← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبدِ الرحمن بن محمَّد من الحروب بالزاوية. ذكر هشامُ بنُ محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهَمْدانيّ قال: كان دخولُ عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرّم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذاتَ يوم، فاشتدّ قتالهم، ثمّ إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوْا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادِقهم، وانهزمتْ عامة قريش وثَقيف، حتى قال عبيد بن مَوهَب مولى الحجاج وكاتبه: فر البَراءُ وابن عَمِّهِ مُصْعبٌ ... وفرَّتْ قريشٌ غيْرَ آل سَعِيد ثمّ إنهم تزاحَفوا في المحرّم في آخره في اليوم الذي هزمَ فيه أهلُ العراق أهلَ الشام، فنكصتْ ميمنتهم وميسرتهم، واضطربتْ رِماحهم، وتقوّض صفُّهم؛ حتى دَنوا منّا فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركْبتيه، وانتَضى نحوًا من شِبر من سيْفه، وقال: لله دَرّ مُصْعَب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نَزَل! فعلمت أنَّه والله لا يريد أن يفرّ. قال: فغمزتُ أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربَه بسيفي، فغمَزني غمزةً شديدة، فسكنت، وحانتْ مني التفاتة، فإذا سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ قد حَمل عليهم فهزَمهم من قِبَل الميمنة، فقلتُ: أبِشر أيُّها الأمير، فإنّ الله قد هَزَم العدوّ، فقال لي: قم فانظر؛ قال: فقمتُ فنظرت؛ فقلتُ: قد هزمهم الله، قال: قُمْ يا زياد فانظر؛ قال: فقام فنظر فقال: الحقّ أصلحك الله يقينًا قد هُزِموا، فخرّ ساجدًا، فلما رجعت شتمني أبي وقال: أردتَ أن تُهلِكني وأهل بيتي. وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عَوْسجة أبو سُفْيان النهميّ، وقتِل عقبة بن عبد الغافر الأزديّ ثمّ الجهضميّ في أولئك القرّاء في رِبْضة واحدة، وقُتِل عبد الله بن رِزام الحارثيّ، وقُتِل المنذرُ بنُ الجارود، وقُتل عبد الله بن عامر بن مسمَع، وأتيَ الحجاجُ برأسه، فقال: ما كنتُ أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه؛ وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلًا يومئذ فقتَله، وزعموا أنَّه كان مولىً للفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان شجاعًا

стр. 3957

يُدعَى نُصَيرًا، فلما رأى مشيتَه بين الصفَّين، وكان يلومه على مِشْيته قال: لا ألومُه على هذه المِشْية أبدًا. وقتِل الطفيل بن عامر بن واثلة، وقد كان قال وهو بفارسَ يُقبل مع عبد الرحمن من كَرْمان إلى الحجاج: أَلا طَرَقَتْنا بالغَريَّيْنِ بَعدَما ... كلِلْنَا على شَحْط المَزارِ جَنُوبُ أَتوْكَ يقُودُون المَنايا وإِنَّمَا ... هدَتها بأوَلَانا إليك ذُنوبُ ولا خيْرَ في الدّنيا لِمن لم يكَن لهُ ... منَ اللهِ في دَارِ القرَارِ نصيب ألا أَبلِغ الحجّاج أَنْ قد أظَلَّهُ ... عذاب بأَيْدِي المؤمنينَ مُصيبُ متى نَهْبط المصرَين يهْرُبْ مُحمّدٌ ... ولَيْسَ بِمُنْجِى ابنِ اللعين هرُوبُ قال: منَّيتَنا أمرًا كان في علم الله أنَّك أولَى به، فعجَّلَ لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة، وانهزمَ الناسُ، فأقبل عبد الرحمن نحوَ الكوفة وتبعه من كان معه من أهلِ الكوفة، وتَبِعه أهلُ القوّة من أصحاب الخيل من أهل البَصْرة. ولما مضى عبدُ الرحمن نحوَ الكوفة وَثَب أهل البَصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتَل بهم خمسَ ليال الحجّاج أشدّ قتال رآه الناس، ثمّ انصرف فلَحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البَصْرة فلَحِقوا به، وخرج الحَرِيش بن هلال السعديّ وهو من بني أنيف الناقة - وكان جريحًا - إلى سَفَوانَ فماتَ من جِراحتِه، وقُتِل في المعركة زيادُ بنُ مقاتل بن مِسمَع من بني قيس بن ثعلبة، فقامت حَمِيدة ابنتُه تَندبُه، وكان على خُمس بكرِ بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرّجال، فقالت: وحامَى زيادٌ على رايتَيْهِ ... وفرَّ جُدَيُّ بني العَنبَرِ فجاء البلتَع السعديّ فسمعها وهي تَندُب أباها، وتعيب التميميّ، فجاء وكان يبيع سَمْنًا بالمِربَد، فترك سَمْنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال: علامَ تلَوِمينَ من لم يُلِمْ ... تَطاول لَيْلكِ من مُعْصِرِ! فإنْ كانَ أَردَى أَباكِ السِّنانُ ... فقَدْ تلْحَقُ الخَيْلُ بالمدْبِرِ وقَدْ تَنْطَحُ الخَيْلُ تحْتَ العَجَا ... ج غَيْرَ البريّ ولا المُعْذِرِ ونَحْنُ منَعْنَا لواءَ الحَريشِ ... وطاح لواءُ بني جحْدرِ فقال عامر بن واثلة يرثي ابنَه طُفيلًا:

стр. 3958

خَلَّى طُفيلٌ عَلَيَّ الهَمَّ فانشَعَبا ... وهَدَّ ذلك رُكنِي هَدَّةً عجبَا وابْنَىْ سُمَيَّةَ لا أَنساهما أَبَدًا ... فيمن نسيتُ وكل كان لي نَصَبَا وأخْطأَتْني المنايا لا تُطالعُني ... حتى كبِرْتُ ولم يَتْرُكنَ لي نشَبَا وكنْتُ بعْدَ طُفَيْلٍ كالذي نَضَبَتْ ... عنه الميَاه وفاض الماءُ فانْقَضَبَا فلا بَعِيرَ لَهُ في الأرضِ يَركَبُهُ ... وإن سَعى إثر مَنْ قَدْ فاتَهُ لَغَبَا وسارَ من أَرضِ خاقانَ الَّتي غلَبت ... أبناءُ فارسَ في أَرْبائها غَلَبَا ومنْ سجِستَانَ أَسبابٌ تُزَيّنُهَا ... لك المَنِيَّةُ حَيْنًا كان مُجْتَلَبَا حتى وَرَدت حياض الموتِ فانكَشَفَتْ ... عنك الكتائِبُ لا تخفى لها عقبا وغَادَرُوكَ صريعًا رهْن معْركَةٍ ... تُرَى النُّسورُ على القتلى بها عُصَبا تعاهَدُوا ثمَّ لَمْ يُوفُوا بما عَهِدُوا ... وأَسلَمُوا للِعَدُوِّ السَّبْيَ والسَّلَبَا يا سَوءَةَ القَوْمِ إِذْ تُسْبىَ نِسَاؤُهُمُ ... وهُمْ كثِيرٌ يَرَونَ الخزيَ والحربَا (١) (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٥) قال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ أنّ الحجّاج أقام بقيّة المحرّم وأوّل صفر، ثمَّ استعمل على البَصرة أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلّف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضْرميّ، حليف حَرْب بن أمية على الكوفة (٢). (٦/ ٣٤٥). قال أبو مخنَف - كما حدّثني يونس بن أبي إسحاق -: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشام (٣). (٦/ ٣٤٥). قال أبو مخنَف: فحدّثني سهمُ بنُ عبد الرحمن الجُهنيّ أنهم كانوا ألفين، وكان حنظلة بنُ الورّاد من بني رِياح بن يَرْبوع التميميّ وابن عتّاب ابنِ وَرْقاء على المدائن، وكان مطرُ بن ناجية من بني يَرْبوع على المعونة، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبلَ حتى دنا من الكوفة، فتحصّن منه ابنُ الحضْرميّ في القصر، ووثب أهلُ الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضْرميّ، ومن معه من أهل

стр. 3959

الشام، فحاصَرَهم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلّوه والقصر، فصالحهم (١). (٦/ ٣٤٥). قال أبو مخنَف: فحدّثني يونسُ بن أبي إسحاقَ أنَّه رآهم يَنزلون من القصر على العَجَل، وفتِح باب القصر لمطر بن ناجية، فازدَحَم الناسُ على باب القصر، فزُحم مَطر على باب القصر، فاخترط سيفَه، فضَرَب به جحْفَلة بغل من بغالِ أهل الشام، وهم يخرجون من القصر، فألقى جحْفلته ودخل القَصْر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مئتي درْهم، قال يونس: وأنا رأيتها تُقسَم بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطِيَها، وأقبل ابنُ الأشعث منهزمًا إلى الكوفة، وتبعَه الناسُ إليها (٢). (٦/ ٣٤٥). وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دَيْر الجَماجم بين الحجاج وابن الأشعث في قول بعضهم. قال الواقدي: كانت وقعةُ دَيْر الجَماجم في شعبان من هذه السنة، وفي قول بعضهم: كانت في سنة ثلاث وثمانين. * ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دَيْر الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجّاج بها: ذكر هشام عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزبير الهَمْدانيّ ثمّ الأرجيّ، قال: كُنت قد أصابتْني جِراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابنَ الأشَعث حين أقبل، فاستقبلوه بعدما جازَ قنطرَة زبارا، فلما دنا منها قال لي: إن رأيتَ أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناسُ جراحتَك فإني لا أحبّ أن يستقبلهم الجرحى - فافعل، فعدلتُ ودخل الناسُ، فلما دخل الكوفة مالَ إليه أهلُ الكوفة كلهم، وسبقتْ همْدان إليه، فحفّت به عند دارِ عمروِ بنُ حُرَيث إلا طائفةً من تميم لَيْسوا بالكثير قد أتَوا مطرَ بنَ ناجية، فأرادوا أن يقاتِلوا دونَه، فلم يُطيقوا قتالَ الناس، فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعَجل، فوُضِعتْ ليَصعدَ الناسُ القَصْر، فصعِد

стр. 3960

الناسُ القصر فأخذوه، فأتِيَ به عبد الرحمن بن محمَّد، فقال له: استبقني فإني أفضلُ فُرسانِك وأعظمُهم عنك غَناء؛ فأمر به فحُبس، ثمّ دعا به بعد ذلك فعفا عنه وبايَعه مَطَرٌ، ودخلَ الناس إليه فبايعوه، وسَقَط إليه أهلُ البصرة، وتَقَوَّضَتْ إليه المَسالِح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرِف بذلك، وكان قد قاتل الحجاج بالبَصْرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثًا، فبلغ ذلك عبد الملك بنَ مروان، فقال: قاتل الله عُديّ الرَّحْمن، إنه قد فرّ! وقاتل غلمانٌ من غِلمان قريش بعده ثلاثًا، وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البرّ حتى مرّ بين القادسيَة والعُذَيب، ومَنَعوه من نزول القادسيّة، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عبد الرحمن بن العبّاس في خيل عظيمة من خيل المصرَيْن فمنعوه من نزول القادسيّة، ثمَّ سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثمّ تَسايرَوا حتى نزل الحجاج ديرَ قُرَّة، ونزل عبدُ الرحمن بنُ العباس ديرَ الجماجم، ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل بديرِ الجمَاجم والحجاج بدير قُرَّة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبدُ الرحمن يزْجُر الطيرَ حيث رآني نزلتُ ديرَ قُرَّة، ونزل ديرَ الجماجم! واجتمع أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الثغور والمسالح بدَيْر الجماجم والقرّاء من أهل المِصرَين، فاجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، وجمَعَهم عليه بغضُهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مُقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مَواليهم، وجاءت الحجاجَ أيضًا أمدادُه من قِبَل عبد الملك من قبل أن ينزل ديرَ قُرَّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن يَنزِل ديرَ قُرَّة أن يرتفع إلى هِيتَ وناحية الجزيرة إرادةَ أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيَه المددُ من الشام من قريب، ويقترب من رَفاغة سِعْر الجزيرة، فلما مرّ بدَيْر قرة قال: ما بهذا المنزل بُعدٌ من أمير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جَنْبنا، فنزل فكان في عسكره مخندِقًا وابن محمَّد في عسكره مخندقًا، والناس يخرجون في كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدنِي خَندقَه نحو صاحبه، فإذا رآه الآخر خندقَ أيضًا، وأدنَى خندقه من صاحبه، واشتدّ القتال بينهم، فلما بلغ ذلك رؤوس قريش وأهلُ الشام قِبَل عبد الملك ومَواليه قالوا: إن كان إنما يُرْضِي أهل العراق أن يُنزَعَ عنهم الحجاج، فإنّ نزع الحجاج أيسرُ من حَرْب أهلِ العراق، فانزِعْه

стр. 3961

عنهم تُخْلص لك طاعتُهم، وتحقن به دِماءنا ودماءَهم، فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمَّد بن مروان بأرض المَوْصل يأمره بالقدوم عليه، فاجتمَعا جميعًا عنده؛ كلاهما في جُنْدَيهما؛ فأمرهما أن يَعرِضا على أهل العراق نزعَ الحجّاج عنهم، وأن يُجرِيَ عليهم أعطياتِهم كما تُجرَى على أهل الشام، وأن ينزل ابن محمَّد أيّ بلد من عراق شاءَ، يكون عليه واليًا ما دام حيًّا، وكان عبد الملك واليًا؛ فإن هم قبلوا ذلك عُزل عنهم الحجاج، وكان محمَّد بن مروان أمير العراق، وإن أبَوا أن يقبلوا فالحجّاج أميرُ جماعة أهلِ الشام ووليّ القتال، ومحمد بن مروانَ وعبد الله بن عبد الملك في طاعته، فلم يأتِ الحجاجَ أمرٌ قطَ كان أشدّ عليه ولا أغيَظ له ولا أوَجعَ لقَلْبه منه مخافةَ أن يقبلوا فيُعزَلَ عنهم، فكتَب إلى عبد الملك: يا أميرَ المؤدمنين، والله لئن أعطيتَ أهلَ العراق نَزْعى لا يلبثون إلَّا قليلًا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلَّا جرأةً عليك، ألم تر وتَسمع بوُثوب أهلِ العراق مع الأشتر على ابن عفّان، فلما سألهم ما يريدون قالوا: نزعَ سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه! إنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَح خارَ الله لك فيما ارتأيتِ، والسلام عليك. فأبَى عبدُ الملك إلَّا عرضَ هذه الخِصال على أهل العراق إرادةَ العافية من الحَرْب، فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبدُ الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا عبدُ الله بن أمير المؤمنين، وهو يُعطيكم كذا وكذا، فذكَر هذه الخصال التي ذكرْنا، وقال محمَّد بنُ مروان: أنا رسولُ أمير المؤمنين إليكم، وهو يَعرِض عليكم كذا وكذا، فذكَرَ هذه الخصالَ، قالوا: نرجع العشيّة، فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يَبقَ قائدٌ ولا رأس قوم ولا فارسٌ إلَّا أتاه، فَحمِد الله ابنُ الأشعث وأثنَى عليه ثمّ قَالَ: أما بعد، فقد أعطِيتم انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذِي الرّأي غدًا حَسْرة، وإنكم اليومَ على النّصف وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيَوْم تُسْتَرَ فاقبلوا ما عَرضوا عليكم وأنتم أعزّاءُ أقوياءُ، والقومُ لكم هائبون وأنتم لهم منتقصِون، فلا واللهِ لا زِلتم عليهم جُرّاء، ولا زلتمْ عندهم أعزّاء، إن أنتم قبلتم أبدًا ما بقيتم.

