اشتداد إيذاء المشركين لرسول الله ﷺ ودعوته
قال أبو جعفر: ولما خرج مَنْ خرجَ من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرضِ الحبَشة مهاجرًا إليها، ورسولُ الله ﷺ مقيم بمكة، يدعُو إلى الله سرًّا وجهرًا، قد منَعه الله بعمّه أبي طالب وبمَن استجاب لنُصرته من عشيرته، ورأت قريش أنّهم لا سبيلَ لهم إليه، رموْه بالسحْر والكَهانة والجنون؛ وأنه شاعر، وجعلوا يصدّون عنه مَنْ خافوا منه أن يسمع قوله فيتَّبعه؛ فكان أشدّ ما بلغوا منه حينئذ - فيما ذكر. (٢: ٣٣٠/ ٣٣١ / ٣٣٢).
٣١ - ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه عُرْوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلتُ له: ما أكثر ما رأيتَ قريشًا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تُظهر من عداوته! قال: قد حضرتُهم وقد اجتمع أشّرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليه من هذا الرجل قَطّ! سَفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا! لقد صبرْنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.
فبينا هُمْ كذلك إذْ طلَع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزُوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ثم مضى، فلمَّا مرَّ بهم الثانية غمزوه مثلها؛ فعرَفت ذلك في وجهه، ثم مضَى، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف فقال: أتسمعون يا معشرَ قريش! أما والذي نفسُ محمدٍ بيده، لقد جئتكم بالذبح! قال: فأخذت القومَ كلمته؟ حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع؛ وحتى إنَّ أشدّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنتَ جهُولًا!
стр. 425
قال: فانصرف رسول الله ﷺ ؛ حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بَلغ منكم، وما بلغَكم عنه؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبينا هم كذلك إذْ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد؛ وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك؛ قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم آخذًا بجُمْع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصّديق دونه. يقول وهو يبكي: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! ثم انصرفوا عنه. فإنّ ذلك أشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطّ (١). (٢: ٣٣٣/ ٣٣٢).
стр. 426
٣٢ - حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا بشر بن بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن، قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو: حدّثني بأشدّ شيء رأيتَ المشركين صَنَعُوا برسول الله ﷺ . قال: أقبل عُقْبة بن أبي مُعَيط ورسولُ الله ﷺ عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنُقه، وخَنَقَه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر مِنْ خَلْفه، فوضع يده على مَنكِبه، فدفعه عن رسول الله ﷺ ، ثم قال أبو بكر: يا قوم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١) (٢: ٣٣٣).
٣٣ - قال أبو جعفر: ولما استقرّ بالذين هاجروا إلى أرض الحبَشة القرارُ بأرض النّجاشيّ واطمأنّوا، تآمرت قريشٌ فيما بينها في الكَيْد بمن ضَوَى إليها من المسلمين، فوجّهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ إلى النّجاشيّ، مع هدايا كثيرة أهدوْها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما
стр. 427
أن يسألا النجاشيّ تسليم من قِبَلَهُ وبأرضه من المسلمين إليهم. فشخَص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومُهما، فلم يصلا إلى ما أمَّل قومهما من النجاشيّ، فرجعا مقبوحَين (١) (٢: ٣٣٥).
٣٤ - وأسلم عمر بن الخطاب ﵀، فلمّا أسلم وكان رجلًا جَلْدًا جليدًا منيعًا، وكان قد أسلَم قبل ذلك حمزةُ بن عبد المطّلب، ووجد أصحاب رسول الله ﷺ في أنفسهم قوّةً، وجعل الإسلام يفشُو في القبائل، وحَمَى النجاشيّ مَنْ ضَوَى إلى بلده منهم (١) (٢: ٣٣٥).
