← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

جمعتُكم من منابت الشيح والقَيْصوم ومَنابت القِلقِل تركبون البَقَر والحُمُر في جزيرة ابنِ كاوانَ، حتى إذا جمعتُكم كما تُجمَع قَزَع الخريف قُلتُم كَيتَ وكَيْت! أما والله إني لابن أبيه! وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عَصْبَ السَّلمة، إنّ حَوْل الصِّلِّيان الزمْزَمة. يا أهل خُراسانَ، هل تدرون من وليُّكم؟ وليَكم يزيدُ بن ثَرْوان، كأني بأمير مزجاء، وحَكَم قد جاءكم فغلَبكم على فيئكم وأظلالِكم، إن ها هنا نارًا ارْمُوها أرْم معكم، ارُموا غرضكم الأقصى، قد استُخْلف عليكم أبو نافع ذو الوَدَعات، إنّ الشام أبٌ مَبْرور، وإن العراق أبٌ مكفور. حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنِيتكم وظِلالِ دياركم! يا أهل خُراسانَ، انسبُوني تجدوني عراقيّ الأمّ، عراقيّ الأب، عراقيّ المولد، عراقيّ الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليومَ فيما تَرَون من الأمْنِ والعافية قد فَتَح الله لكمَ البلاد، وآمن سُبُلَكم، فالظّعينة تَخرُج من مَرْوَ إلى بَلْخَ بغير جَواز، فاحمدوا الله على النعمة، وسَلوه الشكرَ والمزيدَ. قال: ثمّ نزل فدخل منزلَه، فأتاه أهلُ بيته فقالوا: ما رأيْنا كاليومِ قطّ، واللهِ ما اقتصرتَ على أهل العالية وهم شِعارُك ودِثارُك، حتى تناولتَ بَكرًا وهم أنصارُك، ثمّ لم ترض بذلك حتى تناولتَ تميمًا وهم إخوتُك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولْتَ الأزْد وهم يدك! فقال: لما تكلمتُ فلم يجبْني أحدٌ غضبت، فلم أدرِ ما قلتُ؛ إنّ أهل العالية كإبل الصَّدَقة قد جُمِعتْ من كل أوْب، وأمّا بَكْر فإنها أمَة لا تمنَع يَد لامس، وأما تميم فَجمَل أجْرَب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بَذَنَبْه، وأما الأزْد فأعلاجٌ شرارُ مَنْ خَلَق الله، لو ملكتُ أمرَهم لوسمتهم. قال: فغضب الناسُ وكَرِهوا خلْعَ سليمان، وغضبَت القبائلُ من شتْم قتيبة، فأجمَعوا على خلافه وخَلْعِه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حُضَين بن المنذر فقالوا: إنّ هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خَلْع الخليفة، وفيه فسادُ الدين والدنيا، ثمّ لم يَرضَ بذلك حتى قصّر بنا وشَتَمنا، فما تَرَى يا أبا حفص؟ وكان يُكتنَى في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كُنْيته أبو محمد - فقال لهم: حُضين: مُضَرُ بخُراسان تَعدل هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسَيْن، وهم فُرسانُ خُراسان، ولا يرَضَوْن أن يصيرَ الأمرُ في غير مُضَرَ، فإن أخرجْتموهم من الأمر أعانوا قتيبة؛ قالوا: إنه قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم، قال: لا تنظروا إلى هذا

стр. 4062

فإنهم يتعصَّبون للمُضَرّية، فانصرفوا رادِّين لرأي حُضَين، فأرادوا أن يولّوا عبدَ الله بن حَوْذان الجَهْضَميّ، فأبى، وتدافَعوها، فرجعوا إلى حُضَين، فقالوا: قد تدافَعنا الرياسة، فنحن نولّيك أمرَنا، وربيعةُ لا تخالفك، قال: لا ناقَة لي في هذا ولا جَمَل؛ قالوا: ما تَرَى؟ قال: إن جعلتمْ هذه الرياسةَ في تميم تمّ أمرُكُم، قالوا: فمَن ترى من تميم؟ قال: ما أرَى أحدًا غيرَ وكيع، فقال حيّان مولى بني شَيبان: إنّ أحدًا لا يتقلد هذا الأمْرَ فيَصلَى بحَرّه، ويَبذل دمَه، ويتعرّض للقتل، فإنْ قَدِم أميرٌ أخَذَه بما جَنَى وكان المهنأُ لغيره إلا هذا الأعرابيّ وكيع؛ فإنه مِقدام لا يُبالي ما رَكب، ولا يَنظر في عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو مَوْتور يَطلبُ قتيبةَ برياسته التي صرَفَها عنه وصيّرها لضِرار بن حُصَين بن زَيْد الفوارس بن حُصَين بن ضرار الضَّبيّ، فمشَى الناسُ بعضُهم إلى بعض سِرًّا، وقيل لقُتيبة: ليس يُفسد أمر الناس إلا حيّان. فأراد أن يغتالَه - وكان حيّانُ يلاطِف حَشَم الوُلاة فلا يُخفُون عنه شيئًا - قال: فدعا قتيبةُ رجلًا فأمرَه بقَتْل حيّان، وسمِعه بعضُ الخدم، فأتى حيّان فأخبَره، فأرسل إليه يدعُوه، فحذِر وتمارَض، وأتى الناسُ وكيعًا فسألوه أن يقوم بأمرِهم؛ فقال: نعم، وتمثّل قولَ الأشْهَب بن رُمَيلة: سأجني ما جَنَيت وإنَّ رُكْنِي ... لمعتمدٌ إلى نَضَدٍ رَكينِ قال: وبخُراسان يومئذ من المقاتِلة من أهل البَصْرة من أهل العالية تسعة آلاف، وبَكر سبعة آلاف، رئيسُهم الحضَين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضِرار بنُ حُصَين الضّبيّ، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن عُلوْان عوذيّ، والأزْد عشرة آلاف رأسُهم عبدُ الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جِهْم بن زحْر - أو عبيد الله بن عليّ - والموالي سبعة آلاف عليهم حيّان - وحيّان يقال إنه من الدّيلم، ويقال: إنه من خراسان، وإنما قيل له نبطيٌّ للكنته - فأرسل حيّان إلى وكيع: أرأيتَ إنْ كففتُ عنكَ وأعنْتُك تجعَل لي جانبَ نهرِ بَلْخ وخَراجَه ما دمتَ حيًّا، وما دمت واليًا؟ قال: نعم؛ فقال للعَجَم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدَعُوهم يقتِّل بعضُهم بعضًا؛ قالوا: نعم، فبايَعوا وكيعًا سرًّا، فأتى ضِرارُ بن حُصَين قُتيبة، فقال: إنّ الناسَ يختلفون إلى وكيع، وهم يُبايعونه - وكان وكيع يأتي منزلَ عبد الله بن مسلم الفقير فيَشرَب عنْده - فقال

стр. 4063

عبد الله: هذا يَحسُد وكيعًا، وهذا الأمرُ باطل، هذا وكيع في بيتي يَشرَب ويَسكر ويسَلح في ثِيابه؛ وهذا يَزْعم أنهم يبايعونه، قال: وجاء وكيع إلى قتيبةَ فقال: احذَرْ ضِرارًا فإني لا آمَنُه عليك، فأنزل قتيبةُ ذلك منهما على التحاسد، وتمارَض وَكيع. ثمّ إنّ قتيبةَ دسّ ضِرارَ بنَ سنان الضَّبيّ إلى وكيع فبايَعَه سرًّا، فتبيّن لقُتيبة أنّ الناس يبايعونه، فقال لِضرار: قد كنتَ صَدقْتني، قال: إني لم أخبْرك إلا بعلم، فأنزلتَ ذلك مني على الحسَد، وقد قضيتُ الذي كان عليّ، قال: صدقتَ، وأرسَل قتيبةُ إلى وكيع يَدْعوه فوجَده رسولُ قُتيبة قد طَلى على رِجْله مَغْرة، وعلى ساقه خَرَزًا وودَعًا، وعنده رجلان من زَهران يَرقِيان رجْلَه، فقال له: أحب الأميرَ، قال: قد تَرى ما بِرِجلي، فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه، قال: يقول لك: ائتني محمولًا على سَرير، قال: لا أستطيع، قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلي أحد بني وائل - وكان على شرطته - ورجل من غنيّ انطلِقا إلى وَكيع فأتِياني به. فإنْ أبى فاضرِبا عنقَه؛ ووجَّه معهما خيلًا، ويقال: كان على شُرَطه بخُراسان وَرْقاءُ بن نَصرْ الباهليّ. (٦/ ٥٠٩ - ٥١٣). قال عليّ: قال أبو الذّيال: قال: تمامة بن ناجذ العَدَوّي: أرسل قتيبة إلى وكيع مَنْ يأتيه به، فقلت: أنا آتيك به أصلَحك الله! فقال: ائتني به، فأتيتُ وَكيعًا - وقد سَبَقَ إليه الخبر أنَّ الخيل تأتيه - فلمأ رآني قال: يا ثُمامة نادِ في الناس، فناديتُ، فكان أوّل من أتاه هُرَيْم بن أبي طَحْمَةَ في ثمانية. (٦/ ٥١٣). قال: وقال الحسن بن رَشِيد الجُوزجَانيّ: أرسل قتيبة إلى وكيع، فقال هُرَيم: أنا آتِيك به، قال: فانطلق، قال: هُرَيم: فركبتُ بِرْذَوني مخافةَ أن يردّني، فأتيتُ وكيعًا وقد خرج. (٦/ ٥١٣). قال: وقال كُليب بن خَلَف: أرسل قتيبة إلى وكيع شعبةَ بن ظهير أحد بني صَخْر بن نَهشَل، فأتاه، فقال: يا بنَ ظهير: لبِّث قليلًا تلحَق الكتائب ثمّ دعا بسكين فقطع خَرزًا كان على رجْليه، ثمّ لَبِس سلاحَه، وتمثل:

стр. 4064

شُدُّوا عليَّ سُرَّتي لا تَنْقَلِف ... يومٌ لهَمْدانَ ويومٌ للصَّدِفْ وخرج وحدَه، ونظر إليه نسوةٌ فقُلن: أبو مطرّف وحدَه؛ فجاء هُريم بن أبي طَحْمة في ثمانية، فيهم عميرة البَريد بن رَبيعة العُجَيفي. (٦/ ٥١٣ - ٥١٤). قال حمزة بن إبراهيم وغيره: إن وَكِيعًا خرج فتلقّاه رجلٌ، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسَد؛ قال: ما اسمُك؟ قال: ضِرْغامة؛ قال: ابنُ مَن؟ قال: ابن لَيْث، قال: دونَك هذه الراية. (٦/ ٥١٤). قال المفضل بن محمد الضبي: ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازنيّ؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم، قالوا: فخرج وكيع وأمر غلمانَه، فقال: اذهَبوا بثقَلي إلى بني العمِّ، فقالوا: لا نَعرف موضعهم، قال: انظروا رُمْحين مجموعين أحدُهما فوقَ الآخر، فوقَهما مِخْلاة، فهمْ بنو العمّ، قال: وكان في العسكر منهم خمسمئة؛ قال: فنَادى وَكيع في الناس، فأقبَلوا أرْسالًا من كلّ وجه، فأقبلَ في الناس يقول: قَرْمٌ إذا حُمّلَ مَكروهَةً ... شدَّ الشَّراسِيفَ لها والحزيم (٦/ ٥١٤). وقال قوم: تمثل وكيع حين خرج: أنخنَ بلُقَمان بنِ عادٍ فَجُسْنَهُ ... أَرِيني سلاحي لن يَطيروا بأعزَلِ واجتمع إلى قتيبة أهل بيته، وخواصّ من أصحابه وثقاته، فيهم إياس بن بَيْهس بن عمرو، ابن عمّ قتيبة دنْيا، وعبد الله بن وألان العدويّ، وناسٌ من رهْطِه، بني وائل، وأتاه حيّان بن إياس العدويّ في عشرة، فيهم عبدُ العزيز بن الحارث، قال: وأتاه مَيْسرة الجدليّ - وكان شجاعًا - فقال: إن شئتَ أتيتُك برأسِ وكيع، فقال: قفْ مكانَك، وأمر قتيبةُ رجلًا، فقال: نادِ في الناس، أين بنو عامر؟ فنادَى: أين بنو عامر؟ فقال: محفن بن جَزْء الكلابيّ - وقد كان جَفاهم: حَيْث وضَعْتَهُم؛ قال: نادِ أذكِّركم الله والرَّحِم! فنادى محفن: أنت قطعتَها، قال: نادِ لكمُ العُتْبى، فناداه محفن أو غيره: لا أقالنا اللهُ إذًا، فقال قتيبة: يا نَفْسُ صبرًا على ما كان من ألمٍ ... إذ لم أجد لفُضول القوم أقْرانَا ودعا بعمامة كانت أمّه بعثتْ بها إليه، فاعتمّ بها، كان يعتمّ بها في الشدائد،