стр. 3962

فوَثب الناسُ من كل جانب، فقالوا: إنَّ الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزْل والضّنْك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العَدَد الكثير، والسعر الرفيغ والمادّة القريبة، لا واللهِ لا نقبل. فأعادوا خلعَه ثانية، وكان عبد الله بن ذواب السلميّ وعمَير بن تيحان أوّل من قام بخلعه في الجمَاجم، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارسَ. فرجع محمَّد بنُ مروانَ وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا: شأنَك بعَسْكرك وجندِك فأعمل برأيك، فإنا قد أمِرْنا أن نَسمَع لك ونطيع، فقال: قد قلتُ لكما: إنه لا يُراد بهذا الأمر غيرُكما، ثمَّ قال: إنما أقاتل لكما، وإنما سلطاني سلطانُكما، فكانا إذا لَقِياه سلَّما عليه بالإمرة، وقد زَعَم أبو يزيدَ السَّكْسكيّ أنَّه إنما كان أيضًا يسلّم عليهما بالإمرة إذا لقيَهما، وخلَّياه والحرب فتولّاها (١). (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٩). قال أبو مخنَف: فحدّثني الكلبي محمَّد بن السائب أنّ الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعتُ عبد الرحمن بن محمَّد وهو يقول: ألا إنَّ بني مَرْوان يعيَّرون بالزّرقاء، والله ما لهم نسبٌ أصحّ منه إلا أن بني أبي العاص أعلاجٌ من أهل صَفّورِيَة، فإن يكنْ هذا الأمر في قريش فعنّي فُقئتْ بَيضة قريش، وإن يَك في العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس - ومدّ بها صوتَه يُسمِع الناسَ - وبَرَزوا للقتال، فجعل الحجّاجُ على ميمنته عبدَ الرحمن بنَ سُليم الكلبيّ، وعلى ميسرَته عُمارة بن تميم اللّخميّ، وعلى خَيلِه سُفْيان بن الأبرد الكلبي، وعلى رجَّالته عبد الرحمن بن حبيب الحكميّ، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجّاج بن جارية الخثعميّ، وعلى ميسَرته الأبرد بن قرّة التميميّ، وعلى خَيلِه عبد الرّحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشميّ، وعلى رجَّالته محمَّد بن سعد بن أبي وقّاص، وعلى مجففته عبد الله بن رِزَام الحارثيّ، وجعل على القرّاء جَبَلة بن زَحْر بن قيس الجعفيّ، وكان معه خمسةَ عشرَ رجلًا من قريش،

стр. 3963

وكان فيهم عامر الشعبيّ، وسعيد بنُ جبير، وأبو البختريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ثمَّ إنهم أخذوا يتزاحفون في كلّ يوم ويقتتلون؛ وأهل العراق تأتيهم موادّهم من الكوفة ومن سواِدها فيما شاؤوا من خِصبِهم، وإخوانُهم من أهل البَصْرة وأهل الشام في ضِيق شديد، قد غلتْ عليهم الأسعار، وقَلّ عندهم الطعام، وفَقَدوا اللّحم، وكانوا كأنهم في حصار، وهم على ذلك يُغادون أهلَ العراق ويراوِحُونهم، فيقَتتلون أشدّ القتال، وكان الحجاجُ يُدنى خندقه مرّة وهؤلاء أخرى، حتى كان اليوم الذي أصيبَ فيه جَبلة بن زحْر، ثمّ إنه بعث إلى كُمَيل بن زياد النخعيّ وكان رَجُلًا رَكينًا وقورًا عند الحرب، له بأس وصوتٌ في الناس، وكانت كتيبتُه تُدعى كتيبة القرّاء، يُحمل عليهم فلا يكادون يبرحون، ويحملون فلا يكذبون، فكانوا قد عرفوا بذلك، فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وخرج الناسُ، فعبّى الحجاج أصحابَه، ثمّ زحف في صُفوفه، وخرج ابن محمّد في سبعة صفوف بعضها على أثَر بعض، وعبّى الحجاج لكتيبة القرّاء التي مع جَبلَة بن زَحْر ثلاث كتائب، وبعث عليها الجرّاح بن عبد الله الحَكَميّ، فأقبلوا نحوَهم (١). (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠). قال أبو مخنف: حدّثني أبو يزيد السَّكْسَكيّ، قال: أنا والله في الخيلِ التي عُبِّيت لجبلَة بن زَحْر، قال: حملْنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات؛ كلّ كتيبة تحمل حَمْلة، فلا والله ما استنقَصْنا منهم شيئًا (٢). (٦/ ٣٥٠). ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلّب وفي هذه السنة تُوُفِّي المغيرةُ بنُ المهلّب بخُراسانَ. ذكَر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضل بن محمَّد، قال: كان المغيرةُ بنُ المهلب خليفةَ أبيه بمَرْو على عَمله كله، فمات في رجَب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد، وعلمَه أهلُ العسكر فلم يُخبِروا المهلّب، وأحبّ يزيد أن يبلّغه، فامر

стр. 3964

النساء فصرَخْن، فقال المهلّب: ما هذا؟ فقيل: مات المغيرة، فاسترْجعَ وجَزِع حتى ظهر جزَعُه عليه، فلَامه بعضُ خاصّته، فدعا يزيدَ فوجّهَه إلى مَرْوَ، فجعل يُوصِيه بما يَعمَل ودموعه تَنْحدِر على لحيته، وكتب الحجّاج إلى المهلب يعزّيه عن المغيرة، وكان سيدًا، وكان المهلب يومَ مات المغيرة مقيمًا بكِسّ وراء النهر لحرْب أهلِها. قال: فسار يزيدُ في ستين فارسًا - ويقال: سبعين - فيهم مُجّاعة بن عبد الرحمن العَتَكيّ، وعبد الله بن مُعمّر بن سُمير اليَشكريّ، ودينار السجِسْتانيّ، والهيثم بن المنخّل الجُرْموزيّ، وغَزوان الإسكاف صاحب زَمّ - وكان أسلَمَ على يد المهلب - وأبو محمَّد الزّميّ، وعطية - مولى لعتيك - فلقيَهم خمسمئة من الترك في مَفازةِ نَسَفَ، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجّار؛ قالوا: فأين الأثقال؟ قالوا: قدّمناها؛ قالوا: فأعطُونا شيئًا، فأبى يَزيد، فأعطاهم مُجّاعة ثوبًا وكرابيسَ وقَوسًا، فانصرَفوا ثمّ غَدرُوا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنتُ أعلمُ بهم فقاتِلوهم، فاشتدّ القتال بينهم، ويزيدُ على فرس قريب من الأرض، ومعه رجلٌ من الخَوارج كان يزيدُ أخَذه، فقال: استَبْقني؛ فمنّ عليه، فقال له: ما عندَك؟ فحمَل عليهم حتى خالطهم، وصار من ورائِهم وقد قَتَل رَجلأ، ثمّ كرّ فخالطهم حتى تقدّمهم وقَتَل رجلًا ثمّ رجع إلى يزيدَ، وقتَل يزيدُ عظيمًا من عظمائهم، ورُمى يزيدُ في ساقه، واشتدّت شوكتهم، وهرب أبو محمَّد الزّميّ، وصبر لهم يزيدُ حتى حاجَزوهم، وقالوا: قد غَدرنا، ولكن لا ننصرف حتى نموتَ جميعًا أو تموتوا أو تُعطونا شيئًا، فحلف يزيدُ لا يعطيهم شيئًا، فقال مُجّاعة: أذكّرك اللهَ، قد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشُدك الله أن تصابَ اليومَ! قال: إنَّ المغيرة لم يَعْدُ أجلَه، ولستُ أعدو أجَلي، فرمى إليهم مُجَّاعة بِعمامة صفراءَ فأخذوها وانصَرَفوا، وجاء أبو محمَّد الزّميّ بفوارسَ وطعام، فقال له يزيد: أسلَمتنا يا أبا محمَّد؛ فقال: إنما ذهبتُ لأجيئكم بمَدَد وطعام، فقال الراجز: يزيدُ يا سَيفَ أَبي سعيدْ ... قد علمَ الأقوامُ والجنودْ والجمعُ يَوم المجمع المشهودْ ... أنك يوم التُّركِ صَلبُ العودْ

стр. 3965

وقال الأشقريّ: والتُّرك تعلمُ إذ لَاقى جُموعَهُمُ ... أنْ قد لقوهُ شِهابًا يَفرِج الظُّلمَا بفِتيَةٍ كأُسُودِ الغابِ لم يَجِدوا ... غيرَ التأسِّي وغيرَ الصبرِ مُعْتَصَمَا نرى شَرائجَ تَغشى القومَ من علقٍ ... وما أَرى نبوةً منهمْ ولا كَزَما وتحتَهُمْ قرَّحٌ يَرْكبْنَ ما ركِبوا ... من الكريهة حتى ينْتلعن دَمَا في حازَّةِ الموتِ حتى جنَّ لَيْلُهُمُ ... كِلَا الفريقين ما وَلَّى ولا انهزما (١) (٦/ ٣٥٠ - ٣٥٢). * * * وفي هذه السنة صالَح المهلب أهل كسّ على فِدْية، ورحلَ عنها يريد مَرْوَ. ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلَّب عن كِسّ: ذكر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد، أن المهلب اتّهم قومًا من مُضرَ فحبسهم وقَفَل من كِسّ وخَلّفهم، وخَلّف حريث بنَ قُطْبة مولَى خُزاعة، وقال: إذا استوفيتَ الفِدْية فرُدَّ عليهم الرُّهُن، وقطع النَّهر فلما صار ببَلْخَ أقام بها وكَتَب إلى حُرَيث: إني لستُ آمن إن رددت عليهم الرّهُن أن يغيروا عليك، فإذا قبضتَ الفِديَة فلا تخلّى الرُّهُن حتى تقدم أرض بَلْخ. فقال حُرَيث لِملك كِسّ: إنَّ المهلب كتب إليّ أن أحبس الرُّهُن حتى أقدم أرض بَلْخ، فإن عَجّلت لي ما عليك سلّمتُ إليك رهائنَك، وسرت فأخبرتُه أن كتابه ورد، وقد استوفيتُ ما عليكم، ورددتُ عليكم الرهُن؛ فعجِّل لهم صُلحَهم، وردّ عليهم من كان في أيديهم منهم، وأقبَل، فعرَضَ لهم الترك، فقالوا: افْدِ نفسَك ومن معك، فقد لقينا يزيدَ بن المهلّب ففَدَى نفسِه، فقال حُرَيث: ولَدَتْني إذًا أمّ يزيد! وقاتَلَهم فقَتَلهم، وأسرَ منهم أسرَى ففدوْهم، فمنّ عليهم وخلّاهم، وردّ عليهم الفِداء، وبلِغ المهلّبَ قولُه: ولدتْني أمّ يزيدَ إذًا، فقال: يأنف العبدُ أن تَلده رَحِمهُ! وغَضِب.

стр. 3966

فلما قدم عليه بَلَخَ قال له: أين الرّهُن؟ قال: قبضتُ ما عليهم وخلَّيتهُم، قال: ألم أكتبْ إليك ألَّا تخلّيَهم! قال: أتاني كتابُك وقد خليتُهم، وقد كُفيتُ ما خفتَ؛ قال: كذبتَ، ولكنك تقرّبت إليهم وإلى مَلكِهم فأطلعتَه على كتابي إليك، وأمَرَ بتجريده، فجَزِع من التجريد حتى ظنّ المهلبُ أن به برصًا، فجرّده وضَرَبه ثلاثين سَوْطًا، فقال حُرَيث: وَدِدتُ أنَّه ضربني ثلاثمئة سَوْط ولم يجرّدني، أنَفًا واستِحياء من التجريد، وحلف ليَقتلنّ المهلّب. فرَكِب المهلب يومًا ورَكِب حُرَيث، فأمر غلامين له وهو يَسيرُ خلفَ المهلّب أن يضرباه، فأبى أحدُهما وتَرَكه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لمّا صار وحده أن يُقدمَ عليه، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه؟ قال: الإشفاق والله عليك، وواللهِ ما جزعتُ على نفسي، وعلمتُ أنا إنْ قتلناه أنك ستُقتَل ونقتَل، ولكن كان نظري لك، ولو كنت أعلم أنك تسلم مِنْ القَتل لقتلتُه. قال: فترك حُرَيث إتيانَ المهلّب، وأظهر أنَّه وَجِعٌ، وبلغ المهلّب أنَّه تمارَض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جئني بأخيك، فإنما هو كبعض ولدي عِندْي، وما كان ما كان منّي إليه إلَّا نظرًا له وأدبًا، ولربما ضربتُ بعضَ ولدي أؤدِّبه، فأتى ثابت أخاه فناشَدَه، وسأله أن يركَبَ إلى المهلب، فأبى وخافَه، وقال: واللهِ لا أجيئُه بعدما صَنَع بي ما صَنَع، ولا آمنُه ولا يأمنُني، فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له: أما إنْ كان هذا رأيُك فأخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، وخاف ثابت أن يَفتِك حريثٌ بالمهلّب فيُقتلون جميعًا؛ فخرجا في ثلاثمئة من شاكريّتهما والمنقطِعين إليهما من العرب (١). (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣). خبر وفاة المهلب بن أبي صفرة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة. * ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته: قال عليّ بن محمَّد: حدّثني المفضّل، قال: مضى المهلب منصرَفَهُ من كِسّ

