وُجوههم فتنحّوْا، وأخلَوْا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوْا انصرف الترك، وأحرق العربُ القنطرة، فأتاهم خُسرو بن يَزْدَجِرْد في ثلاثين رجلًا، فقال: يا معشَر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد عليّ مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف.
قال: وجاءهم بازغري في مئتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمِنونا حتى ندنُوَ منكم، فأعرِض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان، فآمنوه، فدنا من المدينة، وأشرفوا عليه ومعه أسَراء من العرب، فقال بازغري: يا معشَر العرب، أحدِروا إليّ رجلًا منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيبًا مولى مَهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: أحِدروا إليّ رجلًا يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدّو شدوًا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل مَنْ كان عطاؤه منكم ستمئة ألفًا، ومن كان عطاؤه ثلاثمئة ستمئة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاءٌ! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغري، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغري إلَّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النِّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السُّغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال: فقال له: أعرض على القوم ما تراضيْنا به، وأقبل فأخذ بطرَف الحبْل فجذبوه حتى صار على سُور المدينة، فنادى: يا أهل كَمَرْجَة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا: نموت جميعًا قبل ذلك. قال: فأعلموهم.
قال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أنتم عندنا إلَّا بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حُميد
стр. 4132
النضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تَكلَّم؟ قال: عليّ رقباءُ، وأمر خاقان بقطْع الشجر، فجعلوا يلقُون الحطب الرّطب، ويلقى أهل كَمَرْجة الحطَب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريحٌ شديدة - صُنْعًا من الله قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فاوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابتْ بازغري نُشابة في سرتّه، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانَهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم، فلما امتدّ النهار جاؤوا بالأسْرى وهم مئة؛ فيهم أبو العوْجاء العتَكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورمْوا إليهم برأس الحجاج بن حُميد النضريّ، وكان مع المسلمين مثتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: مَنْ لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم، فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلْفِي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجَب أنه لم يبقَ ملِك فيما وراء النهر إلَّا قاتل بكَمَرْجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهلُ كمَرْجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فَرْغانة، فعيَّر خاقانُ أهلَ السُّغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حمارًا، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهريْن، وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جُهدًا، ولكن أحضرنا غدًا فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطارَبَنْد؛ فاستأذنه في القِتال والدّخول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتيْن من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثُلْمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خَرْق يفضِي إلى الثلْمة، وفي البيت رجلٌ من بني تميم مريض، فرماه بكَلُّوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجلٌ بحجَر؛ فأصاب أصلَ أذنه فصُرع، وطعنه رجل فقتله، وجاء شابّ أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صنَاعًا، وألصقوها بحائط
стр. 4133
الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبوبًا له؛ فأقعدوا الرُّماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائي عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدُهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجى فلم يخطئ قَصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبّتيّة، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب بن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقانَ شيءٌ أشدّ منه.
قال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجَزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس منْ رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو نرحّلهم عنها. فقال له كليب بن قَنَان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نُقْتَل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سَمَرْقند أو الدَّبُوسيّة، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خُروجكم مِن هذه المدينة.
قال: ورأى أهل كَمَرْجة ما هم فيه من الحِصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سَمَرْقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطاليّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بُعِثت إلى سَمَرْقند؛ فاحْمِلْني، فقال: ما أجد دابة إلَّا بعض دوابّ خاقان، فإن في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعًا إلى تلك الرَّوْضة، فأخذ برذونًا فركبه، وكان إلْفه برْذون آخر، فتبعه فأتى سَمَرْقند من ليلته، فأخبر هم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدّبُوسيَة، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألَّا يعرِضوا لهم، وسألوهم رجلًا من الترك يتقوَّوْن به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا مَنْ شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حَيْث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابَه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السُّغْد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطِهم أمانًا يخرجون عنها، ويروْن أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه، فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.
стр. 4134
قال: فصار الرّهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سَمَرْقند - وكان الرّهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال: كورصول للعرب: ارتحلوا قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب.
قال: فكفّ عنهم، حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقالط: إنما الشدّة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخْين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خَلْف كلّ رجل من الترك رجلًا من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قَباء، فساروا بهم.
ثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبُوسيَة فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدّبُوسيَة قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمْع. فظنوا أن كَمَرْجة قَد فُتحت، وأنّ خاقان قصد لهم. قال: وقربنا منهم وقد تأهتوا للحرب؛ فوجّه كليب بن قَنان رجلًا من بني ناجية يقال له الضّحاك على بِرذْون يركض، وعلى الدبُوسيَة عَقيل بن ورّاد السّغديّ، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبُوسيَة يركُضون، فحمِل مَن كان يضعف عن المشي ومَنْ كان مجروحًا.
