ثمّ إنَّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد، وكانوا من خيار أصحاب عليّ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.
قال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمانَ بن صُرَد؛ بدأ المسيّب بن نَجَبة القوم بالكلام، فتكلَّم فحمدَ الله وأثنَى عليه وصلَّى على نبيه ﷺ ثمَّ قال:
أما بعد، فإنا قد ابتُلينا بطول العمر، والتعرّض لأنواع الفِتَن فنرغب إلى ربنا ألَّا يجعلنا ممن يقول له غدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ فإنّ أمير المؤمنين قال: العُمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مُغرَمين بتزكِيَة أنفُسنا، وتقريظِ شيعتنا، حتى بلا الله أخيارَنا فوجدنَا كاذبين في موطنَيْن من مواطن ابن ابنة نبيّنا ﷺ ، وقد بلغتْنا قبل ذلك كُتُبه، وقدمَت علينا رُسُله، وأعذَر إلينا يسألنا نَصَره عَوْدًا وبدءًا، وعلانيةً وسرًّا، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتِل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلْنا عنه بألسِنَتِنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النُّصرة إلى عشائرنا، فما عُذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبيِّنا ﷺ وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبه، وذرّيتهُ ونَسلُه! لا والله، لا عُذرَ دون أن تَقتلُوا قاتلَه والمُوالين عليه، أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربّنا أن يَرضَى عنّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمِن. أيها القوم! ولّوا عليكم رجلًا منكم فإنَّه لابدّ لكم من أمير تَفزَعون إليه، وراية تحفّون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فبدر القومَ رِفَاعة بن شدّاد بعد المسيّب الكلام، فحَمِد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثمَّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد هداك لأصوبَ القول، ودعوت إلى أرشَد الأمور، بدأتَ بحمد الله والثناءَ عليه، والصلاة على نبيّه ﷺ ، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبول قولُك؛ قلتَ: ولُّوا أمرَكم رجلًا منكم تَفزَعون إليه، وتحفّون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثلَ الذي رأيتَ، فإن تكن أنت ذلك الرجل عندنا مرضيًّا، وفينا متنصّحًا، وفي جماعتنا محَبًّا، وإن رأيتَ رأي أصحابنا ذلك؛ ولّينا هذا الأمر شيخَ الشيعة صاحبَ رسول الله ﷺ ، وذا السابقة والقَدَم سليمان بن صُرَد المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3922
قال: ثمّ تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد، فحَمِدا ربَّهما وأثنيَا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، فذكرا المسيَّب بن نجَبَة بفضله، وذكرا سليمان بن صُرَد بسابقته، ورضاهما بتولِيته، فقال المسيّب بنِ نجَبَة: أصبتم ووفقتم، وأنا أَرَى مِثلَ الذي رأيتم، فولّوا أمرَكم سليمان بنَ صُرَد (١). (٥: ٥٥١ - ٥٥٣).
قال أبو مخنف: فحدّثت سليمانَ بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدّثني حُميد بن مسلم، قال: والله إنّي لَشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولَّوا سليمان بن صُرَد، وإنا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فُرسان الشيعة ووجوهِهم في داره.
قال: فتكلّم سليمان بن صرد فشدّد، وما زال يردّد ذلك القولَ في كل جمعة حتى حفظتُه، بدأ فقال: أثني على الله خيرًا، وأحمد آلاءَه وبلاءَه.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسوله، أمَّا بعد: فإني والله لخائف ألَّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدتْ فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرّزية، وشَمِل فيه الجورُ أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا، ونمنّيهم النصرَ، ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا ونَيْنا وعجزْنا، وادّهنّا، وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قُتل فينا وَلَدُ نبيّنا وسُلالتُه وعُصارتُه وبضعةٌ من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرِخ فلا يُصرَخ، ويسأل النّصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غرَضًا للنَّبل، ودريّة للرّماح حتى أقصدوه، وعدَوْا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخِط ربُّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضي الله، والله ما أظنه راضيًا دون أن تناجِزوا من قتله، أو تُبيروا، ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه اسرؤٌ قطّ إلا ذلّ، كونوا كالأولَى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فما فعل القومُ؟ جَثَوا على الرُّكب واللهِ، ومدّوا الأعناق ورضُوا بالقضاء حتى حين علموا أنَّه لا ينجيهم من عظيم الذّنب إلَّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعِي القوم إليه! اشحَذوا السيوف،
стр. 3923
وركِّبوا الأسنّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، حتى تُدعوا حين تُدْعَون وتُستنفرون.
قال: فقام خالد بن سعد بن نُفيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويُرضي ربّي لقتلتُها، ولكن هذا أمِر به قومٌ كانوا قبلنا ونُهينا عنه، فأشهد اللهَ ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوّي صدقةً على المسلمين، أقوّيهم به على قتال القاسطين.
وقام أبو المعتمر حَنَش بن ربيعة الكنِانيّ فقال: وأنا أشهِدكم على مثل ذلك.
فقال سليمان بن صُرَد: حَسْبُكم؛ مَنْ أراد من هذا شيئًا فليأت بماله عبدَ الله بن وال التيميّ تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون إخراجَه من أموالكم جهّزْنا به ذوي الخَلَّة والمَسكَنة من أشياعكم (١). (٥: ٥٥٤ - ٥٥٥).
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن سليمان بن أبي راشد، قال: فحدّثنا حُمَيد بن مسلم الأزديّ: أنّ سليمان بن صُرَد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له: والله لو علمت أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويَرضَى عني ربي لقتلتُها، ولكنّ هذا أمِر به قوم غيرنُا كانوا من قبلنا ونُهينا عنه؛ قال: أخوكم هذا غدًا فَريسُ أوّلِ الأسنَّة؛ قال: فلما تصدّق بماله على المسلمين قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للَّذين لأنفسُهم يَمهَدون (٢). (٥: ٥٥٥).
قال أبو مخنف: حدّثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نُفيل قال: أخذت كتابًا كان سليمان بن صُرَد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمانِ بالمدائن، فقرأتُه زمانَ وليَ سليمان، قال: فلما قرأتُه أعجبني، فتعلَّمته فما نسيته، كتب إليه:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، من سليمانَ بن صُرَد إلى سعد بن حذيفة ومَن قِبَله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد؛ فإنّ الدنيا دارٌ قد أدبر منها ما كان معروفًا، وأقبل منها ما كان مُنكّرًا، وأصبحتْ قد تشنّأتْ إلى ذوِي الألباب، وأزمَع بالتَّرحال منها عبادُ الله الأخيار، وباعوا قليلًا من الدنيا لا يبقَى بجزيلِ
стр. 3924
مثوبة عند الله لا تَفنى، إنَّ أولياءَ من إخوانكم، وشيعة آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتُلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم الذي دُعِيَ فأجاب، ودعا فلم يجَب، وأراد الرجعة فحُبِس، وسأل الأمان فمُنع، وترك الناسَ فلم يتركوه، وعَدْوا عليه فقتلوه، ثمَّ سلبوه وجرّدوه ظلمًا وعُدوانًا وغِرَّةً بالله وجهلًا، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فلما نظر إخوانكم وتدبّروا عواقبَ ما استقبلوا؛ رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزّكيّ الطيّب، وإسلامه، وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيرًا ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتلِيه أو قتلهم حتى تفنَى على ذلك أرواحهم؛ فقد جَدّ إخوانكم فجِدّوا، وأعِدّوا واستعدّوا، وقد ضربْنا لإخواننا أجلًا يوافوننا إليه، وموطنًا يَلقَوننا فيه؛ فأما الأجل فغُرّةُ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأمَّا الموطن الذي يَلقَوننا فيه فالنُّخَيلة.
أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخوانًا، وإلا وقد رأينا أن ندعوَكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون، ويُظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جُدَرَاءُ بتَطْلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربّكم من الذنب، ولو كان في ذلك حزُّ الرقاب، وقتلُ الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العَشائر؛ ما ضرّ أهلَ عذراء الذين قُتلوا ألَّا يكونوا اليوم أحياءً عند رَبّهم يُرزَقون، شهداء قد لَقُوا الله صابرين محتسبين، فأثابهَم ثوابَ الصابرين - يعني حُجرًا وأصحابه - وما ضرّ إخوانكم المُقتَّلين صبْرًا، المُصلَّبِين ظُلمًا، والممثَّل بهم، المعتدَى عليهم، ألَّا يكونوا أحياء مبتليْن بخطاياكم، قد خيرَ لهم فلقوا ربهم، ووفّاهم الله إن شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضرّاء وحينَ البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب؛ فوالله إنكم لأحرياء ألَّا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من النبلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماسَ الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاءَ الله طالبٌ بشيء من الأشياء، ولو أنَّه القتلُ إلا طلبتم رضا الله به، إنَّ التقوى أفضلُ الزّاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنَى، فلتعزِف عنها أنفسُكم، ولتكن رغبتُكم في دارِ عافيتِكم وجهادِ عدّو الله وعدوّكم، وعدوّ أهل بيت نبيِّكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيّبةً، وأجارنا وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلًا في سبيله على يديْ أبغض خَلقه إليه
стр. 3925
وأشدّهم عداوةً له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء؛ والسلام عليكم.
قال: وكتب ابن صُرَد الكتاب وبعثَ به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمان مع عبد الله بن مالك الطائيّ، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطَنوها وهم يقدمون الكوفة في كلّ حين عطاءٍ ورِزْق، فيأخذون حقوقَهم، وينصرفون إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتابَ سليمان بن صرد، ثمّ إنه حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنكم قد كنتم مجتمعين مُزْمِعيِن على نصر الحسين وقتال عدوِّه، فلم يَفْجأكم أوّلُ من قتله، والله مثيبُكم على حُسن النيَّة وما أجمعتم عليه من النصر أحسنَ المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانُكم يستنجدونكم ويستمدّونكم، ويدعونكم إلى الحقّ وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضلَ الأجر والحظّ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم: نجيبُهم ونقاتلُ معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم.
فقام عبد الله بن الحنظل الطائيّ ثمَّ الحِزْمِريّ، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإنا قد أجبنا إخوانَنا إلى ما دعونا إليه، وقد رأيْنا مثلَ الذي قدر رَأوْا، فسرّحنْي إليهم في الخيل، فقال له: رويدًا، لا تعجلْ، استعدّوا للعدوّ، وأعدّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون.
وكتب سعد بن حذيفة بن اليمَانِ إلى سليمانَ بن صُرَد مع عبد الله بن مالك الطائيّ:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ومن قبَله من لمؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، فقد قرأنا كتابَك، وفهمنا الذي دعوْتنَا إليه من الأمر الذي عليه رأيُ الملأ من إخوانك، فقد هُدِيتَ لحظك، ويُسِّرتَ لرُشدك، ونحن جادّون مجدُّون، معدُّون مُسرِجون مُلْجِمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي؛ فإذا جاء الصَّريخ؛ أقبلْنا ولم نُعَرّج إن شاء الله؛ والسلام.
فلما قرأ كتابه سليمان بن صُرَد قرأه على أصحابه، فسُرّوا بذلك.
قالوا: وكتب إلى المثنّى بن مخرِّبة العبديّ نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظَبْيان بن عُمارة التميميّ من بني
стр. 3926
سعد، فكتب إليه المثنّى: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن مُوافُوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت وفي الموطن الذي ذكرت؛ والسلام عليك، وكتب في أسفل كتابه:
تبَصَّرْ كأنِّي قد أتيتُك مُعْلِمًا ... على أَتْلِع الهادي أجَشَّ هَزِيمِ
طويلِ القَرَانَهْدِ الشَّوَاةِ مقلَّصٍ ... مُلِحٍّ على فأْسِ اللجام أَزُومِ
بكلِّ فتىً لا يملأُ الرَّوْع نَحرَه ... مُحِسٍّ لِعَضّ الحربِ غير سؤُومِ
أَخي ثقةٍ يَنوِي الإله بِسَعْيهِ ... ضَرُوبٍ بِنَصلِ السيفِ غير أَثيم (١)
(٥: ٥٥٥ - ٥٥٨).
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال: كان أوّل ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتلَ فيها الحسين ﵁، فلم يزل القومُ في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السرّ مِن الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنّفر بعد النّفر.
فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيدُ بنُ معاوية يومَ الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، وكان بين قتل الحسين وهلاك يزيدَ بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وهلك يزيدُ وأمير العراق عبيدُ الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حُريث المخزوميّ، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثَبنا على عمرو بن حريث فأخرجْناه من القصر، ثمّ أظهرنا الطلبَ بدم الحسين، وتتبّعنا قَتَلَتَه، ودعوْنا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثرَ عليهم، المدفوعين عن حقهم، فقالوا في ذلك فأكثروا؛ فقال لهم سليمان بن صُرَد: رُويدًا، لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما تذكرون، فرأيت أنّ قتلَة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفُرسان العرب وهم المطالَبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون، وعلموا أنهم المطالبون؛ كانوا أشدّ عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرَهم، ولم
стр. 3927
يَشفُوا أنفسَهم، ولم ينكوا في عدوّهم، وكانوا لهم جَزَرًا، ولكن بُثّوا دُعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا، شيعتَكم وغيرَ شيعتكم، فإنّي أرجو أن يكون الناس اليومَ حيث هلك هذا الطاغية أسرعَ إلى أمركم استجابةً منهم قبل هلاكه، ففعلوا؛ وخرجتْ طائفة منهم دُعاةٌ يدعون الناسَ، فاستجاب لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعافُ من كان استجاب لهم قبل ذلك (١). (٥: ٥٥٨ - ٥٥٩).
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثنا الحصين بن يزيد، عن رجل مُزَينة قال: ما رأيتُ من هذه الأمة أحدًا كان أبلغَ من عبيد الله بن عبد الله المرّيّ في مَنطِق ولا عظة، وكان من دُعاةِ أهل المصر زمانَ سليمان بن صُرَد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعةٌ من الناس فوعظهم بدأ بحَمْد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ ، ثمَّ يقول: أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمدًا ﷺ على خلقه بنبوَّته، وخصّه بالفضل كلِّه، وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالإيمان به، فحقَن به دماءكم المسفوكة، وأمّن به سُبُلَكم المَخُوفة، ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرّية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظمُ حقًّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله، ما كان ولا يكون لله أنتم! ألمْ ترَوْا ويبلغكم ما اجتُرِم إلى ابن بنت نبيِّكم! أما رأيتم إلى انتهاك القوم حُرمتَه، واستضعافِهم وحدَته، وترميلِهِم إيَّاه بالدّم، وتجرارهِمُوه على الأرض! لم يرقُبوا فيه ربّهم ولا قرابتَه من الرسول ﷺ ؛ اتّخذوه للنبل غرضًا، وغادروه للضّباع جَزَرًا، فلله عينًا من رأى مِثلَه! ولله حسين بن عليّ، ماذا غادروا به ذا صِدْق وصَبْر، وذا أمانة ونجدة وحزم! ابنُ أوّل المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول ربّ العالمين، قلَّت حُماته، وكثرت عُداتُه حولَه، فقتَلَه عدوُّه، وخذَلَه وليُّه، فويل للقاتِل، وملامة للخاذِل! إنَّ الله لم يجعل لقاتله حُجّة، ولا لخاذله مَعْذِرةً، إلَّا أن يناصِح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذَ القاسطين؛ فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة، ويُقيل العثرة؛ إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنَة نَبيّه، والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحلِّين والمارقين، فإن قُتلنا، فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظَهَرنا؛ ردَدْنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا.
стр. 3928
قال: وكان يعيد هذا الكلامَ علينا في كلّ يوم حتى حَفِظه عامّتنا.
قال: ووثب الناس على عمرو بن حُرَيث عند هلاك يزيدَ بن معاوية، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف الجُمَحيّ. وهو دُحْرُوجة الجُعَل الذي قال له ابنُ همّام السّلُوليّ:
اشددْ يديْك بزيدٍ إنْ ظفِرْتَ بِهِ ... واشفِ الأَرامِلَ من دُحْرُوجَةِ الجُعَلِ
وكان كأنه إبهامٌ قِصَرًا، وزيد مولاه وخازنُهُ، فكان يصلّي بالناس.
وبايع لابن الزبير، ولم يزل أصحاب سليمانَ بن صُرَد يدعون شعيتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيدَ بن معاوية أسرعَ منهم قبل ذلك، فلما مضت ستّة أشهر من هلاك يزيدَ بن معاوية، قدم المختارُ بن أبي عُبَيد الكوفة، فقدم في النصف من شهر رمضان يومَ الجمعة، قال: وقَدِم عبد الله بن يزيد الأنصاريّ ثمّ الخطميّ مِن قِبَل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثَغرِها، وقدم معه من قِبَل ابن الزبير إبراهيمُ بن محمَّد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج أميرًا على خَراج الكوفة، وكان قدوم عبد الله بن يزيدَ الأنصاريّ ثمّ الخطمي، يومَ الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وستّين.
قال: وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمَّد بثمانية أيام، ودخل المختار الكوفة، وقد اجتمعت رؤوس الشيعة ووجوهُها مع سليمان بن صُرَد فليس يَعدِلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة: هذا سليمان بن صُرَد شيخ الشيعة، قد انقادوا له واجتمعوا عليه، فأخذ يقول للشيعة: إني قد جئتكم من قِبل المهديّ محمَّد بن عليّ بن الحنفيَّة مؤتمنًا مأمونًا، منتجَبًا ووزيرًا، فوالله ما زال بالشّيعة حتى انشعبت إليه طائفةٌ تُعَظِّمُه وتجيبه، وتنتظر أمره، وعُظْمُ الشِّيعة مع سليمانَ بن صُرَد، فسليمان أثقل خلق الله على المختار.
وكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا؟ يعني: سليمان بن صُرَد - إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس له بصرٌ بالحروب، ولا له علمٌ بها.
стр. 3929
قال: وأتى يزيد بن الحارث بن يزيدَ بن رُوَيْم الشيبانيّ عبدَ الله بن يزيد الأنصاريّ فقال: إنَّ الناس يتحدّثون: أنّ هذه الشيعة خارجةٌ عليك مع ابن صُرَد، ومنهم طائفة أخرى مع المختار، وهي أقلّ الطائفتين عددًا، والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمرُ سليمان بن صُرَد، وقد اجتمع له أمره، وهو خارج من أيّامه هذه، فإن رأيت أن تَجمعَ الشُّرَط والمقاتِلَة ووجوه الناس، ثمّ تنهض إليهم، وننهض معك، فإذا دفعت إلى منزله دعوتَه، فإن أجابك فحَسْبُه، وإنْ قاتلك قاتلتَه، وقد جمعتُ له وعبأت وهو مغترّ، فإني أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى يخرج عليك أن تشتدّ شوكتُه، وأن يتفاقم أمرُه.
فقال عبد الله بن يزيد: اللهُ بيننا وبينهم، إنْ هم قاتلونا قتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم، حدِّثني: ما يريد الناس؟ قال: يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليّ؛ قال: فأنا قتلتُ الحسين! لعن اللهُ قاتِلَ الحسين! قال: وكان سليمان بن صُرَد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكُوفة، فخرج عبد الله بن يزيد حتى صَعِد المنبرَ، ثمَّ قام في الناس فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بعد، فقد بلغني: أنّ طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألتُ عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا: أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دُلِلتُ على أماكنهم، وأمِرت بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدؤوك، فأبيت ذلك، فقلت: إنْ قاتلوني قاتلتُهم، وإن تركوني لم أطلبهم؛ وعلامَ يقاتلونني! فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا، ولا أنا ممن قاتَلَه، ولقد أصِبْت بمقتله رحمة الله عليه! فإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ولينتشِروا ظاهرين ليسيروا إلى مَنْ قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا لَهم على قاتِلِه ظَهير؛ هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلِكم، قد توجّه إليكم؛ عَهْدُ العاهد به على مسيرة ليلة من جسر مَنبِج، فقتاله والاستعداد له أولى وأرشَد من أن تجعلوا باسَكم بينكم، فيقتل بعَضُكم بعضًا، ويسفك بعضُكم دماءَ بعض، فيلقاكم ذلك العدوّ غدًا وقد رققتم، وتلك والله أمنيّة عدوّكم، وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم، مَن ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين، لا يُقلِعان عن قتل أهل العَفاف والدّين، هو الذي قتلكم، ومن قِبَله أُتيتم، والذي قتل من
стр. 3930
تثأرون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم؛ إني لم آلُكُم نصحًا، جمع الله لنا كلمتَنا، وأصلح لنا أئمّتنا!
قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيُّها الناس، لا يغرّنَّكم لمن السيف والغشم مقالةُ هذا المُداهنِ الموادِع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنّه، ولئن استقينا أن قومًا يريدون الخروجَ علينا لنأخذنّ الوالد بولده، والمولودَ بوالده، ولنأخذنّ الحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته حتى يدِينوا للحقّ، ويذلُّوا للطاعة. فوثب إليه المسيِّب بن نَجَبة فقطع عليه منطقه ثم قال: يابن الناكثين! أنت تهدّدنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذلّ من ذلك؛ إنا لا نلومك على بغضنا، وقد قتلنا أباك وجدّك، والله إني لأرجو ألا يخرجك الله من بين ظهرانيْ أهل هذا المصر حتى يثلِّثوا بك جدّك وأباك، وأمّا أنت أيها الأمير فقد قلتَ قولًا سديدًا، وإني والله لأظنّ مَن يريد هذا الأمر مستنصحًا لك، وقابلًا قولَك.
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: إي والله! ليقتلنّ وقد أدهن ثمّ أعلن. فقام إليه عبد الله بن وال التيميّ، فقال: ما اعتراضُك يا أخا بني تيم بن مرّة فيما بيننا وبين أميرنا! فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لَك علينا سلطان، إنما أنت أميرُ الجِزْية، فأقبِل على خراجِك، فلعَمر الله لئن كنت مفسدًا ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدّك الناكثان، فكانت بهما اليدان، وكانت عليهما دائرة السَّوْء.
قال: ثم أقبل مسيِّب بن نَجَبَة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا: أمّا رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامَّة محمودًا وأن تكون عند الذي عَنَيْتَ واعتريت مقبولًا. فغضب أناسٌ من عمال إبراهيمَ بن محمد بن طلحة وجماعة مِمَّن كان معه، فتشاتموا دونه، فشتَمهم الناس وخصَموهم.
فلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل. وانطلق إبراهيم بن محمد وهو يقول: قد داهن عبد الله بن يزيد أهلَ الكوفة، والله لأكتبنّ بذلك إلى عبد الله بن الزبير، فأتى شَبَث بن رِبعيّ التيميّ عبدَ الله بن يزيد فأخبره بذلك، فركب به وبيزيد بن الحارث بن رُوَيم حتى دخل على إبراهيم بن محمد بن طلحة، فحلف له بالله ما أردتُ بالقول الذي سمعتَ إلا العافية وصلاحَ ذات البين، إنما أتاني يزيد بن الحارث بكذا وكذا، فرأيتُ أن أقوم فيهم بما سمعت إرادةَ ألّا تختلف
стр. 3931
الكلمة، ولا تتفرّق الألفة، وألّا يقع بأس هؤلاء القوم بينهم، فعَذَره وقَبِل منه.
قال: ثمّ إنَّ أصحاب سليمان بن صُرَد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين، ويتجهّزون يجاهرون بجهازهم وما يُصلِحهم (١). (٥: ٥٥٩ - ٥٦٣).
ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير
وفي هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارجُ الذين كانوا قَدِموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السَّكونيّ، فصاروا إلى البصرة، ثمّ افترقت كلمتُهم فصاروا أحزابًا.
ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير، والسبب الذي من أجله فارقوه، والذي من أجله افترقتْ كلمتهم:
حُدّثت عن هشام بن محمَّد الكلبيّ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ، قال: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركِب، وقد كان قبل ذلك لا يكفّ عنهم ولا يستبقيهم غير أنَّه بعد قتل أبي بلال تجرّد لاستئصالهم وهلاكِهم، واجتمعت الخوارجُ حين ثار ابن الزبير بمكّة، وسار إليه أهلُ الشام، فتذاكروا ما أتَى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إنَّ الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفَرَض عليكم فيه الجهاد، واحتجّ عليكم بالبيان، وقد جرّد فيكم السيوفَ أهلُ الظلم، وأولو العِدَا والغَشْم، وهذا من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأتِ البيت ونَلقَ هذا الرّجل، فإن يكن على رأينا جاهدْنا معه العدوّ، وإن يكن على غير رأينا دافعْنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير، فسُرّ بمقدَمهم، ونبّأهم أنَّه على رأيهم، وأعطاهم الرّضا من غير توقُّف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشام عن مكة، ثمّ إنَّ القوم لقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا: إنَّ هذا الذي صنعتم أمسِ بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنما كان أمسِ يقاتلكم
стр. 3932
هو وأبوه ينادي: يالَ ثارات عثمان! فَائْتوه وسَلُوه عن عثمان، فإنْ برئ منه؛ كان وليَّكم، وإن أبي كان عدوَّكم، فمشَوا نحوَه فقالوا له: أيها الإنسان، إنا قد قاتلنا معك، ولم نُفتِّشك عن رأيك حتى نعلم أمِنَّا أنت أم مِنْ عدوّنا! خبّرنا ما مقالتُك في عثمان؟ فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردتُ القيام، ولكن رُوحوا إليّ العشيّة حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون.
فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح، واحضرُوني بأجمعكم العشيّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حولَه سِمَاطَيْن عليهم السلاحُ، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشيَ الرجل غائلتَكم، وقد أزمع بخلافكم، واستعدّ لكم؛ ما تَرَوْن؟
فدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يابن الزبير! اتّق الله رّبك، وأَبْغِض الخائن المستأثر، وعادِ أوّل من سنّ الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالفَ حُكمَ الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك تُرْضِ ربَّك، وتَنْج من العذاب الأليم نفسُك، وإن تركتَ ذلك فأنت من الذين استمتَعوا بخَلاقِهم، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيِّباتِهم.
يا عبيدة بن هلال! صِف لهذا الإنسان ومن معه أسْرَنا الذي نحن عليه، والذي ندعو الناس إليه، فتقدّم عبيدة بن هلال (١). (٥/ ٥٦٣ - ٥٦٥).
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثني أبو علقمة الخثعمي عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافيّ، من خثعم، قال: أنا والله شاهدٌ عبيدة بن هلال؛ إذ تقدَّم فتكلّم، فما سمعت ناطقًا قطّ ينطق كان أبلغَ ولا أصوَبَ قولًا منه، وكان يرى رأيَ الخوارج.
قال: وإن كان لَيَجمع القولَ الكثير في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير.
قال: فحمِد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدًا ﷺ يدعُو إلى عبادة الله، وإخلاص الدّين، فدعا إلى ذلك، فأجابه المسلمون، فعمِل
стр. 3933
فيهم بكِتاب الله وأمرِه، حتى قبضه الله إليه ﷺ ، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عُمَر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنّة رسول الله، فالحمد لله ربّ العالمين، ثمّ إنَّ الناس استخلفوا عثمانَ بنَ عفان، فحمى الأحماءَ، وآثر القُربَى، واستعمل الفتى ورفع الدِّرّة، ووضع السَّوْط، ومزّق الكتاب، وحقّر المسلم، وضرب مُنْكِري الجوْر، وآوى طريدَ الرسول ﷺ ، وضرب السابقين بالفضل، وسَيَّرهم وحَرَمهم، ثمَّ أخذ فيءَ الله الذي أفاءه عليهم فقسَمه بين فُسّاقِ قريش، ومُجّان العرب، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، لا يُبالون في الله لومةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياءُ، ومن ابن عفان وأوليائه بُرآء، فما تقول أنت يا بن الزبير؟ ! قال: فحَمِد الله ابنُ الزبير وأثنى عليه تْمّ قال: أما بعد، فقد فهمتُ الذي ذكرتَ، وذكرتَ به النبيّ ﷺ ، فهو كما قلت ﷺ وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وُفِّقت وأصبت، وقد فهمتُ الذي ذكرتَ به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكانَ أحد من خلق الله اليوم أعلمَ بابن عفان وأمره منّي، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يَدعْ شيئًا استعتَبَهُ القوم فيه إلا أعتبهم منه، ثمَّ إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون: أنَّه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: ما كتبتُه، فإن شئتم فهاتوا بيّنتَكم؛ فإن لم تكن حلفتُ لكم؛ فوالله ماجاؤوه ببيّنة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبتَه به، فليس كذلك، بل هو لكل خيرٍ أهل، وأنا أشهِدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفّان في الدنيا والآخرة، وولّي أوليائه، وعدوّ أعدائه، قالوا: فبرئ اللهُ منك يا عدوّ الله! قال: فبرئ الله منكم يا أعداءَ الله!
وتفرّق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلّي، وعبد الله بن صَفّار السعديّ من بني صَرِيم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضًا من بني صريم، وحنظلة بن بَيْهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بني سَلِيط بن يربوع، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوتَ من بني زمَّان بن مالك بن صعب بن علّي بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فُدَيْك من بني قيس بن ثعلبة وعطيّة بن الأسود اليشكريّ إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثمّ أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفيّ، فأما البصريّون منهم فإنهم قَدِموا
стр. 3934
البصرة وهم مُجمِعون على رأي أبي بلال (١). (٥: ٥٦٥ - ٥٦٧)
قال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدّثني أبو المثنّى عن رجل من إخوانه من أهل البصرة، أنهم اجتمعوا فقالت العامَّة منهم: لو خرج منّا خارجون في سبيل الله، فقد كانت منّا فَترة منذ خرج أصحابُنا، فيقوم علماؤنا في الأرض، فيكونون مصابيحَ الناس يدعونهم إلى الدّين، ويخرج أهلُ الوَرَع والاجتهاد فيلحقون بالربّ، فيكونون شُهَداءَ مرزوقين عند الله أحياء.
فانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلاثمئة رجل، فخرج وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكَسْر الخوارج أبوابَ السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزْد، وربيعة، وبني تميم، وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغالَ الناس بعضهم ببعض، فتهَيّؤوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهلُ البَصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلِّي بهم، وخرج ابن زياد إلى الشام، واصطلحت الأزْد وبنو تميم، فتجرّد الناس للخوارج، فاتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة، فلَحِق بابن الأزرق، إلا قليلًا منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبُد الله بن صَفّار، وعبدُ الله بن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما، ونظر نافع بن الأزرق ورأى: أنّ ولايةَ من تخلّف عنه لا تنبغي، وأنّ من تخلَّف عنه لا نجاةَ له، فقال لأصحابه: إنَّ الله قد أكرمكم بمُخرَجكم، وبصّركم ما عَمِيَ عنه غيرُكم؛ ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته، وأمرَه؟ ! فأمرُه لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سُننَه وأثره، فقالوا: بلى! فقال: أليس حكمُكم في وليِّكم حكم النبيّ ﷺ في وليّه، وحكمُكم في عدوّكم حكم النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوّه، وعدوّكم اليوم عدوّ الله وعدوّ النّبيِّ ﷺ ، كما أنّ عدوّ النبيّ ﷺ يومئذ هو عدوّ الله وعدوّكم اليوم؟ ! فقالوا: بلى، قال: فقد أنَزل الله ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقد حرّم الله ولايتَهم، والمُقَامَ
стр. 3935
بين أظهُرهم، وإجازةَ شهادتهم، وأكلَ ذبائحهم وقبول علم الدّين عنهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وقد احتجّ الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نُعلِّم هذا الدّينَ الذين خرجْنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل الله، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميعُ أصحابه.
فكتب: من عُبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفّار، وعبد الله بن إباض، ومن قِبلَهما من الناس، سلامٌ على أهل طاعة الله من عباد الله، فإنّ من الأمر كيتَ وكيتَ؛ فقصّ هذه القصّة، ووصف هذه الصفة، ثمّ بعث بالكتاب إليهما، فأتيَا به، فقرأه عبد الله بن صفّار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشيةَ أن يتفرّقوا، ويختلفوا، فقال له عبدُ الله بن إباض: ما لَكَ للهِ أبوك! أيَّ شيء أصبْت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسِر بعضهم! فدفَع الكتابَ إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله! أيَّ رأي رأى! صَدق نافع بن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوبَ الناس رأيًا وحُكمًا فيما يشير به، وكانت سيرتُه كسِيرة النبيّ ﷺ في المشركين، ولكنه قد كذَب، وكذَّبنَا فيما يقول، إنَّ القوم كفار بالنِّعم والأحكام، وهم بُرآء من الشِّرْك، ولا تَحلّ لنا إلا دماؤهم، وما سِوَى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفّار: برئ اللهُ منك، فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا، برئ الله منكما جميعًا؛ وقال الآخر: فبرئ الله منك ومنه.
وتفرّق القوم، واشتدّت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جُمُوعه، وأقبل نحوَ البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عُبيس بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة (١). (٥: ٥٦٧ - ٥٦٩).
стр. 3936
ذكر الخبر عن مقتل أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قَتَلَ بُكيرُ بنُ وِشاح السعديّ أميةَ بنَ عبد الله بن خالد بن أسيد:
* ذكر سبب قتله إيّاه:
وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد - أنّ أمية بن عبد الله وهو عاملُ عبدِ الملك بنِ مروانَ على خُراسان، ولَّى بكيرًا غزوَ ما وراءِ النهر، وقد كان ولاه قبل ذلك طُخارسْتان، فتجهّز للخروج إليها، وأنفق نفقةً كثيرةً فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصُرَيميّ على ما بيّنت قبلُ، فأمَره أميّة بالمقام.
فلما ولّاه غزوَ ما وراء النهر تجهّز وتكلف الخيل والسلاح، وادّان من رجالٍ الشُغْد وتجارِهم، فقال بحير لأميَّة: إنْ صار بينك وبينه النهر ولقي الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه أمية: أقم لَعَلِّي أغزو فتكون معي، فغضب بكير، وقال: كأنه يُضارّني، وكان عتابُ اللِّقْوة الغُدَانيّ استدان ليخرج مع بكير، فلما أقام أخذه غرماؤه، فحبِس فأدّى عنه بُكير وخرج، ثمّ أجمع أميَّة على الغَزْو، قال: فأمر بالجهاز ليغزوَ بخارَى، ثمّ يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالتِّرْمِذ، فاستعدّ الناسُ وتجهّزوا، واستخلف على خُراسان ابنَه زيادًا، وسار معه بكير فعسكَر بكُشْماهَن، فأقام أيامًا، ثمّ أمر بالرحيل، فقال له بحير: إنّي لا آمن أن يتخلف الناس فقل لبُكَير: فلتكن في الساقة ولتحشر الناس، قال: فأمَره أميَّة فكان على الساقة حتى أتى النهر، فقال له أمية: اقطع يا بكير؛ فقال عتّاب اللِّقوة الغُدانيّ: أصلَحَ الله الأمير! اعبر ثمّ يَعبرُ الناسُ بعدَك، فعبَر ثمّ عبَر الناس، فقال أمية لبكير: قد خفت ألَّا يضبط ابني عمله وهو غلام حَدث، فارجع إلى مروَ فاكفِنيها فقد ولّيتُكَها فزيِّن ابني وقم بأمرِه، فانتخب بكير فُرسانًا من فُرسان خُراسان قد كان عرفهم ووَثِق بهم وعبرَ، ومضى أمية إلى بُخارَى وعلى مقدّمته أبو خالد ثابت مولى خُزاعة، فقال عتّاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية: إنا قتلْنا أنفسَنا وعشائرَنا حتى ضبطْنا خُراسان، ثمَّ طلبنا أميرًا من قُريش يجمع أمرنا، فجاءنا أميرٌ يَلعَب بنا يحوّلنا من سجن إلى سجن، قال: فما ترى؟
стр. 3937
قال: احرقْ هذه السفن، وامضِ إلى مَرْوَ فاخلع أمية، وتقيم بمروَ تأكلها إلى يوم ما؛ قال: فقال الأحنف بن عبد الله العنبريّ: الرأي ما رأى عتّاب، فقال بكير: إنّي أخاف أن يَهلِك هؤلاء الفُرسان الذين معي، فقال: أتخاف عدم الرّجال! أنا آتيك من أهل مروَ بما شئت إنْ هلك مِنْ هؤلاء الذين معك، قال: يهلك المسلمون؛ قال: إنما يكفيك أن ينادي منادٍ: مَن أسلمَ رفعْنا عنه الخَراج فيأتيك خمسون ألفًا من المصلين أسَمع لك من هؤلاء وأطَوع؛ قال: فيهلك أميةُ ومَن معه؛ قال: ولِمَ يهلِكون ولهم عُدّة وعَدَد ونَجْدة وسلاح ظاهر، وأداة كاملة، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فأحرَق بكير السفُن، ورجع إلى مَرْوَ، فأخذ ابن أمية فحبسه، ودعا الناسَ إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ أمية، فصالح أهل بُخارى على فِدْية قليلة، ورجع فأمر باتخاذ السفن، فاتُّخذت له وجُمعت، وقال لمن معه من وجوه تميم: ألا تعجبون من بكير! إنّي قدمتُ خُراسانَ فحذّرته، ورُفع عليه وشُكي منه، وذكروا أموالًا أصابها، فأعرضت عن ذلك كله، ثمَّ لم أفتشه عن شيء ولا أحدًا من عُمّاله، ثمّ عرضت عليه شرطتي فأبَى، فأعفيته، ثمّ وليته فحُذِّرته، فأمرتُه بالمُقام، وما كان ذلك إلا نظرًا له، ثمّ رددته إلى مروَ، وولّيته الأمر، فكفر ذلك كلَّه، وكافأني بما ترون، فقال له قوم: أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه، إنما أشار عليه بإحراق السفن عتابُ اللِّقوة، فقال: وما عتّاب! وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة، فبلغ قولُه عتابًا، فقال عتاب في ذلك:
إنَّ الحَواضِنَ تلقاها مجفَّفةً ... غُلْبَ الرِّقاب على المنسوبةِ النُّجُبِ
تركتَ أمرَك من جُبْنٍ ومن خَوَرٍ ... وجئتَنَا حُمُقًا يا أَلأَمَ العربِ
لما رَأيتَ جبالَ السُّغْدِ مُعْرضةً ... ولَّيتَ موسى ونوحًا عُكْوةَ الذَّنَبِ
وجئتَ ذيخًا مُغِذًّا ما تُكلمُنا ... وطِرْتَ من سَعَفِ البحرينِ كالخَرب
أَوعِدْ وعِيدكَ إني سوف تَعرِفني ... تحتَ الخوافِقِ دون العارض اللجِبِ
يَخُبُّ بي مشرفٌ عار نواهقهُ ... يغْشَى الكتيبةَ بين العَدْوِ والخَببِ
قال: فلمّا تهيأت السفن، عبَرَ أمية وأقبَلِ إلى مروَ، وترك موسى بن عبد الله، وقال: اللهمّ إني أحسنت إلى بُكير، فكفر إحساني، وصنع ما صنع، اللهم اكفنيه.
