← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

السفن إلى البَصْرة، ودخل الحجاج عسكرَه فانتهب ما فيه، وجعل يَقتُل من وجد حتى قَتل أربعةَ آلاف؛ فيقال: إنّ فيمن قُتِل عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وقتل فيهم بِسْطام بن مَصْقَلة بن هُبيرة، وعمر بن ضُبيْعة الرّقاشيّ، وبشر بن المنذر بن الجارود والحَكم بن مخرَمة العبديَّيْن، وبُكَير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ؛ فأتِي الحجاج برؤوسهم على تُرْس، فجعل يَنظُر إلى رأس بِسطامَ ويتمثّل: إذا مَررْتَ بوادِي حَيَّةٍ ذَكَرٍ ... فاذهبْ ودَعْني أقاسي حيةَ الوادِي ثم نظر إلى رأس بُكَير، فقال: ما ألقى هذا الشقيّ مع هؤلاء، خُذْ بأذنه يا غلام فألقِه عنهم، ثمّ قال: ضَعْ هذا الترس بين يديْ مسمَع بن مالك بن مِسمَع، فوُضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجّاج: ما أبكاك؟ أحزنًا عليهم؟ قال: بل جَزعًا لهم من النار. (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣). * * * ذكر خبر بناء مدينة واسط وفي هذه السنة: بنى الحجاج واسطًا، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذكر - أنّ الحجاج ضرب البَعْث على أهل الكُوفة إلى خُراسان، فعسكروا بحمّام عُمر، وكان فتىً من أهل الكوفة من بني أسَد حديثُ عهد بعُرس بابنة عمّ له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمِّه لَيْلًا، فطرق البابَ طارق ودقّه دقًّا شديدًا، فإذا سكرانُ من أهل الشام، فقالت للرجل ابنةُ عمِّه: لقد لقِينا من هذا الشأمي شرًّا، يفعل بنا كلَّ ليلة ما تَرَى، يريد المكروهَ، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه، وعَرَفوا ذلك، فقال: ائذنوا له، ففعلوا، فأغلَق البابَ، وقد كانت المرأة نجّدت منزلها وطيَّبتُه، فقال الشاميّ: قد آن لكم، فاستقنأه الأسديّ، فأندَر رأسَه، فلما أذِّن بالفَجْر خرج الرّجل إلى العسكر وقال لامرأته: إذا صلّيت الفجر فابعثي إلى الشاميّين أن أخرِجوا صاحبَكم، فسيأتون بكِ الحجاجَ، فاصدقِيه الخبَر على وجهِه؛ ففعلتْ، ورُفع القتيلُ إلى الحجاج، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنْبَسة بن سعيد على سريره، فقال لها: ما خَطْبُك؟ فأخبرتْه، فقال: صدَقْتِني. ثم قال لُولاة الشاميّ: ادفنوا صاحبَكم فإنه قتيلُ الله إلى النار، لا قَوَدَ له ولا عَقْل، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلنّ أحدٌ على أحد، واخرُجوا فعَسكروا.

стр. 3992

وبعث رُوّادًا يرتادون له مَنزِلًا، وأمعن حتى نزل أطراف كسْكَر، فبينا هو في موضعِ واسِط إذا راهبٌ قد أقبل على حمار له وعبرَ دِجلةَ، فلما كان في موضع واسط تفاجّت الأتان فبالتْ، فنزل الراهبُ، فاحتفر ذلك البول، ثمّ احتمَله فرمى به في دجْلة، وذلك بِعَيْن الحجّاج، فقال: عليَّ به، فأتى به، فقال: ما حَملك على ما صنعتَ؟ قال: نجد في كُتُبنا أنه يبنى في هذا الموضع مَسجدٌ يُعبْد الله فيه ما دامَ في الأرض أحدٌ يوحِّده. فاختطّ الحجّاج مدينةَ واسِطَ، وبَنَى المسجدَ في ذلك الموضع. (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤). ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر قتل الحجّاج أيوب بنَ القِرِّيَّة وفيها قَتَل الحجّاجُ أيوبَ بن القِرِّيَّة، وكان ممن كان مع ابن الأشعث، وكان سبب قتله إياه - فيما ذُكِر - أنه كان يدخل على حَوْشب بن يزيد بعد انصرافه من دَيْر الجَماجم - وحَوْشب على الكوفة عامل للحجاج - فيقول حوْشب: انظروا إلى هذا الواقف معي، وغدًا أو بعدَ غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا نفاذَه، فبينا هو ذاتَ يوم واقف إذا أتاه كتاب من الحجّاج: أما بعد فإنك قد صرت كَهْفًا لمُنافِقي أهلِ العراق ومأوىً، فإذا نظرتَ في كتابي هذا فابعثْ إليَّ بابن القِرّيَّة مشدودة يدُه إلى عنقه، مع ثقةٍ من قبَلك. فلما قرأ حوشب الكتابَ رَمى به إليه، فقرأه فقال: سمعًا وطاعة؛ فبعث به إلى الحجاج مُوثَقًا، فلما دخل الحجّاج قال له: يا بن القِرِّيَّة، ما أعددتَ لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير! ثلاثةَ حروف كأنهنَّ ركْبٌ وُقوف، دنيا، وآخرةٌ، ومعروف، قال: اخرج مما قلتَ، قال: أفعلُ، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكلُ منه البرّ والفاجر، وأما الآخرة فميزان عادِل، ومَشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان عليّ اعترفتُ، وإن كان لي اغترفْتُ، قال: إمّا لا فاعترف بالسيف إذا وَقَع بك، قال: أصلح الله الأمير! أقِلْني عَثْرتي، وأسغني

стр. 3993

رِيقي، فإنه ليس جواد إلا له كَبْوة، ولا شجاعٌ إلا له هَبْوة، قال الحجّاج: كلا والله لأُرِينّك جهنّم، قال: فأرِحْني فإنّي أجد حَرَّها، قال: قدّمْه يا حَرسِيّ فاضربْ عنقَه، فلما نظر إليه الحجّاج يتشحَّط في دمِه قال: لو كنّا تركْنا ابنَ القِرية حتى نَسمَع من كلامه! ثمّ أمر به فأخرج فرُمِيَ به. قال هشام: قال عَوانة: حين مَنَع الحجاجُ من الكلام ابنَ القِريّة، قال له ابنُ القِريَّة: أما واللهِ لو كنتُ أنا وأنت على السوّاء لسكنا جميعًا, أو لألْفَيْتَ مَنِيعًا. (٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦). [فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس] وفي هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس. * ذكر سبب فتحه إياها: ذكَر عليّ بنُ محمد عن المفضّل بن محمد، قال: كان نِيزَك يَنزل بقَلْعة باذغيس، فتحيّن يزيدُ غزوَه، ووَضع عليه العيون، فبلغه خروجُه، فخالفه يزيدُ إليها، وبلغ نيزك فرجع، فصالَحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحِل عنها بعِياله، فقال كَعْب بنُ معْدانَ الأشقَريّ: وباذَغيسُ التي مَن حل ذُرْوتَها ... عزَّ الملوكَ فإِن شَا جَار أَوْ ظَلما مَنيعةٌ لم يَكِدْها قبله ملكٌ ... إلا إذا وَاجَهَتْ جيشًا له وجَما تخَالُ نيرانها من بُعد منظرها ... بعضَ النّجوم إذا ماليلُها عَتما لمّا أَطافَ بها ضاقتْ صدورهُمُ ... حتى أقرّوا له بالحُكم فاحتكما فذلَّ ساكِنُها من بَعدِ عِزَّتهِ ... يُعطي الجِزَى عارفًا بالذل مُهتضَما وبعد ذلك أَيامًا نعدّدها ... وقبلها ما كَشَفْتَ الكرب والظلما أَعطاك ذاك وليُّ الرزق تقْسِمُهُ ... بين الخلائق والمحرومُ من حُرما يداك إحداهما تُسقي العدو بها ... سَمًّا وأُخرى نداها لم يزَلْ دِيَمَا فهل كَسَيْبِ يزيدَ أَوْ كنائلهِ ... إِلا الفراتُ وإلا النِّيلُ حين طَما ليسا بأجود منه حينَ مَدِّهِما ... إذ يعلوَانِ حداب الأرض والأَكَما وقال: ثنائي على حيِّ العتيك بأَنَّها ... كِرامٌ مقاريها، كِرامٌ نصابُها

стр. 3994

إذا عقدوا للجارِ حَلَّ بِنجْوةٍ ... عزيز مَراقيها، منيع هضَابُها نَفى نيزَكًا عن باذَغيسَ ونيزكٌ ... بمنزلة أعيا الملوكَ اغتصِابُها مُحَلّقَةٍ دونَ السماء كأَنها ... غمَامةُ صَيف زلّ عنها سحابها ولا يبلُغ الأَرْوى شماريخَها العلا ... ولا الطيرُ إلّا نسرُها وعُقابها وما خُوِّفتْ بالذئب وِلْدانُ أَهلها ... ولا نَبَحَتْ إلا النجومَ كِلَابُها تمنّيتُ أن ألقى العتيكَ ذوي النُّهَى ... مسلّطة تُحمى بملكٍ ركابُها كما يتمنى صاحبُ الحرثِ أُعطشَت ... مزارِعُهُ غيثًا غَزيرًا رَبابُها فأُسْقى بعد اليأس حتى تحَيَّرَتْ ... جدَاولها رِيًّا وَعبّ عبابُها لقد جمع الله النوى وتشَعَّبَتْ ... شعوبٌ مِنَ الآفاقِ شَتى مآبها قال: وكان نيزك يُعظِّم القلعة إذا رآها سجَد لها، وكتَب يزيدُ بن المهلب إلى الحجاج بالفَتْح، وكانت كُتُب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يَعمر العَدْوانيّ، وكان حليفًا لهذيل، فكتب: إنا لَقِينا العدو فمنحنَا الله أكتافهم، فقتلْنا طائفةً، وأسرْنا طائفة، ولحقتْ طائفة برؤوس الجبال وعَراعِر الأودية، وأهضامِ الغِيطان وأثناءِ الأنهار، فقال الحجّاج: من يكتب ليزيدَ؟ فقيل: يحيى بن يَعمر، فكَتبَ إلى يزيدَ فحمَلَه على البريد، فقَدِم عليه أفصَح الناس، فقال له: أينَ وُلِدتَ؟ قال: بالأهواز؛ قال: فهذه الفَصاحة؟ قال: حفظتَ كلَام أبي وكان فصيحًا، قال: مِن هناك فأخبرني هل يَلحَن عنبسة بن سعيد؟ قال: نَعَم كثيرًا، قال: ففُلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عنّي أألحَن؟ قال: نعم تلحَن لحْنًا خفيًّا؛ تزيد حرفًا وتَنقص حرفًا، وتجعَل أنْ في موضع إنْ، وإنْ في موضع أنْ. قال: قد أجّلتك ثلاثًا، فإن أجدْك بعدَ ثلاث بأرض العراق قتلْتك. فرجَع إلى خُراسان (١). (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٨).

стр. 3995

ثمّ دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر هلال عبد الرحمن بن محمد بن الأَشعث ففيها كان هلاكُ عبدِ الرحمن بن محمد بن الأشعث. * ذكر السبب الذي به هلك، وكيف كان: ذَكَر هشام بنُ محمد، عن أبي مِخنَف، قال: لما انصرفَ ابنُ الأشعث من هَرَاةَ راجعًا إلى رُتْبيل، كان معه رجلٌ من أوْد يقال له علْقمة بن عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخُل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لمَ: قال: لأني أتخوّف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء، فوَقع إلى رُتْبيل يُرغِّبه ويُرهِّبه، فإذا هو قد بعث بك سَلْمًا أو قتَلكم. ولكن ها هنا خمسمئة قد تبايعْنا على أن ندخل مدينةً فنتحصّن فيها، ونقاتلَ حتى نُعطَى أمانًا أو نموتَ كرامًا، فقال له عبد الرّحمن: أما لو دخلتَ معي لآسيْتُك وأكرَمْتك، فأبى عليه علقمةُ، ودخل عبد الرّحمن بنُ محمد إلى رُتْبيل، وخرج هؤلاء الخمسمئة فبعثوا عليهم مودودًا النَّصْريّ، وأقاموا حتى قدم عليهم عُمارة بن تميم اللَّخميّ فحاصرَهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فَوَفى لهم. قال: وتتابعت كُتُب الحجاج إلى رُتْبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إليّ، وإلا فوالذي لا إله إلا هو لأوطِئنّ أرْضَك ألفَ ألف مُقاتل، وكان عند رُتْبيل رجلٌ من بني تميم ثمّ من بني يَربوع يقال له عُبيَد بن أبي سُبَيع، فقال لرُتْبيل: أنا آخذُ لك من الحجّاج عهدًا ليكفنّ الخراجَ عن أرضك سبعَ سنينَ على أن تَدفَع إليه عبدَ الرحمن بن محمّد، قال رتبيل لعبيد: فإن فعلتَ فإنّ لك عندي ما سألتَ. فكتب إلى الحجّاج يُخبِره أنّ رُتبيلَ لا يعصِيه، وأنه لن يَدَع رُتْبيل حتى يَبعث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجّاج على ذلك مالًا وأخذ من رُتْبيل عليه مالًا، وبعث رُتْبيل برأسِ عبد الرحمن بن محمد إلى الحجّاج، وترك له الصلح الذي كان يأخذه منه سبعَ سنين، وكان الحجّاج يقول: بعث إليّ رتْبيل بعدوّ الله،