стр. 430
خبر الصحيفة ومقاطعة المسلمين وحصارهم في شعب أبي طالب
٣٥ - اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه؛ على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدًا بذلك الأمر على أنفسهم، فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شِعْبِهِ، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العُزّى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرَهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثًا؛ حتى جهِدُوا ألّا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرًّا مستخفيًا به مَن أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل لقيَ حكيم بنَ حزام بن خُويلد بن أسد، معه
стр. 431
غلام يحمل قمحًا يريد به عَمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطّعام إلى بني هاشم! والله لا تبرحُ أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة! فجاء أبو البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختريّ: طعامٌ لعمَّته عنده بَعَثتْ إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيَها بطعامها! خلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْتريّ لَحْيَ بعير، فضربه فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلُغ ذلك رسولَ الله ﷺ وأصحابه، فيشمَتوا بهمْ، ورسول الله ﷺ في كلّ ذلك يدعو قومَه سرًّا وجهرًا، آناء الليل وآناء النهار؛ والوحي عليه من الله متتابعٌ بأمره ونهيه، ووعيد مَنْ ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله ﷺ عَلَى مَنْ خالفه (١). (٢: ٣٣٥/ ٣٣٦ / ٣٣٧).
стр. 432
أذى المشركين لرسول الله ﷺ -
٣٦ - ولم يزل رسولُ الله ﷺ مقيمًا مع قُريش بمكّة يدعوهم إلى الله سرًّا وجهرًا، صابرًا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به، حتى إن كان بعضهم -فيما ذكر- يطرح عليه رحِم الشاة وهو يصلّي، ويطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له؛ حتى اتخذ رسول الله ﷺ منهم -فيما بلغني- حجرًا يستتر به منهم إذا صلّى (١).
وفاة خديجة وأبي طالب
٣٧ - وذلك فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين، فعظُمت المصيبة على رسولِ الله ﷺ بهلاكهِما؛ وذلك أن قريشًا وصلُوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلُون إليه
стр. 433
في حياته منه؛ حتى نَثَر بعضُهم على رأسه التراب (١).
стр. 434
استماع الجن لتلاوة رسول الله ﷺ وإسلامهم
٣٨ - ثم إنّ رسولَ الله ﷺ انصرف من الطّائف راجعًا إلى مكّة حين يئس من خبرِ ثقيف، حتى إذا كان بنخلة، قام من جوَفْ الليل يصلّي، فمرّ به نفرٌ من الجنّ الذين ذكر الله .
قال محمدّ بن إسحاق: وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نَصيبين اليمن، فاستَمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم مُنْذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خَبَرهم عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ
стр. 435
إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ... ﴾ إلى آخر القصّة من خبرهم في هذه السورة.
رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويعرّفهم بدعوة الحق
٣٩ - وكان رسولُ الله ﷺ يعرضُ نفسَه في المواسم -إذا كانت- على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله [وإلى نصرته] ويخبرهم أنه نبيّ مرسل، ويسألهم أن يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عبّاد يُحَدّثُ أبي، قال: إنيّ لَغلامٌ شابٌّ مع أبي بمنىً، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني
стр. 436
فلان، إنّي رسولُ الله إليكم، يأمرُكم أنْ تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأنْ تخلعوا ما تَعْبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني وتمنعوني؛ حتى أبين عن الله ما بعثني به.
قال: وخلْفه رجلٌ أحْوَل وضيء، له غديرتان، عليه حُلّة عَدنيّة، فإذا فَرَغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه، قال الرجل: يا بنِي فلان، إنّ هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلَخُوا اللات والعُزّى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجنّ من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدْعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له.
قال: فقلت لأبي: يا أبتِ مَن هذا الرجل الذي يتّبعه، يردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمّه عبد العُزّى أبو لهب بن عبد المطّلب (١).