стр. 3938
فقال شمّاس بن دثار - وكان رجع من سجِسْتانَ بعد قتل ابن خازم، فغزا مع أمية: أيها الأمير، أنا أكفيكه، إن شاء الله، فقدَّمَه أميةُ في ثمانمئة، فأقبَل حتى نزل باسان وهي لبني نصر، وسار إليه بكيرٌ ومعه مُدركُ بن أنيف وأبوه مع شماس، فقال: أما كان في تميم أحدٌ يحاربني غيرك! ولامَه، فأرسل إليه شماس: أنت ألوَم وأسوأ صنيعًا مني، لم تَفِ لأمية ولم تشكر له صنيعَه بك؛ قَدم فأكرمك ولم يَعرِض لك ولا لأحد من عمّالك.
قال: فبيّته بكير ففرّق جمعَه، وقال: لا تَقتلُوا منهم أحدًا، وخذوا سلاحَهم، فكانوا إذا أخذوا رجلًا سلَبوه وخلّوا عنه، فتفرّقوا، ونَزَل شماس في قرية لطّيئ يقال لها: بُوينَه، وقدِم أمية فنزل كَشْماهن، ورجع إليه شمّاس بنُ دِثار فقدّم أمية ثابتَ بن قطبة مولى خُزاعة، فلقيَه بكير فأسر ثابتًا وفرّق جمعَه، وخلى بكير سبيلَ ثابت لِيَدٍ كانت له عنده.
قال: فرجع إلى أمية، فأقبل أمية في الناس، فقاتله بكير وعلى شُرطة بكير أبو رُستم الخليل بن أوْس العَبْشَميّ، فأبلى يومئذ، فنادَوه: يا صاحب شرطة عارمة - وعارمةُ جاريةُ بكير - فأحجمَ، فقال له بكير: لا أبَالَك، لا يَهدّك نداءُ هؤلاء القوم، فإنّ للعارمة فَحْلا يمنعها، فقدّمْ لواءَك، فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط، فنزل السوقَ العتيقة، ونزل أمية بَاسَان فكانوا يلتقون في ميدانِ يَزيدَ، فانكشفوا يومًا، فحماهم بكير، ثمّ التقَوا يومًا آخر في الميدان، فضرب رجلٌ من بني تميم على رجله فجعل يَسحبها، وهُريم يَحمِيه، فقال الرجل: اللهمّ أيِّدنا فأمِدَّنا بالملائكة، فقال له هُريم: أيها الرّجل، قاتلْ عن نفسك، فإنّ الملائكة في شُغْل عنك، فتَحامَلَ ثمّ أعاد قولَه: اللهمّ أمِدّنا بالملائكة، فقال هُريم: لتكُفنّ عني أو لأدعنّك والملائكة، وحماهُ حتى ألحقَه بالناس، قال: ونادى رجلٌ من بني تميم: يا أميةُ، يا فاضحَ قريش؛ فآلى أمية إنْ ظَفِر به أن يذبحه، فَظفِر به فذبحه بين شُرْفَتَيْن من المدينة، ثمّ التقَوا يومًا آخر، فضرب بكير بن وشاح ثابتَ بن قطبة على رأسه وانتمَى: أنا ابنُ وشاح؛ فحمل حُريث بن قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير، وانكشف أصحابُه، وأتبع حُريث بكيرًا حتى بلغ القنطرة، فناداه: أين يا بكير؟ فكرّ عليه، فضَرَبَه حريثٌ على رأسه،
стр. 3939
فقطع المِغفَر، وعضّ السيفُ برأسه، فصُرع، فاحتمَلَه أصحابُه، فأدخَلوه المدينة.
قال: فكانوا على ذلك يقاتلونهم، وكان أصحابُ بكير يَغدُون متفضِّلين في ثياب مصبَّغة، وملاحفَ وأزُر صُفْر وحُمْر، فيجلسون على نواحي المدينة، يتحدَّثون، وينادي منادٍ: مَن رَمى بسهم رَمَيْنا إليه برأس رجل من ولدِه وأهلِه؛ فلا يرميهم أحد.
قال: فأشفق بكير، وخاف إن طال الحصار أن يخذُله الناس، فطلب الصّلح، وأحبّ ذلك أيضًا أصحابُ أمية لمكان عِيالاتهم بالمدينة، فقالوا لأمية: صالِحْه - وكان أمية يحبّ العافية - فصالحه على أن يقضيَ عنه أربعمئة ألف، ويَصِلَ أصحابَه ويولّيه أيضًا أيّ كُوَر خُراسانَ شاء، ولا يسمع قولَ بَحِير فيه، وإن رابَه منه رَيْب فهو آمِن أربعين يومًا حتى يخرج عن مروَ، فأخذ الأمان لبكير من عبد الملك، وكَتَب له كتابًا على باب سِنْجان، ودخل أميّةُ المدينة.
قال: وقوم يقولون: لم يخرج بكير مع أمية غازيًا، ولكنّ أمية لما غزا استخلفه على مروَ فخلعه، فرجع أميّةُ فقاتَله، ثمّ صالحه ودخَل مروَ ووفَى أميةُ لبكير، وعاد إلى ما كان عليه من الإكرام وحُسْن الإِذن، وأرسَل إلى عتَّاب اللقوة، فقال: أنت صاحبُ المَشُورة: فقال: نعَم أصلحَ الله الأمير! قال: ولِمَ؟ قال: خف ما كان في يدي، وكَثُر دَيْني، وأعديت على غرمائي؛ قال: وَيْحك! فضربْت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدوّ، وما خفت الله! قال: قد كان ذلك، فاستغفرِ الله، قال: كم دينُك؟ قال: عشرون ألفًا؛ قال: تكفّ عن غِشّ المسلمين وأقضِي دينَك؟ قال: نعم، جعلني الله فِداك! قال: فَضحِك أميَّة وقال: إنَّ ظني بك غير ما تقول، وسأقضي عنك، فأدّى عنه عشرين ألفًا، وكان أمية سهلًا لينًا سخيًّا، لم يُعط أحدٌ من عُمال خُراسان بها مثل عطاياه؛ قال: وكان مع ذلك ثقيلًا عليهم، كان فيه زَهْو شديد، وكان يقول: ما أكتفِي بخُراسان وسِجِسْتان لمَطْبخى، وعَزل أميةُ بحيرًا عن شرطته، وولّاها عطاءَ بن أبي السائب، وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمرِ بكير وصفحِه عنه، فضرب عبدُ الملك بَعْثًا إلى أميّة بخُراسان فتَجاعَلَ الناس، فأعطَى شقيقَ بن سَليل الأسديّ جعَالَته رَجُلًا من جَرْم، وأخذ أمية الناس بالخراج، واشتدّ عليهم فيه،
стр. 3940
فجلس بكير يومًا في المسجد وعنده ناسٌ من بني تميم، فذكروا شِدّة أمية على الناس، فذمّوه، وقالوا: سلّط علينا الدّهاقين في الجباية وبَحِير وضِرار بن حُصَين وعبد العزيز بن جارية بن قُدامة في المسجد، فنقل بَحِير ذلك إلى أمية فكذّبه فادّعى شهادة هؤلاء، وادّعى شهادة مُزاحم بن أبي المُجشر السلميّ، فدعا أميةُ مزاحمًا فسأله فقال: إنما كان يمزَح، فأعرض عنه أمية، ثمَّ أتاه بحير فقال: أصلح الله الأمير! إنَّ بكيرًا والله قد دعاني إلى خَلعك، وقال: لولا مَكانك لقتلتُ هذا القرشيّ وأكلتُ خُراسانَ، فقال أميَّة: ما أصدَق بهذا وقد فعل ما فعل؛ فآمنتُه ووصَلْته.
قال: فأتاه بضِرار بن حُصين وعبد العزيز بن جارية فشهدا أنّ بكيرًا قال لهما: لو أطعتُماني لقتلتُ هذا القرشيّ المخنَّث، وقد دعانا إلى الفَتْك بك، فقال أمية: أنتم أعلم وما شهِدْتم، وما أظُنّ هذا به وإن تركه، وقد شهدتم بما شهدتم عجزٌ؛ وقال لحاجبه عبيدة ولصاحبِ حَرسِه عطاء بن أبي السائب: إذا دخل بكير، وبدل وشمردل ابنا أخيه، فنهضتُ فخذوهم، وجلس أمية للناس وجاء بكير وابنا أخيه، فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل، وخرج الناس وخرج بكير، فحبسوه وابنَيْ أخيه، فدعا أمية ببكير فقال: أنت القائل كذا وكذا؛ قال: تَثَبَّت أصلحك الله، ولا تسمعنّ قول ابنِ المحلوقة" فحَبَسه، وأخذ جاريته العارمَة فحبَسها، وحبَس الأحنف بن عبد الله العنبريّ، وقال: أنت ممن أشار على بُكَير بالخَلْع.
فلما كان من الغد أخرج بُكَيرًا فشهد عليه بحيرٌ وضِرار وعبد العزيز بن جارية أنَّه دعاهم إلى خلْعه والفتكِ به، فقال: أصلحك الله! تثبّتْ فإنّ هؤلاء أعدائي، فقال أمية لزياد بن عُقْبة - وهو رأسُ أهل العالية - ولابن والان العدويّ - وهو يومئذ من رؤساء بني تميم - وليعقوب بن خالد الذّهليّ: أتقتلونه؟ فلم يجيبوه؛ فقال لبَحِير: أتقتُلُه؟ قال: نعم، فدفعه إليه، فنهض يعقوبُ بن القَعْقاع الأعْلم الأزْديّ من مجلسه - وكان صديقًا لبُكير - فاحتَضَن أميّة، وقال: أذكّرك اللهَ أيها الأمير في بكير، فقد أعطيتَه ما أعطيتَه من نفسك، قال: يا يعقوب ما يقتله إلا قومه، شهدوا عليه، فقال عطاءُ بن أبي السائب الليثيّ وهو على حَرَس أميّة: خلّ عن الأمير؛ قال: لا، فضَرَبه عطاء بقائم السيف، فأصاب أنفه فأدماه،
стр. 3941
فخرج، ثمّ قال لبحِير: يا بحير، إنَّ الناس أعطوا بكيرًا ذمّتهم في صلحه، وأنت منهم، فلا تخفر ذمّتك؛ قال: يا يعقوب ما أعطيته ذمّةً، ثمّ أخذ بحير سيفَ بكير الموصول الذي كان أخذه من أسوار الترجمان تَرْجُمان ابن خازم، فقال له بكير: يا بحير، إنك تُفرّق أمرَ بني سعد إن قتلْتني، فدَع هذا القرشيّ يلي مني ما يريد؛ فقال بحير: لا والله يا بن الإصبهانية لاتصلح بنو سعد ما دُمنا حيَّيْن، قال: فشأنك يا بن المحلوقة، فقتَلَه، وذلك يوم جمعة.
وقتَل أمية ابني أخي بكير، ووهب جارية بكير العارمةَ لبَحير، وكلِّمَ أمية في الأحنف بن عبد الله العنبريّ، فدعا به من السجن، فقال: وأنتَ ممن أشار على بُكَير، وشَتَمه، وقال: قد وهبتُك لهؤلاء، قال: ثمّ وجّه أميّةُ رجلًا من خُزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتَله عمرو بن خالد بن حُصين الكلابيّ غِيلةً، فتفرّق جيشهُ؛ فاستأمن طائفةٌ منهم موسى، فصاروا معه، ورجع بعضُهم إلى أمية (١). (٦/ ٣١١ - ٣١٧).