стр. 3996

فألقَى نفسه من فوق إجار فمات (١). (٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠). قال أبو مخنَف: وحدّثني سليمان بنُ أبي راشد، أنه سمع مليكةَ ابنةَ يَزيدَ تقول: واللهِ لماتَ عبدُ الرحمن وإنّ رأسَه لعلى فَخِذِي، كان السلّ قد أصابه، فلما مات وأرادوا دفَنه بعث إليه رُتْبيل فحزّ رأسَه، فبعث به إلى الحجاج، وأخذ ثمانية عشرَ رجلًا من آل الأشْعث فحبَسهم عندَه، وترك جميعَ من كان معه من أصحابه، وكتب إلى الحجّاج بأخذه الثمانية عشر رجلًا من أهل بيت عبد الرّحمن، فكتب إليه: أن اضرِب رقابَهم، وابعث إليّ برؤوسهم، وكره أن يُؤتَى بهم إليه أحياءً فيُطلبَ فيهم إلى عبد الملك، فيترك منهم أحدًا (٢). (٦/ ٣٩٠). وقد قيل في أمر بنِ أبي سُبيع وابن الأشعث غير ما ذكرتُ عن أبي مِخنَف، وذلك ما ذكر عن أبي عُبيدة مَعمَر بن المثنَّى أنه كان يقول: زعم أن عُمارة بن تميم خرج من كَرْمان فأتَى سجستانَ وعليها رجلٌ من بني العنبر يُدعَى مودودًا، فحصَره ثمّ آمنه، ثم استولى على سِجِسْتَانَ، وأرسل إلى رُتْبيل، وكَتَب إليه الحجّاج: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك عُمارةَ بن تميم في ثلاثين ألفًا من أهل الشام لم يخالِفوا طاعة، ولم يخلَعوا خليفة، ولم يتّبعوا إمام ضلالة، يُجرى على كل رجل منهم في كلّ شهر مئة دِرْهم، يستطعِمون الحربَ استطعامًا، يَطلُبون ابن الأشعث، فأبى رتبيل أن يسلمه، وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبيع التميميّ قد خصّ به، وكان رسولُه إلى رُتْبيل، فحصّ برتبيل أيضًا، وخفّ عليه، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرِحمن: إني لا آمن غدرَ التميميّ، فاقتلْه، فهَمّ به، وبلغ ابن أبي سُبيع، فخافه فوشَى به إلى رُتْبيل، وخوّفه الحجّاج، ودعاه إلى الغَدْر بابن الأشعث فأجابه، فخرج سرًّا إلى عُمارة بن تميم، فاستعجل في ابن الأشعث، فجعل له ألفَ ألفٍ، فأقام عندَه، وكتَب بذلك عُمارة إلى الحجّاج، فكتب إليه أن أعطِ عبيدًا ورُتْبيلَ ما سألاك واشترطْ، فاشترط رُتبيلُ ألّا تغزى بلادُه عشر سنين، وأن يؤدّيَ بعد العشر سنينَ في كلّ سنة تسعمئة ألف، فأعطى رُتْبيل وعبيدًا ما سألا، وأرسلَ رتبيل إلى

стр. 3997

ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته، وقد أعدّ لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقِه جامعةً، وفي عنق القاسم جامعة، وأرسل بهم جميعًا إلى أدنى مَسالح عمارة منه، وقال لجماعة من كان مع ابنِ الأشعث من الناس: تفرّقوا إلى حيث شئتم، ولما قرب ابن الأشعث من عمارة ألقَى نفسَه من فوق قَصْر فمات، فاحتزّ رأسه، فأتى به وبالأسرى عمارة، فضرب أعناقهم، وأرسل برأس ابن الأشعث، وبرؤوس أهلِه وبامرأته إلى الحجّاج، فقال في ذلك بعضُ الشعراء: هيهات موضعُ جُثَّةٍ من رأسِها ... رأسٌ بمصرَ وجثَّة بالرَّخَّجِ وكان الحجاج أرسل به إلى عبدِ الملك، فأرسل به عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مِصر. (٦/ ٣٩٠ - ٣٩١). وذكر عمر بن شبّة أن ابن عائشةَ حدّثه قال: أخبرَني سعد بنُ عُبيد الله قال: لما أتِي عبدُ الملك برأسِ بن الأشعث، أرسَل به مع خصيّ إلى امرأة منهم كانت تحتَ رجل من قريش، فلما وُضع بين يديْها قالت: مرحبًا بزائر لا يتكلّم؛ مَلِك من الملوك طلَب ما هو أهلهُ فأبت المقادير، فذهب الخَصِيّ يأخذ الرأس فاجتذبتْه من يدِه، قالت: لا واللهِ حتى أبلغ حاجتي، ثمّ دعت بخَطميّ فغسَلَتْه وغلّفتْه ثمّ قالت: شأنَك به الآن. فأخذه، ثم أخبر عبد الملك، فلمَّا دخل عليه زوجُها، قال: إن استطعتَ أن تصيبَ منها سَخْلة. وذكر أنّ ابن الأشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارِبٌ إلى بلاد رتْبيلَ فتمثّل: يطردُه الخَوف فهوُ تائهٌ ... كذاكَ مَنْ يكرَهُ حَرَّ الجِلادِ منُخَرقُ الخُفَّين يشكو الوَجَا ... تنكبُه أطراف مَرْوٍ حِدادِ قد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العبادِ فالتفت إليه فقال: يا لحية، هلّا ثبتَّ في موطن من المواطن فنَموت بيت يديك، فكان خيرًا لك مما صرتَ إليه! (٦/ ٣٩١ - ٣٩٢). قال هشام: قال أبو مِخنَف: خرج الحجّاج في أيامه تلك يسير ومعه حُمَيد الأَرْقَط وهو يقول: ما زال يَبني خَنْدقًا ويَهدِمُهْ ... عن عسكرٍ يقودُه فيُسلمُهْ

стр. 3998

حتَّى يصيرَ في يدْيكَ مَقسِمهْ ... هيهاتَ من مصفِّه مُنَهَزمُهْ إنَّ أَخا الكِظاظِ من لا يسأَمُهْ فقال الحجّاج: هذا أصدَقُ من قولِ الفاسق أعشَى هَمْدان: نُبِّئت أنّ بُنيّ يو ... سف خرَّ من زَلَقٍ فتبَّا قد تبيّن له من زَلِقَ وتبَّ ودحَض فانكبّ، وخاف وخابَ، وشكّ وارتاب؛ ورفع صوته فما بقي أحدٌ إلا فزِع لغضبه، وسَكت الأرَيقط، فقال له الحجّاج: عدْ فيما كنت فيه، ما لَك يا أرْقط! قال: إني جُعلت فداكَ أيّها الأمير وسلطان الله عزيز، ما هو إلا أن رأيتُك غضبتَ فأرعدَتْ خصائلي، واحزألّتْ مَفاصلي، وأظلم بَصَري، ودارت بي الأرض، قال له الحجاج: أجلْ، إنّ سلطان الله عزيز، عدْ فيما كنتَ فيه، ففعل. وقال الحجاج وهو ذاتَ يوم يسيرُ ومعه زيادُ بن جَرير بن عبد الله البَجَليّ وهو أعوَر، فقال الحجّاج للأريقط: كيف قلتَ لابن سمُرة؟ قال: قلت: يا أعوَر العَيْن فدَيْتُ العُورَا ... كنتَ حَسِبْت الخَنْدَقَ المحْفورا يرُدُّ عنْك القدَرَ المقدورا ... ودائرات السَّوْء أن تَدورا وقد قيل: إنّ مَهلك عبد الرّحمن بن محمّد كان في سنة أربع وثمانين (١). (٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣). عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان وفي هذه السنة عَزَل الحجّاج بن يوسف يزيدَ بن المهلَّب عن خُراسان وولّاها المفضّل بن المهلّب أخا يزيد. * ذكر السبب الذي من أجله عزله الحجاج عن خُراسان واستعمَل المفضّل: ذَكَرَ عليّ بنُ محمد، عن المفضَّل بن محمد، أن الحجاج وَفَد إلى عبد الملك، فمرَّ في منصرَفه بدير فنزَلَه، فقيل له: إنّ في هذا الدَّيْر شيخًا من أهل الكُتُب عالمًا، فدعا به فقال: يا شيخ، هل تجدون في كُتُبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال:

стр. 3999

نعم، نجد ما مضى من أمْرِكم وما أنتم فيه وما هو كائن؛ قال: أفمسمَّى أم موصوفًا؟ قال: كلّ ذلك؛ موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفةَ أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه؛ ملك أقرَع، من يقم لسبيله يُصرَع، قال: ثمّ من؟ قال: اسم رجل يقال له الوَليد، قال: ثمّ ماذا؟ قال: رجل اسمه اسمُ نبيّ يفتَح به على الناس، قال: أفتعرفني؟ قال: قد أخْبِرت بك. قال: أفتعلم ما ألِي؟ قال: نعم، قال: فمن يَلِيه بَعدي؟ قال: رجلٌ يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي؟ قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفتَه؟ قال: يغدر غُدرةً؛ لا أعرف غير هذا. قال: فوقَع في نفسه يزيدُ بنُ المهلّب، وارتحل فسار سَبْعًا وهو وَجِل من قولِ الشيخ؛ وقَدِم فكَتَب إلى عبد الملك يَستَعفيه من العراق، فكتب إليه: يا بنَ أمّ الحجاج، قد علمتُ الذي تغزو، وأنك تريد أن تَعلَم رأيي فيك، ولَعَمري إني لأرَى مكانَ نافع بنِ عَلْقمة، فالْهُ عن هذا حتى يأتي الله بما هوَ آت؛ فقال الفرزدق يَذكُر مسيرَه: لو أنَّ طيْرًا كُلِّفتْ مثلَ سَيْره ... إلى واسطٍ من إيلياءَ لمَلَّتِ سَرى بالمَهارِي منْ فِلَسطينَ بعدما ... دنا الليلُ من شمس النهار فوَلَّتِ فما عاد ذاك اليومُ حتى أناخها ... بمَيْسان قدْ ملَّتْ سُراها وكلَّتِ كأنَّ قُطاميًّا على الرّحْل طاويًا ... إذا غمْرةُ الظَّلماء عنْه تجلَّت قال فبينا الحجّاج يومًا خالٍ إذا دعا عبيدَ بن مَوْهب، فدخل وهو يَنكُتُ في الأرض، فرفع رأسَه فقال: ويحَك يا عُبيد! إن أهل الكتب يَذكرون أنّ ما تحت يدي يليه رجلٌ يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيدَ بن أبي كبشة، ويزيدَ بن حُصَين بن نُمَير، ويزيد بن دينار، فليسوا هناك، وما هوَ إن كان إلا يزيد بن المهلب، فقال عبيد: لقد شرّفتَهم وأعظمت ولايتَهم، وإنّ لهم لعَدَدًا وجَلَدًا، وطاعة وحظًّا، فأخلق به، فأجمع على عزل يزيد فلم يَجِد له شيئًا حتى قدم الخيار بن أبي سَبْرة بن ذُؤيب بن عَرْفجة بن محمد بن سُفيان بن مُجاشع - وكان من فُرسان المهلب - وكان مع يزيد - فقال له الحجاج: أخبرْني عن يزيدَ، قال: حَسَن الطاعة، ليّن السيرة، قال: كذبت، أصدِقني عنه، قال: اللهُ أجلّ

стр. 4000

وأعظم، قد أسرج ولم يُلجم، قال: صدقتَ، واستعمل الخيار على عُمان بعد ذلك. قال: ثمّ كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيدَ وآلَ المهلّب بالزبيريّة، فكتب إليه عبدُ الملك: إني لا أرى نَقْصًا بآل المهلب طاعتهم لآل الزّبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإنّ وَفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي، فكَتَب إليه الحجّاج يخوّفه غدرَهم لما أخبره به الشيخ، فكتب إليه عبدُ الملك: قد أكثرتَ في يزيدَ وآل المهلب، فسمّ لي رجلًا يَصلُح لخُراسان؛ فسَمَّى له مُجّاعة بن سعر السعديّ، فكتب إليه عبدُ الملك: إنّ رأيك الذي دعاك إلى استفساد آلِ المهلب هو الذي دعاك إلى مُجّاعة بن سعر، فانظر لي رجلًا صارمًا، ماضيًا لأمرك، فسَمَّى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: ولِّه، وبلغ يزيد أنّ الحجاج عزَلَه، فقال لأهل بيته: مَن تروْن الحجاج يولي خُراسان؟ قالوا: رجلًا من ثَقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعَهْده، فإذا قدمتُ عليه عزلَه وولى رجلًا من قيس، وأخلِق بقتيبة! قال: فلما أذن عبد الملك للحجّاج في عَزْل يزيدَ كرِه أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف المففضَّل وأقِبل، فاستشار يزيدُ حُضَينَ بن المنذر، فقال له: أقم واعتلّ، فإنّ أميرَ المؤمنين حَسَن الرأي فيك، وإنما أتيتَ من الحجاج، فإنْ أقمتَ ولم تَعجل رجوتُ أن يكتب إليه أن يقرّ يزيد، قال: إنّا أهلَ بيت بُورِك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف؛ فأخذ في الجهَاز، وأبطأ ذلك على الحجّاج، فكتب إلى المفضّل: إني قد ولّيتُك خُراسان، فجعل المفضل يستحِثّ يزيدَ، فقال له يزيد: إنّ الحجّاج لا يُقرّك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنَع مخَافةَ أن أمتَنِعَ عليه، قال: بل حسدتَني، قال يزيد: يا بن بَهلة، أنا أحسدُك! ستعلم، وخرج يزيدُ في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. فعزل الحجاجُ المفضّل، فقال الشاعر للمفضّل وعبد الملك وهو أخوه لأمّه: يا بَنيْ بَهلَةَ إنَّما أخْزَاكما ... ربّي غَدَاة غَدا الهُمَامُ الأَزْهَرُ أحَفَرْتُمُ لأَخيكُم فَوَقَعْتُم ... في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ أخُوها المُعْوِرُ جُودُوا بتَوْبةِ مُخْلِصينَ فإِنَّما ... يأْبَى ويأْنَف أن يَتُوبَ الأَخْسَرُ وقال حُضَين ليزيد: أَمَرْتك أَمْرًا حازمًا فعَصَيْتَني ... فأصْبَحْتَ مَسلوب الإِمَارةِ نادِما

стр. 4001

فما أنا بالبَاكي عَليكَ صَبَابَةً ... وما أَنا بالدَّاعي لَتَرْجعَ سَالِمَا فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: كيف قلت ليزيد؟ قال: قلت: أَمَرتْكَ أَمْرًا حازمًا فعصيتني ... فنَفْسَكَ أوْلِ اللوْمَ إنْ كُنْتَ لائما فإن يَبلغ الحجَّاجَ أَنْ قَدْ عَصَيْتَهُ ... فإِنَّك تَلْقى أَمْرَهُ مَتفَاقما قال: فماذا أمرتَه به فعصاك؟ قال: أمرتُه ألّا يَدَع صفراءَ ولا بيضاءَ إلا حمَلَها إلى الأمير، فقال رجل لعياض بن حضين: أما أبوك فوجَده قتيبةُ حين فرّه قارِحًا بقوله: "أمرته ألّا يدعَ صَفراء ولا بيضاءَ إلا حملها إلى الأمير". (٦/ ٣٩٣ - ٣٩٦). قال عليّ: وحدّثنا كُلَيب بن خَلَف، قال: كتب الحجّاج إلى يزيدَ أن اغزُ خُوارزم، فكتَب إليه: أيها الأمير، إنها قليلة السَّلَب، شديدةُ الكَلَب، فكَتَب إليه الحجّاج: استخلِف واقدم، فكتَبَ إليه، إني أريد أن أغزوَ خُوارزم، فكتَب إليه: لا تغزُها فإنها كما وصَفت؛ فغزا ولم يُطِعه، فصالَحه أهلُ خوارزم، وأصاب سَبْيًا ممّا صالحوه، وقَفَل في الشتاء، فاشتدّ عليهم البردُ، فأخذ الناس ثيابَ الأسرَى فلبِسوها، فمات ذلك السبيّ من البَرْد، قال: ونزل يزيدُ بلستانة، وأصاب أهلَ مَرْو الروذ طاعونٌ ذلك العام، فكتب إليه الحجاج: أن اقدم، فقَدِم، فلم يمرّ ببلد إلا فَرَشوا له الرَّياحين، وكان يزيدُ ولي سنة اثنتين وثمانين، وعزل سنة خمس وثمانين، وخرج من خُراسان في ربيع الآخِر سنة خمس وثمانين وولي قتيبة. (٦/ ٣٩٦). وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنَف في عزل الحجاج يزيد عن خُراسان سببًا غير الذي ذكره عليّ بنُ محمد، والذي ذُكر من ذلك عن أبيِ مِخنَف أن أبا المُخارق الراسبيّ وغيره حدّثوه أن الحجّاج لم يكن له حين فرَغ من عبد الرّحمن بن محمد همٌّ إلا يزيدَ بن المهلّب وأهل بيته - وقد كان الحجاج أذلّ أهلَ العراق كلّهم إلا يزيد وأهل بيته ومَن معهم من أهل المِصْرَين بخُراسان، ولم يكن يتخوّف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غيرَ يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاجُ في مواربة يزيد ليستخرجَه من خُراسان، فكان يبعث إليه ليأتيه، فيعتلّ عليه بالعدوّ وحَرْب خُراسان، فمكث بذلك حتى كان آخرَ سلطان عبدِ الملك، ثمّ إنّ الحجّاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعَزْل يزيدَ بن المهلب، ويخبره

