبره، فقال: أمَا وجدت في مُضَرَ رجلًا تستعمله حتى فرَّقت خُراسان بين بكر بن وائل ومَزُون عمَانَ! وقال له: اكتبْ لي عَهْدًا على خُراسان؛ قال: أوالي خراسان أنا! قال: اكتب لي عهدًا وخَلاك ذمّ.
قال: فكتب له عهدًا على خُراسان، قال: فأعنّي الآن بمئة ألف درهم فأمَرَ له بها، وأقبل إلى مَرْو، وبلغ الخبرُ المهلبَ بن أبي صُفرة، فأقبل واستخلف رجلًا من بني جُشَم بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
قال: وأخبَرَنا المفضَّل بن محمَّد الضَّبّيُّ عن أبيه، قال: لما صار عبد الله بن خازم إلى مروَ بعهد سَلْم بن زياد؛ منعه الجُشميّ، فكانت بينهما مناوشَة، فأصابت الجشميّ رميةٌ بحجَر في جبهته، وتحاجزوا وخَلَّى الجشميّ بين مرْو الرُّوذ وبينَه، فدخلها ابن خازم، ومات الجشميّ بعد ذلك بيومين. (٥: ٥٤٥ - ٥٤٦).
قال: وكان الذي وليَ قتلَ عمرو بن مرثد زهير بن حيّان العدويّ فيما يروون، فقال الشاعر:
أتذْهبُ أَيَّامُ الحروبِ ولم تُبِئ ... زهير بن حيّانٍ بعَمْرٍو بنِ مَرْثَدِ!
قال: وحدّثنا أبو السَّريّ الخُراسانيّ - وكان من أهل هَراة - قال: قتل عبد الله ابن خازم سليمان وعمرًا ابنْي مرثد المرثديَّين من بني قيس بن ثعلبة ثمَّ رجع إلى مَرْو، وهرب مَن كان بمروَ الرّوذ من بكر بن وائل إلى هَراة، وانضم إليها من كان بكُور خُراسان من بكر بن وائل، فكان لهم بها جمعٌ كثير عليهم أوْس بن ثعلبة؛ قال: فقالوا له: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم، وتُخرجَ مُضَرَ من خُراسان كلِّها؛ فقال لهم: هذا بَغْيٌ، وأهلُ البغي مخذولون، أقيموا مكانَكم هذا، فإنْ تركَكُم ابن خازم - وما أراه يفعل - فارضوا بهذه الناحية، وخلّوه وما هو فيه؛ فقال بنو صُهيب - وهم موالي بني جحْدَر: لا والله لا نَرْضَى أن نكون نحن ومُضَر في بلد، وقد قتلوا ابني مَرْثَد، فإن أجبتَنا إلى هذا، وإلا أمَّرْنا علينا غيرَك؛ قال:
стр. 3917
إنما أنا رجلٌ منكم، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فبايَعوه، وسار إليهم ابن خازم، واستخلف ابنه موسى، وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هَراة، قال: فقال البكريّون لأوس: اخرجْ فخندِقْ خندقًا دون المدينة فقاتِلْهم فيه، وتكون المدينة من ورائنا، فقال لهم أوس: الزموا المدينة فإنها حصينة، وخلّوا ابن خازم ومنزلَه الذي هو فيه؛ فإنَّه إن طال مُقامُه ضجِر فأعطاكم ما ترضون به، فإن اضطررتم إلى القتال قاتلتم، فأبَوْا، وخرجوا من المدينة، فخندقوا خندقًا دونها، فقاتلهم ابن خازم نحوًا من سنة.