وفي هذه السنة عبر النهرَ، نهرَ بَلخْ أمية للغَزْو، فحُوصِر حتى جُهِد هو وأصحابه، ثمّ نجوْا بعدما أشرَفوا على الهلاك؛ فانصرف والذين معه من الجُنْد إلى مروَ، وقال عبد الرحمن بنُ خالدِ بن العاص بنِ هشام بن المغيرة يهجو أميّة:
ألَا أَبلغْ أُميةَ أَنْ سيُجزَى ... ثَوابَ الشَّرِّ إنَّ له ثَوابَا
ومَن يَنظر عتابَكَ أَو يُرِدْهُ ... فلستُ بناظر منكَ العِتَابَا
محا المعروفَ منك خلالُ سَوْءٍ ... مُنحتَ صَنِيعَهَا بابًا فبابَا
ومَن سَمَّاكَ إذْ قسَم الأَسامِى ... أُميةَ إِذ وُلِدتَ فقد أَصَابا
(٦/ ٣١٧ - ٣١٨)
ثمَّ دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتْبيل
وفيها غزا عُبيد الله بن أبي بكرة رُتْبيل.
стр. 3942
ذكر الخبر عن غزوته إيّاه:
قال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي المُخارق الراسبيّ، قال: لما ولَّى الحجّاجُ المهلَّبَ خرُاسانَ، وعبيد الله بن أبي بَكْرة سجستانَ، مضى المهلَّب إلى خُراسان وعبيد الله بن أبي بَكرة سجستانَ، وذلك في سنة ثمان وسبعين. فمكث عبيد الله بن أبي بَكْرة بقية سنته. ثمّ إنه غزا رُتْبيل وقد كان مصالحًا، وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خرَاجًا، وربَّما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجاج إلى عُبيد الله بن أبي بَكْرة أنْ ناجزْه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيحَ أرضَه، وتَهدم قِلاعَه، وتَقتُل مُقاتلته، وتَسبي ذرّيته. فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهلِ البَصرة، وكان على أهل الكوفة شُرَيح بن هانئ الحارثيّ ثمّ الضبّانيّ، وكان من أصحاب عليّ، وكان عُبيد الله على أهل البَصْرة، وهو أمير الجماعة، فمضى حتى وَغَل في بلاد رُتْبيل، فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء وَهدّم قلاعًا وحصُونًا، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة، وأصحاب رُتْبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض، حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم، وكانوا شها ثمانية عشر فرسخًا، فأخذوا على المسلمين العقابَ والشِّعاب، وخلّوهم والرَّساتيق، فسُقط في أيدي المسلمين، وظنوا أنْ قد هلكوا، فبعث ابن أبي بَكرْة إلى شُرَيح بن هانئ: إنّي مصالح القوم على أن أعطِيَهم مالًا، ويخلوا بيني وبين الخروج، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمئة ألف درهم، فلقيَه شُريح فقال: إنك لا تصالح على شيء إلا حَسبه السلطان عليكم في أعطياتكم، قال: لو منُعنا العطاءَ ما حَييِنا كان أهوَن علينا من هلاكنا؛ قال شُريح: والله لقد بلغتُ سنًّا، وقد هلكتْ لِدَاتي. ما تأتي عليّ ساعة من ليل أو نهار فأظنّها تمضي حتى أموت، ولقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان، ولئن فاتتني اليومَ ما أخالني مُدْركها حتى أموت، وقال: يا أهل الإِسلام، تعاونوا على عدوّكم؛ فقال له ابن أبي بَكْرة: إنك شيخ قد خَرِفْتَ، فقال شريح: إنما حسبك أن يقال: بُستان ابن أبي بَكْرة وحمَام ابن أبي بَكْرة يا أهل الإِسلام، من أراد منكم الشهادة فإليّ. فأتبعه ناسٌ من المتطوّعة غير كثير، وفرُسان الناس وأهل الحِفاظ، فقاتلوا حتّى أصيبوا إلا قليلًا، فجعل شُريح يرتجز يومئذ ويقول:
стр. 3943
أصبحتُ ذا بَثٍّ أُقاسي الكِبرَا ... قد عِشتُ بين المشركين أَعصُرَا
ثمَّتَ أدركتُ النبيَّ المُنذِرا ... وبعدَه صِدِّيقَهُ وعَمرَا
ويومَ مِهرانَ ويومَ تُستَرَا ... والجَمْعَ في صِفِّينهِم والنَّهَرَا
وباجُمَيْرَاتٍ مع المُشَقَّرا ... هيهاتَ ما أطوَلَ هذا عُمُرا
فقاتل حتى قُتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا، فخرجوا من بلاد رُتْبيل حتى خرجوا منها، فاستقبلَهم مَن خرجوا إليهم من المسلمين بالأطعمة، فإذا أكلَ أحدُهم وشبِع مات، فلما رأى ذلك الناسُ حذروا يطعمونهم، ثمّ جعلوا يطعمونهم السَّمْن قليلًا قليلًا، حتى استمرؤوا. وبلغ ذلك الحجاج، فأخذه ما تقدَّم وما تأخّر، وبلغ ذلك منه كلّ مبلغ، وكتب إلى عبد الملك:
أما بعد: فإنّ جُند أمير المؤمنين الذين بسِجستان أصيبوا فلم يَنج منهم إلا القليل، وقد اجترأ العدوّ بالذي أصابه على أهل الإِسلام فدخلوا بلادَهم، وغلبوا على حصونهم وقصورهم، وقد أردت أن أوجّه إليهم جندًا كثيفًا من أهل المِصرَين، فأحببتُ أن أستطلع رأيَ أمير المؤمنين في ذلك فإنْ رأى لي بعثةَ ذلك الجند أمضيْتُه، وإن لم يَرَ ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده، مع أني أتخوَّف إن لم يأت رُتْبيل ومن معه من المشركين جندٌ كثيف عاجلًا أن يستوْلُوا على ذلك الفَرْج كلِّه (١). (٦/ ٣٢٢ - ٣٢٤).
ثمَّ دخلت سنة ثمانين ذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل
وفي هذه السنة وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك، وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه إياه إليها، وأين كان عبدُ الرحمن يومَ ولّاه الحجّاج سجستان وحرب رُتْبيل؛ فأما يونس بن إسحاق - فيما حدّث هشام، عن أَبي مِخنَف عنه - فإنَّه ذَكر أنَّ عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجّاج بن يوسف بخبر الجيش الذي كان مع عُبيد الله بن أبي بَكْرة في بلاد رُتْبيل وما لَقُوا بها كتب إليه: أما بعد، فقد أتاني كتابُك تَذكُر فيه مُصاب
стр. 3944
المسلمين بسجستانَ وأولئك قومٌ كَتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى الله ثوابهم. وأما ما أردت أن يأتيك فيه رأيي من توجيه الجنود وإمضائها إلى ذلك الفرْج الذي أصيب فيه المسلمون أو كفّها، فإنّ رأيي في ذلك أن تُمضِيَ رأيَك راشدًا موفَّقًا.
وكان الحجّاج وليس بالعراق رجلٌ أبغضَ إليه من عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قطّ إلا أردتُ قتلهَ (١). (٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني نمير بن وَعْلة الهَمْدانيّ، ثمَّ اليناعيّ عن الشعبيّ، قال: كنت عند الحجاج جالسًا حين دخل عليه عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مشيَته، والله لَهممتُ أن أضربَ عنقه. قال: فلما خرج عبد الرّحمن خرجت فسبقتُه وانتظرته على باب سعيد بن قيس السَبيعيّ، فلما انتهى إليّ قلت: ادخل بنا الباب، إني أريد أن أحدثك هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجّاج. فقال: نعم، فأخبرتُه بمقالة الحجاج له؛ فقال: وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزِيلهَ عن سلطانه، فأجهَد الجهد إذ طال بي وبه بقاء.
ثمّ إنَّ الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البَصْرة، وجدّ في ذلك وشمّر، وأعطى الناس أعطياتَهم كمَلًا، وأخذهم بالخيول الرّوائع، والسلاح الكامل، وأخذ في عرض الناس، ولا يرى رجلًا تُذكرَ منه شجاعةٌ إلا أحسن معونَته، فمرّ عبيد الله بن أبي محْجن الثقفيّ على عباد بن الحصين الحَبَطيّ، وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن بن أم الحَكمَ الثقفيّ، وهو يَعرض الناس، فقال عبّاد: ما رأيت فرسًا أرْوعَ ولا أحسن من هذا، وإنّ الفرس قوّة وسلاح وإنّ هذه البغلة عَلنْداة، فزاده الحجاج خمسين وخمسمئة درهم، ومرّ به عطية العنبريّ، فقال له الحجاج؛ يا عبد الرّحمن، أحسنْ إلى هذا. فلما استَتَبّ له أمرُ ذَيْنك الجندَين، بعث الحجاج عطارد بن عمرَ التميميّ فعَسكرَ بالأهواز، ثمّ بعث عُبيد الله بن حجَر بن ذي الجوشن العامريّ من
стр. 3945
بني كلاب. ثمَّ بدا له، فبعث عليهم عبدَ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث وعزل عبيد الله بن حجر، فأتَى الحجاجَ عمُّه إسماعيلَ بن الأشعث، فقال له: لا تبعثه فإني أخاف خلافَه، والله ما جازَ جسر الفرات قطّ فرأى لوالٍ من الوُلاة عليه طاعةً وسلطانًا. فقال الحجاج: ليس هناك، هُو لي أهيَب وفيَّ أرغَب من أن يخالف أمري أو يخرج من طاعتي؛ فأمضاه على ذلك الجيش، فخرج بهم حتى قدم سِجستان سنة ثمانين؛ فجمع أهلَها حين قَدِمَها (١). (٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو الزّبير الأرحَبيّ - رجل من هَمْدان كان معه - أنَّه صَعد منبرَها فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أيها الناس، إنَّ الأمير الحجّاج ولّاني ثغرَكم، وأَمَرَني بجهاد عدوّكم الذي استباح بلادكم وأباد خيارَكم، فإياكم أن يتخلّف منكم رجل فيُحل بنفسه العقوبة، اخرجُوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس. فعسكر الناسُ كلهم في معسكرهم ووضعت لهم الأسواق، وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب، فبلغ ذلك رُتبيل، فكتَبَ إلى عبد الرحمن بن محمَّد يعتذر إليه من مُصاب المسلمين ويخبره أنَّه كان لذلك كارهًا، وأنهم ألجؤوه إلى قتالهم، ويسأله الصّلح ويَعرض عليه أن يَقبلَ منه الخراج، فلم يُجبه، ولَم يقبَل منه. ولَم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود إليه حتى دخل أوّل بلاده، وأخذ رُتْبيل يضمّ إليه جندَه، ويدع له الأرض رُستاقًا رستاقًا، وحصنًا حصنًا، وطفق ابن الأشعث كلما حوَى بلَدًا بعث إليه عاملًا، وبعَثَ معه أعوانًا، ووضع البُرُد فيما بين كل بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العِقاب والشعاب، ووضع المَسالح بكلّ مكان مخوف، حتى إذا جاز من أرضه أرضًا عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناسَ عن الوُغول في أرض رُتْبيل وقال: نكتفي بما أصبْناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، وتجترئ المسلمون على طُرقها، ثمّ نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثمّ لم نزل نتنقّصهم في كلّ عام طائفةً من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريِّهم، وفي أقصى بلادهم، وممتنَع حصونهم، ثمَّ لا نزايل بلادهم حتى يُهلكهم الله.
стр. 3946
ثمَّ كتب إلى الحجّاج بما فتح الله عليه من بلاد العدوّ، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم. (٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
وأما غيرُ يونس بن إسحاق وِغيرُ من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الأشعث فإنَّه قال في سبب ولايته سجستانَ ومسيره إلى بلاد رُتْبيل غير الذي رويت عن أبي مخنَف، وزَعم أَن السبب في ذلك كان أن الحجاج وجّه هميان بن عديّ السدوسيّ إلى كرمانَ، مَسلَحة لها ليمد عاملَ سجستانَ والسِّند إن احتاجا إلى مَدَد، فعصى هِمْيان ومن معه، فوجّه الحجاج ابن الأشعث في محاربته فهزمه، وأقام بموضعه (١). (٦/ ٣٢٩).
ومات عُبيد الله بن أبي بَكْرة، وكان عاملًا على سِجستان، فكتب الحجاج عهدَ ابن الأشعث عليها، وجهَّز إليها جيشًا أنفق عليهم ألفَي ألف سوى أعطياتهم، كان يُدعى جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رُتْبيل (٦/ ٣٢٩).