стр. 4002

بطاعة آل المهلب لابن الزّبير، وأنه لا وفاءَ لهم؛ فكتب إليه عبدُ الملك: إنّي لا أرى تقصيرًا بوَلَد المهلب طاعتَهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإنّ طاعتهم ووفاءهم لهم، هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لي. ثمّ ذكر بقيّة الخبر نحوَ الذي ذَكره عليّ بن محمّد (١). (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧). خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالتّرمذ وفي هذه السنة قُتِل موسى بنُ عبد الله بن خازم السُّلميّ بالتِّرمِذ. * ذكر سَببِ قتلِه ومصيره إلى التّرمذ حتى قُتِل بها: ذُكر أن سبب مصيره إلى التِّرمذ كان أنّ أباه عبد الله بن خازم لما قَتَل مَنْ قَتَل من بني تميم بفرْتَنا - وقد مضَى ذِكرى خبَر قتلِه إيّاهم - تفرّقَ عنه عُظمُ من كان بقيَ معه منهم، فخرج إلى نيسابورَ وخاف بني تميم على ثقله بمَرْو، فقال لابنه موسى: حوّل ثقَلي عن مَرو، واقطع نهرَ بَلْخَ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه، فشَخَص موسى من مرو في عشرين ومئتين فارس، فأتى آمُل وقد ضوى إليه قومٌ من الصَّعاليك، فصار في أربعمئة، وانضمّ إليه رجال من بني سُلَيم، منهم زُرعة بن علقمة، فأتى زمَّ فقاتلوه، فظَفِر بهم وأصاب مالًا، وقطع النهر، فأتى بُخارَى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافَه، وقال: رجل فاتك، وأصحابُه مثله أصحاب حَرْب وشَرّ، فلا آمنه، وبعث إليه بصلة عين ودوابّ وكُسْوة، ونزل على عظيم من عظماء أهل بُخارى في نوقان، فقال له: إنه لا خيرَ في المُقام في هذه البلاد، وقد هَابَك القومُ وهم لا يأمَنونك، فأقام عند دِهْقان نوقانَ أشهرًا، ثمّ خرج يلتمس ملِكًا يَلجَأ إليه أو حِصْنًا، فلم يأت بلدًا إلا كَرِهوا مُقامَه فيهم، وسألوه أن يخرج عنهم. قال عليّ بن محمد: فأتى سمرقَنْد فأقام بها، وأكرَمَه طَرْخونُ مَلِكُها، وأذن له في المُقام، فأقام ما شاء الله، ولأهلِ الصُّغد مائدةٌ يوضعَ عليها لحم وَدِك وخُبْز وإبريق شراب، وذلك في كلّ عام يومًا، يُجعل ذلك لفارس الصّغْد فلا يقرَبه أحد غيرُه، هو طعامه في ذلك اليوم، فإن أكل منه أحدٌ غيرهُ بارزَه فأيُّهما

стр. 4003

قَتَل صاحبَه فالمائدةُ له، فقال رجلٌ من أصحاب موسى: ما هذه المائدة؟ فأخبِر عنها، فسكت، فقال صاحب موسى: لآكلنّ ما على هذه المائدة، ولأبارزنّ فارسَ الصُّغْد، فإن قتلتُه كنتُ فارسَهم. فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة، فجاء مُغضَبًا، فقال: يا عربيّ، بارِزْني، قال: نعم، وهل أريدُ إلا المُبارزَة! فبارَزَه فقتَله صاحب موسى، فقال مَلِك الصّغد: أنزلتُكم وأكرمتُكم فقتلتم فارسَ الصّغد! لولا أنّي أعطيتُك وأصحابَك الأمان لقتلتُكم، اخرُجوا عن بلدي، ووَصله. فخرج موسى فأتى كِسّ فكَتَب صاحبَ كِس إلى طرخون يستنصرِه، فأتاه، فخرج إليه موسى في سبعِمئة فقاتَلَهم حتى أمسَوْا، وتحاجَزوا وبأصحاب موسى جراحٌ كثيرة، فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلّقوا رؤوسَهم كما يَصنَع الخوارج، وقطعوا صفِنات أخبيتهم كما يصنع العجَم إذا استماتوا. وقال موسى لزُرْعة بن علقمة: انطلِق إلى طَرْخون فاحتلْ له، فأتاه، فقال له طرخون: لِمَ صَنَع أصحابُك ما صنَعوا؟ قال: استقتلوا فما حاجتك إلى أن تَقتل أيّها الملك موسى وتُقتَل! فإنك لا تصل إليه حتى يقتَل مِثل عدّتهم منكم، ولو قتلتَه وإياهم جميعًا ما نلت حظًّا, لأنّ له قَدْرًا في العرَب، فلا يلي أحدٌ خُراسان إلا طالبَك بدمه، فإن سلمتَ من واحد لم تَسلَمَ من آخَر؛ قال: ليس إلى تَرْك كِسّ في يده سبيل؛ قال: فكُفّ عنه حتى يَرتحِل، فكفّ وأتى موسى التِّرْمِذ وبها حصن يشُرِف على النهر إلى جانب منه، فنزل موسى على بعض دهاقين التّرمِذ خارجًا من الحِصن والدِّهقان مُجانِب لِترْمذشاه، فقال لموسى: إن صاحبَ التِّرمِذ متكرّم شديدُ الحياء، فإن ألطفْتَه وأهَديْت إليه أدخلَك حِصنَه، فإنه ضعيف، قال: كلّا، ولكنّي أسألُه أن يُدخِلني حِصنَه، فسأله فأبَى، فماكَرَهُ موسى وأهدى له، وألطَفَه، حتّى لطف الذي بينهما، وخرج فتصيّد معه، وكثر إلطاف موسى له، فصنع صاحبُ الترمذي طعامًا وأرسل إليه: إنّي أحِبّ أن أكرِمَك، فتغدَّ عندي، وائتني في مئة من أصحابك، فانتخَب موسى من أصحابه مئةً، فدخلوا على خُيولهم، فلما صارت في المدينة تصاهَلَتْ، فتطيّر أهلُ الترْمذ وقالوا لهم: انزِلوا، فنَزَلوا فأدخلوا بيتًا خمسين في خمسين، وغدّوهم. فلما فرَغُوا من الغَداء اضطجع موسى، فقالوا له: اخرُج، قال: لا أصيب

стр. 4004

مَنزِلًا مِثلَ هذا، فلستُ بخارج منه حتى يكون بيتي أو قَبْري. وقاتَلُوهم في المدينة، فقُتِل من أهلِ الترِمذ عدّة، وهرب الآخرون فدخلوا منازلهم، وغلب موسى على المدينة، وقال الترمذشاه: اخرج، فإنّي لستُ أعرِض لك ولا لأحد من أصحابك، فخرج المَلِك وأهلُ المدينة فأتَوا الترْكَ يستنصرونهم، فقالوا: دخل إليكم مئةَ رجل فأخرَجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بِكسّ، فنحن لا نقاتل هؤلاء، فأقام ابن خازم بالتِّرمِذ، ودخل إليه أصحابُه، وكانوا سبعمئة، فأقام، فلمّا قُتِل أبوه انضمّ إليه من أصحاب أبيه أربعمئة فارس، فقوي، فكان يخرج فيُغير على مَن حولَه، قال: فأرسل الترك قومًا إلى أصحاب موسى ليعلموا عِلمَه، فلما قَدِموا قال موسى لأصحابه: لا بدّ من مَكيدة لهؤلاء - قال: وذلك في أشدّ الحرّ - فأمر بنار فأجِّجَتْ، وأمَرَ أصحابَه فَلبسوا ثيابَ الشتاء، ولبسوا فوقَها لُبِودًا، ومدُّوا أيديَهم إلى النار كأنهم يصطَلُون، وأذن موسى للترك فدخلوا، ففزِعوا ممّا رأَوا، وقالوا: لمَ صنعتم هذا؟ قالوا: نجد البَرْد في هذا الوقت، ونجد الحرّ في الشتاء، فرجعوا وقالوا: جِنٌّ لا نُقاتِلهم، قال: وأراد صاحبُ الترك أن يغزوَ موسى، فوجّه إليه رُسُلًا، وبعث بسمّ ونُشّاب في مسك، وإنما أراد بالسمّ أنّ حربَهم شديدة، والنشّاب الحرب، والمسك السلم، فاخترْ الحربَ أو السلم، فأحرق السمّ، وكسر النشاب، ونثر المِسْك، فقال القوم: لم يريدوا الصّلح، وأخبر أنّ حربهم مثل النار، وإنه يَكْسرُنا فلم يَغزُهم. قال: فولي بُكيْرُ بن وشاح خُراِسانَ فلم يَعرِضَ له، ولم يوجّه إليه أحدًا، ثمّ قدم أميّة فسار بنفسِه يريدُه، فخالَفه بكير، وخلع، فرجع إلى مرْو، فلما صالح أمية بكيرًا أقام عامَه ذلك، فلما كان في قابِل وجّه إلى موسى رجلًا من خُزاعَة في جَمع كثير، فعاد أهلُ الترمذ إلى الترك فاستنصَروهم فأبَوا، فقالوا لهم: قد غزاهم قومٌ منهم وحصروهم، فإنْ أعنّاهم عليهم ظفِرْنا بهم، فسارت الترْك مع أهل الترْمذ في جمع كثير، فأطاف بموسَى الترك والخُزَاعيّ، فكان يُقاتِل الخُزاعيّ أول النهار والتركَ آخِر النهار، فقاتَلَهم شهرين أو ثلاثة، فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابيّ - وكان فارسًا: قد طال أمرُنا وأمرُ هؤلاء، وقد أجمعتُ أن أبيِّت عسكرَ الخُزاعيّ، فإنهم للبيات آمنون، فما ترى؟ قال: البيَات نِعمّا هو، وليكن ذلك بالعَجَم، فإنّ العرب أشدّ حَذَرًا, وأسرَع فَزَعًا، وأجرَأ

стр. 4005

على الليل من العَجَم، فبَيِّتْهم فإنّي أرجو أن ينصرَنا الله عليهم، ثمّ ننفردَ لقتالِ الخُزاعيّ فنحن في حصن وهم بالعَراء، وليسوا بأوْلَى بالصبر، ولا أعلم بالحرْب منّا، قال: فأجمَعَ موسى على بياتِ الترك، فلما ذهب من الليل ثُلثُه خرج في أربعمئة، وقال لعمرو بن خالد: اخرجوا بعَدنا وكُونوا منّا قريبًا؛ فإذا سمعتم تكبيرَنا فكبّروا، وأخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر، ثمّ أخذ من ناحية كفتان، فلمّا قُربَ من عسكرهم جعل أصحابَه أرباعًا، ثمّ قال: أطيفوا بعسكرِهم، فإذا سمعتم تكبيرَنا فكبِّروا وأقبَل وقدَّم عَمْرًا بين يديه ومشَوْا خلفَه، فلما رأتْه أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟ قالوا: عابِري سبيل. قال: فلما جازوا الرَّصَد تفرّقوا وأطافوا بالعسكر، وكبّروا، فلم يشعر الترك إلا بوَقْع السيوف، فثاروا يقتل بعضهم بعضًا وولَّوا، وأصيب من المسلمين ستّة عشر رجلًا، وحَووا عسكرَهم وأصابوا سلاحًا ومالًا، وأصبح الخُزاعيّ وأصحابه قد كسرَهم ذلك، وخافوا مِثلها من البَيات، فتحذّروا. فقال لموسى عمرو بن خالد: إنك لا تَظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون، فدَعْني آتِهم لعلّي أصيب من صاحبهم فرصة؛ إني إن خلوتُ به قتلتُه، فتناوَلْني بضرب، قال: تتعجّل الضّرب وتتعرّض للقتل! قال: أما التعرّض للقَتْل فأنا كلّ يوم متعرِّضٌ له، وأما الضرب فما أيْسَرَهُ في جَنْب ما أريد، فتنَاولَه بضرب؛ ضربه خمسين سَوْطًا، فخرج من عسكر موسى فأتى عسكر الخُزاعيّ مستأمِنًا وقال: أنا رجل من أهل اليَمَن كنتُ مع عبد الله بن خازم، فلما قُتِل أتيتُ ابنَه فلم أزل معه، وكنتُ أوّل من أتاه، فلما قدمت اتهمَني وتعصّب عليّ، وتنكّر لي وقال لي: قد تعصّبت لعدّونا، فأنت عينٌ له، فضَرَبني ولم آمَن القَتْل، وقُلت: ليس بعد الضرب إلا القتل، فهربت منه، فآمنه الخُزاعيّ وأقام معه. قال: فدخل يومًا وهو خالٍ ولم يَرَ عنده سلاحًا، فقال كأنه يَنْصَح له: أصلَحَك الله! إنّ مِثلَك في مِثلِ حالك لا ينبغي أن يكون في حال من أحواله بغيرِ سلاح، فقال: إنّ معي سلاحًا، فرفَع صدر فراشه فإذا سَيفٌ منتضىً، فتناوَله عمرو فضرَبَه فقتله، وخرج فركب فرسَه، ونَذَروا به بعد ما أمعَن، فطلبوه ففاتَهم، فأتى موسى وتفرّق ذلك الجيش، فقطع بعضُهم النهر، وأتى بعضُهم موسى مستأمِنًا، فآمنه فلم يوجِّه إليه أميّةُ أحدًا.