قال: وزعم الأحنف بن الأشهب الضبيّ، وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهُنَيد: سار ابن خازم إلى هراةَ وفيها جمعٌ كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم، وتعاقدوا على إخراج مضرَ إن ظفروا بخُراسان، فنزل بهم ابن خازم، فقال له هلال الضّبيّ أحد بني ذُهْل، ثمَّ أحد بني أوس: إنما تقاتل إخوتَك من بني أبيك، والله إن نِلتَ منهم ما تريد؛ ما في العيش بعدَهم من خير، وقد قتلت بمرو الرّوذ منهم من قتلت، فلو أعطيتهم شيئًا يرضَوْن به، أو أصلحتَ هذا الأمر! قال: والله لو خرجتُ لهم عن خُراسان ما رَضُوا به، ولو استطاعوا أن يُخرجوكم من الدنيا لأخرجوكم، قال: لا، والله لا أرمي معك بسهم، ولا رجلٌ يطيعني من خِندف حتى تُعْذِر إليهم؛ قال: فأنت رسولي إليهم فأرضِهم، فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشدَه اللهَ والقرابة، وقال: أذكّرك الله في نزار أن تسفك دماءها، وتضربَ بعضَها ببعض! قال: لقيتَ بني صهيب؟ قال: لا والله؛ قال: فالقهم؛ فخرج فلقي أرقم بن مطرّف الحنفيّ، وضَمْضَم بن يزيد - أو عبد الله بن ضمضم بن يزيد وعاصم بن الصّلت بن الحريث الحنفيّين، وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل ما كلم به أوسًا، فقالوا: هل لقيت بني صُهيب؟ فقال: لقد عظّم الله أمر بني صُهَيب عندكم، لا لم ألقهم، قالوا: القهم، فأتى بني صهيب فكلّمهم، فقالوا: لولا أنك رسولٌ لقتلناك؛ قال: أفما يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدةٌ من اثنتين، إما أن تخرجوا عن خُراسان، ولا يدْعو فيها لمُضرَ داعٍ، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كُراع وسلاح وذهب وفضّة؛ قال: أفما شيء غير هاتين؟ قالوا: لا، قال: حسبُنا الله ونعم الوكيل! فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ قال: وجدتُ إخوتَنا قُطّعًا للرَّحم، قال: قد أخبرتُك أنّ ربيعة لم تزل غِضابًا على ربّها
стр. 3918
منذ بَعث اللهُ النبيَّ ﷺ من مضرَ. (٥: ٥٤٧ - ٥٤٨).
قال أبو جعفر: وأخبرنا سليمان بن مجالد الضّبيّ، قال: أغارت الترك على قصر إسفاد وابن خازم بَهراةَ، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزْد هم أكثر مَن فيه، فهزمتْهم، فبعثوا إلى من حولهم من الأزْد فجاؤوا لينصروهم فهزمتْهم الترك فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجَّه إليهم زهيرَ بن حيان في بني تميم وقال له: إياك ومُشاوَلة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم، فأقبَل فوافاهم في يوم بارد، قال: فلما التقَوا شدُّوا عليهم فلم يَثْبتوا لهم، وانهزمت الترك واتّبعوهم حتى مضى عامّةُ الليل حتى انتهوا إلى قصر في المفازة، فأقامت الجماعة، ومضى زهير في فوارسَ يتبعهم، وكان عالمًا بالطريق، ثمّ رجع في نصف من الليل، وقد يَبِسَتْ يدُه على رُمحه من البَرد، فدعا غلامَه كعبًا، فخرج إليه، فأدخله، وجعل يُسخن له الشَّحم فيضعه على يده، ودهنوه وأوقدوا له نارًا حتى لانَ ودفِئ؛ ثمَّ رجع إلى هَراة، فقال في ذلك كعبُ بنُ معدانَ الأشْقَريّ:
أتاك أَتاك الغوثُ في بَرْقِ عارِضٍ ... دُرُوعٌ وبَيْضٌ حشْوهُنَّ تميمُ
أَبْوا أن يَضُمُّوا حَشْو ما تجمَعُ القُرَى ... فضَمَّهُمُ يومَ اللقاءِ صَميمُ
ورزْقهُمُ من رائحاتٍ تزينُها ... ضروع عَرِيضات الخَواصِرِ كومُ
وقال ثابت قُطْنة:
فدَتْ نفسي فَوارِس من تميمٍ ... على ما كان من ضَنْكِ المُقامِ
بِقصر الباهِليِّ وقد أَراني ... أُحامِي حين قَلَّ به المُحامِي
بسيفي بعد كسرِ الرُّمْحِ فيهم ... أذودُهمُ بِذِي شطَبٍ حُسامِ
أكُرُّ عليهمُ اليحْمُومَ كَرًّا ... كَكَر الشَّرْبِ آنِيَةَ المُدامِ
فلولا الله ليَس له شريكٌ ... وضرْبِي قَوْنَسَ المَلِكِ الهُمَامِ
إذًا فاظتْ نساءُ بَني دِثارٍ ... أمام التُّرْك بادِية الخِدامِ
(٥: ٥٤٩ - ٥٥٠)
* * *
قال أبو جعفر: وحدّثني أبو الحسن الخُراسانيّ عن أبي حمّاد السُّلَميّ قال: أقام ابن خازم بهَراةَ يقاتل أوسَ بن ثعلبة أكثر من سنة، فقال يومًا لأصحابه: قد طال مُقامُنا على هؤلاء، فنادُوهم: يا معشرَ ربيعة! إنكم قد اعتصمتم
стр. 3919
بخندقكم، أفرضيتم من خُراسانَ بهذا الخندق؟ ! فأحفَظَهم ذلك، فتنادى الناس للقتال، فقال لهم أوس بن ثعلبة: الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم، ولا تَخرجوا إليهم بجماعتكم، قال: فعصَوْه وخرجوا إليهم، فالتقى النَّاس، فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومَكم فيكونَ المُلْك لمن غلب، فإن قُتلتُ فأميركم شَّماس بن دِثار العُطارِديّ، فإن قُتل فأميركم بكيْر بن وِشاح الثقفيّ. (٥: ٥٥٠).