стр. 4065

ودعا بِبرْذَوْن له مدرّب، كان يتطيّر إليه في الزّحوف، فقرِّب إليه ليَركَبه، فجعل يقمِص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سَريره فقَعدَ عليه وقال: دعُوه؛ فإنّ هذا أمرٌ يُراد، وجاء حيّان النَّبطيّ في العَجَم، فوقف وقُتيبة واجدٌ عليه، فوقَف معه عبدُ الله بنُ مسلم، فقال عبدُ الله لحيّان: احمل على هذين الطَّرَفين, قال: لم يأنِ لذلك فغضِب عبدُ الله، وقال: ناوِلْني قَوْسي، قال حبَّان: ليس هذا يوم قوس، فأرسَل وكيع إلى حيّان: أين ما وعدَتني؟ فقال حيّانُ لابنه: إذا رأيتَني قد حوّلتُ قَلنْسُوتي، ومضيتُ نحوَ عسكرِ وكيع، فمِلْ بمن معك في العجم إليّ، فوقَف ابنُ حيّان مع العَجم، فلما حوّل حيان قَلَنْسُوتَه مالت الأعجام إلى عسكر وكيع، فكبّر أصحابُه، وبعث قتيبةُ أخاه صالحًا إلى الناس فرماه رجلٌ من بني ضَبّة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الخُرْنُوب، ويقال: بل رماه رجل من بَلْعمْ فأصاب هامَتَه - فحمِل إلى قتيبةَ ورأسُه مائل، فوُضع في مُصَلّاه، فتحوّل قتيبةُ فجلس عنده ساعة، ثمّ تحوّل إلى سَريره. (٦/ ٥١٤ - ٥١٥). قال: وقال أبو السّري الأزْدِيّ: رمى صالحًا رجلٌ من بني ضَبّة فأثقَله، وطعَنَه زياد بنُ عبد الرحمن الأزديّ، من بني شريك بن مالك. (٦/ ١٥١). * * * قال: وقال أبو مخنف: حمَل رجل من غني على الناس فرأى رجلًا مجفّفًا فشبّهه بجهْم بن زُحَر بن قيس فطَعَنه، وقال: إنَّ غنِيًّا أَهلُ عِزٍّ ومصدَقٍ ... إذا حارَبوا والناسُ مُفْتَتِنُونَا فإذا الذي طُعِن علْج، وتهايَج الناسُ، وأقبل عبدُ الرحمن بن مُسلم نحوَهم، فرماه أهلُ السوق والغَوْغاء، فقتَلوه وأحرقَ الناس موضعًا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابّه، ودنوا منه، فقاتَلَ عنه رجلٌ من باهِلَةَ من بني وائل، فقال له قتيبةُ: انْجُ بنَفْسك، فقال له: بئس ما جزيتُك إذًا، وقد أطعمتني الجَردَق، وألبسْتَني النُّرمق! قال: فدعا قتيبةُ بدابة، فأتِي ببرْذَوْن فلم يقرّ ليركبه، فقال: إنّ له لشأنًا؛ فلم يركبْه، وجلسَ وجاءَ الناسُ حتى بلغوا الفُسْطاط، فخرج إياسُ بنُ بَيْهَس، وعبدُ الله بن وألان حين بلغ الناس الفُسْطاط وتركا قُتيبة، وخرج عبدُ العزيزِ بن الحارث يطلب ابنَه عَمْرًا - أو عُمَر - فلقِيَه الطائيّ فحذِره، ووجد ابنَه فأردَفه،

стр. 4066

قال: وفَطِن قتيبةُ للهَيْثم بن المنخَّل وكان ممن يعين عليه، فقال: أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كلَّ يومٍ ... فلَمَّا اشتدّ ساعِدُهُ رَمانِي قال: وقتِل معه إخوتُه عبدُ الرحمن وعبدُ الله وصالح وحُصَين وعبد الكريم، بنو مسلم، وقتِل ابنه كثير بنُ قُتيبة وناسٌ من أهل بيته، ونجا أخوه ضِرار، استنقَدَه أخوالُه، وأمّه غرّاء بنت ضِرار بن القَعْقاع بن مَعبَد بن زُرارة، وقال قوم: قُتِل عبدُ الكريم بن مسلم بقَزْوِين، وقال أبو عبيدة: قال أبو مالك: قَتلوا قتيبةَ سنة ست وتسعين، وقتِل من بني مسلم أحد عشر رجلًا، فصلَبهم وكيع، سبعة منهم لصُلب مسلم وأربعة من بني أبنائهم: قتيبةُ, وعبد الرحمن، وعبد الله الفقِير، وعبيد الله، وصالح وبشّار، ومحمَّد بَنُو مسلم، وكثير بن قتيبة، ومغلّس بن عبد الرّحمنق، ولم يَنجُ من صُلب مسلم غيرُ عمرو - وكان عامل الجوزجان - وضِرار، وكانت أمه الغَرّاء بنت ضِرار بن القَعْقاع بن مَعبد بن زُرَارة، فجاء أخوالُه فدفعوه حتى نحّوه, ففي ذلك يقول الفرزدق: عَشِيَّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّةَ أَنَّهُ ... له من سِوَانا إذ دعا أَبَوانِ وضُرب إياس بن عمرو - ابن أخي مُسلِم بن عمرو - على ترقُوَته فعاش. قال: ولما غشَى القومُ الفُسْطاط قطعوا أطنابَه، قال زهير: فقال جَهْم بن زَحْر لسعْد: انزِل، فحزّ رأسَه، وقد أثخِن جراحًا، فقال: أخاف أن تَجُولَ الخيلُ، قال: تخاف وأنا إلى جَنبَك! فنزل سعد فشق صَوْقَعةَ الفُسطاط؛ فاحتزّ رأسَه، فقال حُضَيْن بن المنذر: وإنَّ ابن سَعد وابن زَحْرٍ تَعاوَرَا ... بسيفَيهما رأسَ الهُمام المُتَوَّج عَشيَّة جئنَا بابنِ زَحْر وجِئتمُ ... بأدغَمَ مَوقُوم الذراعين دَيزَجِ أَصَمَّ غُدَانيٍّ كأنَّ جبينَه ... لطاخةُ نِقسٍ في أَدِيمٍ مَمُجمَجِ قال: فلما قتل مسلمةُ يزيدَ بن المهلب استُعملِ على خُراسانَ سعيدُ بن خُذيَنةَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فحبس عمال يزيدَ، وحَبس فيهم جَهمِ بن زَحْر الجُعفيّ، وعلى عذابه رجلٌ من باهِلَة، فقيل له: هذا قاتلُ قتيبةَ، فقتَله في العذاب، فلامه سعيدٌ، فقال: أمرْتَني أن أستخرج منه المال فعذّبته فأتى عليّ أجَلُه. قال: وسقطتْ على قتيبةَ يومَ قُتِل جاريةٌ له خُوارزميّة، فلما قُتل خرجتْ،

стр. 4067

فأخَذَها بعد ذلك يزيدُ بن المهلب، فهي أمّ خُلَيدة (١). (٦/ ٥١٥ - ٥١٧). قال عليّ: قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليَقظَان: لما قُتِل قتيبةُ صَعِد عُمارة بن جنية الرياحيّ المنبرَ فتكلم فأكثر، فقال له وكيع: دعْنا من قَذَرك وهَذَرك، ثمّ تكلّم وكيع فقال: مثلي ومَثَلُ قُتيبة كما قال الأوّل: من يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نيَّاكا أراد قتيبةُ أن يقتلَني وأنا قتّال. قد جَرَّبوني ثمّ جرّبوني ... من غلوتَيْن ومِن المِئينِ حتَّى إذا شِبتُ وشيَّبوني ... خلَّوا عِنَاني وتنكَّبُوني (٦/ ٥١٧). أنا أبو مطرّف. قال: وأخبَرنا أبو معاوية، عن طلحة بن إياس، قال: قال وكيع يوم قتِل قُتَيبة: أنا ابن خِنْدِفَ تَنْميني قَبَائِلُهَا ... للصالحات وعَمّي قَيسُ عَيلَانا ثم أخذ بلحْيته ثمّ قال: شيخٌ إذا حُمّل مَكْرُوهَةً ... شَدَّ الشراسِيفَ لها والخَزِيمْ والله لأقتلَنّ، ثم لأقتلنّ، ولأصلبنّ، ثم لأصلبنّ؛ إني والغٌ دمًا، إن مَرْزُبانكم هذا ابنُ الزانية قد أغلَى عليكم أسعارَكم، والله ليصيِّرن القفيزُ في السوق غدًا بأربعة أو لأصلّبنه، صَلّوا على نبيّكم، ثمّ نزل. (٦/ ٥١٧ - ٥١٨). قال عليّ: وأخَبَرنا المفضَّل بن محمَّد وشيخٌ من بني تميم، ومسلْمة بن محارب، قالوا: طلب وكيع رأس قُتيبة وخاتمَه، فقيل له: إن الأزْد أخذتُه، فخرج وكيع وهو يقول: دُهْ دُرَّينِ، سَعدُ القيَنِ: في أيِّ يومَيَّ مِنَ المَوتِ أَفِرّ ... أيومَ لم يُقْدَر أَمْ يومَ قُدِرْ لا خيَرَ في أحزَمِ جُيّاد القَرَعْ ... في أيِّ يومٍ لم أرعْ ولم أُرَعْ والله الذي لا إله غيرهُ لا أبرحَ حتى أوتَى بالرأس، أو يُذْهَب برأسي مع رأس

стр. 4068

قتيبة، وجاء بخَشَب فقال: إنّ هذه الخيل لا بدّ لها من فُرْسان - يتهدَّدُ بالصَّلْب - فقال له حُضَين: يا أبا مطرّف، تؤتى به فاسكن، وأتى حضينٌ الأزدَ فقال: أحمْقَى أنتم! بايَعْناه وأعطَيْناه المقَادة، وعرض نفسَه، ثم تأخذون الرأسَ! أخرجوه لعنَه الله من رأس! فجاؤوا بالرأس فقالوا: يا أبا مطرّف، إن هذا هو احتزّه، فاشكمْه؛ قال: نعم، فأعطاه ثلاثة آلاف، وبعث بالرّأس مع سَلِيط بن عبد الكريم الحنَفيّ، ورجال من القبائل وعليهم سليط، ولم يَبعث من بني تميم أحدًا. (٦/ ٥١٨). قال: قال أبو الذّيال: كان فيمن ذهب بالرأس أنيَف بن حسان أحد بني عديّ. (٦/ ٥١٨). قال أبو مخنَف: وَفَى وكيع لحيّان النّبطي، بما كان أعطاه، قال: قال خُريم بن أبي يحيى: عن أشياخ من قيس، قالوا: قال سليمان للهُذيل بن زُفَر حين وُضع رأسُ قتيبة ورؤوسُ أهل بيته بين يديه: هل ساءك هذا يا هُذيل؟ قال: لو ساءَني ساء قومًا كثيرًا؛ فكلّمه خُرَيم بن عمرو والقَعْقاع بن خُليد، فقال: ائذَن في دَفْن رؤوسهم، قال: نعم، وما أردت هذا كله (١). (٦/ ٥١٨ - ٥١٩). قال عليّ: قال أبو عبد الله السلميّ، عن يزيدَ بن سُوَيد، قال: قال رجلٌ من عَجَم أهلِ خُراسان: يا معشر العَرَب، قتلتم قتيبةَ، والله لو كان قتيبةُ منا فماتَ فينا جَعلْناه في تابوت فكُنّا نستفتح به إذا غَزَوْنا، وما صنع أحد قطّ بخُراسان ما صنع قتيبة، إلا أنه قد غَدَر، وذلك أنّ الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلُهم في الله. (٦/ ٥١٩). قال: وقال الحسن بنُ رشيد: قال الإصْبهبَذ لرَجُل: يا معشر العَرَب، قَتلتم قتيبةَ ويزيدَ وهما سيّدَا العَرَب! قال: فأيّهما كان أعظم عندكم وأهيَب؟ قال: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جُحْر به في الأرض مكبَّلًا بالحديد، ويزيد معنا في بلادنا والٍ علينا لكان قتيبةُ أهيَب في صدورنا وأعظم من يزيد. (٦/ ٥١٩). قال عليّ: قال المفضّل بن محمد الضّبيّ جاء رجل إلى قتيبة يومَ قُتِل وهو

