← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وفيها غَزا أيضًا مَسلمَةُ الرّوم، ففُتِح على يديه حُصونٌ ثلاثة: حِصن قُسْطَنْطِينة، وغَزالة، وحِصن الأخْرم، وقتل من المستَعربة نحوٌ من ألف مع سَبْي الذرّيّة، وأخذِ الأموال. (٦/ ٤٣٦). ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها خبر غزو قتيبة بخارى وفي هذه السنة غزا قُتيبةُ بُخارى، ففتح راميثنه، ذكر عليّ بنُ محمّد عن الباهليّين أنهم قالوا ذلك، وأن قتيبة رَجَع بعدما فتحها في طريق بَلْخ، فلمّا كان بالفارِياب أتاه كتاب الحجّاج: أن رِدْ وَرْدان خُذَاه. فرجع قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زَمِّ، فقطع النهر، فلِقيَه السُّغد وأهل كِسّ ونَسَف في طريق المفازة، فقاتَلوه، فظَفِر بهم ومَضى إلى بُخارَى، فنَزل خَرْقانة السفْلى عن يمين وَرْدان، فلقوه بجمع كثير، فقاتَلَهم يومَين وليلَتين، ثمّ أعطاه الله الظَّفر عليهم؛ فقال نَهار بن تَوسِعَة: وباتت لَهُمْ منَّا بخَرْقانَ لَيْلة ... ولَيْلَتُنا كانت بِخرْقان أَطْولَا (٦/ ٤٣٩). وقيل: كتَب إليه الحجاج أن كِسّ بكسّ وانسفْ نسَف ورِدْ وَرْدان، وإيّاك والتحويط، ودَعْني من بُنيّاتِ الطريق. (٦/ ٤٤٠). * * * خبر ولاية خالد القسريّ على مكة وفي هذه السنة وليَ خالد بن عبد الله القَسْريّ مكّة فيما زعم الواقديّ، وذكَرَ أنّ عمر بن صالح حدّثه عن نافع مولَى بني مخزوم، قال: سمعت خالدَ بن عبد الله يقول على مِنبرِ مَكّة وهو يخطب: أيّها الناس، أيّهما أعظَم؟ أخليفةُ الرّجل على أهله، أمْ رسوله إليهم؟ واللهِ لو لم تعلَموا فضْل الخَليفة، إلا أنّ إبراهيمَ خليلَ الرّحمن استَسْقى فسَقاه ملْحًا أجاجًا، واستسقاه الخليفةُ فَسَقاه عَذْبًا فراتًا، بِئرًا حَفَرَها الوليد بنُ عبد الملك

стр. 4027

بالثَّنيتيْن - ثَنِيَّة طوىً وثنيّة الحجُون - فكان ينقَل ماؤها فيوضَع في حوض من أدَم إلى جَنْب زمزمَ ليُعْرف فضلُه على زَمْزَم. قال: ثمّ غارت البئر فذهبتْ فلا يُدرَى أين هيَ اليوم (١). (٦/ ٤٤٠) ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها خبر صلح قتيبة مع السُّغْد وفي هذه السنة جدّد قتيبةُ الصلحَ بينه وبين طَرْخون مَلِك السُّغْد. * ذكر الخبر عن ذلك: قال عليّ: ذَكَر أبو السَّريّ عن الجَهم الباهليّ، قال: لما أوقع قتيبة بأهل بُخارَى ففضّ جمعهم هابَه أهلُ السُّغْد، فرجع طَرْخون مَلك السُّغد ومعه فارسان حتى وقف قريبًا من عسكر قُتيبة وبينهما نَهر بُخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلًا يكلمه، فأمر قتيبةُ رجلًا فدنا منه. وأما الباهليّون فيقولون: نادى طَرْخونُ حيّانَ النَّبَطِيّ فأتاه، فسألهم الصّلح على فِدْية يؤدّيها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طَلَب، وصالحه، وأخذ منه رَهْنًا حتى يبعثَ إليه بما صالحه عليه، وانصرف طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبةُ ومعه نِيزَك. (٦/ ٤٤٥). * * * خبر فتح الطالقان وفي هذه السنة، أوقع قتيبة بأهل الطالقَان بخراسان - فيما قال بعض أهل الأخبار - فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة، وصلب منهم سِمَاطيْن أربعة فراسخَ في نظام واحد.

стр. 4028

* ذكر الخبر عن سبب ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أنّ نِيزَك طرخان لما غدر وخَلَع قتيبة وعزَم على حَربه، طابَقَه على حربه مَلِك الطالَقان، وواعَدَه المصيرَ إليه منَ استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قُتيبة، فلما هَرَب نِيزَك من قتيبة ودخل شِعب خُلم الذي يأخذ إلى طُخارِستان عَلِم أنه لا طاقةَ له بقُتيبة، فهَرَب، وسار قُتيبةُ إلى الطالقان فأوقع بأهلها، ففعل ما ذكرتُ فيما قبل. وقد خُولف قائلُ هذا القول فيما قال من ذلك، وأنا ذاكرُه في أحداث سنة إحدى وتسعين. (٦/ ٤٤٧). هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج * ذكر الخبر عن سبب تخلّصهم كمن سجن الحجّاج ومسيرِهم إلى سليمان: قال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي المُخارق الراسبيّ، قال: خرج الحجّاج إلى رُسْتُقْباذ للبَعْث, لأنّ الأكرادَ كانوا قد غلبوا على عامة أرضِ فارسَ، فخرج بيزيدَ وبإخوانه المفضّل وعبد الملك حتى قَدِم بهم رستقْباذ؛ فجعلهم في عسكرِه، وجعل عليهم كهَيْئة الخَنْدق، وجَعَلَهم في فُسطاط قريبًا من حُجرته، وجعل عليهم جَرَسًا من أهل الشام، وأغرَمَهم ستّة آلافِ ألف، وأخذ يعذّبهم، وكان يزيدُ يَصبِر صبرًا حَسَنًا، وكان الحجّاج يَغيظُه ذلك، فقيل له: إنه رُمي بنُشابة فثَبَت نصلُها في ساقه، فهو لا يمسّها شيء إلا صاح، فإن حرّكت أدنى شيء سمعْت صوتَه، فأمَر أن يعذَّب ويُدهَق ساقُه، فلما فُعل ذلك به صاحَ، وأخته هند بنت المهلب عند الحجّاج، فلما سمعتْ صيِاحَ يزيدَ صاحتْ وناحتْ، فطلّقها، ثمّ إنه كفّ عنهم، وأقبَل يستأدِيهم، فأخذوا يؤدّون وهم يَعمَلون في التخلّص من مكانهم، فبعثوا إلى مروانَ بن المهلب، وهو بالبَصْرة يأمرونه أن يضمرّ لهم الخيل، ويُرِي الناسَنه إنما يريد بيعَها ويَعرِضها على البيع، ويُغلى بها لئّلا تُشتَرى فتكون لنا عُدَّة إن نحن قَدرنا على أن ننجوَ مما ها هنا، ففعل ذلك مروان، وحبيب بالبَصرة يعذب أيضًا، وأمر يزيدُ بالحَرَس فصُنع لهم طعام كثير فأكَلوا؛ وأمَر بشراب فسُقُوا، فكانوا متشاغلين به، ولبسَ يزيدُ ثيابَ طَبّاخه، ووضَع على لحيته لحية بَيْضاء، وخرج فرآه بعضُ الحرس

стр. 4029

فقال: كأنّ هذه مِشْية يزيد! فجاء حتى استعرض وجهَه ليلًا، فرأى بياضَ اللِّحية، فانصرف عنه، فقال: هذا شيخ، وخرج المفضَّل على أثره، ولم يُفطَن له، فجاؤوا إلى سُفنهم وقد هيَّؤوها في البطائح، وبينهم وبين البَصرة ثمانية عشرَ فَرْسخًا، فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبدُ الملك وشُغِل عنهم، فقال يزيد للمفضّل: اركب بنا فإنه لاحقٌ. فقال المفضّل - وعبد الملك أخوه لأمّه - وهي بهلة هنديّة: لا والله، لا أبرَح حتى يجيء ولو رجعتُ إلى السجن، فأقام يزيدُ حتى جاءهم عبد الملك، وركبوا عند ذلك السفُن، فساروا ليلتَهم حتى أصبحوا, ولما أصبح الحرَس عَلِموا بذَهابهم، فرُفع ذلك إلى الحجّاج، وقال الفرزدق في خروجهم: فلمْ أَر كالرَّهْط الذينَ تَتَابعوا ... على الجِذْع والحرَّاسُ غيرُ نيامِ مَضوْا وهْمُ مُسْتَيْقنُون بأَنَّهمْ ... إلى قَدَرٍ آجالُهمْ وحِمَامِ وإنْ منهمُ إلا يُسَكِّن جأْشَهُ ... بعَضْب صقِيلٍ صارمٍ وحُسام فلمَّا التقَوْا لم يلتَقوا بمُنَفَّهٍ ... كبيرٍ ولا رَخْصِ العظام غلام بمثلِ أبيهمْ حين تمّت لِدَاتُهُمْ ... لخمسين قلْ في جُرْأَةٍ وتمام ففزع له الحجّاج، وذهب وهمه أنّهم ذهبوا قِبَل خُراسان، وبعث البريدَ إلى قتيبة بن مسلم يحذِّره قدومَهم، ويأمُره أن يستعدّ لهم، وبعث إلى أمَراء الثغور والكوَر أن يرصدوهم، ويستعدّوا لهم، وكتب إلى الوليد بنِ عبد الملكِ يُخبِره بِهرَبهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خُراسان، ولم يزل الحجّاج يظنّ بيزيدَ ما صنع، كان يقول: إني لأظنه يحدِّث نفسَه بمثِل الذي صنع ابنُ الأشعث. ولمّا دنا يزيدُ من البطائح، من مَوْقُوع استقبلتْه الخيل، قد هُيَّئت له ولإخوته، فخرجوا عليها ومعهم دليلٌ لهم من كَلْب يقال له: عبد الجبّار بن يزيدَ بن الربعة، فأخذ بهم على السَّمَاوَة، وأتِيَ الحجاج بعد يومين، فقيل له: إنما أخذ الرجل طريقَ الشام، وهذه الخيلُ حَسْرَى في الطريق، وقد أتَى من رآهم موجَّهين في البرّ، فبعث إلى الوليد يُعلِمه ذلك، ومَضَى يزيدُ حتى قَدِم فِلَسطين، فنَزَل على وهيب بن عبد الرّحمن الأزْديّ - وكان كريمًا على سليمان- وأنزل بعضَ ثَقَله وأهلِه على سُفْيان بن سليمان الأزديّ، وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان، فقال: هذا يزيدُ بن المهلَّب، وإخوتُه في

стр. 4030

منزلي، وقد أتوك هُرّابًا من الحجّاج متعوِّذين بك؛ قال: فائتِني بهم فهم آمنون لا يُوصَل إليهم أبدًا وأنا حيّ. فجاء بهم حتى أدخَلَهم عليه، فكانوا في مكان آمِن. وقال الكلبيّ دليلُهم في مَسيرِهم: ألا جَعَل اللهُ الأخلَّاءَ كلَّهُمْ ... فداءً على ما كان لابنِ المُهلَّبِ لَنِعْمَ الفتى يا مَعْشَر الأَزْد أَسَعفتْ ... رِكابُكُمُ بالوهب شَرْقيَّ مَنْقَبِ عَدَلْنَ يَمينًا عنهمُ رَمْلُ عالِجٍ ... وذات يمينِ القوم أعلامُ غُرَّبِ فإِلَّا تُصَبِّحْ بعدَ خَمْسٍ ركابُنا ... سليمانَ من أهل اللِّوى تنتأوَّبِ تَقَرُّ قَرار الشَّمس ممّا وراءَنا ... وتذْهَبُ في داجٍ مِنَ الليلِ غَيْهَب بقومٍ هُمُ كانوا الملوكَ هَدَيْتُهُمْ ... بظلْمَاءَ لم يُبْصَرْ بها ضَوءُ كوكب ولا قمرٍ إلّا ضئيلًا كأَنه ... سِوارٌ حَنَاهُ صائغ السُّور مُذْهَب (١) (٦/ ٤٤٨ - ٤٥٠). قال هشام: فأخبرني الحسَن بن أبَان العُلَيميُّ، قال: بينا عبد الجبار بن يزيدَ بن الرّبعة يَسرِي بهم فسقطتْ عِمامةُ يزيدَ، ففقَدَها فقال: يا عبدَ الجبار، ارجعْ فاطلُبْها لنا، قال: إنّ مثِلي لا يُؤمَر بهذا، فأعاد، فأبى، فتناوَله بالسوط، فانتَسَب له، فاستحيا منه، فذلك قولُه: ألا جعلَ اللهُ الأخلّاءَ كلَّهمْ ... فداءً على ما كان لابن المهلَّبِ وكتب الحجّاج: إن آل المهلب خانوا مالَ الله وهرَبوا منّي ولَحِقوا بسليمان، وكان آل المهلّب قدِموا على سليمان، وقد أمِر الناس أن يحصَّلوا ليسرَّحوا إلى خراسان، لا يَرَون إلا أنّ يزيدَ توجّه إلى خُراسان ليَفتِن مَن بها، فلما بلغ الوليدَ مكانُه عند سليمان هوّن عليه بعَض ما كان في نفسه، وطار غضبًا للمال الذي ذَهَب به، وكتب سليمانُ إلى الوليد: إنّ يزيدَ بن المهلب عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجّاج أغرَمهم ستّة آلاف ألف فأدَّوْا ثلاثَة آلاف ألف، وبقي ثلاثة آلاف ألف، فهيَ عليّ، فكتب إليه: لا والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إليّ، فكتب إليه، لئن أنا بعثتُ به إليك لأجيئنّ معه، فأنشدكُ الله أن لا تفضَحني ولا أن تُخفِرني، فكَتَب إليه: واللهِ لئن جئتَني لا أؤمِّنه، فقال يزيد:

стр. 4031

ابعثني إليه، فوالله ما أحبّ أن أوقع بينك وبينه عداوةً وحَرْبًا، ولا أن يتشاءم بي لكما الناسُ، ابعث إليه بي، وأرسِل معي ابنك، واكتُب إليه بألطفِ ما قدَرتَ عليه، فأرسَل ابنه أيوب معه، وكان الوليد أمَرَه أن يبعَثَ به إليه في وَثاق، فبعَث به إليه، وقال لابنه: إذا أردتَ أن تَدخُل عليه فادخلْ أنتَ ويزيد في سِلسلة ثمّ ادخُلا جميعًا على الوليد ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد، فدخَلا عليه، فلما رأى الوليدُ ابنَ أخيه، في سِلسلة، قال: واللهِ لقد بلغْنا من سليمان! ثمّ إنّ الغلامَ دفَع كتابَ أبيه إلى عمّه وقال: يا أميرَ المؤمنين، نفسي فداؤُك! لا تُخفر ذِمّة أبي، وأنت أحقّ من مَنعها, ولا تَقَطعَ منّا رجاءَ من رجَا السلامة في جوارِنا لمكاننا منك، ولا تُذِلّ من رَجا العِزّ في الانقطاع إلينا لعزّنا بك، وقرأ الكتَاب: لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سُليمان بن عبد الملك، أما بعدُ يا أميرَ المؤمنين، فوالله إن كنتُ لأظنّ لو استجار بي عدوّ قد نابَذَك وجاهَدَك فأنزلتُه وأجَرْتُه أنك لا تُذل جارِي، ولا تُخفر جِواري، بلْه لم أجِرْ إلا سامعًا مطيعًا حَسَن البلاء والأثَر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثتُ به إليك، فإنْ كنت إنما تَغْزو قطيعَتي والإخفار لذمّتي، والإبلاغ في مَسَاءتي، فقد قدرتَ إن أنت فعلت، وإني أعيذُك بالله من احتراد قَطيعَتي، وانتهاكِ حُرْمتي وتركِ برّي وصِلَتي، فوالله يا أميرَ المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يُفرّق الموت بيني وبينَك! فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سرورَه ألا يأتي علينا أجلُ الوفاة إلا وهو لي واصل، ولحقّي مؤدّ، وعن مساءتي نازع، فَليَفعل. والله يا أميرَ المؤمنين ما أصبحتُ بشيء من أمر الدنيا بعد تَقَوى الله فيها بأسَرَّ منّي برِضاك وسرورِك، وإنّ رضاك مما ألتمِس به رضوانَ الله، فإن كنتَ يا أميرَ المؤمنين تريد يومًا من الدّهر مسرّتي وصلَتي وكَرامتي وإعظام حقّي فتجاوَزْ لي عن يزيدَ، وكلّ ما طلَبْته به فهو عليّ. فلما قرأ كتابَه، قال: لقد شَققنا على سليمان! ثمّ دعا ابنَ أخيه، فأدناه منه، وتكلّم يزيدُ فحَمِد الله وأثنى عليه وصلى على نبيّه ﵌ ثمّ قال: يا أمير المؤمنين: إنّ بلاءكم عندنا أحسنُ البَلاء، فمن يَنْس ذلك فلَسنا ناسيه، ومن يَكُفر فلَسنا كافرِيه، وقد كان من بلائنا أهلَ البيت في طاعتكم

стр. 4032

والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العِظام في المشارق والمَغارب ما إنّ المنة علينا فيها عظيمة. فقال له: اجْلس، فجلس فآمَنه وكفّ عنه، ورجع إلى سليمانَ وسَعى إخوتُه في المال الذي عليه، وكَتب إلى الحجّاج: إني لم أصِل إلى يزيدَ، وأهلُ بيته مع سليمان، فاكفُف عنهم، والْهُ عن الكتاب إليّ فيهم. فلما رأى ذلك الحجاج كفّ عنهم، وكان أبو عُيَينة بن المهلّب عند الحجّاج عليه ألف ألف درْهم، فترَكها له، وكفّ عن حبيب بن المهلب. ورَجَعَ يزيدُ إلى سليمانَ بن عبد الملك فأقام عندَه يُعلِّمه الهَيْئة، ويَصنَع له طيّبَ الأطعمة، ويُهدِي له الهَدايا العِظام، وكان من أحسن الناس عنده منزلةً، وكان لا تأتي يزيدَ بن المهلب هديّة إلا بعث بها إلى سليمان، ولا تأتي سليمانَ هدّيةٌ ولا فائدةٌ إلا بعث بنصفها إلى يزيدَ بن المهلّب، وكان لا تُعجِبه جاريةٌ إلا بعث بها إلى يزيدَ إلا خطيئة الجارية، فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك، فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الأشعريّ، فقال: انطلِق إلى سليمان فقل له: يا خالفةَ أهلِ بيته، إن أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هديّة ولا فائدةٌ إلا بعثتَ إلى يزيدَ بِنصْفها، وإنك تأتي الجاريةُ من جوارِيك فلا يَنقضي طُهرُها حتى تَبعَث بها إلى يزيدَ، وقبِّحْ ذلك عليه، وعَيِّرْه به، أتراك مبلّغًا ما أمرتُك به؟ قال: طاعتُك طاعة، وإنما أنا رسول؛ قال: فائْته فقل له ذلك، وأقِمْ عندّه، فإني باعث إليه بهدية فادفعها إليه، وخُذْ منه البراءة بما تَدفَع إليه. ثمّ أقبلَ فمَضَى حتى قَدِم عليه وبين يديه المُصحَف، وهو يقرأ، فدخل عليه فسلّم، فلم يردّ ﵇ حتى فرغ عن قراءته، ثمّ رفع رأسَه إليه فكلّمه بكّل شيء أمَرَه به الوليدُ، فتمعَّر وجهُه، ثم قال: أما والله لئن قدرتُ عليكَ يومًا من الدهر لأقطعنّ منك طابقًا! فقال له: إنما كانت عليّ الطاعة. ثمّ خرج من عندِه، فلما أتى بذلك الذي بعث به الوليدُ إلى سليمانَ، دخل عليه الحارثُ بن ربيعة الأشعريّ وقال له: أعطني البراءَة بهذا الذي دفعتُ إليك، فقال: كيف قلتَ لي؟ قال: لا أعيدُه عالمًا أبدًا، إنما كان عليّ فيه الطاعة،

стр. 4033

فسكَن، وعلِم أن قد صَدقَه الرّجل، ثمّ خرج وخرجوا معه، فقال: خُذُوا نصفَ هذه الأعْدال وهذه الأسْفاط، وابعثوا بها إلى يزيدَ. قال: فعَلِم الرجُل أنه لا يطيع في يزيدَ أحدًا، ومكَث يزيدُ بن المهلب عند سليمانَ تسعة أشهر. وتُوفّي الحجاج سنة خمس وتسعين في رمضانَ لِتسع بقِين منه في يوم الجمعة. (٦/ ٤٥٠ - ٤٥٣). ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث تتمة خبر قتيبة مع نيزك وأما الباهِليّون فيقهولون: لم يُؤمنه ولم يُؤمنه سُلَيم، فلما أراد قتلَه دعا به ودعا بسَيْف حَنَفيّ فانتضاه وطوّل كمّيه ثمّ ضرب عنقَه بيَده، وأمَرَ عبد الرحمن فضَرَب عنقَ مصول، وأمر صالحًا فقَتَل عثمان - ويقال: شُقْران ابن أخي نِيزَك - وقال لبَكر بن حبيب السهْميّ من باهِلَة: هل بك قوّة؟ قال: نعم، وأريد - وكانت في بكر أعرابيَّة - فقال: دُونَك هؤلاء الدّهاقِين، قال: وكان إذا أتِيَ برجل ضَرَب عنقّه وقال: أوردوا ولا تُصدروا، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفًا في قول الباهليّين، وصلب نِيزَك وابني أخيه في أصل عين تُدعَى وخْش خاشان في أسكيمشت، فقال المغيرة بن حَبْنَاء يَذكُر ذلك في كلمة له طويلة: لعَمْري لَنِعْمَتْ غَزْوةُ الجُند غَزْوةً ... قَضَتْ نَحْبَهَا من نِيزكٍ وتَعلَّتِ (٦/ ٤٥٨) قال: وأطلَق قتيبة جبغويه ومَنَّ عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد، ورجع قتيبة إلى مرْوَ، واستعمل أخاه عبدَ الرحمن على بَلْخ، فكان الناس يقولون: غدَر قتيبة بنيِزَك، فقال ثابتُ قُطنَة: لا تَحْسبَنَّ الغَدْرَ حزمًا فربَّما ... تَرَّقَتْ به الأَقْدَامُ يوْمًا فَزَلَّت وقال: وكان الحجّاج يقول: بعثتُ قتيبةَ فتىً غِرًّا فما زدتُهُ ذِراعًا إلا زادني باعًا. (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠).

стр. 4034

قال عليّ: أخبرَنا حمزةُ بنُ إبراهيم، عن أشياخ من أهلِ خُراسان، وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريدة، عن مَرْزُبان قُهِستْان وغيرِهما، أن قتيبة بنَ مسلم لما رجع إلى مَرْوَ وقَتَل نِيزَك طَلَب ملِكَ الجُوزجان - وكان قد هَرَب عن بلاده - فأرسَل يطلب الأمانَ، فآمنه على أن يأتيَه فيصالحه، فطلب رُهُنًا يكونون في يديه ويُعطِي رهائن، فأعطَى قتيبةُ حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حُصَين الباهليّ، وأعطى مَلِكُ الجوزجان رَهائنَ من أهل بيته، فخلَّف مَلِك الجوزجان حبيبًا بالجُوزجان في بعض حُصونِه، وقَدِم على قتيبة فصالَحه، ثمّ رجع فمات بالطالقان. فقال أهلُ الجُوزجان: سمّوه، فقَتلوا حبيبًا، وقتل قتيبة الرّهن الذين كانوا عندَه، فقال نَهار بنُ تَوسِعة لقتيبة: أَراك اللهُ في الأَتراك حُكمًا ... كحُكْمٍ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قضَاءٌ من قُتيبةَ غَيْرُ جوْر ... بهِ يُشفى الغليلُ من الصُدُورِ فإِن يرَ نِيزكٌ خزيًا وذُلًّا ... فكمْ في الحَرب حُمِّق من أَمير! وقال المغيرة بن حَبْناء يَمدح قتيبة ويذكر قتلَ نِيزَك ووصول ابن أخي نِيزَك وعثمان - أو شُقْران: لِمَن الدِّيارُ عَفتْ بسَفِح سَنَامِ ... إلا بقيةَ أيصر وثُمامِ عَصَفَ الرياحُ ذُيولَهَا فمحَونَها ... وجَرَينَ فوق عِرَاضِهَا بتَمام دارٌ لجَاريَةٍ كأنَّ رُضابَها ... مسكٌ يُشَابُ مزاجُهُ بِمُدَامِ أَبلغ أَبا حَفصٍ قتيبَةَ مِدحتِي ... واقرأ عليه تحيَّتِي وسلامِي يا سيفُ أَبلغها فإنَّ ثنَاءَها ... حسَنٌ وإِنَّك شاهدٌ لمقامي يسْمو فتَتَّضِعُ الرِّجالُ إذا سما ... لقُتَيْبةَ الحَامِي حِمَى الإِسلام لأغَرَّ مُنتجبٍ لكلِّ عظيمَةٍ ... نحْرٍ يباح به العدُوُّ لُهامِ يمضي إذا هاب الجبانُ وأحمشَتْ ... حربٌ تَسَعَّرُ نارُها بضِرَام تُروَى القَنَاةُ مع اللواءِ أَمامه ... تحتَ اللوامع والنحُورُ دوَامِ والهامُ تفريهِ السُّيُوفُ كأنَّهُ ... بالقاع حينَ تَرَاهُ قَيْضُ نَعَامِ وترى الجيادَ مَعَ الجيَادِ ضَوامِرًا ... بفنَائه لِحَوادث الأَيام وبهنّ أنزَلَ نِيزَكَا من شاهق ... والكرز حَيْثُ يَرُوم كُلّ مرامِ

стр. 4035

وأَخاهُ شقرَانًا سَقَيْتَ بكأْسهِ ... وسقَيْتَ كأْسَهُمَا أَخا باذَام وتَرَكْتَ صولا حِينَ سأل مُجَدَّلا ... يرْكَبْنَهُ بدوَابر وحَوامِ (٦/ ٤٦٠ - ٤٦١). * * * خبر غزو قتيبة شومان وكسّ ونسف وفي هذه السنة - أعني سنة إحدى وتسعين - غزا قتيبة شُومان وكسّ ونسَف غزْوَتَه الثانية وصالَحَ طَوخان. * ذكر الخبر عن ذلك: قال عليّ: أخبَرنا بِشْر بن عيسى عن أبي صفْوان، وأبو السرّي وجَبَلة بن فرّوخ عن سليمان بن مجالد، والحسن بن رشيد عن طُفيل بن مِرْداس العميّ، وأبو السريّ المَرْوَزي عن عمه، وبشْر بن عيسى وعليّ بن مجاهد عن حَنْبل بن أبي حريدة عن مَرْزُبان قِهْستْان، وعيَّاش بن عبد الله الغَنَويّ عن أشياخ من أهلِ خُراسان، قال: وحدّثني ظئْرى - كلٌّ قد ذَكرَ شيئًا، فألفته، وأدخلتُ من حديث بعضِهم في حديث بعض - أنّ فيلسنشب باذق - وقال بعضهم: قيسبشتان مَلك شومان - طرد عاملَ قتيبةَ ومَنَع الفِدْية التي صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قُتيبةُ عَيّاشا الغنَويّ ومعه رجلٌ من نُسّاك أهل خُراسان يدعوان مَلِك شومان إلى أن يؤديَ الفِدية على ما صالح عليه قُتيبَة، فقَدِما البلدَ، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجلُ وأقَام عيَاش الغَنَويّ فقال: أما ها هنا مسلمٌ! فخرج إليه رجلٌ من المدينة فقال: أنا مسلم، فما تريد؟ قال: تُعينُني على جهادِهم، قال: نعم، فقال له عيَّاش: كن خَلْفي لتمنَع لي ظهْري، فقام خَلفه - وكان اسمُ الرجل المهلب - فقاتَلَهم عيّاش، فحمَل عليهم، فتفرّقوا عنه، وحَمَل المهلَّبُ على عياش من خلفه فقَتَله، فوجدوا به ستّين جراحةً، فغمّهم قتله، وقالوا: قتلْنا رجلًا شجاعًا. وبلغ قتيبة، فسار إليهم بنفسِه، وأخذ طريقَ بَلْخ، فلما أتاها قدّم أخاه عبد الرحمن، واستعمل على بَلْخ عمرو بن مسلم، وكان مَلِك شومان صديقًا لصالح بن مسلم، فأرسَل إليه صالح رجلًا يأمره بالطاعة، ويضمنُ له رِضَا قتيبة إن رجع إلى الصّلح، فأبى وقال لرسول صالح: ما تخوّفني به من قتيبة، وأنا

