Полный текст (6 167 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثالثًا الإمام الطبري مؤرخًا (١)
المبحث الأول علْمُ التَّاريخِ والطَّبَرِيّ
(أولًا): تعريف علم التاريخ:
التاريخ في اللغة تعريف الوقت، يقال: أرَّختُ الكتاب تاريخًا إذا جعلت له تاريخًا، وهو بيان انتهاء وقته، وقيل: وهو معرّب، وقيل: عربي (٢).
والتاريخ في العرف هو تعيين الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور ملة أو دولةٍ أو أمرٍ هائل، أو من الآثار العلوية والحوادث السُّفلية مما يندر وقوعه، ويُجعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين، وقيل عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر (٣).
وأول من وضع التاريخ الإسلامي الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ عندما أُتي بصكّ مكتوب إلى شَعْبان، فقال: أهو شعبانُ الماضي أو شعبان
_________
(١) هذه المقدمة مأخوذة من كتاب "الإمام الطبري شيخ المفسرين، وعُمدةُ المؤرخين، ومقدَّم الفقهاء المحدثين، صاحب المذهب الجريري" (ص ١٩٧ - ٢٤٥) للدكتور: محمد الزحيلي.
(٢) القاموس المحيط ١/ ٢٥٦، المصباح المنير ١/ ١٥، مختار الصحاح ص ١٣.
(٣) كشف الظنون ١/ ٢١٣، كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٥٦، أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١.
стр. 72
القابل؟ ثم أمر بوضع التاريخ، واتفقت الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وجعلوا أول السنة المحرّم (١).
أما علم التاريخ فقد عرَّفة وبيّنه طاش كبري زادة بقوله: "هو معرفة أحوال الطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم وأنسابهم، ووفياتهم. . . إلى غير ذلك، وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية، من الأنبياء والأولياء، والعلماء والحُكَماء، والشُّعراء، والملوك والسلاطين. . . وغيرهم، والغرض منه: الوقوف على الأحوال الماضية، وفائدته: العبرة بتلك الأحوال، والتنصُّح بها، وحصولُ ملكة التجارب بالوقوف على تقلّبات الزمن، ليُحترز عن أمثال ما نقل من المضارّ، ويُستجلب نظائرها من المنافع، وهذا العلم كما قيل: عمر آخر للناظرين، والانتفاعُ في مِصْره بمنافِعَ تَحْصلُ للمسافرين" (٢)، وينحصر حديثنا في علم التاريخ.
(ثانيًا): أهمية علم التاريخ ومشروعيته:
يمثل التاريخ أحد مصادر المعرفة الإنسانية التي اهتم بها الناس، فتدارسوه، وألفوا مجالسه، واستمعوا أخباره، وصنّفوا فيه، لأنه يفيد تسليةً ولَذَّة، ويعطي المتعةَ الكافية، ويُرضي غريزة حب الاستطلاع، ويبعث على العبرة والتفكّر في الأحداث، فالعاقل من اتعظ بغيره، والمحنَّك من تخطَّى تجارب غيره، فالتاريخ يعطي القارئ والسامع نماذج من السلوك البشري بما فيه من غرائز، وعواطف، وميول، وسلوك، وطموحات، وآمال وآلام، فرد أو جماعة، مع بيان النتائج التي تترتب على كل تصرف، سواء كان صوابًا أم خطأ، عامًا أم خاصًّا، ماديًا أم معنويًا، فرديًا أم اجتماعيًا، وهذا يثير الهمم للنهوض، أو التأسِّي بالسَّلف، أو الاقتداء بالأمم الحية، أو التحرز والتحفظ من المسالك الوعرة، والمنزلقات الخطرة التي لا تُحمد عقباها.
_________
(١) المصباح المنير ١/ ١٥ - ١٦، المختصر في علم التاريخ ص ٣٣٠ المطبوع ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.
(٢) مفتاح السعادة ١/ ٢٥١، وانظر: أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١، والمختصر في علم التاريخ ص ٣٢٥، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص ٣٨٢ وما بعدها.
стр. 73
وقد اهتم العرب بعلم التاريخ، بسبب اهتمامهم بالانتساب إلى الآباء والأجداد، والعشيرة والقبيلة، فحفظوا أنسابهم، وتفاخروا بها حتى وصلوا إلى التعصب والعصبية، فكانو ايهتمون أصلًا بتاريخهم، وتاريخ الأمم قبلهم، ومن حولهم.
وجاء القرآن الكريم يذكر أخبار الأمم السابقة، وقصص النبيين والمرسلين، ولكنه باختصار شديد، مركِّزًا على موطن العبرة والعظة، ومكان الإِثارة والاستفادة، مع النص القرآني المتكرِّر على هذا الهدف، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، وخاطب الله رسوله آمرًا له بقصّ الأخبار الهادفة، فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وخصَّص الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم "سورة القصص".
ومن هنا اتجه كثير من العلماء المسلمين إلى جمع الأخبار، ومعرفة الأماكن والأحوال التي أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واشتاقت نفوسهم إلى التوسع في فهم القصص المذكورة في القرآن، وفي ذات الوقت اعتَنَوْا عناية شديدة بسيرة رسول الله ﷺ ، وما يتبعها من المغازي، وكانت هذه المعلومات تصبُّ في مِحْوَرَيْن، الأول: محور الأخبار والقصص التاريخية، وكان صاحبها يسمى أخباريًا، وتتّسم أكثر قصصه بالأوهام والخرافات والأساطير القديمة، والمحور الثاني: علم الحديث والمصطلح، وكان علماء الحديث يذكرون أخبار السيرة النبوية وآثار الصحابة والخلفاء الراشدين مع الحديث برواياته وأخباره وإسناده، ولما دُوِّنت كتب السنة النبوية خُصِّص باب مستقل بعنوان المغازي والسِّير، إلى أن استقل علم السيرة النبوية، وخُصِّصت له المصنفات والكتب (١).
_________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ٢٠٢، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٥٧، علم التاريخ عند المسلمين، مقدمة المترجم الدكتور صالح أحمد العلي ص / أ، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٧٦٣، ضحى الإسلام ٢/ ٣١٩، مقدمة ابن خلدون ص ٣، ٩، الإعلان ص ٣٨٥، ٤٠٦، ٤١٢.
стр. 74
(ثالثًا): تدوين علم التاريخ:
يذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي أنَّ تدوين العلوم، وتحديد ذاتيتها، وظهور كيانها كان من منتصف القرن الهجري الثاني، فيقول "في سنة ثلاث وأربعين (ومئة) شرع علماء الإِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. . .، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُون العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة" (١).
وهكذا نشأ علم التاريخ، واستقل عن علم الحديث، ولم يعد المؤرخ يسمى أخباريًا، واقتصر مدلول الأخباري على راوي القصص والنوادر والحكايات، وأقبل العلماء والفقهاء على دراسة التاريخ والتأليف فيه، وصار لهم مكانة عالية بين النَّاس، واعتنى الخلفاء بسماع تواريخ الملوك في الأمم الأخرى لتكون لهم عِظة، ويستفيدوا من تجاربهم، ورأَوْا أن قراءة التاريخ تفيد الفطنة والحِنكة (٢)، ولذلك قال الجاحظ: "علم النسب والخَبر علم الملوك" (٣).
وفي القرن الثالث الهجري استوى علم التاريخ على سوقه، وتوطَّدت دعائمه، وظهرت فيه المؤلفات والكتب التي تجمع المواضيع المتعاقبة، إما على أساس السنين، وإما على أساس الطبقات، وإما على تاريخ المدائن، وأصبح لعلم التاريخ منهج مرسوم، وصار له روَّاده وأعلامه، ويقصده طلاب العلم لذاته، وتُرجمت تواريخ الأمم الأخرى إلى العربية، وأصبحت مائدة التاريخ حافلة وشهية ونافعة، منها "الطبقات الكبرى" لابن سَعد (٢٣٠ هـ) وكتاب "أخبار أو تاريخ مكة المشرفة" لأبي الوليد الأَزْرقي الحفيد (٢٤٤ هـ)، كتاب "تاريخ اليعقوبي" (٢٧٨ هـ أو ٢٨٤ هـ)، وكتاب "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدِّينَوَري (٢٩١ هـ) (٤).
_________
(١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦١، النجوم الزاهرة ١/ ٣٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٠.
(٢) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ضحى الإسلام ٩/ ٣١٢، الطبري للحوفي ص ١٨٣، تاريخ الطبري ١/ ٥ ط دار المعارف.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧.
(٤) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٢، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧ وما بعدها، الطبري للحوفي =
стр. 75
(رابعًا): الطَّبريُّ يدرس التاريخ:
رأينا سابقًا أن الطبري جمع من علوم الإسلام ما لم يجتمع لأحد، وكان له حافظة نادرة، وذكاءٌ حادٌّ، وأنه من كبار علماء الحديث الذين ينقلون الأحاديث والأخبار والأسانيد، ويجمعون الروايات المتعدّدة في الموضوع الواحد، مما كان له صلة بكتب الروايات والتاريخ للأمم الأخرى، واستفاد منها في تفسيره للقرآن الكريم، وأورد جانبًا منها في كتايه الذي أملاه في ثماني سنوات (٢٨٣ هـ - ٢٩٠ هـ)، ولما فرغ منه اتجه إلى تصنيف كتابه الثاني في التاريخ حتى انتهى منه يوم الأربعاء ٢٧ ربيع الآخر عام (٣٠٣ هـ) وأرَّخ حتى سنة ٣٠٢ هـ الموافق ٩١٥ م (١).
وكان الطبري رحمه الله تعالى قد اطَّلع على جميع كتب التاريخ وأجزائه وصُحُفه في القرن الثالث الهجري، كما درس بتوسع كتب السيرة النبوية وما صُنِّف فيها، وأخذ علم التاريخ عن المختصِّين به، وهم شيوخ الطبري في ذلك، وعنهم أخذ مصادره والموادَّ الأولية لكتابه.
ولما أراد الطبري أن يبدأ في كتابه التاريخ قال لتلاميذه: "تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ فقالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير (أي ثلاثون ألف ورقة)، فأجابوا: هذا ما يُفْني الأعمار قبل تمامه، فقال الطبري: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر به التفسير" (أي في نحو ثلاثة آلاف ورقة) (٢).
* * *
_________
= ص ١٨٢، وانظر أصول علم التاريخ في كتاب، المختصر في علم التاريخ" للكايجي، ص ٣٣٧ وما بعدها.
(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، الفهرست ص ٣٢٧.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٢، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، معجم الأدباء ١٨/ ٤٢، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٥، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، وفي قول آخر اختصره إلى ألف ورقة، وفي قول ثالث أنه خمسة آلاف ورقة، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بسهولة، وذلك بحسب النسخ التي كتبت، وحجم الورق الذي استخدم في كل نسخة.
стр. 76
المبحث الثاني كُتُب الطَّبَريِّ في التَّارِيخ
إن الألقاب الرفيعة التي أُعْطِيت للطبري المؤرخ لم تكن عَبَثًا، فقد صنَّف أعظم كتب التاريخ على الإِطلاق، وقدّم للبشرية إنتاجًا ثَرًّا، وكتبًا قيمة، ومصنفات جليلة، ومجلدات كبيرة، مع ما بثَّه من أخبار تاريخية في سائر كتبه الأخرى.
أما الكتب التاريخية فله اثنان، الأول: "تاريخ الأمم والملوك"، والثاني: "ذَيل المذيَّل"، ونبدأ بتعريف الثاني لصغره، ثم نعود للكتاب الأول لأهميته.
