← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

فجحدوا فأرسل الحرشي إلى قاضي خُجَندة، فنظروا فإذا المرأة مقتولة، قال: فدعا الحرشيّ بثابت، فأرسل كارزنج غلامَه إلى باب السرادق ليأتيَه بالخبر، وسأل الحرشيّ ثابتًا وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقّن الحرشيّ أنه قتلها فقتله، فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيوب بن أبي حسان: إنِّي ضيفُك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خَلق، قال: فخذ سراويلي. قال: وهذا لا يجمل، أقتَل في سراويلاتكم! فسرّح غلامك إلى جلنج ابن أخي يجيئوني بسراويل جديد - وكان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل - فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطّعها عصائبَ، وعصبها برؤوس شاكريّته، فاعترض الناس فقتل ناسًا، ومرّ بيحيى بن حُضَين فنفحه نفحة على رجله، فلم يزل يخمَعُ منها، وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شرًّا، حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود، وكان في أيدي السُّغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومئة، ويقال: قتلوا منهم أربعين؛ قال: فأفلت منهم غلام فأخبر الحَرشيّ - ويقال: بل أتاه رجل فأخبره - فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم مَن علم علمهم، فوجد الخبر حقًّا، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم - وكان التجار أربعمئة، كان معهم مالٌ عظيم قدموا به من الصين - قال: فامتنع أهل السُّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشَب، فقتِلوا عن آخرهم، فلما كان الغد دعا الحراثين - ولم يعلموا ما صنع أصحابهم - فكان يختم في عُنق الرجل ويخرُج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف - ويقال سبعة آلاف - فأرسل جرير بن هميان والحسن بن أبي العَمَرّطة ويزيد بن أبي زينب فأحصوا أموال التجار - وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل - فاصطفى أموال السُّغد وذراريّهم، فأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن بُديَل العدويّ عديِّ الرّباب، فقال: قد وليتك المقَسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة! ، وَلِّه غيرى؛ فولّاه عبيد الله بن زهير بن حيّان العدوي، فأخرج الخمس، وقسّم الأموال؛ وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد عليه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قُطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:

стр. 4097

أقَرَّ العَيْن مَصْرَعُ كارزنجٍ ... وكشَّينٍ وما لاقى بيارُ وديْواشني وما لاقى جلنجٌ ... بِحِصْنِ خُجَنْدَ إذ دَمَروا فبارُو! ويروى: "أقرّ العين مصرع كارزنج، وكشكيش" ويقال: إن ديواشني دِهْقان أهل سَمَرْقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني. ويقال: كان على أقْبَاض خُجَندة عِلبْاء بن أحمر اليشكريَّ، فاشترى رجل منه جُونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضعٌ يده على عينه كأنه رمد، فردَّ الجُونة، وأخذ الدرهمين، فطلِب فلم يوجد. قال: وسرّح الحَرَشيّ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوانة إلى قلعة لا يُطيف بها وادي السُّغد إلَّا من وجه واحد، ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان، فوجّه سليمان بن أبي السريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ، فتلقَّوْه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيّب حتى ردَّهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودِهْقانها يقال له ديواشني. قال: فكتب إليه الحَرَشيّ فعرض عليه أن يمدّه، فأرسل إليه: ملتقانا ضيّق فسر إلى كِسّ؛ فإنا في كفاية الله إن شاء الله. فطلب الديواشني أن ينزل على حكم الحرشيّ، وأن يوجّهه مع المسيِّب بن بشر إلى الحرشيّ، فوفى له سليمان ووجّه إلى سعيد الحَرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدةً، فطلب أهل القلعة الصُّلْح بعد مسيره على ألا يعرض لمئة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويُسلمون القَلعة، فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة. قال: فبعث محمدَ بن عزيز الكنديّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ. فباعوا ما في القلعة مزايدةً، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم، وخرج الحوشيّ إلى كِسّ فصالحوه على عشرة آلاف رألس. ويقال: صالح دهقان كِسّ، واسمه ويك - على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يومًا على ألَّا يأتيه فلما فرغ من كِسّ خرج إلى رَبِنْجَن، فقتل الديواشنيّ، وصلبَه على ناووس وكتب على أهل ربنجن كتابًا بمئة إن فُقد من موضعه، وولّى نصر بن سيار قبضَ صلح كِسّ، ثم عزل سَوْرة بن الحرّ وولَّى نصر بن سيار، واستعمل سليمان بن أبي السريَّ على كِسّ، ونَسَف حربها

стр. 4098

وخراجها، وبعث برأس الديواشني إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بن أبي السريَّ إلى طخارستان. قال: وكانت خُزَار منيعة، فقال المجشّر بن مُزاحم لسعيد بن عمرو الحَرَشيّ: ألا أدلك على مَن يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى، قال: المسرْبَل بن الخرّيت بن راشد الناجيّ، فوجّهه إليها - وكان المسربل صديقًا لملكها، واسم الملك سبقرى، وكانوا يحبّون المسربل - فأخبر الملك ما صنع الحرشيّ بأهل خُجَندة وخوّفه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، قال: فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ الناس؟ قال: نصيّرهم معك في أمانك، فصالحهم فآمنوه وبلاده. قال: ورجع الحَرَشيّ إلى مَرْو ومعه سبقرى، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن يزيد الحَرَشيّ، وأمره أن يوافَيه ببرذون بن كُشانِيشاه قتل سبقرى وصلبه ومعه أمانه - ويقال: كان هذا دِهْقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أمانًا لأهل السُّغد، فحبسه الحَرَشيّ في قهندز مَرْو، فلما قدم مَرْوَ دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز: إذا سَعِيدٌ سارَ في الأَخْماسِ ... في رَهَج يَأْخذُ بالأَنفاس دارَتْ على التّرْكِ أَمَرُّ الكاسِ ... وطَارَتِ التُّرْكُ على الأَحلاسِ ولّوْا فِرارًا عُطّلَ القياسِ [٧/ ٧ - ١٢] ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبدَ الرحمن بن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال وكان سبب ذلك - فيما ذكر محمد بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن أبي يحيى - قال: خطب عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهريّ فاطمة بنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنيّ هؤلاء؛ وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه، قال: وألخ عليها وقال: والله لئن لم تفعلي لأجلدنّ أكبر بنِيك في الخمر - يعني عبد الله بن الحسن - فبينا هو كذلك؛ وكان على ديوان المدينة ابن هرمز (رجل من أهل الشام)، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودّعها، فقال:

стр. 4099

هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضّحاك، وما يتعرّض منِّي، قال: وبعثت رسولًا بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابنُ الضحاك منها، وما يتوعّدها به. قال: فقدم ابن هرمز والرّسول معًا. قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر ابن هُرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إنّ فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حمَّلتني رسالة إليك، فأخبره الخبر. قال: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أمّ لك! ألم أسألك هل من مغرّبة خبر، وهذا عندك لا تخبرنيه! قال: فاعتذر بالنسيان، قال: فأذن للرسول فأدخله، فأخذ الكتاب، فاقترأه، قال: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضّحاك! هل من رجل يُسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ. قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده: إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ وهو بالطائف: سلام عليك؛ أما بعد فإني قد ولّيتُك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرِمْه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوتَه وأنا على فراشي. قال: وأخذ البريد الكتاب، وقدِم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضحاك وقد أوجستْ نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دينار لك ولك العهد والميثاق؛ لئن أنت أخبرتني خبرَ وجهك هذا دفعتُها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثًا حتى يسير، ففعل، ثم خرج ابنُ الضحاك، فأغذّ السَّيْر حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرقّقه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كلّ حاجة تكلمت فيها هي في يديك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو والله ابن الضّحاك! فقال: والله لا أعفيه أبدًا وقد فعل ما فعل، قال: فردّه إلى المدينة إلى النَّضْريّ. قال عبد الله بن محمد: فرأيتُه في المدينة عليه جُبّة من صوف لسأل الناس،

стр. 4100

وقد عذِّب ولقي شرًّا، وقدم النَّضْريّ يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومئة. قال محمد بن عمر: حدّثني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فرْوة، عن الزّهريّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: إنك تقدم على قومِك وهم ينكرون كلّ شيء خالف فعلهم، فالزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله؛ فإنهما لا يألوانك رشدًا، قال الزهريّ: فلم يأخذ بشيء من ذلك وعادى الأنصار طرًّا، وضرب أبا بكر بن حزم ظلمًا وعدوانًا في باطل فما بقي منهم شاعر إلَّا هجاه ولا صالح إلَّا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيتُه ذليلًا (١) [٧/ ١٢ - ١٤]. وفي هذه السنة غزا الجرّاح بن عبد الله الحكَمىّ وهو أمير على أرمينيَة وأذْرَبيجان - أرض الترك ففُتح على يديه بَلَنْجَرَ وهْزم الترك وغزقهم وعامة ذرارتهم في الماء، وسبوا ما شاؤوا، وفتح الحصون التي تلي بَلنْجر وجلا عامة أهلها. وفيها ولد - فيما ذكر - أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ في شهر ربيع الآخر. وفيها دخل أبو محمد الصادق وعِدّة من أصحابه من خُراسان إلى محمد بن عليّ وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خِرْقة وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأسر حتى تدركوا ثأركم من عدوّكم. وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحَرَشيّ عن خُراسان، وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابيّ. ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيدَ بن عمرو الحَرَشيّ عن خراسان ذُكر أنّ سبب ذلك كان في موجِدة وجدَها عمر على الحَرَشيّ أمر الديواشنيّ،