стр. 437
بدء اتصال النبي ﷺ بأهل المدينة وإسلام إياس بن معاذ
٤٠ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني الحُصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ؛ أخو بنِي عبد الأشهل، عن محمود بن لَبِيد؛ أخي بني الأشهل، قال: لمّا قدم أبو الحَيْسَر أنسُ ابن رافع مكّة، ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن مُعاذ، يلتمسون الحلْف من قُرَيش على قومهم من الخزْرج، سمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العبَاد، أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتابَ. ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس ابن مُعاذ - وكان غلامًا حَدَثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له. قال: فيأخذ أبو الحَيسَر أنس بن رافع حَفْنَةً من البطْحَاء، فضربَ بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دَعنا منك، فلَعمرِي لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بُعَاث بين الأوس والخزرج.
قال: ثم لم يلبث إياس بن مُعاذ أن هلك. قال محمود بن لَبِيد: فأخبرني مَنْ حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يُهلّل الله ويكبّرُه، ويحمده ويسبّحه، حتى مات، فما كانوا يشكُّون أنه قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر
стр. 438
الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع (١). (٢: ٣٥٢/ ٣٥٣).
بيعة العقبة الأولى
٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن عبد الله اليَزَنيّ، عن أبي عبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحيّ، عن عُبادة بن الصّامت قال: كنت فيمَنْ حضَر العقَبَة الأولى؛ وكُنّا اثني عشر رجلًا، فبايعْنا رسول الله ﷺ على بَيعة النساء؛ وذلك قبل أن تُفْتَرَضَ الحرب؛ على ألّا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرِق ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتِيَ ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيَه في معروف؛ فإنْ وَفيتُمْ فلكم الجنّة، وإن غشيتم شيئًا من ذلك فأخذتم بحدّه في الدنيا؛ فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة؛ فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذّبكم، وإن شاء غفر لكم (٢). (٢: ٣٥٦).
стр. 439
قصة إسلام سعد بن معاذ
٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيقِيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّ أسعدَ بن زرارة خرج بمُصْعَب بن عمير، يريد به دارَ بني عبْد الأشهل، ودار بني ظَفَر؛ وكان سعد بن مُعاذ بن النّعمان بن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظَفَر، على بئر يقال لها بئر مَرْق؛ فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممّن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيْد بن حُضَير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشْهل؛ وكلاهما مُشرِك على دين قومه، فلمّا سمعا به، قال سعد بن مُعاذ لأسَيد بن حُضَير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيَا دارنا، فإنه لولا أنّ أسعد بن زرارة منّا حيت قد علمت، كفيتُك ذلك؛ هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدَمًا، فأخذ أسَيد بن حُضير حَرْبَتَه. ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسْعَد بن زُرارة قال لمُصْعَب: هذا سيّد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مُصعب: إنْ يجلسْ أكلّمه، قال: فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفّهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مُصعب: أوَ تجلسُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت؛ ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مُصعَب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لَعَرفْنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهّله. ثم قال: ما أحسنَ هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا له: تغتسل، فتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي ركعتين.
قال: فقام فاغتسلَ، وطهّر ثوبيه، وشهد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلًا، إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحدٌ من قومه، وسأرسله إليكما الآن؛ سعد بن معاذ، ثم أخذ حربتَه، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلُوس في ناديهم؛ فلمّا نظر إليه سعد بن مُعاذ مقبلًا، قال: أحلفُ بالله، لقد جاءكم أسَيد بن حُضَير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف
стр. 440
على النّادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدّثت أن نبي حارثة، قد خرجوا إلى أسْعَد بن زَرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِروك، قال: فقام سعد مُغضبًا مبادرًا تخوّفًا للذي ذكر له من بني حارثة. فأخذ الحرْبةَ من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا؛ ثم خرج إليهما؛ فلمَا رآهما سعد مطمئنّين، عرف أنّ أسَيدًا إنما أراد أن يسمَع منهما، فوقف عليهما متشتّمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينَك من القرابة ما رمْتَ هذا مني. تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمُصعب: أي مصعب! جاءك والله سيِّد مَن وراءه منْ قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا ورغبت فيه قبلتَه، وإنْ كرهتَه عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت؛ ثم ركز الحربة، فجلس فعرّض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به؛ في إشراقة وتسهّله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتُمْ أسلمتم ودخلتم في هذا الدّين؟ قالا: تغتسِل فتطهَر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلِّي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه، وشهِد شهادة الحقّ، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادى قومه، ومعه أسَيد بن حُضير؛ فلمّا رآه قومه مقبلًا: قالو: نحلف بالله لقد رجع سَعْد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمنُنا نقيبةً، قال: فإنّ كلامَ رجالِكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عَبْدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل بن زرارة، فأقام عنده يدعُو النّاس إلى الإسلام حتى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون إلّا ما كان من دار بني أميّة بن زيد وخَطْمَة ووال وواقف؛ وتللك أوس الله؛ وهم من أوْس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت؛ وهو صَيفي، مكان شاعرًا لهم، وقائدًا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم من عن الإسلام، فلم يزل على
стр. 441
ذلك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ ومضى بَدْر وأحُد والخندق.