ثمّ إن كليبًا أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درْهَم ليُعلِما سِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلَّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من العرب؛ حتى بقيَ سِبَاع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغَدْر، فقال سِبَاع: خلّوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سِباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقتُ برأيك فيّ، وقلت: ترفَّعُ نفسك عن الغدْر في مثل هذا، فوصله وسلّحه وحمله على برْذون، ورده إلى أصحابه.
стр. 4135
قال: وكان حصار كمَرْجة ثمانية وخمسين يومأ، فيقالى إنهم لم يسقوا إبلَهم خمسة وثلاثين يومًا.
قال: وكان خاقان قسَم في أصحابه الغنم، فقال: كلُوا لحومها واملؤوا جلودها ترابًا، واكبسوا خندقَكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم.
وكان مع أهل كَمَرْجة قومٌ من الخوارج، فيهم ابن شُنْجٍ مولى بني ناجية.
ذكر ردّة أهل كرْدر
وفي هذه السنة ارتدّ أهل كُرْدر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم، وقد كان الترك أعانوا أهل كُرْدَر؛ فوجّه أشرس إلى مَنْ قرب من كُرْدَر من المسلمين ألف رجل ردْءًا لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفِروا بأهل كردر، وقال عَرْفَجة الدارميّ:
نحْن كَفينا أَهْلَ مروٍ وغَيْرَهُمْ ... ونحنُ نَفَيْنا التُّرْك عن أَهْل كَرْدَرِ
فإِن تجعَلوا ما قد غَنِمْنَا لِغَيْرنا ... فَقَدْ يُظلمُ المَرءُ الكَريمُ فيَصْبر
* * *
وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء.
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله. [٧/ ٥٩ - ٦٦].
стр. 4136
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأَحداث
قال الواقديّ: غزا سنة إحدى عشرة ومئة على جيش البحر عبد الله بن أبي مريم، وأمّر هشام على عامَّة الناس من أهل الشأم ومصر الحكَم بن قيس بن مخرَمة بن المطّلب بن عبد مناف.
وفيها سارت الترك إلى أذْربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم (١). [٧/ ٦٧].
قال: وكان سبب استعماله إيّاه أنه أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشامًا، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد؛ فسأله أكثرَ من تلك الدوابّ فلم يفعل؛ فقدم خراسان في خمسمئة - وأشرسُ بن عبد الله يقاتل أهلَ بخارى والسُّغْد - فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر، فدُلّ على الخَطاب بن محرز السلَميّ خليفة أشرس، فلما قدم آمُل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من بزَمّ ومن حوله، فيقدموا عليه، فأبى وقطع النهر، وأرسل إلى أشرس أن أمِدّني بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامرَ بن مالك الحِمَّانيّ، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسُّغْد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجُنيد، فدخل عامر حائطًا حصينًا، فقاتلهم على ثُلْمة الحائط، ومعه وَرْد بن زياد بن أدهم بن كلثوم؛ ابن أخي الأسود بن كلثوم، فرماه رجل من العدوّ بنُشّابة، فأصاب عَرْض منخره، فأنفذ المنخرين، فقال له عامر بن مالك: يا أبا الزاهريّة، كأنك دجاجة مقرّق (٢). وقتِل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة، وخاقان على تلّ خلفه أجمَةٌ، فخرج عاصم بن عمير السَّمَرقنديّ وواصل بن عمرو القيسيّ في شَاكرّية، فاستدارا حتى صارا من وراء
стр. 4137
ذلك الماء، فضمّوا خشبًا وَقصبًا وما قدروا عليه، حتى اتَّخذوا رَصَفًا (١)، فعبَروا عليه فلم يشعر خاقان إلَّا بالتكبير، وحمل واصل والشاكريّة على العدوّ فقاتلوهم؛ فقُتِل تحت واصل برذون، وهُزم خاقان وأصحابه.
وخرج عامر بن مالك من الحائط، ومضى إلى الجُنيد وهو في سبعَة آلاف؛ فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعلَى مقدّمة الجنيد عُمارة بن حُرَيم، فلما انتهى إلى فرسخين من بِيكَنْد، تلقته خيل الترك فقاتلهم؛ فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه، ثم أظهره الله؛ فسار حتى قدم العسكر. وظفر الجنيد، وقتل الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زَرْمان من بلاد سَمَرْقند، وقطَن بن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارى - وكان ينزلها - فأسر ملك الشاش، وأسرَ الجُنَيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة؛ فبعث به إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشِّر بن مزاحم على مَرْو وولّى سورة بن الحُرّ من بني أبان بن دارم بلْخ، وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عُمارة بن معاوية العدويّ ومحمد بن الجرّاح العبديّ وعبد ربّه بن أبي صالح السُلميّ إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا؛ فتوافقوا بالتِّرمذ، فأقاموا بها شهرين.