стр. 4036

أمنَعُ المُلوك حصْنًا أرْمي أعلاه، وأنا أشدُّ الناس قوسًا وأشدّ الناس رَميًا، فلا تَبلغُ نُشابتي نصف حِصْني، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلْخَ فعبَر النهر، ثم أتى شومان وقد تحصّن مَلِكُها فوضعِ عليه المجَانِيقَ، ورَمى حصنه فهشَمه، فلما خاف أن يظهَرَ عليه، ورأى ما نَزَل به جَمَع ما كان له من مال وجَوْهر فرَمَى به في عَيْن في وَسَط القلعة لا يُدرَك قعرُها. قال: ثم فَتَح القلعة وخرج إليهم فقاتَلهم فقُتل، وأخذ قتيبةُ القلعة عنوة، فقتَل المُقاتلة وسَبى الذرّية، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كسّ ونَسَف، وكَتَب إليه الحجاج، أنّ كس بكسّ واسِفْ نسَف، وإيّاك والتحويط، ففتَح كسّ ونَسَف، وامتنَع عليه فِرْياب، فحرّقها فسمِّيت المحترِقة، وسرّح قتيبة من كِس ونَسَف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السُّغد، إلى طرخون، فسارحتي نزل بمرْج قريبًا منهم، وذلك في وقت العَصْر، فانتَبذ الناسُ وشَربوا حتى عبثوا وعاثُوا وأفسدوا، فأمر عبدُ الرحمن أبا مرضيّة - مولىً لهم - أن يمنَع الناس من شُرْب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصبّ نبيذهم فسال في الوادي، فسُمِّي مَرْج النبيذ، فقال بعضُ شعرائهم: أَمَّا النَّبيذ فلستُ أشرَبُه ... أخشَى أَبا مرضيَة الكَلْبِ مُتعَسفًا يسْعَى بشِكَّتِه ... يتَوَثَّب الحِيطانَ للشُّرْب فقَبَض عبدُ الرحمن من طرخون شيئًا كان قد صالَحه عليه قُتيبة، ودفع إليه رُهُنًا كانوا معه، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببُخارَى، فرجعوا إلى مَرْو، فقالت السُّغد لطَرخون: إنك قد رضيتَ بالذلّ واستطبْت الجزْية وأنت شيخٌ كبير فلا حاجةَ لنا بك، قال: فولُّوا من أحبَبْتم، قال: فوَلَّوْا غَوْزَك، وحَبَسوا طرخون؛ فقال طرخون: ليس بعد سَلْب المُلْك إلا القتل، فيكون ذلك بيَدي أحتبّ إليّ من أن يليه مني غيري، فاتّكأ على سيفه حتى خرج من ظَهْره، قال: وإنما صنعوا بطرخون هذا، حين خرج قتيبةُ إلى سِجِستان، وولوا غوزك؟ (٦/ ٤٦١ - ٤٦٣). وأما الباهليّون فيقولون: حَصَر قتيبةُ ملك شومان، ووَضع على قَلْعته المَجانيق، ووَضَع منجنيقًا كان يسميها الفَحْجاء، فرَمَى بأوّل حَجَر فأصاب الحائط، ورَمَى بآخر فوقَع في المدينة، ثم تتابَعت الحجارةُ في المدينة فوَقَع

стр. 4037

حَجَر منها في مجلس المَلِك، فأصاب رجلًا فقتَله، ففتح القلعة عَنْوةً، ثم رجع إلى كسّ ونسَف، ثمّ مضى إلى بُخارَى فنزلَ قريةً فيها بيتُ نار وبيتُ آلهة، وكان فيها طَواويس، فسمَّوه مَنزل الطَّواويس، ثمّ سار إلى طرخون بالسُّغْد ليقبِض منه ما كان صالَحه عليه، فلما أشرَف على وادي السُّغد فرأى حُسنَه تمثّل: وَادٍ خَصِيبٌ عَشيبٌ ظَلَّ يمنَعُهُ ... منَ الأَنِيسِر حذارُ اليوم ذي الرَّهَج وَرَدَتُهُ بعَنَانيجٍ مُسَوَّمَةٍ ... يَرْدِينَ بالشُّعْثِ سفَّاكينَ للمُهَج قال: فقَبض من طرخون صُلحه، ثمّ رجع إلى بخارى فمَلّك بُخارى خُذاه غلامًا حَدَثا، وقتل من خاف أن يُضادَّه، ثمّ أخذ على آمُل ثمّ أتَى مَرْوَ. قال: وذكر الباهِليّون عن بشار بن عمرو، عن رجل من باهِلَة، قال: لم يَفرُغ الناسُ من ضَرْب أبنيَتهم حتى افتتحت القلعة. (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤). ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبة حدّثه عن نافع مولَى بني مخزوم، قال: سمعتُ خالدَ بنَ عبد الله يقول: يا أيها الناس، إنكم بأعظمِ بلادِ الله حُرمة، وهي التي اختار الله من البُلْدان، فَوضَع بها بيتَه، ثم كتب على عباده حَجَّه من استطاع إليه سبيلًا. أيها الناس، فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني واللهِ ما أوتَى بأحد يَطعَن على إمامِه إلا صلبتُه في الحرَم، إنّ الله جعل الخلافَة منه بالموضع الذي جَعلَها، فسَلموا وأطيعوا, ولا تقولوا كيْتَ وكَيْت، إنه لا رأيَ قيما كَتَب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قومًا من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادِكم، فإياكم أن تُنزِلوا أحدًا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدًا منهم في منزل أحد منكم إلا هدَمتُ منزله، فانظروا من تنزلون في منازِلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإنّ الفُرقة هي البلاءُ العظيم. (٦/ ٤٦٤). قال محمد بن عمرو: حدّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن موسى بن عُقْبة عن أبي حَبيبة، قال: اعتمرتُ فنزلتُ دورَ بني أسَد في منازل الزّبير، فلم أشعر إلا به

стр. 4038

يدعوني، فدخلت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل المدينة؛ قال: ما أنزلَك في مَنَازل المُخالِف للطاعة! قلت: إنما مُقامي إن أقمتُ يومًا أو بعضَه، ثم أرجع إلى منزلي وليس عندي خلاف، أنا ممن يُعظم أمرَ الخلافة، وأزعمُ أن من جَحَدها فقد هَلَك، قال: فلا عَليكَ ما أقمتَ، إنما يكره أن يُقيمَ من كان زاريًا على الخليفة، قلت: معاذ الله! وسمعتُه يومًا يقول: واللهِ لو أعلمُ أنّ هذه الوحْش التي تأمَن في الحَرَم لو نطقتْ لم تقِرَّ بالطاعة لأخرجتُها من الحَرم، إنه لا يَسْكن حرمَ الله وأمنَه مخالفٌ للجماعة، زارٍ عليهم، قلتُ: وفق الله الأمير. (٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥). وكذلك قال محمد بن عمَر: حدّثني موسى بن أبي بكر، قال: حدّثنا صالح بنُ كَيْسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمرَ عمرُ بنُ عبد العزيز عشرين رجلًا من قريش يَخرجُون معه، فيتلقّوْن الوليدَ بنَ عبد الملك، منهم أبو بكر بنُ عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام، وأخوه محمد بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فخرجوا حتى بَلَغوا السوَيْداء، وهم مع عمر بن عبد العزيز - وفي الناس يومَئذ دوابُّ وخَيْلٌ - فلقوا الوليدَ وهو على ظَهْر، فقال لهم الحاجب: انزِلوا لأمير المؤمنين، فنزَلوا، ثمّ أمرهم فركِبوا، فدعا بعمَر بن عبد العزيز فسايرَه حتى نزل بذي خُشُب، ثم أحضِروا، فدعاهم رجلًا رجلًا، فسلموا عليه، ودعا بالغَداء، فتغدَّوا عندَه، وراح من ذي خُشُب، فلما دخل المدينةَ غَدا إلى المسجد يَنظرُ إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما تُرِكَ فيه أحدٌ وبقي سعيد بنُ المسيِّب ما يجترئ أحد من الحَرس أن يخرجه، وما عليه إلا رَيْطتان ما تساويان إلا خمسةَ دراهم في مُصَلّاه، فقيل له: لو قمتَ! قال: والله لا أقوم حتى يأتيَ الوقتُ الذي كنتُ أقوم فيه، قيل: فلو سلّمتَ على أمير المؤمنين! قال: واللهِ لا أقوم إليه، قال عمرُ بنُ عبد العزيز: فجعلتُ أعدِل بالوليد في ناحية المسجد رجاءَ ألّا يرى سعيدًا حَتى يقومَ، فحانت من الوليد نَظْرة إلى القِبْلة، فقال: مَنْ ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيدُ بنُ المسيِّب؟ فجعل عمرُ يقول: نَعَم يا أميرَ المؤمنين ومِنْ حاله ومِنْ حالِه ... ولو علم بمكانِك لقامَ فسلّم عليك، وهو ضعيف البَصَر. قال الوليد: قد علمتُ حالَه، ونحن نأتيِه فنسلم عليه، فدارَ في المسجد

стр. 4039

حتى وقَف على القبر، ثمّ أقبل حتى وقف على سَعِيد فقال: كيف أنتَ أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرَّك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أميرُ المؤمنين وكيفَ حالُه؟ قال الوليد: خير والحمدُ لله، فانصرَف وهو يقول لعمرَ: هذا بقيّة الناس، فقلت: أجل يا أميرَ المؤمنين. قال: وقسّم الوليد بالمدينة رَقيقًا كثيرًا عُجْمًا بين الناس، وآنيةً من ذهب وفضّة، وأموالًا وخَطَب بالمدينة في الجُمُعة وصلى بهم. (٦/ ٤٦٥ - ٤٦٦). قال محمد بن عمر: وحدّثني إسحاقُ بن يحيى، قال: رأيتُ الوليد يَخطب على منبر رسول الله ﷺ يومَ الجمعة عامَ حَجَّ، قد صَفّ له جُندُه صفّين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، في أيديهنم الجِرزَة وعُمُد الحديد على العواتق، فرأيته طَلَع في دُرّاعة وقَلَنسُوَة، ما عليه رداء، فصَعِد المنبرَ، فلما صَعِد سلم ثمّ جلس فأذن المؤذِّنون، ثم سكتوا، فخَطَب الخطبةَ الأولى وهو جالس، ثم قام فَخَطَب الثانية قائمًا، قال إسحاق: فلقيتُ رجاءَ بنَ حَيْوَة وهو معه، فقلتُ: هكذا يَصنَعون! قال: نَعَم، وهكذا صَنَعَ معاوية فهلمَّ جَرا، قلت: أفَلا تكلّمه؟ قال: أخبَرَني قبَيضةُ بن ذُؤَيب أنه كَلم عبدَ الملك بنَ مروان فأبَى أن يَفعل؛ وقال: هكدا خَطَب عثمان، فقلتُ: والله ما خَطَب هكذا، ما خَطَب عثمان إلا قائمًا، قال رجاء: رُوى لهم هَذَا فأخذوا به. قال إسحاق: لم نَر منهم أحدًا أشدّ تجبّرًا منه. (٦/ ٤٦٦ - ٤٦٧). قال محمد بن عمر: وقَدِم بِطيب مسجد رسول الله ﷺ ومجمَرِه وبكسْوَة الكَعْبة فُنشِرت وعُلقتْ على حبال في المسجد من دِيباج حَسَن ولم يُرَ مثلُه قطّ، فنَشَرها يومًا وطُوي ورفع. (٦/ ٤٦٧). ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها فتح الأندلس زعم الواقدي أن ملك الأندلس يقال له: أدرينوق، وكان رجلًا من أهل أصبهان، قال: وهم مُلُوك عَجَم الأندلس - فزَحَف له طارق بجَميع مَنْ معه،

стр. 4040

فزحف الأدرينوق في سَرِير الملك، وعلى الأدرينوق تاجُه وقُفَّازُه وجميعُ الحِلْية التي كان يَلبَسها الملوك، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتى قَتَل الله الأدرينوق، وفَتَح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. (٦/ ٤٦٨). ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد * ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه: ذَكَر عليُّ بنُ محمد أنَّ أبا الذّيال أخبَرَه عن المهلّب بن إياس والحسّن بن رشيد، عن طُفَيل بن مِرْداس العَميّ وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريدة، عن مَرْزُبان قُهِسْتان وكليب بن خَلَف والباهليّين وغيرهم - وقد ذَكر بعضُهم ما لم يَذكُر بعضَ فألفته - أنّ مَلِك خُوارزْم كان ضعيفًا، فغلَبَه أخُوه خُرَّزاذ على أمرِه - وخرّزاذ أصغَر منه - فكان إذا بَلغه أنّ عند أحد ممن هو منقطِع إلى المَلك جاريةً أو دابةً أو متاعًا فاخرًا أرسَل فأخَذَه، أو بَلغه أنّ لأحد منهم بنتًا أو أخْتًا أو امرأةً جميلة أرسل إليه فَغصَبه، وأخذَ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يَمتنع عليه أحد، ولا يمنَعه الملكُ، فإذا قيل له، قال: لا أقوَى عليه، وقد ملأه مع هذا غَيْظًا، فلما طال ذلك منه عليه كَتَب إلى قتيبة يدعوه إِلى أرضه يريد أن يسلِّمها إليه، وبعث إليه بمفاتيح مدائنِ خُوارزم: ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشتَرط عليه أن يَدفَع إليه أخاه وكلَّ من كان يُضادّه، يَحكُم فيه بما يَرَى، وبعث في ذلك رُسُلًا، ولم يُطلع أحدًا من مَرازِبتِه، ولا دَهاقِينهِ على ما كتَب به إلى قتَيبة، فقَدِمتْ رسلُه على قتيبةَ في آخر الشتاء ووقت الغَزْو، وقد تهيّأ للغزو، فأظهَر قتيبة أنه يريد السُّغْد، ورجع رُسُل خوارزم شاه إليه بما يُحبّ من قِبَل قتيبة، وسار واستخلف على مَرْوَ ثابتًا الأعَور مولَى مُسلم. قال: فَجمَع ملوكَه وأحبارَه ودَهاقِينه فقال: إنّ قتيبة يريدُ السُّغْد، وليس بغازيكم، فهلمَّ نتنعَّم في ربيعِنا هذا، فأقبلوا على الشرب، والتنعم، وأمنوا عند أنفسِهم الغَزْو. قال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبةُ في هَزَارَسْب دُون النهر، فقال خُوارَزْم شاه