(أولًا): ذَيل المُذَيَّل للطَّبَريّ:
وهو كتاب في تاريخ الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عصر الطبري، ويشتمل على تاريخ من قُتل أو مات من أصحاب رسول الله ﷺ في حياته، وتاريخ من عاشوا بعده من أصحابه وَرَوَوْا عنه على ترتيب الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، أو من قريش من القبائل، ثم ذكر الطبريّ تاريخ التابعين وتابعي التابعين من السَّلَف، ومن بَعدهم إلى أن بلغ شيوخه الذين سمع منهم.
وذكر الطبري أخبار هؤلاء، ومذاهبهم، وبيان الضعفاء من المحدِّثين، والدفاع عن ذوي الفضل منهم، ممن رُمي بمذهب هو بريء منه، أو اتُّهم برأي لم يقله، مثل الحَسَن البصْري وقتَادة وعِكْرِمة وغيرهم.
وذكر تاريخ النساء الصحابيات اللائي أسْلَمْنَ على عهد رسول الله ﷺ ، ومن مات منهنَّ قبل الهجرة، ومن مِتْنَ بعدَها.
стр. 77
وفي آخر الكتاب أبواب حسان عمن حدَّث عنه الإِخوة، أو الرجل وولده، ومن اشتهر بكنيته دون اسمه، أو باسمه دون كنيته (١).
قال عنه ياقوت: "وهو من محاسن الكتب وأفاضلها، يرغبُ فيه طلاب الحديث وأهل التواريخ، وكان خرّج إملاءه بعد سنة ثلاثمئة، وهو في نحوٍ من ألف ورقة" (٢).
وسماه الذهبي باسم "تاريخ الرجال" من الصحابة والتابعين وإلى شيوخه الذين لقيهم (٣).
وهذا الكتاب مفقود حتى الآن، ولم يُعثر على نسخة منه، ولكن عُرَيْب بن سعد الكاتب القرطبي (٣٧٠ هـ / ٩٨٠ م) الذي اختصر تاريخ الطبري كما سنرى، اختصر أيضًا ذَيل المُذَيَّل بعنوان "المُنْتَخَب من ذَيل المُذيَّل من تاريخ الصحابة والتابعين" وطبع هذا "المنْتَخَب" مع "تاريخ الطبري" في الجزء الأخير في ليدن، في الطبعة التي أشرف عليها ونشرها في غويه سنة ١٨٩٧/ ١٩٠١ م، ثم طبع "المنتخب" مع "تاريخ الطبري" في معظم طبعاته، منها طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م، وجاء "المنتخب" في نهاية الجزء الثامن والأخير من "تاريخ الأمم والملوك" للطبري، ويقع في ١٦٤ صفحة، وأربع صفحات للفهرس (٤)، وطبع "المنتخب" في الجزء الحادي عشر من "تاريخ الطبري" من طبعة دار المعارف بمصر ١٩٦٠ - ١٩٦٧ م بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
أما الكتاب الأصلي فيقع في ألف ورقة، وإذا قورن هذا الرقم بكتاب "تاريخ الطبري" الذي يقع في ثلاثة آلاف ورقة، وطبع في ثمانية مجلدات، فإننا نجد أن كتاب "ذَيْل المُذيَّل" يساوي ثلث كتاب التاريخ، وهذا يعني أنَّه كتاب كبير في التاريخ وتراجم الصحابة والتابعين وبقية السلف الصالح.
_________
(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٧٠، الطبري للحوفي ص ٨٩.
(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٧١.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٢.
(٤) انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٣، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧.
стр. 78
(ثانيًا): تاريخ الأمم والملوك:
ويعرف بتاريخ الطبري، وبه اشتهر اسمُه، ولَمَعَ صيتهُ، وتخلَّد اسمه، وإذا أطلق على الطبري: المؤرخ، فإنما بسبب هذا الكتاب.
واسم الكتاب المشهور به هو "تاريخ الأمم والملوك" (١) وطبع بهذا العنوان، ولكن ياقوت الحموي ذكر اسمًا آخر له وهو "تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء" (٢)، وكلا الاسمين يدلان على موضوع الكتاب، ويسمى الكتاب أيضًا: "التاريخ الكبير" (٣).
قال ياقوت: "وهذا الكتاب من الأَفْراد في الدنيا، فضلًا ونَباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدِّين والدُّنيا، وهو في نحو خمسة آلاف ورقة" (٤).
وبيَّن الطبري رحمه الله تعالى خطة كتابه، وذكَّر بفائدة علم التاريخ وأهميته في المقدمة، ويَحْسُن بنا أن نطّلع عليها، ونسجِّلها هنا.
"قال أبو جعفر: وأنا ذاكرٌ في كتابي هذا: من ملوك كل زمان من ابتداء ربنا ﷻ خَلْق خَلْقِه إلى حال قيامهم، مَنْ انتهى إلينا خبرُه، ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه، فشكر نعمه، من رسُول له مُرْسل، أو مَلِك مُسَلَّط، أو خليفة مُسْتَخْلَف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعمًا، وإلى ما تفضل به عليه فضلًا، ومن أخَّر ذلك له منهم، وجعله له عنده ذُخْرًا، ومن كفر منهم نعمه فسَلَبه ما ابتدأ به عليه إلى حين وفاته وهلاكه، مقرونًا ذكر كل من أنا ذاكره منهم في كتابي بذكر نعمائه وجُمَل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيَّامه، إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطول به الكتب، مع ذكري مع ذلك مَبْلغَ مدة أُكُلِه، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا
_________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، كشف الظنون ١/ ٢٢٧.
(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، وطبعت الكتاب دارُ المعارف بمصر باسم "تاريخ الرسل والملوك" وسماه فؤاد سزكين "أخبار الرسل والملوك" (تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٢)، وطبع بمطبعة خياط باسم "تاريخ الرسل والملوك".
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨.
(٤) معجم الأدباء ١٨/ ٧٠.
стр. 79
أولى، والابتداء به قبله أحَجى من البيان عن الزمان، ما هو؟ وكم قدْرُ جميعه؟ وابتداء أوَّله، وانتهاء آخره، وهل كان قبل خلق الله تعالى إيَّاه شيء غيره؟ وهل هو فَانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غيرُ وجه المسبَّح الخلَّاق تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة على أنْ لا قديم، إلا الله الواحد القهار الذي له مُلْك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، بوجيزٍ من الدلالة غير طويل إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تاريخ الملوك الماضين، وجملًا من أخبارهم وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء والسالفين، وبعض سيرهم ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم، ثم أنا متبعٌ آخر ذلك كله، إن شاء الله، وأيدٍ منه بعون وقوة، ذكر صحابة نبينا محمد ﷺ وأسمائهم وكُناهم، ومبالغ أنسابهم، ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كل إنسان منهم والموضع الذي كانت به وفاته، ثم متبعهم ذكرَ من كان بعدَهم من التابعين لهم بإحسان على نحو ما شرطنا من ذكرهم، ثم ملحق بهم من ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإِبانة عمن حُمِدَت منهم روايتهُ، ونُقلت أخباره، ومن رُفِضَت منهم روايته، ونُبذت أخباره، ومن وَهَن منهم نقلُه، وضَعُفَ خبره، والسبب الذي من أجله نُبِذ منهم خبرُه، والعلة التي من أجلها وَهَن من وَهَن منهم نقله، وإلى الله أنا راغب في العون على ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه، فإنه ولي الحول والقوة، وصلى الله على محمد نبيه، وآله وسلم تسليمًا" (١).
ثم ذكر الطبري رحمه الله تعالى منهجه في الكتاب، كما سنوضحه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(ثالثًا): محتويات "تاريخ الأمم والملوك ".
يعتبر "تاريخ الطبري" ذروة التأليف التاريخي عند المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وهو أوثق مصدر للتاريخ الإِسلامي، ويحتل هذا التاريخ مكانة ممتازة
_________
(١) تاريخ الطبري ١/ ٤ - ٥.
стр. 80
بين كتب التاريخ الإِسلامي، وبيّن لنا ياقوت الحموي محتويات الكتاب، فقال: "بدأ فيه بالخطبة المشتملة على معانيه، ثم ذكر الزمان ما هو؟ ثم مدة الزمان على اختلاف أهل العلم من الصحابة وغيرهم والأمم المخالفة لنا في ذلك، والسُّنَن الدالة على ما اختاره من ذلك، وهذا باب لا يندر وجوده إلا له. . .، ثم ذكر أبو جعفر في "التاريخ" الكلام في الدلالة على حَدَث الزمان "الأيام والليالي"، وعلى أن مُحْدِثَها هو الله وحده، وذكر أول ما خُلق، وهو القلم وما بعد ذلك شيئًا فشيئًا على ما وردت به الآثار، واختلاف الناس في ذلك، ثم ذكر آدمَ وحوّاء، واللعين إبليس وما كان من نزول آدم ﵇، وما كان بعده من أخبار نبيّ نبيّ، ورسول رسول وملك ملك، على اختصار منه كذلك إلى نبينا ﵇ مع ملوك الطوائف، وملوك الفرس والروم، ثم ذكر مولد رسول الله ﷺ ونسبه وآباءَه وأمّهاتهِ، وأولاده وأزواجه، ومبعثه ومغازيه، وسراياه وحال أصحابه ﵃، ثم ذكر الخلفاء الراشدين المهديين بعده، ثم ذكر ما كان من أخبار بني أمية، وبني العباس في القَطْعين: المنسوب أحدهما إلى قطع بني أمية، والثاني إلى قطع بني العباس وما شرحه في كتاب التاريخ، وإنما خرج ذلك إلى الناس على سبيل الإجازة إلى سنة أربع وتسعين ومئتين، ووقف على الذي بعد ذلك، لأنه كان في زمن المقْتَدر، وقد كان سُئل شرح القَطْعين، فلما سئل ذلك شَرَحه وسماه القطعين" (١).
ومن هذا النص، ومن الرجوع إلى كتاب "تاريخ الأمم والملوك" نجد أن خطة الكتاب تتضمن تاريخ العالم من بدء الخليقة إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وتشتمل على ما يلي:
* الخطبة: وفيها الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ ، ثم بيان خلق الله للناس، وخطة الطبري في تصنيف الكتاب، ومنهجه في ذلك (ص ٢ - ٥).
* المقدمة: وتتضمن الحديث عن الزمان في ضوء العقيدة الإسلامية، والأقوال في قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه، وحدوث الأوقات
_________
(١) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨، ٦٩ - ٧٠.
стр. 81
والأزمان، وأن الله تعالى خلق الزمان والليل والنهار، وأنه القادر على فنائها، ولا يبقى غير الله تعالى، فهو الأول والآخر والمحْدِث لكل شيء بقدْرَتِه، ثم تحدَّث الطبريَّ عن ابتداء الخلق، وأنَّ أول ما خلق القلم، ثم بين ما ورد في الخلق في الأيام الستة من السموات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وخلق إبليس وأخباره (ص ٥ - ٦٠).
* القسم الأول: تاريخ العالم قبل الإسلام، وبدأه بخلق آدم أبي البشر في الجنَّة، وقصته مع إبليس في الجنة، وهبوط آدم إلى الأرض، والروايات الواردة في ذلك، ثم ذكر الطبري الأحداث التي وقعت في زمن آدم، وخاصة قصة قتل قابيل لهابيل، والروايات الواردة في ذلك، ثم فصّل القول في موت آدم وسنّه حينما مات.
ثم عرض الطبري لسيرة الأنبياء من أولاد آدم، إلى نوح وإبْراهيم ولُوط وإسماعيل وإسحاق ويعْقوب، وأَيُّوب وشُعَيب، ويُوسف وإلياس، وموسى واليسع، وداود وسُلَيمان، وصالح ويُونُس وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعرض لأخبار أممهم من خلال تاريخ أنبيائهم.