стр. 4006

قال: وعُزِل أميّة، وقَدِم المهلب أميرًا فلم يَعرِض لابن خازم، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون وُلاةَ هذا الثغر ما أقام هذا الثطّ بمكانِه، فإنْ قُتل كان أوّل طالع عليكم أميرًا على خُراسان رجلٌ من قيس، فماتَ المهلب ولم يوجّه إليه أحدًا، ثم تولى يزيدُ بنُ المهلب فلم يَعرِض له، وكان المهلب ضرب حُرَيْثَ بن قُطْبة الخُزاعيّ، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالَهما وحرَمَهما وقَتَلَ أخاهما لأمهما؛ الحارث بن مُنقِذ، وقَتلَ صِهرًا لهما كانت عندَه أمّ حفص ابنةُ ثابت، فبلَغهما ما صنع يزيد. قال: فخرج ثابت إلى طَرْخون فَشَكا إليه ما صنع به - وكان ثابت محبَّبًا في العَجَم، بعيدَ الصّوت، يعظمونه ويثقون به، فكان الرّجل منهم إذا أعطَى عهدًا يريدُ الوفَاء به حلفَ بحياة ثابت فلا يَغدِر - فغَضِب له طَرْخون وجمعَ له نَيْزك والسَّبَل وأهلَ بخارى والصّغانيان، فقَدِموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله، وقد سُقِط إلى موسى فَلّ عبد الرحمن بن العباس من هَراةَ، وفلّ ابن الأشعث من العِراق ومن ناحية كابُل، وقومٌ من بني تميم ممن كان يقاتل ابنَ خازم في الفتنة من أهل خُراسان، فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن، فقال له ثابت وحرَيْث: سرْ تقطع النهر فتُخرج يزيدَ بنَ المهلب عن خُراسان؛ ونوليك، فإنّ طَرْخون ونَيزَك والسبل وأهلَ بُخارَى معك، فهمّ أن يفعَل، فقال له أصحابه: إنّ ثابتًا وأخاه خائفان ليزيد، وإن أخرجت يزيدَ عن خُراسان وأمِنَا تولَّيا الأمر وغَلَباك على خُراسان، فأقمْ مكانَك، فقبل رأيَهم، وأقام بالترْمِذ. وقال لثابت: إنْ أخرجنا يزيدَ قَدِم عاملٌ لعبِد الملك، ولكنا نخرج عمَّال يزيدَ من وراء النهر مما يلينا، وتكون هذه الناحية لنا نأكلها، فرضَي ثابت بذلك، وأخرج من كان من عمال يزيدَ من وراء النهر، وحُملت إليهم الأموالُ، وقويَ أمرُهم وأمرُ موسى، وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل إلى بلادهم، وتَدْبير الأمر لحريْث وثابت، والأميرُ موسى ليس له غيرُ الاسم، فقال لموسى أصحابُه: لسنا نرى من الأمر في يديك شيئًا أكثرَ من اسم الإمارة، فأمَّا التدبير فلِحُريث وثابت، فاقتُلْهما وتولَّ الأمَر، فأبى وقال: ما كنت لأغدر بهما وقد قوَّيا أمري، فحسَدُوهما وألحّوا على موسى في أمرهما حتى أفسَدوا قلَبه، وخوّفوه

стр. 4007

غدرَهما، وهمَّ بمتابَعتهم على الوثُوب بثابت وحُريث، واضطرَب أمرُهم؛ فإنهم لفي ذلك إذ خرجتْ عليهم الهَياطِلة والتَّبَّت والتُّرك، فأقبلوا في سبعين ألفًا لا يعُدّون الحاسرَ ولا صاحبَ بَيْضَة جمّاء، ولا يعدون إلا صاحبَ بَيْضة ذات قَوْنَس، قال: فخرج ابنُ خازم إلى رَبَض المدينة في ثلاثمئة راجل وثلاثين مجففًا، وألقِيَ له كرسيٌ فقعد عليه، قال: فأمر طَرْخون أن يثلم حائطَ الرّبض، فقال موسى: دَعُوهم، فهدموا ودخل أوائلهم، فقال: دعوهم يكثرون، وجعل يقلّب طَبْرزِينًا بيده، فلما كثروا قال: الآن امنعوهم، فركب وحمل عليهم فقاتَلَهم حتى أخرَجهم عن الثُّلمة، ثمّ رجع فجلس على الكرسيّ وذمّر الملكُ أصحابه ليعودوا، فأبَوْا، فقال لفرسانه: هذا الشيطان، منْ سَرّه أن ينظرَ إلى رستم فلينظرْ إلى صاحب الكرسيّ، فمن أبى فليقدَم عليه، ثمّ تحوّلت الأعاجم إلى رُسْتاق كفتان، قال: فأغاروا على سَرْح موسى، فاغتمّ ولم يَطعم، وجعلَ يَعبثُ بلِحيته، فسار ليلًا على نهر في حافَتَيْه نبات لم يكن فيه ماء، وهو يُفضِي إلى خَنَدَقهم، في سبعمئة، فأصبحوا عند عسكرهم، وخرج السَّرْح فأغار عليه فاستاقه، وأتبعه قومٌ منهم، فعطف عليه سَوَّار، مولىً لموسى، فطعن رجلًا منهم فصرَعَه، فرجعوا عنهم وسَلِم مُوسى بالسَّرح، قال: وغاداهم العَجَم القتال، فوقف مَلِكُهم على تلّ في عشرة آلاف في أكمل عُدّة، فقال موسى: إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء، فقصد لهم حُرَيْثُ بن قُطْبة فقاتَلَهم صدرَ النهار، وألحّ عليهم حتى أزالوهم عن التلّ، ورُمي يومئذ حُرَيث بُنشابة في جبهته، فتحاجزوا فبَيّتَهم موسى، وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة مَلِكهم، فوجأ رجلًا منهم بقَبِيعة سيفِه، فطعن فرَسه، فاحتَمَله فألقاه في نهر بَلْخ فغَرق، وعليه درْعان، فقتل العجم قَتْلًا ذريعًا، ونجا منهم من نجا بشرّ، ومات حُرَيث بن قطبة بعد يومين، فدُفن في قبّته. قال: وارتحل موسى، وحَملوا الرؤوسَ إلى التِّرْمذ، فبنَوا من تلك الرؤوس جَوْسَقَين، وجعلوا الرؤوس يقابل بعضها بعضًا، وبلغ الحجاجَ خبرُ الوقعة، فقال: الحمد لله الذي نَصَرَ المنافقين على الكافرين، فقال أصحاب موسى: قد كُفِينا أمرَ حُريث، فأرحْنا من ثابت، فأبَى، وقال: لا وبلَغ ثابتًا بعضُ ما يخوضون فيه، فدسّ محمد بن عبد الله بن مَرثَد الخُزاعيّ، عمّ نَصْر بن

стр. 4008

عبد الحميد عامل أبي مسلم على الرّيّ - وكان في خدمة موسى بن عبد الله - وقال له: إياك أن تتكلم بالعربية، وإن سألوك من أين أنت! فقل: من سَبْي الباميان، فكان يَخدُم موسى وينقُل إلى ثابت خبرَهم، فقال له: تحفَّظْ ما يقولون، وحَذِر ثابت فكان لا ينام حتى يرجعَ الغلام، وأمر قومًا من شاكِرِيّته يحرسونه، ويبيتون عندَه في داره، ومعهم قوم من العَرَب، وألحّ القوم على موسى فأضجَروه، فقال لهم ليلةً: قد أكثرتم عليّ، وفيم تريدون هلاكَكم، وقد أبرَمْتموني! فعلى أيّ وجه تَفتِكون به، وأنا لا أغدِر به! فقال نوح بن عبد الله أخو موسى: خَلِّنا وإياه، فإذا غدا إليك غُدوةً عَدلْنا به إلى بعض الدّور، فضربْنا عنقَه فيها قبل أن يصلَ إليك، قال: أمَا والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم - والغلام يسمَع - فأتى ثابتًا فأخبَره، فخرج من ليلته في عشرين فارسًا، فمضى، وأصبَحوا وقد ذهب فلم يَدْروا من أين أوتُوا. وفَقَدوا الغلام، فعلِموا أنه كان عَيْنًا له عليهم، ولحق ثابت بحشورا فنَزل المدينة، وخرج إليه قومٌ كثير من العَرب والعجم، فقال موسى لأصحابه: قد فتحتم على أنفسكم بابًا فسُدّوه، وسار إليه موسى، فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلَهم، فأمر موسى بإحراق السور، وقاتَلهم حتى ألجؤوا ثابتًا وأصحابَه إلى المدينة، وقاتلوهم عن المدينة. فأقبل رقبة بن الحرّ العَنبريّ حتى اقتحم النار؛ فانتهى إلى باب المدينة، ورجل من أصحاب ثابت واقفٌ يحمِي أصحابَه، فقتَله، ثمّ رجع فخاض النار وهي تَلتهِب، وقد أخذتْ بجوانب نَمَط عليه، فرَمى به عنه ووقفَ، وتحصّن ثابت في المدينة، وأقام موسى في الرّبض، وكان ثابت حين شَخَص إلى حشورا أرسَل إلى طَرْخون، فأقبَل طرْخون مُعينًا له، وبلغ موسى مجيءُ طَرْخون، فرجع إلى التّرْمِذ، وأعانه أهلُ كِسّ ونَسَعف وبُخارَى، فصار ثابت في ثمانين ألفًا، فحَصَروا موسى وقطعوا عنه المادّة حتى جُهدوا. قال: وكان أصحابُ ثابت يَعبُرون نهرًا إلى موسى بالنهار - ثمّ يرجعون بالليل إلى عسكرهم، فخرج يومًا رقَبة - وكان صديقًا لثابت، وقد كان يَنهى أصحاب موسى عمّا صنعوا - فنادى ثابتًا، فبَرز له - وعلى رَقَبَةَ قَباء خزّ - فقال له: كيف حالك يا رَقبة؟ فقال: ما تسأل عن رَجل عليه جُبّة خَزّ في حَمارَّة القَيْظ! وشكا إليه

стр. 4009

حالهم، فقال: أنتم صنعتم هذا بأنفسِكم، فقال: أما والله ما دخلتُ في أمرِهم، ولقد كرهتُ ما أرادوا، فقال ثابت: أين تكون حتى يأتيَك ما قُدّر لك؟ قالّ: أنا عند المُحلّ الطفاويّ - رجلٌ من قيس من يَعْصُر - وكان المحلّ شيخًا صاحب شراب - فنزل رَقَبة عندَه. قال: فبعث ثابت إلى رَقَبة بخمسمئة درهم مع عليّ بن المهاجر الخُزاعيّ، وقال: إنّ لنا تجّارًا قد خرجوا من بَلخ، فإذا بلغك أنهم قد قَدِموا فأرسلْ إليّ تأتِكَ حاجَتُك، فأتى على باب المُحِلّ، فدخل فإذا رَقّبة والمُحلّ جالسان بينهما جَفنة فيها شراب، وخِوانٌ محل عليه دَجاج وأرغفة، ورَقَبة شعِث الرأس، متوشِّح بمِلحفة حمراء، فَدفع إليه الكيس، وأبلَغَه الرسالة وما كلمه، وتناوَلَ الكيس وقال له بيَدِه، اخرجْ، ولم يكلِّمه، قال: وكان رقبةُ جَسيمًا كبيرًا، غائرَ العينين، ناتئ الوَجْنتين، مفلّج، بين كلِّ سِنَّيْن له موضع سنّ، كأنّ وجَهه تُرس. قال: فلمّا أضاق أصحابُ موسى واشتدّ عليهم الحصار قال يزيدُ بن هزيل: إنما مقَام هؤلاء مع ثابت والقَتْل أحسَنُ من الموت جُوعًا، والله لأفتكنَّ بثابت أو لأموتَنّ، فخرج إلى ثابت فاستأمَنَه، فقال له ظُهير: أنا أعرَفُ بهذا منك, إنّ هذا لم يأتِك رغبةً فيك ولا جزَعًا لك، ولقد جاءك بغُدْرَة, فاحذرْه وخَلّني وإياه، فقال: ما كنتُ لأقدِم على رَجل أتاني، لا أدري أكذلك هو أم لا. قال: فَدَعْني أرتهن منه رَهْنًا، فأرسل ثابث إلى يزيدَ فقال: أما أنا فلم أكن أظنّ رجلًا يَغدِر بعد ما يسأل الأمان، وابنُ عمِّك أعلَم بك مني، فانظر ما يُعاملك عليه، فقال يزيد لظُهير: أبيتَ يا أبا سعيد إلا حَسَدًا! قال: أما يكفيك ما تَرَى من الذُّل! تشرّدتُ عن العراقِ وعن أهلي، وصوتُ بخُراسان فيما ترى، أفما تَعطِفك الرَّحمُ! فقال له ظُهير: أما والله لو تُركْتُ ورأيي فيكَ لما كان هذا, ولكن أرْهِنَا ابنيْك قُدامة والضحّاك، فدَفَعهما إليهم، فكانا في يديْ ظُهير. قال: وأقام يزيدُ يَلتمس غِرّةَ ثابت، لا يَقدِر منه على ما يريد، حتى مات ابنٌ لزياد القصير الخُرميّ، أتى أباه نَعيّه من مَرْوَ، فخرج متفضّلًا إلى زياد ليعزّيه، ومعه ظُهير ورَهطٌ من أصحابه، وفيهم يزيد بن هُزَيل، وقد غابت الشمس، فلما صار على نهر الصغَانيَان تأخّر يزيدُ بن هزيل ورجلان معه، وقد تقدم ظُهير وأصحابه، فدنا يزيد من ثابت فضربه فعضّ السيف برأسه، فوصل إلى الدماغ،