стр. 4041

لأصحابه: ما تَرَوْن؟ قالوا: نَرَى أنْ نقاتِله، قال: لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوَى منا وأشدّ شوْكَةً؛ ولكني أرَى أن نَصرِفه بشيء نؤديه إليه، فنصرِفه عامنا هذا، ونرى رأيَنا، قالوا: ورأينا رأيك، فأقبَل خُوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر. قال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل أحصنهن، فنزلها خوارزم شاه - وقتيبة في هزارسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ - فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومَتاع، وعلى أن يُعينَه على ملك خام جرد، وأن يفيَ له بما كتَب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووَفى له، وبعث قتيبة أخاه إلى مَلِك خامِ جرد، وكان يعادى خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقَدِم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير، فقتَلَهم، وأمر قتيبةُ لمّا جاءه بهم عبد الرحمن بسريره فأخرِج وبَرزَ للناس، قال: وأمر بقتل الأسرى فقتِل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخَلْف ظهره ألف، قال: قال المهلَّب بن إياس: أخِذتْ يومئذ سيوف الأشراف فضُرِبَ بها الأعناق، فكان فيها ما لا يَقطَع ولا يَجرَح، فأخذوا سَيْفي فلم يُضْرَب به شِيء إلا أبانه، فحَسَدني بعضُ آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلًا، فوقَع في ضِرسْ المقتول فثَلَمه. قال أبو الذّيال: والسيف عندي، قال: ودفع قتيبةُ إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتَلهم، واصطَفَى أموالَهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينةَ فيل، فقَبِل من خوارزم شاه ما صالَحه عليه، ثم رَجَع إلى هزارسبَ، وقال كَعْب الأشْقريّ: رَمَتْكَ فِيلٌ بما فيها وما ظَلَمَتْ ... ورامَها قبلك الفَجْفَاجَةُ الصَّلِفُ لا يُجْزِئُ الثَّغْرَ خَوَّارُ القَناة ولَا ... هَشُّ المكاسِر والقَلبُ الذي يَجفُ هل تَذْكُرونَ ليالي التُّرك تقتُلُهُمْ ... ما دون كازَهَ والفَجْفَاجُ مُلتَحِف لم يركَبُوا الخيلَ إلا بعدما كبروا ... فَهمْ ثِقَال على أَكتافِها عُنُفُ أنتم شباس ومرداذان محتقرٌ ... وبسْخرَاء قبُورٌ حشْوُهَا القُلَف إني رأَيتُ أبا حفص تُفَضِّلُهُ ... أيَامُهُ ومَسَاعِي الناسِ تخْتَلِفُ قيْس صَريح وبعضُ الناسِ يجْمَعُهُمْ ... قُرىً وريف فمنسوبٌ ومُقْتَرَف

стр. 4042

لو كنتَ طاوَعت أهلَ العجز ما اقتسمُوا ... سبعِين أَلفًا وعزُّ السُّغْدِ مُؤْتَنِفُ وفي سمرقندَ أُخرى أنت قاسِمُها ... لئن تأَخَّر عن حوبائك التَّلَفُ ما قَدَّمَ الناسُ من خيرٍ سبقتَ به ... ولا يَفوتُك مما خلَّفُوا شَرَفُ قال: أنشدني عليّ بن مجاهد: "رَمَتْك فيلٌ بما دون كاز .... " قال: وكذلك قال الحسنُ بن رشيد الجُوزجانيّ؛ وأمَّا غيرُهما فقال: "رمتك فيلٌ بما فيها ..... " وقالوا: فيلُ مدينة سمَرْقَنْد؛ قال: وأثبتُها عندي قولُ علي بن مجاهد (١). (٦/ ٤٦٩ - ٤٧١). قال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مئة ألفِ راس. قال: وكان خاصةُ قتيبةَ كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانّون قَدِموا من سِجِسْتَان فأجمّهم عامَهم هذا، فأبى، قال: فلمّا صالح أهل خُوارزم سارَ إلى السّغْد، فقال الأشقريّ: لو كنتُ طاوعتُ أهَل العَجْز ما اقتَسموا ... سبعين أَلفًا وعزُّ السُّغْد مُؤتَنف (٦/ ٤٧١ - ٤٧٢). فتح سمرقند * ذكر الخبر عن ذلك: قد تقدّم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر عليّ بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالَح قتيبة صاحب خُوارزم، ثمّ ذكر مدرجًا في ذلك أنّ قتيبة لمّا قبض صُلح خوارزم قَام إليه المجشّر بن مُزاحم السُّلَميّ، فقال: إنّ لي حاجةً، فأخْلِني، فأخْلاه، فقال: إن أردتَ السُّغد يومًا من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيَهم من عامِك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمتَهُ أحدًا؟ قال: لا، قال:

стр. 4043

والله لئن تكلم به أحد لأضربنّ عنقَك، فأقام يومَه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبدَ الرحمن فقال: سِرْ في الفرْسان والمُرامية، وقدّم الأثقالَ إلى مَرْو، فوُجّهَت الأثقال إلى مَرو، ومضى عبدُ الرحمن يَتْبع الأثقال يريدُ مَرو يومه كلّه، فلما أمسَى كتب إليه: إذا أصبحتَ فوجِّه الأثقالَ إلى مَرْوَ وسرْ في الفُرسان والمُرامية نحو السُّغْد، واكتُم الأخبار فإني بالأثَر. قال: فلما أتى عبدَ الرحمن الخبرُ أمرَ أصحابَ الأثقال أن يمضوا إلى مَرْوَ، وسار حيث أمرَه، وخَطَب قتيبة الناسَ فقال: إن الله قد فَتَح لكم هذه البلدة في وقت الغَزْوُ فيه ممكن، وهذه السُّغد شاغِرَةٌ برِجْلها، قد نَقَضوا العَهْد الذي كان بيننا، منعونا ما كنّا صالَحْنا عليه طرخون، وصَنعوا به ما بَلَغكم، وقال الله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، فسيِرُوا على برَكة الله، فإنّي أرجو أن يكون خَوارزم والسُّغْد كالنَّضير وقُرَيظة، وقال الله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾. قال: فأتى السُّغْد وقد سَبَقه إليها عبدُ الرحمن بن مسلم في عشرين ألفًا، وقَدم عليه قتيبةُ في أهل خُوارزم وبُخارَى بعد ثلاثة أو أربعة مِن نزولِ عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزَلنا بِسَاحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. فحصرَهم شهْرًا، فقاتَلُوا في حِصارهم مِرارًا من وجهٍ واحد. وكتب أهلُ السُّغْد وخافوا طولَ الحصار إلى ملك الشاش، وإخشاذ فَرْغانة: إن العرب إنْ ظفروا بنا عادوا عليكم بمِثل ما أتَوْنا، فانظُروا لأنفسكم، فأجمَعوا على أن يأتوهم وأرسَلوا إليهم: أرسِلوا من يشغلهم حتى نبيّت عسكرَهم. قال: وانتخبوا فُرْسانًا من أبناء المَرازِبة والأساوِرة والأشدّاء الأبطال فوجّهوهم وأمَروهم أن يبيِّتوا عسكرَهم، وجاءت عيونُ المسلمين فأخبَروهم. فانتخَب قتيبة ثلاثمئة أو ستمئة من أهل النَّجْدة، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فصيّرهُم في الطريق الذي يخاف أن يُؤتَى منه، وبعث صالحٌ عيونًا يأتونه بخَبر القوم، ونزل على فرسَخَين من عسكر القوم، فرجعتْ إليه عيونُه فأخبروه أنهم يَصلون إليه من ليلتِهم، ففرّق صالحٌ خيلَه ثلاثَ فِرَق؛ فجعل كَمِينًا في موضعَيْن، وأقام على قارعةِ الطريق، وطرَقَهم المشركون ليلًا, ولا يَعلمون

стр. 4044

بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسِهم من أن يَلقَّاهم أحدٌ دون العسكر، فلم يعلَموا بصالح حتى غَشوه، قال: فشدّوا عليه حتى إذا اختلَفتِ الرماح بينهم خرج الكَمِينان فاقتَتلوا، قال: وقال رجلٌ من البَراجم: حصرتُهم فما رأيتُ قطّ قومًا كانوا أشدَّ قتالًا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبَر، فقَتلْناهم فلم يُفلِتْ منهم إلَّا نفرٌ يسير، وحوَيْنا سلاحَهم، واحتَززْنا رؤوسَهم، وأسَرْنا منهم أسرَى، فسألناهم عمّن قَتلْنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن مَلِك، أو عظيمًا من العُظماء، أو بَطلًا من الأبطال؛ ولقد قتلتم رجالًا إن كان الرجل ليُعدَل بمئة رجل، فكتَبنا على آذانهم، ثمّ دخَلْنا العسكَر حين أصبَحْنا وما منا رجل إلا معلِّق رأسًا معروفًا باسمه، وسَلبنا من جيّد السلاح وكريمِ المتاع، ومناطِق الذهب ودوابَّ فُرَّهةٍ، فنفَلنا قتيبةُ ذلك كله، وكَسَر ذلك أهلَ السُّغد، ووضع قتيبة عليهم المَجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يُقاتِلهم لا يُقلع عنهم، وناصَحَه مَن معه من أهل بُخارى وأهلِ خُوارزم، فقاتلوا قِتالًا شديدًا، وبذلوا أنفسَهم. فأرسَل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوَتي وأهلِ بيتي من العَجم، فأخرِجْ إليَّ العَربَ، فغضبَ قتيبة ودعا الجدليّ فقال: اعرِض الناس، ومَيّز، أهل البأس، فجمعَهَم، ثمّ جلس قتيبة يَعرِضهم بنفسِه، ودعا العُرَفاءَ فجعل يدعو برجل رجل، فيقول: ما عندَك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول: ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ما هذا؟ فيقول: جَبان، فسمى قتيبة الجُبَناء الأنْتان، وأخذ خيلَهم وجيّدَ سلاحِهم فأعطاه الشَّجعَان والمختصرين، وترك لهم رَثّ السلاح، ثم زحف بهم فقاتَلَ بهم فُرسانًا ورجالًا، ورَمَى المدينة بالمجانيق، فثَلم فيها ثُلْمةً فسدّوها بغوائر الدُّخن، وجاء رجل حتى قام على الثّلْمة فَشتَم قتيبةَ، وكان مع قتيبة قومٌ رُماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيّكما يَرمِي هذا الرجل، فإنْ أصابَه فله عشرةُ آلاف، وإن أخطأه قُطعتْ يده؟ فتلكَّأ أحدُهما وتقدّم الآخرُ، فرماه فلم يُخِطئ عينَه، فأمَر له بعَشرة آلاف. (٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤). قال: وأخبرنا الباهليُّون، عن يحيى بن خالد، عن أبيه خالد بن باب مولَى مُسِلم بن عمرو، قال: كنتُ في رُماة قتيبة، فلما افتتَحنا المدينَة صعدتُ السور فأتيتُ مُقامَ ذلك الرّجل الذي كان فيه فوجدتُه ميّتًا على الحائط، ما أخطأتِ

стр. 4045

النُّشابة عينَه حتى خرجتْ من قَفاه، ثمّ أصبحوا من غد فرمَوا المدينَة، فثلَموا فيها، وقال قتيبة: ألِحّوا عليها حتى تعبُروا الثلْمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثُلْمة المدينة، ورماهم السّغد بالنشّاب، فوضَعوا تَرَستهم، فكان الرجل يضعُ ترسَه على عَيْنه، ثمّ يحمِل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرِفْ عنا اليومَ حتى نصالَحك غدًا. فأما باهلة فيقولون: قال قُتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالُنا على الثْلمة، ومجانيقُنا تَخطِر على رؤوسِهم ومدينتِهم. قال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جَزعَ العبيدُ، فانصرفوا على ظفرِكُم، فانصرَفوا فصالَحهم من الغد على ألفي ألف ومئتي ألف في كلّ عام، على أن يُعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبيّ ولا شَيْخ ولا عيب، على أن يُخلُوا المدينةَ لقُتيبة فلا يكون لهم فيها مُقاتِل، فيُبنَى له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويُوضَع له فيها مِنبَر فيَخطب، ويتغدَّى ويخرِج. قال: فلما تمّ الصّلح بعث قتيبةُ عشرةً، من كلّ خُمس برجلين، فقَبَضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلّوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم، ثمّ أخلَوا المدينة وبنَوا مسجدًا ووضَعوا مِنبرًا، ودَخَلها في أربعة آلاف انتخَبهم، فلما دَخَلها أتَى المسجَد فصلَّى وخَطَب ثمّ تغدَّى، وأرسل إلى أهل السُّغْد: من أراد منكم أن يأخذَ متاعَه فليأخُذْه؛ فإني لستُ خارجًا منها، وإنما صنعتُ هذا لكم، ولستُ آخذُ منكم أكثرَ مما صالحتُكم عليه، غير أنّ الجُنْد يقيمون فيها. قال: أما الباهليّون فيقولون: صالَحَهم قتيبةُ على مئة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقَبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسُلِبتْ؛ ثم وُضعتْ بين يديه، فكانت كالقَصْر العظيم حين جُمعِت، فأمَر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إنّ فيها أصنامًا مَنْ حرّقها هَلَك، فقال قتيبة: أنا أحَرّقها بيدي، فجاء غوزك، فجَثَا بين يديه وقال: أيها الأمير، إنّ شكرك عليّ واجب، لا تَعرِض لهذه الأصنام، فَدَعا قتيبة بالنار وأخذَ شُعْلةً بيَده، وخرج فكبر، ثمّ أشعَلها، وأشعَل الناس فاضطرمتْ،

стр. 4046

فوجَدُوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضّة خمسين ألف مثقال. (٦/ ٤٧٤ - ٤٧٦). قال: وأخبرَنَا مَخلَد بن حمزة بن بَيض عن أبيه، قال: حدّثني من شَهد قتيبة وفَتْح سمرقند أو بعض كُور خُراسان فاستخرَجوا منها قدُورًا عظامًا من نُحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسانَ، أتُرَى رقاشِ كان لها مِثل هذه القدُور؟ قال: لا، لكن كان لعَيْلان قِدْر مِثل هذه القدور، فضَحِك قتيبة وقال: أدركتَ بثَأرِك. (٦/ ٤٧٦). قال: وقال محمد بن أبي عُيَينة لسَلْم بنِ قتيبة بين يدَي سليمانَ بن عليّ: إن العَجَم ليعيِّرون قتيبةَ الغدرَ إنه غدر بخوارَزْم وسمَرقَنْد. (٦/ ٤٧٦). قال: فأخبرَنا شيخٌ من بني سَدُوسَ عن حَمزةَ بن بيض قال: أصابَ قتيبةُ بخُراسان بالسُّغد جاريةَ من ولد يَزدِجرد، فقال: أتَرَوْن ابنَ هذه يكون هَجينًا؟ فقالوا: نعم، يكون هَجِينًا من قِبَل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجّاج إلى الوليد، فولدت له يزيدَ بن الوليد. (٦/ ٤٧٦). قال: وأخبَرَنا بعضُ الباهليِّين عن نهَشَل بن يزيدَ، عن عمه - وكان قد أدرك ذلك كلَّه - قال: لما رأى غوزكَ إلحاحَ قتيبةَ عليهم كَتَب إلى ملك الشاش وإخشاذ فَرْغانة وخاقَان: إنا نحن دونّكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتمْ أضعَفَ وأذَلّ، فمهما كان عندَكم من قوّة فابذلُوها؛ فنظروا في أمْرِهِم فقالوا: إنما نُؤتَى من سَفِلتَنا، وإنهم لا يَجِدون كوَجْدنا، ونحن معشرَ المُلوك المعنيّون بهذا الأمر، فانتخبوا أبناءَ الملوك وأهل النجدة من فِتْيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكرَ قُتيبة فليبيّت، فإنه مشغول بحصار السُّغْد، ففعلوا, ولوا عليهم ابنًا لخاقان، وسارُوا وقد أجمَعوا أن يبيّتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخَبَ أهلَ النّجْدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزُهَير بن حيّان فيمن انتُخب، فكانوا أربعمئة، فقال لهم: إنّ عدوَّكم قد رأوا بلاءَ الله عندكم، وتأييدَه إياكم في مُزاحَفتِكم، ومُكاثَرَتِكم، كلّ ذلك يُفلجكم الله عليهم، فأجمعُوا على أن يحتَالوا غِرَّتَكم وبيَاتكم، واختاروا دَهاقينهم ومُلوكَهم، وأنتم دَهاقين العَرب وفُرسانُهم، وقد فضّلكم الله بدِينه، فأبلُوا الله بلاءً حسنًا تستوجِبون به الثواب، مع الذَّبّ عن أحسابكم.