стр. 4101

وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرّسول إذا ورد العراق قال له: كيف أبو المثنَّى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنى يقول: "الأمير"، ويكثر أن يقول: قال أبو المثنَّى وفعل أبو المثنَّى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعى جُمَيل بن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحَرَشيّ، فاخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه. فقدِم جُميل، فقال له الحَرَشيّ: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين، فقيل للحرشيّ: ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلَّا ليعلم عِلْمَك، فسمَّ بِطِّيخةَ، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض، وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبلّ (١) وصحَّ فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك؛ ما يرى سعيد إلَّا أنك عامل من عماله، فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفح في بطنه النمل (٢)، وكان يقول حين عزله: لو سألني عُمر درهمًا يضعه في عينه ما أعطيمَه؛ فلما عذب أدّى، فقال له رجل: ألم تزعم أنك لا تعطيه درهمًا! قال: لا تعنّفني؛ إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أَذَينة بن كليب - أو كليب بن أذيْنة: تَصَبَّرْ أَبا يحيى فَقَدْ كنْتَ - علمَنا - ... صَبُورًا وَنَهَّاضًا بِثقْلِ المغارِمِ (٣) وقال عليّ بن محمد: إنّما غضب عليه ابنْ هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هَرَاة؛ إما عاملًا وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمرّ على الحَرَشيّ، وأتَى هَراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحَرَشيّ، فكتب الحَرَشيّ إلى عامله: أن احمل إليّ معقلًا، فحمله، فقال له الحرَشيّ: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هَراة؟ قال: أنا عامل لابن هُبيرة ولّاني كما ولاك. فضربه مئتين وحلّقه (٤). فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خُراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة، فكتب إلى الحَرَشيّ يلخِّنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللّخناء، وكتب إلى مسلم أن احمِل إليّ الحَرَشيّ مع معقِل بن عروة. فدفعه إليه، فأساء به وضيّق

стр. 4102

عليه، ثم أمره يومًا فعذّبه، وقال: اقتله بالعذاب، فلما أمسىَ ابن هُبيرة سمَر فقال: مَنْ سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال: دعوا هذا، سيّد قيس الكوْثر بن زفر، لو بوق بليلٍ لوافاه عشرون ألفًا. لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبْس - قد أمرت بقتله - فارسُها، وأما خيرُ قيس لها فعسىَ أن أكونه؛ إنه لم يعرض إليّ أمر أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلَّا جررته إليهم، فقال له أعرابيّ من بني فَزارة: ما أنت كما تقول، لو كنتَ كذلك ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل أن كُفّ عما كنتُ أمرتك به. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: لمّا هرب ابنُ هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحَرَشيّ، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قُبَيض، فعرَفه الحَرَشيّ فقال له: قُبيض؟ قال: نعم، قال: أفي السفينة أبو المثنى؟ قال: نعم، قال: فخرج إليه ابنُ هبيرة، فقال له الحرَشيّ: أبا المثنى، ما ظنُّك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلًا من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنّجاء. قال عليّ: قال أبو إسحاق بن ربيعة: لما حبس ابن هبجرة الحرَشيّ دخل عليه معقل بن عروة القُشيريّ، فقال: أصلح الله الأمير! قيَّدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براضٍ عنه؛ غير أني لم أحبّ أن تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني وبينه، قدمتُ العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إليّ ببرذون حَطِم (١) واستخفّ بأمري، وخان فعزلتُه، وقلت له: يا بن نَسْعة، فقال لي: يا بن بُسرة، فقال معقل؛ وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحَرَشيّ السجن، فقال: يابن نَسعة، أمك دخلت واشتُريت بثمانين عَنْزًا جربًا، كانت مع الرّعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها ندًّا لبنت الحارث بن عمرو بن حَرجة! وافترى عليه، فلما عُزِل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدَى الحَرشيّ على معقل بن عروة، وأقام البيّنة أنه قذفه، فقال للحَرَشيّ: اجلد، فحدّه، وقال: لولا أنّ ابن هبيرة وهّن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأتَ إلى ابن عمك وقذفتَه، فأداله الله منك، فصرتَ لا شهادةَ

стр. 4103

لك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحدّ قذف الحَرشيّ أيضًا فأمر خالد بإعادة الحدّ، فقال القاضي: لا يُحَدّ، قال: وأمّ عمر بن هبيرة بُسرة بنت حسان، عدوّية من عديّ الرِّباب (١) [٧/ ١٤ - ١٧]. قال. ثم سمر ليلة ومسلم في سَمَرِه، فتخلّف مسلم بعد السُّمَّار، وفي يد ابن هبيرة سفرْجلة، فرمى بها، وقال: أيسُرّك أن أولِّيَك خراسان؟ قال: نعم، قال: غدوة إن شاء الله، قال: فلما أصبح جلس، ودخل الناس؛ فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد، ودعا بجبلَة بن عبد الرحمن مولَى باهلة فولّاه كِرْمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولوّية! كان مسلم يطمع أن ألِي ولايةً عظيمة فأولِّيه كورة، فعُقد له على خُراسان وعقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومئة - أو ثلاث ومئة - نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقًا، فأتى دار الدوابّ فوجد الباب مغلقًا فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلَقًا، فصلى، وخرج وصيفٌ من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلِم الحَرَشيّ، وقيل له: قدم مسلم بن سعيد بن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرًا أو وزيرًا أو زائرًا؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائرًا ولا وزيرًا، فأتاه الحَرشيّ فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهارًا قتِل، فأمر بحسبه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلًا وقيّده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قَيْدًا، فأتاه حزينًا، فقال: مالك؟ فقال: أُمِرْتُ أن أزيدك قيدًا، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إنّ صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيدًا، فإن كان أمرًا ممّن فوقك فسمعًا وطاعةً، وإن كانْ رأيًا رأيته فسيرك الحَقْحقة (٢)، وتمثّل: هُمُ إن يَثقفوني يقتلوني ... ومن أَثْقَفْ فليس إلى خلود (٣)

стр. 4104

ويروى: فإما تثقَفُوني فاقتلوني ... فمَنْ أَثَقفْ فليس إلى خُلود هُمُ الأعَداءُ إن شَهدُوا وغابوا ... أولوا الأَحْقَادِ والأكَبادُ سودُ أَرِيغُوني إِرَاغَتَكُمْ فإِني ... وحَذْفَةَ كالشَجَا تحتَ الوريدِ ويروى: "أريدوني إرادتكم". قال: وبعث مسلم على كُوره رجلًا من قِبَله على حربها. قال: وكان ابنُ هبيرة حريصًا، أخذ قَهرمانًا ليزيد بِن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يَدَع منهم شريفًا إلَّا قَرَفَه (١)، فبعث أبا عبيدة العنبريّ ورجلًا يقال له خالد، وكتب إلى الحَرَشِيّ وأمره أن يدفع الذين سمَّاهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فردّ رسول ابن هُبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلمّا قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي قرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضَع عنهم فسدَتْ عليك وعليهم خراسان؛ لأنّ هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قُرِفوا بالباطل؛ إنما كان على مِهْزَم بن جابر ثلاثمئة ألف فزادوا مئة ألف فصارت أربعمئة ألف، وعامَّة من سُمّوا لك ممن كثر عليه بمنزله. فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدًا فيهم مِهْزَمَ بن جابر، فقال له مِهْزم بن جابر: أيها الأمير، إنّ الذين رُفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلَّا القليل الذي لو أخذنا به أدّيناه، فقال ابن هبيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فقال: اقرأ ما بعدها: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢)، فقال ابن هبيرة: لابُدَّ من هذا المال، قال: أما والله لئن أخذتَه لتأخذنّه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك، وليضرّن ذلك بأهل خراسان في عدَّتهم وكُراعهم وحَلْقتهم؛ ونحن في ثغر نُكابد فيه عدوًّا لا ينقضي حربهم؛ إنَّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادم

стр. 4105

التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذى تخدمُه لريح الحديد؛ وأنتم في بلادكم متفضِّلون في الرِّقاق وفي المعصفرة؛ والذين قرِفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي: وقِبَلنا قوم قدِموا علينا من كلّ فجّ عميق، فجاؤوا على الحُمُرات، فَوُلُّوا الولايات، فاقتطعوا الأموال، فهي عندهم موقَرة جمة. فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموال ممن ذَكر الوفد أنها عندهم، فلما أتى مسلمًا كتابُ ابن هبيرة أخذ أهلَ العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمرو الحارثيّ أن يعذّبهم ففعل وأخذ منهم ما فرّق عليهم. [٧/ ١٨ - ٢٠]. وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرضَ الروم؛ فبعث سرّية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعًا. وفيها غزا مسلم بهن سعيد الترك، فلم يفتح شيئًا، فقفل ثم غزا أفشِينَة (مدينة من مدائن السُّغد) بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مَرْزَت بهرام سيس فجعله المرزبان، وأنّ مسلمًا غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومئة، فهلم يفتح شيئًا وقفل، فاتّبعه الترك فلحقه، والنّاس يعبرون نهر بلْخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا، وفات يزيد بن عبد الملك، وقام هشام، وغزاء مسلم أفشين فصالَح ملكها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومئة. [٧/ ٢١]. قال عليّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال وجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قَصَبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة. ذكر بعض سيره وأموره حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: كان يزيد بن عاتكة من فِتْيانهم، فقال يومًا وقد طرب، وعنده. حَبَابة وسلّامة: دعُوني أطير، فقالت

стр. 4106

حَبابة: إلى من تَدَعُ الأمّة! فلما مات قالت سَلّامة القَسّ: لا تَلُمْنا إن خَشَعنَا ... أَو هَممْنَا بالخشوعِ (١) قد لَعَمْري بتُّ لَيلِي ... كأَخي الدَّاءِ الوَجيعِ ثم باتَ الهمُّ منِّي ... دونَ مَن لي من ضَجِيع (٢) للذي حلَّ بنا اليو ... مَ من الأَمر الفَظِيعِ كلَّما أَبصرْتُ رَبْعًا ... خاليًا فاضَتْ دُمُوعي قد خلا من سيِّدٍ كان ... لنا غيرَ مُضيعِ ثم نادت: واأمير المؤمنيناه! والشعر لبعض الأنصار. قال عليّ: حجَّ يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك فاشترى حَبابة - وكان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل بن حَنيف. فقال سليمان: هممت أن أحجر على يزيد، فردّ يزيد حَبابة فاشتراها رجل من أهل مصر، فقالت سعْدة ليزيد: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه بعد؟ قال: نعم حَبابة، فأرسلت سَعدة رجلًا فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وصنّعتها (٣) حتى ذهب عنها كَلال السفر، فأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، فقالت: يا أمير المؤمنين، أبقي شيء من الدنيا تتمناه؟ قال: ألم تسأليني عن هذا مرّة فأعلمتُك! فرفعت الستر، وقالت: هذه حَبَابة، وقامت وخلّتها عنده، فحظيت سَعْدة عند يزيد وأكرمها وحباها. وسَعدة امرأة يزيد، وهي من آل عثمان بن عفان (٤). قال عليّ عن يونس بن حبيب: إن حبابة جارية يزيد بن عبد الملك غنَّت يومًا: بين التراقي واللهَاةِ حرَارَةٌ ... ما تطمئنّ ومَا تسُوغُ فتَبرُدُ