стр. 4010

قال: ورمى يزيد وصاحباه بأنفسِهم في نَهْر الصَّغانِيان، فرمْوهم، فنجا يزيدُ سباحة وقُتل صاحباه، وحُمِل ثابت إلى منزله، فلما أصبح طَرْخون أرسَل إلى ظهير: ائِتني بابنَيْ يزيدَ، فأتاه بهما، فقدّم ظهيرٌ الضحّاك بن يزيدَ فقَتَله، ورمى به وبرأسه في النهر، وقدّم قدامَة ليقتلَه، فالتفتَ فوَقَع السيف في صدره، ولم يُبِنْ، فألقاه في النهر حيًّا فغرَق، فقال طرخون: أبوهما قتلهما وغدرُه، فقال يزيد بن هزيل: لأقتلنّ يا بنيّ كلَّ خُزاعيٍّ بالمدينة، فقال له عبدُ الله بنُ بُدَيل بنِ عبد الله بن بُدَيل بنِ وَرْقاء - وكان ممن أتَى موسى من فَلّ ابن الأشعث: لو رُمْتَ ذاكَ من خُزاعة لَصعُب عليكَ. وعاش ثابتُ سبعةَ أيام ثمّ مات، وكان يزيدُ بن هزيل سخيًّا شجاعًا شاعرًا، ولي أيّام ابن زياد جزيرةَ ابن كاوان، فقال: قد كنتُ أدعو الله في السرّ مخلصًا ... ليُمكّنني من جزيةٍ ورِجالِ فأترُك فيها ذِكْرَ طَلحةَ خاملًا ... ويُحمَدُ فيها نائلي وفِعالي قال: فقام بأمرِ العجَم بعد موت ثابت طَرْخون، وقام ظُهَير بأمر أصحابِ ثابت، فقاما قيامًا ضعيفًا، وانتَشَر أمرُهم، فأجمع موسى على بَياتِهم، فجاء رجلٌ فأخبرَ طرخون، فضَحِك وقال: موسى يَعجز أن يدخل متوضّأه، فكيف يبيِّتنا! لقد طار قلْبك، لا يحرسنّ الليلة أحدٌ العسَكر. فلما ذهب من الليل ثُلثُه خرج موسى في ثمانمئة قد عبّاهم من النهار، وصيّرهم أرباعًا، قال: فصيّر على رُبْع رقَبة بن الحرّ وعلى رُبْع أخاه نُوح بن عبد الله بن خازم، وعلى رُبْع يزيدَ بن هزيل، وصار هو في ربع، وقال لهم: إذا دخلتم عسكرَهم فتفرّقوا, ولا يمُرَّن أحدٌ منكم بشيء إلا ضربه، فدخلوا عسكرَهم من أربع نواحٍ لا يمرّون بدابّة ولا رجل ولا خِباء ولا جوالِق إلا ضَرَبوه، وسمع الوجبَة نَيْزك فَلبس سلاحَه، ووقف في ليلة مظلمه، وقال لعليّ بن المُهاجر الخُزاعِي: انطلق إلى طرْخونَ فأعِلمه مَوقفي، وقيل له: ما ترَى أعمل به، فأتى طرخون، فإذا هو في فازة قاعدٌ على كرسيّ وشاكرّيته قد أوقَدوا النيرانَ بين يديْه، فأبلغه رسالةَ نَيزَك، فقال: اجلسْ، وهو طامح ببصِره نحَو العسكر والصّوت، إذ أقبل مَحْمِيَةُ السُّلَميّ وهو يقول: "حم لا يُنْصَرَون"، فتفّرق في الشاكرّية، ودخل محمِيَةُ الفازة، وقام إليه طَرْخون فبدَره فضَرَبه، فلم يُغنِ شيئًا، قال: وطَعَنَه طرْخون بذُباب السيف في

стр. 4011

صَدْرِه فصَرَعه، ورجع إلى الكرسيّ فجلس عليه، وخرجَ محمِية يَعدُو. قال: ورجعت الشاكرّية، فقال لهم طَرْخون: فَرَرتم من رجل! أرأيتم لو كان نارًا هل كانت تَحرِق منكم أكثرَ من واحد! فما فَرَغ من كلامه حتى دخل جوارِيه الفازَة، وخَرَج الشاكرّية هُرّابًا، فقال للجواري: اجلِسْن، وقال لعليّ بن المهاجر: قُمْ، قال: فخرجنا فإذا نوح بنُ عبد الله بن خازم في السُّرادق، فتجاوَلَا ساعة، واختَلَفا ضربتيْن، فلم يَصنَعا شيئًا، وولّى نوح وأتبَعه طَرْخون، فطَعَن فرس نُوح في خاصِرَته فشَبّ، فَسَقَط نُوح والفرَس في نهر الصَّغانيان، ورجع طَرْخون وسيفُه يَقطُر دمًا، حتى دخل السرادق وعليّ بن المهاجرِ معه، ثمّ دخلا الفازة. وقال طَرْخون للجواري: ارجعن: فرَجَعن إلى السرادق؛ وأرسَل طرخون إلى موسى: كُفّ أصحابَك؟ فإنا نرتحل إذا أصبحْنا، فرجَع موسى إلى عسكره، فلما أصبحوا ارتَحَل طَرْخون والعَجَم جميعًا، فأتى كلّ قوم بلادهم. قال: وكان أهلُ خُراسان يقولون: ما رأيْنا مِثلَ موسى بن عبد الله بن خازم، ولا سَمِعنا به، قاتَلَ مع أبيه سنتين، ثمّ خرج يسير في بلاد خُراسان حتى أتى مَلِكًا فغَلَبه على مدينته، وأخَرَجَه منها، ثمّ سارت إليه الجنُود من العَرَب والترك فكان يُقاتِل العَرب أوّل النهار والعَجَم آخر النهار، وأقام في حِصنه خمسَ عشرةَ سنة، وصار ما وراءَ النهر لموسى، لا يُعازّه فيه أحدٌ. قال: وكان بقُومِسَ رجلٌ يقال له عبد الله، يَجتمع إليه فِتيانٌ يتنادَمون عندَه، في مؤونته ونفقَته، فلزِمه دَيْن، فأتى موسى بن عبد الله، فأعطاه أربعةَ آلاف، فأتَى بها أصحابَه، فقال الشاعر يُعاتِب رجلًا يقال له موسى: فما أنتَ مُوسَى إذ يُناجِي إلهَهُ ... ولا وَاهِب القَيْنَات موسَى بنُ خازمِ قال: فلما عُزل يزيدُ ووُلِّيَ المفضّل خُراسانَ أراد أن يحظى عند الحجّاج بقِتال موسى بن عبد الله، فأخرج عثمانَ بن مسعود - وكان يزيد حبَسَه - فقال: إني أريد أن أوجِّهَك إلى موسى بن عبد الله، فقال: واللهِ لقد وترَني، وإنّي لثائر بابن عمّي ثابت وبالخُزاعيّ، وما يَد أبيك وأخِيك عندي وعندَ أهل بيتي بالحَسنة، لقد حبستموني، وشرّدتم بني عمّي، واصطفيَتْم أموالهم، فقال له المفضَّل: دَعْ هذا عنك، وسرْ فأدْرِكْ بثأرك، فوجّهه في ثلاثة آلاف، وقال له: مُر مناديًا فليُناد:

стр. 4012

مَن لحق بنا فلَه دِيوان، فنادَى بذلك في السوق، فسارَعَ إليه الناس، وكتب المفضّل إلى مُدرِك وهو بَبَلْخَ أن يسيرَ معه، فخرج، فلما كان ببلْخ خرج ليلةً يطوف في العسكر، فسَمِع رجلًا يقول: قتلتُه واللهِ، فرَجَع إلى أصحابه، فقال: قتلتُ موسَى وربِّ الكعبة! قال: فأصبَح فسار مِنْ بَلْخ وخرج مدرك معه مُتثاقِلًا، فقطع النهرَ فنزَل جزيرةً بالتِّرمِذ يقال لها اليوم جزِيرة عثمان - لنزول عثمانَ بها في خمسة عشر ألفًا - وكتب إلى السَّبَل وإلى طَرْخون فقَدِموا عليه، فحَصَروا موسى، فضيَّقوا عليه وعلى أصحابه، فخرج موسى ليلًا فأتى كفتان، فامتار منها، ثمّ رجع فمكث شهرين في ضِيق، وقد خَنْدَق عثمان وحذر البَيَات، فلم يَقدِر موسى منه على غِرَّة، فقال لأصحابه: حتى متى! اخرُجُوا بنا فاجعَلوا يومَكم؛ إما ظفرتم وإما قُتِلتم، وقال لهم: اقصِدوا للصّغْد والترك، فخرج وخلّف النضرَ بنَ سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة، وقال له: إن قُتلتُ فلا تدفعنّ المدينةَ إلى عثمان، وادفَعْها إلى مُدْرِك بن المهلّب. وخرج فصيّر ثُلثَ أصحابه بإزاء عثمان وقال: لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم، وقصد لطَرْخون وأصحابه، فَصَدقوهم، فانهزم طرْخونُ والترك، وأخذوا عسكرَهم فجعلوا يَنقلُونه، ونظر معاويةُ بن خالد بن أبي بَرْزة إلى عثمان وهو على بِرْذَوْن لخالد بن أبي برْزة الأسلَميّ، فقال: انزِل أيها الأمير، فقال خالد: لا تنزلْ فإنّ معاوية مشؤوم، وكرّت الصُّغْد والترك، راجعةً، فحالوا بين موسى وبين الحصين، فقَاتلَهم، فعُقِر به فسَقَط، فقال لمولىً له: احملني، فقال: الموتُ كَرِيه، ولكن ارتدِف، فإنْ نجوْنا نجوْنا جميعًا، وإن هلكْنا هلكنا جميعًا، قال: فارتَدَف، فنظر إليه عثمانُ حين وَثَبَ فقال: وَثْبةُ موسى وربّ الكعبة! وعليه مِغفر له مُوشّىً بخزّ أحمَر في أعلاه ياقوتة اسمانْجُونِيَّة، فخرجِ من الخندق فكَشَفوا أصحابَ موسى، فقصد لموسى، وعثرتْ دابة موسى فسَقَط هو ومَوْلاه، فابتَدرُوه، فانطَووا عليه فقتلوه، ونادى منادِي عثمان: لا تقتُلوا أحدًا، من لقيتموه فخُذوه أسيرًا. قال: فتفرّق أصحابُ موسى وأسِر منهم قومٌ، فعُرضوا على عثمان، فكان إذا أتِيَ بأسير من العرب قال: دماؤُنا لكم حلال، ودماؤكم علينا حرام! ويأمر بقتلِه، وإذا أتِيَ بأسير من المَوالي شتَمه، وقال: هذه العربُ تقاتِلني، فهلّا

стр. 4013

غضبتَ لي! فيأمر به فيُشدَخ، وكان فظًّا غليظًا، فلم يسلمَ عليه يومئذ أسيرٌ إلا عبد الله بنَ بُدَيل بنِ عبد الله بن بُدَيلَ بن ورْقاء؛ فإفه كان مولاه، فلما نظر إليه أعرضَ عنه وأشارَ بيده أن خَلّوا عنه، ورَقَبة بن الحرّ لما أُتِيَ به نَظَرَ إليه وقال: ما كان من هذا إلينا كبيرُ ذَنْب، وكان صديقًا لثابت، وكان مع قوم فوَقي لهم، والعَجب كيف أسرْتُموه! قالوا: طُعن فرسُه فسَقَط عنه في وهدة فأسِر؛ فأطلقه وحَمَله، وقال لخالد بن أبي بَرْزة: ليكُنْ عندَك، قال: وكان الذي أجهزَ على موسى بن عبد الله واصِلُ بن طَيسلة العَنْبريّ. ونظر يومئذ عثمانُ إلى زُرعة بن عَلْقمة السُّلَميّ والحجاج بن مروان وسِنان الأعرابي ناحيةً فقال: لكم الأمان، فظنّ الناسُ أنه لم يؤمنهم حتى كاتَبوه. قال: وبقيت المدينةُ في يَدَي النضْر بن سليمان بن عبد الله بن خازم، فقال: لا أدفُعها إلى عثمانَ، ولكني أدفعُها إلى مُدرك، فدفَعَها إليه وآمنه، فدفَعَها مُدرِك إلى عثمانَ، وكتب المفضّل بالفَتْح إلى الحجَّاج، فقال الحجّاج: العجب من ابن بَهْلة! آمرُه بقَتْل ابن سَمُرة فيكتب إليّ أنه لمآبه ويكتب إليَّ: أنه قتَل موسى بن عبد الله بن خازم، قال: وقُتِل موسى سنة خمس وثمانين، فذَكَر البحتريّ أن مَغراء بن المغيرة بن أبي صُفْرة قَتَلَ موسى فقال: وقد عَرَكتْ بالتِّرمذ الخيلُ خازمًا ... ونوحًا وموسى عَركةً بالكَلَاكل قال: فضرب رجل من الجند ساقَ موسى، فلما ولّى قتيبة أخبِر عنه فقال: ما دعاك إلى ما صنعتَ بفتى العرب بعد مَوْته! قال: كان قتَل أخي، فأمَرَ به قُتَيبة فقُتِل بين يديه. (٦/ ٣٩٨ - ٤١٢). * * * عزم عبد الملك بن مروان على خلع أَخيه عبد العزيز وفي هذه السنة أراد عبدُ الملك بنُ مروانَ خلعَ أخيه عبدِ العزيز بنِ مَرْوان. * ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه: ذكَر الواقديّ أنّ عبدَ الملك همّ بذلك، فنَهاه عنه قبيَصةُ بن ذُؤَيب، وقال: لا تَفعلْ هذا، فإنك باعثٌ على نفسك صوتَ نعّار، ولعلّ الموتَ يأتيه فتستريحَ

стр. 4014

منه! فكفّ عبدُ الملك عن ذلك ونفسُه تُنازِعه إلى أن يَخلَعه. ودخل عليه رَوْح بنُ زِنْباع الجُذاميّ - وكان أجلَّ الناسِ عندَ عبدِ الملك - فقال: يا أمير المؤمنين، لو خلعتَه ما انتطَح فيه عنْزان، فقال: ترَى ذلك يا أبا زرْعة؟ قال: إي واللهِ، وأنا أوّلُ من يُجيبُك إلى ذلك؛ فقال: نَصيحٌ إن شاء الله، قال: فبينا هو على ذلك وقد نامَ عبدُ الملك ورَوْح ابنُ زِنْباعٍ إذ دخل عليهما قَبيِصة بن ذُؤيب طروقًا، وكان عبدُ الملك قد تقدّم إلى حُجّابه فقال: لا يُحجب عني قبيصة أيّ ساعة جاءَ من ليل أو نهار، إذا كنت خاليًا أو عندي رجل واحد، وإن كنت عند النساء أدخِل المجلسَ وأعلِمتُ بمكانه فَدخَل وكان الخاتَمُ إليه، وكانت السكّة إليه، تأتيه الأخبارُ قبل عبدِ الملك، وتقرأ الكتبَ قبلَه، ويأتي بالكتاب إلى عبدِ الملك مَنْشورًا فيقرؤه، إعظامًا لقبيصة - فدخل عليه فسلم عليه، وقال: آجرَك اللهُ يا أميرَ المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: وهل تُوفِّى؟ قال: نعم، فاسترجَع عبدُ الملك، ثمّ أقبَل على رَوْح فقال: كفانا الله أبا زُرْعة ما كنا نريد وما أجمَعْنا عليه، وكان ذلك مخالفًا لك يا أبا إسحاق، فقال قَبيصة: ما هو؟ فأخَبَره بما كان؛ فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إنّ الرأي كله في الأنَاة، والعجلةُ فيها ما فيها، فقال عبدُ الملك: ربما كان في العَجَلة خيرٌ كثير، رأيتَ أمرَ عمرو بنِ سعيد، ألم تكن العَجَلة فيه خيرًا من التأنِّي! (٦/ ٤١٢ - ٤١٣). * * * [خبر موت عبد العزيز بن مروان] وفي هذه السنة تُوفِّيَ عبدُ العزيز بنُ مروانَ بمصرَ في جُمادَى الأولى، فضمّ عبد الملك عَمَله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولّاه مصرَ. وأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدّثنا به أبو زَيد عنه، أنّ الحجّاج كَتَب إلى عبد الملك يزيّن له بيعةَ الوليد، وأوفَدَ وفدًا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنَزَيّ، فقام عِمْران خطيبًا، فتكلّم وتكلّم الوَفْد وحثّوا عبدَ الملك، وسألوه ذلك، فقال عمران بنُ عِصام: أميرَ المُؤْمنين إليك نُهدِي ... على النأْيِ التحيَّةَ والسلَاما أجِبْني في بَنيكَ يكُنْ جوابي ... لهمْ عادِيّةً ولنا قِوَاما