стр. 4047

قال: ووضع قتيبةُ عيونًا على العدوّ حتى إذا قَرُبوا منه قَدْرَ ما يَصِلُون إلى عسكره من الليل أدخَل الذين انتخَبَهم فكلَّمهم وحَضَّهم واستَعَمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا فنزلوا على فَرسَخَينَ من العسكر على طريق القوم الذين وَصَفوا لهم، ففرّق صالح خيلَه، وأكمن كَمِينًا عن يمينه، وكَمِينًا عن يساره، حتى إذا مَضَى نصفُ الليل أو ثلثاه، جاء العدوّ باجتماع وإسراع وصَمت، وصالحٌ واقفٌ في خَيْله، فلما رأوْه شدّوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شدَّ الكَمِينان عن يمين وعن شِمال، فلَم نسَمع إلا الاعتزاء، فلم نَرَ قومًا أشدَّ منهم. (٦/ ٤٧٦ - ٤٧٧). قال: وقال رجلٌ من البَراجم: حدّثني زُهير أو شُعبة قال: إنا لنختَلف عليهم بالطعن والضّرب إذ تبينت تحتَ الليل قُتيَبةَ، وقد ضربتُ ضربةً أعجبتْني وأنا انظر إلى قتيبة، فقلت: كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكُت دَقّ اللهُ فاك! قال: فقتلناهم فلم يُفلِت منهم إلا الشريد، وأقمنا نَحوِي الأسلابَ ونحتزّ الرؤوسَ حتى أصبحْنا، ثم أقبلْنا إلى العسكر، فلم أر جماعةً قطّ جاؤوا بمثل ما جئنا به، ما مِنّا رجلٌ إلَّا معلِّق رأسًا معروفًا باسمه، وأسيرًا في وَثاقه. قال: وجئنا قُتيبةَ بالرؤوس، فقال: جزاكم الله عن الدِّين والأعراض خيرًا. وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باحَ لي بشيء، وقرن بي في الصّلة والإكرام حيّانَ العدَويّ وحُلَيسًا الشيبانيّ، فظننتُ أنه رأى منهما مِثلَ الذّي رأى منّي، وكسر ذلك أهل السّغْد، فطلبوا الصلْح وعرَضوا الفِدْية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طَرْخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي. (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨). قالوا: حدث عمرو بن مسلم عن أبيه، قال: أطال قتيبةُ المُقامَ، وثُلمتِ الثلمة في سمرقند. قال: فنادى منادٍ فصيح بالعربية يَشتُم قتيبة؛ قال: فقال عمرو بن أبي زَهْدم: ونحنُ حولَ قتيبةَ، فحين سمعنا الشتم خرجْنا مسرِعين، فمَكثْنا طويلًا وهو مُلِحٌّ بالشتم، فجئتُ إلى رِواق قُتيبةَ فاطّلعت، فإذا قتيبةُ محْتَب بشَمْلة يقول كالمناجي لنفسِه: حتى متى يا سمرقَنْد يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحتُ لأحاولنّ مِن أهلِك أقصى غاية، فانصرفتُ إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبيّة ستموت غدًا منّا ومنهم! وأخبرتُهم الخبَر. (٦/ ٤٧٨)

стр. 4048

قال: وأما باهلة فيقولون: سار قتيبةُ فجعل النهرَ يمينَه حتى وردَ بخارَى، فاستنهَضَهم معه، وسار حتى إذا كان بمدينة أرْبِنْجَن، وهي التي تُجلَب منها اللبود الأربنْجَنيَّة، لقيهم غوزك صاحبُ السُّغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفَرْغانة، فكانت بينهم وقائعُ من غير مُزاحفة، كل ذلك يَظهر المسلمون ويتحاجَزون حتى قَربُوا من مدينة سَمَرْقند، فتزاحفوا يومئذ، فَحمل السُّغد على المسلمين حملةً حَطموهم حتى جازُوا عسكرهم، ثمّ كرّ المسلمون عليهم حتى رَدُّوهم إلى عسكرهم، وقَتَل الله من المشركين عددًا كثيرًا، ودخلوا مدينةَ سمرقند فصالَحوهم. (٦/ ٤٧٨). قال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صَغِيرة؛ قال: رأيت خيلًا يومئذ تُطاعِنُ خيلَ المسلمين، وقد أمر يومئذ قتيبةُ بسَريره فأبرز، وقَعد عليه، وطاعَنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمُحْتَب بسيفِه ما حَلّ حَبْوتَه، وانطوتْ مجنّبتَا المسلمين على الذين هَزَموا القَلْب، فهزَموهم حتى رَدّوهم إلى عسكرهم، وقُتِل من المشركين عددٌ كثير، ودخلوا مدينةَ سمرقنْد فصالَحوهم، وصنع غوزك طعامًا ودعا قُتيبةَ، فأتاه في عدد من أصحابه، فلما تَغدّى استوهَبَ منه سمرقنْد، فقال للمَلِك، انتقِلْ عنها، فانتَقَل عنها، وتلا قُتَيبة: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. (٦/ ٤٧٨) قال: وأخبرنا أبو الذّيالِ، عنْ عمر بن عبد الله التميميّ، قال: حدّثني الذي سرّحه قُتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقَنْد، قال: قدمتُ على الحجّاج فوَجهني إلى الشام، فقدمْتها فدخلت مسجدَها، فجلستُ قبل طلوع الشمس وإلى جَنْبي رجلٌ ضَرير، فسألتُه عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلتُ: أجَل؛ قال: من أيّ بلد أنت؟ قلتُ: من خُراسان. قال: ما أقدَمَك؟ فأخبرتُه؛ فقال: والذي بعثَ محمّدًا بالحق ما افتتحِتموها إلا غدرًا، وإنكم يا أهل خُراسانَ للّذين تَسلُبون بني أمية مُلكهم، وتَنقُضُون دمشقَ حَجرًا حجرًا. (٦/ ٤٧٩). قال: وأخبَرنا العلاءُ بن جَرير، قال: بلَغني أن قتيبةَ لما فتح سمرقند وقَف على جَبَلِها فنظر إلى الناس متفرّقين في مُروج السُّغْد، فتمثَّل قولَ طرَفة: وأَرْتَعَ أَقوام ولولا مَحَلُّنا ... بمَخشِيَةٍ ردُّوا الجمال فَقَوَّضُوا قال: وأخبرَنا خالدُ بن الأصْفَح، قال: قال الكُمَيْت:

стр. 4049

كانت سمرقندُ أحقابًا يَمانيةً ... فاليوم تَنْسُبُهَا قَيْسيةً مُضَرُ (٦/ ٤٧٩). قال: وقال أبو الحسن الجُشميّ: فدعا قتيبةُ نهارَ بنَ تَوْسِعة حين صالَح أهلَ السُّغْد، فقال: يا نهارُ، أين قولك: ألا ذَهَبَ الغزْوُ المُقَرِّبُ للغنَى ... وماتَ النَّدَى والجودُ بَعْدَ المهلَّبِ أقَاما بمرْوِ الرُّوذ رَهْنَ ضَريحهِ ... وقَدْ غَيّبا عن كلِّ شَرْقٍ ومغْرِب أفغَزْوٌ هذا يا نهارٌ؟ قال: لا، هذا أحسنُ، وأنا الذي أقول: وما كان مُذْ كُنَّا ولا كان قَبْلنا ... ولا هو فيما بعدَنا كابن مُسلم أعمَّ لأهل الترْك قَتْلًا بسيْفِهِ ... وأكثرَ فينا مَقْسِمًا بعدَ مَقسِم قال: ثمّ ارتحل قتيبة راجعًا إلى مروَ واستخلف على سمرقند عبدَ الله بن مسلم، وخلّف عنده جندًا كثيفًا، وآلةً من آلة الحرب كثيرةٌ، وقال: لا تدَعنّ مُشرِكًا يدخل بابًا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد، وإن جفّتَ الطينة قبل أن يَخرُج فاقتُله، وإن وجدتَ معه حديدةً؛ سكينًا فما سواه فاقتلْه، وإن أغلَقْت الباب ليلًا فوجدتَ فيها أحدًا منهم فاقتله، فقال كَعْب الأشقريّ - ويقال رجلٌ من جُعفيّ: كُلّ يومٍ يَحْوِى قتيبةُ نَهبًا ... ويزيدُ الأَموِالَ مالًا جدِيدَا باهليٌّ قد أُلبسَ التاجَ حتَّى ... شاب منهُ مَفارِقٌ كنَّ سُودَا دَوَّخ السُّغدَ بالكتَائِب حتَّى ... تركَ السُّغد بالعرَاءِ قُعُودَا فوليدٌ يبكي لفَقْدِ أَبيهِ ... وأبٌ مُوجَعٌ يُبَكِّي الوليدا كلما حَلَّ بلدةً أو أتاهَا ... تَرَكتْ خَيْلهُ بها أخدُودَا قال: وقال قتيبةُ: هذا العَداءُ لا عداءُ عَيرين, لأنه فتَح خُوارزم وسَمرقند في عام واحد؛ وذلك أنّ الفارس إذا صَرَع في طلق واحد عَيرَين قيل: عادَى بينَ عَيْرَين، ثم انصرفَ عن سمرقنَد فأقام بمَرْو. (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠). وكان عامله على خوارزم إياسُ بنُ عبد الله بن عمرو على حَرْبها، وكان ضعيفًا وكان على خَراجها عُبيد الله بن أبي عُبيد الله مولى بني مسلم. قال: فاستَضعف أهلُ خوارزم إياسًا، وجَمَعوا له، فكَتَب عُبيدُ الله إلى قتيبة، فبعث قتيبةُ عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملًا، وقال: اضرِبْ إياسَ بن

стр. 4050

عبد الله وحيّان النَّبْطى مئةً مئة، واحلِقْهما، وضمَّ إليك عُبيد الله بن أبي عُبيد الله، مولَى بني مسلم، واسْمَعْ منه فإنّ له وفاءً. فمضى حتى إذا كان في خُوارزم على سِكّة، فدسّ إلى إياس فأنذَره فتنحَّى، وقَدِم فأخَذَ حيّان فضربه مئة وحَلَقه. قال: ثمّ وجّه قتيبةُ بعد عبدِ الله المغيرَة بن عَبد الله في الجنود إلى خُوارزَم، فبَلَغهم ذلك، فلما قَدِم المغيرةُ اعتزَل أبناءَ الذين قتَلَهم خوارزم شاه، وقالوا: لا نعينك، فهَرَب إلى بلاد الترك، وقدِم المغيرةُ فسبى وقَتل. وصالحَه الباقون، فأخذ الجزْية، وقَدِم على قتيبة، فاستعمله على نَيْسابور. (٦/ ٤٨٠ - ٤٨١). * * * فتح طليطلة * ذكر الخبر عن ذلك: ذكر محمد بن عمر أنّ موسى بن نُصير غَضِب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشَخَص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بنُ عُقْبة بن نافع الفهْريّ، واستخلف حين شَخَص على إفريقيّة ابنَه عبدَ الله بن موسى بن نُصير، وعَبَر موسى إلى طارق في عشرةِ آلاف، فتلقّاه، فترضّاه فرضيَ عنه، وقَبِل منه عُذرَه، ووجّهه منها إلى مدينة طُلْيَطِلةَ - وهي من عظام مَدائن الأندلس، وهي من قُرطُبَة على عشرين يومًا - فأصاب فيها مائدةَ سُلَيمان بن داود، فيها من الذَّهب والجَوْهر ما اللهُ أعلمُ به. (٦/ ٤٨١). قال: وفيها أجدَبَ أهلُ إفريقيّة جَدْبًا شديدًا، فخرج موسى بنُ نُصير فاستْسقَى، ودعا يومئذ حتى انتصَف النهارُ، وخَطَب الناسَ، فلما أراد أن يَنزِل قيل له: ألا تَدْعو لأميرِ المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك. فسُقُوا سَقْيًّا كَفاهمْ حِينًا. (٦/ ٤٨١). خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز * ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها: وكان سبب ذلك - فيما ذُكِر - أنّ عمرَ بنُ عبد العزيز كَتَب إلى الوليد يُخبره