قال: ثم إنَّ مُصعب بن عُمير، رجع إلى مكّة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموْسِم مع حُجَّاج قومهم من أهلِ الشرك؛ حتى قدموا مكّة؛ فواعدوا رسول الله ﷺ العقَبة من أوسط أيام التّشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامتهِ، والنّصر لنبيه ﷺ وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرْك وأهله (١). (٢: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩/ ٣٦٠).
٤٢ / أ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق؛ أنّ ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن
стр. 442
الصامت، عن النبي ﷺ مثله (١). (٢: ٣٥٦/ ٣٥٧).
مصعب بن عمير: داعية الإسلام في المدينة وقارئها يمهد الطريقَ لهجرة رسول الله ﷺ -
٤٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: فلمّا انصرف عنه القومُ بعث معهم رسول الله ﷺ مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإسلام، ويفقههم في الدّين؛ فكان يسمّى مُصعب بالمدينة: المقرئ، وكان مَنْزلُه على أسعد بن زرارة بن عُدس أبي أمامة (٢). (٢: ٣٥٧).
بيعة العقبة الثانية
٤٤ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني مَعْبَد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القيْن، أخو بني سَلمة، أنّ أخاه عبد الله بن كَعْب - وكان من أعلم الأنصار - حدّثه أنّ أباه كعب بن مالك حدّثه - وكان كعب ممّن شهد العقبَة، وبايع رسول الله ﷺ بها- قال: خرجنا في حُجّاج قومنا، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البَراءُ بن مَعْرُور، سيّدُنا وكبيرنا. فلمّا وُجّهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البرَاء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتُوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ ألّا أدعَ هذه البنيَّة منّي بظهر -يعني الكعبة- وأنْ أصلِّيَ إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبيّنا أنه يصلي إلّا إلى الشام، وما نريدُ أن نخالفه. قال: فقال: إنّي لمُصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل، قال: فكنَّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة.
قال: وقد عِبْنا عليه ما صنَع، وأبَى إلّا الإقامة على ذلك، فلما قدِمْنَا مكّة قال لي: يا بنَ أخي، انطلِقْ بنا إلى رسول الله ﷺ ؛ حتى أسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإنّي والله لقدْ وقعَ في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خِلافكم إيَّاي فيه.
قال: فخرجنْا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنّا لا نعرفه، ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلًا من أهلِ مكّة، فسألناه عن رسول الله ﷺ ، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا. لا، قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدمُ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله ﷺ جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال
стр. 445
رسول الله ﷺ للعبّاس: هل تعرفُ هذين الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم؛ هذا البَرَاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك -قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم- قال: فقال له البَراء بن معرور: يا نبيّ الله؛ إني خرَجتُ في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البَراء إلى قِبْلة رسول الله ﷺ ؛ وصلّى معنا إلى الشام، قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم.
قال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعَدنا رسول الله ﷺ في العقَبة من أوسط أيام التّشريق.
قال: فلما فرغنا من الحجِّ؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر. أخبرناه، وكنّا نكتُم مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرَنا؛ فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيّانا العقَبة.