стр. 4015

فلو أنَّ الوليدَ أُطاعُ فيه ... جعلتُ له الخلافةَ والذِّماما شَبيهُكَ حَول قُبَّتهِ قريشٌ ... به يَستَمطِرُ الناسُ الغماما ومثلك في التُّقى لم يَصْبُ يومًا .. لدُنْ خَلَعَ القلائدَ والتَّماما فإن تُؤثِرْ أَخاكَ بها فإنَّا ... وجَدّكَ لا نُطِيقُ لها اتّهاما ولكنَّا نُحاذرُ من بَنيه ... بنى العَلَّاتِ مأْثَرَةً سَمَامَا ونخشى إن جَعلتَ المُلكَ فيهمْ ... سحابًا أن تَعُودَ لهم جَهَامَا فلا يَكُ ما حَلْبتَ غدًا لقومٍ ... وبعدَ غَدٍ بَنُوِكَ هُمُ العِيامَا فأُقسِمُ لو تَخطَّأَني عِصَامٌ ... بذلك ما عَذرتُ به عِصَاما لو أَنِّي حَبَوتُ أَخًا بفضل أريدُ به المقالة والمقاما لعَقَّبَ في بَنِيَّ على بنيه ... كذلك أو لَرُمتُ له مرامَا فَمَن يَكُ في أقَاربه صُدُوع ... فصدعُ الملكِ أبطؤهُ التئَامَا فقال عبدُ الملك: يا عِمرانُ، إنه عبد العزيز، قال: احتَلْ له يا أميرَ المؤمنين. قال عليّ: أراد عبدُ الملك بيعةَ الوليدِ قبل أمرِ ابن الأشعث, لأنّ الحجَّاج بعثَ في ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبدُ العزيز أعرض عبدُ الملك عمّا أراد حتى ماتَ عبد العزيز، ولما أراد أن يَخلَع أخاه عبدَ العزيز ويُبايعَ لابنه الوليد كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصيِّر هذا الأمر لابن أخيك! فأبى، فكَتَب إليه: فاجعلْها له من بعدك، فإنه أعزّ الخلق على أمير المؤمنين، فكتب إليه عبد العزيز: إني أرَى في أبي بكر بن عبد العزيز ما تَرَى في الوليد، فقال عبد الملك: اللهمّ إنّ عبد العزيز قَطعَني فاقطعْه، فكتب إليه عبدُ الملك: احمِل خراجَ مصرَ، فكتَبَ إليه عبدُ العزيز: يا أميرَ المؤمنين، إني وإيّاكَ قد بلَغْنا سِنًّا لم يبلْغها أحدٌ من أهلِ بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا، وإنّي لا أدري ولا تَدرِي أيُّنا يأتيه الموتُ أوّلًا! فإن رأيتَ ألّا تغثّث عليّ بقيةَ عمري فافعل. فرقّ له عبدُ الملك وقال: لَعمْرِي لا أغثّث عليه بقية عُمرِه، وقال لابنَيه: إن يُرد الله أن يُعِطيكموها لا يَقدِرْ أحدٌ من العباد على ردّ ذلك. وقال لابنيه: الوليد وسليمان: هل قارفتُما حَرامًا قطّ؟ قالا: لا واللهِ، قال: الله أكبر، نِلتُماها ورب الكعبة! قال: فلما أبى عبدُ العزيز أن يجيبَ عبدَ الملك إلى ما أراد، قال:

стр. 4016

عبدُ الملك: اللهمّ قد قطَعني فاقطَعْه، فلما مات عبدُ العزيز قال أهلُ الشام: رَدّ على أمير المؤمنين أمرَه، فدعا عليه، فاستُجيب له. قال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشيرُ عليه أن يستكتب محمد بن يزيدَ الأنصاريّ، وكتب إليه: إن أردتَ رجلًا مأمونًا فاضلًا عاقلًا وديعًا مُسلمًا كَتُومًا تتّخذه لنفسِك، وتَضع عندَه سِرَّك، وما لا تحبّ أن يَظهَر فاتخذْ محمد بن يزيدَ، فكتب إليه عبدُ الملك: احمله إليّ فَحَمَله، فاتّخذه عبدُ الملك كاتبًا، قال محمد: فلم يكن يأتيه كِتابٌ إلا دفعه إليّ، ولا يسترُ شيئًا إلا أخبَرَني به وكتَمه الناسَ، ولا يكتبُ إلى عامل من عماله إلا أعلَمنيه، فإني لجالسٌ يومًا نِصفَ النهار إذا ببَريد قد قَدِم من مصرَ، فقال: الإذن على أمير المؤمنين، قلت: ليست هذه ساعة إذن، فأعلمني ما قد قدمتَ له، قال: لا. قُلت: فإن كان معك كتاب فادفعه إليّ، قال: لا، قال: فأبلَغَ بعضُ من حضَرَني أمير المؤمنين، فخرج فقال: ما هذا؟ قلتُ: رسولٌ قَدِم في مصرَ، قال: فخُذ الكتاب، قلتُ: زَعَم أنه ليس معه كتاب، قال: فسَلْه عما قدِم له، قلتُ: قد سألتهُ فلم يُخبِرْني، قال أدخِلْه، فأدخَلته، فقال: آجرَك الله يا أميرَ المؤمنين في عبد العزيز! فاسترْجعَ وبكى ووَجَم ساعةً ثمّ قال: يَرحَم الله عبدَ العزيز! مَضَى واللهِ ععدَ العزيز لشأنهِ، وتركَنَا وما نحن فيه، ثمّ بكى النساءُ وأهل الدار، ثمّ دعاني من غَد، فقال: إنّ عبد العزيز ﵀ قد مَضَى لسبيله، ولا بدّ للناس من عَلَم وقائم يقومُ بالأمْرِ من بَعدي، فمن تَرَى؟ قلت: يا أميرَ المؤمنين، سيّد الناس وأرضاهم وأفضلُهم الوليدُ بنُ عبد الملك، قال: صدقتَ وفّقك الله! فمَن تَرى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أين تَعْدلها عن سليمانَ فتَى العرب! قال: وفّقتَ، أما إنَّا لو تركْنا الوليدَ وإياها لجعَلَها لبنيه، اكتُب عَهدًا للوليد وسُليمانَ مِن بَعدِه، فكتبتُ بيعةَ الوليد ثم سليمان من بعدِه، فغَضب عليَّ الوليدُ فلم يُولني شيئًا حين أشرْتُ بسليمان من بعدِه. (٦/ ٤١٣ - ٤١٥). قال عليّ: عن ابن جُعْدبة: كتب عبدُ الملك إلى هشام بن إسماعيلَ المخزوميّ أن يدعوَ الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غيرَ سعيِد بن المسيِّب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حَيّ؛ فضَرَبه هشام ضَرْبًا مُبرِّحًا وألبَسَه المسُوحَ، وسرّحه إلى ذباب - ثنيّة بالمدينة كانوا يُقتلون عندها

стр. 4017

ويُصلَبون، فظنّ أنهم يريدون قتلَه، فلما انتهَوا به إلى ذلك الموضع رَدّوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يَصْلبوني ما لبستُ سراويلَ مُسوح، ولكنْ قلتُ: يصلبونني فيسترني، وبلغ عبدَ الملك الخبرُ، فقال: قبح الله هشامًا! إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبي يَضرِب عنقَه، أو يكفّ عنه (١). (٦/ ٤١٥ - ٤١٦). بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان وفي هذه السنة بايع عبد الملك لابنيه: الوليد، ثم من بعده لسليمان. وأما الحارث فإنه قال: حدّثني ابن سَعْد، عن محمد بن عمَر الواقديّ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ جعفر وغيرُه من أصحابنا قالوا: استعمَل عبدُ الله بن الزبير جابرَ بن الأسود بنَ عوف الزّهري على المدينة، فدعا الناسَ إلى البَيْعة لابن الزبير، فقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لا، حتى يجتَمعَ الناسُ؛ فضرَبَه ستّين سَوْطًا، فَبلَغ ذلك ابن الزبير، فَكَتَب إلى جابر يلومُه، وقال: ما لَنا ولسعيد، دَعْه! (٦/ ٤١٦). ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر وفاة عبد الملك بن مروان ذكر أولاده وأَزواجه منهم الوَليد، وسليمان، ومَرْوان الأكبر - دَرَج - وعائشة؛ أمّهم ولّادة بنت

стр. 4018

العبّاس بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جذَيمة بن رَوَاحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قُطَيعة بن عَبْس بن بَغِيض. ويزيد، ومَرْوان، ومعاوية - دَرَج - وأمّ كُلْثوم، وأمّهم عاتكة بنت يَزيدَ بن معاوية بن أبي سُفْيان. وهشام، وأمّه أمّ هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وقال المدائنيّ: اسمها عائشة بنت هشام. وأبو بكْر، واسمُه بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عُبَيْد الله، والحَكم - دَرَج - أمه أمّ أيّوب بنت عمرو بن عثمانَ بن عفّان. وفاطمة بنت عبدِ الملك، أمّها أمّ المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هِشام بن المغيرة. وعبد الله ومَسلَمة والمنذر وعَنْبسة ومحمد وسعيد الخير والحجّاج؛ لأمهاتِ أولاد. (٦/ ٤١٩ - ٤٢٠). * * * قال المَدائنيّ: وكان له من النساء - سوى من ذكرْنا - شقراءُ بنتُ سَلَمة بن حلبَس الطائيّ، وابنة لعليّ بن أبي طالب ﵇، وأمّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر. (٦/ ٤٢٠). وذكرَ المدائنيّ، عن عوانة وغيره أنّ سلَمَة بن زيد بن وهب بن نُباتَة الفَهميّ، دخل على عبدِ الملك فقال له: أيّ الزمان أدركتَ أفضل؟ وأيّ الملوك أكمَل؟ قال: أما الملوك فلَمْ أرَ إلا ذامًّا وحامدًا؛ وأما الزمان فيَرفَع أقوامًا ويَضَع أقوامًا، وكلهم يَذُمّ زمانَه لأنه يُبلي جديدَهم، ويُهرِم صغيرَهم، وكلّ ما فيه منقطع غير الأمل؛ قال: فأخبِرْني عن فَهْم، قال: هم كما قال مَن قال: دَرَج الليْلُ والنَّهارُ على فَهـ ... ـمِ بنِ عَمْرو فأَصبحُوا كالرَّميمِ وخَلَتْ دارُهُمْ فأَضَحَتْ يَبَابًا ... بعْدَ عزٍّ وثَرْوَة ونعيمِ كذَاك الزمانُ يَذْهَبُ بالنا ... س وتبْقَى ديَارُهُمْ كالرُّسومِ

стр. 4019

قال: فمن يقول منكم: رأيتُ الناسَ مذ خُلقُوا وكانوا ... يحبُّون الغَنِيَّ من الرجالِ وإن كان الغَنيُّ قليلَ خيْرٍ ... بخيلًا بالقليل من النوالِ فما أَدْري عَلَامَ وفيمَ هذا ... وماذا يَرْتَجُون من البِخَال! أَلِلدّنيا؟ فلَيْسَ هُنَاك دنْيا ... ولا يُرْجى لحادثَةِ اللَّيَالي قال: أنا. قال عليّ: قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط لعبدِ المَلِك بن مَرْوان: نبِّئتُ أنَّ ابنَ القَلمَّس عابَني ... ومن ذا من النَّاس الصحيحُ المسَلَّمُ! فأَبصرَ سُبْلَ الرشدِ سيّدُ قومه ... وقد يُبْصِرُ الرشْدَ الرئيسُ المعَمَّمُ فمن أنتمُ؟ ها خَبّرونا من أنتُمُ؟ ... وقد جعلت أَشياءُ تبْدُو وتُكْتَمُ فقال عبد الملك: ما كنتُ أرى أنّ مثلَنا يقال له: من أنتُم! أما واللهِ لولا ما تَعلم لقلتُ قَوْلًا ألحقكم بأصلكم الخبيث، ولضربتُك حتى تموت. (٦/ ٤٢٠ - ٤٢١). وقال عبدُ الله بنُ الحجّاج الثعلبيّ لعبدِ الملك: يا بنَ أَبي العاص ويا خيرَ فَتَى ... أنتَ سِدادُ الدِّين إِن دِينٌ وَهَى أَنتَ الَّذي لا يَجعلُ الأَمرَ سُدَى ... جيبتْ قريش عنكمُ جَوْبَ الرَّحَى إنّ أَبا العاصِي وفي ذاك اعْتَصَى ... أوْصَى بَنيهِ فوَعَوْا عنه الوَصَى إِنْ يَسعروا الحرْبَ ويأبوا ما أَبى ... الطاعنين في النُّحورِ والكُلَى شَزْرًا ووصْلًا للسيوف بالخُطَا ... إلى القتال فَحوَوْا ما قد حَوَى وقال أعشى بني شَيْبان: عرفتْ قرَيشٌ كلُّها ... لبَني أَبي العاص الإِمَارهْ لأَبَرِّها وأحَقِّها ... عند المشورَةِ بالإشارَهْ المانعين لِمَا وَلُوا ... والنافعِين ذوِي الضَّرارهْ وَهُمُ أحَقُّهُم بها ... عند الحلاوة والمرارهْ وقال عبد الملك: ما أعلم مكانَ أحد أقوَى على هذا الأمر منّي، وإنّ