стр. 4051

بعَسْفِ الحجاج أهلَ عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حقّ ولا جِناية، وأنّ ذلك بلغ الحجاج، فاضطَغنه على عمَر، وكتب إلى الوليد: إنّ مَنْ قبلي من مُرّاق أهلِ العراق وأهلِ الشقاق قد جَلوْا عن العِراق، ولجؤوا إلى المدينة ومكة، وإنّ ذلك وَهْن. فكتب الوليدُ إلى الحجّاج: أن أشِرْ عليّ برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمانَ بن حيّان وخالد بن عبد الله، فولى خالدًا مكّة وعثمان بالمدينة، وعزلَ عمَر بن عبد العزيز. (٦/ ٤٨١ - ٤٨٢). قال: محمد بنُ عمر: خرج عمرُ بنُ عبِد العزيز من المدينة فأقامَ بالسوَيداء، وهو يقول لمزاحم: أتخَاف أن تكون ممن نَفتْه طيبة! (٦/ ٤٨٢). * * * وفيها ضربَ عمرُ بن عبد العزيز خُبيبَ بنَ عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إيّاه، وصبّ على رأسه قِربةً من ماء بارد، ذكر محمد بنُ عمر، أن أبا المليح حدّثه عمّن حضر عمرَ بن عبد العزيز، حين جَلَد خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سَوْطًا، وصَبَّ على رأسِه قِربةً من ماء في يوم شاتٍ. ووَقفه على باب المسجد، فمَكَث يومَه ثم مات. (٦/ ٤٨٢). * * * وحَجّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمد بنُ ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر. وكانت عُمّال الأمصار في هذه السنة عُمالها في السنة التي قبلها، إلّا ما كان من المدينة، فإنّ العاملَ عليها كان عثمان بن حيّان المُرّيّ، وليَها - فيما قيل - في شعبان سنة ثلاث وتسعين. (٦/ ٤٨٢). وأما الواقدي فإنه قال: قَدِم عثمانُ المدينةَ لليلتين بقيتا من شوّال سنة أربع وتسعين. (٦/ ٤٨٢). وقال بعضهم: شَخَص عمرُ بنُ عبد العزيز عن المدينة مَعْزولًا في شَعبانَ من

стр. 4052

سنة ثلاث وتسعين وغَزَا فيها، واستخلف عليها حين شَخَص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ، وقَدِم عثمان بنُ حيّان المدينة لليَلتين بقيَتا من شوّال. (٦/ ٤٨٢). ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث غزو الشاش وفرغانة وفيها غزا قُتيبةُ شاش وفَرْغانة حتى بلغ خْجَنْدَة، وكاشانَ؛ مدينَتي فَرْغانة. * ذكر الخبر عن غزوة قُتَيبة هذه: ذكَر عليُّ بن محمد؛ أن أبا الفوارس التميميّ، أخبَره عن ماهانَ ويونس ابن أبي إسحاق، أنّ قتيبة غزا سنة أربع وتسعين، فلما قطع النّهر فرض على أهل بُخارَى وكسّ ونسَف وخُوارزم عشرين ألفَ مُقاتِل، قال: فساروا معه إلى السُّغْد، فوجّهوا إلى الشاش، وتوجّه هو إلى فَرْغانة، وسار حتى أتى خُجَنْدَة، فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارًا، كلّ ذلك يكون الظفر للمسلمين، ففرغ الناسُ يومًا فرَكِبوا خيولَهم، فأوفَى رجلٌ على نَشَزٍ فقال: تا لله ما رأيت كاليوم غرّةً، لو كان هَيْجٌ اليومَ ونحنُ على ما أرى من الانتشار لكانت الفَضيحة، فقال له رجل إلى جَنْبه: كلا، نحن كما قال عَوْف بن الخَرِع: نؤمّ البلادَ لحُب اللِّقَا ... ولا نَتَّقي طائرًا حيثُ طارَا سنيحًا ولا جارِيًا بارِحًا ... على كلّ حالٍ نُلاقِي اليسارا وقال سحْبان وائل يذكر قتالَهم بخُجَنْدَة: فَسَلِ الفَوارِسَ في خُجَنـ ... ـدةَ تحتَ مُرهَفَةِ العَوَالي هل كُنتُ أجمَعُهُم إذا ... هزِموا وأُقدِمُ في قِتالي أم كنْتُ أَضْرِبُ هامَةَ الـ ... ـعاتي وأَصبِرُ للعَوالي هذا وأنتَ قرِيعُ قَيـ ... ـسٍ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ وفَضَلتَ قيسًا في النَّدَى ... وأبوك في الحِجَج الخَوالي ولقَد تَبَيَّنَ عدلُ حُكـ ... ـمكَ فيهمُ في كلِّ مال تمَّتْ مروءتُكُمْ ونَا ... غى عِزُّكُم غُلبَ الجِبَالِ

стр. 4053

قال: ثمّ أتى قتيبةُ كاشانَ مدينةَ فَرغانة، وأتاه الجنودُ الذين وجّههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرّقوا أكثَرها، وانصرف قتيبةُ إلى مَرْوَ، وكتَب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفيّ أنْ وجِّه من قِبلَكَ من أهل العراق إلى قتيبة؛ ووجِّه إليهم جَهْم بن زَحْر بن قيس، فإنه في أهل العراق خيرٌ منه في أهل الشام، وكان محمد وادًّا لجَهْم بن زَحْر، فبعث سليمان بن صَعْصَعة وجهْم بن زَحْر، فلما ودّعه جهمٌ بكى وقال: يا جَهْم، إنه للْفراق؛ قال: لا بدّ منه. قال: وقدم على قتيبة سنة خمس وتسعين (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤). ولاية عثمان بن حيّان المرّي على المدينة وفي هذه السنة قَدِم عثمانُ بنُ حيّانَ المرّيّ المدينةَ واليًا عليها من قِبَل الوليد بنِ عبد الملك. * ذكر الخبر عن ولايته: قد ذكرْنا قبلُ سببَ عَزْل الوليد عمرَ بنَ عبد العزيز عن المدينة ومكّة وتأميره على المدينة عثمان بن حيّان، فزعم محمد بنُ عمر أن عثمان قدم المدينة أميرًا عليها للَيلتين بقيَتَا من شوّال سنة أربع وتسعين، فنزل بها دارَ مَرْوان وهو يقول: محلّة والله مِظعانٌ، المغرور من غرّ بك، فاستقضى أبا بكر بن حَزْم. (٦/ ٤٨٥). قال محمد بنُ عمر: حدّثني محمد بنُ عبد الله بن أبي حُرّة، عن عمه قال: رأيتُ عثمانَ بنَ حيّانَ أخذ رِياحَ بنَ عبيد الله ومُنِقذًا العِراقيّ فحبَسَهم وعاقَبَهم، ثمّ بعث بهم في جوامع إلى الحجّاج بن يوسف، ولم يَترك بالمدينة أحدًا من أهل العراق تاجرًا ولا غيرَ تاجر، وأمر بهم أن يُخرَجوا من كلّ بلد، فرأيتُهم في الجوامع، واتبع أهل الأهواء، وأخذ هَيْصَما فقطعه، ومنحورًا - وكان من الخوارج - قال: وسمعتُه يَخطُب على المِنبَر يقول بعد حمد الله: أيها الناس، إنا وجدناكم أهلَ غشٍّ لأمير المؤمنين في قديمِ الدّهر وحديثه، وقد ضَوَى إليكم من يَزيدُكم خَبالا، أهلُ العراق هم أهْلُ الشقاق والنفاق، هم والله عُشّ النفاق وبَيْضَته التي تفلّقتْ عنه، والله ما جرّبتُ عِراقيًّا قط إلا وجدت أفضَلهم عند نفسِه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة،

стр. 4054

وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سَفْك دمائهم فإني والله لا أوتَى بأحد آوَى أحدًا منهم، أو أكْراه مَنزِلا, ولا أنْزَلَه إلا هدمتُ منزلهَ، وأنزلتُ به ما هو أهلُه، ثمّ إنّ البُلدانَ لما مصّرها عمرُ بنُ الخطاب، وهو مجتهِد على ما يُصلِح رعيّته جعل يمرّ عليه من يريد الجهاد فيستشيره: الشام أحبّ إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إليّ، إني رأيتُ العراقَ داءً عُضالا، وبها فرّخ الشيطان، والله لقد أَعضَلوا بي، وإني لأراني سأفرّقهم في البُلْدان، ثم أقول: لو فرّقتهم لأفْسَدوا من دخلوا عليه بجَدَل وحِجَاج، وكَيفَ؟ ولِمَ؟ وسُرعَةِ وجيف في الفِتنة، فإذا خُبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل، لم يصلحوا على عثمان، فلقى منهم الأمَرّين، وكانوا أوّلَ الناس فَتَقَ هذا الفَتْقَ العظيم، ونَقَضوا عُرَى الإسلام عُرْوةً عُرْوة، وأنغلوا البُلدان والله إني لأتقرّب إلى الله بكل ما أفعل بهم لِمَا أعرِف من رأيهم ومَذَاهبِهم، ثمّ وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامَجهم، فَلم يَصلحوا عليه، ووَليهم رجلُ الناسِ جلدًا فبَسَط عليهم السيف، وأخافَهم، فاستقاموا له أحبُّوا أو كرهوا وذلك أنه خَبَرهم وعرَفَهم. أيها الناس، إنا والله ما رأينا شِعارًا قطّ مِثلَ الأمْن، ولا رأينا حِلسًا قطّ شرًّا من الخَوْف، فالزَموا الطاعة، فإنّ عندي يا أهلَ المدينة خِبرةً من الخِلاف، واللهِ ما أنتم بأصحاب قِتال، فكونوا من أحْلاس بيُوتكم، وعَضّوا على النواجذ، فإني قد بعثتُ في مجالسكم من يَسمَع فيبلغني عنكم، إنكم في فضول كلام غيرُهُ ألزَمَ لكم، فدعُوا عَيبَ الوُلاة، فإنّ الأمر إنما يُنقض شيئًا شيئًا حتى تكونَ الفتنة وإن الفِتنة مِن البلاء، والفِتَن تَذهَب بالدين وبالمال والوَلَد. قال: يقول القاسمُ بن محمد: صدَق في كلامه هذا الأخير، إنّ الفتنة لهكذا. (٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦). قال محمد بن عمر: وحدّثني خالدُ بنُ القاسم، عن سعيد بن عمرو الأنصاريّ، قال: رأيتُ مناديَ عثمان بن حيّان ينادِي عندنا: يا بني أمية بن زيد، برئَتْ ذِمة ممن آوَى عِراقيًّا - وكان عندَنا رجلٌ من أهل البصرة له فضلٌ يقال له أبو سَوادةَ، من العُبّاد - فقال: والله ما أحِبّ أن أدخِل عليكم مكروهًا، بلغوني مأمَني؛ قلت: لا خيرَ لك في الخُروج، إنّ الله يَدْفَع عنا وعنك، قال: فأدخلتُه بيتي، وبلغ عثمان بن حَيّان فبَعَث أحراسًا فأخرجْته إلى بيت أخي، فما قَدَروا

стр. 4055

على شيء، وكان الذي سَعَى بيِ عَدُوًّا، فقلت للأمير: أصلَح الله الأمير! يؤتَى بالباطل فلا تُعاقب عليه، قال: فضَرَب الذي سَعَى بي عشرين سوطًا، وأخَرَجْنَا العراقيّ، فكان يصلّي معنا ما يغيبُ يومًا واحدًا، وحَدِب عليه أهلُ دارِنا، فقالوا: نموتُ دونَك! فما بَرِح حتى عُزل الخبيث. (٦/ ٤٨٦ - ٤٨٧). قال محمد بن عمر: وحدّثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَروة، قال: إنما بعَثَ الوليدُ عثمانَ بنَ حيّان إلى المدينة لإخراج من بها من العِراقييّن وتفريق أهلِ الأهواء ومن ظَهر عليهم أو علا بأمرهم؛ فلم يبعثه واليًا، فكان لا يَصعد المنبر ولا يَخطُب عليه، فلما فعل في أهلِ العراق ما فعل، وفي مَنْحور وغيره أثبتَه على المدينة، فكان يَصعد على المِنبَر. (٦/ ٤٨٧). ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير فلما جاء به إلى داره التي كان فيها سعيد وهي دارهم هذه، حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا يزيدُ بن أبي زياد مولَى بني هاشم، قال: دخلتُ عليه في دار سعيد هذه، جيءَ به مقيَّدًا فدخل عليه قرّاء أهل الكوفة، قلتُ: يا أبا عبدِ الله فحدّثكم؟ قال: إي واللهِ ويَضْحَك؟ وهو يحدّثُنا، وبُنَيّة له في حِجْره، فنظرتْ نظرةً فأبصِرَت القيد فبكَتْ، فسمعتهُ يقول: أيْ بُنَيّة لا تَطيَّري، إيّاك - وشَق والله عليه - فاتبعناه نشيعه، فانتَهيْنا به إلى الجِسْر، فقال الحَرَسيان: لا نَعبُر به أبدًا حتى يعطيَنا كفيلًا، نخاف أن يُغرِق نفسه. قال: قلنا: سَعيدٌ يُغرّق نفسَه! فما عبروا حتى كفلنا به (١). (٦/ ٤٨٩). وذكر أبو بَكر الباهليّ، قال: سمعتُ أنس بنَ أبي شيخ، يقول: لما أتِيَ الحجاجُ بسَعيد بن جُبير، قال: لعن اللهُ ابنَ النصرانية - قال: يعني خالدًا القَسْرّي، وهو الذي أرسَل به من مكة - أما كنتُ أعرف مكانَه! بلي واللهِ والبيت الذي هو فيه بمكة، ثمّ أقَبلَ عليه فقال: يا سعيد، ما أخرجك عليّ؟ فقال: أصلحَ اللهُ الأمير! إنما أنا امرؤٌ من المسلمين يُخطِئ مرّة ويُصيبُ مَرّة، قال: فطابت نفسُ الحجاج، وتَطلَّق وجهُه، ورجا أن يتخلّص من أمره؛ قال: فعاوَدَه

стр. 4056

في شيء، فقال له: إنما كانت له بيْعة في عُنقي؛ قال: فغَضِب وانتفَخَ حتى سَقَط أحد طَرَفي رِدائه عن مَنكِبه، فقال: يا سعيد، ألم أقدَم مكة فَقتلتُ ابنَ الزّبير، ثم أخذت بيعةَ أهلِها، وأخذتُ بيعتَك لأمير المؤمنين عبدِ الملك! قال: بلى، قال: ثم قدمتُ الكوفَة واليًا على العراق، فجدّدت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذتُ بيَعتَك له ثانيةً! قال: بلى؛ قال: فتنْكث بيْعَتين لأمير المؤمنين، وتَفي بواحدة للحائِك ابنِ الحائك! اضرِبا عنقَه؛ قال: فإياه عَنى جرير بقوِله: يا رُبَّ نَاكِثِ بَيعَتَينِ تَرَكْتَهُ ... وخِضابُ لحيَتِهِ دَمُ الأَوداج (٦/ ٤٨٩ - ٤٩٠). وذكر عتّاب بن بِشْر، عن سالم الأفطس، قال: أتِيَ الحجاج بسَعيد بن جُبَير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رِجْليه في الغَرْز - أو الركاب - فقال: واللهِ لا أركب حتى تَبوءَ مقعَدك من النار، اضربوا عنقَه، فضُرِبت عنقُه، فالتبس مكانَه، فجعل يقول: قيودُنا قيودُنا، فظَنّوا أنه قال: القيود التي على سَعِيد بن جبير، فقَطعُوا رِجْليه من أنصاف ساقَيْه وأخَذُوا القيود. (٦/ ٤٩٠). قال محمدُ بن حاتم: حدّثنا عبدُ الملك بنُ عبد الله عن هلال بن خَبّاب قال: جيء بسعيد بن جُبَير إلى الحجاج، فقال: أكتَبْتَ إلى مصعب بن الزبير؟ قال: بل كتَب إليّ مصْعَب؛ قال: والله لأقتلنك؛ قال: إنّي إذًا لَسعيد كما سمّتني أمي! قال: فقَتله؛ فلم يَلْبَث بعدَه إلّا نحوًا من أربعين يومًا، فكان إذا نام يراه في منامِه يأخذ بمَجامع ثوبِه فيقول: يا عدّو الله، لِمَ قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جُبَير! ما لي ولسعيد بنِ جُبيرَ! (١). (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١). ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها وفيها بنيت واسط القصب في شهر رمضان. وفيها انصرف موسى بن نُصَير إلى إفريقية من الأندلس، وضحى بقصر الماء - فيما قيل - على ميل من القيروان. (٦/ ٤٩٢).