وأرَّخ بصفة خاصة لبعض الأمم، وخاصة ملوك الفرس في العهد السَّاساني وعلاقتهم ببلاد العرب، وكذلك الرُّوم وملوكهم منذ المسيحية إلى الإسلام، وكذا اليهود وأنبيائهم وقصصهم وتاريخهم وملوكهم ودولهم، وأخيرًا عن العرب، فتحدَّث عن عاد وقوّتهم وظلْمهم وعِصيانهم لنبيِّهم هُود وإهلاك الله لهم، وثمود وعُتُوِّهم وكفرهم ومعصيتهم لنبيهم صَالح، وهلاكهم بسبب ذلك، ثم ذكر طسم وجَدِيس، وجُرْهم، وأصهار إسماعيل، وأخبار العرب في الجاهلية، وملوك اليمن وعلاقتهم بالحبش ثم بالفرس، وأشهر حكماء العرب، ثم تحدَّث عن أجداد الرسول ﷺ من عدنان إلى عبد المطلب، وذكر طَرَفًا من أخبار الرسول قبل البعثة، وحال قريش ومكة، وذلك تمهيدًا لعصر الرسالة (ص ٦٠ - إلى آخر الجزء الأول)، جاء ذكر نسب رسول الله ﷺ وأخبار أجداده وأنسابه وزواجه في الجزء الثاني حتى (ص ٤٣).
وأورد الطبري حوادث هذا القسم على أساس المواضيع، وليس على طريقة الحَوْليات، ويمثل هذا القسم من تاريخ الطبري عن العالم والعرب قبل الإسلام
стр. 82
حوالي عُشْر الكتاب كله، ومع ذلك يعتبر أطول مصنَّف كُتِب عن الفترة التي سبقت الإِسلام في كتب التاريخ العام عند المؤرخين العرب.
* القسم الثاني: تاريخ العالم بعد الإسلام، ابتداء من نزول الوحي على رسول الله ﷺ ، وابتداء الوقت الذي عُمل فيه التاريخ الإسلامي بالهجرة النَّبوية، ويستمر هذا القسم إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، ويشمل هذا القسم أربعة عهود متميّزة:
أ- العهد النَّبوي، والبعثة النبوية، وسيرة الرسول ﷺ ، وغزواته، حتى سنة ١١ هـ الموافق ٦٢٠ م.
ب- العهد الرَّاشدي، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والفتوحات التي تمت في عصرهم، والأحداث التي وقعت حتى سنة ٥٤٠ هـ / ٦٦٠ م.
جـ- العهد الأموي، وفيه تاريخ الأمويين وخلفائهم وفتوحاتهم، والأحداث والفتن التي وقعت حتى سقوط الخلافة الأموية سنة ١٣٢ هـ / ٦٤٩ م.
د- العهد العبَّاسي، وخلفاء بني العبَّاس، وما جرى في زمانهم، والحروب الداخلية والفتن والطوائف والفِرَق التي ظهرت في عصرهم حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وفرغ الطبري من تأليف تاريخه وتصنيفه سنة ٣٠٣ هـ.
ويغطي هذا القسم بقية تاريخ الطبري من الجزء الثاني حتى الأخير بحسب الطبعات، هو الجزء الثامن في الطبعة التي نعتمد عليها في مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م.
وسار الطبري في القسم الخاص بالتاريخ الإسلامي على ترتيب السنين، بذكر الأحداث سَنَةَ فسَنة، وهو ما يُدعى بالنِّظام الحَوْلي، أو الحَوْليَّات (١).
(رابعًا): مصادر الطبري في تاريخه:
اعتمد الطبري في كتاب "التاريخ" على مصادر متنوعة، ولم يأخذ المادة
_________
(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٧١، الطبري للحوفي ص ١٨٤ وما بعدها، الفهرست ص ٣٢٧، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٦، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.
стр. 83
التاريخية من مَرْويات شفهية، أو مصادر مدوَّنة متفرقة، ولكنَّه اعتمد على كتب مدوَّنة كبيرة، ومشهورة أُتيح له الاطّلاع عليها، وروايتها أو الأخذ منها، وهي كتب جامعة، وأُلِّفت في القرنين السابقين، الثاني والثالث الهجري، ولم يستمد الطبري شيئًا من كتب معاصريه (١).
وقد بُذِلَت مساع كثيرة للتعرف على مصادر الطبري من خلال سلاسل الإسناد التي سجَّلها الطبري في كتابه، وأسماء الرواة الذين صرح بأسمائهم، لكنه أغفل أسماء كتبهم، فرجع العلماء إلى مصنفاتهم التي ذكرها ابن النديم في "الفهرست" ورجحوا أقرب الاحتمالات في تحديد اسم الكتاب (٢).
والطبري استمد تاريخه من المصادر المتعددة التي اطمأن إلى حجيَّتها في الغالب، واعتبرها مؤثوقة إلى حدٍّ ما، وهي في حقيقتها متنوِّعة بحسب الموضوع، ويمكننا الإشارة إلى أهمها:
١ - في تاريخ الرسل والأنبياء اعتمد الطبري على كتب التفسير، وكتب السيرة النبوية، وخاصة كتب وَهْب بن منبه ومنها كتابه "المبتدأ والخبر" وسيرة ابن إسحاق، ومن هنا تسرّبت الإسرائيليات إلى كتابه.
٢ - في تاريخ الفرس استمد الطبري معلوماته من ترجمات عربية لكتب فارسية، منها كتب ابن المُقَفَّع، ومنها كتب هشام الكَلْبي الذي كان يعتمد في تاريخ ملوك فارس والحيرة على وثائق ومدوَّنات لديه.
٣ - وفي تاريخ الروم رجع الطبري إلى ما كتبه وترجمه نَصَارى الشَّام عن تاريخ الدولة الرومانية والإِمبراطورية البيزنطية.
٤ - وفي تاريخ اليهود وبني إسرائيل نقل الطبريُّ قصصهم وأخبارهم من كتب
_________
(١) انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٤ - ٢٥٦، الطبري للحوفي ص ١٨٨، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.
(٢) قام الأستاذ جواد علي بجهود طيِّبة لتحديد "موارد تاريخ الطبري" ونشرها في مجلة المجمع العراقي العدد الأول لعام ١٩٥٠ م والعدد الأول لعام ١٩٥٢ م، والعدد الأول لعام ١٩٥٤ م، ومجموعها ١٨٤ صفحة. انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥.
стр. 84
اليهود مباشرة التي كانت متوفرة لديهم، وما تتضمنه من حكايات إسرائيلية عن أنبيائهم وتاريخهم وأحداثهم.
٥ - وفي تاريخ العرب قبل الإِسلام اعتمد على الكتب التي دُوّنت في هذا الموضوع خلال القرنين الثاني والثالث الهجري، ومنها كتب عُبَيد بن شَرْية الجُرْهُميّ، ومحمد بن كَعْب القُرَظي، ووَهْب بن مُنَبه، وهشام الكلبي، وابن إسحاق.
٦ - وفي السيرة النبوية استند إلى كتب كُتَّاب السيرة الأوائل، وهم أبَّان بن عثمان بن عفان، وعُرْوة بن الزُّبير بن العوَّام، وموسى بن عُقبة، وعاصم بن عمر بن قَتَادة، وابن شِهاب الزُّهْري، ومحمد بن إسحاق، وشُرَحبيل بن سعد.
٧ - وفي العهد الراشدي أخذ أخبار ووقائِع حروب الردة والفتوح وموقعة الجمل وموقعة صفين من كتب سَيف بن عمر الأسْدي، والمدائني، وأبي مِخْنَف.
٨ - وفي العهد الأموي أخذ تاريخ بني أمية من مُدَوَّنات عَوَانَة بن الحكم الكلبي، وأبي مَخنَف، والمدائني، والواقِدي، وعُمَر بن شَبَّة، وهشام الكلبي.
٩ - وإذا انتهى إلى العباس عوّل على كتب أحمد بن أبي خَيثمة، وأحمد بن زهير، والمدائني، وعمر بن راشد، والهيثم بن عَدِيّ، والواقدي.
وكان لهؤلاء المؤلفين كتب كثيرة متداولة، كان الطبري يذكر اسم الكاتب، دون أن يحدد اسم الكتاب، فكان لسيف بن عمر كتاب الفتوح الكبير، وكتاب الردة، وكتاب في موقعة الجمل، ومسير عائشة وعلي، وكان للمدائني (٢١٥ هـ) كتاب في الردة، وكتاب أمهات النبي ﷺ ، وكتاب صفة النبي ﷺ ، وكتاب أخبار المنافقين، وكتاب عهود النبي ﷺ ، وكتاب تسمية المنافقين، وكتاب رسائل النبي ﷺ ، وكتاب المغازي، وله كتب في أخبار قريش، وأخبار مناكح الأشراف، وأخبار النساء، وأخبار الخلفاء، وكتب في الأحداث في خلافة عثمان وعلي ﵄، وكتب الفتوح، وأخبار العرب، وأخبار الشعراء وغيرها، ولعمر بن شبة مؤلفات منها كتاب الكوفة، وكتاب مكة، وكتاب البصرة، وكتاب المدينة، وكتاب أمراء الكوفة، وأمراء البصرة، وأمراء
стр. 85
المدينة، وأمراء مكة، وكتاب السلطان، ومقتل عثمان، وأخبار المنصورة، وكتاب التاريخ وغيرها (١).
(خامسًا): أهمية "تاريخ الطبري" وقيمته العلمية:
وصل كتاب "تاريخ الأمم والملوك" إلى قمة التأليف التاريخي عند العرب والمسلمين في القرون الثلاثة الأولى، واحتل ذروة التقدير والاهتمام لدى معاصري الطبري، وفيما بعد، وخلال التاريخ الإسلامي، وحتى وقتنا الحاضر، وسيبقى تاريخ الطبري في القمة والذروة في المستقبل، وسيبقى المرجع الأول، والمصدر الأصيل، والموئل الموثوق لدى كل باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي (٢).
وتظهر أهمية الكتاب وقيمته العلمية في الأمور التالية:
١ - أول كتاب في التاريخ العام، جمع فيه الطبرّي جوانب التاريخ في كتاب واحد، ونسّقها، وضمّ بعضها إلى بعض، وأكمل فيه الجهود التي قام بها العلماء السابقون في التاريخ لجانب منه، كتاريخ الأقاليم، أو الطوائف، أو الرجال، أو الأحداث العظام التي كُتبت منفردة، من كبار العلماء في القرن الثاني والثالث الهجريين، كأمثال ابن سَعْد واليَعْقُوبي والدِّينَوَري والوَاقِدي والبَلاذُري وابن إسحاق، ولما صاغ الطبري كتابه الكامل الشامل أقبل الناس عليه، وأعرضوا عن الكتب الصغيرة الأخرى، ثم ضاع أكثرها، فكان فضل الطبريّ من جديد أنه سجّل لنا ما ضاع، وحفظ لنا هذا التراث النفيس.
ومما ساعد الطبريّ على ذلك مؤهلاتُه الفطرية كحدة الذكاء، وقوة الحافظة، ثم جهده الدؤوب على العلم، وتفرّغه له، وسعة اطّلاعه وثقافته،
_________
(١) انظر الفهرست ص ١٣١، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٦٣، الطبري للحوفي ص ١٩٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٢٢، ١٢٧، ١٣٣، ١٣٩، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) انظر: تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٥، الطبري للحوفي ص ٢٢٦، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٦.
стр. 86
وكثرة رحلاته، وجمعه بين العلوم المختلفة التي كان لها الأثر الكبير في تاريخه كعلم التفسير والحديث واللغة والفقه.
٢ - أقدم مصدر كامل للتاريخ العربي وفي اللغة العربية منذ أوائل الزمان إلى أول القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، ولذلك أصبح الأساس لتاريخ العرب، والمصدر الأصيل لمن جاء بعده، كالمَسْعودي، وابن مِسْكَوَيه، وابن الأثير، وابن خَلْدون، وابن كثير، وكُتَّاب السِّيرة، ولا يزال كتاب الطبري قِبلة الأنظار حتى اليوم.