стр. 4069

جالس، فقال: اليوم يُقتَل ملك العَرب - وكان قتيبةُ عندهم مَلِكَ العرب فقال له: اجلِس. (٦/ ٥١٩). قال: وقال كُلَيب بن خَلَف: حدّثني رجل ممن كان مع وكيع حين قتُل قتيبة، قال: أمر وكيعٌ رجُلًا فنادَى: لا يُسلَبنَّ قتيل، فمَرّ ابنَ عبيد الهَجريّ على أبي الحجر الباهليّ فسَلَبه، فبَلَغ وكيعًا فضرَب عنقَه. (٦/ ٥١٩). قال أبو عبيدة: قال عبد الله بن عمر، من تَيْم اللات: رَكِبَ وكيع ذاتَ يوم، فأتَوْه بسَكرانَ، فأمو به فقُتل، فقيل له: ليس عليه القَتْل، إنما عليه الحدّ، قال: لا أعاقِب بالسياط، ولكنّي أعاقِب بالسيف، فقال نَهار بن تَوسِعة: وكنا نُبَكِّي من البَاهِليِّ ... فهذا الغُدانيُّ شَرٌّ وشَرُّ وقال أيضًا: ولما رأَينا البَاهِليَّ ابنَ مسلمٍ ... تجَبر عَمَّمْناه عَضْبًا مُهَنَّدا وقال الفرزْدَق يَذكُر وقعةَ وكيع: ومنَّا الذي سلّ السيوفَ وشامَهَا ... عشيّةَ باب القَصر مِن فَرَغانِ عشيّةَ لم تمنَع بَنيهَا قَبيلةٌ ... بعِزّ عِراقيّ ولا بيمَانِ عشيّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّاءَ أنه ... له من سِوَانا إذ دعا أَبوانِ عشيّة لم تَسْتر هَوازِنُ عامرٍ ... ولا غَطَفانٌ عورَةَ ابنِ دُخانِ عشيَّةَ وَدَّ الناسُ أَنهمُ لنا ... عبيدٌ إذِ الجمعان يَضطَرِبانِ رأَوا جَبَلًا يَعلُو الجِبالَ إذا التقَتْ ... رؤوسُ كَبِيرَيْهِنَّ يَنتَطِحَانِ رِجالٌ على الإسلام إذْ ما تَجَالدُوا ... على الدينِ حتَّى شَاعَ كلَّ مكانِ وحتى دعا في سُورِ كلّ مَدِينةٍ ... منادٍ ينادِي فوقَها بأَذَانِ سيجزي وكيعًا بالجماعة إذْ دعا ... إليها بسيفٍ صارمٍ وبَنانِ جزاءً بأعمالِ الرجال كما جَرى ... ببَدرٍ وباليَرمُوك فيءَ جَنان وقال الفرزدق في ذلك أيضًا: أتاني ورَحْلى بالمدينةِ وقعةٌ ... لآلِ تميم أقعدت كلَّ قائِم (٦/ ٥١٩ - ٥٢٠). وقال عليّ: أخبَرَنا خرَيم بن أبي يحيى، عن بعض عمومته قال: أخبرني

стр. 4070

شيوخ من غسان قالوا: إنا لَبثنيَّة العُقاب إذ نحن برجل يشبه الفُيُوج معه عصًا وجِراب، قلنا: من أين أقبلتَ؟ قال: مِن خُراسان؛ قلنا: فهل كان بها من خبَر؟ قال: نعم، قُتل قتيبةُ بن مسلم أمْس، فتعجَّبْنا لقوله، فلما رأى إنكارَنا ذلك قال: أين ترونَني الليلةَ من إفريقيّة؟ ومضى واتبعناه على خيولنا، فإذا شيء يَسبِق الطَّرْف، وقال الطرِمّاح: لولا فوارسُ مَذْحِجَ ابنةَ مذحجٍ ... والأَزدِ زُعزعَ واستبيح العسكرُ وتقَطَّعَتْ بهم البلادُ ولم يَؤُبْ ... مِنهمْ إِلى أَهل العراقِ مُخبِّرُ واسْتَضَلَعَتْ عُقَد الجماعة وازدري ... أمرُ الخليفةِ واستُحِلَّ المنكرُ قومٌ همُ قَتَلوا قُتيبةَ عَنْوَةً ... والخيلُ جانحةٌ عليها العِثْيَرُ بالمَرجِ مرج الصِّين حيثُ تَبَيّنت ... مُضَرُ العراق مَنِ الأعَزُّ الأَكبرُ! إذْ حالفت جزعًا ربيعةُ كلها ... وتفرَّقتْ مُضَرٌ ومَن يَتَمَضَّرُ وتقَدَّمَتْ أَزدْ العِراق ومذحِجٌ ... للموتِ يَجمعُهَا أَبوها الأَكبرُ قَحطانُ تضرب رأْس كلّ مدجَّجٍ ... تحمِي بصائرَهُنَّ إذ لا تبصرُ والأزدْ تعلمُ أنّ تحتَ لوائها ... مُلكًا قُراسيَةً ومَوتٌ أَحمرُ فبِعِزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمَدٌ ... وبنا تثبّتَ في دمشقَ المنبرُ وقال عبد الرحمن بن جُمانةَ الباهليّ: كأنَّ أبَا حفص قتيبة لم يَسِرْ ... بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يَعلُ مِنبرَا ولم تخفِقِ الرايات والقومُ حَوْله ... وقوف ولم يَشَهَدْ له الناسُ عسكرَا دَعَتْهُ المنايا فاستجاب لربِّه ... وراح إلى الجَنَّاتِ عَفًّا مُطَهّرَا فما رُزِيء الإِسلامُ بعدَ محمّدِ ... بمثلِ أبي حَفْص فبَكّيه عَبْهَرا يعني أمَّ ولَد له. وقال الأصمّ بن الحجَّاج يَرثِي قتيبة: أَلمْ يأْنِ للأَحْيَاءِ أن يَعرفوا لنا ... بلى نحنُ أولَى الناسِ بالمجْدِ والفخرِ نَقُودُ تميمًا والموالي ومَذْحِجًا ... وأَزْدَ وعبد القيْسِ والحيَّ من بكرِ نقَتِّل من شئنا بعِزَّةِ مُلكنَا ... ونَجْبُرُ مَنْ شئنا على الخسف والقَسْر سليمان كم من عسكرٍ قد حَوَت لكمْ ... أسِنَّتُنَا والمُقْرَبَاتُ بنا تجري وكم من حصون قد أَبَحْنَا منيعةٍ ... ومن بلدٍ سَهْلٍ ومن جبل وعْرِ

стр. 4071

ومن بلدةٍ لم يغْزُها الناسُ قَبْلَنا ... غزَونا نَقُودُ الخيلَ شهرًا إلى شهرِ مرَنَّ على الغزو الجرور ووُقرّتْ ... على النَّفْرِ حتى ما تُهالُ من النَّفرِ وحتى لو أن النارَ شُبَّتْ وأكرِهَتْ ... على النارِ خاضَتْ في الوغى لهبَ الجمرِ تلَاعِبُ أطرافَ الأَسنَةِ والقنا ... بلبَّاتِها والموت في لجج خضْرِ بهنَّ أبَحْنَا أهلَ كلِّ مدينةٍ ... من الشرك حتى جاوزتْ مطلع الفجرِ ولو لم تُعَجّلنا المنايا لجاوزتْ ... بنا رَدْم ذي القرنين ذا الصَّخْرِ والقَطْرِ ولكنَّ آجالًا قُضِينَ ومُدَّةً ... تَناهَى إليها الطَّيّبُونَ بنو عَمرو (٦/ ٥٢٠ - ٥٢٢). ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث وفيها غزا - فيما ذكر الواقديّ - مسلمةُ بنُ عبد الملك أرضَ الرّوم، ففتح الحِصْن الذي كان فتَحه الوضاح صاحب الوضّاحيّة. وفيها غزا عمر بنُ هُبيرة الفزاريّ في البحر أرضَ الرّوم، فشتا بها. وفيها قُتِل عبد العزيز بن موسى بن نُصَير بالأندلس، وقدِم برأسه على سليمان حبيبُ بن أبي عُبيد الفِهْريّ. (٦/ ٥٢٣). ولاية يزيد بن المهلّب على خراسان وفيها ولَّى سليمانُ بنُ عبد الملك يزيدَ بن المهلَّب خُراسانَ. * ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان: وكان السبب في ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لما أفضَت الخلافةُ إليه ولى يزيد بن المهلَّب حربَ العراق والصّلاة وخرَاجها. فذَكَر هشام بنُ محمد عن أبي مخنَف، أنّ يزيد نظر لمّا ولّاه سليمانُ ما ولّاه من أمر العراق في أمر نفسه، فقال: إنّ العراق قد أخر بها الحجاجُ، وأنا اليومَ رجاءُ أهل العراق؛ ومتى قدمتُها وأخذتُ الناسَ بالخراج وعذّبتُهم عليه صرتُ مِثلَ الحجَّاج أدْخل على الناس الحربَ، وأعيدُ عليهم تلك السجون التي قد

стр. 4072

عافاهم الله منها، ومتى لم آتِ سليمانَ بمثلِ ما جاء به الحجّاج لم يقبَل مني، فأتى يزيدُ سليمان فقال: أدلّك على رجل بصير بالخَراج توليه إياه، فتكونَ أنت تأخذهُ به؟ صالح بن عبد الرّحمن، مولى بني تميم، فقال له: قد قبلنا رأيك، فأقبلَ يزيدُ إلى العراق (١). (٦/ ٥٢٣). وحدّثني عمرُ بنُ شبّة، قال: قال عليّ: كان صالح قَدِم العراق قبل قُدوم يزيدَ، فنزل واسطًا، قال عليّ: فقال عباد بن أيوب: لما قدم يزيد خرَج الناسُ يتلقَّونه، فقيل لصالح: هذا يزيد، وقد خرج الناس يتلقّونه، فلم يخرج حتى قَرُب يزيدُ من المدينة، فخرج صالحٌ، عليهُ درَّاعة ودبوسيّة صفراء صغيرة، بين يديه أربعمئة من أهل الشام، فلقي يزيدَ فسايَرَه، فلما دخل المدينةَ قال له صالح: قد فرّغت لكَ هذه الدار - فأشار له إلى دار - فنزل يزيد، ومضى صالح إلى منزله، قال: وضيّق صالحٌ على يزيدَ فلم يملّكه شيئًا، واتخذ يزيدُ ألف خوان يُطعِم الناسَ عليها، فأخذها صالح، فقال له يزيد: اكتبْ ثمنَها عليّ، واشترى متاعًا كثيرًا، وصكّ صِكاكًا إلى صالح لباعَتِها منه، فلم يُنفِذه، فرجحوا إلى يزيدَ، فغضب وقال: هذا عَمَلي بنفسي، فلم يَلبث أن جاء صالحٌ، فأوْسَع له يزيد، فجلس وقال ليزيد: ما هذه الصِّكاك؟ الخَراجُ لا يقوم لها، قد أنفذتُ لك منذ أيام صَكًّا بمئةِ ألف، وعَجلت لك أرزاقك، وسألت مالًا للجنُد، فأعطيتُك، فهذا لا يقوم له شيء، ولا يَرضَى أميرُ المؤمنين به، وتؤخذ به! فقال له يزيد: يا أبا الوليد، أجزْ هذه الصِّكاك هذه المرة، وضاحَكَه، قال: فإني أجيزُها، فلا تُكثِرنّ عليّ، قال: لا. (٦/ ٥٢٤). وأمّا أبو عُبيدة معمَر بنُ المثنى فإنه قال في ذلك: حدّثني أبو مالك أنّ وَكيع بن أبي سُود بعث بطاعته وبرأسِ قُتيبةَ إلى سليمان، فوقَع ذلك من سليمان كلَّ موقع، فجعل يزيدُ بنُ المهلب، لعبد الله بن الأهتم مئةَ ألف على أن ينقُر وكيعًا عنده، فقال: أصلَح اللهُ أمير المؤمنين! والله ما أحدٌ أوجَب شكرًا، ولا أعظَم عندي يدًا من وكيع، لقد أدرك بثَأري، وشفاني من عَدُوّي، ولكن أميرَ المؤمنين أعظمُ وأوجبُ عليّ حَقًّا، وإنّ النصيحةَ تلزَمني لأمير المؤمنين؛ إنّ