قال عليّ: وحدّثنا أبو الذيّال زهير بن هُنَيد عن أبي نَعَامة العَدَويّ عن عبيد بن نقيد، عن إياس بن زهير بن حيّان: لما كان اليوم الذي هرب فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل، قال ابن خازم لأصحابه حين التقوا: إني قِلْع فشدّوني على السرج، واعلموا أن عليّ من السلاح ما لا أقتلُ قدرَ جَزُوْرَيْن، فإن قيل لكم: إنّي قد قُتِلت فلا تصدّقوا.
قال: وكانت راية بني عديّ مع أبي وأنا على فرس مُحزَّم، وقد قال لنا ابن خازم: إذا لقيتم الخيلَ فاطعنوها في مناخرِها، فإنَّه لن يطعن فرسٌ في نخْرته إلا أدبر أو رَمَى بصاحبه، فلما سمع فرسي قَعقَعَة السلاح وثب بي واديًا كان بيني وبينهم؛ قال: فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسَه في نُخرته فصرعه وحمل أبي ببني عدّي، واتبعتْه بنو تميم من كلّ وجه، فاقتتلوا ساعةً، فانَهزمتْ بكر بن وائل حتى انتهَوا إلى خندقهم وأخذوا يمينًا وشمالًا، وسقط ناسٌ في الخندق فقُتلوا قتلًا ذريعًا، وهرب أوسُ بن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتَى بأسيرٍ إلا قتَله حتى تغيب الشمس، فكان آخرَ من أتِي به رجلٌ من بني حنيفة يقال له: مَحْمِيَة فقالوا لابن خازم: قد غابت الشمس، قال: وفُّوا به القتلَى؛ فقُتِل. (٥: ٥٥٠ - ٥٥١).
قال: فأخبرَني شيِخٌ من بني سعد بن زيد مَنَاة: أنّ أوس بن ثعلبة هرب وبه جِراحاتٌ إلى سِجِستان، فلما صار بها أو قريبًا منها؛ مات.
وفي مقتل ابن مرثد وأمْر أوس بن ثعلبة يقول المغيرةُ بن حَبْناء، أحد بني ربيعة بن حنظلة:
وفي الحرب كنتمْ في خُراسان كلِّها ... قتيلًا ومَسجونًا بها ومُسيّرا
ويوم احْتَوَاكمْ في الحفِيرِ ابنُ خازمٍ ... فلم تَجدوا إلَّا الخنادِق مَقْبَرا
стр. 3920
ويومَ تَركتمْ في الغبارِ ابن مرثدٍ ... وأَوسًا تركتمْ حيثُ سار وعَسكرا
(٥: ٥٥١).
قال: وأخبرَني أبو الذّيال زهير بن هنيد عن جدِّه أبي أمّه، قال: قُتل من بكر بن وائل يومئذ ثمانيةُ آلاف. (٥: ٥٥١).
قال: وحدّثنا التميميّ، رجل من أهل خُراسان، عن مولىً لابن خازم، قال: قاتل ابن خازم أوسَ بن ثعلبة وبكر بن وائل، فظَفِر بهرَاةَ، وهرب أوس وغلبه ابن خازم على هَراة، واستعمل عليها ابنَه محمدًا، وضّم إليه شّماس بن دثار العُطارديّ، وجعل بُكَير بن وِشَاح على شُرطِتِه، وقال لهما: ربِّياه؛ فإنَّه ابن أختكما، فكانت أمه من بني سعد يقال لها: صفيّة، وقال له: لا تخالفْهما، ورجع ابن خازم إلى مَرْو. (٥: ٥٥١).