стр. 3967

يريد مَرْوَ، فلما كان بزاغولَ من مَرْو الرُّوذ أصابتْه الشَّوْصة - وقوم يقولون: الشوْكة - فدعا حبيبًا ومَن حضَره من ولده، ودعا بسهام فحُزمتْ، وقال: أترونكم كاسرِيها مجتمعةً؟ قالوا: لا، قال: أفترَوْنكم كاسِريها متفرّقة؟ قالوا: نعم؛ قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتَقَوى الله وصلةِ الرّحِم، فإن صِلَة الرّحِم تُنسئ في الأجل، وتُثْرى المال، وتُكثر العَدَدِ؛ وأنهاكم عن القطيعة، فإن القطيعة تُعْقِب النار، وتورِث الذلَّة والقِلّة، فتحابّوا وتواصَلوا، وأجمِعوا أمرَكم ولا تختَلفوا، وتبارُّوا تجتمعْ أمورُكم؛ إنَّ بني الأمّ يختلفون، فكيف ببني العَلّات! وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالُكم أفضل من قولكم، فإني أحبّ للرجل أن يكون لعمله فضلٌ على لسانه، واتقوا الجوَابَ وزلّة اللسان، فإنّ الرجل تزِلّ قدمُه فينتعِش من زَلته، ويزِلّ لسانُه فيَهلِك، اعرِفوا لمَن يغشاكم حقَّه، فكفى بغَدوّ الرجل ورَواحِه إليكم تذكرةً له، وآثروا الجُودَ على البُخْل، وأحِبّوا العَرَب واصطنعوا العُرْف، فإنّ الرجل من العرب تَعدُه العِدةَ فيموتَ دونَك، فكيف الصنيعة عندَه! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإنْ أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوّه قيل: أتى الأمرَ من وَجْهه، ثمّ ظفِر فحُمد، وإن لم يَظهر بعد الأناة قيل: ما فرّط ولا ضيّع، ولكنّ القضاء غالب، وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنَن، وأدب الصّالحين، وإياكم والخِفّة وكثرَة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفتُ عليكم يزيدَ، وجعلتُ حبيبًا على الجُنْد حتّى يَقدم بهم على يزيد، فلا تُخالفوا يزيدَ، فقال له المفضّل: لو لم تقدّمه لقدّمناه. ومات المهلّب وأوصى إلى حبيب، فصلّى عليه حبيب، ثمّ سار إلى مَرْوَ، وكتب يزيدُ إلى عبد الملك بوَفاةِ المهلب واستخلافهِ إياه، فأقرّه الحجّاج. ويقال: إنه قال عند موته ووصيّته: لو كان الأمرُ إليّ لولّيتُ سيد ولدي حبيبًا، قال: وتوفِّيَ في ذي الحِجة سنة اثنتين وثمانين، فقال نَهارُ بنُ تَوسِعة التميميّ: أَلَا ذَهبَ الغزوُ المُقَرِّبُ للغِنَى ... ومات النَّدى والجُودُ بعد المهلَّبِ أقامَا بمروَ الرُّوذِ رَهنَيْ ضريحِهِ ... وقد غُيّبَا عن كلّ شرقٍ ومغربِ إذا قيلَ أيُّ الناسِ أَولى بنعمةٍ ... على الناسِ؟ قلناه ولم نتَهَيَّبِ أبَاحَ لنا سهلَ البلادِ وحزنَها ... بخيلٍ كأَرسال القَطَا المُتَسَرِّبِ

стр. 3968

يُعرِّضُها للطَّعنِ حتّى كأَنَّما ... يجلِّلها بالأرجُوان المُخضَّبِ تُطيفُ به قَحطانٌ قد عُصِّبتْ به ... وأحلافُها من حيّ بكرٍ وتَغلِبِ وحَيَّا مَعدٍّ عُوَّذٌ بِلِوائه ... يُفدُّونَه بالنفس والأم والأَب (٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥) * * * وفي هذه السنة ولّى الحجّاجُ بن يوسفَ يزيدَ بنَ المهلب خُراسانَ بعد موت المهلّب. وفيها عَزَل عبدُ الملك أبانَ بن عثمان عن المدينة؛ قال الواقديّ: عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلتْ من جُمادَى الآخرة. قال: وفيها ولّى عبدُ الملك هشامَ بن إسماعيلَ المخزوميّ المدينة، وعَزَل هشامُ بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفَلَ بن مُساحق العامريّ، وكان يحيى بن الحَكم هو الذي استقضاه على المدينة، فلما عُزل يحيى ووَليها أبانُ بنُ عثمان أقرّه على قضائها؛ وكانت ولاية أبانَ المدينةَ سبع سنينَ وثلاثةَ أشهر وثلاث عشرةَ ليلة، فلما عَزَل هشامُ بن إسماعيلُ نوفَلَ بن مُساحِق عن القضاء ولَّى مكانَه عمرو بن خالد الزُّرَقيّ. وحجّ بالناس في هذه السنة أبانُ بنُ عثمان، كذلك حدّثني أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر. وكان على الكوفة، والبَصْرة والمَشرِق الحجّاجُ، وعلى خُراسانَ يزيدُ بنُ المهلب من قبَل الحجّاج. (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦). ثمَّ دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر هزيمة ابن الأَشعث بدير الجماجم فمما كان فيها من ذلك هزيمةُ عبدِ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث بدَيْر الجمَاجم. * ذكر الخبر عن سبب انهزامه: ذكر هشام بن محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهمْدانيّ،

стр. 3969

قال: كنتُ في خَيْل جَبَلة بن زحْل، فلما حَمَل عليه أهلُ الشام مرة بعد مرّة نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشرَ القرّاء، إنَّ الفِرار ليس بأحد من الناس بأقبحَ منه بكم؛ إني سمعتُ عليًّا - رفع الله درجتَه في الصّالحين، وأثابَه أحسَن ثوابَ الشهداء والصدّيقين - يقول يومَ لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه مَن رأى عُدوانًا يُعمَل به، ومُنكَرًا يُدعَى إليه، فأنكرَهَ بقَلْبه فقد سَلم وبَرِئ، ومن أنكر بلِسانه فقد أجِر، وهو أفضلُ من صاحبه، ومَن أنكَره بالسيف لتكون كلمةُ الله العُلَيا وكلمةُ الظالمين السفْلَى، فذلك الذي أصابَ سبيلَ الهُدى، ونوّر في قلبه اليقين، فقاتِلوا هؤلاء المُحِلّين المُحدِثين المبتدعِين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعَمِلوا بالعدوان فليس يُنْكرونه. وقال أبو البَخْتَري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودُنْياكم، فوالله لئن ظهَروا عليكم ليُفسِدُنّ عليكم دينكم، وليَغلِبُنّ على دنياكم. وقال الشعبيّ: يا أهل الإِسلام قاتِلُوهم ولا يأخذْكم حَرَجٌ من قتالهم، فوالله ما أعلم قومًا على بَسيطِ الأرض أعمَل بِظُلم، ولا أجْوَرَ منهم في الحُكم، فليكن بهم البدار. وقال سعيد بنُ جُبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتِلوهم على جَوْرِهم في الحُكْم، وتجبّرهم في الدين، واستذلالِهم الضّعفاء وإماتتهم الصّلاة (١). (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨). قال أبو مخنَف: قال أبو الزّبير: فتهيّأنا للحَمْلة عليهم، فقال لنا جَبَلة: إذا حمِلتم عليهمْ فاحملوا حملةً صادقة، ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تُواقِعوا صفَّهم، قال: فحملنا عليهم حملةً بجدّ منّا في قتالِهم، وقوّة منا عليهم، فضربنا الكتائبَ الثلاث حتى اشفترّت، ثمّ مضينا حتى واقعْنا صفّهم فضربناهم حتى أزلْناهم عنه، ثمّ انصرفْنا فمررنا بجَبَلة صريعًا لا نَدري كيف قُتل. قال: فهدّنا ذلك وَجبُنّا فوقَفْنا موقفنا الذي كنّا به، وإنّ قُرّاءنا لمتوافِرون ونحن نتنَاعى جبلةَ بن زَحْر بيننا، كأنما فقدَ به كلّ واحد منا أباه أو أخاه، بل هو

стр. 3970

في ذلك المَوطِن كان أشدّ علينا فَقدًا، فقال لنا أبو البَخْتريّ الطائيّ: لا يستبينَنّ فيكم قتلُ جَبَلة بن زَحْر، فإنما كان كرجل منكم أتتْه منيّته ليَومها، فلم يكن ليتقدّم يومُه ولا ليتأخّر عنه، وكلّكم ذائق ما ذاقَ، ومدعوّ فمجيب، قال: فنظرتُ إلى وجوه القُرّاء فإذا الكآبةُ على وجوههم بيّنة، وإذا ألسنتهم منقطِعة، وإذا الفَشَل فيهم قد ظَهَر، وإذا أهلُ الشام قد سُرّوا وجَذِلوا، فنادَوا: يا أعداءَ الله، قد هَلَكتم، وقد قَتَل الله طاغُوتكم (١). (٦/ ٣٥٨). قال أبو مخنَف: فحدّثني أبو يزيد السَّكسكيّ أنّ جبَلة حين حَمل هو وأصحابُه علينا انكشفْنا، وتبعونا، وافترقتْ منا فِرقة فكانت ناحيةً، فنظرْنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابَنا، وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رَهوة فقال بعَضُنا: هذا والله جَبَلة بن زَحْر، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيلَ بالقِتال عنه لعلّكم تصيبونه، قال: فحملْنا عليه، فأشهَدُ ما وَلَّى ولكن حَمل علينا بالسيف، فلمّا هبط من الرَّهوة، شَجرْناه بالرّماح فأذْرَيناه عن فرسه فوقع قتيلًا، ورجع أصحابُه، فلما رأيناهم مقبلين تنحيْنا عنهم، فلما رأوه قتيلًا رأينا من استرجاعهم وجزعِهم ما قرّت به أعيُننا؛ قال: فتبينّا ذلك في قتالهم إيانا وخروجِهم إلينا (٢). (٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩). قال أبو مخنَف: حدّثني سهم بنُ عبد الرحمن الجُهَنيّ، قال: لما أصيب جَبلة هدّ الناسَ مقتلُه، حتى قدم علينا بِسطام بن مَصقَلة بن هُبيرة الشيبانيّ، فشجع الناسَ مقدَمُه، وقالوا: هذا يقوم مقامَ جَبَلة، فسَمِع هذا القولَ من بعضهم أبو البَختريّ، فقال: قُبِّحتم! إن قتل منكم رجل واحد ظننتمْ أن قد أحِيط بكم، فإن قُتل الآن ابنَ مصقَلة ألقَيتم بأيديكم إلى التهلكة، وقلتم: لم يَبق أحد يقاتِل معه! ما أخَلَقكم أن يُخلَفَ رجاؤنا فيكم! وكان مَقدم بِسطام من الرّيّ، فالتقى هو وقتيبة في الطريق، فدعاه قُتيبة إلى الحجّاج وأهل الشام، ودعاه بِسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه، وقال بِسطام: لأنَّ أموتَ مع أهل العراق أحَبّ إليّ من أن أعيشَ مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسَبَذَانَ؛ فلمّا قدم قال لابن محمَّد: أمِّرْني على خيل ربيعةَ؛ ففعل، فقال لهم: يا معشر

стр. 3971

ربيعة، إنَّ فيّ شَرسَفةً عند الحرب فاحتملوها لي - وكان شُجاعًا - فخرج الناسُ ذاتَ يوم ليَقتتلوا، فَحمل في خيلِ ربيعةَ حتى دخل عسكرَهم، فأصابوا فيهم نحوًا من ثلاثين امرأةً من بين أمَة وسُرّيّة، فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردّهنّ، فجئن ودخلْنَ عسكر الحجاج، فقال: أوْلَى لهم! مَنَع القومُ نساءَهم، أما لو لم يردّوهنّ لسبيت نساؤهم غدًا إذا ظَهرت ثمَّ اقتَتلوا يومًا آخَر بعد ذلك، فحمَل عبدُ الله بنُ مُلَيل الهَمْدانيّ في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثمانيَ عشرةَ امرأةً، وكان معه طارقُ بنُ عبد الله الأسديّ - وكان راميًا - فخرج شيخٌ من أهل الشام من فُسْطاطِه، فأخَذ الأسديّ يقول لبعض أصحابه: استرْ منّي هذا الشيخَ لعلّني أرمِيه أو أحمل عليه فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعًا صوتَه: اللهمّ لُمّنا وإيّاهم بعافية؛ فقال الأسَديّ: ما أحبّ أن أقتَل مِثلَ هذا، فتركه وأقبَل ابنُ مليل بالنساء غيرَ بعيد؛ ثمّ خلّى سبيلَهنّ أيضًا، فقال الحجّاج مِثلَ مقالتِه الأولى (١). (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠). قال هشام: قال أبي: أقبل الوليد بن نُحيْت الكلبيّ من بني عامر في كتيبة إلى جَبَلة بن زحْر، فانحطّ عليه الوليد من رابية - وكان جسيمًا، وكان جبَلة رجلًا رَبْعةً - فالتَقَيا، فضربَه على رأسه فسَقَط، وانهزَم أصحابُه وجِيء برأسِه. (٦/ ٣٦٠). قال هشام: فحدّثني بهذا الحديث أبو مِخنَف وعَوانة الكلبيّ، قال: لمّا جيء برأس جبلة بن زَحْر إلى الحجاج حَمَله على رمحين ثمّ قال: يا أهل الشام، أبشِروا؛ هذا أوّل الفتح، لا والله ما كانت فِتنة قطّ فخبَتْ حتى يُقتل فيها عظيمٌ من عظماء أهل اليَمَن، وهذا من عظمائهم، ثمّ خرجوا ذاتَ يوم فخرج رجلٌ من أهل الشام يدعو إلى المبارَزة، فخرج إليه الحجّاج بن جارية، فحملِ عليه، فطعنَه فأذْراه، وحمل أصحابُه فاستنقَذوه، فإذا هو رجل من خَثْعَم يقال له أبو الدَّرداء، فقال الحجاج بن جارية: أما إنّي لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفتُه ما بارزته، ما أحِبّ أن يصابَ من قومي مِثله، وخرج عبد الرحمن بن عوف الرّؤاسيّ أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عمّ له من أهل الشام،