стр. 4020

ابنَ الزّبير لطويلُ الصّلاة، كثير الصيام ولكنْ لبخله لا يَصلُح أن يكون سائسًا. (٦/ ٤٢١ - ٤٢٢). خلافة الوليد بن عبد الملك وفي هذه السنة بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة. فكان أوّل من قام لبيَعته عبدُ الله بن هَمّام السَّلوليّ، فإنه قام وهو يقول: اللهُ أعْطَاكَ الَّتي لا فَوْقَها ... وقد أَرَاد الملحدُون عَوْقَها عَنْكَ ويأْبى الله إلَّا سَوْقَها ... إِلَيْكَ حتى قَلَّدُوكَ طَوْقَها فبايعه، ثمّ تتابعَ الناسُ على البَيعة. (٦/ ٤٢٣). وأما الواقديّ فإنه ذكرَ أنّ الوليدَ لمّا رجع من دَفْن أبيه، ودُفِن خارج باب الجابية، لم يدخُل منزلَه حتى صعد على مِنبرِ دِمشقَ، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمّ قال: أيّها الناسُ، إنه لا مُقدِّم لِما أخّر الله، ولا مؤخّر لِمَا قَدّم الله، وقد كان من قضاء الله وسابِق عِلمهِ وما كَتَب على أنبيائه وحَمَلة عرشِه الموت. وقد صار إلى منازل الأبرار ولّى هذه الأمة الذي يحقّ عليه لله من الشدّة على المُريب، واللِّين لأهل الحقّ والفضل، وإقاصة ما أقام الله من مَنار الإسلام وأعلامه؛ من حَجّ هذا البيت، وغَزْو هذه الثغور، وشَنّ هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزًا ولا مُفرِّطًا، أيها الناس، عليكم بالطاعة، ولزومِ الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد، أيها الناس، مَن أبدَى لنا ذات نفسِه ضرْبنا الذي فيه عَيْناه، ومن سَكَت ماتَ بدَائه. ثمّ نزَل، فَنَظَر إلى ما كان من دوابّ الخلافة فحَازه، وكان جبّارًا عنيدًا. (٦/ ٤٢٣). ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قِبَل الحجاج ذكر ما كان من أمر قتيبة بخُراسان في هذه السنة، ثمّ عرَض قُتيبةُ الجُندَ في السلاح والكُراع، وسار واستخلَف بمرْوَ على حَرْبها إياسَ بن عبد الله بن عمرو،

стр. 4021

وعلى الخَراج عثمان بن السعديّ، فلما كان بالطالَقان تلقّاه دَهاقينُ بَلْخَ وبعضُ عُظَمائِهم فساروا معه، فلما قَطَع النهرَ تلقّاه تيش الأعورَ مَلِك الصّغانيانِ بهَدايا ومِفتاح من ذهب، فدعاه إلى بلاده، فأتاه وأتَى ملك كفتان بهدايا وأموال، ودعاه إلى بلاده فمضى مع بيش إلى الصَّغَانيان، فسلَّم إليه بلادَه، وكان ملك أخْرون وشُومان قد أساءَ جوارَ تيش وغزاه وضَيّق عليه، فسار قُتيبةُ إلى أخْرون وشومان - وهما من طخارستان، فجاءه غشتاسبان فصالَحه على فِدْية أدّاها إليه، فَقبِلها قتيبة ورضيَ، ثمّ انصرف إلى مَرْوَ، واستخلفَ على الجند أخاه صالحَ بنَ مسلم، وتقدّم جندَه فسبَقَهم إلى مَرْوَ، وفتَح صالح بعد رجوع قتيبةَ باسارا، وكان معه نصر بن سيّار فأبلى يومئذ؛ فوَهَب له قريةً تُدْعَى تنجانة، ثمّ قَدِم صالح على قُتيبةَ فاستعمَلَه على التِّرمذ. قال: وأما الباهليّون فيقولون: قَدِم قتيبةُ خُراسانَ سنة خمس وثمانين فعَرَض الجندَ، فكان جميعُ ما أحصَوا من الدرّوع في جُنْد خُراسان ثلاثمئة وخمسين دِرْعًا، فغزا أخْرون وشُومان، ثمّ قَفل فركِبَ السفُن فانْحدَرَ إلى آمُل، وخَلّف الجُنْد، فأخذوا طريق بَلْخ إلى مَرْو، وبلغ الحجّاج، فكَتَب إليه يلومه، ويعجّز رأيَه في تخليفه الجندَ، وكتب إليه: إذا غزوتَ فكنْ في مُقدَّم الناس، وإذا قفلتَ فكن في أخْرَياتهم وساقَتِهم. وقد قيل: إنّ قتيبةَ أقامَ قبلَ أن يقطَع النهر في هذه السنة على بَلْخ, لأن بعضها كان منتقِضًا عليه، وقد ناصَبَ المسلمين، فحارَبَ أهلَها، فكان ممن سَبَى امرأة بَرْمك، أبي خالد بن بَرْمك - وكان بَرمَك على النُّوبَهار - فصارت لعبد الله بن مسلم الذي يقال له الفقير، أخي قُتَيبة بن مسلم، فوقَع عليها، وكان به شيء من الجُذام، ثمّ إنّ أهلَ بَلْخ صالحوا من غَد اليوم الذي حارَبهم قُتيبةُ، فأمَر قتيبة بردّ السَّبْي، فقالت امرأة برْمك لعبد الله بن مسلم: يا تازِي، إنِّي قد عَلِقْتُ منك، وحضرتْ عبد الله بن مسلم الوفاةُ، فأوصَى أن يُلحق به ما في بطنها، وردّت إلى بَرْمَك. فذكر أن ولدَ عبدِ الله بن مُسلم جاؤوا أيامَ المهديّ حين قَدِم الرّيّ إلى خالد، فادّعَوْه، فقال لهم مُسلِم بنُ قتيبة: إنه لا بدّ لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تُزوّجوه، فتركوه وأعرضوا عن دَعْواهم.

стр. 4022

وكان بَرْمَك طبيبًا، فدّاوى بعد ذلك مَسلمةَ من عِلّة كانت به. (٦/ ٤٢٤ - ٤٢٦). ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر إمارة عمر بن عبد العزيز قال: وقَدِم على ثلاثين بعيرًا، فَنَزل دارَ مَروانَ، قال: فحدّثني عبدُ الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: لما قَدِم عمر بنُ عبد العزيز المدينةَ ونَزَل دارَ مروانَ دخل عليه الناسُ فسلَّموا، فلما صلَّى الظهرَ دعا عشرةً من فُقهَاء المدينة: عُرْوةَ بنَ الزبير، وعبيدَ الله بن عبد الله بن عُتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يَسَار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زَيْد؛ فدخلوا عليه فجلسوا، فحمِد الله وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثمّ قال: إني إنما دعوتكم لأمرٍ تؤجَرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحقّ، ما أريد أن أقطعَ أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حَضَر منكم، فإن رأيتيم أحدًا يتعدّى، أو بلَغَكم عن عامل لي ظُلامة، فأَحرّجُ الله على مَن بلغه ذلك إلا بلّغني. فخرجوا يُجزوُنه خيرًا، وافترقوا. قال: وكتب الوليدُ إلى عمرَ يأمرُه أنْ يقف هشام بن إسماعيلَ للناس، وكان فيه سيِّئ الرأي. (٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨). قال الواقديّ: فحذثني داودُ بن جُبير، قال: أخبرتْني أمّ وَلد سعيد بن المسيّب أن سعيدًا دعا ابنَه ومواليَه فقال: إنّ هذا الرجل يُوقف للناس - أو قد وُقف - فلا يتعرّضْ له أحدٌ ولا يؤذِه بكلمة، فإنا سنتْرُك ذلك لله وللرَّحِم، فإن كان ما علمتُ لسيِّئ النظر لنفسهِ، فأمّا كلامُه فلا أكلّمه أبدًا. (٦/ ٤٢٨). قال: وحدّثني محمد بنُ عبد الله بن محمد بن عمَر، عن أبيه، قال: كان هشامُ بنُ إسماعيلَ يسيء جِوارَنا ويؤذِينا, ولقيَ منه علي بنُ الحسين أذىً شديدًا،

стр. 4023

فلما عُزل أَمَر به الوليدُ أن يُوقَف للناس، فقال: ما أخاف إلا من عليّ بن الحسين، فمَرّ به عليّ وقد وُقِف عند دارِ مَرْوان، وكان عليّ قد تقدّم إلى خاصّته ألّا يَعرِض له أحد منهم بكلمة؛ فلما مرّ ناداه هشامُ بنُ إسماعيل: اللهُ أعلمُ حيث يجعَل رِسالاته. (٦/ ٤٢٨). * * * خبر غزو قتيبة بِيكَنْد قال عليّ: حدّثنا أبو الذّيال، عن أشياخ من بني عَدِيّ، أنّ مسلمًا الباهليَّ قال لِوَألانَ: إنّ عندي مالًا أحبّ أن أستودِعَكَه، قال: أتريد أن يكون مكتومًا أو لا تكره أن يعلَمه الناسَ؟ قال: أحِبّ أن تكتُمه؛ قال: ابعث به مع رجلِ تَثِق به إلى موضع كذا وكذا، ومُرْه إذا رأى رجلًا في ذلك الموضع أن يَضع ما معه ويَنصرِف؛ قال: نعم، فجَعل مسلم المال في خُرْج، ثمّ حَمَله على بغل وقال لمولىً له: انطلق بهذا البغل إلى موَضع كذا وكذا، فإذا رأيت رجلًا جالسًا فخلِّ عن البَغْل وانصَرِف، فانطَلَق الرجلُ بالبَغْل، وقد كان وألان أتى الموضَع لمِيعاده. فأبطأ عليه رسولُ مسلم، ومضى الوقت الذي وَعدَه، فظنّ أنه قد بدا له، فانصرف، وجاء رجلٌ من بني تَغلِبَ فجلس في ذلك الموضع، وجاء مولَى مسلم فرأى الرجل جالسًا، فخلَّى عن البغل ورَجعَ، فقام التغلبيُّ إلى البَغْل، فلما رأى المال ولم يَر مع البَغْل أحدًا قادَ البغَل إلى منزِله، فأخذ البغلَ وأخذَ المال، فظنّ مسلم أن المال قد صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه، فَلقيَه فقال: مالي! فقال: ما قبضت شيئًا، ولا لك عندي مال، قال: فكان مُسلم يشكوه ويتنقّصه، قال: فأتى يومًا مجلس بني ضبَيعة فشّكاه والتغلبيُّ جالسٌ، فقام إليه فخَلا به وسأله عن المال، فأخبَرَه، فانطَلَق به إلى منزِله، وأخرج الخُرْج فقال: أتعرِفه؟ قال: نَعَم، قال: والخاتمَ؟ قال: نعم؛ قال: اقِبض مالَك، وأخبرَه الخَبر، فكان مسلم يأتي الناسَ والقبائلَ التي كان يشكو إليهم وألان فيَعذِره ويُخبرهم الخبَر، وفي وألان يقول الشاعر:

стр. 4024

ولَسْتَ كَوألَان الَّذي سَادَ بالتُّقى ... ولستَ كعمرانٍ ولَا كالمُهلَّبِ (٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣) وعِمْرانُ: ابنُ الفصِيل البُرْجُميّ. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر فتح حصون طوانة من بلاد الروم فذكر محمّد بن عمَر الواقديّ أن ثورَ بن يزيدَ حدّثه عن أصحابه قال: كان فَتْح طُوانة على يديْ مسلَمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، وهَزم المسلمون العدوّ يومئذ هزيمةً صاروا إلى كنيستهم، ثمّ رجَعوا فانهَزَم الناس حتى ظَنّوا ألا يجتبروها أبدًا، وبقِيَ العباس معه نُفَير؛ منهم ابن مُحيْرِيز الجُمْحيّ، فقال العباس لابن مُحَيريزَ: أين أهلُ القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال: ابنُ مَحيريز: نادِهم يأتوك؛ فنادَى العبّاس: يا أهلَ القرآن! فأقبَلوا جَميعًا، فهزَم الله العدوّ حتى دخلوا طُوانة. (٦/ ٤٣٤). وكان الوليدُ بنُ عبد الملك ضرب البَعْث على أهل المدينة في هذه السنة، فذكَر محمّد بن عمَر، عن أبيه، أنّ مَخرمة بن سليم الوالبيّ قال: ضرب عليهم بعث ألفين، وأنهم تجاعَلوا فخرج ألف وخمسمئة، وتخلّف خمسمئة، فغَزوا الصائفة مع مَسلَمة والعبّاس، وهما على الجيش، وإنهم شتَوا بطُوانة وافتتَحوها. (٦/ ٤٣٤). * * * وفيها وُلِد الوليدُ بن يزيدَ بن عبد الملك. (٦/ ٤٣٤). * * * ذكر عمارة مسجد النبي ﷺ - وفيها أمرَ الوليدُ بنُ عبد الملك بهَدْم مسجدِ رسول الله ﷺ وهدم بيوت أَزْواج رسولِ الله ﷺ وإدخالها في المسجد، فذَكَر محمد بنُ عمر، أَنّ محمد بن جعفر بن ورْدان البنّاء قال: رأيتُ الرسولَ الذي بعثَه الوليدُ بن عبد الملك قَدِم في

стр. 4025

شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين، قدم مُعتجِرًا، فقال الناس: ما قَدِم به الرسول! فدَخل على عمَر بن عبد العزيز بكتاب الوليد يأمره بإدخال حُجَر أزواج رسول الله ﷺ في مسجد رسول الله، وأن يشتري ما في مؤخَّره ونواحيه حتى يكون مئتي ذراع في مئتي ذواع ويقول له: قدّم القِبْلة إنْ قَدَرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمرْ أهل المصر فليقوّموا له قيمة عدل، ثم اهدمْ عليهم وأدفَع إليهم الأثمان، فإنْ لك في ذلك سَلَف صِدق؛ عمر وعثمان فأقرأهم كتابَ الوليد وهم عندَه، فأجاب القوم إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخَذَ في هَدْم بيوتِ أزواج النبيّ ﷺ وبناء المسجد، فلم يمكُث إلا يَسيرًا، حتى قدمِ الفَعلة، بَعَثَ بهم الوليد. (٦/ ٤٣٥). قال محمد بنُ عمَر: وحدّثني موسى بن يعقوبَ، عن عمّه، قال: رأيت عمرَ بن عبد العزيز يَهدِم المسجدَ ومعه وجوة الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد اللهِ بن عمرَ، يُرُونه أعلامًا في المسجد ويقدّرونه، فأسَّسُوا أساسَه. (٦/ ٤٣٥) قال محمد بن عمر: وحدّثني يحيى بنُ النعمان الغِفاريّ عن صالح بن كَيْسان، قال: لما جاء كتابُ الوليد من دمشقَ وسار خمس عشرةَ بهدم المسجد، تجرّد عمرُ بنُ عبد العزيز، قال صالح: فاستعملني على هَدْمه وبنائه، فهدَمْناه، بعمّال المدينة، فبدأنا بهَدْم بيوت أزواج النبيّ ﷺ حتى قَدِم علينا الفَعَلة الذين بَعَثَ بهم الوليد. (٦/ ٤٣٥). قال محمد: وحدّثني موسى بن أبي بكر، عن صالح بن كَيْسان، قال: ابتدأنا بهَدْم مسجد رسول الله ﷺ في صَفر من سنة ثمان وثمانين، وبَعَثَ الوليدُ إلى صاحب الرّوم يُعلمه أنه أمر بهدم مَسجد رسولِ الله ﷺ ، وأن يُعينَه فيه، فبعث إليه بمئة ألفِ مثقال ذهب، وبَعث إليه بمئة عامل، وبعث إليه من الفُسَيْفِساء بأربعين حِمْلا. وأمر أن يتتبَّع الفُسَيْفِساء في المدائن التي خُرّبت، فبعث بها إلى الوليد، فبعث بذلك الوليد إلى عمرَ بن عبد العزيز. وفي هذه السنة ابتدأ عمرُ بن عبد العزيز في بناء المسجد. (٦/ ٤٣٦). * * *