ذكر الخبر عن تحرُّك الشيعة للطلب بدم الحسين
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحرّكت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنُّخَيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن عليّ، وتكاتَبوا في ذلك.
ذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلك:
قال هشام بنُ محمَّد: حدّثنا أبو مخنف: قال: حدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ، قال: لما قتل الحسين بن عليّ، ورجع ابن زياد من مُعسكَره بالنَّخِيْلة، فدخل الكوفة؛ تلاقتِ الشيعة بالتلاوُم والتندُّم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرًا بدُعائهم الحسينَ إلى النصرة وتركهم إجابتَه، ومقتِله إلى جانبهم لم يَنصروه، ورأوا أنَّه لا يُغسل عارُهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل مَن قَتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكُوفة إلى خمسةِ نفر من رؤوس الشيعة إلى سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، وكانت له صُحبة مع النبيّ ﷺ ، وإلى المُسَيّب بن نجبَة الفزارِيّ، وكان من أصحاب عليّ وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزديّ، وإلى عبد الله بن والٍ التَّيميّ، وإلى رِفاعة بن شَدَّاد البَجَليّ.
стр. 3921
ثمّ إنَّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد، وكانوا من خيار أصحاب عليّ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.
قال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمانَ بن صُرَد؛ بدأ المسيّب بن نَجَبة القوم بالكلام، فتكلَّم فحمدَ الله وأثنَى عليه وصلَّى على نبيه ﷺ ثمَّ قال:
أما بعد، فإنا قد ابتُلينا بطول العمر، والتعرّض لأنواع الفِتَن فنرغب إلى ربنا ألَّا يجعلنا ممن يقول له غدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ فإنّ أمير المؤمنين قال: العُمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مُغرَمين بتزكِيَة أنفُسنا، وتقريظِ شيعتنا، حتى بلا الله أخيارَنا فوجدنَا كاذبين في موطنَيْن من مواطن ابن ابنة نبيّنا ﷺ ، وقد بلغتْنا قبل ذلك كُتُبه، وقدمَت علينا رُسُله، وأعذَر إلينا يسألنا نَصَره عَوْدًا وبدءًا، وعلانيةً وسرًّا، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتِل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلْنا عنه بألسِنَتِنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النُّصرة إلى عشائرنا، فما عُذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبيِّنا ﷺ وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبه، وذرّيتهُ ونَسلُه! لا والله، لا عُذرَ دون أن تَقتلُوا قاتلَه والمُوالين عليه، أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربّنا أن يَرضَى عنّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمِن. أيها القوم! ولّوا عليكم رجلًا منكم فإنَّه لابدّ لكم من أمير تَفزَعون إليه، وراية تحفّون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فبدر القومَ رِفَاعة بن شدّاد بعد المسيّب الكلام، فحَمِد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثمَّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد هداك لأصوبَ القول، ودعوت إلى أرشَد الأمور، بدأتَ بحمد الله والثناءَ عليه، والصلاة على نبيّه ﷺ ، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبول قولُك؛ قلتَ: ولُّوا أمرَكم رجلًا منكم تَفزَعون إليه، وتحفّون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثلَ الذي رأيتَ، فإن تكن أنت ذلك الرجل عندنا مرضيًّا، وفينا متنصّحًا، وفي جماعتنا محَبًّا، وإن رأيتَ رأي أصحابنا ذلك؛ ولّينا هذا الأمر شيخَ الشيعة صاحبَ رسول الله ﷺ ، وذا السابقة والقَدَم سليمان بن صُرَد المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3922
قال: ثمّ تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد، فحَمِدا ربَّهما وأثنيَا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، فذكرا المسيَّب بن نجَبَة بفضله، وذكرا سليمان بن صُرَد بسابقته، ورضاهما بتولِيته، فقال المسيّب بنِ نجَبَة: أصبتم ووفقتم، وأنا أَرَى مِثلَ الذي رأيتم، فولّوا أمرَكم سليمان بنَ صُرَد (١). (٥: ٥٥١ - ٥٥٣).