ثمَّ دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن مقتل بَحِير بن ورقاءَ بخراسان
وفي هذه السنة قُتل بحير بن ورقاء الصُّريميّ بخُراسان.
ذكر الْخبر عن مقتله:
وكان سببُ قتله أنّ بَحيرًا كان هو الذي تولى قَتل بُكَير بن وشاح بأمرِ أمية بن عبد الله إياه بذلك، فقال عثمان بنُ رجاء بن جابر بن شدّاد أحدُ بني عَوف بن سعد من الأبناء يحضّ رجلًا من الأبْناء من آل بُكَير بالوِتْر:
لعَمْري لَقَدْ أَغْضَيْتَ عَيْنًا عَلَى القَذَى ... وبِتَّ بَطِينًا من رَحِيقٍ مُرَوَّقِ
وخَلَّيْتَ ثَأرًا طُلَّ واختَرتَ نَوْمةً ... ومَن شرب الصَّهْبَاءَ بالوِتْرِ يُسْبَقِ
فلو كنْتَ مِنْ عوْفِ بن سعدٍ ذُؤابَةً ... ترَكْتَ بَحِيرًا في دَم مُتَرَقرِقِ
فقل لبَحِيرٍ نَمْ ولا تخشَ ثائرًا ... بعَوفٍ فعوفٌ أهلُ شاةٍ حَبَلَّقِ
стр. 3947
دَع الضأْنَ يومًا قد سُبِقْتُم بوِترِكمْ ... وصرتُم حَدِيثًا بيْنَ غَربٍ ومَشْرقِ
وَهُبّوا فلو أَمسى بُكَيْرٌ كعَهْدِهِ ... صحيحًا لَغَادَاهم بِجَأواءَ فَيلَقِ
وقال أيضًا:
فلو كان بكرٌ بارِزًا في أَداتِهِ ... وذي العَرْشِ لم يُقْدِم عليه بَحِيرُ
ففي الدهر إنْ أَبْقَانِيَ الدَّهرُ مَطلَبٌ ... وفي الله طَلَّابٌ بذاكَ جديرُ
وبلغ بَحِيرًا أنّ الأبناء يتوعّدونه، فقال:
توعَّدني الأَبناءُ جَهْلًا كأَنما ... يَرَون فِنائِي مُقْفِرًا من بني كعبِ
رفَعْتُ له كفِّي بحدّ مُهنَّد ... حُسامٍ كلون المِلح ذي رَوْنَقٍ عَضْبِ
فذكر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد، أن سبعة عشر رجلًا من بني عوف بن كعب بن سعد تعاقَدوا على الطلب بدمِ خُراسان، فنظر إلى بحير واقفًا، فشدّ عليه فطعنه فصرَعه، فظن أنَّه قد قتله، وقال الناس: خارجيّ، فراكَضَهم، فعثَر فرسُه فنَدر عنه فقُتِل.
ثمّ خرج صَعْصعة بن حُرب العَوْفيّ، ثمّ أحد بني جُندُب، من البادية وقد باع غُنَيْماتِ له، واشترى حمارًا، ومضى إلى سِجستانَ فجاور قَرابةً لبَحِير هناك ولاطَفَهم، وقال: أنا رجل من بني حنيفة من أهل اليمامة، فلم يَزلْ يأتيهم ويجالسُهم حتى أنِسوا به، فقال لهم: إنَّ لي بخُراسان ميراثًا قد غُلبتُ عليه، وبلغني أنّ بَحيرًا عظيمُ القَدْر بخُراسان، فاكتُبوا لي إليه كتابًا يُعينُني على طلب حقي، فكتبوا إليه، فخرج فقَدِم مَرْوَ والمهلّب غازٍ. قال: فلقيَ قومًا من بني عوف، فأخبرَهم أمرَه، فقام إليه مولىً لبكير صيْقَل فقبَّل رأسه، فقال له صعصعة: اتخذ لي خِنْجرًا فعمل له خنجرًا وأحماه وغَمَسه في لَبَنِ أتانٍ مِرارًا، ثمّ شخَص من مَرْوَ فقطع النهر حتى أتى عسكرَ المهلب وهو بأخرون يومئذ، فلقي بَحيرًا بالكتاب، وقال: إني رجل من بني حنيفة، كنتُ من أصحاب ابن أبي بَكْرة، وقد ذهب مالي بسِجِستان، ولي ميراثٌ بمَرْو، فقدِمت لأبيعَه، وأرجع إلى اليمامة.
قال: فأمر له بنفَقة وأنزله معه، وقال له: استعن بي على ما أحببتَ، قال: أقيمُ عندَك حتى يقفُل الناسُ، فأقام شهرًا أو نحوًا من شهر يحضُر معه بابَ المهلَّب ومجلسه حتى عرف به، قال: وكان بحِير يخاف الفَتْك به، ولا يأمن أحدًا، فلما قَدِم صعصعةُ بكتابِ أصحابه قال: هو رجلٌ من بكر بن وائل،
стр. 3948
فأمنه، فجاء يومًا وبحير جالس في مجلس المهلّب، عليه قميص ورداء ونعلان، فقعد خلفَه، ثمّ دنا منه، فأكبّ عليه كأنه يكلمه، فوَجأه بخِنجره في خاصرته، فغيّبه في جوفه، فقال الناس: خارجيّ! فنادَى: يالَثارات بُكير، أنا ثائر ببكير! فأخذه أبو الَعجْفاء بن أبي الخَرْقاء، وهو يومئذ على شُرَط المهلب، فأتيَ به المهلّب فقال له: بُؤسًا لك! ما أدركتَ بثأرك، وقتلتَ نفسَك، وما على بَحيِر بأس، فقال: لقد طعنته طعنةً لو قُسمتْ بين الناس لمَاتُوا، ولقد وجدتُ ريح بطنِه في يدِي، فحَبَسه فدخل عليه السجن قومٌ من الأبناء فقبّلوا رأسَه، قال: ومات بَحِير من غد عند ارتفاع النهار، فقيل لصَعْصعة: مات بَحير، فقال: اصنَعوا بي الآن ما شئتم، وما بدا لكم، أليس قد حلّت نُذورُ نساء بني عوف، وأدركتُ بثأري! لا أبالي ما لقيت، أما والله لقد أمكنني ما صنعتُ خاليًا غَيْرَ مرّة، فكرهت أن أقتلَه سرًّا؛ فقال المهلّب: ما رأيتُ رجلًا أسخَى نفسًا بالمَوت صبرًا من هذا؛ وأمرَ بقتله أبا سُوَيقة ابن عمّ لبَحِير، فقال له أنس بن طلق: وَيحك! قتِل بحير فلا تقتلوا هذا، فأبى وقَتَله، فشتمَه أنَس.
وقال آخرون: بعث به المهلّب إلى بَحِير قبل أن يموت، فقال له أنَس بن طَلْق العَبْشَميّ: يا بحير، إنك قتلتَ بكيرًا، فاستحْي هذا، فقال بحير: أدنوه منّي، لا والله لا أموت وأنت حيّ، فأدنَوْه منه، فوضع رأسَه بين رجليه وقال: اصبِر عفاق، إنه شرّ باق، فقال ابن طلحة لبَحِير: لعنك الله! أكلّمك فيه وتقتله بين يديّ! فطعنه بَحِير بسيفِه حتى قتلَه ومات بَحِير، فقال المهلب: إنا لله وإنا إليه راجعون، غزوَة أصيبَ فيها بَحِير؛ فَغَضب عوف بنُ كعب والأبناء وقالوا: علام قُتِل صاحبنا، وإنما طلب بثأره! فنازعتهم مُقاعس والبُطون حتى خاف الناس أن يَعظُم البأس، فقال أهلُ الحِجَى: احِملوا دمَ صَعْصَعة، واجْعَلوا دمَ بحير بَواءً ببُكيْر فوَدَوا صَعْصعة، فقال رجل من الأبناء يمدَح صعصعة:
لله دَرُّ فتىً تجَاوزَ هَمّهُ ... دونَ العِرَاق مَفَاوِزًا وبُحُورَا
ما زال يَدْأَبُ نَفْسَهُ ويكُدُّها ... حتَّى تَنَاولَ في خَرُونَ بَحيرَا
قال: وخرج عبدُ ربّه الكبير أبو وَكيع، وهو من رَهْط صَعْصعة إلى البادية، فقال لرَهْط بُكَير: قُتِل صعصعة بطَلبِه بدمِ صاحبكم، فودَوْه، فأخذ لصعصعة دِيتَين. (٦/ ٣٣١ - ٣٣٤).
* * *
стр. 3949
ذكرَ هشامٌ عن أبي مِخنَف قال: قال أبو المُخارِق الراسبيّ: كتب الحجّاج إلى عبد الرحمن بن محمَّد جواب كتابه:
أما بعد، فإن كتابك أتاني، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه، وكتابُك كتاب امرئ يحبّ الهدْنة، ويستريح إلى الموادَعة، قد صانع عدوًّا قليلًا ذليلًا، قد أصابوا من المسلمين جُندًا كان بلاؤهم حَسنًا، وغَناؤهم في الإِسلام عظيمًا، لعمرُك يا بن أمّ عبد الرحمن؛ إنك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجُندي وحَدّي لسخِيُّ النفس عمّن أصيب من المسلمين، إني لم أعدد رأيكَ الذي زعمت أنك رأيته رأيَ مكيدة، ولكني رأيتُ أنَّه لم يحملك عليه إلا ضَعفك، والتياثُ رأيك، فامضِ لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، والهدمِ لحصونهم، وقتلِ مُقاتلتِهم، وسَبْي ذراريِّهم.
ثمَّ أَردَفه كتابًا فيه:
أما بعد، فمُرْ مَن قِبلَك من المسلمين فليْحرُثوا وليقيموا، فإنها دارُهم حتى يَفتَحها الله عليهم.
ثمّ أردفه كتابًا آخر فيه:
أما بعد، فامضِ لما أمرتكَ به من الوغول في أرضهم، وإلّا فإن إسحاق بن محمّد أخاك أمير الناس، فخلّه وما وُلِّيتَهُ.
فقال حين قرأ كتابَه: أنا أحمِل ثقل إسحاق؛ فعَرَض له، فقال: لا تَفعل، فقال: وربّ هذا - يَعني المُصحَف - لئن ذكرتَه لأحد لأقتلنّك، فظنّ أنَّه يريد السيف، فوضع يده على قائم السيف، ثمّ دعا الناسَ إليه، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحِكم مُحِبّ، ولكم في كل ما يُحيط بكم نفعُه ناظر، وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوّكم رأيٌ استشرتُ فيه ذوي أحلامِكم، وأولى التجربة للحَرْب منكم، فرضُوه لكم رأيًا، ورأوْه لكم في العاجل والآجل صلاحًا، وقد كتبت إلى أميركم الحجّاج، فجاءني منه كتاب يعجّزني ويضعفُني، ويأمُرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدوّ، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضَيتم، وأأبَى
стр. 3950
إذا أبيتم، فثارَ إليه الناسُ فقالوا: لا، بل نأبَى على عدوّ الله، ولا نَسمَع له ولا نطيع (١). (٣٣٤/ ٦ - ٣٣٥).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني مطرّف بن عامر بن واثلة الكنانيّ أنّ أباه كان أوّل متكلّم يومئذ، وكان شاعرًا خطيبًا، فقال بعدَ أن حَمِد الله وأثنى عليه:
أما بعد، فإن الحجّاج والله ما يَرَى بكم إلا ما رأى القائل الأوّل إذ قال لأخيه: احمِل عبدَك على الفرَس، فإنْ هَلَك هلك، وإن نجا فَلك، إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطرَ بكم فيُقحِمَكم بلادًا كثيرة اللُّهوب واللُّصوب، فإن ظفِرتم فغنمتم أكَلَ البلاد وحازَ المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظَفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البُغَضاء الذي لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدوَّ الله الحجاج، وبايعوا عبدَ الرحمن، فإني أشهدكم أنّي أوّل خالعٍ، فنادَى الناس من كلّ جانب، فعلنا فعلنا، قد خلعْنا عدوّ الله، وقام عبدُ المؤمن بن شَبَث بن ربِعيّ التميميّ ثانيًا - وكان على شُرْطته حين أقبَل - فقال: عبادَ الله، إنكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد بلادَكم ما بقيتم، وجمّركم تجميرَ فرعونَ الجنود، فإنَّه بلغني أنَّه أول من جمّر البعُوث، ولن تعاينوا الأحبّة، فيما أرى أو يموتَ أكثركم، بايِعوا أميرَكم، وانصرِفوا إلى عدوّكم فانفوه عن بلادِكم، فوثَب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعوني على خَلع الحجّاج عدوّ الله وعلى النصرة لي وجِهاده معي حتى ينفيَه الله من أرض العراق، فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك إذا ذاك بشيء (٢). (٦/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
قال أبو مِخنَف: حدّثني عمر بن ذَرّ القاصّ، أن أباه كان معه هنالك، وأنّ ابن محمَّد كان ضرَبَه وحبَسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم بن محمَّد، فلمّا كان من أمره الذي كان من الخلاف دعاه فحمَلَه وكساه وأعطاه، فأقبَل معه فيمن أقبَل، وكان قاصًّا خطيبًا (٣). (٦/ ٣٣٦).