стр. 4073

وكيعًا لم يجتمع له مئة عنَان قطّ إلا حدّث نفسَه بغدرة؛ خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذًا ممن نستعين به - وكانت قيسٌ تَزعُم أن قتيبة لم يخلع - فاستعمل سليمانُ يزيد بن المهلب على حَرْب العراق، وأمَره إن أقامت قيسٌ البيّنة أن قتيبة لم يَخلَع فينزَع يدًا من طاعة، أن يُقيد وكيعًا به، فغدَر يزيدُ، فلم يُعْطِ عبدَ الله بن الأهتم ما كان ضَمِن له، ووجَّه ابنَه مخلدَ بن يزيد إلى وكيع. (٦/ ٥٢٦ - ٥٢٧). رَجْع الحديثِ إلى حديث عليّ، قال عليّ: أخبَرَنا أبو مخنف عن عثمانَ بن عمرو بن محصن، وأبو الحسن الخُراسانيّ عن الكرمانيّ، قال: وجه يزيدَ ابنَه مخلدًا إلى خُراسان فقدّم مخلَدُ عمرو بن عبد الله بن سِنان العتَكيّ، ثم الصَّنَابحيّ حين دَنَا من مَرْوَ، فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن الْقَني، فأبى، فأرسَل إليه عمرو، يا أعرابي أحمقَ جِلفًا جافيًا، انطَلِق إلى أميرك فتَلقه، وخَرَج وجوهٌ من أهل مَرْوَ يتلقَّونْ مخلَدًا، وتثاقلَ وكيعٌ عن الخروج، فأخرَجهَ عمرو الأزْديّ، فلما بلغوا مخلَدًا نزل الناس كلّهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعديّ وعبّاد بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فأنزلوهم، فلما قَدِم مروَ حبس وكيعًا فعذَّبه، وأخذ أصحابه فعذّبهم قبل قُدوم أبيه. (٦/ ٥٢٧). قال عليّ: عن كلُيب بن خلف، قال: أخبرنا إدريسُ بن حنظلة، قال: لما قَدِمَ مخلد خُراسان حَبَسني، فجاءني ابن الاهتم فقال لي: أتريد أن تَنجُوَ؟ قلت: نعم، قال: أخرج الكتبَ التي كِتَبها القَعْقاع بن خُلَيد العَبْسيّ وخُرَيم بن عمرو المرّيّ إلى قُتيبةَ في خَلْع سليمان، فقلت له: يا بنَ الأهتم، إيّاي تخدع عن ديني! قال: فدعا بطُومار وقال: إنك أحمَق، فكتب كُتُبًا عن لِسان القَعْقاع ورجال من قَيْس إلى قُتيبة، أنَّ الوليد بن عبد الملك قد مات، وسليمان باعث هذا المَزُونيّ على خُراسان فاخلَعه. فقلتُ: يا بنَ الأهتم، تُهلِك واللهِ نفسَك! والله لئن دخلتُ عليه لأعْلمنَّه أنك كتبتَها. (٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨). قال: ووَصَل يزيدَ عبد الملك بن سلام السّلُوليّ فقال: ما زال سيْبُك يا يزِيدُ بَحوبَتي ... حتَّى أتوَيتُ وجُودكُمْ لا يُنكَرُ أنتَ الرَّبيع إذا تكون خَصَاصةٌ ... عاش السَّقيِم به وعاش المُقتِرُ

стр. 4074

عمَّت سَحَابَتُهُ جَمِيعَ بِلَادِكم ... فرَوْوا وأغدَقَهُم سَحابٌ مُمطِر فسقَاك رَبكَ حَيْثُ كنتَ مَخيلةً ... ريًّا سَحائِبها تَروحُ وتُبكِر (٦/ ٥٢٩) ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية فذكر محمد بن عمر أنَّ ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى. قال: لما دنا مَسلَمة من قُسْطنْطينية أمر كلّ فارس أن يحمل على عَجْز فرسِه مُدْيين من طعام حتى يأتيَ به القُسْطَنطينية، فأمر بالطعام فألقى في ناحية مثل الجبال، ثمّ قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئًا، أغيرُوا في أرضهم، وازدرعوا، وعمِل بيوتًا من خشب، فَشَتا فيها وزرَع الناسُ، ومَكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنُّه شيء، والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات، ثمّ أكلوا من الزّرع، فأقام مَسلَمة بالقُسْطَنطينية قاهرًا لأهِلها، معه وجوهُ أهل الشام: خالد بن مَعْدان، وعبد الله بن أبي زكرياء الخُزاعيّ، ومجاهد بن جَبْر؛ حتى أتاه موتُ سليمانَ فقال القائل: تْحمِل مُدْيَيْهَا ومُدْيَيْ مَسلَمهْ (٦/ ٥٣٠) حدّثني أحمد بن زُهير، عن عليّ بن محمد، قال: لما وليَ سليمانُ غزَا الرّومِ فنزل دابِق، وقدّم مسلَمة فهابَه الرّوم، فشَخص إليُونُ من أرْمينيَة، فقال لمَسلمة: ابعث إليّ رجلًا يكلّمني، فبعث ابن هُبيرة فقال له ابنُ هبيرة: ما تعُدّون الأحمَق فيكم؟ قال: الذي يملأ بطنه من كلّ شيء يَجِده، فقال له ابن هُبَيرة: إنّا أصحاب دين، ومِنْ ديننا طاعةُ أمرائنا؛ قال: صدقت، كنا وأنتم نُقاتِل على الدين ونَغضَب له، فأما اليومَ فإنا نُقاتِل على الغلبة والمُلْك، نُعطيك عن كلّ رأس دينارًا. فرجع ابنُ هبيرة إلى الرّومِ من غده، وقال: أبى أن يَرضَى، أتيتُه وقد تغدَّى وملأ بطنه ونامَ، فانتَبَه وقد غَلب عليه البلغم، فلم يدرِ ما قلتُ.

стр. 4075

وقالت البطارقة لإليون: إن صرفت عنا مسَلَمة ملّكناك، فوَثَقوا له، فأتَى مَسلَمة فقال: قد عَلِم القومُ أنك لا تَصدقهم القتال، وأنك تُطاولهم ما دام الطعام عندَك، ولو أحرقتَ الطعامَ أعطوْا بأيديهم، فأحَرَقه، فقوي العدوّ، وضاقَ المسلمون حتى كادوا يَهلكون، فكانوا على ذلك حتى مات سليمان، قال: وكان سليمانُ بنُ عبد الملك لما نزل دابق أعطَى الله عَهْدًا ألا ينصرف حتى يدخل الجيش الذي وجهه إلى الروم القسطنطينيّة. قال: وهَلَك مَلِكُ الرّوم، فأتاه إليون فأخبَرَه، وضَمِن له أن يَدفَع إليه أرضَ الرّوم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بها، وجَمع كلّ طعام حولها وحَصَر أهلَها وأتاهم إليون فملّكوه، فكتب إلى مسلَمة يُخبره بالذي كان، ويسأله أن يُدخِل من الطعام مَا يعيش به القوم، ويُصدّقونه بأنّ أمرَهِ وأمرَ مَسلَمة واحد، وأنهم في أمان من السِّباء والخُروج من بلادهم، وأن يأذن لهم ليلَةً في حَمْل الطعام، وقد هيّأ إليون السفُن والرّجال، فأذنِ له، فما بقيَ في تلك الحظائر إلا ما لا يُذكَر؛ حُمل في ليلة، وأصبح إليون محاربًا، وقد خدعه خديعة لو كان امرأةً لعيبَ بها، فلقى الجنْد ما لم يَلْقَ جيشٌ، حتى إن كان الرجُل ليَخافُ أنْ يَخرُج من العَسكَر وحدَه، وأكَلوا الدّوابّ والجُلود وأصولَ الشجر والورَق، وكلّ شيء غير التراب، وسليمان مقيمٌ بدابِق، ونزل الشتاءُ فلم يقدر يُمِدّهم حتى هَلَك سليمان. (٦/ ٥٣٠ - ٥٣١). مبايعة سليمان لابنه أيوب ولِيًّا للعهد وفي هذه السنة بَايَع سليمانُ بنُ عبد الملك لابنهِ أيوبَ بن سليمان وجَعلَه وليّ عهدِه، فحدّثني عمرِ بن شبّة، عن عليّ بن محمد، قال: كان عبدُ الملك أخَذ على الوليد وسليمان أن يُبايعا لابن عاتِكة ولمروانَ بن عبد الملك من بعدهِ، قال: فحدّثني طارقُ بنُ المبارك، قال: ماتَ مروانُ بنُ عبدِ الملك في خلافة سليمانَ منصَرفه من مكة، فبايع سليمان حين ماتَ مَروانُ لأيوبَ، وأمسَك عن يزيدَ وتربَّص به، ورَجَا أن يهلك، فهَلَك أيّوب وهو وليّ عهده. (٦/ ٥٣١ - ٥٣٢). وفي هذه السنة - فيما زعم الواقديّ - غَزا الوليد بنُ هشام وعمرُو بنُ قيس،

стр. 4076

فأصيبَ ناسٌ من أهل إنطَاكية، وأصابَ الوليدُ أناسًا من ضَواحي الرّوم وأسَر منهم بَشَرًا كَثيرًا. (٦/ ٥٣٢). غزو جرجان وطبرستان فذكر هشامَ بن محمد عن أبي مخنَف، أنّ يزيد بن المهلب لما قدم خُراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعةً، ثم أقْبَل إلى دِهِسْتانَ وجُرْجانَ وبعث ابنه مخلَدًا على خُراسان، وجاء حتى نزل بدهستان، وكان أهلُها طائفةً من الترك فأقام عليها، وحاصَر أهلَها، معه أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الشام ووجوه أهل خُراسان والرّي، وهو في مئة ألف مُقاتل سوى المَوالِي والمَماليك والمتطوّعين، فكانوا يَخرُجون فيُقاتِلون الناسَ، فلا يُلبثهم الناسُ أن يَهزِموهم فَيدخلُون حصنَهم، ثمّ يخرجون أحيانًا فيُقاتِلون فيشتدّ قِتالهم. وكان جَهْم وجمال ابنا زَحْر من يزيد بمكان، وكان يُكرمهما، وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعْفيّ له لسان وبأس، غير أنه كان يُفسِد نفسَه بالشراب، وكان لا يُكثر غِشْيان يزيد وأهل بيته، وكأنه أيضًا حَجَزه عن ذلك ما رَأى من حُسْن أثَرهم على ابني زَحْر جَهْم وجمال، وكان إذا نادى المنادي: يا خيلَ الله ارْكبي وأبشِري كان أول فارس من أهل العسكر يبادر إلى موقِف البَأس عند الرّوع محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة، فنُودِيَ ذات يوم في الناسِ، فبدر الناس ابنُ أبي سَبْرة، فإنه لواقفٌ على تَلّ إذ مرّ به عثمانُ بنُ المفضّل، فقال له: يا بن أبي سَبْرة، ما قدرتُ علي أن أسبقَك إلى الموقِف قَطّ، فقال: وما يُغِني ذلك عني، وأنتم تُرشّحون غِلمان مِذحجِ، وتَجهلون حقّ ذوي الأسنان والتجارب والبَلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نَعدل عنك ما أنتَ له أهل. قال: وخرج الناسُ فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فحمل محمد بن أبي سَبْرة على تركيّ قد صدّ الناسَ عنه، فاختَلَفا ضربتَين، فثبتَ سيفُ التركي في بَيضة ابن أبي سبرة، وضَرَبَه ابنُ أبي سَبْرة فقتَله، ثمّ أقبل وسيفُه في يَدِه يقطرُ دَمًا، وسيفُ التركيّ في بَيضَته، فنظر الناسُ إلى أحسَن منظرَ رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السَّيْفين والبَيضة والسلاح فقال: مَن هذا؟ فقالوا: ابنُ أبي سَبْرة، فقال: لله أبوه! أيّ رجل هو لولا إسرافُه على نفسه!

стр. 4077

وخرج يزيد بعد ذلك يومًا وهو يرتادُ مكانًا يَدخُل منه على القوم، فلم يَشعُر بشيء حتى هَجم عليه جماعةٌ من الترك - وكان معه وجوه الناس وفُرسانُهم، وكان في نحو من أربعمئة، والعدوّ في نحو من أربعة آلاف- فقاتلَهم ساعةً، ثمّ قالوا ليزيد: أيّها الأمير، انصرِف ونحنُ نُقاتِل عنك، فأبَى أن يَفعَل، وغَشَى القِتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل ابن أبي سَبْرة وابنا زَحْر والحجَّاجُ بن جارية الخثعَميّ وجُل أصحابه فأحسنوا القِتال، حتى إذا أرادوا الانصراف جَعَل الحجّاجَ بن جارية على الساقة، فكان يُقاتِل مَن وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عَطِشوا فَشرِبوا، وانَصَرف عنهم العدوّ، ولم يَظفرُوا منهم بشيء، فقال سُفيان بن صفْوان الخَثْعميّ: لولا ابنُ جارِيَةَ الأغَرُّ جَبينُهُ ... لَسُقِيتَ كأْسًا مُرَّةَ المُتَجَرَّعِ وحَمَاكَ في فُرْسَانِهِ وخيُولهِ ... حتَّى وَرَدتَ الماءَ غَيْرَ مُتَعتَع ثم إنّه ألحّ عليها وأنزل الجنود من كلّ جانب حولَها، وقَطَع عنهم الموادّ، فلمّا جُهِدوا، وعَجَزوا عِن قتالِ المسلمين، واشتدّ عليهم الحصار والبلاء، بعث صُول دِهْقان دِهستان إلى يزيدَ: إني أصالحك على أن تؤمنَني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفَع إليك المدينة وما فيها وأهلها. فصالَحه، وقَبِل منه، ووَفَى له، ودَخَل المدينَة فأخذ ما كان فيها من الأموال والكُنوز ومن السَّبي شيئًا لا يُحصَى، وقتَل أربعةَ عشر ألف تُركيّ صَبْرًا، وكتَب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك. ثمّ خَرَج حتى أتى جُرْجانَ، وقد كانوا يُصالحون أهلَ الكوفة على مئة ألف، ومئتي ألف أحيانًا، وثلاثمئة ألف، وصالحوهم عليها، فلما أتاهم يزيدُ استقبلوه بالصّلح، وهابوه وزادُوه، واستخلَف عليهم رجلًا من الأزد يقال له: أسدُ بنُ عبد الله، ودخل يزيدُ إلى الإصبهبَذ في طَبَرِسْتان فكان معه الفَعَلة يَقطَعون الشَّجر، ويُصلِحون الطرق، حتى انتهوْا إليه، فنَزل به فحصَرَه وغَلَب على أرضِه، وأخذ الإصبهبذ يَعوِض على يزيدَ الصلح ويزيده على ما كان يُؤخَذ منه، فيأبَى رجاء افتتاحهَا، فبعث ذاتَ يوم أخاه أبا عُيينة في أهل المِصريْن، فأصَعد في الجَبَل إليْهم، وقد بعث الإصبهبذ إلى الدّيلم، فاستجاشَ بهم، فاقتتلو! ، فحازهم المسلمون ساعةً وكَشفوهم، وخرج رأسُ الدّيلم يَسأل المُبارَزة، فخرج