стр. 4107

فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجةً، فمرضت وثقِلت (١)، فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال: لئن تَسلُ عنكِ النفسُ أو تَذهَل الهوى ... فباليأْس يَسلُو القلب لا بالتَّجلّدِ وسمع جارية لها تتمثل: كفى حَزَنًا بالهائمِ الصَّبّ أن يرَى ... منازل مَن يهَوَى مُعطَّلَةً قَفرَا فكان يتمثّل بهذا. قال عمر: قال عليّ: مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حَبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس؛ أشار عليه بذلك مَسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناس (٢). [٧/ ٢٢ - ٢٤]. * * *

стр. 4108

خلافة هشام بن عبد الملك وأمّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت حمقاء، أمرها أهلها ألَّا تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثنِي الوسائد وتركب الوِسادة وتزجرها كأنها دابّة، وتشتري الكُنْدُر (١) فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمّت كل تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة؛ فطلقها عبد الملك لحمقها. وسار عبد الملك إلى مُصعب ففتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسمّاه منصورًا، يتفاءل بذلك، وسمَّته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، وكان هشام يكنى أبا الوليد. وذكر محمد بن عمر عمّن حدَّثه أنّ الخلافة أتت هشامًا وهو بالزيتونة في منزله في دُويرة له هناك. قال محمد بن عمر: وقد رأيتها صغيرة، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلّم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرُّصافة حتى أتى دمشق. وفي هذه السنة قدِم بكيْر بن ماهان من السّند - وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانًا له - فلما عُزل الجنيد بن عبد الرحمن، قدم الكوفة ومعه أربع لبِنات من فضة ولبِنة من ذهب، فلقي أبا عكْرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالمًا الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبِل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم، ودخل إلى محمد بن عليّ، ومات ميسرة فوجه محمد بن عليّ بُكَير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه (٢).

стр. 4109

وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، والنضريّ على المدينة. قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن محمد بن شُرحبيل عن أبيه، قال: كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حجّ، فأرسل إلى عطاء بن [أبي] رباح متى أخطب بمكة؟ قال: بعد الظهر، قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرتُه إلَّا بعد الظهر، قال: فاستحيا إبراهيم بن هشام يومئذ، وعدُّوه منه جهلًا. [٧/ ٢٥ - ٢٦]. ذكر محمد بن سلام الجُمحيّ، عن عبد القاهر بن السريّ، عن عمر بن يزيد بن عمير الأسيّديّ (١) قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده خالد بن عبد الله القسرِيّ، وهو يذكر طاعة أهل اليمن، قال: فصفّقت تصفيقةً بيدي دقّ الهواء مضها، فقلت: تالله ما رأيتُ هكذا خطأ ولا مثله خَطَلًا! والله ما فتحَتْ فتنة في الإسلام إلَّا بأهل اليمن، هم قتلوا أميرَ المؤمنين عثمان، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإنّ سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب. قال: فلما قمت تبعني رجلٌ من آل مروان كان حاضرًا، فقال: يا أخا بني تميم، ورتْ بك زِنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين مولٍّ خالدًا العراق، وليست لك بدار. [٧/ ٢٦]. ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأَحداث حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنِي عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، قال: مات سالم بن عبد الله سنة خمس ومئة في عقب ذي الحجة، فصلى كليه هشام بن عبد الملك بالبَقيع، فرأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر جالسًا عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا

стр. 4110

دُرّاعة، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام إليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قال: بخير، قال: إني أحبّ والله أن يجعلكم بخير. ورأى في الناس كثرة، فضرب عليهم بعث أربعة آلاف؛ فسمّى عام الأربعة الآلاف. وفيها استقضى إبراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجُمحيّ ثم عزله، واستقضى الصَّلت الكنديّ. [ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعة] (١) وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبَرُوقان من أرض بلْخ. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة: وكان سبب ذلك - فيما قيل - أنّ مسلم بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ الناس عنه، وكان ممَّن تباطأ عنه البخْتَريّ بن درهم، فلما أتى النّهر ردّ نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ وأبا حفص بن وائل الحنظليّ وعُقبة بن شهاب المازنيّ وسالم بن ذؤابة إلى بلْخ، وعليهم جميعًا نصْر بن سيار، وأمرهم أن يخرِجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البَخْتَريّ وزياد بن طريف الباهليّ، فمنعهم عمرو بن مسلم من دخول بلْخ - وكان عليها - وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البَرُوقان، فأتاه أهل صَغَانِيَان، وأتاه مسلمة العُقْفاني من بني تميم، وحسان بن خالد الأسديّ، كلّ واحد منهما في خمسمئة، وأتاه سنان الأعرابيّ وزُرْعة بن علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميريّ في أهل بيته، وتجمّعت بكْر والأزد بالبَرُوقان، رأسهم البختريّ، وعسكر بالبَرُوقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصْر إلى أهل بلْخ: قد أخذتم أعطياتكم فالحقوا بأميركم، فقد قطع النّهر، فخرجت مُضَر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزْد إلى عمرو بن مسلم، وقال قوم من ربيعة: إنّ

стр. 4111

مسلم بن سعيد يريد أن يخلع؛ فهو يكرهنا على الخروج، فأرسلت تَغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه شعرًا قاله رجل عزا باهلة إلى تَغْلِب (١) - وكان بنو قتيبة من بَاهلة - فقالوا: إنّا من تغلِب، فكرهتْ بكْر أن يكونوا في تَغلب فتكثر تغلِب، فقال رجل منهم: زَعمَتْ قتيبةُ أنها مِنْ وَائِل ... نسَبٌ بعيدٌ يا قتيبةُ فاصْعَدِي وذكر أن بني مَعن من الأزد يُدْعَوْن باهلة، وذكر عن شريك بن أبي قيلة المعنى أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بني معْن، فيقول: لئن لم نكن منكم ما نحن بعرب؛ وقال عمرو بن مسلم حين عَزاه التّغلبَيّ إلى بني تغلِب: ويزيد بن المفضل الحُدّانيّ، وكلما نصرًا وناشداه فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختريّ على نصر، ونادوا: يالَ بكر! وجالوا، وكرّ نصر عليهم؛ فكان أوّلَ قتيل رجلٌ من باهلة، ومع عمرو بن مسلم البحتريُّ وزياد بن طَريف الباهليّ فقتِل من أصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلًا، وقتِل كردان أخو الفُرافِصَة ومَسْعدة ورجل من بكر بن وائل يقال له إسحاق، سوى مَن قتل في السكك، وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر: ابعث إلى بلْعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال: خذْ لي أمانًا منه، فآمنه نصر، وقال: لولا أني أُشمِت بك بكر بن وائل لقتلتك. وقيل: أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة، فأتوا به نصرًا في عُنقه حَبْل، فآمنه نصر، وقال له ولزياد بن طريف والبختريّ بن دِرْهَم: الحقوا بأميركم. وقيل: بل التقى نصر وعمرو بالبرُوقان، فقتِل من بكر بن وائل واليمن ثلاثون، فقالت بكر: علام نقاتل إخواننا أميرنا، وقد تقرّبنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا، وقاتلت الأزْد، ثم انهزموا ودخلوا حصنًا فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم والبختريَّ أحد بني عبَّاد وزياد بن طريف الباهليَّ، فضربهم نصر مئة مئة، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم المُسوح. وقيل: أخذ البَختريّ في غيضة كان دخلها، فقال نصر في يوم البرُوقان: أرَى العينَ لجَّتْ في ابتدارٍ وما الذي ... يَرُدّ عليها بالدموعِ ابتدارُها!

стр. 4112

فما أَنا بالواني إذا الحربُ شَمَّرَتْ ... تَحَرَّقُ في شَطْرِ الخميسَين نارُها ولكنَّني أَدعو لها خِندِفَ التي ... تطلَّعُ بالعِبْء الثَّقيلِ فِقارها وما حَفظَتْ بكرٌ هنالك حِلفَها ... فصار عليها عارُ قيسٍ وعارُها فإن تكُ بَكرٌ بالعراقِ تَنَزَّرَتْ ... ففي أَرِض مَرْوٍ عَلُّهما وأزْوِرارُها وقد جَرَّبَت يَومَ البَروقان وقعةً ... لخِندِفَ إِذ حانَتْ وآنَ بوارُها أتتني لِقَيْسٍ في بَجيلةَ وقعةٌ ... وقد كان قبلَ اليومِ طالَ انتظارُها يعني حين أخذ يوسف بن عمر خالدًا وعياله. وذكر عليّ بن محمد أن الوليد بن مسلم قال: قاتل عمرو بن مسلم نصر بن سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بني تميم كان معه: كيف ترى أستاه قومك يا أخا بني تميم؟ يعيِّره بهزيمتهم، ثم كرَّت تميم فهزموا أصحاب عمرو، فانجلى الرَّهج وبلعاء بن مجاهد في جمع من بني تميم يشُلُهم، فقال التميميّ لعمرو: هذه أستاه قومي. قال: وانهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا الأسرى ولكن جَرِّدوهم، وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم ففعلوا، فقال بيان العنبريّ يذكر حربهم بالبَرُوقان: أتاني ورَحْلي بالمدينةِ وقعةٌ ... لآلِ تميمٍ أَرْجَفتْ كلَّ مُرجَفِ تَظَلُّ عُيونُ البُرْشِ بكر بن وائِلٍ ... إذَا ذكِرَت قتلى البَرُوقانِ تَذْرفُ هُمُ أسلموا للموتِ عَمْرو بنَ مسلِمٍ ... ووَلَّوْا شِلَالًا والأَسنةُ تَرْعُف وكانت من الفتيانِ في الحربِ عادة ... ولم يصبرُوا عندَ القنا المُتَقَصِّفِ (٧/ ٢٩ - ٣٢). ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة: ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أنَّ مسلمًا غزا في هذه السنة، فخطب الناس في ميدان يزيد، وقال: ما أُخَلِّفُ بعدي شيئًا أهمّ عندي من قوم يتخلّفون بعدي مخلْقِي الرقاب، يتواثبون الجُدران على نساء المجاهدين؛ اللهمّ افعل بهم وافعل! وقد أمرتُ نصرًا ألَّا يجد متخلِّفًا إلَّا قتله، وما أرثى لهم من عذاب ينزله الله بهم - يعني عمرو بن مسلم وأصحابه - فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسريّ بولايته على العراق، وكتب إليه: أتممْ غزاتك. فسار