٣ - جمع الطبري في تاريخه كثيرًا مَن أخبار العرب في الجاهلية، وحفظها من الضياع، كما أرَّخ للقرون الثلاثة الأولى بعد الإسلام، ودوَّن بعض الروايات التي سمعها شخصيًا، فكان عمله تسجيلًا أمينًا للأجيال اللاحقة.
٤ - ذكر الطبري في كتابه تاريخ الفرس، وأبدع في ذكر كثير من الحقائق التي لا توجد عند غيره، فأصبح كتاب الطبري مرجعًا أيضًا في تاريخ الفرس أيام بني سَاسَان ومعرفة صلة العرب بهم، ولذلك أسرع العلماء إلى ترجمته إلى اللغة الفارسية كما سنرى.
٥ - كان الطبري دقيقًا جدًّا في تاريخ الرومان، وذكر أسماء الأباطرة إلى نهاية عصر هِرَقل سنة ٦٤١ م / ٢١ هـ، وهو تاريخ فتح العرب لمصر، واعتمد الطبري في ذلك على نصارى الشام والوثائق التي كانوا يحفظونها، وأدَّوْها إلى الطبري بأمانة، وسجلها بدقة تدعو إلى العجب، وليكون مصدرًا أيضًا لتاريخ الرومان.
٦ - يعتبر كتاب الطبري المنبع الصافي والأصيل للمؤرخين بعده الذين استقَوْا منه الأخبار والمادة التاريخية، وتفنَّنوا في عرضها، كابن مِسْكَوَيه (٤٢١ هـ) وابن الأَثير (٦٣٠ هـ) وأبي الفِداء (٧٣٢ هـ) وابن كثير (٧٧٤ هـ) وابن خَلْدون (٨٠٨ هـ).
٧ - إن تاريخ الطبري حافل بالنصوص الأدبية التي ذكرها في تراجم أصحابها، سواء كانت شعرًا أم خطبًا أم رسائل أم محاورات، ولا توجد في كتاب آخر، ولولا تدوين الطبري لها لفُقد من تراثنا ذخائر قيِّمة يُعتمد عليها في الدراسات الأدبية واللغوية.
стр. 87
٨ - وتتأكد أهمية كتاب الطبري وقيمته العلمية بإقبال العلماء في العصر الحاضر على جمعه وتحقيقه ونشره، وحرصهم على وجوده وتوفّره في كل مؤسسة علمية، وتحت أيدي الباحثين والعلماء والطلاب كما سنرى، كما يتأكد ذلك بثناء المصنفين والمؤرخين له، وهو ما سنفرده في فقرة خاصة، وتظهر أهميته بالإقبال على تلخيصه وترجمته، كما سنرى.
٩ - قال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: "وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع أن يجمع بين دفّتيه جميع المواد المودَعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال، ونصوص الشعر والخطب والعهود، ونسّق بينها تنسيقًا مناسبًا، وعرضها عرضًا رائعًا رائقًا، ناسبًا كل رواية إلى صاحبها، وكل رأي إلى قائله، كما أنه أودع هذا الكتاب فصولًا صالحة ونتفًا متنوعة من متون الكتب التي أتت عليها عوادي الأيام، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده إلا في هذا الكتاب" (١).
(سادسًا): ثناء العلماء على تاريخ الطبري:
تعدَّدت أقوال العلماء في هذا الخصوص اعترافًا منهم بفضل الطبري ومكانته التاريخية وسجّلوا ذلك بعبارات مُضِيئة، وأحرف من نور، نقتبس بعضها:
١ - قال المَسْعُوديّ (٣٤٦ هـ): "وأما تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبريّ الزاهي على المؤلفات، والزائد على الكتب المصنفات، فقد جمع أنواعَ الأخبار، وَحَوَى فنون الآثار، واشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدتهُ، وتَنْفع عائدتهُ، وكيف لا يكون كذلك، ومؤلِّفه فقيهُ عصره، وناسِكُ دَهْره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار، وحَمَلة السُّنن والآثار" (٢).
٢ - وقال الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) في ترجمة الطبري: "وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك" (٣).
٣ - وقال ابن الأثير (٦٣٠ هـ) في مقدمة كتابه "الكامل": "لقد جمعتُ في
_________
(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٤ طبعة دار المعارف.
(٢) مروج الذهب ٣/ ١٥.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢.
стр. 88
كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، فابتدأتُ بالتاريخ الكبير الذي صنَّفه الإمام أبو جعفر الطبريّ، إذ هو الكتاب المعوَّل عليه عند الكافَّة، والرجوع إليه عند الاختلاف، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أُخِلَّ بترجمة واحدة منها" (١).
٤ - وقال ياقوت الحَموي (٦٢٦ هـ): "وهذا الكتاب من الأفراد في الدّنيا فضلًا ونَباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدِّين، وهو في نحو خمسة آلاف ورقة" (٢)، وذكر في مكان آخر أنه في نحو ألف ورقة.
٥ - وقال ابن خَلِّكان (٦٨١ هـ) عن الطبريّ: "صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير. . .، وتاريخه أصح التواريخ وأَثْبَتُها" (٣).
٦ - وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "وصنَّف التاريخ الحافل" (٤).
٧ - وقال الحاج خليفة (١٠٦٧ هـ): "تاريخ الطبري. . .، وهو من التواريخ المشهورة الجامعة لأخبار العالم" (٥).
٨ - وقال فرانز روزنثال: "أما تاريخ الأمم والملوك للطبري، فأعظمُ أهميةً من كتاب اليَعْقُوبي الِذي نَسِيَه النَّاس تقريبًا، ولقد أسبغَ الطبريّ على كتابه تدقيقَ المتكلمين وطولَ نَفسِهم ما للفقيهِ العالم من دقَّةٍ وحبّ للنظام، وما للسياسي القانوني العملي من بصيرةٍ في الأمور السياسية، كل هذه الخصائص أدت إلى إحلاله مكانة مرموقة دائمة ومتزايدة في الأوساط الفكرية السُّنيَّة في الإِسلام. . ." (٦).
٩ - وقال الأستاذ أحمد أمين (١٣٧٣ هـ ١٩٥٤ / م): "وقد عُني الناس بتاريخه
_________
(١) الكامل في التاريخ ١/ ٢.
(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٧٠.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، وانظر أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨٢ فقد نقل صديق بن حسن خان القنوجي (١٣٠٧ هـ) نفس عبارة ابن خلكان، كما فعل غيره ذلك، وترددت هذه العبارة في الكتب.
(٤) البداية والنهاية ١١/ ١٤٥.
(٥) كشف الظنون ١/ ٢٢٧.
(٦) علم التاريخ عند المسلمين لروزنثال ص ١٨٦ - ١٨٧.
стр. 89
كثيرًا، حتى ليكاد أن يكون عماد كل مؤرخ بعده" (١).
١٠ - وقال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم عن تاريخ الطبري: "وكتابه يُعَدُّ أوفى عمل تاريخي بين مصنفات العرب، أقامه على منهج مرسوم، وساقه في طريق استقرائي شامل، بلغت به الرواية مَبْلَغَها من الثقة والمتانة والإتقان، أكمل ما قام به المؤرخون قبله كاليَعْقُوبي والبَلاذُريّ والوَاقِديّ وابن سَعْد، ومهَّد السبيل لمن جاء بعده كالمَسْعُودي وابن مِسْكَوَيه وابن الأثير وابن خَلْدون" (٢).
١١ - وقال الأستاذ عبد الهادي أبو طالب، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة: "وتعددت جوانب المعرفة لدى الطبري، فكان مؤرخًا عظيمًا، يفهم حركة الأحداث، ذا قدرة على ربطها وتفسيرها، لم يحصر تاريخه في زمان خاصٍ أو بلاد واحدة، فجاء كتابه امتدادًا لتاريخ البشرية جغرافيًا وزمانيًا، لم يُؤرِّخ للعرب وحدهم، وإنما أرَّخ للرومِ واليونان والترك وفارس والهند والصين، وظل كتابه في التاريخ المرجع الأساسي الذي يَعتمد عليه كلُّ باحث في سُنن التاريخ لسعة مادّته وتنوعها، ولغزارة مضمونه، وعلوّ نفس مصنفه، موجز تاريخ الطبري شهرة عالمية، وسارع المستشرقون إلى ترجمة أجزاء منه إلى اللغة الألمانية واللاتينية، وترجمه الأتراك إلى التركية، والفرس إلى الفارسية، حتى صار مرجعًا عالميًا عظيم القيمة" (٣).
١٢ - وأخيرًا قال الأستاذ شاكر مصطفى عن الطبري: "وهو عَلَمٌ معروف في التاريخ الإسلامي (وفي التفسير) بلغ به التدوينُ التاريخي نهاية عهد التكوين والنشأة قمةَ من قمم التاريخ الحقيقي" (٤).
(سابعًا): ذيول تاريخ الطبري وتكملاته:
ونظرًا لأهمية كتاب تاريخ الطبري ومكانته العلمية فقد اتجهت الأنظار إلى
_________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢ وهذه شهادة من محقق هذا الكتاب الذي خبر جوهره، وعاش مع كل حرف فيه.
(٣) من كلمته في افتتاح ندوة الإمام الطبري بالقاهرة ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٩ م.
(٤) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٣.
стр. 90
السير على مِنْواله، وكتابة الذيول عليه، والتكملات لسنواته، منها:
١ - ذَيْلِ تاريخ الطبري، للطبري نفسه الذي كان أول من ذيَّل على كتابه، وله ذَيل على الذَّيل، ولم يصل إلينا شيء من ذلك (١).
واعتبر بروكلمان كتاب الطبري "ذيل المذيَّل من تاريخ الصحابة والتابعين" الذي أتمه يوم ٢٧ من ربيع الآخر سنة ٣٠٣ هـ / ١٠ من نوفمبر (تشرين الأول) ٩١٥ م، ذيلًا لتاريخه (٢).
٢ - أكمل عُرَيْب بن سعد تاريخ الطبري إلى سنة ٣٢٠ هـ، بعنوان "صلة تاريخ الطبري" ويوجد منه نسخة خطية، وحققه في خويه في ليدن سنة ١٨٩٧ م، وأكمله ثابت بن سنان الصَّابي (٣٦٣ هـ) حتى سنة ٣٦٠ هـ (٣).
٣ - وأكمله هلال بن المُحْسِن الصَّابي إلى سنة ٤٤٨ هـ.
٤ - وأكمله ابن هلال المذكور محمد غرس النِّعْمة إلى سنة ٤٧٩ هـ بعنوان "عيون التواريخ".
٥ - وأكمله محمد بن عبد الملك الهَمَذَاني (ت ٥٢١ هـ / ١١٢٧ م) إلى سنة ٤٨٧ هـ / ١٠٩٤ م، ويوجد نسخة مخطوطة منه في مكتبة باريس -أول برقم ١٤٦٩، وطبع الموجود من الكتاب مستقلًا (٤)، كما طبع ضمن ذيول تاريخ الطبري (٥).
٦ - وأكمله نجم الدين بن الملك الكامل الأيوبي (ت ٦٤٧ هـ / ١٢٤٩ م).
_________
(١) قال السخاوي عن الطبري: "وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيَّل على الذيل أيضًا" انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التوريخ، ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين لفرانز روزنثال ص ٦٧٠.
(٢) تاريخ الأدب العربي، بروكلمان ٣/ ٤٧، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢، كشف الظنون ١/ ٢٢٨.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٤، الطبري للحوفي ص ٢٣٢.