стр. 4078

إليه ابن أبي سَبْرة فقتَله، فكانت هزيمتُهم حتى انتهَى المسلمون إلى فَمِ الشَّعب؛ فذَهبَوا ليَصعَدوا فيه، وأشرَف عليهم العدوّ، يَرشُقونهم بالنشاب، ويَرمُونَهم بالحِجارة، فانهَزَم الناسُ من فَمِ الشِّعب من غير كبير قتال ولا قوّة من عدوّهم على اتباعهم وطلبِهم، وأقبلوا يَركب بعضهم بعضًا، حتى أخذوا يَتساقَطون في اللُّهوب، ويتَدهْدى الرجلُ من رأسِ الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يَعبَؤون بالشرّ شيئًا. وأقامَ يزيدُ بمكانِه على حالِه، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهلَ جُرْجان ويسألهم أن يَثبوا بأصحاب يزيد، وأن يَقطعَوِا عليه مادّته والطرق فيما بينَه وبين العرب، ويَعِدهم أن يكافِئهم على ذلك، فوثَبوا بمن كان يزيد خلّف من المسلمين، فقتلَوا منهم من قَدَروا عليه، واجتمعَ بقيَّتهم فتحصّنوا في جانب، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد، وأقام يزيدُ على الإصبهبذ في أرضه حتى صالَحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف نقدًا ومئتي ألف وأربعمئة حمار موقرة زَعْفرانًا، وأربعمئة رَجُل، على رأس كلّ رجل بُرْنُس، على البُرْنس طَيْلَسان ولجام من فضّة وسَرقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مئتي ألف درهم. ثمّ خرج منها يزِيدُ وأصحابُه كأنهم فَلّ، ولولا ما صنعَ أهلُ جُرجانَ لم يَخرج من طبَرستان حتى يَفتحها (١). (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٥). قال عليّ: قال أبو بكر الهذليّ: كان شَهْر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أن أخذَ خَريطةً، فسأله يزيدُ عنها، فأتاه بها، فدعا يزيدُ الذي رَفَع عليه فشَتَمه؛ وقال لشَهر: هي لك، قال: لا حاجةَ لي فيها، فقال القُطاميّ الكلبيّ - ويقال: سِنان بن مكمّل النّميريّ: لقد بَاعَ شَهرٌ دِينَهُ بِخَريطَةٍ ... فمن يأْمَنُ القرَّاءَ بعدَك يا شَهْرُ؟ ! أخَذْتَ به شيئًا طَفِيفًا وبِعْتَهُ ... من ابن جونبوذ إنَّ هذا هو الغَدْرُ وقال مرة النَّخْعيّ لشهْر: يابن المُهَلَّب ما أَرَدتَ إلى امرئٍ ... لولَاكَ كان كصالح القُرَّاء (٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩).

стр. 4079

قال عليّ في حديثه، عمّن ذكر خَبَر جُرْجان عنهم: وزاد فيه عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح أنّ يزيدَ بن المهلب لما صالح صولا طَمع في طَبرستان أن يفتَحها، فاعتزَم على أن يسيرَ إليها، فاستعمل عبدَ الله بن المعَمَر اليشكريّ على البياسان ودهسْتان، وخلف معه أربعة آلاف، ثم أقبل إلى أداني جُرْجان مما يلي طَبَرِستان، واستعَمَل على أندرِسْتان أسد بن عمرو - أو ابن عبد الله بن الرّبعة - وهي مما يلي طَبَرِسْتان وخَلّفه في أربعة آلاف، ودخل يزيدُ بلادَ الإصبَهْبذ، فأرسل إليه يسأله الصّلح. وأن يَخرُج من طَبَرِسْتان، فأبى يَزيدُ وَرَجا أن يفتَحها، فوجَّه أخاه أبا عُيينة من وجه، وخالدَ بن يزيد ابنه من وجه، وأبا الجَهْم الكلبيّ من وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عُيينة على الناس، فسار أبو عُيينة في أهل المِصْريْن ومعه هُرَيم بن أبي طحمة، وقال يزيد لأبي عُيينة: شاوِرْ هُرَيمًا فإنه ناصِح وأقام يزيد معسكرًا. قال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جِيلانَ وأهل الدَّيْلم، فأتَوْه فالتَقوا في سَند جبل، فانهزَم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتَهوا إلى فَم الشِّعب فدخله المسلمون، فصَعد المشركون في الجَبَل، وأتبعهم المسلمون، فرماهم العدوّ بالنّشاب والحجارة، فانهزَم أبو عُيينة والمسلمون، فركب بعضُهم بعضًا يتساقطون من الجبل، فلم يَثْبتُوا حتى انتهَوا إلى عسكر يزيدَ، وكَفّ العدوّ عن اتّباعهم، وخافَهم الإصبهبذُ، فكتب إلى المَرزبان ابن عمّ فَيروز بن قُول وهو بأقصى جُرْجان مما يلي البياسان: إنا قد قتلنا يزيد وأصحابه فاقتُلْ من في البياسان من العَرب، فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون غارُّون في منازِلهم، قد أجمَعوا على قتلِهم، فقُتِلوا جميعًا في ليلة، فأصبَح عبدُ الله بن المعمّر مقتولًا وأربعة آلاف من المسلمين لم يَنجُ منهم أحدٌ، وقُتِل من بني العمّ خَمْسون رجلًا؛ قُتِل الحسينُ بنُ عبد الرحمن وإسماعيل بن إبراهيم بن شمّاس، وكتَب إلى الإصبهبذ يأخذُ بالمَضايق والطرق. وبلغ يزيدَ قتل عبد الله بن المَعمَّر وأصحابه، فأعظَموا ذلك، وهالَهم، ففَزع يزيدُ إلى حيّان النَّبطيّ. وقال: لا يمنعْك ما كان منّي إليك من نصيحة المسلمين، قد جاءنا عن جُرجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطرق، فأعمل في الصّلح؛ قال:

стр. 4080

نعم، فأتى حيّان الإصبهبذ فقال: أنا رجلٌ منكم، وإن كان الدين قد فرَّق بيني وبينكم، فإني لكم ناصح، وأنت أحبّ إليّ من يزيد، وقد بعث يَستمدّ، وأمدادهُ منه قريبة، وإنما أصابوا منه طَرفًا، ولستُ آمَن أن يأتيك ما لا تقومُ له، فأرحْ نفسَك منه، وصالحْه فإنك إن صالَحته صيَّر حدَّه على أهل جُرجْان، بغدرهم وقتلهم مَن قتلوا، فصالَحه على سبعمئة ألف - وقال عليّ بن مُجاهد: على خمسمئة ألف - وأربعمئة وقرْ زَعفران أو قيمته من العَينْ، وأربعمئة رجل، على رجل كل بُرْنس وطَيْلَسان، ومع كلّ رجل جام فضّة وسَرَقة خَزّ وكِسوْة. ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال: ابعث من يحَمل صُلحهم الذي صالحتُهم عليه، قال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم. وكان يزيدُ قد طابتْ نفسُه على أن يُطيعهم ما سألوا، ويَرجع إلى جُرجْان فأرسَل يزيدُ من يَحمل ما صالحَهم علمِه حيَّان، وانصرف إلى جُرجْان وكان يزيدُ قد غرّم حيّانًا مئتي ألف، فخاف ألَّا يُناصِحه. والسبب الذي له أغرم حيّان فيه ما حدَّثني عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح، قال: كنتُ مؤدبًا لولَد حيّان، فدعاني فقال لي: أكتبْ كتابًا إلى مَخلَد بن يزيد - ومَخلدَ يومئذ ببَلْخَ، ويزيدُ بمَرْو - فتناولتُ القِرطْاس فقال: اكتب: مِنْ حيّتانَ مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيدَ، فغمزني مُقاتل بن حيان ألَّا تَكتُب، وأقبلَ على أبيه فقال: يا أبتِ تَكتُب إلى مخلَد وتَبدأ بنفسك! قال: نَعَم يا بنيّ، فإن لى يَرضَ لقي ما لقي قتيبة. ثمّ قال لي: اكتُب، فكتبتُ، فبعَثَ مخلَد بكتابه إلى أبيه، فأغرم يزيدُ حيّان مئتي ألف دِرهَم. (٦/ ٥٣٩ - ٥٤١). فتح جرجان وفي هذه السنة فَتَح يزيُد جُرجْان الفتحَ الآخر بعد غدرِهم بجُنده ونقضهِم العَهْد، قال عليّ: عن الرّهط الِذين ذكَر أنهم حَدّثوه بخبر جُرْجان وطَبَرِستان: ثمّ إنّ يزيد لما صالح أهل طَبَرِستان قَصَد لجرْجان، فأعطى الله عَهْدًا؛ لئن ظَفِر بهم ألَّا يقلِع عنهم، ولا يرَفع عنهم السيفَ حتى يطحن بدمائهم، ويختبزَ من ذلك الطحينِ، ويأكل منه، فلما بلغ المَرزْبانَ أنه قد صالح الإصبهبذ وتوجه إلى جُرجان، جَمعَ أصحابَه وأتى وجاه، فتحصّن فيها، وصاحبها لا يحتاج إلى عُدَّة

стр. 4081

من طعام ولا شَراب. وأقبل يزيدُ حتى نَزل عليها وهم متحصِّنون فيها، وحولها غياض فليس يُعرف لها إلَّا طريق واحد، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يَقدر منهم على شيء، ولا يَعرِف لهم مَأتى إلَّا مِن وجه واحد، فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونة ويرجعون إلى حِصْنهم، فَبيْناهُم على ذلك إذْ خرج رجلٌ من عَجم خُراسانَ كان مع يزيد يتصّيدُ ومعه شاكريّةٌ له. (٦/ ٥٤١ - ٥٤٢). وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: فخَرَج رجل من عسكره من طيّئ يتصيّد، فأبصَر وَعلًا يَرقى في الجَبَل، فاتّبعه، وقال لمن معه: قفوا مَكانكم، ووقَل في الجَبَل، يقتصّ الأثر، فما شَعر بشيء حتى هَجَم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، فخاف ألَّا يهتديَ، فجعل يُخرّق قبَاءه ويَعقد على الشجر علامات حتى وَصَل إلى أصحابه، ثم رجع إلى العسكر. ويقال: إنّ الذي كان يتصيد الهيّاج بن عبد الرحمن الأزديّ من أهل طُوس، وكانَ منْهومًا بالصيّد، فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أينم الواشجيّ صاحب شرْطة يَزيد، فمَنعوه من الدّخول، فصاح: إنّ عندي نَصيحة (١). (٦/ ٥٤٢). وقال هِشام عن أبي مخنف: جاء حتى رَفعَ ذلك إلى ابني زَحْر بن قيس، فانطلق به ابنا زَحْر حتى أدخلاه على يرْيد، فأعلمَه، فضَمن له بضمان الجُهنيّة - أمّ ولد كانت ليزيد - على شيء قد سمّاه (٢) (٦/ ٥٤٢). وقال عليّ بن محمد في حديثه عن أصحابه: فدعا به يزيد فقال: ما عندَك؟ قال: أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال؟ قال: نعم، قال: جعَالتي؟ قال: احتَكمْ، قال: أربعة آلاف؛ قال: لك دِيَة، قال: عَجِّلوا لي أربعة آلاف، ثم أنتم بعدُ من وراء الإحسان. فأمَر له بأربعة آلاف، ونَدَب الناس، فانتدب ألف وأربعمئة، فقال: الطريق لا يَحمِل هذه الجماعة لالتفاف الغياض، فاختار منهم ثلاثمئة، فوجّههم، واستعمل عليهم جَهْم بن زَحْر. (٦/ ٥٤٢). وقال بعضهم: استعملَ عليهم ابنه خالد بن يزيد، وقال له: إن غُلبتَ على الحياة فلا تُغلَبنَّ على الموت، وإياك أن أراكَ عندي منهزِمًا، وضمّ إليه جَهْم بن