стр. 4057

ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها قال عليّ: وكان الوليد صاحب البناء واتّخاذ المصانع والضّياع، وكان الناس يلتقون في زَمانه، فإنما يسأل بعضُهم بعضًا عن البناء والمَصانع، فولي سليمان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يَسأل بعضُهم بعضًا عن التزويج والجَوارِي، فلما ولي عمِرُ بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما ورْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتَى تَختِم؟ ومتى خَتَمْتَ؟ وما تَصومُ من الشهر؟ ورَثى جرير الوليدَ فقال: يا عَين جُودِي بدمعٍ هاجَهُ الذِّكَرُ ... فما لدمعِكِ بَعْد اليوم مُدَّخَرُ إنَّ الخليفةَ قد وارَتْ شَمائِلَهُ ... غبرَاءُ مُلحَدَةٌ في جُولِهَا زَوَرُ أَضحى بَنُوه وقد جَلَّت مُصِيبَتُهُم ... مثل النّجوم هَوَى من بينِها القمَرُ كانوا جميعًا فلَم يَدفع مِنِيَّتَهُ ... عبدُ العزيز ولا رَوحٌ ولا عمرُ (٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨). حدّثني عمرُ، قال: حدّثنا عليّ، قال: حجّ الوليدُ بنُ عبد الملك، وحجّ محمد بنُ يوسفَ من اليمَن، وحَمَل هدايا للوليد، فقالت أمّ البنين للوليد: يا أميرَ المؤمنين، اجعَلْ لي هديّةَ محمد بن يوسف، فأمَرَ بصَرْفها إليها، فجاءت رسلُ أمّ البنين إلى محمّد فيها، فأبى وقال: يَنظُر إليها أميرُ المؤمنين فيَرَى رأيَه - وكانت هدايا كثيرةً - فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنك أمرتَ بهدايا محمد أن تُصرَف إليّ، ولا حاجةَ لي بها، قال: ولمَ؟ قالت: بلغَني أنه غَصبها الناسَ، وكلّفهم عملَها، وظَلمهم، وحَملَ محمد المتاعَ إلى الوليد، فقال: بلَغني أنك أصبْتَها غَصْبًا، قال: معاذَ الله! فأمر فاستُحلِف بينَ الرّكن والمقام خمسين يمينًا والله ما غَصَب شيئًا منها, ولا ظلَم أحدًا، ولا أصابَها إلا من طَيّب؛ فحلَف، فقبلَها الوليدُ وَدفَعها إلى أمّ البنين، فمات محمد بنُ يوسفَ باليمَن، أصابه داءٌ تَقطَّع منه. (٦/ ٤٩٨). وفي هذه السنة كان الوليد أرادَ الشخوصَ إلى أخيه سليمان لخلعه، وأراد البَيْعةَ لابنه مِن بعدِه، وذلك قبلَ مَرْضتهِ التي مات فيها حدّثني عمر، قال: حدّثنا

стр. 4058

عليّ؛ قال: كان الوليدُ وسليمان وَلِييْ عهدِ عبد الملك، فلما أفْضَى الأمرُ إلى الوليد، أرادَ أن يبايعَ لابنه عبد العزيز ويخلَع سليمان، فأبى سليمان، فأراده على أن يجعَله له من بعدِه، فأبى، فعَرض عليه أموالًا كثيرة، فأبى، فكَتَب إلى عمالِه أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناسَ إلى ذلك؛ فلم يُجبه أحد إلا الحجاجَ وقتيبةَ وخواصَّ من الناس، فقال عبَّاد بن زياد: إنّ الناس لا يُجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمَنهم على الغَدْر بابنك، فاكتبْ إلى سليمان فليقدم عليك، فإنّ لك عليه طاعة، فأرِدْه على البَيْعة لعبدِ العزيز من بعده، فإنه لا يقَدِر على الامتناع وهو عندَك، فإنْ أبى كان الناسُ عليه. فكتب الوليدُ إلى سليمانَ يأمُره بالقدوم، فأبطأ فاعتَزَم الوليدُ على المسير إليه وعلى أن يَخلعَه فأمر الناسَ بالتأهب، وأمر بحُجَره فأخرجتْ فمرض، وماتَ قبل أن يَسير وهو يريد ذلك. (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩). قال عمر: قال عليّ: أراد الوليد أن يبنيَ مسجدَ دمشق، وكانت فيه كنيسة، فقال الوليد لأصحابه: أقسمتُ عليكم لمَّا أتاني كلّ رجل منكم بِلَبنةِ، فَجعل كلّ رجل يأتيه بِلبَنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلَبِنَتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: مِنْ أهل العراق؛ قال: يا أهل العراق، تُفرطون في كلّ شيء حتى في الطاعة! وهَدموا الكنيسةَ وبناها مسجدًا، فلما ولي عمر بنُ عبد العزيز شكَوا ذلك إليه، فقيل: إنّ كل ما كان خارجًا من المدينة افتُتِح عَنْوة، فقال لهم عمر: نردّ عليكم كنيستَكم ونَهدِم كنيسة تُومَا، فإنها فُتِحت عنوة، نبنيها مسجدًا، فلما قال لهم ذلك قالوا: بل نَدَع لكم هذا الذي هَدَمه الوليد، ودَعُوا لنا كنيسةَ تُوما، ففعَل عمرُ ذلك. (٦/ ٤٩٩). خلافة سليمان بن عبد الملك قال الواقديّ: وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم قد استأذن عثمانَ أن ينام في غد، ولا يَجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين، فأذن له، وكان أيوب بنُ سلمة المخزوميّ عندَه، وكان الذي بين أيّوب بن سلمة وبين أبي بكر بن عمرو بن حَزْم سَيئًا، فقال أيوب لعثمان: ألم تَر إلى ما يقول هذا؟ إنما هذا منه رِثاء؛ فقال عثمان: قد رأيتُ ذلك، ولستُ لأبي إن أرسلتُ إليه

стр. 4059

غُدوةً ولم أجده جالسًا لأجلدنه مئة، ولأحلقنّ رأسه ولحيته. قال أيوب: فجاءني أمرٌ أحبه، فعجّلت من السحر، فإذا شَمْعة في الدار، فقلتُ: عَجِل المرّيّ، فإذا رسولُ سليمانَ قد قَدِم على أبي بكر بتأمِيره وعَزْلِ عثمان وحدّه. قال أيوب: فدخلتُ دارَ الإمارة، فإذا ابنُ حَيّان جالس، وإذا بأبي بكر على كرسيّ يقول للحدّاد: اضربْ في رِجْل هذا الحديدَ، ونظر إليّ عثمان فقال: آبُوا على أَدبارهم كُشُفًا ... والأَمرُ يَحدُثُ بعده الأَمرُ (٦/ ٥٠٥). وفي هذه السنة عَزَل سليمانُ يزيدَ بنَ أبي مسلم عن العراق، وأمّر عليه يزيدَ بهن المهُلَّب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخَراج، وأمَره أن يَقتُل آل أبي عقيل ويَبسُط عليهم العَذاب، فحدّثني عمرُ بن شَبّة، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: قَدِم صالح العراقَ على الخَراج، ويزيدُ على الحَرْب، فبعث يزيد زيادَ بن المهلب على عُمان، وقال له: كاتبْ صالحًا، وإذا كتبتَ إليه فابدأ باسمه، وأخذ صالح آلَ أبي عُقيل فكان يُعذبهم، وكان يلِي عذابَهم عبدُ الملك بن المهلب. (٦/ ٥٠٦). * * * وأما أبو عُبيدة مَعمَر بن المثنى، فإنه قال - فيما حدّثت عنه: كان في الكتاب الأوّل وقيعة في يزيد بن المهلب، وذكرُ غدرِه وكفرِه وقلة شكرِه، وكان في الثاني ثناء على يزيد، وفي الثالث: لئن لم تُقرّني على ما كنتُ عليه وتؤمّنني لأخلعنك خلعَ النَّعل، ولأملأنّها عليك خَيْلًا ورِجالًا، وقال أيضًا: لما قرأ سليمانُ الكتابَ الثالث وضَعه بين مثالَين من المُثُل التي تحتَه ولم يُحِرْ في ذلك مرجوعًا. (٦/ ٥٠٨). * * * قال عليّ: وحدّثني بعضُ العَنبريين، عن أشياخ منهم، أنّ تَوْبةَ ابن أبي أسيد العَنْبري، قال: قَدِم صالح العراقَ، فوجّهني إلى قتيبة ليُطلِعني طِلْعَ ما في يده، فصَحِبَني رجل من بني أسد، فسألني عمّا خرجتُ فيه، فكاتمتُه أمري، فإنا لنسير إذا سنَحَ لنا سانح؛ فنظر إليّ رفيقي فقال: أراك في أمر جسيم

стр. 4060

وأنت تكتمني! فمضيتُ، فلما كنت بحُلوان تلقاني الناسُ بقتل قتيبة. (٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩). قال عليّ: وذكر أبو الذّيال وكُليب بن خَلَف وأبو عليّ الجُوزجانيّ عن طُفيل بن مِرْداس، وأبو الحسن الجشَميّ، ومصعَب بن حيّان عن أخيه مقاتِل بن حيّان، وأبو مخنَف وغيرهم، أن قتيبة لما همّ بالخَلْع استشار إخوتَه، فقال له عبد الرحمن: اقطع بعثًا فوجِّه فيه كلّ من تَخافه، ووجِّه قومًا إلى مَرْو، وسِر حتى تنزلَ سمَرْقند، ثم قل لمن معك: مَن أحَبّ المقام فله المواساة، ومن أراد الانصرافَ فغيْر مستكرَه ولا مَتْبوعٍ بسوء، فلا يقيم معك إلا مناصح، وقال له عبد الله: اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعِه، فليس يختلف عليك رجلان، فأخذ برأي عبد الله، فخلع سليمان، ودعا الناسَ إلى خَلْعه، فقال للناس: إني قد جمعتكم من عين التمر وفيْض البحر فضممت الأخ إلى أخيه، والولدَ إلى أبيه، وقسمتُ بينكم فيئكم، وأجَرْيت عليكم أعطِياتِكم غير مكدّرة ولا مؤخَّرة، وقد جرّبتم الوُلاةَ قَبلي؛ أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين إنّ خَراجَ خُراسان لا يقوم بمطبخي، ثمّ جاءكم أبو سعيد فدوّم بكم ثلاثَ سنينَ لا تَدْرون أفي طاعة أنتم أم في معصية! لم يَجْب فَيْئًا، ولم يَنكَأ عدوًّا، ثمّ جاءكم بنَوه بعدَه؛ يزيد، فحل تبارَى إليه النساء، وإنما خليفتُكم يزيدُ بن ثروان هَبَنّقَةُ القَيْسيّ. قال: فلم يُجبه أحد، فغَضِب فقال: لا أعزّ اللهُ من نصرْتم، والله لو اجتمعتم على عَنْز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافِلة - ولا أقول أهلَ العالية - يا أوباشَ الصَّدَقة، جمعتُكم كما تُجمَع إبلُ الصدقة من كلّ أوْب، يا معشرَ بكر بن وائل، يا أهل النفخ والكذب والبُخْل. بأيّ يومَيْكم تفخَرون؟ بيَوم حَرْبكم، أو بيوم سلمِكم! فوالله لأنا أعزّ منكم، يا أصحاب مُسيلمة، يا بني ذميم - ولا أقول تميم - يا أهل الخَوَر والقَصْف والغَدْر، كنتم تسمّون الغَدْر في الجاهلية كَيْسان، يا أصحابَ سَجاح، يا معشر عبد القيس القُساة، تبدّلتم بأبْر النَّحل أعنّةَ الخيل. يا معشر الأزْد، تبدّلتم بقُلُوس السفن أعنة الخيل الحُصُن؛ إن هذا لَبدعة في الإسلام! والأعراب، وما الأعراب! لعنةُ الله على الأعراب! يا كناسةَ المصرَيْن،

стр. 4061

جمعتُكم من منابت الشيح والقَيْصوم ومَنابت القِلقِل تركبون البَقَر والحُمُر في جزيرة ابنِ كاوانَ، حتى إذا جمعتُكم كما تُجمَع قَزَع الخريف قُلتُم كَيتَ وكَيْت! أما والله إني لابن أبيه! وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عَصْبَ السَّلمة، إنّ حَوْل الصِّلِّيان الزمْزَمة. يا أهل خُراسانَ، هل تدرون من وليُّكم؟ وليَكم يزيدُ بن ثَرْوان، كأني بأمير مزجاء، وحَكَم قد جاءكم فغلَبكم على فيئكم وأظلالِكم، إن ها هنا نارًا ارْمُوها أرْم معكم، ارُموا غرضكم الأقصى، قد استُخْلف عليكم أبو نافع ذو الوَدَعات، إنّ الشام أبٌ مَبْرور، وإن العراق أبٌ مكفور. حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنِيتكم وظِلالِ دياركم! يا أهل خُراسانَ، انسبُوني تجدوني عراقيّ الأمّ، عراقيّ الأب، عراقيّ المولد، عراقيّ الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليومَ فيما تَرَون من الأمْنِ والعافية قد فَتَح الله لكمَ البلاد، وآمن سُبُلَكم، فالظّعينة تَخرُج من مَرْوَ إلى بَلْخَ بغير جَواز، فاحمدوا الله على النعمة، وسَلوه الشكرَ والمزيدَ. قال: ثمّ نزل فدخل منزلَه، فأتاه أهلُ بيته فقالوا: ما رأيْنا كاليومِ قطّ، واللهِ ما اقتصرتَ على أهل العالية وهم شِعارُك ودِثارُك، حتى تناولتَ بَكرًا وهم أنصارُك، ثمّ لم ترض بذلك حتى تناولتَ تميمًا وهم إخوتُك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولْتَ الأزْد وهم يدك! فقال: لما تكلمتُ فلم يجبْني أحدٌ غضبت، فلم أدرِ ما قلتُ؛ إنّ أهل العالية كإبل الصَّدَقة قد جُمِعتْ من كل أوْب، وأمّا بَكْر فإنها أمَة لا تمنَع يَد لامس، وأما تميم فَجمَل أجْرَب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بَذَنَبْه، وأما الأزْد فأعلاجٌ شرارُ مَنْ خَلَق الله، لو ملكتُ أمرَهم لوسمتهم. قال: فغضب الناسُ وكَرِهوا خلْعَ سليمان، وغضبَت القبائلُ من شتْم قتيبة، فأجمَعوا على خلافه وخَلْعِه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حُضَين بن المنذر فقالوا: إنّ هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خَلْع الخليفة، وفيه فسادُ الدين والدنيا، ثمّ لم يَرضَ بذلك حتى قصّر بنا وشَتَمنا، فما تَرَى يا أبا حفص؟ وكان يُكتنَى في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كُنْيته أبو محمد - فقال لهم: حُضين: مُضَرُ بخُراسان تَعدل هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسَيْن، وهم فُرسانُ خُراسان، ولا يرَضَوْن أن يصيرَ الأمرُ في غير مُضَرَ، فإن أخرجْتموهم من الأمر أعانوا قتيبة؛ قالوا: إنه قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم، قال: لا تنظروا إلى هذا