стр. 4113

إلى فَرْغانة، فقال أبو الضحاك الرَّواحيّ - أحد بني رَوَاحة من بني عبس، وعِداده في الأزد، وكان ينظر في الحساب: ليس على متِخلّفٍ العامَ معصية، فتخلّف أربعة آلاف، وسار مسلم بن سعيد، فلما صار بفرْغانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأتاه شُمَيْل - أو شُبَيْل - بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا وكذا، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عبد الله الكرْمانيّ مولى بني سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم؛ ثم سار من غد حتى قطع وادي السّبوح، فأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل؛ فأنزل عبد الله بن أبي عبد الله قومًا من العُرَفاء والموالي، فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، وأصابوا دوابّ لمسلم وقتِل المسيّب بن بشر الرَّياحيّ، وقتِل البراء - وكان من فرسان المهلّب - وقتل أخو غوْزك، وثار النّاس في وجوههم، فأخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن مالك الحِمَّانيّ، ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام، وهم مطيفون بهم؛ فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، والماءُ منا غير بعيد؛ وإنك إن نزلت المرْج تفرّق الناس في الثمار، وانتُهب عسكرُك، فقال لسورة بن الحرّ: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قال: أرى ما رأى الناس ونزلوا. قال: ولم يرفع بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة، فحرَّقوا قيمة ألف ألف، وأصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النّهر أهلُ فرغانة والشّاش، فقال مسلم بن سعيد: أعزِم على كلّ رجل إلَّا اخترط سيفه؛ ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفًا، فتركوا الماء وعبروا، فأقام يومًا، ثم قطع من غدٍ، وأتبعهم ابن الخاقان. قال: فأرسل حُميد بن عبد الله وهو على الساقة إلى مسلم: قف ساعةً فإنّ خلفي مئتي رجل من الترك حتى أقاتلهم - وهو مثقَلٌ جراحةً - فوقف الناس، فعطف على الترك، فأسر أهل السُّغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة، وانصرف البقيّة، ومضى حميد ورُمي بنشّابة في ركبته، فمات. وعطش الناس وقد كان عبد الرحمن بن نعيم العامري حمل عشرين قربة على إبله، فلما رأى جهد الناس أخرجها، فشربوا جُرَعًا، واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد فأتوْه بإناء، فأخذه جابر - أو حارثة - بن كثير أخو سليمان بن كثير

стр. 4114

من فيه، فقال مسلم: دعوه، فما نازعني شَرْبتي إلَّا من حرّ دخَله، فأتوا خُجَنْدة، وقد أصابتهم مَجاعة وجَهد، فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهده على خُراسان من أسد بن عبد الله، فأقرأه عبد الرحمن مسلمًا، فقال: سمعًا وطاعة، قال: وكان عبد الرحمن أوّل من اتخذ الخيام في مفازة آمُل. قال: وكان أعظم الناس غنىً يوم العطش إسحاق بن محمد الغُدانيّ، فقال حاجب الفيل لثابت قُطْنة، وهو ثابت بن كعب: نقْضي الأُمورَ وبكرٌ غَيرُ شاهدها ... بين المجاذِيفِ والسُّكانِ مشغولُ ما يَعْرفُ الناسُ منه غَيرَ قُطْنَتِه ... وما سواها مِنَ الآباءِ مجْهُولُ وكان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نُعَيم وشَديد وعبد السلام وإبراهيم والمِقْداد، وكان أشدَّهم نُعَيم وشَديد، فلما عُزل مسلم بن سعيد، قال الخزرج التغلبيّ: قاتلنا الترك، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك؛ فنظرت إليهم وقد اصفرّت وجوههم، فحمل حَوْثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحُنَيف بن نصر بن يزيد بن جَعْوَنة على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارسًا، فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم، وحمل الناس عليهم؛ فانهزم الترك. قال: وحوثرة هذا هو ابن أخي رَقَبة بن الحرّ. قال: وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولّاه خراسان: ليكن حاجبُك من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبّر عنك، وحُثّ صاحب شُرطتك على الأمانة، وعليك بعمال العذر، قال: ومَا عمال العُذْر؟ قال: مُرْ أهلَ كلّ بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإذا اختاروا رجلًا فولّه، فإن كان خيرًا كان لك، وإن كان شرًّا كان لهم دونك؛ وكنت معذورًا. قال: وكان مسلم بن سعيد كتب إلى ابن هُبيرة أن يوجه إليه توبة بن أبي أسيْد مولى بني العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة: احمل إليّ توبة بن أبي أسَيْد، فحمله فقدم - وكان رجلًا جميلًا جهيرًا له سَمْتٌ - فلما دخل على ابن هبيرة، قال ابن هبيرة: مثل هذا فليولّ، ووجَّه به إلى مسلم، فقال له مسلم: هذا خاتمي فاعمل برأيك؛ فلم يزل معه حتى قدم أسد بن عبد الله، فأراد توبة أن

стр. 4115

يشخص مع مسلم، فقال له أسد: أقم معي فأنا أحوَج إليك من مسلم، فأقام معه، فأحسن إلى الناس وألان جانبه، وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم، فقال له أسَد: حلّفهم بالطلاق فلا يتخلف أحد عن مغزاه، ولا يدخل بديلًا، فأبى ذلك توبة فلم يحلفهم بالطلاق. قال: وكان الناس بعد توبة يُحلّفون الجند بتلك الأيمان، فلما قدم عاصم بن عبد الله أراد أن يحلّف الناس بالطلاق فأبوا، وقالوا: نحلف بأيمان توبة. قال: فهم يعرفون ذلك، يقولون: أيمان توبة (١). [٧/ ٣٢ - ٣٥]. قال الواقدي: حدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: كتب إليّ هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لي سُنَن الحج، فكتبتها له، وتلقاه أبو الزناد، قال أبو الزّناد: فإني يومئذ في الموكب خلفه، وقد لقيَه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، وهشام يسير، فنزل له، فسلم عليه، ثم سار إلى جَنْبه، فصاح هشام ة أبو الزناد! فتقدَّمتُ، فسرت إلى جنبه الآخر، فأسمع سعيدًا يقول: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يَلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة؛ قال: فشقّ على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال: مَا قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجّاجًا. ثم قطع كلامه وأقبل عليّ فقال: يا عبد الله بن ذكوان، فرغتَ مما كتبتُ إليك؟ فقلت: نعم فقال أبو الزناد: وثقُل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام، فرأيته منكسرًا كلما رآني (٢). وفي هذه السنة كلّم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشامَ بن عبد الملك - وهشام واقف قد صلّى في الحِجْر - فقال له: أسألك بالله وبحرْمة هذا الييت والبلد الذي خرجتَ معظِّمًا لحقه إلَّا رددتَ عليّ ظلامتي! قال: أيّ ظلامة؟ قال: داري، قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن سليمان؟ قال: ظلمني، قال: فعن عمر بن عبد العزيز؛ قال: يرحمه الله، ردّها والله عليّ، قال: فعن

стр. 4116

يزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، هو قبضها مني بعد قبضِي لها، وهي في يديك، قال هشام: أما والله لو كان فيك ضربٌ لضربتك، فقال إبراهيم: فيّ والله ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع، كيف سمعتَ هذا اللسان؟ قال: ما أجود هذا اللسان! قال: هذه قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ما رأيتَ مثل هذا. [٧/ ٣٥ - ٣٦]. وفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميرًا على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد غازٍ بفرغانة، فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع، منعه الأشهب بن عبيد التميميّ أحد بني غالب، وكان من السفن بآمُل، فقال له أسد: أقطِعني، فقال: لا سبيل إلى إقطاعك؛ لأني نُهِيت عن ذلك، قال: لاطفوه وأطمعوه، فأبى؛ قال: فإني الأمير، ففعل، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نَشْرَكه في أمانتنا، فقطع النهر، فأتى السُّغد، فنزل مرْجها، وعلى خراج سَمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يتلقى أسدًا، فأتَوه بالمرْج، وهو جالس على حجَر، فتفاءل الناس، فقالوا: أسد على حَجر! ما عند هذا خير، فقال له هانئ: أقدمتَ أميرًا فنفعل بك ما نفعل بالأمراء؟ قال: نعم. قدمتُ أميرًا. ثم دعا بالغداء فتغدّى بالمرْج، وقال: مَن ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهمًا - ويقال: قال ثلاثة عشر درهمًا - وهاهي ذي في كميّ؟ وإنه ليبكي ويقول: إنما أنا رجل مثلكم، وركب فدخل سَمَرْقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدم الرَّجلان على عبد الرحمن بن نعيم، وهو في وادي أفشين على السّاقة - وكانت الساقة على أهل سمَرْقند الموالي وأهل الكوفة - فسألا عن عبد الرحمن فقالوا: هو في الساقة، فأتياه بعهد وكتاب بالقَفل والإذن لهم فيه، فقرأ الكتاب، ثتم أتى به مسلمًا وبعهده، فقال مسلم: سمعًا وطاعة، فقام عمرو بن هلال السدوسيّ - ويقال التيميّ - فقنّعه سوطين لما كان منه بالبَرُوقان إلى بكر بن وائل، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز، فغضب عبد الرحمن بن نعيم، فزجرهما ثم أغلظ لهما، وأمر بهما فدفعا، وقفل بالناس وشخص معه مسلم. فذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنهم قدموا على أسد، وهو بسمَرْقند، فشخص أسد إلى مَرْو، وعزل هانئًا، واستعمل على سمَرْقَنْد الحسن بن