стр. 4082

زَحْر، وقال يزيد للرجل الذي ندَب الناسَ معه: متَى تَصلُ إليهم؟ قال: غدًا عند العَصْر فيما بين الصّلاتين، قال: امضُوا على بركة الله؛ فإني سأجهَد على مناهضتهم غدًا عند صلاة الظهر، فساروا، فلما قارب انتصاف النهار من غدٍ أمَر يزيدُ الناس أن يُشعِلوا النارَ في حَطَب كان جمعَه في حِصارِه إياهم، فصيّره آكامًا، فأضرَموه نارًا؛ فلم تَزُل الشمس حتى صارَ حولَ عسكره أمثال الجبال، من النيران، ونَظَر العدوّ إلى النار، فهالَهم ما رأوا من كَثْرتها، فخرجوا إليهم، وأمَرَ يزيدُ الناسُ حين زالت الشمس فصلّوْا، فجمعوا بين الصّلاتين، ثمّ زحَفوا إليهم فاقتَتَلوا وسار الآخرون بقيّةَ يومهم والغد، فهَجَموا على عسكر الترك قُبَيْل العَصْر، وهم آمِنون من ذلك الوجه، ويزيدُ يُقاتِل من هذا الوجه، فما شَعروا إلَّا بالتكبير من ورائهم، فانقطَعوا جميعًا إلى حِصْنهم، ورَكِبهُم المسلمون، فأعطَوْا بِأيديهم، ونَزَلوا على حُكْم يزيدَ، فسبي ذراريَّهم، وقتّل مقاتِلتَهم، وصلبهم فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، وقاد منهم اثني عشرَ ألفًا إلى الأندرهز - وادي جرْجان - وقال: مَنْ طلبهم بثأر فليقتُل، فكان الرجلُ من المسلمين يَقتلُ الأربعة والخمسَة في الوادي، وأجرِي الماء في الوادي على الدّم، وعليه أرحاء ليطحَن بدمائهم، ولتبرّ يمينُه، فطَحَن واختَبَز وأكَل وبَنَى مدينةَ جُرْجان، وقال بعضهم: قَتَل يزيدُ من أهل جُرجان أربعين ألفًا، ولم تكن قبلَ ذلك مدينة ورَجع إلى خُراسان واستعمَل على جُرجانَ جَهْم بن زَحْر الجعفيّ (١). (٦/ ٥٤٣). وأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكَر عن أبي مخنَف أنه قال: دعا يزيد جهمَ بن زَحْر فبعث معه أربعمئة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دُلّوا عليه وقد أمَرَهم يزيدُ فقال: إذا وصَلْتم إلى المدينة فانتَظِروا، حتى إذا كان في السَّحر فكَبِّروا، ثم انطلِقوا نحوَ باب المدينة، فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها؛ فلما دخل ابن زَحْر المدينةَ أمهل حتى إذا كانت الساعةُ التي أمره يزيدُ أن يَنهضَ

стр. 4083

فيها مَشَى بأصحابه، فأخذَ لا يَستقبل من أحراسِهم أحدًا، إلَّا قتلَه، وكَبَّر، ففزع أهلُ المدينة فَزَعًا لم يَدخُلهم مِثلُه قطّ فيما مضى، فلم يَرعهم، إلَّا والمسلمون معهم في مَدينتهم يكبّرون فدُهِشوا، فألقَى اللهُ في قلوبهم الرّعب، وأقبَلوا لا يَدْرون أي يتوجّهون! غيرَ أنّ عِصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جَهْم بن زَحْر، فقَاتَلوا ساعة، فدُقت يدُ جَهْم، وصبر لهم هو وأصحابُه، فلم يُلبثوهم أنّ قتلوهم إلَّا قليلًا، وسمع يزيدُ بنُ المهلب التكبيرَ، فوَثَب في الناس إلى الباب، فوجدوهم قد شَغلَهم جَهْم بن زَحْر عن الباب، فلَم يجدْ عليه من يمنعُه ولا مَن يَدفع عنه كبير دَفع، ففتَح الباب ودخَلَها من ساعته، فأخرَج من كان فيها من المُقاتِلة، فنَصب لهم الجُذوعَ فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، فصَلَبهم أربعةَ فراسخ، وسَبَى أهلَها، وأصاب ما كان فيها (١). (٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفّي أيوب بنُ سليمانَ بن عبد الملك، فحدّثت عن عليّ بن محمد، قال: حدثنا عليّ بن مجاهد، عن شيخِ من أهل الرّيّ أدرَكَ يزيدَ، قال: أتَى يزيدُ بن المهلب الرّي حين فَرَغ من جُرْجان، فبلغه وفاةُ أيوب بن سليمان وهو يسيرُ في باغ أبي صالح على بابِ الرّي، فارتجز راجزٌ بين يَدْيه، فقال: إن يَك أَيّوبُ مَضَى لشانِهِ ... فإِنَ داودَ لفِي مَكانِهِ يقيمُ ما قدْ زَال مِنْ سُلْطَانِهِ (٦/ ٥٤٥) ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وفاة سليمان بن عبد الملك وقال عليّ: قال المفضَّل بنُ المهلَّب: دخلتُ على سليمانَ بدابِقَ يومَ جمعة، فدعا بثياب فلبسها، فلم تعجبه، فدعا بغيرها بثياب خُضْر سُوسيّة بَعَث بها يزيدُ بن المهلب، فلبسها واعتمّ وقال: يا بن المهلَّب، أعجبتْك؟ قلتُ: نعَم،

стр. 4084

فحَسَر عن ذراعَيه ثمّ قال: أنا المَلِك الفَتِيّ، فصلَّى الجُمعة، ثمّ لم يُجمّع بعدَها، وكتب وصِيّته، ودَعا ابنَ أبي نُعَيم صاحب الخاتَم فختَمه. (٦/ ٥٤٦ - ٥٤٧). قال عليّ: قال بعضُ أهل العِلم: إن سليمانَ لبس يومًا حُلة خضراء وعمامةً خضراء ونظَرَ في المرآة فقال: أنا المَلِك الفَتِيّ، فما عاشَ بعد ذلك إلَّا أسبوعًا. (٦/ ٥٤٧). قال علي: وحدّثنا سُحَيم بن حَفْص، قال: نظرتْ إلى سليمانَ جاريةٌ له يومًا، فقال: ما تنظرين؟ فقالت: أنتَ خَيْرُ المَتَاعِ لو كنتَ تبْقَى ... غيْرَ أَنْ لا بَقَاء للإنسَانِ لَيْسَ فيما عَلمْتُهُ فيكَ عَيْبٌ ... كانَ في الناس غيْرَ أَنَّكَ فان فَنَفض عمامتَه. (٦/ ٥٤٧). قال عليّ: كان قاضِي سليمانَ سليمانُ بنُ حَبيب المحاربيّ، وكان ابن أبي عُيَيْنة يُقصّ عندَه. (٦/ ٥٤٧). وحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدة، عن رُؤْبة بن العَجاج، قال: حجّ سليمان بنُ عبد الملك، وحجّ الشعراء معه، وحججتُ معهم، فلما كان بالمدينة راجعًا تَلَقّوه بنحو من أربعمئة أسير من الرُّوم، فقَعد سليمانُ، وأقرَبُهم منه مَجلسًا عبدُ الله بن الحسَن بن الحسَن بن عليّ بن أبي طالب صَلَوات الله عليهم، فقُدّمَ بِطْريقُهم فقال: يا عبدَ الله، اضرب عنُقه، فقام فما أعطاه أحدٌ سَيْفًا حتى دَفع إليه حَرسيّ سيْفه فضَرَبه فأبانَ الرأسَ، وأطنّ الساعد، وبعض الغُلّ، فقال سليمان: أما واللهِ ما من جودة السيف جادَت الضَّربة، ولكن لحَسَبِه، وجَعل يَدْفع البقيّة إلى الوجوُه وإلى الناس يقتلونهم حتى دَفَع إلى جرير رجُلًا منهم، فدلسّت إليه بنو عَبْس سَيْفًا في قِراب أبيَض، فضَرَبه فأبان رأسَه، ودُفِع إلى الفَرَزْدق أسيرٌ فلم يَجد سَيفًا، فدَسّوا له سَيْفًا ددانا مثنيًّا لا يَقطعِ فضرَب به الأسير ضَرَبات، فلم يَصنع شيئًا، فضحِك سليمانُ والقَوْم، وشمِت بالفَرزَدق بنو عَبْس أخوال سليمانَ، فألقَى السيفَ وأنشأ يقول، ويعتذر إلى سليمان، ويأتسى بنُبُوّ سَيْف وَرْقاءَ عن رأسِ خالد:

стр. 4085

إن يكُ سيفٌ خَانَ أَوْ قَدرٌ أتى ... بتأْخير نفسٍ حَتْفُها غيرُ شاهدِ فسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبَا بِيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالد كذاك سُيُوفُ الهند تَنْبُو ظُبَاتها ... وتَقطَعُ أحيانًا مَناط القلائدِ (١) وورقاء هو وَرْقاء بن زُهَير بن جَذيمة العَبْسيّ، ضربَ خالدَ بنَ جَعْفر بنِ كلاب، وخالد مُكِبٌّ على أبيه زُهَير، قد ضَرَبه بالسَّيف وصَرَعه، فأقبَل وَرْقاء بنُ زهير فَضرَب خالدًا، فلم يَصنَع شيئًا، فقال ورقاء بنُ زُهير: رأيتُ زهيرًا تحت كَلْكَل خالدٍ ... فأقبلتُ أَسعَى كالعَجُولِ أَبادِرُ فشُلَّت يميني يومَ أضْرِبُ خالدًا ... ويُحْصِنُهُ مِنِّي الحديدُ المظاهرُ وقال الفِرْزَدق في مُقامِه ذلك: أَيَعْجَبُ النّاسُ أَنْ أَضحَكتُ خَيْرَهُمُ ... خليفةَ اللهِ يُسْتَسْقَى به المطرُ فما نبَا السيفُ عن جُبْنٍ ولا دَهَشٍ ... عند الإمام ولكن أَخَّرَ القَدَرُ ولو ضربْتُ على عمرٍ ومُقَلَّدَهُ ... لخَرَّ جُثْمانُهُ ما فوقه شَعَرُ وما يُعَجِّلُ نفسًا قبلَ مِيتَتِهَا ... جمعُ اليدين ولا الصَّمْصامةُ الذَّكَرُ وقال جرير في ذلك: بسيفِ أبي رَغوَانَ سيفِ مجاشعٍ ... ضربْتَ ولم تضرب بسيف ابن ظالِم ضربتَ به عند الإِمام فأرْعِشَتْ ... يداك، وقالوا مُحدَثٌ غيرُ صارِمِ (٦/ ٥٤٧ - ٥٤٩). ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحدات التي كانت فيها فمن ذلك خروج الخارجة التي خرجتْ على عمرَ بن عبد العزيز بالعراق. * ذكر الخبر عن أمرهم: ذكر محمد بن عمرَ أنّ ابن أبي الزّناد حدّثه، قال: خرجتْ حَرُوريّة بالعراق،

стр. 4086

فكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب عامل العِراق يأمره أن يدعوهم إلى العَمَل بكتاب الله وسنّة نبيّة ﷺ ، فلما أعذَر في دعائهم بعث إليهم عبدُ الحميد جيشًا فهزمتْهم الحرورّية، فبلغ عمر، فبعث إليهم مَسلَمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهّزهم من الرّقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعلَ جيشك جيشُ السوء، وقد بعثتُ مَسلَمة بنَ عبد الملك، فخلِّ بينه وبينهم، فلقيهم مسلَمة في أهل الشام، فلم يَنْشَب أن أظهره الله عليهم. (٦/ ٥٥٥). خبر خروج شوذب الخارجي وذكر أبو عُبيدةَ مَعمَر بن المثنى أنّ الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شَوْذَب - واسمه بِسطام من بني يَشكُر - فكان مُخرَجه بجوْخَى في ثمانين فارسًا أكثرُهم من ربيعة، فكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عبد الحميد؛ ألَّا تحرّكهم إلَّا أن يسفكوا دمًا، أو يُفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحُلْ بينهم وبين ذلك، وانظر رجلًا صَليبًا حازمًا فوجِّهْه إليهم، ووجّه معه جندًا، وأوصِه بما أمرتك به، فعقد عبدُ الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البَجَليّ في ألفَيْن من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بِسْطام يدعوه ويسأله عن مُخرَجه، فقدم كتاب عمرَ عليه، وقد قدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يحرّكه ولا يهيّجه، فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجتَ غضبا لله ولنبيه، ولستَ بأولى بذلك منّي، فهلمّ أناظرْك فإن كان الحقّ بأيدينا دخَلْتَ فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرْنا في أمرنا، فلم يحرّك بسطام شيئًا، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثتُ إليك رجلين يُدارِسانك ويناظرانِك - قال أبو عُبيدة: أحد الرَّجلين اللذَين بعثهما شوذَب إلى عمر مَمْزوج مولَى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يَشكُر - قال: فيقال: أرسل نَفرًا فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين، فاختاروهما، فدخَلَا عليه فناظَراه، فقالا له: أخبِرْنا عن يزيد لِمَ تُقرّه خليفةً بعدَك؟ قال: صيَّره غيري؛ قالا: أفرأيت لو وَليت مالًا لغيرك ثُمَّ وكَلتَه إلى غير مأمون عليه، أتُراك كنتَ أدّيت الأمانة إلى من ائتمنَك! قال: فقال: أنظِراني