стр. 3972

فاضطربا بسيْفَيهما، فقال كلّ واحد منهما: أنا الغلام الكلابيّ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: مَنْ أنت؟ فلمّا تساءَلا تحاجَزا، وخرج عبدُ الله بنُ رِزام الحارثيّ إلى كَتيبة الحجاج، فقال: اخرُجوا إليّ رجلًا رجلًا، فأخرج إليه رجلٌ، فقتَلَه ثمّ فعل ذلك ثلاثة أيام، يَقتُل كلّ يوم رجلًا، حتى إذا كان اليوم الرابع أقبَل، فقالوا: قد جاء لا جاء الله به! فدعا إلى المبارَزة، فقال الحجاج للجرّاح: اخُرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبدُ الله بنُ رِزام - وكان له صديقًا: ويْحَك يا جرّاح! ما أخرجك إليّ! قال: قد ابتُليتُ بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: أنهزِم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنتَ عندَه وحَمِدَك، وأما أنا فإني أحتمل مقالَة الناس في انهزامي عنك حُبًّا لسلامتك، فإني لا أحبّ أن أقتلَ من قومي مثلك؛ قال: فافعل، فحَملَ عليه فأخذ يَستَطرد له - وكان الحارثيّ قد قطعتْ لهاتُه، وكان يَعطش كثيرًا، وكان معه غلامٌ له معه إدَاوةٌ من ماء، فكلَّما عَطِش سقاهُ الغلام - فاطَّرد له الحارثيّ، وحمَل عليه الجرّاح حملةً بجد لا يريد إلَّا قتله، فصاح به غُلامُه: إنّ الرجل جادّ في قتلك! فعَطَف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصَرَعه، فقال لغلامه: انضَحْ على وجهه من ماء الإداوة، واسقِه؛ ففعلَ ذلك به، فقال: يا جرّاح، بئْسَما جزَيْتني، أردتُ بك العافية وأردتَ أن تُزيرني المنيّة! لم أرِدْ ذلك، فقال: انطَلِقْ فقد تركتُك للقرابة والعشيرة (١). (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١). قال محمّد بن عمر الواقديّ: حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن صالح بن كَيْسان، قال: قال سعيد الحَرَشيّ: أنا في صفّ القتال يومئذ إذ خرج رجلٌ من أهل العراق، يقال له: قدامة بن الحَريش التميميّ، فوقف بين الصّفين، فقال: يا معشر جَرامِقة أهلِ الشام، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إليّ رجلٌ، فخرج إليه رجلٌ من أهل الشام فقتَله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديًا فنادَى: لا يَخرج إلى هذا الكَلْب أحد، قال: فكفّ الناس، قال سعيد الحَرَشيّ: فدنوتُ من الحجاج فقلت: أصلَح الله الأمير! إنك رأيتَ ألَّا يَخرُج إلى هذا الكلب أحد، وإنما هلك مَن هلك من هؤلاء النفر بآجالهم، ولهذا الرجل أجَلٌ، وأرجو أن يكون قد حضر، فائْذن لأصحابي الذين قَدِموا معي فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجّاج: إن هذا الكلب لم يزل

стр. 3973

هذا، له عادة وقد أرعب الناس، وقد أذنت لأصحابك، فمن أحبَّ أن يقوم فليَقم. فرجع سعيد الحَرشيّ إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز بَرَز إليه رجل من أصحاب الحرشيّ، فقتله قدامةُ، فشقّ ذلك على سعيد، وثَقُل عليه لكلامه الحجاج، ثمَّ نادى قدامة: مَن يُبارِز؟ فدنا سعيد من الحجاج، فقال: أصلَحَ الله الأمير! ائذَن لي في الخروج إلى هذا الكَلْب، فقال: وعندَك ذلك؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحبّ؛ فقال الحجاج: أرِني سيفَك، فأعطاه إياه، فقال الحجّاج - ونظر إلى سعيد فقال: ما أجوَدَ دِرعَك وأقوى فرسك! ولا أدري كيف تكون مع هذا الكلب! قال سعيد: أرجو أن يُظفِرني الله به، قال الحجاج: أخرج على بَرَكة الله، قال سعيد: فخرجتُ إليه، فلما دنوتُ منه، قال: قفْ يا عدوَّ الله، فوقفتْ، فسرّني ذلك منه، فقال: اختَر إما أنْ تُمكِنني فأضربَك ثلاثًا، وإما أن أمكِنك فتضرَبني ثلاثًا، ثمّ تُمكِنني، قلت: أمكِنّي، فوَضَع صدرَه على قَرَبوسه ثمّ قال: اضربْ، فجمعتَ يديّ على سَيْفي، ثمَّ ضربتَ على المِغفرَ متمكِّنًا، فلم يصنع شيئًا، فساءني ذلك من سيفي ومِن ضَرْبتي، ثمّ أجمع رأيي أن أضربَه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يدَه عن ضربته، فضربتُه فلم أصنع شيئًا؛ فساءني ذلك ومن غاب عني ممّن هو في ناحية العسكر حتى بلغه ما فعلت، والثالثةَ كذلك، ثمّ اخترط سيفًا ثمَّ قال: أمكنّي، فأمكَنْته، فضربني ضربةً صَرَعني منها، ثمَّ نزل عن فرسه وجلس على صَدري، وانتَزعَ من خُفّيْه خِنْجرًا أو سكّينًا فوضعها على حَلْقي يريد ذَبْحي، فقلتُ له: أُنشدُك الله! فإنك لست مصيبًا من قتلى الشرف والذكر مثلَ ما أنت مصيب من تَرْكي، قال: ومن أنتَ؟ قلت: سعيد الحَرشيّ، قال: أوْلى يا عدو الله! فانْطلِقْ فأعلِم صاحبك ما لقيت. قال سعيد: فانطلقتُ أسعى حتى انتهيتُ إلى الحجاج، فقال: كيف رأيتَ! فقلتُ: الأميرُ كان أعلمَ بالأمر. (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٣). * * * رجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، عن أبي يزيد، قال: وكان

стр. 3974

أبو البَخْتري الطائيّ وسعيد بن جُبَير يقولان: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا. . .﴾ إلى آخر الآية، ثمَّ يَحمِلان حتى يُواقِعا الصّفّ. قال أبو المُخارِق: قاتلْناهم مئةَ يوم سَواء أعدّها عدًّا. قال: نَزلْنا ديرَ الجماجم مع ابن محمَّد غداةَ الثلاثاء لليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين، وهُزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخرة عند امتداد الضّحى ومُتوع النهار، وما كنا قطّ أجرأ عليهم ولا هم أهوَن علينا منهم في ذلك اليوم. قال: خرجْنا إليهم وخرجوا إلينا يومَ الأربعاء، لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخِرة، فقاتلْناهم عامّة النهار أحسنَ قتال قاتلناهُمُوه قَطّ، ونحن آمنون من الهزيمة، عالُون للقوم، إذ خرج سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ في الخيل من قِبَل ميمنة أصحابه، حتى دنا من الأبرد بن قُرّة التميميّ، وهو على مَيْسرة عبد الرحمن بن محمد، فوالله ما قاتَلَه كبير قتال حتى انهزم، فأنكَرها الناسُ منه، وكان شجاعًا، ولم يكن الفِرار له بعادة، فظنّ الناسُ أنَّه قد كان أومِن، وصُولح على أن يَنهزم بالناس، فلما فعلها تقوَّضَت الصفوفُ من نحوه، ورَكِب الناس وجوههم وأخذوا في كلّ وجه، وصَعِد عبد الرحمن بن محمَّد المِنبَر، فأخذ يُنادِي الناس: عبادَ الله، إليّ أنا ابنُ محمَّد؛ فأتاه عبدُ الله بن رزام الحارثيّ، فوقف تحت منبره، وجاء عبدُ الله بن ذؤاب السُّلَميّ في خيل له، فوقف منه قريبًا، وثبت حتى دنا منه أهل الشام، فأخذتْ نَبلُهم تحوزُه، فقال: يا بن رِزام، احِمل على هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا، ثمَّ جاءت خيل لهم أخرى ورَجّالة، فقال: احمل عليهم يا بن ذُؤاب، فحمَل عليهم حتى أمعَنوا، وثبت لا يبرَح مِنبرَه، ودخل أهل الشام العسكر، فكبَّروا، فصَعِد إليه عبدَّ الله بن يزيد بن المغفَّل الأزديّ - وكانت مُلَيكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن - فقال: انزل، فإني أخافُ عليك إن لم تنزل أن تؤسَر، ولعلك إن انصرفْتَ أن تجمع لهم جَمْعًا يُهلكُهم الله به بعد اليوم، فنزل وخَلَّى أهل العراق العسكر، وانهزَموا لا يلوُون على شيء، ومضى عبدُ الرحمن بنُ محمَّد مع ابن جَعدة بن هُبيرة ومعه أناس من أهل بيته، حتى إذا حاذَوا قريةَ بني جَعْدة بالفلّوجة دعوا بِمعبَر، فعبَروا فيه، فانتهى إليهم بِسطام بنُ مَصقَلة، فقال: هل في السفينة عبدُ الرحمن بن محمَّد؟ فلم يكلّموه، وظنّ أنَّه فيهم، فقال:

стр. 3975

لا وأَلَتْ نفس عليها تُحاذِرُ ضَرَّمَ قَيْسٌ عليَّ البِلا ... دَ حتى إذا اضْطَرَمت أجْذَمَا ثمَّ جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح، وهو على فرسه لم يَنزل عنه، فخرجتْ إليه ابنتُه فالتزمها، وخرج إليه أهلُه يبكون، فأوصاهم بوصيّة وقال: لا تَبكُوا، أرأيتم إن لم أتركْكم، كم عسَيتُ أن أبقَى معكم حتى أموت! وإن أنا مِتّ فإن الذي رَزَقكم الآن حيٌّ لا يموت، وسَيرْزقكم بعدَ وَفاتي كما رَزقكم في حياتي، ثمّ ودّع أهلَه وخرج من الكُوفة (١). (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤). قال أبو مِخنف: فحدّثني الكلبيّ سحمد بن السائب، أنهم لما هُزِموا ارتفاعَ النهار حين امتدّ ومَتَع، قال: جئتُ أشتدّ معي الرمح والسيف والتُّرس حتى بلغتُ أهلي من يومي، ما ألقيتُ شيئًا من سلاحي، فقال الحجاج: اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادِي: مَن رجع فهو آمِن، ورجع محمَّد بنُ مروانَ إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخلّيا الحجّاج والعراق، وجاء الحجّاج حتى دخل الكوفة، وأجلس مَصقَلة بن كرب بن رَقَبة العبدّي إلى جَنْبه، وكان خطيبًا، فقال: اشتم كلَّ امرئ بما فيه ممّن كُنّا أحسنا إليه، فاشتمه بقلّة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمتَ منه عيبًا فعبْه بما فيه، وصغّرْ إليه نفسَه، وكان لا يبايعه أحدٌ إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرتَ؟ فإذا قال: نعم، بايَعه وإلا قتَله، فجاء إليه رجل من خَثْعَم قد كان مُعتزِلًا للناس جميعًا من وراء الفُرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلتُ معتزلًا وراءَ هذه النّطفة، منتظِرًا أمرَ الناس حتى ظهرتَ، فأتيتُك لأبايعَك مع الناس؛ قال: أمتربِّص! أتَشْهَد أنك كافر؟ قال: بئسَ الرَّجل أنا إن كنتُ عبدتُ الله ثمانين سنةً ثمّ أشهد على نفسي بالكفر؛ قال: إذًا أقتُلَكَ؛ قال: وإن قتلتَني فوالله ما بقي من عُمْري إلَّا ظِمْءُ حِمار، وإني لأنتظر الموتَ صباحَ مساءَ، قال: اضربوا عنقه، فضُربتْ عنقه، فزَعموا أنَّه لم يبق حولَه قرشيّ ولا شاميّ، ولا أحد من الحزْبَيْن إلَّا رحمه ورَثى له من القَتْل. وَدَعَا بكُميل بن زياد النَّخَعيّ فقال له: أنت المقتصّ من عثمانَ أمير المؤمنين؟ قد كنت أحبّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال: واللهِ ما أدري على أيّنا أنتَ أشدّ

стр. 3976

غضبًا؟ عليه حين أقادَ من نفسه، أم عليّ حين عفوتُ عنه؟ ثمِّ قال: أيّها الرجل من ثَقيف، لا تَصرِف عليَّ أنيابَك، ولا تهدَّمْ عليَّ تهدُّم الكَثِيب، ولا تكشِرْ كَشَرانَ الذئب، والله ما بقي من عمري إلَّا ظِمْءُ الحمار، فإنَّه يشرب غُدوةً ويموت عشيّة، ويشرب عشيّة ويموت غُدْوة، اقضِ ما أنتَ قاض، فإنّ الموعد اللهُ، وبعد القتل الحساب، قال الحجاج: فإنّ الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى، كنتَ فيمن قتلَ عثمانَ، وخلعتَ أميرَ المؤمنين، اقتلوه. فقُدِّم فقُتل، قتَلَه أبو الجَهْم بن كنانة الكلبيّ من بني عامر بن عوف، ابن عمّ منصور بن جمهور. وأتِيَ بآخرَ من بعده، فقال الحجّاج: إِني أرى رجلًا ما أظنه يشهد على نفسه بالكُفر، فقال: أَخادِعي عن نفسي! أنا أكفر أهلِ الأرض، وأكفَر من فرعون ذِي الأوتادِ، فضحك الحجاج وخلّى سبيلَه. وأقام بالكوفة شهرًا. وعَزَل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة (١). (٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥). هزيمة ابن الأَشعث وأَصحابه في وقَعة مسكن وفي هذه السنة كانت الوقعة بمَسْكن بين الحجّاج وابن الأشعث بعدما انهزم من دير الجماجم. * ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها: قال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي يزيدَ السَّكْسكيّ، قال: خرج محمّد بن سعد بن أبي وَقاص بعد وَقْعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناسٌ كثير، وخرج عُبيد الله بنُ عبد الرّحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس القُرَشيّ حتى أتى البَصرة وبها أيّوب بن الحكَم بن أبي عقِيل، ابن عمّ الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرّحمن بن محمَّد حتى قدم البَصرة وهو بها، فاجْتمعَ