стр. 4117

أبي العَمَرّطة الكنديّ من ولد آكل المُرار، قال: فقدمِتْ على الحسن امرأته الجَنوب ابنة القعقاع بن الأعلم رأس الأزد، ويعقوب بن القعقاع قاضي خراسان، فخرج يتلقاها، وغزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك قد أتوك - وكانوا سبعة آلاف - فقال: ما أتَوْنا بل أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم، وأيمُ الله مع هذا لأدنينَّكم منهم، ولأقرننّ نواصي خيلكم بنواصي خيلهم. قال: ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا، فقال الناس: خرج إلى امرأته يتلقاها مسرعًا، وخرج إلى العدو متباطئًا، فبلغه فخطبهم، فقال: تقولون وتعيبون! اللهمَّ اقطع آثارهم وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم الضّراء وارفع عنهم السراء! فشتمه الناس في أنفسهم. وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قُطْنة، فخطب الناس فحصر فقال: من يطع اللهَ ورَسُوله فقد ضلّ، وأرتِج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قال: إنْ لم أكنْ فيكمْ خَطِيبًا فإِنني ... بسيفي إذا جَدَّ الوغى لخَطيب (١) فقيل له: لو قلت هذا على المنبر، لكنت خطيبًا، فقال حاجب الفيل اليشكريّ يعيره حَصَرَه: أبا العَلاءِ لقد لاقيتَ مُعْضلَةً ... يومَ العَرُوبة مِنْ كَربِ وتَخنِيق تَلوي اللسانَ إذا رُمتَ الكلامَ بهِ ... كما هوى زَلَقٌ من شاهِقِ النِّيقِ لمَّا رَمَتْكَ عُيُونُ الناسِ ضاحيةً ... أنشأْتَ تَجْرَضُ لمَّا قمتَ بالرِّيق أما القرانُ فَلا تُهدَى لِمَحْكَمَةٍ ... مِنَ القِرانِ وَلا تُهْدَى لِتَوفيقِ وفي هذه السنة ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب. [٧/ ٣٧ - ٣٩]. ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خروج عبّاد الرُّعيْني باليمن محكِّمًا، فقتله يوسف بن

стр. 4118

عمر، وقتل معه أصحابه كلهم وكانوا ثلثمئة (١) [٧/ ٤٠]. وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عِكْرمة وأبا محمد الصّادق ومحمد بن خنيس وعمار العباديّ في عِدّة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوَشى بهم إليه، فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خُنيس وعامة أصحابه، ونجا عمّار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم، وصلبهم، فأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب به إلى محمد بن عليّ، فأجابه: الحمد لله الذي صدّق مقالتكم ودعوتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستُقتل (٢). وفي هذه السنة حُمل مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، وكان أسد بن عبد الله له مكرِّمًا لم يعرض له ولم يحبسه، فقدم مسلم وابن هبيرة مُجْمعٌ على الهرب، فنهاه عن ذلك مسلم، وقال له: إن القوم فينا أحسن رأيًا منكم فيهم. [٧/ ٤٥]. ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة: ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه.، أنّ أسدًا غزا الغُور، فعمد أهلُها إلى أثقالهم فصيّروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتّخاذ توابيت ووضع فيها الرجال، ودلّاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه، فقال ثابت قُطْنة: أرَى أَسَدًا تَضَمَّنَ مُفظِعَاتٍ ... تهيَّبَهَا الملوكُ ذَوُو الحجابِ سَمَا بالخيل في أكنافِ مرو ... وتوفِزُهُنَّ بين هلا وهابِ إلى غُور ين حيثُ حَوى أَزَبٌّ ... وصكٌّ بالسُّيوفِ وبالحرابِ هَدانا اللهُ بالقتلى تَراها ... مصَلَّبَةً بأَفواهِ الشِّعابِ مَلاحِمُ لم تَدَعْ لِمسراةِ كلبٍ ... مهاترةً وَلا لبني كِلَاب فأوردها النِّهابَ وآبَ منها ... بأَفضلِ ما يصابُ مِنَ النهابِ وكان إِذَا أناخَ بدارِ قومٍ ... أراها المُخزياتِ من العذاب ألم يُزِرِ الجبالَ جبال مُلع ... ترى من دونها قِطَعَ السَّحابِ

стр. 4119

بأَرْعَنَ لم يدع لهمُ شَرِيدًا ... وعاقَبَهَا المُمِضَّ مِنَ العقابِ وملع من جبال خُوط فيها تعمل الحزُم الملعيّة. وفي هذه السنة نقل أسد من كان بالبَرُوقان من الجند إلى بلْخ، فأقطع كلّ مَن كان له بالبَرُوقان مسكنٌ مسكنًا بقدر مسْكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنًا، وأراد أن ينزلهم على الأخماسِ، فقيل له: إنهم يتعصّبون، فخلط بينهم، وكان قسم لعمارة مدينة بلْخ الفعَلة على كلّ كُورة على قدر خراجها، وولَّى بناء لمدينة بلْخ برمك أبا خالد بن برمك، - وكان البَرُوقان منزل الأمراء وبين البَرُوقان وبين بلْخ فرسخان وبين المدينة والنوبهار قدر غَلْوتين - فقال أبو البريد في بنيان أسد مدينة بلْخ: شَعفتْ فؤادكَ فالهوى لك شاعِفُ ... رِئمٌ على طِفل بحَوْملَ عاطفُ ترعَى البَريَر بجانبيْ مُتَهدِّلٍ ... ريَّانَ لا يَعْشُو إليه آلِفُ بمَحاضِرٍ مِنْ مُنْحنًى عَطفَتْ له ... بقَرٌ تَرَجَّح زَانَهنَّ رَوادفُ إنَّ المباركةَ التي أحْصنتَها ... عُصِمَ الذَّلِيلُ بها وَقَرَّ الخائِفُ فأراك فيها ما رَأَى مِنْ صَالحٍ ... فتحًا وأبوابُ السماءِ رَواعِفُ فمضى لكَ الإِسمُ الذي يَرضى به ... عنك البصيرُ بما نويتَ الَّلاطف يا خيْرَ ملكٍ ساسَ أمرَ رَعِيَّة ... إني على صِدْقِ اليمينِ لحالِفُ اللهُ آمنَها بصُنعكَ بَعدَما ... كانت قلوبٌ خَوفهنّ رَواجِفُ [٧ - ٤١/ ٤٢]. ثم دخلت سنة ثمان ومئة ذكر ما كان فيها من الأَحداث وفيها أيضًا غزا إبرهيم بن هشام ففتحَ أيضًا حصنًا من حصون الروم (١) وفيها وجَّه بكير بن ماهان إلى خراسان عدّة؛ فيهم عمَّار العِبَاديّ؛ فوشى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله، فأخذ عمّارًا فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه، فقدموا على بكير بن ماهان فأخبروه الخبر، فكتب بذلك إلى محمد بن عليّ، فكتب إليه في

стр. 4120

جواب الكتاب: الحمد لله الذي صدّق دعوتكم ونجّى شيعتكم (١). وفيها كان الحريق بدابق؛ فذكر محمد بن عمر أنّ عبد الله بن نافع حدّثه عن أبيه، قال: احترق المرعَى حتى احترق الدوابّ والرجال. غزو الخُتَّل وفيها غزا أسد بن عبد الله الختَّل؛ فذكر عن عليّ بن محمد أن خاقان أتى أسدًا وقد انصرف إلى القَوادَيان، وقطع النهر، ولم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة. وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: بل هزموا أسدًا وفضحوه؛ فتغنَّى عليه الصبيان: أزْ خُتَّلَانَ آمذِي ... برُو تَباهُ آمذِي قال: وكان السبْل محاربًا له، فاستجلب خاقان، وكان أسد قد أظهر أنه يشتو بسُرْخ درَه، فأمر أسد الناس فارتحلوا، ووجه راياته، وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره، فكبَّر الناس، فقال أسد: ما للناس؟ قالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا، فقال لعروة المنادى: نادِ إن الأمير يريد غورين؛ ومضى وأقبل خاقان حين انصرفوا إلى غورين النهر فقطع النهر، فلم يلتق هو ولا هم، ورجع إلى بلْخ، فقال الشاعر في ذلك يمدح أسد بن عبد الله: ندبْتُ لي من كل خُمسٍ أَلفيْن ... من كلّ لحّاف عريضِ الدَّفَّيْنِ قال: ومضى المسلمون إلى الغُوريان فقاتلوهم يومًا، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه وركز رمحه، وقد أعلِم بعصابة خضراء - وسَلْم بن أحوَز واقف مع نصر بن سيّار - فقال سلم لنصر: قد عرفت رأي أسد، وأنا حامل على هذا العِلْج؛ فلعلي أن أقتله فيرضى. فقال: شأنك فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه، ففحص برجله، فرجع سلم فوقف، فقال لنصر: أنا حامل حملة أخرى؛ فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتيْن، فقتله سلْم، فرجع سلم جريحًا، فقال نصر لسلم: قفْ لي حتى أحمل عليهم، فحمل حتى خالط العدؤ، فصرع رجلين ورجع جريحًا، فوقف فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟

стр. 4121

لا أرضاه الله! فقال: لا والله فيما أظنّ. وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم وقلة غنائكما جمن المسلمين، لعنكما الله! فقالا: آمين إن عدنا لمثل، هذا، وتحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد فأسروا وسبوا وغنموا، وقال بعضهم رجع أسد في سنة ثمان ومئة مفلولًا من الختَّل، فقال أهل خراسان: أزْ ختّلان آمذي برو تباه آمذي ... بيدَل فَراز آمذي (١) قال: وكان أصاب الجند في غزاة الختّل جوع شديد، فبعث أسد بكبشين مع غلام له، وقال: لا تبعْهما بأقلّ من خمسمئة، فلما مضى الغلام، قال أسد: لا يشتريهما إلَّا ابن الشَّخِّير، وكان في المسلخة، فدخل ابن الشّخِّير حين أمسى، فوجد الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمئة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما رجع الغلام إلى أشد أخبره بالقصة، فبعث إليه أسد بألف درهم. قال: وابن الشَّخِّير هو عثمان بن عبد الله بن الشِّخّير، أخو مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير الحَرَشيّ. [٧/ ٤٣ - ٤٥]. * * * ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر مقتل عمر بن يزيد الأُسيِّديّ وفيها قتل عمر بن يزيد الأُسيِّديّ؛ قتله مالك بن المنذر بن الجارود. ذكر الخبر عن ذلك: وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خالد بن عبد الله شهد عمر بن يزيد أيام حرب يزيد بن المهلب، فأعجب به يزيد بن عبد الملك، وقال: هذا رجل العراق،

стр. 4122

فغاظ ذلك خالدًا، فأمر مالك بن المنذر وهو على شُرْطة البصرة أن يعظّم عمر بن يزيد، ولا يعصي له أمرًا حتى يعرّفه الناس، ثم أقبل يعتلّ عليه حتى يقتله، ففعل ذلك، فذكر يومًا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فافترى عليه مالك، فقال له عمر بن يزيد: تفتري على مثل عبد الأعلى! فأغلظ له مالك، فضربه بالسياط حتى قتله. * * * * غزو غورين وفيها غزأ أسد بن عبد الله غورين، وقال ثابت قُطْنة: أرَى أَسدًا في الْحَربِ إذْ نَزَلَتْ به ... وقَارعَ أَهْلَ الحَرْبِ فازَ وأوجبَا تناوَل أَرضَ السَّبْل، خاقانُ رِدؤه ... فحَرَّقَ ما استَعصَى عليه وخَرَّبا أتتْكَ وُفُودُ التّرْك ما بَيْنَ كابلٍ ... وغُورِينَ إذ لم يَهْربُوا منْكَ مَهْرَبا فما يغْمُرُ الأَعَدَاءَ مِن ليْثِ غابَة ... أبِي ضارِيَاتٍ حَرَّشُوهُ فَعَقَّبا أَزَبَّ كأنَّ الوَرْسَ فوْقَ ذِراعِهِ ... كرِيَه المُحَيَّا قَدْ أسنَّ وجرَّبا ألم يَكُ في الحِصْن المبارَكِ عصمةٌ ... لجندِكَ إذ هابَ الْجَبانُ وأَرْهَبَا! بنى لكَ عَبْدُ اللهِ حِصنًا وَرِثتَهُ ... قدِيمًا إذا عُدّ القديمُ وأنجَبا [٧/ ٤٦ - ٤٧]. ذكر الخبر عن عزل هشام خالدًا وأخاه عن خراسان: وكان سبب ذلك أن أسدًا أخا خالد تعصّب حتى أفسد الناس، فقال أبو البريد - فيما ذكر عليّ بن محمد لبعض الأزد: أدخلني على ابن عمّك عبد الرحمن بن صبح، وأوصه بي، وأخبِرْه عني، فأدخله عليه - وهو عامل لأسَد على بلْخ - فقال: أصلح الله الأمير! هذا أبو البريد البكريّ أخونا وناصرنا، وهو شاعر أهل المشرق، وهو الذي يقول: إنْ تَنقُضِ الأَزْدُ حِلْفًا كان أكَّدَهُ ... في سالف الدَّهر عَبَّادٌ ومَسْعُود ومالكٌ وسُوَيدٌ أكّداه معًا ... لما تُجَرَّدُ فيها أيَّ تجرِيدِ حتى تنادُوا أتاكَ اللهُ ضاحيَةً ... وفي الجُلود من الإِيقاع تَقْصيدُ

стр. 4123

قال: فجذب أبو البريد يدَه، وقال: لعنك الله من شفيع كذب! أصلحك الله! ولكني الذي أقول: الأزْدُ إخْوتُنا وَهُمْ حُلَفَاؤنا ... ما بَيْنَنَا نكْثٌ ولا تَبْدِيْلُ قال: صدقت، وضحك، وأبو البريد من بني عِلباء بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة. قال: وتعصّب على نصر بن سيار ونفر معه من مُضر، فضربهم بالسياط، وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته: قبح الله هذه الوجوه! وجوه أهل الشقاق والنفاق، والشغَب والفساد، اللهم فرّق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني، وقلّ مَن يروم ما قِبَلي أو يترمرم، وأمير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يمانٍ. ثم نزل عن منبره، فلما صلى ودخل عليه الناس، وأخذوا مجالسهم، أخرج كتابًا من تحت فراشه، فقرأه على الناس، فيه ذكر نَصْر بن سيار وعبد الرحمن بن نعيم الغامديّ وسوْرة بن الحرّ الأبانيّ - أبان بن دارم - والبَختريّ بن أبي درهم من بني الحارث بن عبَّاد، فدعاهم فأنّبهم، فأزِم القوم، فلم يتكلم منهم أحد، فتكلم سوْرة، فذكر حاله وطاعتَه ومناصحته، وأنه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من قرفهم بالباطل، فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجُرّدوا، فضرب عبد الرحمن بن نعيم، فإذا رجل عظيم البطن أرسح (١)؛ فلما ضرب التوى، وجعل سراويله يزلّ عن موضعه، فقام رجل من أهل بيته، فأخذ رداءً له هَرَويًّا، وقام مادًّا ثوبه بيده، وهو ينظر إلى أسد، يريد أن يأذن له فيؤزّره، فأومَى إليه أن افعل، فدنا منه فأزّره - ويقال بل أزّره أبو نميلة - وقال له: اتَّزر أبا زهير، فإن الأمير وال مؤدب، ويقال بل ضَربهم في نواحي مجلسه. فلما فرغ قال: أين تيس بني حِمّان؟ - وهو يريد ضربه؛ وقد كان ضربه قبل - فقال: هذا تيس بني حِمان؛ وهو قريب العَهْد بعقوبة الأمير، وهو عامر بن مالك بن مسلمة بن يزيد بن حجر بن خيسْق بن حِمّان بن كعب بن سعد. وقيل إنه

стр. 4124

خلفهم بعد الضَّرب، ودفعهم إلى عبد ربه بن أبي صالح مولى بني سليم - وكان من الحرس - وعيسى بن أبي بُرَيق، ووجَّههم إلى خالد، وكتب إليه: إنَّهم أرادوا الوثوب عليه؛ فكان ابن أبي بريق كلما نبت شعر أحدهم حلَقه، وكان البختريّ بن أبي درهم، يقول: لَودِدت أنه ضربني وهذا شهرًا - يعني نصر بن سيار لما كان بينهما بالبرُوقان - فأرسل بنو تميم إلى نصر: إن شئتم انتزعناكم من أيديهم، فكفّهم نصر، فلما قدم بهم على خالد لام أسدًا وعنّفه، وقال: ألا بعثت برؤوسِهم! فقال عرفِجة التميميّ: فكَيفَ وأنصارُ الخَليفة كُلّهُمْ ... عُناةٌ وأعداءُ الخَليفَة تُطْلَقُ! بكَيْتُ ولم أملك دُمُوعي وَحُقَّ لي ... ونَصْرٌ شهابُ الْحَرْبِ في الغلّ موثقُ وقال نصر: بَعَثَتْ بالعِتابِ في غَيْر ذَنْبٍ ... في كتاب تَلومُ أُم تميم إنْ أكْن موثقًا أسِيرًا لدَيْهِمْ ... في هُمُومٍ وكُربَة وَسُهُومِ رهْنَ قَسْرٍ فما وَجَدْتَ بَلاءً ... كإِسارِ الكِرَامِ عندَ اللئيمِ أَبلغِ المُدّعينَ قسرًا وَقَسْرٌ ... أهلُ عود القناة ذاتِ الوُصوم هَلْ فطِمْتُمْ عنِ الخيانَةِ والغدْرِ ... أَم أنتمْ كالحاكرِ المُسْتَدِيم؟ وقال الفرزدق: أخالِدُ لَوْلا اللهُ لَمْ تعطَ طاعَةً ... ولولا بنوْ مروانَ لمْ توثقُوا نصرَا إذًا للقيتمْ دُونَ شدِّ وِثاقِهِ ... بني الحرْب لا كُشْفَ اللقاءِ ولا ضَجْرا وخطب أسد بن عبد الله على منْبر بلْخ، فقال في خطبته: يا أهل بلْخ، لقبتموني الزّاغ والله لأزيغنّ قلوبكم. [٧/ ٤٧ - ٤٩]. [ذكر الخبر عن دعاة بني العباس] وذكر عليّ بن محمد أن أوّل من قدِما خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى هَمْدان في ولاية أسد بن عبد الله الأولى، بعثه محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وقال له: ادع الناس إلينا وانزِلْ في اليمن، والطف بمُضر، ونهاه عن رجل من أبْرشهر، يقال له غالب؛ لأنه كان مفرطًا في حبّ بني فاطمة.