(٤) تكملة تاريخ الطبري، تحقيق يوسف كنعان، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.
(٥) ذيول تاريخ الطبري، طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
стр. 91
٧ - وأكمله عبد الله بن أحمد الفَرْغاني (ت ٣٦٢ هـ / ٩٧٣ م) بعنوان "الصلة"، ثم كتب الفرغاني نفسه "ذيل الصِّلة" وكلاهما في حكم المفقود.
قال ابن النديم (٤٣٨ هـ): "وقد ألحق به جماعة من حيث قطع إلى زماننا هذا، لا يُعوَّل على إلحاقهم، لأنهم ليس ممّن يختص بالدولة ولا بالعلم" (١).
(ثامنًا): مختصرات تاريخ الطبري وترجماته:
ولمزيد الأهمية بتاريخ الطبري والعناية به، والحرص على الانتفاع به على أوسع صعيد ممكن، فقد قام عدد من العلماء باختصاره لتقريبه إلى القراء، ومختلف المستويات، وترجمته إلى لغات أخرى، فمن ذلك:
١ - ذكر ابن النديم أن تاريخ الطبري قد اختصره وحذف أسانيده جماعة، منهم محمد بن سليمان الهاشمي، وأبو الحسن الشِّمْشاطي المعلم من أهل الموصل، وثالث يعرف بالسَّليل ابن أحمد (٢).
٢ - مختصر لتاريخ الطبري، مع ترجمة قسم منه إلى اللغة الفارسية، أعده أبو علي محمد البَلْعَمي (٣٦٣ هـ / ٩٧٣ م) وهو من وزراء الدولة السامانية، ترجمه بأمر منصور بن نوح الساماني (٣).
وترجم هذا المختصر من الفارسية إلى الفرنسية في أربعة أجزاء طبعت في باريس.
وقام خضر بن خضر الآمدي (٩٣٥ - ٩٣٧ هـ / ١٥٢٨ - ١٥٣٠ م) بترجمة هذا المختصر أيضًا من الفارسية إلى العربية، ويوجد منه نسخة في ليدن برقم ٨٢٥، وتوجد ترجمة عربية أخرى للمختصر، وتوجد منه نسخة في ليدن برقم ٨٢٦.
وتُرجم هذا المختصر أيضًا إلى اللغة التركية في ثلاثة أجزاء، طبعت باستنبول سنة ١٢٦٠ هـ، ثم طبع ثانية ١٢٨٨ هـ، ١٣٢٧ هـ، ثم طبع في بولاق مصر
_________
(١) الفهرست ص ٣٢٧.
(٢) الفهرست ص ٣٢٧، والشمشاطي هو أبو الحسن علي بن محمد العدوي (٣٨٠ هـ) انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٨، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.
стр. 92
١٢٧٥ هـ، ويوجد ترجمات أخرى إلى اللغة التركية أيضًا (١).
وترجم هذا المختصر المذكور إلى اللغة الجَغْطائية ٩٢٧ هـ / ١٥٢١ م، بقلم واحدي بَلْخي، بأمر عبد اللطيف بن كوجكنجي الشَّيباني الذي حكم في سنة (٩١٦ - ٩٣٧ هـ / ١٥١٠ - ١٥٣٠ م) وتوجد منه نسخة في مكتبة بطرسبرج العامة (٢).
٣ - مختصر تاريخ الطبري مع إيراد زيادات إلى سنة ٣٢٥ هـ لعُرَيب بن سعد القرطبي (٣٦٦ هـ) مع إصلاحات وزيادات في تاريخ إفريقية والأندلس، ويوجد منه نسخ خطية في وتا برقم ١٥٥٤، ونقل ابن عذاري منه ما يختص بتاريخ إفريقية والأندلس، وأودعه في كتابه "البيان المُغْرب" وطبعت أخبار العراق ملحقة بالتاريخ باسم "صلة تاريخ الطبري" من سنة ٢٩١ هـ إلى سنة ٣٢٠ هـ (٣).
٤ - مختصر تاريخ الطبري لمؤلف مجهول ذكره فؤاد سزكين، ويوجد منه نسخ خطية في الأحمدية بتونس وباريس (٤).
(تاسعًا): تحقيق تاريخ الطبري وطبعه ونشره:
ولاستمرار أهمية تاريخ الطبري، والحاجة إليه في الحاضر والمستقبل، فقد اتجه العلماء إلى تحقيقه وطبعه ونشره، وطُبع عدة طبعات في عدد من الدول والبلاد، فمن ذلك:
١ - طبعة ليدن بين سنتي ١٨٧٩ و ١٨٩٨ م، أشرف عليها بعض المستشرقين، وهي طبعة ناقصة لعدم الحصول على نسخة كاملة في ذلك الوقت، وأُلحق بهذه الطبعة كتاب "المنتخب من ذيل المذيل في تاريخ الصحابة والتابعين للطبري" وقسمًا من "مختصر تاريخ الطبري"، وفي هذه الطبعة مجلد للفهارس العامة.
_________
(١) تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.
(٢) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٨، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢.
(٣) المراجع السابقة، كشف الظنون ١/ ٢٢٧.
(٤) تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.
стр. 93
٢ - الطبعة الثانية في ليدن ما بين سنتي ١٨٩٧ و ١٩٠١ م، وأشرف على التحقيق عدد من المستشرقين بإشراف في غويه، ورجعوا إلى عدة مخطوطات من اثنتي عشرة مكتبة في أوربا والعالم الإسلامي.
وقال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم عن هذه الطبعة بأنها من أمثل المطبوعات العربية وأدقها (١)، وتقع في خمس عشرة مجلدة، منها اثنتان للفهارس.
٣ - قامت المطبعة الحسينية بالقاهرة بطبع تاريخ الطبري عن النسخة الأوربية، وبإشراف يُوسُف بك حنفي، ومحمد أفندي عبد اللطيف الخطيب سنة ١٣٢٦ هـ، وجاءت في ثلاثة عشر جزءًا مع ذيله "صلة تاريخ الطبري" لعُريب بن سعد، و"المنتخب من ذيل المذيل".
٤ - قامت المكتبة التجارية الكبرى بمصر بنشر تاريخ الطبري، وطبعه في مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م، في ثمانية مجلدات، ومعها "صلة تاريخ الطبري" و"المنتخب من ذَيْل المذيل"، ثم طبع في نفس المطبعة سنة ١٣٧٥ هـ / ١٩٥٥ م، وصوِّرت هذ الطبعة مجدَّدًا في مطبعة الأمير، قم، إيران سنة ١٤٠٤ هـ، وحذف في طبعة المطبعة الحسينية ومطبعة الاستقامة التعليقات والفهارس.
٥ - قامت دار المثنى ببغداد بتصوير تاريخ الطبري بالاعتماد على طبعة في غويه في أربعة عشر جزءًا.
٦ - وجاءت مكتبة خياط في بيروت وصورت تاريخ الطبري سنة ١٩٦٥ م.
٨ - وأهم طبعة لتاريخ الطبري صدرت عن دار المعارف بمصر ما بين سنتي ١٩٦٠ و ١٩٦٧ م في أحد عشر مجلدًا بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، وخصَّص ثلاثة أرباع الجزء العاشر للفهارس، والجزء الحادي عشر لذيول الكتاب، وهي "صلة تاريخ الطبري" لعُريب بن سعد، و"تكملة تاريخ الطبري" لمحمد بن عبد الملك الهمذاني، و"المنتخب من ذيل المذيَّل للطبري" لعُريب بن سعد.
_________
(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٩ طبعة دار المعارف.
стр. 94
ورجع المحقق إلى الطبعات السابقة والأصول الخطية التي لم يقف عليها المستشرقون، كما رجع إلى المصادر ذات الصلة بالكتاب مثل تفسير الطبري وسيرة ابن هشام وكتب التاريخ واللغة والأدب ودواوين الشعر، وسجَّل ذلك كله في مقدمته (١).
ويعتقد الأستاذ شاكر مصطفى أن جميع هذه العناية لم تمنع ضياع بعض تاريخ الطبري، ولكن ذلك لا يشكِّل نقصًا هامًا في جملة الكتاب أو يُقلِّل من قيمة النُّسَخ المطبوعة والمتداولة (٢).
وهكذا تحقق لهذا الكتاب العظيم القيّم البقاءُ والحفظ، واستفادت منه الأجيال على مر التاريخ، وانتشر في أيدي الناس في العالم أجمع، وطبع عدة طبعات، وتوفرت نسخه في كل البلاد، وبقي ذكرى غالية وثمينة للإِمام الطبري ليتجدّد له الثواب والأجر بسبب الانتفاع بعلمه.
قلنا: فلذا اعتمدنا في تحقيقنا وتخريجنا لهذا الشفر العظيم على هذه الطبعة الأخيرة.
كما قمنا بتقسيم الكتاب إلى مراحله الخمسة:
١ - قبل البعثة النبوية.
٢ - عصر النبوة.
٣ - الخلفاء الراشدون.
٤ - عصر بني أمية.
٥ - عصر بني العباس.
وكل مرحلة قسمناها إلى صحيح وضعيف.
اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهك خالصة ولا تجعل فيها شركًا لأحد.
* * *
_________
(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٣٠ طبعة دار المعارف، وانظر مقدمات بقية الأجزاء، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٣.
(٢) التاريخ العربي والمؤرخون ١/ ٢٦٣.
стр. 95
المبحث الثالث مَنْهَجُ الطَّبَريِّ في تَارِيخِهِ
(أولًا): المنهجية عند الطبري:
بدأت تدوين العلوم عامة، وكتابة التاريخ خاصة في منتصف القرن الثاني الهجري كما سبق، وكانت بشكل ابتدائي وكيفي، ثم اتجهت العلوم إلى التدقيق والتنظيم والترتيب في القرن الثالث الهجري.
وكان الطبري ﵀ يتَّسم بالمَوْسُوعية والشمولية من جهة، والتدقيق والتنظيم والمنهجية من جهة ثانية، وكان منهجه واضحًا ومنظَّمًا في مختلف العلوم والفنون التي شارك فيها، وكان يصرِّح بخطته ومنهجه في مقدمات كتبه ومصنفاته.
وبلغ التحقيق والترتيب والمنهجية في كتابة التاريخ قمَّتَه عند الطبري، فكان أكثر من غيره تنظيمًا، وأَميَل إلى تنسيق الحوادث وترتيبها (١)، ولذلك يُعتبر الطبري شيخ مدرسة التاريخ المنقول التي امتدت خلال القرون الثلاثة السابقة، وكان الطبري يقصد تحرِّي الدقة في نقل الخبر، دون أن يتحوّل التاريخ على يديه إلى مجال التحليل والنظر العقلي والاستنتاج.
وصرح الطبري بمنهجه في مقدمة تاريخه، والتزم بهذا المنهج، فقال:
"وليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أن المتمادي في كل ما أحضرتُ ذكرَه فيه، مما أنّي راسِمُه فيه، إنما هو على ما رَوَيتُ من الأخبار التي أنا ذاكرُها فيه، والآثارِ
_________
(١) وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى تشبيه عمل الطبري في التاريخ الإسلامي بما قام به البخاري ومسلم في الحديث. انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧.
стр. 96
التي أنا مُسْنِدُها إلى رُواتِها فيه، دون ما أُدْرِكَ بحججِ العقول، واستُنْبِط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم، ولم يُدْرك زمانهم، إلا بإخبار المخْبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يَعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أوتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنَّما أدَّينَا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا" (١).
وبالتأمل في هذه المنهج المحدد، وبالرجوع إلى نصوص "تاريخ الأمم والملوك" استخرج علماء التاريخ منهج الطبري في التاريخ، وأبدوا عليه المآخذ والملاحظات.