قال: فأسلم، وشهد معنا العقَبة -وكان نقيبًا- فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا في رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقَبة؛ ونحن سبعون رجلًا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة إحدى نساء بني مازن بن النّجار، وأسماء بنت عمرو بن عديّ، إحدى نساء بني سَلمة؛ وهي أمّ منيع؛ فاجتمعنَا بالشِّعب ننتظر رسول الله ﷺ ؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلّا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشرَ الخزرج -وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا؛ وهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده؛ وإنه قد أبى إلّا الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم تروْن أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه
стр. 446
ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم من ذلك؛ وإن كنتم تروْن أنكم مُسلموهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه، فإنّه في عزّ ومَنَعةٍ من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربّك ما أحبَبتَ.
قال: فتكلّم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم عَلى أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
قال: فأخذ البَراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثَك بالحقّ لنمنعنّك مما نمنَع منه أزُرَنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقة؛ ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القول -والبراء يكلّم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التَّيّهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله؛ إنّ بيننا وبين النّاس حِبالًا وإنّا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عَسيتَ إن نحنُ فعلْنا ذلك، ثم أظهرَك الله، أن ترجعَ إلى قومك، وتَدَعَنا! قال: فتبسّم رسول الله ﷺ ، ثم قال: بل الدَّم الدّم، الهدْم الهدْم! أنتم منّي وأنا منكم؛ أحارب مَنْ حاربتم وأسالم من سالمتم.
وقد قال رسول الله ﷺ : أخرجوا إليّ منكم اثنَي عشر نقيبًا؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس (١). (٢: ٣٦٠/ ٣٦١ / ٣٦٢/ ٣٦٣).
стр. 447
٤٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، أنّ القومَ لمّا اجتمعوا لبيعةِ رسول الله ﷺ ، قال العباس بن عبادة بن نَضْلة الأنصاريّ، ثم أخو بني سالم بن عوف: يا معشرَ الخزرج، هلْ تدرون عَلام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنّكم تبايعونه على حرْب الأحمر والأسود من الناس؛ فإن كنتم تروْن أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافُكم قتلًا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو والله خِزْيُ الدّنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم تروْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهْكة الأموال، وقتْل الأشراف فخذوه، فهو والله خيرُ الدّنيا والآخرة. قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنّة، قالوا: ابسُط يدَك، فبسطَ يده فبايعوه.
وأما عاصم بن عمر بن قَتادة، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليشدَّ العَقْدَ
стр. 448
لرسول الله ﷺ في أعناقهم. وأما عبدُ الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سَلُول، فيكون أقوى لأمر القوم. والله أعلم أيّ ذلك كان؛ فبنو النّجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل مَنْ ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التّيّهان (١). (٢: ٣٦٣/ ٣٦٤).
٤٦ - قال ابن حُميد، قال: سلمة، قال محمّد: وأما معبَد بن كعب بن مالك فحدّثني -قال أبو جعفر: وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد- قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدّثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعْب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أوّل مَنْ ضرب على يد رسول الله ﷺ البرَاء بن معرور، ثم تتَابع القوم؛ فلمّا بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشّيطان من رأس العَقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهلَ الجباجب هل لكم في
стр. 449
مُذمّم والصُّباءِ معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله ﷺ : ما يقول عدو الله؟ هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزْيب؛ اسمع عدوّ الله؛ أما والله لأفْرُغَنَّ لك. ثمّ قال رسول الله ﷺ : ارفضّوا إلى رحالكم. فقال له العبّاس بن عبادة بن نضلة: والّذي بعثَك بالحق لئن شئت لنميلنّ غدًا على أهل مِنىً بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ : لم نؤمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحاكم، قال: فرَجعنا إلى مضاجعنا، فنِمْنا عليها؛ حتى أصبحنا؛ فلمّا أصبحنا غدَتْ علينا جلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج؛ إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا؛ وإنّه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم؛ قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه.
قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظرُ إلى بعض؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان.
قال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرِك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر؛ أما تستطيع أن تتّخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه؛ ثم رمى بهما إليّ، وقال: والله لتنعلنَّهما. قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظت والله الفتى! فاردُدْ عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردّهما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسلُبنّه.
فهذا حديث كعب بن مالك عن العَقبة وما حضر منها (١). (٢: ٣٦٤/ ٣٦٥).
٤٧ - وقد حدَّثنا ابن حُميد -قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت- وكان أحد النقباء- قال: بايعْنا رسول الله ﷺ على بيعة
стр. 450
الحرب؛ وكان عُبادة من الاثني عشر الّذين بايعوا في العقَبة الأولى (١). (٢: ٣٦٨).
الهجرة إلى المدينة
٤٨ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد بن جَبْر أبي الحجاج، عن ابن عبّاس، قال: وحدّثني الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس والحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عُتَيبة، عن مقسَم، عن ابن عبّاس قال: لمّا اجتمعوا لذلك واتَّعدُوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ غَدَوْا
стр. 451
في اليوم الذي اتّعدوا له: وكان ذلك اليوم يسمى الزَّحْمَة؛ فاعترضهُم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتٌّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوْه واقفًا على بابها، قالوا: مَن الشيخُ؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمع بالذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسْمَعَ ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكُم منه رأي ونُصحٌ، قالوا: أجَلْ، فادخُلْ، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلّهم، من كلّ قبيلة؛ من بني عبد شمس شَيبة وعُتْبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نَوْفل بن عبد مناف طُعَيمَة بن عديّ وجبير بن مُطعِم والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ النَّضر بن الحارث بن كلَدَة، ومن بني أسَد بن عبد العُزّى أبو البختريّ بن هشام وزَمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حِزام، ومن بني مخزوم أبو جهل بن هِشام، ومن بني سهم نُبيه ومُنبِّه ابنا الحجاج، ومن بني جُمَح أميّة بن خلَف؛ ومَنْ كان معهم وغيرهم ممن لا يُعدُّ من قريش.
فقال بعضُهم لبعض: إنّ هذا الرجلَ قد كان أمْره ما قد كان وما قد رأيتم؛ وإنّا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمَنْ قد اتّبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا؛ قال: فتشاوروا. ثم قال قائلٌ منهم: احبسُوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زُهَيرًا، والنّابغة ومَنْ مضى منهم؛ من هذا الموت حتى يصيبَه منه ما أصابهم.
قال: فقال الشيخُ النجديّ: لا والله، ما هذا لكم برأي؛ والله لو حبستموُه -كما تقولون- لخرج أمرهُ من وراء الباب الذي أغلقتمُوه دونَه إلى أصحابه؛ فلأوشكوا أن يثبُوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا؛ ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فنَنفيه من بلدنا؛ فإذا خرج عنّا فوالله ما نبالي أين ذهبَ، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه. فأصلحنا أمرَنا، وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروْا حسنَ حديثه، وحلاوة منطقه، وغَلبته على قلوب الرجال بما يأتي به! والله لو فعلتُم ذلك ما أمنتُ أن يحلّ على حيّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه
стр. 452
عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. أديروا فيه رأيًا غير هذا!
قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعدُ! قالوا: وما هو يا أبا الحكَم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتىً شابًّا جلْدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كلّ فتىً منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدُون إليه، ثم يضربونه بها ضرْبة رجل واحد فيقتلونه فنستريح؛ فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل كلّها؛ فلم يقدر بنُو عبد مناف على حَرْب قومهم جميعًا، ورضُوا منَّا بالعقل فعقلناه لهم.
قال: فقال الشيخ النجديّ: القول ما قال الرجُل، هذا الرأي لا رأْيَ لكم غيره.
فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فقال: لا تبتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنتَ تبيت عليه!