قال أبو مخنف: فحدّثت سليمانَ بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدّثني حُميد بن مسلم، قال: والله إنّي لَشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولَّوا سليمان بن صُرَد، وإنا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فُرسان الشيعة ووجوهِهم في داره.
قال: فتكلّم سليمان بن صرد فشدّد، وما زال يردّد ذلك القولَ في كل جمعة حتى حفظتُه، بدأ فقال: أثني على الله خيرًا، وأحمد آلاءَه وبلاءَه.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسوله، أمَّا بعد: فإني والله لخائف ألَّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدتْ فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرّزية، وشَمِل فيه الجورُ أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا، ونمنّيهم النصرَ، ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا ونَيْنا وعجزْنا، وادّهنّا، وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قُتل فينا وَلَدُ نبيّنا وسُلالتُه وعُصارتُه وبضعةٌ من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرِخ فلا يُصرَخ، ويسأل النّصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غرَضًا للنَّبل، ودريّة للرّماح حتى أقصدوه، وعدَوْا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخِط ربُّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضي الله، والله ما أظنه راضيًا دون أن تناجِزوا من قتله، أو تُبيروا، ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه اسرؤٌ قطّ إلا ذلّ، كونوا كالأولَى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فما فعل القومُ؟ جَثَوا على الرُّكب واللهِ، ومدّوا الأعناق ورضُوا بالقضاء حتى حين علموا أنَّه لا ينجيهم من عظيم الذّنب إلَّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعِي القوم إليه! اشحَذوا السيوف،
стр. 3923
وركِّبوا الأسنّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، حتى تُدعوا حين تُدْعَون وتُستنفرون.
قال: فقام خالد بن سعد بن نُفيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويُرضي ربّي لقتلتُها، ولكن هذا أمِر به قومٌ كانوا قبلنا ونُهينا عنه، فأشهد اللهَ ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوّي صدقةً على المسلمين، أقوّيهم به على قتال القاسطين.
وقام أبو المعتمر حَنَش بن ربيعة الكنِانيّ فقال: وأنا أشهِدكم على مثل ذلك.
فقال سليمان بن صُرَد: حَسْبُكم؛ مَنْ أراد من هذا شيئًا فليأت بماله عبدَ الله بن وال التيميّ تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون إخراجَه من أموالكم جهّزْنا به ذوي الخَلَّة والمَسكَنة من أشياعكم (١). (٥: ٥٥٤ - ٥٥٥).
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن سليمان بن أبي راشد، قال: فحدّثنا حُمَيد بن مسلم الأزديّ: أنّ سليمان بن صُرَد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له: والله لو علمت أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويَرضَى عني ربي لقتلتُها، ولكنّ هذا أمِر به قوم غيرنُا كانوا من قبلنا ونُهينا عنه؛ قال: أخوكم هذا غدًا فَريسُ أوّلِ الأسنَّة؛ قال: فلما تصدّق بماله على المسلمين قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للَّذين لأنفسُهم يَمهَدون (٢). (٥: ٥٥٥).
قال أبو مخنف: حدّثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نُفيل قال: أخذت كتابًا كان سليمان بن صُرَد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمانِ بالمدائن، فقرأتُه زمانَ وليَ سليمان، قال: فلما قرأتُه أعجبني، فتعلَّمته فما نسيته، كتب إليه:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، من سليمانَ بن صُرَد إلى سعد بن حذيفة ومَن قِبَله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد؛ فإنّ الدنيا دارٌ قد أدبر منها ما كان معروفًا، وأقبل منها ما كان مُنكّرًا، وأصبحتْ قد تشنّأتْ إلى ذوِي الألباب، وأزمَع بالتَّرحال منها عبادُ الله الأخيار، وباعوا قليلًا من الدنيا لا يبقَى بجزيلِ
стр. 3924
مثوبة عند الله لا تَفنى، إنَّ أولياءَ من إخوانكم، وشيعة آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتُلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم الذي دُعِيَ فأجاب، ودعا فلم يجَب، وأراد الرجعة فحُبِس، وسأل الأمان فمُنع، وترك الناسَ فلم يتركوه، وعَدْوا عليه فقتلوه، ثمَّ سلبوه وجرّدوه ظلمًا وعُدوانًا وغِرَّةً بالله وجهلًا، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فلما نظر إخوانكم وتدبّروا عواقبَ ما استقبلوا؛ رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزّكيّ الطيّب، وإسلامه، وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيرًا ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتلِيه أو قتلهم حتى تفنَى على ذلك أرواحهم؛ فقد جَدّ إخوانكم فجِدّوا، وأعِدّوا واستعدّوا، وقد ضربْنا لإخواننا أجلًا يوافوننا إليه، وموطنًا يَلقَوننا فيه؛ فأما الأجل فغُرّةُ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأمَّا الموطن الذي يَلقَوننا فيه فالنُّخَيلة.
أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخوانًا، وإلا وقد رأينا أن ندعوَكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون، ويُظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جُدَرَاءُ بتَطْلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربّكم من الذنب، ولو كان في ذلك حزُّ الرقاب، وقتلُ الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العَشائر؛ ما ضرّ أهلَ عذراء الذين قُتلوا ألَّا يكونوا اليوم أحياءً عند رَبّهم يُرزَقون، شهداء قد لَقُوا الله صابرين محتسبين، فأثابهَم ثوابَ الصابرين - يعني حُجرًا وأصحابه - وما ضرّ إخوانكم المُقتَّلين صبْرًا، المُصلَّبِين ظُلمًا، والممثَّل بهم، المعتدَى عليهم، ألَّا يكونوا أحياء مبتليْن بخطاياكم، قد خيرَ لهم فلقوا ربهم، ووفّاهم الله إن شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضرّاء وحينَ البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب؛ فوالله إنكم لأحرياء ألَّا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من النبلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماسَ الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاءَ الله طالبٌ بشيء من الأشياء، ولو أنَّه القتلُ إلا طلبتم رضا الله به، إنَّ التقوى أفضلُ الزّاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنَى، فلتعزِف عنها أنفسُكم، ولتكن رغبتُكم في دارِ عافيتِكم وجهادِ عدّو الله وعدوّكم، وعدوّ أهل بيت نبيِّكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيّبةً، وأجارنا وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلًا في سبيله على يديْ أبغض خَلقه إليه
стр. 3925
وأشدّهم عداوةً له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء؛ والسلام عليكم.
قال: وكتب ابن صُرَد الكتاب وبعثَ به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمان مع عبد الله بن مالك الطائيّ، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطَنوها وهم يقدمون الكوفة في كلّ حين عطاءٍ ورِزْق، فيأخذون حقوقَهم، وينصرفون إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتابَ سليمان بن صرد، ثمّ إنه حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنكم قد كنتم مجتمعين مُزْمِعيِن على نصر الحسين وقتال عدوِّه، فلم يَفْجأكم أوّلُ من قتله، والله مثيبُكم على حُسن النيَّة وما أجمعتم عليه من النصر أحسنَ المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانُكم يستنجدونكم ويستمدّونكم، ويدعونكم إلى الحقّ وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضلَ الأجر والحظّ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم: نجيبُهم ونقاتلُ معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم.
فقام عبد الله بن الحنظل الطائيّ ثمَّ الحِزْمِريّ، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإنا قد أجبنا إخوانَنا إلى ما دعونا إليه، وقد رأيْنا مثلَ الذي قدر رَأوْا، فسرّحنْي إليهم في الخيل، فقال له: رويدًا، لا تعجلْ، استعدّوا للعدوّ، وأعدّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون.
وكتب سعد بن حذيفة بن اليمَانِ إلى سليمانَ بن صُرَد مع عبد الله بن مالك الطائيّ:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ومن قبَله من لمؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، فقد قرأنا كتابَك، وفهمنا الذي دعوْتنَا إليه من الأمر الذي عليه رأيُ الملأ من إخوانك، فقد هُدِيتَ لحظك، ويُسِّرتَ لرُشدك، ونحن جادّون مجدُّون، معدُّون مُسرِجون مُلْجِمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي؛ فإذا جاء الصَّريخ؛ أقبلْنا ولم نُعَرّج إن شاء الله؛ والسلام.
فلما قرأ كتابه سليمان بن صُرَد قرأه على أصحابه، فسُرّوا بذلك.
قالوا: وكتب إلى المثنّى بن مخرِّبة العبديّ نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظَبْيان بن عُمارة التميميّ من بني