стр. 3977

الناسُ إلى عبد الرحمن ونزل، فأقبل عُبيد الله حينئذ إلى ابن محمَّد بن الأشعث، وقال له: إني لم أرِد فِراقَك، وإنما أخذتها لك، وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خَمْسًا حتى هيأ الرجال في المعَابر، فلما بلغ محمَّد بن سعد عبورُهم إليهم خرجوا حتى لحِقوا بابن الأشعث جميعًا، وأقبَل نحوَهم الحجاج، فخرج الناسُ معه إلى مَسكن على دُجَيل، وأتاه أهلُ الكوفة والفُلول من الأطراف، وتَلَاوم الناسُ على الفِرار، وبايع أكثرهم بِسطام بن مَصقَلة على الموت، وخنَدَقَ عبدُ الرحمن على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرّحمن فأدركه بالسوس، فقاتَلَه ساعةً من نهار، ثمّ إنه انهزَم هو وأصحابه فمضَوا حتى أتَوا سابور، واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمَّد الأكرَادُ مع من كان معه من الفُلول، فقَاتَلَهم عمارة بن تميم قتالًا شديدًا على العَقَبة حتى جُرِح عمارة وكثيرٌ من أصحابه، ثمّ انهزم عمارة وأصحابه وخلَّوْا لهم عن العَقَبة، ومضى عبدُ الرحمن حتى مرّ بكَرمان (١). (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨). قال الواقديّ: كانت وقعة الزاوية بالبَصرة في المحرّم سنة ثلاث وثمانين. (٦/ ٣٦٨). قال أبو مخنفَ: حدّثني سيف بن بِشْر العجْليّ، عن المنخل بن حابس العبديّ، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمَّد كَرْمان تلقاه عمرو بن لَقيط العبديّ - وكان عاملَه عليها - فهيأ له نُزُلًا فَنَزل، فقال له شيخ من عبد القيس يقال له مَعقِل: واللهِ لقد بَلَغنا عنك يا بن الأشعث أن قد كنت جَبانًا، فقال عبدُ الرحمن: واللهِ ما جَبُنْتُ، والله لقَد دلَفْتُ الرّجال بالرّجال، ولففتُ الخيلَ بالخيل، ولقد قاتلت فارسًا، وقاتلت راجلًا، وما انهزمتُ ولا تركتُ العرْصة للقوم في مَوْطن حتى لا أجِد مُقاتَلًا ولا أرى معي مقَاتلًا، ولكني زاولتُ مُلْكًا مؤجلًا، ثمّ إنه مضى بمن معه حتى فوّز في مَفازةِ كرْمان (٢). (٦/ ٣٦٨). قال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقِيل الثقفيّ، قال: لما مضى ابن محمَّد في مفازة كَرمان وأتْبعه أهلُ الشام دخل بعضُ

стр. 3978

أهل الشام قصرًا في المَفازة، فإذا فيه كتاب قد كتَبه بعضُ أهل الكوفة من شِعْر أبي جلدة اليَشكُريّ، وهي قصيدة طويلة: أَيا لَهْفًا ويا حَزنًا جميعًا ... ويا حَرَّ الفؤاد لِمَا لَقِينَا! تركنا الدّينَ والدنيا جميعًا ... وأَسلمْنا الحلائلَ والبنِينَا فما كنّا أُناسًا أهلَ دينٍ ... فنَصبِرَ في البلاءِ إذا ابتلينا وما كنَّا أُناسًا أهل دنْيَا ... فنمْنَعَهَا وَلَوْ لم نرجُ دينا تركنا دُورنا لطَغَامِ عَكٍّ ... وأنباطِ القُرَى والأَشَعرينا ثمّ إن ابن محمَّد مضى حتى خرج على زَرَنْج مدينة سِجِستَان وفيها رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعمَلَه عليها، يقال له عبد الله بن عامر البعّار من بني مُجَاشع بن دارِم، فلما قَدِم عليه عبد الرّحمن بن محمَّد على أصحابه، وبَشَقَ الماء من جانب، فجعل القتال من وجه واحد، وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القَسْريّ من خُراسان في ناس من بَعْث الكوفة، فاقتَتَلوا خمسَ عشرةَ ليلةً من شعبان أشدَّ القتال حتى قُتِل زيادُ بن غُنيم القَينيّ، وكان على مَسالِح الحجّاج، فهدّه ذلك وأصحابَه هدًّا شديدًا (١). (٦/ ٣٦٦). قال أبو مِخنَف: حدّثني أبو جَهْضَم الأزْديّ، قال: بات الحجّاج ليلَه كلَّه يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، وأنتم تَسعَوْن في رضوان الله، وهم يَسَعَون في سُخْط الله، وعادة الله عندكم فيهم حَسَنة؛ ما صدقتمُوهم في موطِن قطّ ولا صبرتُم لهم إلَّا أعقَبَكم الله النصرَ عليهم والظفَر بهم؛ فأصبِحوا إليهم عادِين جادِّين، فإني لست أشكّ في النصر إن شاء الله. قال: فأصبَحْنا، وقد عبّأنا في السَّحَر، فباكرناهم فقاتَلْناهم أشدَّ قتال قاتلناهُمُوه قطّ، وقد جاءنا عبدُ الملك بن المهلب مجفّفًا، وقد كُشفتْ خيل سُفيان بن الأبرد، فقال له الحجاج: ضمّ إليك يا عبد الملك هذا النّشَر لعلي أحمِل عليهم، ففعَل، وحمل الناسُ من كلّ جانب، فانهزم أهلُ العراق أيضًا، وقتِل أبو البَخْتريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقالا قبل أن يُقتَلا: إنَّ الفِرار كلّ ساعة بنا لَقبيح، فأصيبا.

стр. 3979

قال: ومشى بِسطام بن مَصقَلة الشيبانيّ في أربعة آلاف من أهل الحِفاظ من أهل المصرَيْن، فكَسَروا جفونَ السيوف، وقال لهم ابن مَصقَلة: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجوْنا منه فَرَرنا، ولكنا قد علمنا أنَّه نازل بنا عما قليل، فأين المَحيد عما لابدّ منه! يا قوم إنكم مُحِقون، فقاتِلوا على الحقّ، واللهِ لو لم تكونوا على الحقّ لكان موتٌ في عزّ خيرًا من حياة في ذُلّ. فقاتَلَ هو وأصحابُه قتالًا شديدًا كَشَفوا فيه أهلَ الشام مرارًا، حتى قال الحجّاج: عليّ بالرماة لا يقاتلهم غيرُهم، فلما جاءتْهم الرّماة وأحاطَ بهم الناس من كلّ جانب قُتلوا إلا قليلًا، وأخذ بكير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ أسيرًا، فأتِيَ به الحجاج فقتله (١). (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧). قال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو الجَهْضَم، قال: جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صُنعْ الله لكم أنّ هذا غلام من الغِلْمان جاء بفارس أهل العراق أسيرًا، اضرب عنقَه، فقتله. قال: ومضى ابن الأشعث والفَلّ من المنهزِمين معه نحو سِجِسْتانَ فأتْبَعهم الحجّاج عمارة بن تميم اللخميّ، ومعه ابنه محمَّد بن الحجاج وعمارة أميرٌ منهزمًا أَغلَق باب المدينة دونَه، ومنعه دخولَها، فأقام عليها عبد الرّحمن أيامًا رجاءَ افتتاحها ودخولها، فلما رأى أنَّه لا يصل إليها خرج حتى أتى بُسْتَ، وقد كان استعمل عليها رجلًا من بكر بن وائل يقال له عِياض بن هِمْيان أبو هِشام بن عياضِ السدوسيّ، فاستقبَلَه، وقال له: انزِل، فجاء حتى نزل به، وانتظر حتى إذا غَفل أصحاب عبد الرحمن وتفرّقوا عنه وثب عليه فأوثَقَه، وأراد أن يأمَن بها عند الحجاج، ويتخذ بها عندَه مكانًا، وقد كان رُتْبيل سمع بمقدم عبد الرّحمن عليه، فاستقبله في جنوده، فجاء رُتْبيل حتّى أحاط ببُسْت، ثمّ نزل وبعث إلى البكريّ: والله لئن آذيتَه بما يُقذِي عينَه، أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حَبْلًا من شَعَر لا أبرح العَرْصة حتى أستنزِلَك فأقتُلَك وجميع من معك، ثمّ أسبي ذراريَّكم، وأقسِّم بين الجند أموالَكم، فأرسل إليه البكريّ، أن أعطنا أمانًا على أنفسِنا وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالمًا، وما كان له من مال مُوَفّرًا،

стр. 3980

فصالحهم على ذلك، وآمنهم ففَتحوا لابن الأشعث الباب وخلّوا سبيلهُ، فأتى رُتْبيل فقال له: إنّ هذا كان عاملي على هذه المدينة، وكنت حيث ولّيته واثقًا به، مطمئنًا إليه، فغدَرَ بي وركب مني ما قد رأيتَ، فائْذنْ لي في قَتْله، قال: قد آمنتُه وأكرَه أن أغدِر به، قال: فأذْن لي في دفْعه وَلهزِه، والتصغير به، قال: أمّا هذا فنعم، ففعَل به عبدُ الرحمن بن محمد، ثمّ مضى حتىِ دخل مع رُتْبيل بلاده، فأنزله رُتْبيل عنده وأكرمه وعظّمه، وكان معه ناس من الفلّ كثير. ثمّ إن عُظْم الفُلول وجماعةَ أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الأمان؛ من الرّؤوس والقادة الذين نصبوا للحجّاج في كلّ موطن مع ابن الأشعث، ولم يَقبَلوا أمان الحجّاج في أوّل مرّة، وجهَدوا عليه الجهْدَ كلَّه، أقبلوا في أثر ابن الأشعث وفي طلبه حتى سَقَطوا بسِجِستانَ، فكان بها منهم وممن تَبِعهم من أهل سِجِسْتان وأهل البلد نحو من ستّين ألفًا، ونزلوا على عبد الله بنِ عامر البعّار فحصروه، وكَتَبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومِهم وعَددِهم وجماعتِهم، وهو عند رُتْبيل، وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فكَتَبوا إليه: أن أقبِلْ إلينا لعلنا نسير إلى خُراسان، فإنّ بها منا جُنْدًا عظيمًا، فلعلّهم يبايعوننا على قتال أهلِ الشام، وهي بلادٌ واسعة عريضة، وبها الرّجال والحُصون، فخرج إليهم عبد الرحمن بن محمد بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر البعّار حتى استنزَلوه، فأمر به عبد الرحمن فضُرِب وعُذّب وحُبِس، وأقبل نحوَهم عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال أصحابُ عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن: اخرُج بنا عن سِجِستَان فلندعها له ونأتيَ خُراسان، فقال عبدُ الرحمن بن محمد: على خُراسان يزيد بن المهلب، وهو شابّ شجاع صارم، وليس بتارك لكمْ سلطانَه، ولو دخلتمُوها وجدتموه إليكم سريعًا، ولن يدع أهل الشام اتّباعكم، فأكره أن يجتمعَ عليكم أهلُ خُراسان وأهل الشام، وأخاف ألّا تنالوا ما تَطلبون، فقالوا: إنما أهل خُراسان منّا، ونحن نرجو أن لو قد دخلناها أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا، وهي أرضٌ طويلة عريضة ننتحِي فيها حيث شئنا، ونمكث حتى يُهلِك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى من رأينا، فقال لهم عبد الرحمن: سيرُوا على اسم الله. فساروا حتى بلغوا هَراةَ، فلم يشعُروا بشيء حتى خرج من عسكره عُبيد الله بن

стр. 3981

عبد الرحمن بن سَمُرة القرشيّ في ألفين، ففارَقَه فأخذ طريقًا سوى طريقِهم، فلمَّا أصبح ابن محمد قام فيهم فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإني قد شهدتكم في هذه الموَاطن، وليس فيها مَشهَد إلّا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يَبقَى منكم فيه أحد، فلما رأيتُ أنكم لا تقاتلون، ولا تَصبرون، أتيتُ ملجأ ومأمنًا فكنتُ فيه، فجاءتني كتبُكم بأن أقبل إلينا، فإنا قد أجتمعْنا وأمرُنا واحد، لعلنا نقاتل عدوّنا، فأتيتكم فرأيت أن أمضيَ إلى خُراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي، وأنكم لن تفرّقوا عني، ثمّ هذا عبيد الله بن عبد الرّحمن قد صنع ما قد رأيتم، فَحسبي منكم يومي هذا فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبَله، فمن أحبّ منكم أن يتّبعني فليتّبعْني، ومن كَرِه ذلك فليذهبْ حيث أحبّ في عياذ من الله. فتفرّقت منهم طائفة، ونزلتْ معه طائفة، وبقي عُظْم العسكر، فَوثَبُوا إلى عبد الرحمن بن العبّاس لما انصرف عبدُ الرحمن، فبايعوه، ثمّ مضى ابن محمد إلى رُتْبيل ومضوا هم إلى خُراسان حتى انتَهوا إلى هَرَاةَ، فلقوا بها الرّقاد الأزديّ من العَتيك، فقتَلوه، وسار إليهم يزيد بن المهلب. وأما عليّ بن محمد المدائنيّ فإنه ذكر عن المفضّل بن محمد أنّ ابن الأشعث لما انهزَم من مَسكِن مضى إلى كابُل، وأنّ عبيد الله بن عبد الرّحمن بن سَمُرة أتى هَراةَ فذمَ ابنَ الأشعث وعابَه بفراره، وأتى عبدُ الرّحمن بن عباس سِجِستْان فانضمّ إليه فَلّ ابنِ الأشعث، فسار إلى خُراسانَ في جمع يقال في عشرين ألفًا، فنَزل هراةَ ولقوا الرُّقّاد بن عبيد العَتَكى فقَتلوه، وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبدُ الرحمن بن المنذر بن الجارود، فأرسل إليه يزيدُ بن المهلّب: قد كان لك في البلاد متَّسعٌ، ومن هو أكلّ مني حَدًّا وأهوَنُ شَوْكة، فارتحِلْ إلى بلد ليس فيه سلطان، فإني أكره قِتالَك، وإن أحببتَ أن أمِدَّك بمال لسفرِك أعنتُك به؛ فأرسَلَ إليه: ما نزلْنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريحَ، ثمّ نَشخَص إن شاء الله، وليست بنا حاجةٌ إلى ما عرضتَ. فانصرَف رسولُ يزيدَ إليه، وأقبل الهاشميّ على الجباية، وبلغ يزيدَ، فقال: من أراد أن يُريحَ ثمّ يجتازَ لم يجْبِ الخَراجَ، فقدّم المفضّل في أربعة آلاف - ويقال في ستة آلاف - ثمّ أتبعه في أربعة آلاف، ووَزَن يزيدُ نفسَه بسلاحِه، فكان أربعَمئة رطل، فقال:

стр. 3982

ما أراني إلا قد ثَقُلت عن الحرب، أيّ فرس يحملني! ثمّ دعا بفرسه الكامل فرَكبهِ، واستخلَف على مرَو خالَه جُدَيع بن يزيد، وصيّر طريقَه على مَرْوَ الرُّوذ، فأتى قبرَ أبيه فأقام عندَه ثلاثة أيام، وأعطى من معه مئَة درهم مئَة درهم، ثمّ أتى هَراةَ فأرسل إلى الهاشميّ: قد أرحْتَ وأسمنْتَ وجَبَيْتَ، فلك ما جَبَيْتَ، وإن أردتَ زيادةً زِدناك، فأخرج فوالله ما أحِبّ أن أقاتلَك، قال: فأبى إلّا القتالَ ومعه عُبيد الله بنُ عبد الرحمن بن سَمُرة، ودسَّ الهاشميّ إلى جند يزيدَ يمنِّيهم ويدعوهم إلى نفسِه، فأخبر بعضهم يزيدَ، فقال: جَلَّ الأمرُ عن العتاب، أتغدَّى بهذا قبل أن يتعشَّى بي؛ فسار إليه حتى تَدانَى العسكران، وتأهبّوا للقتال، وألِقيَ ليزيدَ كرسيّ فقعد عليه، وولَّى الحربَ أخاه المفضّل، فأقبل رجلٌ من أصحاب الهاشميّ - يقال له خُلَيد عَيْنَيْنِ من عبد القيس - على ظَهْر فرَسه، فرفع صوتَه فقال: دَعتْ يا يَزِيدَ بنَ المهلَّب دَعْوَةً ... لها جَزَعٌ ثم استهلَّتْ عيُونُها ولو يُسمِع الداعي النِّداء أَجابَها ... بصُمِّ القَنَا والبيض تُلْقَى جفُونُها وقدْ فَرَّ أَشرافُ العِرَاق وغادرُوا ... بها بقَرًا للحيْنِ جُمًّا قُرونُها وأراد أن يحضّ يزيد، فسكت يزيدُ طويلًا حتى ظنّ الناس أن الشِّعر قد حرَّكه، ثمّ قال لرجل: نادِ وأسِمعْهم، جَشّموهم ذلك، فقال خُلَيد: لبئس المنادِي والمنوَّهُ باسمِه ... تُنَادِيه أَبكارُ العِراقِ وعُونُها يَزيدُ إذا يُدعَى لِيَوْم حَفيظَةٍ ... ولا يَمْنَعُ السَّوْآتِ إلَّا حُصُونها فإِنّي أَراه عن قليلٍ بنفسِهِ ... يُدانُ كما قد كان قَبْلُ يَدِينُها فلا حُرَّةٌ تَبكِيهِ لكنْ نوَائحٌ ... تُبكِّي عليه البُقْعُ منها وَجُونُها فقال يزيدُ للمفضّل: قدِّم خيلَك، فتقدّم بها، وتهايَجوا فلم يكن بينهم كبيرُ قتال حتى تفرّق الناس عن عبد الرحمن، وصبر وصبرتْ معه طائفة من أهل الحفاظ، وصبر معه العبديّون، وحمل سعد بن نجد القُرّدوسيّ على حُلَيس الشيبانيّ وهو أمام عبد الرحمن، فطعنه حُلَيس فأذراه عن فرسِه، وسماه أصحابُه، وكثرهم الناس فانكشفوا، فأمر يزيدُ بالكَفّ عن اتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم، وأسَروا منهم أسرَى، فولى يزيدُ عطاءَ بنَ أبي السائب العسكر، وأمَرَه بضّم ما كان فيه، فأصابوا ثلاثَ عشرةَ امرأة، فأتوا بهنّ يزيدَ

стр. 3983

فدفعهنّ إلى مرّة بن عطاء بن أبي السائب، فحمَلَهنّ إلى الطّبَسَين، ثمّ حملهنّ إلى العِراق، وقال يزيد لسعد بن نجد: مَن طعنَك؟ قال: حليس الشيبانيّ، وأنا والله راجلًا أشدّ منه وهو فارس. قال: فبلغ حُليسًا، فقال: كذب واللهِ, لأنا أشدُّ منه فارسًا وراجلًا، وهرب عبد الرحمن بنُ منذر بن بِشر بن حارثة فصار إلى موسى بنِ عبد الله بنِ خازم، قال: فكان في الأسرى محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن مَعمَر، وعيّاش بن الأسوَد بن عوف الزّهريّ والهلقام بن نُعيم بن القَعقاع بن مَعبد بن زُرارة، وفَيروز حصين، وأبو العِلْج مولَى عُبيد الله بن معمَرَ، ورجل من آل أبي عَقيل، وسَوّار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خَلَف، وعبد الله بن فَضالة الزّهرانيّ. ولحق الهاشميّ بالسِّند، وأتى ابنُ سَمُرة مروَ، ثمّ انصرف يزيدُ إلى مروَ وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سَبْرة بن نَخْف بن أبي صُفْرة، وخلى عن ابن طلحة وعبدِ الله بن فضَالة، وسعى قومٌ بعُبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة، فأخذه يزيدُ فحبسه (١). (٦/ ٣٦٨ - ٣٧٣). وأمّا هشام فإنه ذكر أنه حدّثه القاسم بن محمد الحضرمي، عن حفص بن عمرو بن قَبيصة، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة، أنّ يزيدَ بن المهلب حبس عندَه عبدَ الرحمن بن طلحة وآمنَه، وكان الطلحيّ قد آلَى على يمينٍ ألا يرَى يزيدَ بنَ المهلب في موقف إلّا أتاه حتى يقبِّل يدَه شكرًا لما أبلاه، قال: وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيدَ: أسألك بدعوةِ أبي لأبيك! فخلّى سبيلَه، ولقول محمد بن سعد ليزيدَ: "أسألك بدعوةٍ أبي لأبيك" حديثٌ فيه بعضُ الطول. (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤). قال هِشام: حدّثني أبو مِخنَف: قال: حدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقيل الثقفيّ، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى إلى الحجاج بن يوسفَ؛ بعمَر بن موسى بن عُبيد الله بن مَعمَر، فقال: أنت صاحبُ شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنةٌ شملت البَرَّ والفاجر،

стр. 3984

فدخلنا فيها، فقد أمكَنَك الله منا، فإنْ عفوتَ فبِحلمك وفضلِك، وإنه عاقبْت عاقبتَ ظَلَمَةً مذنِبين، فقال الحجّاج: أما قولك: "إنها شمِلتِ البرّ والفاجرَ" فكذبتَ، ولكنها شملت الفُجّارَ، وعُوفيَ منها الأبرار، واما اعترافك بذَنبْك فعسى أن يَنفَعَك، فعُزِل، ورجا الناس له العافية حتى قُدِم بالهلقام بن نعيم، فقال له الحجاج: أخبِرْني عنك، ما رجوتَ من اتباع عبد الرحمن بن محمد؟ أرجوتَ أن يكون خليفةَ؟ قال: نعم، رجوتُ ذلك، وطمِعت أن يُنزلني منزلتَك من عبد الملك، قال: فغضب الحجاج وقال: اضربوا عنقَه، فقُتل. قال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمرَ وقد نُحِّي عنه فقال: اضِربُوا عُنقَه، وقتل بقيّتهم، وقد كان آمن عمرو بن أبي قرّة الكنديّ ثمّ الحجْريّ وهو شريف وله بيتٌ قديم، فقال: يا عمرو، كنت تُفضي إليّ وتحدّثني أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله، ثمّ تبعتَ عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله ما بك عن اتّباعهم رغبةٌ، ولا نَعمةَ عين لك ولا كرامة. قال: وقد كان الحجاجُ حين هُزِم الناس بالجماجم نادى مناديه: مَن لِحق بقتَيْبة بن مسلم بالريّ فهو أمانُه، فلحق ناسٌ كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشَّعبيّ، فذكر الحجّاجُ الشعبيَّ يومًا فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقال له يزيد بنُ أبي مسلم: بلغني أيها الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرّيّ، قال: فابحث إليه فلنُؤتَ به، فكَتَبَ الحجّاج إلى قتيبة: أمّا بعد، فابحث إليّ بالشعبيّ حين تَنظُر في كتابي هذا؛ والسّلام عليك؛ فسُرّح إليه. (٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥). قال أبو مِخنَف: فحدّثني السرّيّ بن إسماعيل عن الشعبيّ، قال: كنتُ لابن أبي مسلم صَدِيقًا، فلما قُدِم بي على الحجاج لقيتُ ابن أبي مسلم فقلتُ: أشِرْ عليّ؛ قال: ما أدري ما أشيرُ به عليك غير أن أعتَذِر ما استطعت من عذر! وأشار بمثلِ ذلك عليّ نُصَحائي وإخواني، فلما دخلتُ عليه رأيتُ واللهِ غيرَ ما رأوا لي، فسلّمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيّها الأمير، إنّ الناس قد أمروني أن أعتذرَ إليك بغير ما يَعلم الله أنه الحقّ، وايمُ الله لا أقول في هذا المقام إلّا حقًّا، قد والله سوِّدنا عليك، وحرّضَنا وجهدنا عليك كلّ الجهد، فما آلِونا، فما كنا بالأقوياء الفجَرة، ولا الأتقياء البَرَرَة، ولقد نصرك اللهُ علينا، وأظفرَك بنا، فإن سطوتَ فبذُنوبنا وما جَرّت إليه أيدينا، وإن عفوتَ عنا فبحلمك، وبعد الحجة.

стр. 3985

لك علينا، فقال له الحجاج: أنت واللهِ أحبّ إليّ قولًا ممن يدخل علينا يَقطر سيفُه من دمائنا ثمّ يقول: ما فعلتُ ولا شهدتُ؛ قد أمِنْتَ عندنا يا شَعبيُّ، فانصرِفْ، قال: فانصرفتُ، فلما مَشَيتُ قليلًا قال: هلّم يا شعبيّ؛ قال: فوَجِل لذلك قلبي، ثمّ ذكرتُ قولَه: "قد أمِنْت يا شعبيّ" فاطمأنت نفسي، قال: كيف وجدتَ الناس يا شعبيّ بعدنا؟ قال - وكان لي مكرمًا: فقلتُ: أصلَح اللهُ الأمير! اكتحلتُ واللهِ بعدَك السَّهَر، واستوعَرْتُ الجَناب، واستحلَسْتُ الخوف، وفقدْتُ صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا. قال: انصرِف يا شَعبيّ، فانصرَفْتُ (١). (٦/ ٣٧٥). قال أبو مِخنَف: قال خالد بن قَطَن الحارثيّ: أتِيَ الحجّاجُ بالأعشى، أعشَى همْدانَ فقال: إيه يا عَدُوّ الله! أنشِدْني قولَك: "بين الأشجّ وبين قيس"، أنفِذْ بيتَك، قال: بل أنشدُك ما قلتُ لك؛ قال: بل أنشدْني هذه؛ فأنشدَهَ: أبى الله إلا أَن يُتَمِّمَ نُورَهُ ... ويُطْفئَ نُورَ الفَاسِقِينَ فيَخمُدا ويُظهِرَ أَهْلَ الحَقّ في كلّ مَوْطِنٍ ... ويُعْدِلَ وقْع السَّيْفِ من كان أَصيَدا ويُنْزِلَ ذُلّا بالعِرَاقِ وأَهلِهِ ... لِما نَقَضُوا العَهْد الوثيقَ الموكَّدَا وما أحْدَثوا مِنْ بِدْعَةٍ وعظيمةٍ ... من القوْلِ لم تَصْعدْ إلى اللهِ مَصْعدا وما نكَثوا مِنْ بَيْعةٍ بعْد بَيْعَةٍ ... إذا ضَمِنُوها اليَوْمَ خَاسُوا بها غَدَا وجُبْنًا حَشاهُ رَبهُمْ في قلوبِهِمْ ... فما يقْربُونَ الناس إلا تَهدُّدا فلا صِدْقَ في قَولٍ وِلا صَبْرَ عِنْدَهْم ... ولكِنَّ فخرًا فيهِمُ وتَزيُّدا فكَيْفَ رأيت اللهَ فرَّقَ جَمْعَهُمْ ... ومزَّقهُمْ عَرْضَ البلادِ وشرَّدَا! فقَتْلَاهم قَتلَى ضلَالٍ وفتْنةٍ ... وحيُّهُمُ أَمسى ذَلِيلًا مُطرَّدا ولما زَحَفْنَا لابنِ يُوسُفَ غُدْوةً ... وأَبْرَقَ مِنَّا العَارِضَانِ وأَرْعَدا قَطَعْنَا إليه الخندقَين وإِنَّما ... قطَعْنا وأَفضينا إلى الموت مُرْصِدا فكافَحَنَا الحجّاجُ دُونَ صُفُوفنَا ... كِفاحًا ولَمْ يضْرِبْ لذلك موْعِدَا بِصَفٍّ كأَنَّ البَرقَ في حَجَراتِهِ ... إذا ما تجَلَّى بيْضهُ وتَوقّدا دلفْنَا إليه في صُفُوفٍ كأَنَّها ... جِبَالُ شَرَوْرَى لو تُعان فتَنْهُدا فما لَبثَ الحجّاجُ أَنْ سَلَّ سَيْفهُ ... عليْنَا فولَّى جَمْعُنا وتَبَدَّدَا