стр. 4125

ويقال: أوّل من جاء أهل خراسان بكتاب محمد بن عليّ حرْب بن عثمان، مولى بني قيس بن ثعلبة من أهل بَلْخ. قال: فلما قدم زياد أبو محمد، ودعا إلى بني العباس، ذكر سيرة بني مروان وظلمهم، وجعل يطعم الناس الطعام، فقدم عليه غالب من أبرشهر؛ فكانت بينهم منازعة؛ غالب يفضّل آل أبي طالب وزياد يفضّل بني العباس، ففارقه غالب، وأقام زياد بمرْو شتوةً، وكان يختلف إليه من أهل مَرْو يحيى بن عقيل الخُزاعيّ وإبواهيم بن الخطاب العدويّ. قال: وكان ينزل بَرْزَن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، وكان على خراج مَرْو الحسن بن شيخ، فبلغه أمرُه، فأخبر به أسد بن عبد الله، فدعا به - وكان معه رجل يكنى أبا موسى - فلما نظر إليه أسد، قال له: أعرّفك؟ قال: نعم، قال له أسد: رأيتك في حانوت بدمشق، قال! نعم، قال لزياد: فما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: رُفع إليك الباطل، إنما قدمت خراسان في تجارة، وقد فرّقت مالي على الناس، فإذا صارَ إليّ خرجت. قال له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد إلى أمره، فعاود الحسن أسدًا، وعطم عليه أمره، فأرسل إليه، فلما نظر إليه، قال: ألم أنهك عن المقام بخراسان! قال: ليس عليك أيها الأمير مني بأس. فأحفظه وأمر بقتلهم، فقال له أبو موسى: فاقض ما أنتَ قاض، فازداد غضبًا، وقال له: أنزلتَني منزلة فرعون! فقال له: ما أنزلتُك ولكن الله أنزلك. فقتِلوا، وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة، فلم ينجُ منهم يومئذ إلَّا غلامان استصغرهما، وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه. وقال قوم: أمر أسد بزياد أن يُحطّ وسطه، فمُدِّ بين أثنين، فضرِب فنيا السيف عنه، فكبّر أهل السوق، فقال أسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحِك السيف فيه، فأعطى أبا يعقوب سيفًا، فخرج في سراويل، والناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، ففحربه ضربة أخرى، فقطعه باثنتين. [٧/ ٤٩ - ٥٠]. وكان أسد استعمل عيسى بن شداد البُرْجُميّ إمْرته الأولى في وجه وجّهه على ثابت قطنهٌ، فغضب، فهجا أسدًا، فقال: أرى كُلَّ قَوْمٍ يَعْرفونَ أباهُمُ ... وأبُو بَجِيلَةَ بَيْنهُمْ يَتَذَبْذَبُ إن وجَدْتُ أبي أَباكَ فلا تكنْ ... إلْبًا علي مع العَدُوِّ تجَلَّبُ

стр. 4126

أَرْمي بسهْمِي من رماكَ بسَهْمِهِ ... وعدُوّ من عادَيتَ غَيْرُ مكَذَّبِ أسدُ بن عبدِ اللهِ جَلَّلَ عفوُهُ ... أهلَ الذنوبِ فكَيف من لم يُذْنِبِ! أجعلتَنِي للبُرْجُمِي حَقِيبَةً ... والبُرْجُمِي هو اللئيمُ المُحْقَبُ عبدٌ إذا استَبقَ الكِرامُ رأَيتَهُ ... يأْتي سُكَينًا حاملًا في الموكِبِ إني أعُوذُ بقَبْرِ كرز أَن أرَى ... تبعًا لِعبْدٍ من تَميمٍ مُحْقَبِ [٧/ ٥١]. وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهليّ، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه. قال: وكان أشرس لما قدم خراسان كبَّر الناس فرحًا به، فقال رجل: لَقَدْ سَمِعَ الرَّحْمنُ تكْبِيرَ أُمَّةٍ ... غداةَ أتاها من سليمٍ إِمامُها إِمامُ هُدى قوَّى لهم أمرهُمْ بهِ ... وكانت عجافًا ما تُمِخُّ عظامُها وركب حين قدم حمارًا، فقال له حيّان النبطيّ: أيها الأمير: إن كنت تريد أن تكون والي خراسان فاركب الخيل، وشدّ حزام فرسك، وألزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، وإلّا فارجع، قال: أرجع إذن. ولا أقتحم النار يا حيّان، ثم أقام وركب الخيل. قال عليّ: وقال يحيى بن حُضَين: رأيتُ في المنام قبل قدوم أشرس قائلًا يقول: أتاكم الوعْر الصّدر، الضّعيف الناهضة، المشؤوم الطائر، فانتبهت فزعًا ورأيت في الليلة الثانية: أتاكم الوعْر الصدر، الضعيف الناهضة، المشؤوم الطائر، الخائن قومه، جغر، ثم قال: لقد ضاعَ جيشٌ كانَ جَغرٌ أميرَهُم ... فَهَل من تلافٍ قبل دَوْس القبَائِلِ! فإن صُرفَتْ عَنْهم به فَلِعَلَّةٍ ... وإلا يكونوا من أحاديثِ قائلِ وكان أشرس يلقب جَغْرًا بخراسان. [٧/ ٥٢ - ٥٣]. وقال الواقديّ: خطب الناس إبراهيم بن هشام بمنى في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر. فقال سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحدًا أعلَم مني، فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية؛ أواجبةٌ هي أم لا؟ فما دري أيّ شيء يقول له! فنزل. [٧/ ٥٣].

стр. 4127

ثم دخلت سنة عشر ومئة وفي هذه السنة دعا الأشرس أهلَ الذّمة من أهل سمرْقنْد ومَن وراء النهر إلى الإسلام، على أن تُوضَع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب (١). [٧/ ٥٤]. ذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلك: ذكر أن أشرس قال في عَمله بخراسان: ابغونِي رجلًا له ورع وفضل أوجّهه إلى مَن وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف، مولى بني ضبّة، فقال: لستُ بالماهر بالفارسيّة، فضموا معه الربيع بن عمران التميميّ، فقال أبو الصيداء: أخرج على شريطة أنّ مَن أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خَرْجُ خُراسان على رؤوس الرجال، قال أشرس: نعم، قال: أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم. فشخص إلى سَمَرْقند، وعليها الحسن بن أبي العَمَرّطة الكنديّ على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهلَ سمرْقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن تُوضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس: إنّ الخراج قد انكسر؛ فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرّطة: إنّ في الخراج قوّة للمسلمين، وقد بلغني أنّ أهل السُّغد وأشباههم لم يُسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام تعوّذًا من الجِزْية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسُن إسلامه، وقرأ سورةً من القرآن، فارفع عنه خراجَه، ثم عزل أشرس ابنَ أبي العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانئ بن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابنُ أبي العمرّطة لأبي الصيداء: لستُ من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئًا والأشحيذ؛ فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجدَ، فجاء دهاقين بُخارى إلى أشبرس فقالوا: ممن تأخذ

стр. 4128

الخراج، وقد صار الناس كلهم عربًا؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزيْة على من أسلم، فامتنعوا؛ واعتزل من أهل الشُغد سبعة آلاف، فنزلوا على سَبْعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميميّ والقاسم الشيبانيّ وأبو فاطمة الأزديّ وبشر بن جرموز الضبِّيِّ وخالد بن عبد الله النحويّ وبشر بن زنبور الأزديّ وعامر بن قشير - أو بشير، الخُجَنديّ، وبيان العنبريّ وإسماعيل بن عُقْبة، لينصروهم. قال: فعزل أشرسُ ابنَ أبي العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلميّ، وضمّ إليه عُمَيرة بن سعد الشيبانيّ. قال: فلما قدم المجشَّر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابهُ، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليسر بغدر ما كان فيه حَقْن الدماء، وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده؛ فلما حُمل أبو الصيداء اجتمع أصحابُه، وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقاتلوا هانئًا، فقال لهم: كفّوا حتى أكتبَ إلى أشرس فيأتينَا رأيُه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشْرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصِّيداء، فضعف أمرهم، فتُتبِّع الرّؤساء منهم فأخِذوا، وحمِلوا إلى مَرْو، وبقي ثابت محبوسًا، وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمانَ بن أبي السريّ مولى بني عوافة في الخراج، فألحّ هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم، وسلَّط المجشّر عميرة بن سعد على الدّهاقين، فأقيموا وخُرّقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجِزية ممن أسلم من الضُّعفاء، فكفرت السُّغْد وبُخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشّر، حتى قدم نصر بن سيار واليًا على المجشّر، فحمل ثابتًا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثيّ فحبسه، وكان نصر بن سيَّار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قُطْنة، وهو محبوس عند أشرس فقال: ما هاجَ شوقك من نؤْيٍ وأحجارِ ... ومَنْ رُسُومِ عفاها صَوبُ أمطارِ! لم يبَقَ منها وَمِنْ أعلام عَرْصتِها ... إلَّا شَجِيجٌ وإلّا موقدُ النارِ

стр. 4129

ومائِلٌ في ديار الحَيّ بعدَهُمُ ... مثلُ الرَّبيئة في أَهدامِهِ العاري دِيارُ ليلَى قِفارٌ لا أَنيسَ بها ... دون الحُجونِ، وأَيْنَ الحجن منْ دَارِي! بُدِّلتُ منها وقد شَطَّ المَزَارُ بها ... وادِي المخافة لا يَسْري بها الساري بَيْنَ السَّماوة في حَزمٍ مُشرَّقةٍ ... ومُعْنقٌ دوننا آذيُّهُ جار نُقارعُ التركَ ما تَنفَكّ نائِحةٌ ... منَّا وَمنْهُم على ذي نَجْدةٍ شار إن كانَ ظني بنصْر صادِقًا أَبَدًا ... فيما أُدبِّرُ مِنْ نَقْضي وإمرارِي يَصْرفُ الجُنْدَ حتى يَسْتَفِيءَ بهم ... نهبًا عظِيمًا ويحْوِي مُلكَ جبَّار وتَعثُرُ الخَيْلُ في الأَقيادِ آونَةً ... تحْوي النِّهابَ إلى طُلّابِ أَوتار حتَّى يَرَوْهَا دُوَيْنَ السَّرْجِ بارِقَةً ... فيها لواءٌ كظِلِّ الأَجدَلِ الضارِي لا يَمْنعُ الثَّغْرَ إلَّا ذُو مُحافَظة ... منْ الخَضارِمِ سبّاق بأوتارِ إني وإِن كُنْت منْ جَذْم الذي نَضُرتْ ... منْهُ الفروعُ وَزَندِي الثاقِبُ الوارِي لذاكِرٌ منْكَ أمرًا قَدْ سَبَقْتَ بِهِ ... من كان قَبْلكَ يا نَصْر بن سَيَّار ناضَلْتَ عَنِّي نِضالَ الحُرِّ إذْ قَصَرَتْ ... دوني العَشِيرَةُ واسْتبْطأْتُ أَنصارِي وصارَ كُلُّ صدِيقٍ كُنْتُ آمُلُه ... ألبًا عَلَيّ وَرَثَّ الْحَبْلُ من جارِي وما تَلبَّسْتُ بالأَمْرِ الذي وَقَعُوا ... به عليَّ ولا دَنّسْتُ أطمارِي ولا عَصَيْتُ إمامًا كان طاعَتَهُ ... حقًّا عليَّ ولا قَارفْتُ من عار [٧/ ٥٤ - ٥٧]. قال عليّ: ويقال إنّ أشْرس قطع النهر، ونزل بيكنْد؛ فلم يجد بها ماء، فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوْا من قصر بُخار خداه - وكان منزله منهم على ميل - تلقّاهم ألفُ فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رَهج الغُبار، فلم يكن الرّجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه، قال: فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بن قتيبة وغَوْزك من الدّهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بُخارى، وهم يروْن أنّ أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى؛ فلم يلتقُوا إلَّا بعد يومين، ولحق غوزك في تلك الوقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قَطن، فأرسل إليه قَطَن رجلًا، فصاحوا برسول قطن؛ ولحق بالترك. قال: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بدًا من اللحاق بهم. ويقال إنّ أشرس أرسل إلى غَوزك يطلب منه طاسًا، فقال لرسول أشرس: إنه لم