قال أبو مخنَف: حدّثني سيف بن بشْر العِجليّ، عن المنخّل بن حابس
стр. 3951
العبديّ، أنَّ ابنَ محمّد لما أقبل من سِجِستانَ أمّر على بُسْتِ عياضَ بن هيمان البَكريّ، من بني سَدُوس بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة، وعلى زَرْنِج عبد الله بن عامر التميميّ، ثمَّ الدارِميّ، ثمَّ بعث إلى رُتْبيل، فصالحه على أن ابنَ الأشعث إن ظَهَر فلا خَرَاجَ عليه أبدًا ما بَقيَ، وإن هُزم فأراده ألجأه عندَه (١). (٦/ ٣٣٦).
قال أبو مِخنَف: حدثني خُشَينة بنُ الوَليد العبسيّ أنّ عبد الرحمن لمّا خرج من سِجِستَانَ مقبلًا إلى العراق سار بين يديه الأعشَى على فرس، وهو يقول:
شَطَّت نَوَى مَنْ دارُهُ بالإِيوانْ ... إِيوانِ كِسْرى ذي القُرَى والرَّيحانْ
مِن عاشِقٍ أَمسَى بزَابُلِسْتَانْ ... إنَّ ثقيفًا منهمُ الكذَّابانْ
كذَّابُهَا الماضِي وكذابٌ ثانْ ... أمكَنَ ربِّي من ثقيفِ هَمْدانْ
يومًا إلى الليل يُسَلّى ما كان ... إِنَّا سَمَوْنا للكَفُور الفَتَّانْ
حين طَغَى في الكفر بعدَ الإِيمانْ ... بالسَّيّدِ الغِطْرِيفِ عبدِ الرّحمنْ
سارَ بجمْع كالدَّبَى من قَحْطانْ ... ومِن مَعَدٍّ قد أتى ابن عَدْنانْ
بِجَحْفَل جَمٍّ شديدِ الإِرْنَانْ ... فقلْ لحجَّاجٍ وليّ الشيطانْ
يثبُتْ لِجَمْعِ مَذْحِجٍ وَهَمْدانْ ... فإنَّهمْ ساقُوه كأْسَ الذَّيْفَانْ
ومُلحِقُوهُ بقُرَى ابنِ مَرْوَانْ
قال: وبعَث على مقدمته عطية بن عمرو العنبريّ، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يَلقَى خيلًا إلا هزمَها، فقال الحجاج: من هذا؟ فقيل له: عطيّة، فذلك قولُ الأعشى:
فإذا جَعلتَ دُرُوب فا ... رِسَ خَلْفَهُمْ درْبًا فدَرْبَا
فابْعَثْ عطِيَّةَ في الخُيو ... لِ يُكِبُّهُنَّ عَلَيْكَ كَبَّا
ثمّ إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس، فسأل عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وكان قد كتبه في أصحابه، وكان يقول: أنت خالي، فقيل له: ألا تأتيه فقد سأل عنك! فكرِه أن يأتيَه، ثمّ أقبل حتى مرّ بكَرْمان فبعث عليهم خَرَشة بن عمرو التميميّ، ونزل أبو إسحاق بها، فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم، ولما دخل الناسُ فارسَ اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنا إذا خلعنا الحجّاجَ
стр. 3952
عاملَ عبد الملك فقد خلعْنا عبدَ الملك؛ فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس (١). (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
قال أبو مخنف فيما حدثني أبو الصلت التيمي: خلع عبد الملك بن مروان تيحانُ بن أبْجر من بني تيم الله بن ثعلبة، فقام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذِبَّان كَخلْعي قميصِي، فخلعه الناسُ إلَّا قليلًا منهم، ووثبوا إلى ابن محمَّد فبايعوه، وكانت بيعتُه: تُبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحِلِّين، فإذا قالوا: نعم بايَع، فلما بلغ الحجّاج خلعُه كتب إلى عبد الملك يخبره خبرَ عبدِ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث، ويسأله أن يعجل بعثة الجنود إليه، وبعث كتابه إلى عبدِ الملك يتمثّل في آخره بهذه الأبيات، وهي للحارث بن وَعْلة:
سائِلْ مُجَاوِرَ جَرْمٍ هل جَنَيْتُ لهمْ ... حَرْبًا تُفَرِّقُ بين الجِيرَةِ الخُلُطِ
وهلْ سمَوْتُ بِجَرَّارٍ له لَجبٌ ... جَمِّ الصَّوَاهِلِ بين الجمِّ والفُرُط
وهل تركتُ نساءَ الحَيِّ ضاحيةً ... في سَاحَةِ الدّار يَسْتَوْقِدْنَ بالغُبُطِ
وجاء حتى نزل البصْرة، وقد كان بلغ المهلبَ شقاق عبد الرحمن وهو بسِجسْتان، فكتب إليه:
أما بعد، فإنك وضعتَ رجْلك يا بن محمَّد في غَرْز طويل الغَيّ على أمة محمَّد ﷺ ، اللهَ الله فانظر لنفسك لا تُهلِكْها؛ ودماء المسلمين فلا تَسفِكْها، والجماعة فلا تفرّقها، والبَيعة فلا تَنكُثْها، فإن قلتَ: أخاف الناس على نفسِي فاللهُ أحقّ أن تخافه عليها من الناس، فلا تُعرّضها لله في سَفْك لم، ولا استحلال محرّم والسلام عليك.
وكتَبَ المهلّب إلى الحجّاج:
أما بعد فإنّ أهلَ العراق قد أقبلوا إليك وهم مِثل السَّيْل المنحدر من عَل، وليس شيء يردّه حتى ينتهي إلى قراره، وإنّ لأهل العراق شِرَّةً في أوّل مخرجهم، وصَبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردّهم حتى يَسقُطوا إلى
стр. 3953
أهليهم، ويشمّوا أولادهم، ثمّ واقِفهم عندها، فإنّ الله ناصرُك عليهم إن شاء الله.
فلما قرأ كتابَه قال: فعَل الله به وفَعل، لا واللهِ مالي نَظَر، ولكنْ لابن عمّه نَصَح، لما وقع كتابُ الحجاج إلى عبد الملك هاله ثمّ نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بنِ معاوية، ودعاه فأقْرأه الكتاب، ورأى ما به من الجَزع، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنْ كان هذا الحدث من قِبَل سِجستان، فلا تَخفْه، وإن كان من قِبَل خُراسانَ تخوّفته، قال: فخرج إلى الناس فقام فيهم فَحِمد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال:
إن أهل العراق طال عليهم عمري فاستعجَلوا قَدَرِي، اللهم سلط عليهم سيوفَ أهل الشام حتى يَبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سُخْطك. ثمَّ نزل.
وأقام الحجّاجُ بالبَصْرة وتجهّز ليَلقَى ابنَ محمّد، وترك رأيَ المهلب وفُرسان الشام يسقُطون إلى الحجاج، في كلّ يوم مئة وخمسون وعشرة وأقلّ على البُرد من قبَل عبد الملك، وهو في كلّ يوم تَسقُط إلى عبدِ الملك كتُبه ورُسله بخبر ابن محمَّد أيَّ كورة نَزَل، ومن أيّ كورة يَرتحِل، وأيُّ الناس إليه أسرَع (١). (٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
قال أبو مخنَف: حدّثني فُضيل بن خديج أنّ مكتبه كان بكَرْمان، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلما مرّ بهم ابن محمَّد بن الأشعث، انجَفلوا معه، وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فسار أهل الشام حتى نزل تُسْتَر، وقدم بين يديه مطهر بن حرّ العكّيّ - أو الجُذاميّ - وعبد الله بن رُمَيثْة الطائيّ، ومطهّر على الفريقين، فجاؤوا حتى انتَهوْا إلى دُجَيْل وقد قطَع عبد الرحمن بن محمَّد خيلًا له، عليها عبد الله بن أبان الحارثيّ في ثلاثمئة فارس - وكانت مَسلحةً له وللجُند - فلما انتهى إليه مطهّر بن حرّ أمَرَ
стр. 3954
عبد الله بن رُمَيثة الطائيّ فأقدَم عليهم، فهزمتْ خيلُ عبد الله حتى انتهتْ إليه، وجُرح أصحابه (١). (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
قال أبو مِخَنف: فحدّثني أبو الزبير الهمْداني، قال: كنت في أصحاب ابن محمَّد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثمّ قال: اعبُروا إليه من هذا المكان، فأقحم الناسُ خيولَهم دُجيلَ من ذلك المكان الذي أمرهم به، فوالله ما كان بأسرَع من أن عَبَرَ عُظْم خيولِنا، فما تكاملت حتى حملْنا على مطهّر بن حرّ والطائيّ فهزمناهما يوم الأضحى في سنة إحدى وثمانين وقتلناهم قَتْلا ذريعًا، وأصبنا عسكرَهم، وأتت الحجاجَ الهزيمةُ وهو يخطُب، فصَعِد إليه أبو كعب بن عبيد بن سَرْجِس فأخَبَره بهزيمة الناس، فقال: أيّها الناس، ارتحِلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتَل وطعام ومادّة، فإنّ هذا المكان الذي نحن به لا يحمل الجند، ثمّ انصرفَ راجعًا وتبعتْه خيولُ أهل العراق، فكلما أدركوا منهم شاذًّا قتَلوه، وأصابوا ثِقْلًا حووْه، ومضى الحجاج لا يَلوى على شيء حتى نزل الزاوية وبعث إلى طعامِ التجار بالكلّاء فأخذه فحَمله إليه، وخلّى البَصرةَ لأهل العراق، وكان عامله عليها الحَكم بن أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ، وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة، وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصّدمة وأقبل راجعًا دعا بكتاب المهلَّب، فقرأه ثمّ قال: لله أبوه! أيّ صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأي، ولكنّا لم نقبل (٢). (٦/ ٣٤٠).
وقال غيرُ أبي مِخنَف: كان عامل البصرة يومئذ الحَكم بن أيّوب على الصّلاة والصدقة، وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشُّرَط، فسار الحجاج في جيشه حتى نزل رُسْتُقْباذ وهي من دَسْتَوَى من كور الأهواز، فعَسكر بها، وأقبل ابنُ الأشعث فنزل تُسْتر، وبينهما نهر، فوجّه الحجاج مُطَهّر بنَ حرّ العَكيّ في ألفي رجل، فأوقعوا بمسلحة لابن الأشعث، وسار ابن الأشعث مبادرًا، فواقَعهم، وهي عشيّةُ عرفَة من سنة إحدى وثمانين فيقال: إنهم قَتلوا من أهل الشام ألفًا وخمسمئة، وجاءه الباقون منهزمين، ومعه يومئذ مئةً وخمسون ألف ألف، ففرّقها في قُوّاده، وضمّنهم إياها، وأقبل منهزِمًا إلى البَصْرة، وخطب
стр. 3955
ابن الأشعث أصحابَه فقال: أما الحجّاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزوَ عبدِ الملك، وبلغ أهلَ البصرة هزيمةُ الحجّاج، فأراد عبدُ الله بنُ عامر بن مِسمَع أن يقطع الجِسر دونَه، فرَشاه الحَكم بن أيّوبَ مئة ألف، فكفّ عنه، ودخل الحجاج البَصرة، فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المئةَ الألف منه. (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١).
رَجْع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف عن أبي الزبير الهَمْدانيّ.
فلما دخل عبدُ الرحمن بنُ محمَّد البَصرة بايعه على حرب الحجاج، وخلْع عبدِ الملك جميعُ أهلها من قُرّائها وكُهولها، وكان رجل من الأزد من الجَهاضِم يقال له عُقْبة بن عبد الغافر له صحابة، فنزا فبايع عبد الرحمن مستبصرًا في قتال الحجاج، وخَنْدق الحجّاجُ عليه، وخندقَ عبدُ الرحمن على البصرة، وكان دخولُ عبدِ الرحمن البَصرة في آخر ذي الحجة من سنة إحدى وثمانين (١). (٦/ ٣٤١).
* * *
стр. 3956
ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها
خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية
فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبدِ الرحمن بن محمَّد من الحروب بالزاوية.