стр. 3986

وما زاحَفَ الحجّاجُ إلا رأَيْتَهُ ... مُعانًا مُلَقَّى للْفتُوحِ مَعُوَّدَا وإنَّ ابْنَ عباسٍ لفي مرجَحِنَّةٍ ... نُشبّهُهَا قِطْعًا من الليْل أَسْوَدا فما شَرَعُوا رُمْحًا ولا جَرَّدُوا له ... ألا رُبَّما لاقى الجَبان فَجَرَّدا وكرَّتْ علَيْنا خَيْلُ سُفْيَانَ كَرَّةً ... بفرْسانها والسَمْهَريِّ مُقَصدَا وسُفْيَان يَهْدِيها كأنَّ لواءَهُ ... من الطعن سِندٌ بات بالصِّبغ مُجسدا كهولٌ ومُرْدٌ من قُضَاعَةَ حَوْلَهُ ... مَسَاعير أبَطال إذا النِّكْسُ عَرَّدا إذا قال شُدُّوا شَدَّةً حمَلوا مَعًا ... فأَنْهَلَ خِرْصانَ الرِّماح وأوردَا جُنُودُ أَمير المؤمنينَ وخَيْلُهُ ... وسلطَانُهُ أمسى عزيزًا مؤيَّدَا فيَهْنى أميرَ المؤمنينَ ظُهُورُه ... على أمّة كانوا بُغاةً وحسّدا نزوْا يَشتكونَ البغْيَ من أمرائِهِمْ ... وكانوا هُمُ أبغَى البغاةِ وأَعنَدا وجَدْنا بَنِي مروَانَ خَيْرَ أئمةٍ ... وأفضلَ هذي النّاسِ حِلْمًا وسُودَدَا وخَيْرَ قُريشٍ في قريش أرُومَةً ... وأكرمَهُم إلا النبيَّ محمّدا إذا ما تَدَبَّرنَا عَواقِبَ أَمرهِ ... وجَدْنا أَمير المؤمنين مُسَدَّدا سيُغلَب قوم غالبُوا الله جَهرةً ... وإن كايَدُوهُ كانَ أقوَى وأكْيَدا كذاك يضِلُّ اللهُ من كان قلبُه ... مريضًا ومَنْ والى النِّفاقَ وألْحدَا فقد تركوا الأَهلِينَ والمالَ خلفَهُمْ ... وبيضًا عليهنَّ الجلابيب خُرّدَّا يُنادينهم مُسْتَعْبرات إليهم ... ويُذْرِينَ دَمعًا في الخُدُودِ وإِثمِدَا فإِلّا تُنَاوِلْهُنَّ مِنكَ برحْمةٍ ... يكنَّ سَبايَا والبُعُولَةُ أعبُدَا أنكْثًا وعِصْيَانًا وغَدْرًا وذِلّةً ... أهان الإلهُ من أَهانَ وأبْعَدَا لقد شأم المِصْريْنِ فَرْخُ مُحَمدٍ ... بحقّ وما لاقى من الطَير أسْعدَا كما شأمَ اللهُ النُّجَيرَ وأهلَهُ ... بجَدٍّ لهُ قد كانَ أَشقى وأنكدَا فقال أهل الشام: أحْسَن، أصلح الله الأمير! فقال الحجّاج: لا، لم يحسْن، إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثمّ قال: يا عدوّ الله، إنا لسنا نحْمَدُك على هذا القول، إنما قلت: تأسُّفَ ألا يكون ظَهَر وظَفِر وتحريضًا لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألناك، أنفِذْ لنا قولَك: بيْنَ الأشَجّ وبيْنَ قيْسٍ باذخٌ فأنفَذَها، فلما قال:

стр. 3987

بَخْ بَخْ لوالِدِه وللمَوْلودِ قال الحجاج: لا واللهِ لا تُبَخبخ بعدَها لأحد أبدًا، فقَدّمه فضَرَب عُنقَه (١). (٦/ ٣٧٥ - ٣٧٨). وقد ذُكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسَرَهم يزيدُ بن المهلب ووجّههم إلى الحجّاج ومن فُلول ابن الأشعث الذين انهزَموا يومَ مسكِن أمرٌ غيرَ ما ذكره أبو مِخنَف عن أصحابه، والذي ذُكِر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابنُ الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفَلّ إلى الرّي، وقد غلب عليها عُمر بن أبي الصّلت بن كنارا مولى بني نَصْر بن معاوية، وكان من أفْرَس الناس، فانضمّوا إليه، فأقبَل قتيبةُ بن مسلم إلى الرّيّ مِن قِبَل الحجاج وقد ولّاه عليها. فقال النفرُ الذين ذكرت أنّ يزيد بن المهلّب وجّههم إلى الحجاج مقيّدين وسائر فلّ ابن الأشعث الذين صاروا إلى الرّي لعمرَ بن أبي الصّلت: نوليك أمرَنا وتحارب بنا قتيبة؛ فشاور عُمر أباه أبا الصّلت، فقال له أبوه: والله يا بُنيّ ما كنتُ أبالي إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تُقتَل من غد، فعقد لواءه، وسار فَهُزم وهُزم أصحابه، وانكشفوا إلى سِجِستانَ، واجتمعتْ بها الفُلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رُتْبِيل، ثمّ كان من أمرهم وأمر يزيدَ بن المهلب ما قد ذكرتُ. وذكَر أبو عُبيدة أنّ يزيدَ لما أراد أن يوجّه الأسرى إلى الحجّاج قال له أخوه حبيب: بأيّ وجه تَنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيدُ: هو الحجاج، ولا يُتعرّض له! وقال: وَطن نفسَك على العَزْل، ولا تُرسل به، فإنّ له عندنا بلاءً، قال: وما بلاؤه؟ قال لُزِم المهلب في مسجد الجماعة بمئتي ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقَه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق: وَجَد ابنُ طلحةَ يومَ لاقى قومَه ... قَحطانَ يوم هَراةَ خيرَ المعشَرِ (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩). وقيل: إنّ الحجاج لما أتِي بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه: إذا دعوتُك بسيِّدهم فائْتني بفيْرُوز، فأبرز سريره - وهو حينئذ بواسِط القَصَب قبل أن تُبنَى مدينة واسط - ثمّ قال لحاجبه: جئني بسيّدهم؛ فقال لفَيْروز:

стр. 3988

قم؛ فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرَجك مع هؤلاء؟ فوالله ما لحمُك من لحومِهم، ولا دَمُك من دمائهم! قال: فتنةٌ عمّت الناس، فكنّا فيها، قال: اكتبْ لي أموالك، قال: ثمّ ماذا؟ قال: اكتبها أوّل؛ قال: ثمّ أنا آمِن على دمي؟ قال: اكتبها، ثمّ أَنظُر؛ قال: اكتبْ يا غلام، ألف ألف ألفيْ ألف، فذَكرَ مالًا كثيرًا، فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي، قال: فأدّها؛ قال: وأنا آمِن على دمي؟ قال: والله لتؤدّينها ثمّ لأقتلنك؛ قال: والله لا تَجمَع مالي ودمي، فقال الحجاج للحاجب: نَحِّهِ، فنحّاه. ثمّ قال: ائتني بمحمد بن سعد بن أبي وقّاص، فدعاه، فقال له الحجاج: إيهًا يا ظِلّ الشيطان أعظمَ الناس تِيهًا وكِبرًا، تأَبى بيعةَ يزيدَ بن معاوية، وتشبّه بحسين وابن عُمر، ثمّ صرتَ مؤذنًا لابن كنارا عبد بني نصر - يَعْني عمر بن أبي الصَّلت - وجعل يَضرِب بعُود في يده رأسَه حتى أدماه؛ فقال له محمد: أيها الرجل، مَلكتَ فأسجح! فكَفّ يدَه، فقال: إن رأيتَ أن تكتبَ إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفوٌ كنتَ شريكًا في ذلك محمودًا، وإن جاءك غيرُ ذلك كنتَ قد أعذَرتَ، فأطرق مَلِيًّا ثمّ قال: اضرب عنقَه، فضُرِبت عنُقه. ثمّ دعا بعمرَ بن موسى فقال: يا عبدَ المرأة، أتقوم بالعَمود على رأس ابن الحائك، وتَشَربَ معه الشراب في حمّام فارسَ، وتقول المقَالَة التي قلت! أين الفرزدق؟ قم فأنشِدْه ما قلت فيه. فأنشَدَه: وخضَبْتَ أيْرَكَ للزِّناءِ ولم تكنْ ... يومَ الهِيَاج لتَخْضِبَ الأَبطَالا فقال: أما واللهِ لقد رفعتُه عن عقائلِ نِسائك، ثمّ أمَر بضَرْب عنِقه. ثمّ دعا ابنَ عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمرة، فإذا غلام حَدَث، فقال: أصلَحَ ألله الأمير! ما لي ذنبٌ، إنما كنت غلامًا صغيرًا مع أبي وأمي لا أمرَ لي ولا نَهْي، وكنت معهما حيث كانا، فقال: وكانت أمُّك مع أبيك في هذه الفِتن كلّها؟ قال: نعم، قال: على أبيك لعنةُ الله. ثمّ دعا بالهلْقام بن نعيم فقال: اجعل ابنَ الأشعث طلَبَ ما طَلَب، ما الذي أمّلت أنتَ معه؟ قال: أمّلتُ أن يملك فيولّيني العرافَ كما ولّاك عبدُ الملك، قال: قم يا حَوْشَب فاضربْ عنقَه، فقام إليه، فقال له الهِلْقام: يا بن لقيطة، أتَنْكَأ القرح! فضرب عنقه.

стр. 3989

ثمّ أُتِيَ بعبد الله بن عامر، فلما قدم بين يديه قال: لا رأتْ عيناك يا حجّاج الجنة إن أقلتَ ابن المهلب بما صَنَع، قال: وما صَنَع؟ قال: لأنَّه كاس في إِطلاقِ أُسرَتِهِ ... وقادَ نحوَكَ في أغلالها مُضَرَا وَقَى بقومِكَ ورد الموتِ أسرَتَه ... وكان قومُك أدنى عندَه خَطَرا فأطْرَق الحجّاج مَلِيًّا، ووَقرَتْ في قلبه، وقال: وما أنتَ وذاك! اضرِب عنقَه، فضُربتْ عنقُه، ولم تزل في نفس الحجّاج حتى عَزلَ يزيدَ عن خُراسانَ وحَبَسه. ثمّ أمر بفَيْروزَ فعذّب، فكان فيما عُذّب به أن كان يشُدّ عليه القصب الفارسيّ المشقوق، ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسدَه، ثم يُنْضَح عليه الخَلّ والمِلح، فلما أحسّ بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس لا يَشُكّون أني قد قُتلتُ، ولي ودائع وأموال عند الناس، لا تؤدَّي إليكم أبدًا، فأظهِروني للناس ليِعلَموا أني حيّ فيؤدّوا المالَ، فأعلم الحجاج، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاحَ في الناس: مَنْ عرَفني فقد عرَفني، ومن أنكَرني فأنا فيروزُ حصين؛ إنّ لي عند أقوامٍ مالًا، فمن كان لي عندَه شيء فهو له، وهو منه في حِلّ، فلا يؤدينّ منه أحد درهمًا، ليُبَلغ الشاهدُ الغائبَ، فأمر به الحجاج فقُتِل، وكان ذلك ممّا روى الوليدُ بن هشام بن قحذم، عن أبي بكر الهُذليّ. (٦/ ٣٧٩ - ٣٨١). وذكر ضَمْرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه: إن الخَراج قد انكسر، وإنّ أهَل الذمّة قد أسلموا ولَحقوا بالأمصار، فكَتَب إلى البَصْرة وغيرِها أنّ من كان له أصلٌ في قرية فليخرج إليها، فخرج الناسُ فعَسكرَوا، فجعلوا يَبكون وينادُون: يا محمّداه يا محمّداه! وجعلوا لا يدرون أين يذهبون! فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين فيبكون لما يَسمعون منهم ويَروْن، قال: فقدِمَ ابنُ الأشعثِ على تَفِيئةِ ذلك، واستبْصر قرّاء أهلِ البَصْرة في قتال الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث. (٦/ ٣٨١). وذكر عن ضمرة بن ربيعَة عن الشيْبانيّ، قال: قَتَل الحجاجُ يوم الزاوية أحدَ عشر ألفًا، ما استحيَا منهم إلّا واحدًا، كان ابنهُ في كُتّاب الحجاج، فقال له: أتحبّ أن نَعفوَ لك عن أبيك؟ قال: نعم. فترَكَه لابنه؛ وإنما خدعَهم بالأمان، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة: ألا لا أمانَ لفلان ولا فلان، فسمَّى رجالًا من

стр. 3990

أولئك الأشراف، ولم يَقُل: الناس آمنون، فقالت العامّة: قد آمَن الناس كلهم إلّا هؤلاء النفَر، فأقبلوا إلى حُجْرته فلما اجتمعوا أمرَهم بوَضْع أسلِحتهم، ثم قال: لآمرن بكم اليومَ رجلًا ليس بينكم وبينه قرابة، فأمر بهم عُمارة بن تميم اللخميّ فقرّبهم فقتَلهم. (٦/ ٣٨١). ورُوي عن النّضر بن شُميل، عن هشام بن حسّان، أنه قال: بلغ ما قَتَل الحجّاجُ صبرًا مئةً وعشرين، أو مئةً وثلاثين ألفًا. (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢). وقد ذُكر في هزيمة ابن الأشعث بمَسكِن قولٌ غيرُ الذي ذكره أبو مِخنَف؛ والذي ذُكِر من ذلك أنّ ابن الأشعث والحجّاج اجتمَعا بمَسكِن من أرض أبزقباذ، فكان عسكرُ ابن الأشعث على نهر يُدعَى خداش مؤخّر النهر، نهر تِيرَى، ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعًا بين دِجلَة والسّيْب والكَرْخ، فاقتتَلوا شَهْرًا - وقيل: دون ذلك - ولم يكن الحجّاج يَعرِف إليهم طريقًا إلا الطريق الذي يلتَقُون فيه، فأتِيَ بشَيْخ كان راعيًا يُدعَى زَوْرقًا، فدلّه على طريق من وراء الكَرْخ طولُه ستّة فراسخ، في أجَمةٍ وضَحْضاح من الماء، فانتخب أربعة آلاف من جِلّة أهلِ الشام، وقال لقائدهم: لِيكُن هذا العِلْج أمامَك، وهذه أربعةُ آلاف دِرْهم معك، فإن أقامَكَ على عسكرهم فادفع المالَ إليه، وإن كان كَذِبًا فاضربْ عنقَه، فإن رأيتَهم فاحملْ عليهم فيمن معك، وليكنْ شعارُكم: يا حجّاج يا حجّاج. فانطلق القائدُ صلاةَ العصر، والتَقَى عسكرُ الحجاج وعسكرُ ابن الأشعث حين فَصَل القائد بمن معه، وذلك مع صلاة العصر، فاقتَتَلوا إلى الليل، فانكشف الحجّاج حتى عبر السِّيب - وكان قد عقده - ودخل ابنُ الأشعث عسكرَه فانتَهبَ ما فيه. فقيل له: لو اتبعتَهُ؟ فقال: قد تعِبنا ونَصِبْنا، فرَجَع إلى عسكرِه فألقَى أصحابُه السلاحَ، وباتوا آمِنين في أنفسِهم لهم الظَّفَر، وهجم القومُ عليهم نصفَ الليل يصيحون بشِعارهم، فجعل الرجلُ من أصحاب ابن الأشعث لا يدري أين يتوجّه! دُجَيل عن يساره ودِجلة أمامَه، ولها جُرْف منكَر، فكان من غَرق أكثر ممن قُتِل. وسمع الحجاج الصوتَ فعبر السِّيبَ إلى عسكره، ثمّ وجّه خيلَه إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الأشعث، وانحازَ في ثلاثمئة، فمضى على شاطئ دِجلةَ حتى أتى دُجَيلا فعبَره في السفن، وعَقَروا دوابَّهم، وانحدَروا في