قال: فلمّا كان العَتمةُ من اللّيل، اجتمعوا على بابه فترصّدوه متى ينام، فيثبون عليه. فلمّا رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نمْ على فراشي، واتّشحْ ببرْدي الحضرميّ الأخضر؛ فنمْ فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله ﷺ ينام في بُرده ذلك إذا نام (١).
٤٩ - قال أبو جعفر: وأذِنَ الله لرسوله ﷺ عندَ ذلك بالهجرة، فحدّثنا عليّ بن نصر الجهضميّ، قال: حدَّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وحدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُرْوة، عن عُرْوة، قال: لَمّا خرج أصحابُ رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقَبْل أن يخرج -يعني رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمِرُوا فيها بالقتال، استأذنه أبو بكر؛ ولم يكن أمرَه بالخروج مَعَ مَنْ خرج من أصحابه، حبسه رسول الله ﷺ ، وقال له: أنظِرْني، فإنّي لا أدري؛ لعلّي يُؤذن لي بالخروج. وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدّهما للخروج مع أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ فلمّا استنظره رسول الله ﷺ ، وأخبره بالذي يرجو من ربّه أن يأذَن له بالخروج، حَبَسهما وعَلَفهما، انتظارَ صحبة رسول الله ﷺ ، حتى أسمنهما، فلما حبس عليه خروج النبيّ ﷺ ، قال أبو بكر: أتطمع أن يؤذن لك؟ قال: نعم. فانتظره فمكث بذلك. فأخبرتني عائشة، أنهم بينا هم ظُهْرًا في بيتهم، وليس عند أبي بكر إلّا ابنتاه: عائشة وأسماء؛ إذا هم برسول الله ﷺ ، حين قام قائم الظّهيرة -وكان لا يخطئه يومًا أن يأتِيَ بيتَ أبي بكر أوّل النهار وآخرَه- فلما رأى أبو بكر النبي ﷺ جاء ظُهْرًا، قال له: ما جاء بك يا نبي الله إلّا أمرٌ حدث؟ فلمّا دخلَ عليهم النبيّ ﷺ البيت، قال لأبي بكر: أخْرِجِ مَنْ عندك، قال: ليس علينا عَين، إنّما هما ابنتاي، قال: إنّ الله قد أذِن لي بالخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، الصّحابة، الصّحابة! قال: الصحابة. قال أبو بكر: خذ إحدى الرّاحلتين -وهما الرّاحلتان اللتان كان يعلِفهما أبو بكر، يُعِدُّهما للخروج، إذا أذِن لرسول الله ﷺ فأعطاه إحدى الرّاحلتين، فقال: خذها يا رسول الله فارتحلْها، فقال النبيّ ﷺ : قد أخذتُها بالثمن، وكان عامر بن فُهَيرة مُولّدًا من مُوَلّدي الأزْدِ، كان للطُّفَيل بن عبد الله بن سَخْبَرةَ، وهو أبو الحارث بن الطُّفَيل، وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمّهما، فأسلم عامر بن فُهيرة، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حَسَنَ الإسلام، فلمَا
стр. 456
خرج النبيّ ﷺ أبو بكر، كان لأبي بكر مَنيِحةٌ من غَنمٍ تروحُ على أهله، فأرسل أبو بكر عامرًا في الغنم إلى ثور، فكان عامر بن فهَيرة يروح بتلك الغَنَم على رسول الله ﷺ بالغار في ثَوْر، وهو الغار الذي سمّاه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلًا من بني عبد بن عديّ، حليفًا لقريش من بني سَهْم، ثم آل العاص بن وائل؛ وذلك العَدَويّ يومئذ مشركٌ، ولكنّهما استأجراه، وهو هاد بالطّريق.
وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدُ الله بن أبي بكر حين يُمسي بكلّ خبر بمكّة، ثم يصبح بمكّة ويريح عامر الغنم كلّ ليلة، فيحلُبان، ثم يسرح بُكرَةً فيصبح في رُعْيانِ النّاس، ولا يُفْطنُ له؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أنْ قد سُكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطُلق معهما بعامر بن فُهَيرةَ يخدمُهما ويعينهما، يُردفه أبو بكر ويُعقبه على رَحْله، ليس معهما أحدٌ إلّا عامر بن فُهَيرة وأخو بني عديّ يهديهما الطّريق، فأجاز بهما في أسفلَ مكة، ثم مضى بهما حتى حاذَى بهما الساحل، أسفلَ من عُسْفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطّريق بعدما جاوز قُدَيدًا، ثم سلك الخَرَّار، ثم أجاز على ثنيَّة المَرَة، ثِم أخذ على طريق يقال لها المدْلجة بين طريق عَمْق وطريق الرَّوْحاء، حتى توافوْا طريق العَرْج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركُوبة؛ حتى يَطْلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدِم المدينة علي بني عمرو بن عوف قبل القائلة (١). (٢: ٣٧٥/ ٣٧٦ / ٣٧٧).
٥٠ - وقد حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميميّ، قال: حدّثني عُروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة زوْج النبيّ ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يخطئه أحد طرفَي النهار أن يأتيَ بيت أبي بكر إمّا بُكْرةً، وإمّا عشيّة؛ حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكّة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجِرة، في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلمّا رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه السّاعة إلا لأمرٍ حدث. قالت: فلمّا دخل تأخّر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : أخْرِجْ عَنّي مَنْ عندك، قال: يا نبيّ الله، إنّما هما ابنتايَ، وما ذاك فداك أبي وأمّي! قال: إنّ الله قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله، قال: الصّحبة.
قالت: فوالله ما شعرتُ قَطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدًا يبكي من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح. ثم قال: يا نبيّ الله، إن هاتينِ راحلتايَ، كنت أعددتُهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد -رجلًا من بني الدِّيل بن بكْر، وكانت أمّه امرأةً من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركًا- يدلّهما على الطّريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله ﷺ أحدٌ حين خرج إلّا عليٌّ بن أبي طالب وأبو بكر الصدّيق، وآل أبي بكر؛ فأمّا عليّ، بن أبي طالب فإنّ رسول الله ﷺ فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمرَهَ أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّيَ عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للنّاس، وكان رسول الله ﷺ وليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلّا وضعه عند رسول الله ﷺ ، لِمَا يُعرف من صدقه وأمانته. فلمّا أجمعَ رسول الله ﷺ للخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحافة، فخرجا من خَوْخَة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عَمدَا إلى غار بثَوْر جبل بأسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أنْ يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارَه، ثم يأتيهما إذا
стр. 459
أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخَبر، وأمَر عامرَ بن فُهَيرة مولاه أن يرعَى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى بالغار. وكانت أسماءُ بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثًا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدُوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخَبر، وكان عامر بن فُهَيرة مولَى أبي بكر يرعَى في رُعيان أهلِ مكّة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكّة اتّبع عامر بن فهيرة أثرَه بالغنم، حتى يُعفِّيَ عليه؛ حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبُهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عِصامًا. فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السُّفرة، فإذا ليس فيها عِصامٌ فحلّت نطاقها، فجعلَتْه لها عصَامًا، ثم عَلّقتها به -فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النّطاقين؛ لذلك -فلما قَرَّب أبو بكر الرّاحلتين إلى رسول الله ﷺ ، قَرّب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك أبي وأمّي! فقال رسول الله ﷺ : إنّي لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهو لك يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة مولاهُ خَلْفَه يخدمُهما بالطريق (١). (٢/ ٣٧٧ / ٣٧٨/ ٣٧٩).
стр. 460
٥١ - قال أبو جعفر: وقدِم دليلهُما بهما قُباءَ، على بني عمرو بن عوف، لثْنتَي ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول، يوم الإثنين حين اشتد الضُّحى، وكادت الشمس أن تعتدل (١). (٢: ٣٨١).