وسبق البيان أن تاريخ الطبري ينقسم إلى قسمين رئيسين، تاريخ قبل الإِسلام، وتاريخ بعد الإِسلام، ولكل قسم منهجه وطبيعته، كما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.
(ثانيًا): سمات منهج الطبري في "التاريخ" قبل الإسلام:
ويتضمن هذا القسم مقدمة عن الكون والزمان وخلق إبليس وآدم وتاريخ البشرية منذ هبوط آدم إلى الأرض، وتاريخ الأنبياء والفرس والروم والعرب قبل البعثة النبوية.
وجعل الطبري في هذا القسم تاريخ الأنبياء هو المنطلق لتاريخ الإنسانية، فيذكر النبيَّ ومن يعاصره من الأمم والملوك، والمقارنة بين الدول.
ولم يرتِّب الطبري الحوادث على حسب وقوعها سنة فسنة، لأن ذلك غير ممكن له، وإنما قلَّد طريقة علماء التوراة بالبدء بالخليقة، ثم بذكر تاريخ الأنبياء على حسب ما ورد في التوراة، وفي أثناء ذلك يتعرَّض للحوادث التي وقعت في أيام كل نبيّ، ويذكر الملوك والحكّام الذين كانوا يعارضونهم، وما جرى بينهم
_________
(١) تاريخ الطبري ١/ ٥.
стр. 97
من حوادث وحروب، ثم عرض للأمم التي جاءت بعد الأنبياء حتى ظهور الإسلام.
ويُعرف هذا الترتيب من أهل الكتاب، ويطلق على تدوين التاريخ بهذه الطريقة "التَّأريخ" تمييزًا له عن "الحَوْليات" أو النظام الحَوْلي أو النظام السَّنَوي.
ويتسم هذا القسم من تاريخ الطبري بالقصص الخيالي، ويكثر فيه الأساطير والخرافات التي تتحدث عن العهود التاريخية القديمة للإِنسان، كما تظهر الحكايات والأخبار الإِسرائيلية التي ترجع إلى العهد القديم وكتب اليهود، ويذكر الطبري أيضًا بعض الأساطير الشعبية الوثنية عن الأمم الأخرى.
واقتصر الطبري في هذا القسم على أصول الحوادث، وأعرض عن التفصيلات إما لخشية الإِطالة، وإما لعدم الثقة بها نظرًا لطول العهد، ودخول التحريف، وعدم اتصال الأسانيد، وإما لعدم أهميتها في نظره، وأنها كانت من نسج الخيال والتسليات، خلافًا لما سنراه في التاريخ الإِسلامي (١).
(ثالثًا): معالم منهج الطبري في التاريخ الإِسلامي:
عرض الطبري تاريخ ما بعد الإِسلام من خلال منهج محدد، واتَّبع طريقة واضحة في معظم الأحوال (٢)، والتزم بهذا المنهج والطريقة التي نذكر معالمها فيما يلي:
١ - نظام الحَوْليات: سلك الطبري في تاريخ القسم الخاص بالتاريخ الإِسلامي نظام الحَوْليات، فراعى ترتيب الحوادث ترتيبًا زمنيًا، عامًا بعد عام، وحَوْلًا بعد حول، ابتداء من الهجرة النَّبويَّة حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وذكر في كل سنة ما وقع فيها من أحداث مهمة، فإن كانت الحادثة طويلة جزّأها، وأشار إليها مجملة ثم يذكرها مفصَّلة في الوضع الملائم، ولذلك يختلف حجم الحوليات عنده بحسب كثرة الأحداث وأهميتها في كل حول.
_________
(١) الطبري للحوفي ص ١٩٥.
(٢) انظر: الطبري للحوفي ص ١٩١ وما بعدها، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٤ طبعة دار المعارف.
стр. 98
وطريقة الحوليات انفرد بها المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر الطبري هذه الطريقة، بل سبقه إليها بعض المؤرخين المسلمين مثل الهَيثَم بن عَدي (٢٠٧ هـ) وجَعْفر بن محمد بن الأزهر (٢٧٦ هـ) وعمار بن وسيمة المصري (٢٨٩ هـ) والوَاقدي (٢٠٧ هـ) لكن تاريخ الطبري أقدم كتاب وصل إلينا على ترتيب السنين، ثم سار على هذه الطريقة بعد الطبري كثيرون، مثل ابن مِسْكَويه (٤٢١ هـ)، وابن الجَوْزي (٥٩٧ هـ) وابن الأثير (٦٣٠ هـ) وأبو الفداء (٧٣٢ هـ)، وخالفهم في ذلك اليَعْقُوبي (٢٨٤ هـ) والدِّينَوَري والمَسْعُودي (٣٤٦ هـ) وابن خَلدون (٨٥٨ هـ) الذين كتبوا تاريخ الحوادث بشكل كامل ومتصل ولو استغرق سنوات، إلى أن أدخل مؤرِّخ الإِسلام الذهبي (٧٤٨ هـ) في كتابه "تاريخ الإسلام" تعديلًا عليه بالتقسيم الفرعي للحوادث متتبعًا نظام العُقُود، أي من السنة الأولى إلى السنة العاشرة، وهكذا، وطبق هذا التقسيم إلى عقود على كل أجزاء كتابه (وهو ٢١ جزءًا من بداية التاريخ الإسلامي حتى بداية القرن الثامن الهجري)، واستمد الذهبي أصول هذا التقسيم من تاريخ السيرة النبوية مع الربط بآداب الطبقات والتراجم.
وطريقة الطبري في سرد أحداث كل حَوْلية ليست على نسق واحد، فتارة يذكر الحدث التاريخي، ثم يبدأ بذكر تفاصيله، والروايات التي فيه، وتارة يذكر جملة أحداث وقعت في سنة واحدة، ثم يعود إلى تفصيلها، ويختم الحولية غالبًا بذكر من توفي فيها من الأعلام المشهورين، ويذكر باستمرار في ختام كل حوليَّه أسماء عمال الأقاليم وأمراء الحج في تلك السنة، كما يذكر أخبار المرابطين في الثغور للجهاد، خاصة مع الروم.
أما الأخبار التي لا ترتبط بسنة معينة فكان الطبري يذكرها كاملة، فمثلًا كان يختم الحديث عن كل خليفة واستعراض الأحداث التي وقعت في عهده بذكر سيرته وترجمته.
٢ - نقل الروايات: عوَّل الطبري في أكثر كتابه على الرُّواة، كما صرّح في مقدمته السابقة، محتجًا أن المؤرخ لا يصحُّ له أن يستند إلى المنطق والقياس
стр. 99
والاستنباط وإنما يعتمد على ما ينقل إليه، ليدوِّن الأخبار على عهدة رواتها، ويعرضها بشكل موضوعي محايد، مع عَزْو كلِّ رواية لصاحبها.
وكان الطبريّ -رحمه الله تعالى- يذكر الروايات المختلفة، سواء كانت موافقة لفكره ورأيه، أم مخالفة لذلك، ولم يعلِّق غالبًا بترجيح، أو نقد، وترك ذلك للقارئ، لكن كان أحيانًا يُدلي برأيه، ويرجِّح بعض الروايات مبيِّنًا وجه الترجيح، ومستخدمًا في هذه الطريقة معرفته بالحديث وطرقه.
ويذكر الطبري سند الرواية موصولًا إلى صاحبه على طريقة علم الحديث، فإذا سمع الرواية من إنسان مشافهة قال: "حدَّثني" وإذا اشترك معه آخرون في السماع قال: "حدَّثنا"، وإذا كان بالمراسلة قال: "كتب إلي"، وإذا أخذ الأخبار عن الكتب أو بطريق الإجازة قدَّم لعبارته بقول: "قال" و"ذُكر" و "رُوي" و"حُدّثت عن فلان" ويهمل اسم المحدث، كما يذكر اسم مؤلف الكتاب، ولا يذكر اسم الكتاب، واستخدم الطبري اصطلاحات الحديث، التزامًا منه بمنهج المحدِّثين، في رواية الحديث النبوي، لذلك كان رجال الحديث هم واضعو أسس المنهج التاريخي.
ولكنّ الطبري، وغيره من المؤرخين، لم يلتزموا بجميع قواعد مصطلح الحديث في كتابة التاريخ للفارق الكبير بينهما، فالحديث مصدر من مصادر التشريع الإِسلامي، وتؤخذ منه الأحكام الشرعية، ويمثل التطبيق العملي لأحكام الدين، وهو مصدر العقيدة، وهو المنبع لسيرة الرسول ﷺ والتي يُعتمد عليها في الاقتداء والتأسِّي، ولا يرقى التاريخ إلى هذا المستوى، لذلك تساهل الطبريُّ ﵀ في الروايات التاريخية، ولم يطبِّق على رجال السند منهج الجَرْح والتعديل، واكتفى بإلقاء العُهدة في الخبر على الرَّاوي، كما ذكر في مقدمته، واعتمد قيمة الروايات بقوة أسانيدها من جهة، وقرب السند إلى الحادثة من جهة أخرى، ومن هنا يظهر السبب في قبول الطبري لرواية الضعفاء - عند المحدثين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد الكلبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي الكبير -كما يقبل رواية المجهولين، والروايات المرسلة إلى ابن عباس وغيره.
وتساهل الطبري أكثر فأكثر في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، فيقول مثلًا:
стр. 100
"ذكر لي بعض أصحابي" و"ذكر لي جماعة من أصحابنا" و"ذكر من رآه وشاهده" و"حدثني جماعة من أهل كذا" ولعل الباعث على زيادة التساهل خوفه على محدِّثيه الأحياء من غضب الآخرين الذين تمسُّهم الرواية، ويقل السندُ أكثرَ فأكثرَ في الأجزاء الأخيرة حتى ليندر أحيانًا في صفحات متتالية.
وإن استخدام الإِسناد والروايات قد شاع في مختلف التصانيف والعلوم، وصار هو الصفة الغالبة على منهج تدوين العلوم الإِسلامية الأخرى، واستمر حتى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبًا، ثم قلَّ الاعتناء به، وحلَّ محلَّه تدريجيًا النقل من الكتب والمؤلَّفات، وبقي شيء منه عند علماء الحديث للتبرّك والمحافظة على قدسية الحديث وخاصيَّة الأمة الإِسلامية بالإِسناد ومصطلح الحديث.
وكان السبب في استعمال طريقة الإِسناد والروايات في التاريخ أن المؤرِّخين الأوائل جمعوا بين صفتي المحدث والمؤرخ، وأن الدراسات التاريخية ظهرت في أحضان علم الحديث، وما فيه من سيرة رسول الله ﷺ وشمائله ومغازيه وهديه، كما لجأ المؤرخون إلى طريقة الرواية لاختيار الروايات والسلاسل التي تتفق مع ميولهم ورغباتهم وعقائدهم.
وطريقة الإِسناد تقابل في زماننا الالتزام بمنهج البحث العلمي في ذكر المصادر والمراجع للمادة المعروضة في مختلف العلوم، وفي بيان الأجزاء المركّب منها الدواء والجهاز وغير ذلك.
٣ - الاعتماد على المصادر: كان جلُّ اعتماد الطبري في الأخبار التاريخية على المصادر التاريخية التي صُنفت قبله، وكان الطبري يذكر غالبًا الإِسناد إلى المصادر عن طريق الرواة الذين يذكر أسماءهم، دون كتبهم، ومعظم هؤلاء الرواة صنفوا المؤلفات في الموضوعات التي تطرَّق إليها الطبري، ويأخذ من المؤلف نفسه مباشرة، أو بالواسطة عمن نقل عنهم.