стр. 3991

السفن إلى البَصْرة، ودخل الحجاج عسكرَه فانتهب ما فيه، وجعل يَقتُل من وجد حتى قَتل أربعةَ آلاف؛ فيقال: إنّ فيمن قُتِل عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وقتل فيهم بِسْطام بن مَصْقَلة بن هُبيرة، وعمر بن ضُبيْعة الرّقاشيّ، وبشر بن المنذر بن الجارود والحَكم بن مخرَمة العبديَّيْن، وبُكَير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ؛ فأتِي الحجاج برؤوسهم على تُرْس، فجعل يَنظُر إلى رأس بِسطامَ ويتمثّل: إذا مَررْتَ بوادِي حَيَّةٍ ذَكَرٍ ... فاذهبْ ودَعْني أقاسي حيةَ الوادِي ثم نظر إلى رأس بُكَير، فقال: ما ألقى هذا الشقيّ مع هؤلاء، خُذْ بأذنه يا غلام فألقِه عنهم، ثمّ قال: ضَعْ هذا الترس بين يديْ مسمَع بن مالك بن مِسمَع، فوُضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجّاج: ما أبكاك؟ أحزنًا عليهم؟ قال: بل جَزعًا لهم من النار. (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣). * * * ذكر خبر بناء مدينة واسط وفي هذه السنة: بنى الحجاج واسطًا، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذكر - أنّ الحجاج ضرب البَعْث على أهل الكُوفة إلى خُراسان، فعسكروا بحمّام عُمر، وكان فتىً من أهل الكوفة من بني أسَد حديثُ عهد بعُرس بابنة عمّ له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمِّه لَيْلًا، فطرق البابَ طارق ودقّه دقًّا شديدًا، فإذا سكرانُ من أهل الشام، فقالت للرجل ابنةُ عمِّه: لقد لقِينا من هذا الشأمي شرًّا، يفعل بنا كلَّ ليلة ما تَرَى، يريد المكروهَ، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه، وعَرَفوا ذلك، فقال: ائذنوا له، ففعلوا، فأغلَق البابَ، وقد كانت المرأة نجّدت منزلها وطيَّبتُه، فقال الشاميّ: قد آن لكم، فاستقنأه الأسديّ، فأندَر رأسَه، فلما أذِّن بالفَجْر خرج الرّجل إلى العسكر وقال لامرأته: إذا صلّيت الفجر فابعثي إلى الشاميّين أن أخرِجوا صاحبَكم، فسيأتون بكِ الحجاجَ، فاصدقِيه الخبَر على وجهِه؛ ففعلتْ، ورُفع القتيلُ إلى الحجاج، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنْبَسة بن سعيد على سريره، فقال لها: ما خَطْبُك؟ فأخبرتْه، فقال: صدَقْتِني. ثم قال لُولاة الشاميّ: ادفنوا صاحبَكم فإنه قتيلُ الله إلى النار، لا قَوَدَ له ولا عَقْل، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلنّ أحدٌ على أحد، واخرُجوا فعَسكروا.

стр. 3992

وبعث رُوّادًا يرتادون له مَنزِلًا، وأمعن حتى نزل أطراف كسْكَر، فبينا هو في موضعِ واسِط إذا راهبٌ قد أقبل على حمار له وعبرَ دِجلةَ، فلما كان في موضع واسط تفاجّت الأتان فبالتْ، فنزل الراهبُ، فاحتفر ذلك البول، ثمّ احتمَله فرمى به في دجْلة، وذلك بِعَيْن الحجّاج، فقال: عليَّ به، فأتى به، فقال: ما حَملك على ما صنعتَ؟ قال: نجد في كُتُبنا أنه يبنى في هذا الموضع مَسجدٌ يُعبْد الله فيه ما دامَ في الأرض أحدٌ يوحِّده. فاختطّ الحجّاج مدينةَ واسِطَ، وبَنَى المسجدَ في ذلك الموضع. (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤). ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر قتل الحجّاج أيوب بنَ القِرِّيَّة وفيها قَتَل الحجّاجُ أيوبَ بن القِرِّيَّة، وكان ممن كان مع ابن الأشعث، وكان سبب قتله إياه - فيما ذُكِر - أنه كان يدخل على حَوْشب بن يزيد بعد انصرافه من دَيْر الجَماجم - وحَوْشب على الكوفة عامل للحجاج - فيقول حوْشب: انظروا إلى هذا الواقف معي، وغدًا أو بعدَ غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا نفاذَه، فبينا هو ذاتَ يوم واقف إذا أتاه كتاب من الحجّاج: أما بعد فإنك قد صرت كَهْفًا لمُنافِقي أهلِ العراق ومأوىً، فإذا نظرتَ في كتابي هذا فابعثْ إليَّ بابن القِرّيَّة مشدودة يدُه إلى عنقه، مع ثقةٍ من قبَلك. فلما قرأ حوشب الكتابَ رَمى به إليه، فقرأه فقال: سمعًا وطاعة؛ فبعث به إلى الحجاج مُوثَقًا، فلما دخل الحجّاج قال له: يا بن القِرِّيَّة، ما أعددتَ لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير! ثلاثةَ حروف كأنهنَّ ركْبٌ وُقوف، دنيا، وآخرةٌ، ومعروف، قال: اخرج مما قلتَ، قال: أفعلُ، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكلُ منه البرّ والفاجر، وأما الآخرة فميزان عادِل، ومَشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان عليّ اعترفتُ، وإن كان لي اغترفْتُ، قال: إمّا لا فاعترف بالسيف إذا وَقَع بك، قال: أصلح الله الأمير! أقِلْني عَثْرتي، وأسغني

стр. 3993

رِيقي، فإنه ليس جواد إلا له كَبْوة، ولا شجاعٌ إلا له هَبْوة، قال الحجّاج: كلا والله لأُرِينّك جهنّم، قال: فأرِحْني فإنّي أجد حَرَّها، قال: قدّمْه يا حَرسِيّ فاضربْ عنقَه، فلما نظر إليه الحجّاج يتشحَّط في دمِه قال: لو كنّا تركْنا ابنَ القِرية حتى نَسمَع من كلامه! ثمّ أمر به فأخرج فرُمِيَ به. قال هشام: قال عَوانة: حين مَنَع الحجاجُ من الكلام ابنَ القِريّة، قال له ابنُ القِريَّة: أما واللهِ لو كنتُ أنا وأنت على السوّاء لسكنا جميعًا, أو لألْفَيْتَ مَنِيعًا. (٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦). [فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس] وفي هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس. * ذكر سبب فتحه إياها: ذكَر عليّ بنُ محمد عن المفضّل بن محمد، قال: كان نِيزَك يَنزل بقَلْعة باذغيس، فتحيّن يزيدُ غزوَه، ووَضع عليه العيون، فبلغه خروجُه، فخالفه يزيدُ إليها، وبلغ نيزك فرجع، فصالَحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحِل عنها بعِياله، فقال كَعْب بنُ معْدانَ الأشقَريّ: وباذَغيسُ التي مَن حل ذُرْوتَها ... عزَّ الملوكَ فإِن شَا جَار أَوْ ظَلما مَنيعةٌ لم يَكِدْها قبله ملكٌ ... إلا إذا وَاجَهَتْ جيشًا له وجَما تخَالُ نيرانها من بُعد منظرها ... بعضَ النّجوم إذا ماليلُها عَتما لمّا أَطافَ بها ضاقتْ صدورهُمُ ... حتى أقرّوا له بالحُكم فاحتكما فذلَّ ساكِنُها من بَعدِ عِزَّتهِ ... يُعطي الجِزَى عارفًا بالذل مُهتضَما وبعد ذلك أَيامًا نعدّدها ... وقبلها ما كَشَفْتَ الكرب والظلما أَعطاك ذاك وليُّ الرزق تقْسِمُهُ ... بين الخلائق والمحرومُ من حُرما يداك إحداهما تُسقي العدو بها ... سَمًّا وأُخرى نداها لم يزَلْ دِيَمَا فهل كَسَيْبِ يزيدَ أَوْ كنائلهِ ... إِلا الفراتُ وإلا النِّيلُ حين طَما ليسا بأجود منه حينَ مَدِّهِما ... إذ يعلوَانِ حداب الأرض والأَكَما وقال: ثنائي على حيِّ العتيك بأَنَّها ... كِرامٌ مقاريها، كِرامٌ نصابُها

стр. 3994

إذا عقدوا للجارِ حَلَّ بِنجْوةٍ ... عزيز مَراقيها، منيع هضَابُها نَفى نيزَكًا عن باذَغيسَ ونيزكٌ ... بمنزلة أعيا الملوكَ اغتصِابُها مُحَلّقَةٍ دونَ السماء كأَنها ... غمَامةُ صَيف زلّ عنها سحابها ولا يبلُغ الأَرْوى شماريخَها العلا ... ولا الطيرُ إلّا نسرُها وعُقابها وما خُوِّفتْ بالذئب وِلْدانُ أَهلها ... ولا نَبَحَتْ إلا النجومَ كِلَابُها تمنّيتُ أن ألقى العتيكَ ذوي النُّهَى ... مسلّطة تُحمى بملكٍ ركابُها كما يتمنى صاحبُ الحرثِ أُعطشَت ... مزارِعُهُ غيثًا غَزيرًا رَبابُها فأُسْقى بعد اليأس حتى تحَيَّرَتْ ... جدَاولها رِيًّا وَعبّ عبابُها لقد جمع الله النوى وتشَعَّبَتْ ... شعوبٌ مِنَ الآفاقِ شَتى مآبها قال: وكان نيزك يُعظِّم القلعة إذا رآها سجَد لها، وكتَب يزيدُ بن المهلب إلى الحجاج بالفَتْح، وكانت كُتُب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يَعمر العَدْوانيّ، وكان حليفًا لهذيل، فكتب: إنا لَقِينا العدو فمنحنَا الله أكتافهم، فقتلْنا طائفةً، وأسرْنا طائفة، ولحقتْ طائفة برؤوس الجبال وعَراعِر الأودية، وأهضامِ الغِيطان وأثناءِ الأنهار، فقال الحجّاج: من يكتب ليزيدَ؟ فقيل: يحيى بن يَعمر، فكَتبَ إلى يزيدَ فحمَلَه على البريد، فقَدِم عليه أفصَح الناس، فقال له: أينَ وُلِدتَ؟ قال: بالأهواز؛ قال: فهذه الفَصاحة؟ قال: حفظتَ كلَام أبي وكان فصيحًا، قال: مِن هناك فأخبرني هل يَلحَن عنبسة بن سعيد؟ قال: نَعَم كثيرًا، قال: ففُلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عنّي أألحَن؟ قال: نعم تلحَن لحْنًا خفيًّا؛ تزيد حرفًا وتَنقص حرفًا، وتجعَل أنْ في موضع إنْ، وإنْ في موضع أنْ. قال: قد أجّلتك ثلاثًا، فإن أجدْك بعدَ ثلاث بأرض العراق قتلْتك. فرجَع إلى خُراسان (١). (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٨).

стр. 3995

ثمّ دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر هلال عبد الرحمن بن محمد بن الأَشعث ففيها كان هلاكُ عبدِ الرحمن بن محمد بن الأشعث. * ذكر السبب الذي به هلك، وكيف كان: ذَكَر هشام بنُ محمد، عن أبي مِخنَف، قال: لما انصرفَ ابنُ الأشعث من هَرَاةَ راجعًا إلى رُتْبيل، كان معه رجلٌ من أوْد يقال له علْقمة بن عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخُل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لمَ: قال: لأني أتخوّف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء، فوَقع إلى رُتْبيل يُرغِّبه ويُرهِّبه، فإذا هو قد بعث بك سَلْمًا أو قتَلكم. ولكن ها هنا خمسمئة قد تبايعْنا على أن ندخل مدينةً فنتحصّن فيها، ونقاتلَ حتى نُعطَى أمانًا أو نموتَ كرامًا، فقال له عبد الرّحمن: أما لو دخلتَ معي لآسيْتُك وأكرَمْتك، فأبى عليه علقمةُ، ودخل عبد الرّحمن بنُ محمد إلى رُتْبيل، وخرج هؤلاء الخمسمئة فبعثوا عليهم مودودًا النَّصْريّ، وأقاموا حتى قدم عليهم عُمارة بن تميم اللَّخميّ فحاصرَهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فَوَفى لهم. قال: وتتابعت كُتُب الحجاج إلى رُتْبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إليّ، وإلا فوالذي لا إله إلا هو لأوطِئنّ أرْضَك ألفَ ألف مُقاتل، وكان عند رُتْبيل رجلٌ من بني تميم ثمّ من بني يَربوع يقال له عُبيَد بن أبي سُبَيع، فقال لرُتْبيل: أنا آخذُ لك من الحجّاج عهدًا ليكفنّ الخراجَ عن أرضك سبعَ سنينَ على أن تَدفَع إليه عبدَ الرحمن بن محمّد، قال رتبيل لعبيد: فإن فعلتَ فإنّ لك عندي ما سألتَ. فكتب إلى الحجّاج يُخبِره أنّ رُتبيلَ لا يعصِيه، وأنه لن يَدَع رُتْبيل حتى يَبعث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجّاج على ذلك مالًا وأخذ من رُتْبيل عليه مالًا، وبعث رُتْبيل برأسِ عبد الرحمن بن محمد إلى الحجّاج، وترك له الصلح الذي كان يأخذه منه سبعَ سنين، وكان الحجّاج يقول: بعث إليّ رتْبيل بعدوّ الله،
следующие страницы →