ذكر هشامُ بنُ محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهَمْدانيّ قال: كان دخولُ عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرّم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذاتَ يوم، فاشتدّ قتالهم، ثمّ إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوْا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادِقهم، وانهزمتْ عامة قريش وثَقيف، حتى قال عبيد بن مَوهَب مولى الحجاج وكاتبه:
فر البَراءُ وابن عَمِّهِ مُصْعبٌ ... وفرَّتْ قريشٌ غيْرَ آل سَعِيد
ثمّ إنهم تزاحَفوا في المحرّم في آخره في اليوم الذي هزمَ فيه أهلُ العراق أهلَ الشام، فنكصتْ ميمنتهم وميسرتهم، واضطربتْ رِماحهم، وتقوّض صفُّهم؛ حتى دَنوا منّا فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركْبتيه، وانتَضى نحوًا من شِبر من سيْفه، وقال: لله دَرّ مُصْعَب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نَزَل! فعلمت أنَّه والله لا يريد أن يفرّ. قال: فغمزتُ أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربَه بسيفي، فغمَزني غمزةً شديدة، فسكنت، وحانتْ مني التفاتة، فإذا سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ قد حَمل عليهم فهزَمهم من قِبَل الميمنة، فقلتُ: أبِشر أيُّها الأمير، فإنّ الله قد هَزَم العدوّ، فقال لي: قم فانظر؛ قال: فقمتُ فنظرت؛ فقلتُ: قد هزمهم الله، قال: قُمْ يا زياد فانظر؛ قال: فقام فنظر فقال: الحقّ أصلحك الله يقينًا قد هُزِموا، فخرّ ساجدًا، فلما رجعت شتمني أبي وقال: أردتَ أن تُهلِكني وأهل بيتي.
وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عَوْسجة أبو سُفْيان النهميّ، وقتِل عقبة بن عبد الغافر الأزديّ ثمّ الجهضميّ في أولئك القرّاء في رِبْضة واحدة، وقُتِل عبد الله بن رِزام الحارثيّ، وقُتِل المنذرُ بنُ الجارود، وقُتل عبد الله بن عامر بن مسمَع، وأتيَ الحجاجُ برأسه، فقال: ما كنتُ أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه؛ وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلًا يومئذ فقتَله، وزعموا أنَّه كان مولىً للفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان شجاعًا
стр. 3957
يُدعَى نُصَيرًا، فلما رأى مشيتَه بين الصفَّين، وكان يلومه على مِشْيته قال: لا ألومُه على هذه المِشْية أبدًا.
وقتِل الطفيل بن عامر بن واثلة، وقد كان قال وهو بفارسَ يُقبل مع عبد الرحمن من كَرْمان إلى الحجاج:
أَلا طَرَقَتْنا بالغَريَّيْنِ بَعدَما ... كلِلْنَا على شَحْط المَزارِ جَنُوبُ
أَتوْكَ يقُودُون المَنايا وإِنَّمَا ... هدَتها بأوَلَانا إليك ذُنوبُ
ولا خيْرَ في الدّنيا لِمن لم يكَن لهُ ... منَ اللهِ في دَارِ القرَارِ نصيب
ألا أَبلِغ الحجّاج أَنْ قد أظَلَّهُ ... عذاب بأَيْدِي المؤمنينَ مُصيبُ
متى نَهْبط المصرَين يهْرُبْ مُحمّدٌ ... ولَيْسَ بِمُنْجِى ابنِ اللعين هرُوبُ
قال: منَّيتَنا أمرًا كان في علم الله أنَّك أولَى به، فعجَّلَ لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة، وانهزمَ الناسُ، فأقبل عبد الرحمن نحوَ الكوفة وتبعه من كان معه من أهلِ الكوفة، وتَبِعه أهلُ القوّة من أصحاب الخيل من أهل البَصْرة.
ولما مضى عبدُ الرحمن نحوَ الكوفة وَثَب أهل البَصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتَل بهم خمسَ ليال الحجّاج أشدّ قتال رآه الناس، ثمّ انصرف فلَحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البَصْرة فلَحِقوا به، وخرج الحَرِيش بن هلال السعديّ وهو من بني أنيف الناقة - وكان جريحًا - إلى سَفَوانَ فماتَ من جِراحتِه، وقُتِل في المعركة زيادُ بنُ مقاتل بن مِسمَع من بني قيس بن ثعلبة، فقامت حَمِيدة ابنتُه تَندبُه، وكان على خُمس بكرِ بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرّجال، فقالت:
وحامَى زيادٌ على رايتَيْهِ ... وفرَّ جُدَيُّ بني العَنبَرِ
فجاء البلتَع السعديّ فسمعها وهي تَندُب أباها، وتعيب التميميّ، فجاء وكان يبيع سَمْنًا بالمِربَد، فترك سَمْنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال:
علامَ تلَوِمينَ من لم يُلِمْ ... تَطاول لَيْلكِ من مُعْصِرِ!
فإنْ كانَ أَردَى أَباكِ السِّنانُ ... فقَدْ تلْحَقُ الخَيْلُ بالمدْبِرِ
وقَدْ تَنْطَحُ الخَيْلُ تحْتَ العَجَا ... ج غَيْرَ البريّ ولا المُعْذِرِ
ونَحْنُ منَعْنَا لواءَ الحَريشِ ... وطاح لواءُ بني جحْدرِ
فقال عامر بن واثلة يرثي ابنَه طُفيلًا:
стр. 3958
خَلَّى طُفيلٌ عَلَيَّ الهَمَّ فانشَعَبا ... وهَدَّ ذلك رُكنِي هَدَّةً عجبَا
وابْنَىْ سُمَيَّةَ لا أَنساهما أَبَدًا ... فيمن نسيتُ وكل كان لي نَصَبَا
وأخْطأَتْني المنايا لا تُطالعُني ... حتى كبِرْتُ ولم يَتْرُكنَ لي نشَبَا
وكنْتُ بعْدَ طُفَيْلٍ كالذي نَضَبَتْ ... عنه الميَاه وفاض الماءُ فانْقَضَبَا
فلا بَعِيرَ لَهُ في الأرضِ يَركَبُهُ ... وإن سَعى إثر مَنْ قَدْ فاتَهُ لَغَبَا
وسارَ من أَرضِ خاقانَ الَّتي غلَبت ... أبناءُ فارسَ في أَرْبائها غَلَبَا
ومنْ سجِستَانَ أَسبابٌ تُزَيّنُهَا ... لك المَنِيَّةُ حَيْنًا كان مُجْتَلَبَا
حتى وَرَدت حياض الموتِ فانكَشَفَتْ ... عنك الكتائِبُ لا تخفى لها عقبا
وغَادَرُوكَ صريعًا رهْن معْركَةٍ ... تُرَى النُّسورُ على القتلى بها عُصَبا
تعاهَدُوا ثمَّ لَمْ يُوفُوا بما عَهِدُوا ... وأَسلَمُوا للِعَدُوِّ السَّبْيَ والسَّلَبَا
يا سَوءَةَ القَوْمِ إِذْ تُسْبىَ نِسَاؤُهُمُ ... وهُمْ كثِيرٌ يَرَونَ الخزيَ والحربَا (١)
(٦/ ٣٤٢ - ٣٤٥)
قال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ أنّ الحجّاج أقام بقيّة المحرّم وأوّل صفر، ثمَّ استعمل على البَصرة أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلّف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضْرميّ، حليف حَرْب بن أمية على الكوفة (٢). (٦/ ٣٤٥).
قال أبو مخنَف - كما حدّثني يونس بن أبي إسحاق -: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشام (٣). (٦/ ٣٤٥).
قال أبو مخنَف: فحدّثني سهمُ بنُ عبد الرحمن الجُهنيّ أنهم كانوا ألفين، وكان حنظلة بنُ الورّاد من بني رِياح بن يَرْبوع التميميّ وابن عتّاب ابنِ وَرْقاء على المدائن، وكان مطرُ بن ناجية من بني يَرْبوع على المعونة، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبلَ حتى دنا من الكوفة، فتحصّن منه ابنُ الحضْرميّ في القصر، ووثب أهلُ الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضْرميّ، ومن معه من أهل
стр. 3959
الشام، فحاصَرَهم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلّوه والقصر، فصالحهم (١). (٦/ ٣٤٥).
قال أبو مخنَف: فحدّثني يونسُ بن أبي إسحاقَ أنَّه رآهم يَنزلون من القصر على العَجَل، وفتِح باب القصر لمطر بن ناجية، فازدَحَم الناسُ على باب القصر، فزُحم مَطر على باب القصر، فاخترط سيفَه، فضَرَب به جحْفَلة بغل من بغالِ أهل الشام، وهم يخرجون من القصر، فألقى جحْفلته ودخل القَصْر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مئتي درْهم، قال يونس: وأنا رأيتها تُقسَم بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطِيَها، وأقبل ابنُ الأشعث منهزمًا إلى الكوفة، وتبعَه الناسُ إليها (٢). (٦/ ٣٤٥).
وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دَيْر الجَماجم بين الحجاج وابن الأشعث في قول بعضهم. قال الواقدي: كانت وقعةُ دَيْر الجَماجم في شعبان من هذه السنة، وفي قول بعضهم: كانت في سنة ثلاث وثمانين.
* ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دَيْر الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجّاج بها:
ذكر هشام عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزبير الهَمْدانيّ ثمّ الأرجيّ، قال: كُنت قد أصابتْني جِراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابنَ الأشَعث حين أقبل، فاستقبلوه بعدما جازَ قنطرَة زبارا، فلما دنا منها قال لي: إن رأيتَ أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناسُ جراحتَك فإني لا أحبّ أن يستقبلهم الجرحى - فافعل، فعدلتُ ودخل الناسُ، فلما دخل الكوفة مالَ إليه أهلُ الكوفة كلهم، وسبقتْ همْدان إليه، فحفّت به عند دارِ عمروِ بنُ حُرَيث إلا طائفةً من تميم لَيْسوا بالكثير قد أتَوا مطرَ بنَ ناجية، فأرادوا أن يقاتِلوا دونَه، فلم يُطيقوا قتالَ الناس، فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعَجل، فوُضِعتْ ليَصعدَ الناسُ القَصْر، فصعِد
стр. 3960
الناسُ القصر فأخذوه، فأتِيَ به عبد الرحمن بن محمَّد، فقال له: استبقني فإني أفضلُ فُرسانِك وأعظمُهم عنك غَناء؛ فأمر به فحُبس، ثمّ دعا به بعد ذلك فعفا عنه وبايَعه مَطَرٌ، ودخلَ الناس إليه فبايعوه، وسَقَط إليه أهلُ البصرة، وتَقَوَّضَتْ إليه المَسالِح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرِف بذلك، وكان قد قاتل الحجاج بالبَصْرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثًا، فبلغ ذلك عبد الملك بنَ مروان، فقال: قاتل الله عُديّ الرَّحْمن، إنه قد فرّ! وقاتل غلمانٌ من غِلمان قريش بعده ثلاثًا، وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البرّ حتى مرّ بين القادسيَة والعُذَيب، ومَنَعوه من نزول القادسيّة، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عبد الرحمن بن العبّاس في خيل عظيمة من خيل المصرَيْن فمنعوه من نزول القادسيّة، ثمَّ سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثمّ تَسايرَوا حتى نزل الحجاج ديرَ قُرَّة، ونزل عبدُ الرحمن بنُ العباس ديرَ الجماجم، ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل بديرِ الجمَاجم والحجاج بدير قُرَّة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبدُ الرحمن يزْجُر الطيرَ حيث رآني نزلتُ ديرَ قُرَّة، ونزل ديرَ الجماجم!
واجتمع أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الثغور والمسالح بدَيْر الجماجم والقرّاء من أهل المِصرَين، فاجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، وجمَعَهم عليه بغضُهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مُقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مَواليهم، وجاءت الحجاجَ أيضًا أمدادُه من قِبَل عبد الملك من قبل أن ينزل ديرَ قُرَّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن يَنزِل ديرَ قُرَّة أن يرتفع إلى هِيتَ وناحية الجزيرة إرادةَ أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيَه المددُ من الشام من قريب، ويقترب من رَفاغة سِعْر الجزيرة، فلما مرّ بدَيْر قرة قال: ما بهذا المنزل بُعدٌ من أمير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جَنْبنا، فنزل فكان في عسكره مخندِقًا وابن محمَّد في عسكره مخندقًا، والناس يخرجون في كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدنِي خَندقَه نحو صاحبه، فإذا رآه الآخر خندقَ أيضًا، وأدنَى خندقه من صاحبه، واشتدّ القتال بينهم، فلما بلغ ذلك رؤوس قريش وأهلُ الشام قِبَل عبد الملك ومَواليه قالوا: إن كان إنما يُرْضِي أهل العراق أن يُنزَعَ عنهم الحجاج، فإنّ نزع الحجاج أيسرُ من حَرْب أهلِ العراق، فانزِعْه