وكان الطبري -رحمه الله تعالى- في اقتباس الروايات التاريخية يخالف منهج المحدثين الذين يَحْرصون على نقل كل حديث بمفرده، ثم ضمَّه إلى حديث آخر ولو اختلف الموضوع، أما في التاريخ فكان الطبري وعلماء التاريخ يجمعون بين
стр. 101
الرِّوايات العديدة، ويَمْزجون بعضها مع بعض لإخراج الحادثة متكاملة ووافية في المعنى والموضوع وأطراف الحادثة، وهذا ما يُسمَّى تاريخيًا بالإِسناد الجَمْعي، لحاجة كتب التاريخ والقصص والأخبار إلى السَّرْد الموضوعي، واستمرار الحوادث في نَسَق تاريخي متتابع، فتتكامل الصورة التاريخية في الموضوع، لكنهم يضطرون إلى ذكر السند لكل رواية لإِتاحة الفرصة للتحقق من صحتها، والتأكد من سندها.
٤ - جمع الأخبار وضبط النصوص: حرص الطبري ﵀ على ذكر أحداث كل سنة بشكل أخبار، ولكنه يذكر غالبًا للحادثة الواحدة روايات مختلفة لاعتقاده بوجوب ذكرها، ويقف غالبًا عند هذا الحدّ، فلا ينتقد الروايات المختلفة التي ذكرها، ولا يناقش مضمونها، ولا يرجِّح بعضها على بعض، لذلك أطلق عليه بعض المؤرخين اسم "الجمَّاعة" وأطلقوا على كتابه اسم "مجموع" خلافًا لمنهج الطبريّ في التفسير، فإئه يناقش الروايات، ويبيّن الراجح، ويبدي رأيه باستمرار.
وكان الطبري يحرص أيضًا في التاريخ على ضبط النصوص التي يرويها دون تبديل، حتى ولو كان في النص كلمات أعْجمية، ونصوص أعجمية، وأشعار فارسية.
٥ - الاستطراد في ذكر الأسباب والتفصيلات المصاحبة: فيذكر الطبري السبب في كل حادث يسجّله، وهذا أمر طيِّب لإلقاء الضوء عليه، كما كان يستطرد في عرض التفصيلات المتعلقة بالأحداث، ويعرض الحواشي المصاحبة لها، لأنها تتعلق بها، ثم يعود إلى الموضوع الرئيس الذي بدأ به، ويذكِّر القارئ فيه بقوله: "نعود إلى سياق خبر كذا وكذا، أو سياق خبر فلان أي راوي الخبر، أو نرجع إلى حديث فلان".
٦ - وضع العناوين للأحداث: ويمتاز الطبري في منهجه التاريخي بوضع عناوين للأحداث التي يَعْرِضها، وخاصة للأحداث المهمة التي تحتل المكانة الأولى في السنة التي يُؤرِّخ لها، ويقدم عناوينه بمقدمة عن الحادث المعيَّن للتأكيد على كلمة "سبب"، أما الأحداث الصَّغيرة فإنه يذكرها متعاقبة دون عناوين.
стр. 102
٧ - التوسُّع في سيرة الخلفاء: يظهر من تاريخ الطبري أنه يعطي الخلفاء أَوْلويَّة خاصة، وأهمية متميِّزة، وكأنَّ التاريخ محيط بهم، ويدور في فلكهم، وأن حياتهم ذات أثر كبير في غيرهم، للمثل القائل "الناس على دين ملوكهم"، وانعكاس أعمالهم على فعاليات الأمة، فكان الطبري إذا ذكر خليفة بيَّن سبب وفاته، وساق الروايات في ذلك، وعرض جانبًا من أحواله وأقواله وتصرُّفاته وسيرته العامة والخاصة، ويطيل أحيانًا في الخلفاء المهمّين كما فعل في سيرة الخلفاء الراشدين، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، والمنْصور، والمهدي، والرَّشيد.
٨ - الإكثار من الوثائق التاريخية: أكثر الطبري من إيراد الوثائق التاريخية لمادته العلمية، لذلك اعتبر تاريخه أوثق مصادر التاريخ الإِسلامي، كما وصفه ابن خلكان سابقًا بأنَّه "أصح التواريخ وأثبتُها" وكذلك يُعتبر تاريخ الطبري أوثق ما دُوِّن في السيرة النبوية، وهذا ينمّ عن دقة الطبري وتحقيقه وسعة اطلاعه، وهو ينسجم مع منهج الطبري العلمي والدقيق في مختلف كتبه ومصنفاته.
وعلى سبيل المثال تضمَّن تاريخ الطبري حوالي ثلاثين وثيقة تتعلق بالسيرة النَّبوية، أكثرها في العهد المدني، وتضمَّن حوالي خمسين وثيقة تتعلق بعصر الخلفاء الراشدين، وذكر الطبري بعض الوثائق للعهد الأموي، تُعتبر فريدة وهامّة، كما التزم هذه الدقة في تاريخ الروم والفرس والعرب، بالإضافة إلى الوثائق الأدبية.
٩ - تسجيل النُّصُوص الأدبية: وهنا يُكثر الطبري من ذكر النصوص الأدبية المرتبطة بالأحداث، كالشعر والخطابة والرسائل والمحاورات ذات الصلة بالمناسبات التاريخية (١).
والطبري في هذه الناحية يتبع منهج المؤرخين في عصره، ورواة الأخبار قبله، الذين يحرِصُون على تدوين الشعر الذي يتصل بالموضوع، كما كان
_________
(١) يقول أحمد أمين: "وكتابه هذا، مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب، لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصُّها في لغة رصينة بليغة، غاية في القوة" (ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤).
стр. 103
الأدباء يستعينون بالأخبار التاريخية لبيان مناسبات القصائد، والأحداث التي سبقتها، والأخبار التي عرضتها، وأسماء الأشخاص المذكورين فيها، ولذلك امتزج التاريخ بالأدب، وصار المؤرِّخ غالبًا راوية للأدب، وصار الأديب مؤرِّخًا.
من الأمثلة الأدبية التي ذكرها الطبري خُطبة زياد بن أبيه بالبصرة سنة ٤٥ هـ، (٦/ ١٢٤) وخطبة الحجاج بالكوفة سنة ٧٥ هـ (٧/ ٢١٠) وخطبة عبد الملك بن مروان بدمشق (٧/ ١٧٥) وخطبة خالد القَسْري بمكة (٨/ ٨٠) وخطبة الحسين بن علي في أصحابه (٦/ ٢٢٩) والحوار بين عبد الله بن الزبير وأمّه أسْماء حينما حاصره الحجاج بمكة (٧/ ٢٠٢) والحوار بين الخوارج والمهلب بن أبي صُفرة (٧/ ١٩١) ورسالة المختار الثقفي إلى محمد بن الحَنَفِيَّة (٧/ ١٢٧) والقصائد الكثيرة التي تظهر جلية على صفحات "تاريخ الطبري".
١٠ - الحياد والواقعية: كان الطبريُّ ورعًا وتقيًا ودقيقًا، وكان في الوقت نفسه ملتزمًا بمذهب أهل السنة والجماعة، وعقيدة السلف، ومع ذلك كان يورد الروايات المختلفة في الأحداث، دون مَيل مع أي هوى في إيراد الأخبار التاريخية، وكان في الغالب حياديًا بتصوير الأحداث، وترك الحكم عليها للقارئ، وعدم ممارسة النقد في الروايات وفي المتون، لأنه يعتقد أن أحاديث التاريخ لا تُبنى عليها أحكام شرعية، باستثناء الشؤون السياسية، وخاصة في العصر الراشدي، فكانت هذه الأحداث ذات انعكاس إيجابي وسلبي على المجتهدين في التطبيق الصحيح للشرع.
والطبري في نفس الوقت جريء في قول الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد تعرض في "تاريخه" لذكر كثير من الأحداث التي لا يرضى عنها العباسيون أنفسهم، وهم الخلفاء وأصحاب السلطة والنفوذ (١).
رابعًا: المآخذ على تاريخ الطبري:
قلَّما يسلم عمل إنسان من نقص، أو يصدر بشكل كامل، فإن الكمال لله وحده، وكل عمل للبشر معرَّض للنقص والخطأ، والنقد والمآخذ، ولذلك
_________
(١) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
стр. 104
سجَّل علماء التراجم والتاريخ عدة ملاحظات على تاريخ الطبري والمادة العلمية فيه، وعلى منهجه الذي سلكه، ونبدأ الآن بالمآخذ التي أوردها العلماء على المادة التاريخية فيه (١)، وأهمها.
١ - لم يحفظ الطبري التوازن بين فترات التاريخ قبل الإسلام وبعده، لأنه عرض تاريخ العالم منذ بدء الخليقة وهبوط آدم وتاريخ الأنبياء والأمم والدول في مجلد واحد يساوي تقريبًا عُشْر الكتاب، بينما عرض التاريخ الإِسلامي بتوسُّع، وأفرد له تسعة أعشار الكتاب.
ولكن هذه الملاحظة لا تَرِدُ على الطبريّ ﵀، لأنه لا يريد حقيقة أن يؤرِّخ للعالم، ليحققَ التوازن، ولكنه قصد أن يكتب التاريخ الإِسلامي فحسب، وقدَّم لكتابه بتمهيد ومدخل للتاريخ السابق، ولذلك كان تاريخ الطبري أجل وأعظم كتاب عن التاريخ الإِسلامي في القرون الثلاثة الأولى، وصار المرجع لكل من جاء بعده.
٢ - أسرف الطبري بذكر الإِسْرائيليات والخُرافات والأوهام والحكايات فيما يتعلق ببدء الخلق وقصص الأنبياء والتاريخ القديم، دون أن يُمحِّص ذلك ويَعْرِضه على النقد والمنطق والعقل وما جاء في القرآن والسنة.
وهذه الملاحظة لم ينفرد بها الطبري، بل شاركه فيها بقية المؤرخين، لأن مصدر المعلومات لهم غالبًا في ذلك هم أهل الكتاب، الذين عَرَضوا هذه المعلومات عن بدء الخليقة، ولا يوجد مرجع آخر فيها، فنقل المؤرِّخون ذلك دون تمحيص أو تدقيق أو تعليق (٢).
٣ - اقتصر الطبري في تاريخه عما نقله من المصادر والإسناد الماضية، وهذا صرفه عن النظر في أحداث عصره، فلم يُسجِّلها في كتابه، ولم يُؤرِّخها، فجاءت
_________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٠ وما بعدها، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) قال أحمد أمين: "إن كثيرًا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهامًا، ولكن عذر الطبريّ في ذلك أن هذا هو ما كان معدودًا في وقته، وليس له من الوثائق ما يستطيع أن يذكر به التاريخ الصحيح" ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٣.
стр. 105
الأحداث التي عاصرها باهتة ومختصرة جدًّا، مع أن الطبري كان على اطِّلاع واسع بها، وكانت خبرته جيدة ورحل إلى عدة أقطار في العالم الإِسلامي، وعاش دهرًا طويلًا وقعت فيه أحداث كبيرة وأمور مهمة، فلم يولِ اهتمامه بجيله وعصره، وظهر فيما كتبه عنه الضعف والإِيجاز المخلّ.
ولعل الباعث للطبري على ذلك تصوُّرُه لدراسة التاريخ وفهمه له بأنه مستودع خبرات الأجيال السابقة فقط، وأنه يكتب لأبناء جيله الذين يشاركونه في معرفة الأحداث ومجريات الأمور، فلا يأتيهم بجديد، وفاته أن الأجيال اللاحقة بحاجة ماسة للمعرفة التفصيلية للجيل الذي عاصر الطبري، وخاصة أنه شاهدُ صدق على ما يقول، وأنه أقرب من غيره لتسجيل هذه الأحداث، فحَرَمَ التالين من ذلك، ولو أَرَّخ لعصره لقدَّم لغيره مادة غزيرة وموثَّقة.