стр. 4026

وفيها غَزا أيضًا مَسلمَةُ الرّوم، ففُتِح على يديه حُصونٌ ثلاثة: حِصن قُسْطَنْطِينة، وغَزالة، وحِصن الأخْرم، وقتل من المستَعربة نحوٌ من ألف مع سَبْي الذرّيّة، وأخذِ الأموال. (٦/ ٤٣٦). ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها خبر غزو قتيبة بخارى وفي هذه السنة غزا قُتيبةُ بُخارى، ففتح راميثنه، ذكر عليّ بنُ محمّد عن الباهليّين أنهم قالوا ذلك، وأن قتيبة رَجَع بعدما فتحها في طريق بَلْخ، فلمّا كان بالفارِياب أتاه كتاب الحجّاج: أن رِدْ وَرْدان خُذَاه. فرجع قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زَمِّ، فقطع النهر، فلِقيَه السُّغد وأهل كِسّ ونَسَف في طريق المفازة، فقاتَلوه، فظَفِر بهم ومَضى إلى بُخارَى، فنَزل خَرْقانة السفْلى عن يمين وَرْدان، فلقوه بجمع كثير، فقاتَلَهم يومَين وليلَتين، ثمّ أعطاه الله الظَّفر عليهم؛ فقال نَهار بن تَوسِعَة: وباتت لَهُمْ منَّا بخَرْقانَ لَيْلة ... ولَيْلَتُنا كانت بِخرْقان أَطْولَا (٦/ ٤٣٩). وقيل: كتَب إليه الحجاج أن كِسّ بكسّ وانسفْ نسَف ورِدْ وَرْدان، وإيّاك والتحويط، ودَعْني من بُنيّاتِ الطريق. (٦/ ٤٤٠). * * * خبر ولاية خالد القسريّ على مكة وفي هذه السنة وليَ خالد بن عبد الله القَسْريّ مكّة فيما زعم الواقديّ، وذكَرَ أنّ عمر بن صالح حدّثه عن نافع مولَى بني مخزوم، قال: سمعت خالدَ بن عبد الله يقول على مِنبرِ مَكّة وهو يخطب: أيّها الناس، أيّهما أعظَم؟ أخليفةُ الرّجل على أهله، أمْ رسوله إليهم؟ واللهِ لو لم تعلَموا فضْل الخَليفة، إلا أنّ إبراهيمَ خليلَ الرّحمن استَسْقى فسَقاه ملْحًا أجاجًا، واستسقاه الخليفةُ فَسَقاه عَذْبًا فراتًا، بِئرًا حَفَرَها الوليد بنُ عبد الملك

стр. 4027

بالثَّنيتيْن - ثَنِيَّة طوىً وثنيّة الحجُون - فكان ينقَل ماؤها فيوضَع في حوض من أدَم إلى جَنْب زمزمَ ليُعْرف فضلُه على زَمْزَم. قال: ثمّ غارت البئر فذهبتْ فلا يُدرَى أين هيَ اليوم (١). (٦/ ٤٤٠) ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها خبر صلح قتيبة مع السُّغْد وفي هذه السنة جدّد قتيبةُ الصلحَ بينه وبين طَرْخون مَلِك السُّغْد. * ذكر الخبر عن ذلك: قال عليّ: ذَكَر أبو السَّريّ عن الجَهم الباهليّ، قال: لما أوقع قتيبة بأهل بُخارَى ففضّ جمعهم هابَه أهلُ السُّغْد، فرجع طَرْخون مَلك السُّغد ومعه فارسان حتى وقف قريبًا من عسكر قُتيبة وبينهما نَهر بُخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلًا يكلمه، فأمر قتيبةُ رجلًا فدنا منه. وأما الباهليّون فيقولون: نادى طَرْخونُ حيّانَ النَّبَطِيّ فأتاه، فسألهم الصّلح على فِدْية يؤدّيها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طَلَب، وصالحه، وأخذ منه رَهْنًا حتى يبعثَ إليه بما صالحه عليه، وانصرف طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبةُ ومعه نِيزَك. (٦/ ٤٤٥). * * * خبر فتح الطالقان وفي هذه السنة، أوقع قتيبة بأهل الطالقَان بخراسان - فيما قال بعض أهل الأخبار - فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة، وصلب منهم سِمَاطيْن أربعة فراسخَ في نظام واحد.

стр. 4028

* ذكر الخبر عن سبب ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أنّ نِيزَك طرخان لما غدر وخَلَع قتيبة وعزَم على حَربه، طابَقَه على حربه مَلِك الطالَقان، وواعَدَه المصيرَ إليه منَ استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قُتيبة، فلما هَرَب نِيزَك من قتيبة ودخل شِعب خُلم الذي يأخذ إلى طُخارِستان عَلِم أنه لا طاقةَ له بقُتيبة، فهَرَب، وسار قُتيبةُ إلى الطالقان فأوقع بأهلها، ففعل ما ذكرتُ فيما قبل. وقد خُولف قائلُ هذا القول فيما قال من ذلك، وأنا ذاكرُه في أحداث سنة إحدى وتسعين. (٦/ ٤٤٧). هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج * ذكر الخبر عن سبب تخلّصهم كمن سجن الحجّاج ومسيرِهم إلى سليمان: قال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي المُخارق الراسبيّ، قال: خرج الحجّاج إلى رُسْتُقْباذ للبَعْث, لأنّ الأكرادَ كانوا قد غلبوا على عامة أرضِ فارسَ، فخرج بيزيدَ وبإخوانه المفضّل وعبد الملك حتى قَدِم بهم رستقْباذ؛ فجعلهم في عسكرِه، وجعل عليهم كهَيْئة الخَنْدق، وجَعَلَهم في فُسطاط قريبًا من حُجرته، وجعل عليهم جَرَسًا من أهل الشام، وأغرَمَهم ستّة آلافِ ألف، وأخذ يعذّبهم، وكان يزيدُ يَصبِر صبرًا حَسَنًا، وكان الحجّاج يَغيظُه ذلك، فقيل له: إنه رُمي بنُشابة فثَبَت نصلُها في ساقه، فهو لا يمسّها شيء إلا صاح، فإن حرّكت أدنى شيء سمعْت صوتَه، فأمَر أن يعذَّب ويُدهَق ساقُه، فلما فُعل ذلك به صاحَ، وأخته هند بنت المهلب عند الحجّاج، فلما سمعتْ صيِاحَ يزيدَ صاحتْ وناحتْ، فطلّقها، ثمّ إنه كفّ عنهم، وأقبَل يستأدِيهم، فأخذوا يؤدّون وهم يَعمَلون في التخلّص من مكانهم، فبعثوا إلى مروانَ بن المهلب، وهو بالبَصْرة يأمرونه أن يضمرّ لهم الخيل، ويُرِي الناسَنه إنما يريد بيعَها ويَعرِضها على البيع، ويُغلى بها لئّلا تُشتَرى فتكون لنا عُدَّة إن نحن قَدرنا على أن ننجوَ مما ها هنا، ففعل ذلك مروان، وحبيب بالبَصرة يعذب أيضًا، وأمر يزيدُ بالحَرَس فصُنع لهم طعام كثير فأكَلوا؛ وأمَر بشراب فسُقُوا، فكانوا متشاغلين به، ولبسَ يزيدُ ثيابَ طَبّاخه، ووضَع على لحيته لحية بَيْضاء، وخرج فرآه بعضُ الحرس

стр. 4029

فقال: كأنّ هذه مِشْية يزيد! فجاء حتى استعرض وجهَه ليلًا، فرأى بياضَ اللِّحية، فانصرف عنه، فقال: هذا شيخ، وخرج المفضَّل على أثره، ولم يُفطَن له، فجاؤوا إلى سُفنهم وقد هيَّؤوها في البطائح، وبينهم وبين البَصرة ثمانية عشرَ فَرْسخًا، فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبدُ الملك وشُغِل عنهم، فقال يزيد للمفضّل: اركب بنا فإنه لاحقٌ. فقال المفضّل - وعبد الملك أخوه لأمّه - وهي بهلة هنديّة: لا والله، لا أبرَح حتى يجيء ولو رجعتُ إلى السجن، فأقام يزيدُ حتى جاءهم عبد الملك، وركبوا عند ذلك السفُن، فساروا ليلتَهم حتى أصبحوا, ولما أصبح الحرَس عَلِموا بذَهابهم، فرُفع ذلك إلى الحجّاج، وقال الفرزدق في خروجهم: فلمْ أَر كالرَّهْط الذينَ تَتَابعوا ... على الجِذْع والحرَّاسُ غيرُ نيامِ مَضوْا وهْمُ مُسْتَيْقنُون بأَنَّهمْ ... إلى قَدَرٍ آجالُهمْ وحِمَامِ وإنْ منهمُ إلا يُسَكِّن جأْشَهُ ... بعَضْب صقِيلٍ صارمٍ وحُسام فلمَّا التقَوْا لم يلتَقوا بمُنَفَّهٍ ... كبيرٍ ولا رَخْصِ العظام غلام بمثلِ أبيهمْ حين تمّت لِدَاتُهُمْ ... لخمسين قلْ في جُرْأَةٍ وتمام ففزع له الحجّاج، وذهب وهمه أنّهم ذهبوا قِبَل خُراسان، وبعث البريدَ إلى قتيبة بن مسلم يحذِّره قدومَهم، ويأمُره أن يستعدّ لهم، وبعث إلى أمَراء الثغور والكوَر أن يرصدوهم، ويستعدّوا لهم، وكتب إلى الوليد بنِ عبد الملكِ يُخبِره بِهرَبهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خُراسان، ولم يزل الحجّاج يظنّ بيزيدَ ما صنع، كان يقول: إني لأظنه يحدِّث نفسَه بمثِل الذي صنع ابنُ الأشعث. ولمّا دنا يزيدُ من البطائح، من مَوْقُوع استقبلتْه الخيل، قد هُيَّئت له ولإخوته، فخرجوا عليها ومعهم دليلٌ لهم من كَلْب يقال له: عبد الجبّار بن يزيدَ بن الربعة، فأخذ بهم على السَّمَاوَة، وأتِيَ الحجاج بعد يومين، فقيل له: إنما أخذ الرجل طريقَ الشام، وهذه الخيلُ حَسْرَى في الطريق، وقد أتَى من رآهم موجَّهين في البرّ، فبعث إلى الوليد يُعلِمه ذلك، ومَضَى يزيدُ حتى قَدِم فِلَسطين، فنَزَل على وهيب بن عبد الرّحمن الأزْديّ - وكان كريمًا على سليمان- وأنزل بعضَ ثَقَله وأهلِه على سُفْيان بن سليمان الأزديّ، وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان، فقال: هذا يزيدُ بن المهلَّب، وإخوتُه في

стр. 4030

منزلي، وقد أتوك هُرّابًا من الحجّاج متعوِّذين بك؛ قال: فائتِني بهم فهم آمنون لا يُوصَل إليهم أبدًا وأنا حيّ. فجاء بهم حتى أدخَلَهم عليه، فكانوا في مكان آمِن. وقال الكلبيّ دليلُهم في مَسيرِهم: ألا جَعَل اللهُ الأخلَّاءَ كلَّهُمْ ... فداءً على ما كان لابنِ المُهلَّبِ لَنِعْمَ الفتى يا مَعْشَر الأَزْد أَسَعفتْ ... رِكابُكُمُ بالوهب شَرْقيَّ مَنْقَبِ عَدَلْنَ يَمينًا عنهمُ رَمْلُ عالِجٍ ... وذات يمينِ القوم أعلامُ غُرَّبِ فإِلَّا تُصَبِّحْ بعدَ خَمْسٍ ركابُنا ... سليمانَ من أهل اللِّوى تنتأوَّبِ تَقَرُّ قَرار الشَّمس ممّا وراءَنا ... وتذْهَبُ في داجٍ مِنَ الليلِ غَيْهَب بقومٍ هُمُ كانوا الملوكَ هَدَيْتُهُمْ ... بظلْمَاءَ لم يُبْصَرْ بها ضَوءُ كوكب ولا قمرٍ إلّا ضئيلًا كأَنه ... سِوارٌ حَنَاهُ صائغ السُّور مُذْهَب (١) (٦/ ٤٤٨ - ٤٥٠). قال هشام: فأخبرني الحسَن بن أبَان العُلَيميُّ، قال: بينا عبد الجبار بن يزيدَ بن الرّبعة يَسرِي بهم فسقطتْ عِمامةُ يزيدَ، ففقَدَها فقال: يا عبدَ الجبار، ارجعْ فاطلُبْها لنا، قال: إنّ مثِلي لا يُؤمَر بهذا، فأعاد، فأبى، فتناوَله بالسوط، فانتَسَب له، فاستحيا منه، فذلك قولُه: ألا جعلَ اللهُ الأخلّاءَ كلَّهمْ ... فداءً على ما كان لابن المهلَّبِ وكتب الحجّاج: إن آل المهلب خانوا مالَ الله وهرَبوا منّي ولَحِقوا بسليمان، وكان آل المهلّب قدِموا على سليمان، وقد أمِر الناس أن يحصَّلوا ليسرَّحوا إلى خراسان، لا يَرَون إلا أنّ يزيدَ توجّه إلى خُراسان ليَفتِن مَن بها، فلما بلغ الوليدَ مكانُه عند سليمان هوّن عليه بعَض ما كان في نفسه، وطار غضبًا للمال الذي ذَهَب به، وكتب سليمانُ إلى الوليد: إنّ يزيدَ بن المهلب عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجّاج أغرَمهم ستّة آلاف ألف فأدَّوْا ثلاثَة آلاف ألف، وبقي ثلاثة آلاف ألف، فهيَ عليّ، فكتب إليه: لا والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إليّ، فكتب إليه، لئن أنا بعثتُ به إليك لأجيئنّ معه، فأنشدكُ الله أن لا تفضَحني ولا أن تُخفِرني، فكَتَب إليه: واللهِ لئن جئتَني لا أؤمِّنه، فقال يزيد:
следующие страницы →