стр. 4062

فإنهم يتعصَّبون للمُضَرّية، فانصرفوا رادِّين لرأي حُضَين، فأرادوا أن يولّوا عبدَ الله بن حَوْذان الجَهْضَميّ، فأبى، وتدافَعوها، فرجعوا إلى حُضَين، فقالوا: قد تدافَعنا الرياسة، فنحن نولّيك أمرَنا، وربيعةُ لا تخالفك، قال: لا ناقَة لي في هذا ولا جَمَل؛ قالوا: ما تَرَى؟ قال: إن جعلتمْ هذه الرياسةَ في تميم تمّ أمرُكُم، قالوا: فمَن ترى من تميم؟ قال: ما أرَى أحدًا غيرَ وكيع، فقال حيّان مولى بني شَيبان: إنّ أحدًا لا يتقلد هذا الأمْرَ فيَصلَى بحَرّه، ويَبذل دمَه، ويتعرّض للقتل، فإنْ قَدِم أميرٌ أخَذَه بما جَنَى وكان المهنأُ لغيره إلا هذا الأعرابيّ وكيع؛ فإنه مِقدام لا يُبالي ما رَكب، ولا يَنظر في عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو مَوْتور يَطلبُ قتيبةَ برياسته التي صرَفَها عنه وصيّرها لضِرار بن حُصَين بن زَيْد الفوارس بن حُصَين بن ضرار الضَّبيّ، فمشَى الناسُ بعضُهم إلى بعض سِرًّا، وقيل لقُتيبة: ليس يُفسد أمر الناس إلا حيّان. فأراد أن يغتالَه - وكان حيّانُ يلاطِف حَشَم الوُلاة فلا يُخفُون عنه شيئًا - قال: فدعا قتيبةُ رجلًا فأمرَه بقَتْل حيّان، وسمِعه بعضُ الخدم، فأتى حيّان فأخبَره، فأرسل إليه يدعُوه، فحذِر وتمارَض، وأتى الناسُ وكيعًا فسألوه أن يقوم بأمرِهم؛ فقال: نعم، وتمثّل قولَ الأشْهَب بن رُمَيلة: سأجني ما جَنَيت وإنَّ رُكْنِي ... لمعتمدٌ إلى نَضَدٍ رَكينِ قال: وبخُراسان يومئذ من المقاتِلة من أهل البَصْرة من أهل العالية تسعة آلاف، وبَكر سبعة آلاف، رئيسُهم الحضَين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضِرار بنُ حُصَين الضّبيّ، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن عُلوْان عوذيّ، والأزْد عشرة آلاف رأسُهم عبدُ الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جِهْم بن زحْر - أو عبيد الله بن عليّ - والموالي سبعة آلاف عليهم حيّان - وحيّان يقال إنه من الدّيلم، ويقال: إنه من خراسان، وإنما قيل له نبطيٌّ للكنته - فأرسل حيّان إلى وكيع: أرأيتَ إنْ كففتُ عنكَ وأعنْتُك تجعَل لي جانبَ نهرِ بَلْخ وخَراجَه ما دمتَ حيًّا، وما دمت واليًا؟ قال: نعم؛ فقال للعَجَم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدَعُوهم يقتِّل بعضُهم بعضًا؛ قالوا: نعم، فبايَعوا وكيعًا سرًّا، فأتى ضِرارُ بن حُصَين قُتيبة، فقال: إنّ الناسَ يختلفون إلى وكيع، وهم يُبايعونه - وكان وكيع يأتي منزلَ عبد الله بن مسلم الفقير فيَشرَب عنْده - فقال

стр. 4063

عبد الله: هذا يَحسُد وكيعًا، وهذا الأمرُ باطل، هذا وكيع في بيتي يَشرَب ويَسكر ويسَلح في ثِيابه؛ وهذا يَزْعم أنهم يبايعونه، قال: وجاء وكيع إلى قتيبةَ فقال: احذَرْ ضِرارًا فإني لا آمَنُه عليك، فأنزل قتيبةُ ذلك منهما على التحاسد، وتمارَض وَكيع. ثمّ إنّ قتيبةَ دسّ ضِرارَ بنَ سنان الضَّبيّ إلى وكيع فبايَعَه سرًّا، فتبيّن لقُتيبة أنّ الناس يبايعونه، فقال لِضرار: قد كنتَ صَدقْتني، قال: إني لم أخبْرك إلا بعلم، فأنزلتَ ذلك مني على الحسَد، وقد قضيتُ الذي كان عليّ، قال: صدقتَ، وأرسَل قتيبةُ إلى وكيع يَدْعوه فوجَده رسولُ قُتيبة قد طَلى على رِجْله مَغْرة، وعلى ساقه خَرَزًا وودَعًا، وعنده رجلان من زَهران يَرقِيان رجْلَه، فقال له: أحب الأميرَ، قال: قد تَرى ما بِرِجلي، فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه، قال: يقول لك: ائتني محمولًا على سَرير، قال: لا أستطيع، قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلي أحد بني وائل - وكان على شرطته - ورجل من غنيّ انطلِقا إلى وَكيع فأتِياني به. فإنْ أبى فاضرِبا عنقَه؛ ووجَّه معهما خيلًا، ويقال: كان على شُرَطه بخُراسان وَرْقاءُ بن نَصرْ الباهليّ. (٦/ ٥٠٩ - ٥١٣). قال عليّ: قال أبو الذّيال: قال: تمامة بن ناجذ العَدَوّي: أرسل قتيبة إلى وكيع مَنْ يأتيه به، فقلت: أنا آتيك به أصلَحك الله! فقال: ائتني به، فأتيتُ وَكيعًا - وقد سَبَقَ إليه الخبر أنَّ الخيل تأتيه - فلمأ رآني قال: يا ثُمامة نادِ في الناس، فناديتُ، فكان أوّل من أتاه هُرَيْم بن أبي طَحْمَةَ في ثمانية. (٦/ ٥١٣). قال: وقال الحسن بن رَشِيد الجُوزجَانيّ: أرسل قتيبة إلى وكيع، فقال هُرَيم: أنا آتِيك به، قال: فانطلق، قال: هُرَيم: فركبتُ بِرْذَوني مخافةَ أن يردّني، فأتيتُ وكيعًا وقد خرج. (٦/ ٥١٣). قال: وقال كُليب بن خَلَف: أرسل قتيبة إلى وكيع شعبةَ بن ظهير أحد بني صَخْر بن نَهشَل، فأتاه، فقال: يا بنَ ظهير: لبِّث قليلًا تلحَق الكتائب ثمّ دعا بسكين فقطع خَرزًا كان على رجْليه، ثمّ لَبِس سلاحَه، وتمثل:

стр. 4064

شُدُّوا عليَّ سُرَّتي لا تَنْقَلِف ... يومٌ لهَمْدانَ ويومٌ للصَّدِفْ وخرج وحدَه، ونظر إليه نسوةٌ فقُلن: أبو مطرّف وحدَه؛ فجاء هُريم بن أبي طَحْمة في ثمانية، فيهم عميرة البَريد بن رَبيعة العُجَيفي. (٦/ ٥١٣ - ٥١٤). قال حمزة بن إبراهيم وغيره: إن وَكِيعًا خرج فتلقّاه رجلٌ، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسَد؛ قال: ما اسمُك؟ قال: ضِرْغامة؛ قال: ابنُ مَن؟ قال: ابن لَيْث، قال: دونَك هذه الراية. (٦/ ٥١٤). قال المفضل بن محمد الضبي: ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازنيّ؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم، قالوا: فخرج وكيع وأمر غلمانَه، فقال: اذهَبوا بثقَلي إلى بني العمِّ، فقالوا: لا نَعرف موضعهم، قال: انظروا رُمْحين مجموعين أحدُهما فوقَ الآخر، فوقَهما مِخْلاة، فهمْ بنو العمّ، قال: وكان في العسكر منهم خمسمئة؛ قال: فنَادى وَكيع في الناس، فأقبَلوا أرْسالًا من كلّ وجه، فأقبلَ في الناس يقول: قَرْمٌ إذا حُمّلَ مَكروهَةً ... شدَّ الشَّراسِيفَ لها والحزيم (٦/ ٥١٤). وقال قوم: تمثل وكيع حين خرج: أنخنَ بلُقَمان بنِ عادٍ فَجُسْنَهُ ... أَرِيني سلاحي لن يَطيروا بأعزَلِ واجتمع إلى قتيبة أهل بيته، وخواصّ من أصحابه وثقاته، فيهم إياس بن بَيْهس بن عمرو، ابن عمّ قتيبة دنْيا، وعبد الله بن وألان العدويّ، وناسٌ من رهْطِه، بني وائل، وأتاه حيّان بن إياس العدويّ في عشرة، فيهم عبدُ العزيز بن الحارث، قال: وأتاه مَيْسرة الجدليّ - وكان شجاعًا - فقال: إن شئتَ أتيتُك برأسِ وكيع، فقال: قفْ مكانَك، وأمر قتيبةُ رجلًا، فقال: نادِ في الناس، أين بنو عامر؟ فنادَى: أين بنو عامر؟ فقال: محفن بن جَزْء الكلابيّ - وقد كان جَفاهم: حَيْث وضَعْتَهُم؛ قال: نادِ أذكِّركم الله والرَّحِم! فنادى محفن: أنت قطعتَها، قال: نادِ لكمُ العُتْبى، فناداه محفن أو غيره: لا أقالنا اللهُ إذًا، فقال قتيبة: يا نَفْسُ صبرًا على ما كان من ألمٍ ... إذ لم أجد لفُضول القوم أقْرانَا ودعا بعمامة كانت أمّه بعثتْ بها إليه، فاعتمّ بها، كان يعتمّ بها في الشدائد،

стр. 4065

ودعا بِبرْذَوْن له مدرّب، كان يتطيّر إليه في الزّحوف، فقرِّب إليه ليَركَبه، فجعل يقمِص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سَريره فقَعدَ عليه وقال: دعُوه؛ فإنّ هذا أمرٌ يُراد، وجاء حيّان النَّبطيّ في العَجَم، فوقف وقُتيبة واجدٌ عليه، فوقَف معه عبدُ الله بنُ مسلم، فقال عبدُ الله لحيّان: احمل على هذين الطَّرَفين, قال: لم يأنِ لذلك فغضِب عبدُ الله، وقال: ناوِلْني قَوْسي، قال حبَّان: ليس هذا يوم قوس، فأرسَل وكيع إلى حيّان: أين ما وعدَتني؟ فقال حيّانُ لابنه: إذا رأيتَني قد حوّلتُ قَلنْسُوتي، ومضيتُ نحوَ عسكرِ وكيع، فمِلْ بمن معك في العجم إليّ، فوقَف ابنُ حيّان مع العَجم، فلما حوّل حيان قَلَنْسُوتَه مالت الأعجام إلى عسكر وكيع، فكبّر أصحابُه، وبعث قتيبةُ أخاه صالحًا إلى الناس فرماه رجلٌ من بني ضَبّة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الخُرْنُوب، ويقال: بل رماه رجل من بَلْعمْ فأصاب هامَتَه - فحمِل إلى قتيبةَ ورأسُه مائل، فوُضع في مُصَلّاه، فتحوّل قتيبةُ فجلس عنده ساعة، ثمّ تحوّل إلى سَريره. (٦/ ٥١٤ - ٥١٥). قال: وقال أبو السّري الأزْدِيّ: رمى صالحًا رجلٌ من بني ضَبّة فأثقَله، وطعَنَه زياد بنُ عبد الرحمن الأزديّ، من بني شريك بن مالك. (٦/ ١٥١). * * * قال: وقال أبو مخنف: حمَل رجل من غني على الناس فرأى رجلًا مجفّفًا فشبّهه بجهْم بن زُحَر بن قيس فطَعَنه، وقال: إنَّ غنِيًّا أَهلُ عِزٍّ ومصدَقٍ ... إذا حارَبوا والناسُ مُفْتَتِنُونَا فإذا الذي طُعِن علْج، وتهايَج الناسُ، وأقبل عبدُ الرحمن بن مُسلم نحوَهم، فرماه أهلُ السوق والغَوْغاء، فقتَلوه وأحرقَ الناس موضعًا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابّه، ودنوا منه، فقاتَلَ عنه رجلٌ من باهِلَةَ من بني وائل، فقال له قتيبةُ: انْجُ بنَفْسك، فقال له: بئس ما جزيتُك إذًا، وقد أطعمتني الجَردَق، وألبسْتَني النُّرمق! قال: فدعا قتيبةُ بدابة، فأتِي ببرْذَوْن فلم يقرّ ليركبه، فقال: إنّ له لشأنًا؛ فلم يركبْه، وجلسَ وجاءَ الناسُ حتى بلغوا الفُسْطاط، فخرج إياسُ بنُ بَيْهَس، وعبدُ الله بن وألان حين بلغ الناس الفُسْطاط وتركا قُتيبة، وخرج عبدُ العزيزِ بن الحارث يطلب ابنَه عَمْرًا - أو عُمَر - فلقِيَه الطائيّ فحذِره، ووجد ابنَه فأردَفه،
следующие страницы →