стр. 4130

يبقَ معي شيء أتدهن به غير الطاس، فاصفَحْ عنه، فأرسل إليه: اشرب في قَرْعة، وابعث إليّ بالطاس، ففارقه. قال: وكان على سَمَرْقند نصر بن سيار، وعلى خراجها عُميرة بن سعد الشيبانيّ، وهم محصورون، وكان عميرة ممّن قدم مع أشرس، وأقبل قُريش ابن أبي كهْمَس على فرس، فقال لقَطَن: قد نزل الأمير والناس؛ فلم يُفْقَد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر، وكان بينهم ميل. * * * * ذكر وقعة كمرجة قال: ويقال إنّ أشرس نزل قريبًا من مدينة بُخارى على قدْر فرسخ؛ وذلك المنزل يقال له المسجد، ثم تحول منه إلى مَرْج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة - أو شبابة - مولى قيس بن عبد الله الباهلى؛ وهم نزول بكَمَرْجة - وكانت كَمَرْجة من أشرف مدن خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته - فقال لهم: إن خاقان مارٌّ بكم غدًا، فأرى لكم أن تُظهِروا عُدّتكم، فيرى جِدًّا واحتشادًا، فينقطع طمعه منكم. فقال له رجل منهم: استوثِقوا من هذا فإنه جاء ليَفتّ في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا، وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به الموْلى، وصبّحهم خاقان، فلما حاذَى بهم ارتفع إلى طريق بُخارى كأنه يريدها، فتحدّر بجنوده من وراء تلّ بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهِم، فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التلّ، فإذا جبل حديد: أهل فرْغانة والطارَبنْد وأفشيِنة ونَسَف وطوائف من أهل بخارى. قال: فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قَنان الذهليّ: هم يريدون مزاحفَتكم فسرّبُوا دوابكم المجفَّفة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جرّدتموها فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل؛ فلما رآهم الترك يتسربّون شدُّوا عليهم في مضايق، وكانوا هم أعلَم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلًا كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه؛ فاقتتلوا، وجاء رجلٌ من العرب بحُزمةِ قصب قد أشعلها، فرمى بها

стр. 4131

وُجوههم فتنحّوْا، وأخلَوْا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوْا انصرف الترك، وأحرق العربُ القنطرة، فأتاهم خُسرو بن يَزْدَجِرْد في ثلاثين رجلًا، فقال: يا معشَر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد عليّ مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف. قال: وجاءهم بازغري في مئتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمِنونا حتى ندنُوَ منكم، فأعرِض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان، فآمنوه، فدنا من المدينة، وأشرفوا عليه ومعه أسَراء من العرب، فقال بازغري: يا معشَر العرب، أحدِروا إليّ رجلًا منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيبًا مولى مَهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: أحِدروا إليّ رجلًا يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدّو شدوًا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل مَنْ كان عطاؤه منكم ستمئة ألفًا، ومن كان عطاؤه ثلاثمئة ستمئة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاءٌ! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغري، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغري إلَّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النِّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السُّغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال: فقال له: أعرض على القوم ما تراضيْنا به، وأقبل فأخذ بطرَف الحبْل فجذبوه حتى صار على سُور المدينة، فنادى: يا أهل كَمَرْجَة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا: نموت جميعًا قبل ذلك. قال: فأعلموهم. قال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أنتم عندنا إلَّا بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حُميد

стр. 4132

النضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تَكلَّم؟ قال: عليّ رقباءُ، وأمر خاقان بقطْع الشجر، فجعلوا يلقُون الحطب الرّطب، ويلقى أهل كَمَرْجة الحطَب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريحٌ شديدة - صُنْعًا من الله قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فاوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابتْ بازغري نُشابة في سرتّه، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانَهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم، فلما امتدّ النهار جاؤوا بالأسْرى وهم مئة؛ فيهم أبو العوْجاء العتَكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورمْوا إليهم برأس الحجاج بن حُميد النضريّ، وكان مع المسلمين مثتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: مَنْ لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم، فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلْفِي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجَب أنه لم يبقَ ملِك فيما وراء النهر إلَّا قاتل بكَمَرْجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهلُ كمَرْجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فَرْغانة، فعيَّر خاقانُ أهلَ السُّغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حمارًا، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهريْن، وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جُهدًا، ولكن أحضرنا غدًا فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطارَبَنْد؛ فاستأذنه في القِتال والدّخول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتيْن من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثُلْمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خَرْق يفضِي إلى الثلْمة، وفي البيت رجلٌ من بني تميم مريض، فرماه بكَلُّوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجلٌ بحجَر؛ فأصاب أصلَ أذنه فصُرع، وطعنه رجل فقتله، وجاء شابّ أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صنَاعًا، وألصقوها بحائط

стр. 4133

الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبوبًا له؛ فأقعدوا الرُّماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائي عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدُهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجى فلم يخطئ قَصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبّتيّة، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب بن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقانَ شيءٌ أشدّ منه. قال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجَزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس منْ رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو نرحّلهم عنها. فقال له كليب بن قَنَان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نُقْتَل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سَمَرْقند أو الدَّبُوسيّة، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خُروجكم مِن هذه المدينة. قال: ورأى أهل كَمَرْجة ما هم فيه من الحِصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سَمَرْقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطاليّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بُعِثت إلى سَمَرْقند؛ فاحْمِلْني، فقال: ما أجد دابة إلَّا بعض دوابّ خاقان، فإن في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعًا إلى تلك الرَّوْضة، فأخذ برذونًا فركبه، وكان إلْفه برْذون آخر، فتبعه فأتى سَمَرْقند من ليلته، فأخبر هم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدّبُوسيَة، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألَّا يعرِضوا لهم، وسألوهم رجلًا من الترك يتقوَّوْن به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا مَنْ شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حَيْث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابَه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السُّغْد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطِهم أمانًا يخرجون عنها، ويروْن أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه، فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.

стр. 4134

قال: فصار الرّهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سَمَرْقند - وكان الرّهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال: كورصول للعرب: ارتحلوا قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب. قال: فكفّ عنهم، حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقالط: إنما الشدّة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخْين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خَلْف كلّ رجل من الترك رجلًا من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قَباء، فساروا بهم. ثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبُوسيَة فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدّبُوسيَة قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمْع. فظنوا أن كَمَرْجة قَد فُتحت، وأنّ خاقان قصد لهم. قال: وقربنا منهم وقد تأهتوا للحرب؛ فوجّه كليب بن قَنان رجلًا من بني ناجية يقال له الضّحاك على بِرذْون يركض، وعلى الدبُوسيَة عَقيل بن ورّاد السّغديّ، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبُوسيَة يركُضون، فحمِل مَن كان يضعف عن المشي ومَنْ كان مجروحًا. ثمّ إن كليبًا أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درْهَم ليُعلِما سِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلَّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من العرب؛ حتى بقيَ سِبَاع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغَدْر، فقال سِبَاع: خلّوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سِباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقتُ برأيك فيّ، وقلت: ترفَّعُ نفسك عن الغدْر في مثل هذا، فوصله وسلّحه وحمله على برْذون، ورده إلى أصحابه.

стр. 4135

قال: وكان حصار كمَرْجة ثمانية وخمسين يومأ، فيقالى إنهم لم يسقوا إبلَهم خمسة وثلاثين يومًا. قال: وكان خاقان قسَم في أصحابه الغنم، فقال: كلُوا لحومها واملؤوا جلودها ترابًا، واكبسوا خندقَكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم. وكان مع أهل كَمَرْجة قومٌ من الخوارج، فيهم ابن شُنْجٍ مولى بني ناجية. ذكر ردّة أهل كرْدر وفي هذه السنة ارتدّ أهل كُرْدر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم، وقد كان الترك أعانوا أهل كُرْدَر؛ فوجّه أشرس إلى مَنْ قرب من كُرْدَر من المسلمين ألف رجل ردْءًا لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفِروا بأهل كردر، وقال عَرْفَجة الدارميّ: نحْن كَفينا أَهْلَ مروٍ وغَيْرَهُمْ ... ونحنُ نَفَيْنا التُّرْك عن أَهْل كَرْدَرِ فإِن تجعَلوا ما قد غَنِمْنَا لِغَيْرنا ... فَقَدْ يُظلمُ المَرءُ الكَريمُ فيَصْبر * * * وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله. [٧/ ٥٩ - ٦٦].
следующие страницы →