стр. 4087

ثلاثًا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يُخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال وأن يَخلَع يزيدَ، فدسوا إليه مَنْ سقاه سُمًّا، فلم يَلبثْ بعد خروجهما من عنده إلَّا ثلاثًا حتى مات. (٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦). وفي هذه السنة أغزَى عمرُ بن عبد العزيز الوليدَ بن هشام المُعَيْطي وعمرَو بن قيس الكِنديّ من أهل حِمص الصائفةَ. وفيها شخَصَ عمرُ بن هُبيرة الفَزاريّ إلى الجزيرة عاملًا لعمرَ عليها. (٦/ ٥٥٦). خبر القبض على يزيد بن المهلب ذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه. اختلف أهل السير في ذلك، فأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنَف أنّ عمر بن عبد العزيز لما جاء يزيدُ بن المهلب فنزل واسطًا، ثم ركب السفن يريد البَصْرة، بعث عديّ بن أرطاة إلى البصرة أميرًا، فبعث عديّ موسى بن الوجيه الحميريّ، فلحقه في نهر مَعقِل عند الجِسر، جِسر البَصرة فأوثَقه، ثمّ - بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فقَدِم به عليه موسى بن الوجيه، فدعا به عمر بن عبد العزيز - وقد كان عمر يَبغَض يزيدَ وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جَبابرة، ولا أحبّ مِثلَهم، وكان يزيد بن المهلب يَبغَض عمرَ ويقول: إني لأظنه مرائيًا، فلما ولي عمر عرف يزيدُ أن عمرَ كان من الرِّياء بعيدًا، ولما دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، فقال: كنتُ من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبتُ إلى سليمانَ لأسمّع الناسَ به، وقد علمتُ أن سليمان لم يكن ليأخذَني بشيء سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلَّا حبسَك، فاتّق الله وأدّ ما قِبَلك، فإنها حقوقُ المسلمين، ولا يَسَعُني تَركُها، فَردَّه إلى محبِسه وبعث إلى الجرّاح بن عبد الله الحَكمي فسرّحه إلى خُراسان، وأقبل مخلد بن يزيدَ من خُراسان يُعطي الناسَ، ولا يمرّ بكُورة إلَّا أعطاهم فيها أموالًا عظامًا، ثمّ خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ الله يا أمير المؤمنين صَنَع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد ابتُلينا بك، فلا تكن أشقَى الناس

стр. 4088

بولايتك، عَلَام تَحبس هذا الشيخَ! أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل، فقال عمر: لا، إلَّا أن تحمل جميعَ ما نسألُه إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنينْ، إن كانت لك بيّنة فخذْ بها، وإن لم تكن بيّنة فصدّق مقالَة يزيد، وإلا فاستحْلِفه، فإن لم يفعل فصالحه، فقال له عمر: ما أجِد إلَّا أخذَه بجميع المال، فلما خرج مخلَد قال: هذا خيرٌ عندي من أبيه، فلم يَلبَث مخلد إلَّا قليلا حتى مات، فلما أبى يزيد أن يؤدّيَ إلى عمرَ شيئًا ألبسه جُبّةً من صوف، وحمَله على جمَل، ثمَّ قال: سيروا به إلى دَهْلَك، فلما أخرج فمُرَّ به على الناس أخذ يقول: مالي عشيرة، مالي يُذهب بي إلى دَهْلَك! إنما يُذهَب إلى دَهْلَك بالفاسق المُريب الخارب، سبحان الله! أما لي عشيرة! فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخوْلانى، فقال: يا أمير المؤمنين، ارْدُدْ يزيد إلى محبسه؛ فإني أخاف إن أمضيتَه أن ينتزعه قومه؛ فإني قد رأيتُ قومَه غَضِبوا له، فردّه إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر (١). (٦/ ٥٥٦ - ٥٥٨). وأما غير أبي مخنف فإنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب، ودفعه إلى مَنْ بعين التمر من الجند، فوجّهه عديّ بن أرطاة مع وكيع بن حسان بن أبي سُود التميميّ مغلولًا مقيّدًا في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان، عرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع فانتضى سيفه، وقطع قَلْس السفينة، وأخذ سيف يزيد بن المهلب، وحلف بطَلاق امرأته ليضربنّ عنقه إن لم يتفرقوا، فناداهم يزيد بن المهلب، فأعلمهم يمين وكيع، فتفرّقوا، ومضى به حتى سلّمه إلى الجند الذين بعيْن التّمر، ورجع وكيع إلى عديّ بن أرطاة، ومضى الجند الذين بعين التّمْر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه في السجن. (٦/ ٥٥٨). عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيريّ، فكانت ولاية الجرّاح

стр. 4089

بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مئة. * ذكر سبب عزل عمر إياه: وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد عن كليب بن خلف، عن إدريس بن حنظلة، والمفضّل عن جدّه، وعليَّ بن مجاهد عن خالد بن عبد العزيز، أن يزيد بن المهلب ولّى جَهْم بن زَحْر جُرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجّه عامل العراق من العراق واليًا على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جَهْم فقيّده وقيّد رهطًا قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجرّاح بخراسان، فأطلق أهل جُرجان عاملَهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك أبنُ عمِّي لم أسوّغك هذا، فقال له جَهْم: ولولا أنك ابنُ عمي لم آتِك - وكان جهم سِلْف الجراح من قبَل ابنتي حصين بن الحارث وابن عمّه، لأنّ الحكم وجعفيّ ابنا سعد - فقال له الجرّاح: خالفتَ إمامك، وخرجت عاصيًا، فاغزُ لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك، فوجّهه إلى الخُتَّل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكِّرًا في ثلاثة، وخلَف في عسكره، ابن عمّه القاسم بن حبيب - وهو خَتَنُه على ابنته أمّ الأسود - حتى دخل على صاحب الخُتَّل فقال له: أخْلني، فأخلاه، فاعتزى، فنزل صاحب الخُتّل عن سريره وأعطاه حاجته - ويقولون: الخُتل موالي النعمان - وأصاب مغنمًا؛ فكتب الجرَّاح إلى عمر: وأوفد وفدًا، رجلين من العرب، ورجلًا من الموالي من بني ضَبَّة، ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلًا في دينه، وقال بعضهم: المولّى سعيد أخو خالد أو يزيد النحويّ، فتكلّم العربيان والآخر جالس، فقال له عمرُ: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، قال: فما يمنعك من الكلام! قال: يا أمير المؤمنين، عشرون ألفًا من الموالي يَغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذِّمة يُؤخذون بالخراج، وأميرنا عصبيّ جافٍ يقوم على منبرنا، فيقول: أتيتكم حفيًّا، وأنا اليوم عصبيّ! والله لرجلٌ من قومي أحبّ إليّ من مئة من غيرهم، وبلغ من جفائه أنّ كُمّ درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان، فقال عمر: إذًا مثلك فليوفَّد. وكتب عمر إلى الجرّاح: انظر مَنْ صلّى قِبلَك إلى القبلة، فضع عنه الجزية،

стр. 4090

فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجرّاح: إنّ الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفورًا من الجزية؛ فامتحنهم بالخِتَان. فكتب الجرّاح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدًا ﷺ داعيًا ولم يبعثه خاتنًا، وقال عمر: ابغوني رجلًا صدوقًا، أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدتَه، عليك بأبي مِجْلَز، فكتب إلى الجرّاح: أن أقبل واحمل أبا مجْلز وخلَّف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ، وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب. فخطب الجرّاح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي عليّ وعلى فرسي، لم أصب من مالكم إلَّا حلية سيفي، ولم يكن عنده إلَّا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها، فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق مَن وَصَفك بالجفاء، هلّا أقمت حتى تُفْطِرَ ثمّ تخرج! وكان الجرَّاح يقول: أنا والله عصبى عقبيّ - يريد من العصبيّة. وكان الجرّاح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قومًا قد أبطرتهم الفتنة فهم يَنزُون فيها نزوًا، أحبّ الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حقّ الله عليهم، فليس يكفّهم إلَّا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلَّا بإذنك فكتب إليه عمر: يابن أمّ الجرّاح، أنت أحرصُ على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنًا ولا معاهدًا سوطَّا إِلّا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يَعْلم خائنة الأعيُنِ وما تخْفي الصُدور، وتقرأ كتابًا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها. ولما أراد الجرّاح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفًا وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال، وقال: هي على سلفًا حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال: لأيام بقِين من شهر رمضان، وعليّ دين فاقضِه؛ قال: لو أقمت حتى تفطِر ثم خرجت قضيت عنك، فأدى عنه قومه في أعطياتهم (١). (٦/ ٥٥٨ - ٥٦٠).

стр. 4091

ثم دخلت سنة إحدى ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه * ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه: ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنَف، أن عمر بن عبد العزيز لما كُلِّم في يزيد بن المهلب حين أراد نفيَه إلى دَهْلك، وقيل له: إنا نخشى أن ينتزعه قومه، ردّه إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر، فأخذ يعمل بعد في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك، لأنه كان قد عذّب أصهاره آل أبي عُقَيْل - كانت أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف أخِي الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول - فكان يزيد بن

стр. 4092

عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعنّ منه طابقًا فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه، فأعدّوا له إبلًا؛ وكان مرض عمر في دَيْر سَمْعان، فلما اشتدّ مرض عمر أمر بإبله، فأتيَ بها، فلما تبتن له أنه قد ثقُل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذي واعدهم فيه؛ فلم يجدهم جاؤوا فجَزع أصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: أتروْنني أرجع إلى السجن! لا والله لا أرجع إليه أبدًا، ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل، فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات بن معاوية العامرية من بني البكّاء في شقّ المحمل، فمضى. فلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني والله لو علمتُ أنك تبقى ما خرجتُ من محبسي؛ ولكني لم آمن يزيدَ بن عبد الملك، فقال عمرُ: اللهمّ إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شرًّا فأكفهم شرّه، واردد كيده في نحره، ومضى يزيد بن المهلب حتى مرّ بحدث الزّقاق، وفيه الهذيل بن زُفر معه قيس، فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مرّ بهم، فأصابوا طَرَفًا من ثَقَله وغِلمة من وصفائه، فأرسل الهذيل بن زُفير في آثارهم، فردَّهم فقال: ما تطلبون؟ أخبروني، أتطلبون يزيد بن المهلّب أو أحدًا من قومه بتَبْل؟ فقالوا: لا، قال: فما تريدون؟ إنما هو رجل كان في إسار، فخاف على نفسه فهرب (١). (٦/ ٥٦٤ - ٥٦٥). وزعم الواقديّ أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر. خبر وفاة عمر بن عبد العزيز وقال بعضهم: كان له أربعون سنة: وقال هشام: توفى عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر، وكان يكنى أبا حفص، وله يقول عُويف القوافي، وقد حضره في جنازة شهدها معه: أجِبْنِي أَبا حفصٍ لَقِيتَ محمَّدًا ... على حَوْضِهِ مُسْتَبْشِرًا ورآكَا فأَنت امْرُؤٌ كِلتَا يديك مُفِيدَةٌ ... شمالكَ خيرٌ مِنْ يَمِينِ سِوَاكَا

стр. 4093

وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له: أشجّ بني أمية، وذلك أن دابة من دوابّ أبيه كانت شجّته فقيل له: أشجّ بني أميّة. (٦/ ٥٦٦). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: كنتُ أسمع ابن عمر كثيرًا يقول: ليت شعري مَنْ هذا الذي مِنْ ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلًا! (٦/ ٥٦٦). وحُدَّثت عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدَّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتِيتْ به أمه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضَمَّته إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذُله وتلومه، وتقول: ضيَّعت ابني، ولم تضمّ إليه خادمًا ولا حاضنًا يحفظه من مثل هذا! فقال لها: اسكتي يا أمّ عاصم، فطوباك إذا كان أشجّ بني أمية! (٦/ ٥٦٦). * * *