٤ - كان فهم الطبري للتاريخ العالمي أقل وأضيق من فهم بعض المؤرّخين السابقين له كاليَعْقوبي وابن قتيبة مثلًا - في نظرتهم الشمولية، بينما اقتصرت نظرة الطبري إلى تاريخ العالم على الخط الذي يصل بين الأنبياء والعهد الجاهلي كمقدمة للتاريخ الإِسلامي.
وقد يكون عذر الطبري في ذلك أنه يريد التاريخ الإِسلامي بحدِّ ذاته، وذَكَرَ تاريخ الأمم والملوك الآخرين كمقدّمة فقط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التاريخ القديم قليل المصادر، ومصادره غير معتمدة، والثقة فيها غير متوفِّرة، والخَيال فيها والخرافة والأَساطير من بنات الأفكار أكثر من الحقائق، فأخذ الطبري جانبًا من ذلك، لأن ما لا يُدْرَك كلّه لا يُترك جلّه.
٥ - كان الطبري مهتمًا في تاريخه بالأحداث السياسية، فحصر تاريخه غالبًا في المشاكل الداخلية للدولة، وما يتصل بالسياسة الداخلية، وأغفل كثيرًا الحديث عن الفتوحات الإِسلامية كالأندلس وغيرها، وأعرض عن بيان العلاقات الدولية، وحتى في العلاقات بين الدولة الإِسلامية والدول المجاورة لها كالبيزنطية والإِفرنجية، وأحوال هذه الدول وأمرائهم، وفي الأمور الداخلية اهتم
стр. 106
بالحَدَث السياسي، ولم يولِ أمور الإِدارة والقضاء والاقتصاد، والاجتماع أيَّ عناية (١).
وهذا الأمر يشترك فيه الطبري مع بقية المؤرِّخين، لأنَّ التاريخ كان مركَّزًا على الحكَّام والأمراء، ولم يلتفت إلى الجوانب الحضارية والإِدارية والاقتصادية، إلى أن تطور علم التاريخ، واتجه إلى بقية عناصر الحياة، وبلغ أوجه في عهد ابن خلدون وكتبه.
٦ - كان مفهوم التاريخ عند الطبري متأثرًا بالنزعة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية، فأحداث التاريخ تعبير عن المشيئة الإِلهية، والتاريخ مستودع خبرات عليا للأمة، دون اهتمام بقيمة التجارب التي مرت بها، ورسالتها التاريخية الواحدة.
وهذه الملاحظة تُعتبر مزيَّة لتاريخ الطبري المحدِّث والمفسر والمجتهد والعالم والحافظ للقرآن، والإِمام لمذهب فقهي عملي في الحياة، وأن الطبري المحدِّث عبَّر عن وجهة النظر الدينية الإِسلامية عامة، ووجهة نظر المحدِّثين في كتابة التاريخ بفكرة تكامل الرسالات السماوية في التاريخ، وأنه تعبير عن المشيئة الإِلهية، فكان تاريخه قرينًا ومكمِّلًا لتفسيره، فالتفسير لتوضيح إرادة الله في كلامه، والتاريخ يوضح إرادة الله في مسيرة البشرية (٢).
خامسًا: المآخذ على منهج الطبري:
تعرض علماء التاريخ لبيان المآخذ على منهج الطبري في تاريخه وقدَّموا عدة ملاحظات عليه (٣)، نذكر أهمها:
١ - ضمور النقد عند الطبري: وذلك أنه اكتفى بسرد الروايات، وبيَّن في مقدمته أنه يرمي العهدة على الرواة، ووقف خارج الأحداث، وملتزمًا بالرواية، ولم يعدِّل الرواة، ولم يُجرِّحهم، مع أن الطبري من علماء الحديث، ويمكنه
_________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٦.
(٣) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٩، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٥ طبعة دار المعارف.
стр. 107
الالتزام بطريقة المحدِّثين في مجرَّد سرد الرواية دون تعرُّض لمتنها، كما أنه يفعل فعلهم في التعديل والتجريح للرواة، ولذلك يُعتبر ضمور النقد عند الطبري في التاريخ نقطة ضعف ونقص، وإن اعتُبرت في الحديث أمانة وميزة، وقد ذكر الطبري أحيانًا روايات غير معقولة، أخذها عليه المؤرِّخون بعده بإيرادها دون نقد وتفكير، وأنها منافية للعقول، ولا يجوز أن تُسطَّر في الكتب، ولم يشر إلى الروايات المكذوبة.
وهذه النظرة من الطبري إلى التاريخ تحصره في نطاق المعرفة، وتجرِّده من العظة والاعتبار والتأسِّي من جهة، خلافًا لابن مِسْكوية في كتابه "تجارب الأمم" قاصدًا بيان التجارب التي مرَّت بالسلف، ويحسن بالخلف أن يطَّلِع عليها، ويستفيد منها، ويتَّعظ بها، كما ابعدت نظرةُ الطبريّ للتاريخ المؤرِّخ عن التدخّل في الأحداث وتحليلها وبيان مدلولاتها، وهو ما يتجه إليه المؤرِّخون المتأخرون.
لكن الطبري ﵀ أدْلى بدلوه أحيانًا، وأبدى رأيه، ورجَّح ما يراه قويًّا بقوله "والصحيح عندنا"، و"أنا أشك في ذلك" وقوله "وقد زعم بعضهم كذا" وهو توجيه نقدي واضح، كما أنَّه لم يعتمد من الأصل في النقل على من كان فيه مظنَّة شبهة، من أمثال محمد بن السائب الكلبي، ومقاتل بن سليمان إلا في النُّدرة، واعتمد على المؤلَّفات التي يثق بها مثل كتب سَيف بن عمر في التاريخ، كما أن رجال الحديث والتاريخ في الأصل لم يتشدَّدوا في الرواية التاريخية تشدُّدَهم في الحديث النبوي الشريف، وكان عمل الطبري في التاريخ جليلًا، لأنه حفظ لنا الروايات من الضياع، ونسّقها تنسيقًا جيدًا، ولولاه لضاع معظمها، وحُرمنا من معرفتها.
٢ - عدم ذكر الكتب والمؤلفات: كان الطبري يَرْوي التاريخ عن الرواة والمؤرخين، دون أن يحدِّد الكتاب المأخوذ منه، وكان لكثير منهم عدد من الكتب، فسَيف بن عمر له كتاب الفتوح، والردة، وموقعة الجمل، وغيرها، والواقدي له كتاب المغازي، والردة، والتاريخ الكبير، وهشام الكلبي له مئة وأربعون كتابًا ذكرها ابن النديم، واستخرج فرانز روزنثال أسماء الكتب الواردة
стр. 108
في الفهرس لكل واحد من المؤلفين، ومصنَّفَة حسب مواضيعها (١).
ولو ذكر الطبري أسماء الكتب لاستطاع الباحثون الرجوع إلى ما بقي منها، ولعرف الخلف مؤلفات السلف للتنقيب عنها، وتحقيق ما سلم من الضياع منها، والمقارنة بين نصوصها ونصوص الطبري.
٣ - كان الطبري يقطع الأحداث بالروايات المتعددة، وبالسنين المتعاقبة، فيقطع الرواية الواحدة إذا وقع فيها خلاف، فيذكر الرواية أو الروايات المخالفة ثم يعود للرواية الأولى، فتتداخل الروايات وتتشابك، ويتشتت معها القارئ، وينشغل بالفروع عن الحادث الأصيل، مع ما في طريقة الطبري من أمانة ودقة، وكان يمكنه تحقيق هدفه بعرض كل رواية عرضًا كاملًا، ثم بالتعقيب عليها بغيرها، ثم بالموازنة فيما بينها، وترجيح بعضها على بعض.
وكان منهج الطبري "الحولي" يضطره إلى تجزئة الحادث الذي امتد عدة سنوات، فتتبعثر صورته، ويفقِد وَحْدته وموضوعه، مما يصعب معه على القارئ أنْ يُلِمَّ بالحادث الواحد متكاملًا.
٤ - التركيز على الجانب السياسي، وهو ما فعله أكثر المؤرخين الذين كتبوا في التاريخ العام، وتأثر الطبري ﵀ بهم وبروح العصر الذي عاش فيه، ولذلك قال السخاوي عنه: "وهو جامع لطرق الروايات، وأخبار العالم، لكنه مقصور على ما وضعه لأجله من علم التاريخ والحروب والفتوحات" (٢)، وحتى في الجانب السياسي يُغفل الطبري أسماء الولاة والموظفين، ويُغفل أحيانًا بعض الحركات المعارضة للسلطة.
ويعد: فإن هذه الملاحظات على تاريخ الطبري، والمآخذ على منهجه، لا تقلِّل من قيمته، ولا تُنْقص من أهميته، وأنه كتاب جليل القدر، عظيم القيمة، وأنَّه المرجع الأول للتاريخ العربي الإِسلامي، ويحتل الصدارة عند المؤرخين، ويتبوَّأ المكانة الأولى بين كتب التاريخ، وأنه المرجع الأصيل لكل من كتب في التاريخ، والمصدر الأساسي لمن جاء بعده من المؤرِّخين، ويمثّل
_________
(١) انظر: الفهرست ص ١٣١ وما بعدها، علم التاريخ عند المسلمين ص ٢٧٣.
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التواريخ ص ٦٦٩ ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.
стр. 109
صفحة مشرقة، وصورة ناصعة للثقافة التي جمعها الطبري في ذهنه، ومثلها لأبناء عصره وجيله، وبقي تاريخ الطبري ماثلًا في الأذهان طوال الأجيال الماضية، وسيبقى بمشيئة الله تعالى أمام العين والقلب، والعقل والفكر، في المستقبل، فجزاه الله خيرًا، وأعطاه ما يستحق من الثواب والأجر.
يقول الأستاذ شاكر مصطفى: "وعلى أي حال، فإن ما قد يُوجَّه إلى منهج الطبري، وإلى تاريخه من نقد لا يمكن أن يُلغي شيئًا من قيمته كمؤرخ أوَّل، انتهى به العصر الأول للتدوين التاريخي، وكمؤلِّف ظلت أجيال المؤرخين في العصور التالية عِيالًا على كتابه في كل ما يتصل بالقرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام" (١).
* * *
_________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦١.
стр. 110
رابعًا تاريخ الطبري - قسم الصحيح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فلقد وفقنا الله تعالى للقاء أستاذ التاريخ الإسلامي الكبير فضيلة الدكتور / أكرم ضياء العمري / قبل مراجعتنا للمسودة فشجعنا جزاه الله خيرًا واطلع على فصول من قسم الصحيح يتعلق بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين، وأبدى ملاحظاته القيمة ومن هذه الملاحظات:
ضرورة كتابة فصل في بداية (كل فترة) نبيِّن فيها أسانيد الطبري، مع بيان درجاتها من الصحة أو الضعف، وذلك لأن الطبري ﵀ يعيد عددًا من الأسانيد، عشرات بل مئات المرات، فالأولى أن نحكم على هذه الأسانيد في المقدمة قبل الشروع في تخريج الروايات (١).
وهذه ملاحظة قيمة من الأستاذ العمري جديرة بالاعتبار والاهتمام إلَّا أن الإشكال أننا كنا قد انتهينا من التخريج والتحقيق سنة ١٩٩٩ م بينما كان اللقاء مع فضيلة الأستاذ العمري سنة ٢٠٠١ م الموافق لـ (١٤٢٢ هـ) وذلك في شهر شعبان، فتداركنا الأمر من باب ما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه، فكتبنا فصلًا في مقدمة المجلد المتعلق بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين ضمناه تراجم الرواة وذكرنا الحكم النهائي على كل راوٍ في هذا الفصل، ومن لم نذكر اسمه هناك،
_________
(١) اكتفينا ببيان أسانيد الطبري في بداية الصحيح - هنا - خشية التكرار في كل جزء من الصحيح، ودَفْعًا للإطالة على القارئ.
следующие страницы →