стр. 4094

ثم دخلت سنة أربع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر الوقعة بين الحرشيّ والسُّغد] ففي هذه السنة كانت وقعة الحرَشيّ بأهل السُّغْد وقتله مَنْ قتل من دهاقينها (١). ذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة: ذكر عليّ عن أصحابه أن الحرشيّ غزا في سنة أربع ومئة فقطع النهر. وعرض الناس. ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدَّبُوسيّة، ولم يجتمع إليه جنده. قال: فأمر الناس بالرّحيل، فقال له هلال بن عُليَم الحنظليّ: يا هناه، إنك وزيرًا خيرٌ منك أميرًا، الأرض حربٌ شاغرة برجْلها، ولم يجتمع لك جندُك، وقد أمرتَ بالرحيل! قال: فكيف لي؟ قال: تأمر بالنزول، ففعل. وخرج النّيلان ابن عمّ ملك فرغانة إلى الحرشيّ، وهو نازل على مُغون فقال له: إن أهل السغد بخُجَندة؛ وأخبره خبرهم وقال: عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشِّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل، فوجّه الحَرشيّ مع النيلان عبد الرحمن القشيريّ وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ في جماعة، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني عِلْجٌ لا أدري صدق أم كذب، فغزرتُ بجند من المسلمين، وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشْرُوسَنة، فصالحهم بشيء يسير، فبينا هو يتعشىّ إذ قيل له: هذا عطاءٌ الدّبُوسيّ - وكان فيمن وجهه مع القشيريّ - ففزع وسقطت ال قْمة من يده، ودعا بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحدًا؟ فقال: لا، قال: الحمد لله، وتعشّى، وأخبره بما قدم له عليه،

стр. 4095

فسار جوادًا مغذًّا، حتى لحق القشيريّ بعد ثالثة، وسارَ فلما انتهى إلى خُجَندة، قال للفضل بن بسّام: ما ترى؟ قال: أرى المعاجلة، قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجُلٌ فإلى أين يرجع! أو قتل قتيل فإلى مَن يُحمَل! ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب، فنزل فرفع الأبنية وأخذ في التأهب، فلم يخرج أحد من العدوّ، فجبَّن الناسُ الحرشيّ، وقالوا: كان هذا يُذكر بأسه بالعراق ورأيه، فلما صار بخراسان ماقَ. قال: فحمل رجلٌ من العرب، فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وقد كانوا حفروا في رَبَضهم وراء الباب الخارج خندقًا، وغطَوْه بقصب، وعَلَّوه بالتراب مكيدة، وأراد إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق. قال: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطؤوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فأخرجوا من الخندق أربعين رجُلًا، على الرّجل دِرْعان دِرْعان، وحصرهم الحرشي، ونصب عليهم المجانيق، فأرسلوا إلى ملك فَرْغانة: غدرْتَ بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال لهم: لم أغير ولا أنصركم؛ فانظروا لأنفسكم؛ فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري، فلما أيسوا من نصره طلبوا الصُّلح، وسألوا الأمان وأن يردَّهم إلى السُّغْد، فاشترط عليه أن يردّوا مَن في أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدًا، ولا يتخلّف منهم بخجنَدة أحد، فإن أحدثوا حدثًا حلّت دماؤهم. قال: وكان السَّفير فيما بينهم موسى بن مشكان مولى آل بسام، فخرج إليه كارزنج، فقال له: إنّ لي حاجة أحبّ أن تشفِّعني فيها، قال: وما هي؟ قال: أحبّ إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح ألَّا تأخذني بما جنى، فقال الحرَشيّ: ولي حاجة فاقضِها، قال: وما هي؟ قال: لا يلحقني في شرَطي ما أكره. قال: فأخرجَ الملوك والتجار من الجانب الشرقيّ، وترك أهل خُجَندة الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحَرَشيّ: ما تصنع؟ قال: أخاف عليكم معرّة الجند. قال: وعظماؤهم مع الحرشيّ في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان، فبلغ الحَرَشيّ أنهم قتلوا امرأة من نساء كنَّ في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتًا الأشتيخنيّ قتل امرأة ودفنها تحت حائط،

стр. 4096

فجحدوا فأرسل الحرشي إلى قاضي خُجَندة، فنظروا فإذا المرأة مقتولة، قال: فدعا الحرشيّ بثابت، فأرسل كارزنج غلامَه إلى باب السرادق ليأتيَه بالخبر، وسأل الحرشيّ ثابتًا وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقّن الحرشيّ أنه قتلها فقتله، فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيوب بن أبي حسان: إنِّي ضيفُك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خَلق، قال: فخذ سراويلي. قال: وهذا لا يجمل، أقتَل في سراويلاتكم! فسرّح غلامك إلى جلنج ابن أخي يجيئوني بسراويل جديد - وكان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل - فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطّعها عصائبَ، وعصبها برؤوس شاكريّته، فاعترض الناس فقتل ناسًا، ومرّ بيحيى بن حُضَين فنفحه نفحة على رجله، فلم يزل يخمَعُ منها، وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شرًّا، حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود، وكان في أيدي السُّغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومئة، ويقال: قتلوا منهم أربعين؛ قال: فأفلت منهم غلام فأخبر الحَرشيّ - ويقال: بل أتاه رجل فأخبره - فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم مَن علم علمهم، فوجد الخبر حقًّا، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم - وكان التجار أربعمئة، كان معهم مالٌ عظيم قدموا به من الصين - قال: فامتنع أهل السُّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشَب، فقتِلوا عن آخرهم، فلما كان الغد دعا الحراثين - ولم يعلموا ما صنع أصحابهم - فكان يختم في عُنق الرجل ويخرُج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف - ويقال سبعة آلاف - فأرسل جرير بن هميان والحسن بن أبي العَمَرّطة ويزيد بن أبي زينب فأحصوا أموال التجار - وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل - فاصطفى أموال السُّغد وذراريّهم، فأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن بُديَل العدويّ عديِّ الرّباب، فقال: قد وليتك المقَسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة! ، وَلِّه غيرى؛ فولّاه عبيد الله بن زهير بن حيّان العدوي، فأخرج الخمس، وقسّم الأموال؛ وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد عليه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قُطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:

стр. 4097

أقَرَّ العَيْن مَصْرَعُ كارزنجٍ ... وكشَّينٍ وما لاقى بيارُ وديْواشني وما لاقى جلنجٌ ... بِحِصْنِ خُجَنْدَ إذ دَمَروا فبارُو! ويروى: "أقرّ العين مصرع كارزنج، وكشكيش" ويقال: إن ديواشني دِهْقان أهل سَمَرْقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني. ويقال: كان على أقْبَاض خُجَندة عِلبْاء بن أحمر اليشكريَّ، فاشترى رجل منه جُونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضعٌ يده على عينه كأنه رمد، فردَّ الجُونة، وأخذ الدرهمين، فطلِب فلم يوجد. قال: وسرّح الحَرَشيّ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوانة إلى قلعة لا يُطيف بها وادي السُّغد إلَّا من وجه واحد، ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان، فوجّه سليمان بن أبي السريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ، فتلقَّوْه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيّب حتى ردَّهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودِهْقانها يقال له ديواشني. قال: فكتب إليه الحَرَشيّ فعرض عليه أن يمدّه، فأرسل إليه: ملتقانا ضيّق فسر إلى كِسّ؛ فإنا في كفاية الله إن شاء الله. فطلب الديواشني أن ينزل على حكم الحرشيّ، وأن يوجّهه مع المسيِّب بن بشر إلى الحرشيّ، فوفى له سليمان ووجّه إلى سعيد الحَرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدةً، فطلب أهل القلعة الصُّلْح بعد مسيره على ألا يعرض لمئة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويُسلمون القَلعة، فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة. قال: فبعث محمدَ بن عزيز الكنديّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ. فباعوا ما في القلعة مزايدةً، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم، وخرج الحوشيّ إلى كِسّ فصالحوه على عشرة آلاف رألس. ويقال: صالح دهقان كِسّ، واسمه ويك - على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يومًا على ألَّا يأتيه فلما فرغ من كِسّ خرج إلى رَبِنْجَن، فقتل الديواشنيّ، وصلبَه على ناووس وكتب على أهل ربنجن كتابًا بمئة إن فُقد من موضعه، وولّى نصر بن سيار قبضَ صلح كِسّ، ثم عزل سَوْرة بن الحرّ وولَّى نصر بن سيار، واستعمل سليمان بن أبي السريَّ على كِسّ، ونَسَف حربها

стр. 4098

وخراجها، وبعث برأس الديواشني إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بن أبي السريَّ إلى طخارستان. قال: وكانت خُزَار منيعة، فقال المجشّر بن مُزاحم لسعيد بن عمرو الحَرَشيّ: ألا أدلك على مَن يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى، قال: المسرْبَل بن الخرّيت بن راشد الناجيّ، فوجّهه إليها - وكان المسربل صديقًا لملكها، واسم الملك سبقرى، وكانوا يحبّون المسربل - فأخبر الملك ما صنع الحرشيّ بأهل خُجَندة وخوّفه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، قال: فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ الناس؟ قال: نصيّرهم معك في أمانك، فصالحهم فآمنوه وبلاده. قال: ورجع الحَرَشيّ إلى مَرْو ومعه سبقرى، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن يزيد الحَرَشيّ، وأمره أن يوافَيه ببرذون بن كُشانِيشاه قتل سبقرى وصلبه ومعه أمانه - ويقال: كان هذا دِهْقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أمانًا لأهل السُّغد، فحبسه الحَرَشيّ في قهندز مَرْو، فلما قدم مَرْوَ دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز: إذا سَعِيدٌ سارَ في الأَخْماسِ ... في رَهَج يَأْخذُ بالأَنفاس دارَتْ على التّرْكِ أَمَرُّ الكاسِ ... وطَارَتِ التُّرْكُ على الأَحلاسِ ولّوْا فِرارًا عُطّلَ القياسِ [٧/ ٧ - ١٢] ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبدَ الرحمن بن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال وكان سبب ذلك - فيما ذكر محمد بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن أبي يحيى - قال: خطب عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهريّ فاطمة بنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنيّ هؤلاء؛ وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه، قال: وألخ عليها وقال: والله لئن لم تفعلي لأجلدنّ أكبر بنِيك في الخمر - يعني عبد الله بن الحسن - فبينا هو كذلك؛ وكان على ديوان المدينة ابن هرمز (رجل من أهل الشام)، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودّعها، فقال:

стр. 4099

هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضّحاك، وما يتعرّض منِّي، قال: وبعثت رسولًا بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابنُ الضحاك منها، وما يتوعّدها به. قال: فقدم ابن هرمز والرّسول معًا. قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر ابن هُرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إنّ فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حمَّلتني رسالة إليك، فأخبره الخبر. قال: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أمّ لك! ألم أسألك هل من مغرّبة خبر، وهذا عندك لا تخبرنيه! قال: فاعتذر بالنسيان، قال: فأذن للرسول فأدخله، فأخذ الكتاب، فاقترأه، قال: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضّحاك! هل من رجل يُسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ. قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده: إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ وهو بالطائف: سلام عليك؛ أما بعد فإني قد ولّيتُك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرِمْه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوتَه وأنا على فراشي. قال: وأخذ البريد الكتاب، وقدِم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضحاك وقد أوجستْ نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دينار لك ولك العهد والميثاق؛ لئن أنت أخبرتني خبرَ وجهك هذا دفعتُها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثًا حتى يسير، ففعل، ثم خرج ابنُ الضحاك، فأغذّ السَّيْر حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرقّقه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كلّ حاجة تكلمت فيها هي في يديك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو والله ابن الضّحاك! فقال: والله لا أعفيه أبدًا وقد فعل ما فعل، قال: فردّه إلى المدينة إلى النَّضْريّ. قال عبد الله بن محمد: فرأيتُه في المدينة عليه جُبّة من صوف لسأل الناس،

стр. 4100

وقد عذِّب ولقي شرًّا، وقدم النَّضْريّ يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومئة. قال محمد بن عمر: حدّثني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فرْوة، عن الزّهريّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: إنك تقدم على قومِك وهم ينكرون كلّ شيء خالف فعلهم، فالزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله؛ فإنهما لا يألوانك رشدًا، قال الزهريّ: فلم يأخذ بشيء من ذلك وعادى الأنصار طرًّا، وضرب أبا بكر بن حزم ظلمًا وعدوانًا في باطل فما بقي منهم شاعر إلَّا هجاه ولا صالح إلَّا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيتُه ذليلًا (١) [٧/ ١٢ - ١٤]. وفي هذه السنة غزا الجرّاح بن عبد الله الحكَمىّ وهو أمير على أرمينيَة وأذْرَبيجان - أرض الترك ففُتح على يديه بَلَنْجَرَ وهْزم الترك وغزقهم وعامة ذرارتهم في الماء، وسبوا ما شاؤوا، وفتح الحصون التي تلي بَلنْجر وجلا عامة أهلها. وفيها ولد - فيما ذكر - أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ في شهر ربيع الآخر. وفيها دخل أبو محمد الصادق وعِدّة من أصحابه من خُراسان إلى محمد بن عليّ وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خِرْقة وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأسر حتى تدركوا ثأركم من عدوّكم. وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحَرَشيّ عن خُراسان، وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابيّ. ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيدَ بن عمرو الحَرَشيّ عن خراسان ذُكر أنّ سبب ذلك كان في موجِدة وجدَها عمر على الحَرَشيّ أمر الديواشنيّ،
следующие страницы →