ثم أتى الجُنيد مَرْو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام متْرَف، هَزَمني العامَ وأنا مهلكه في قابل؛ فاستعمل الجنيد عُمّاله، ولم يستعمل إلَّا مُضَريًّا؛ استعمل قَطن بن قتيبة على بُخارى، والوليد بن القعقاع العبسيّ على هَراة، وحبيب بن مرّة العبسيّ على شرَطه، وعلى بلْخ مسلم بن عبد الرحمن الباهليّ. وكان نصر بن سيار على بلْخ؛ والذي بينه وبين الباهليّين متباعد لما كان بينهم بالبَرُوقان، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائمًا، فجاؤوا به في قميص ليس عليه سَراويل، ملبَّبًا، فجعل يضمّ عليه قميصَيْه، فاستحيا مسلم، وقال: شيخ من مُضَر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجُنيد مسلمًا عن بَلْخ، وولّاها يحيى بن ضُبَيعَة، واستعمل على خراج سَمرقَنْد شداد بن خالد الباهليّ، وكان مع الجنيد السّمْهريّ بن قَعْنب. [٧/ ٦٧ - ٦٩].
стр. 4138
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٧/ ٧٠]
قال: وكان الجُنيد يذكر خالد بن عبد الله، ويقول: رَبَذَة من الرّبَذ، صنبور بن صنبور، قُلّ ابن قُلّ، هيْفة من الهيف - وزعم أن الهيْفة الضَّبُع، والعُجْرة الخنزيرة، والقلّ: الفرد - قال: وقدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهليّ في أهل البصرة وعبد الرحمن بن نعيم الغامديُّ في أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، فسرح معهم الحوثرة بن يزيد العنبريّ فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم، وأمرهم أن يحملوا ذراريّ أهل سمرقند، ويدَعوا فيها المقاتلة. ففعلوا.
قال أبو جعفر: وقد قيل: إن وقعة الشِّعب بين الجُنيد وخاقان كانت في سنة ثلاث عشرة ومئة.
وقال نصر بن سيّار يذكر يوم الشِّعب وقتال العبيد:
إنِّي نَشأْتُ وَحُسَّادِي ذَوُو عَدَدٍ ... يا ذا المعارجِ لا تَنقصْ لهمْ عَدَدا
إن تحسدوني على مثل البلاء لكُمْ ... يومًا فمثلُ بلائي جَرَّ لِي الحَسدَا
يأْبَى الإِلُه الذي أَعلَى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عُددا
أَرْمِي العدُوَّ بأفراسٍ مُكلَّمَةٍ ... حتى اتخذْن على حُسَّادِهنَّ يدا
من ذا الذي منكُمُ في الشِّعب إذ وردُوا ... لَمْ يتَّخِذْ حَوْمة الأَثقالِ مُعْتَمَدَا!
فما حفظتمْ منَ اللهِ الوَصاة ولا ... أنتم بصَبْرٍ طَلَبتُمْ حُسْنَ ما وَعَدَا
ولا نَهَاكمْ عَنِ التَّوْثابِ في عتَبٍ ... إلَّا العَبيدُ بضَرْب يَكسِرُ العَمَدا
هَلَّا شَكرتمْ دِفاعِي عَنْ جُنَيدِكُمُ ... وَقْعَ القَنَا وشِهَابُ الحربِ قَدَ وَقَدا!
وقال ابن عرس العبديّ يمدح نَصرًا يوم الشِّعب ويذّم الجُنيد؛ لأن نصرًا أبلى يومئذ:
يا نصرُ أنت فتى نزارٍ كُلِّها ... فَلَكَ المآثِرُ والفَعالُ (١) الأَرفَعُ
فَرَّجْتَ عَنْ كلِّ القَبائل كُربَةً ... بالشَعب حِينَ تَخاضَعُوا وتَضعْضَعُوا
يَوَمَ الجُنيدِ إذ القنا مُتَشاجرٌ ... والنَّحرُ دامٍ والخَوافِقُ تلمَعُ
стр. 4139
ما زلتَ تَرمِيهمْ بنفسٍ حُرّةٍ ... حتَّى تَفَرَّجَ جَمعُهُمْ وتَصَدَّعُوا
فالناسُ كُلٌّ بَعْدها عُتَقاؤكمْ ... ولك المكارمُ والمعالِي أجْمَعُ
وقال الشرعبيّ الطائيّ:
تذكَّرتُ هِندًا في بِلادٍ غَرِيبَةٍ ... فيالكَ شَوْقًا، هل لِشَملِكَ مَجْمَع!
تذكَّرتُهَا والشاشُ بَيني وبينها ... وشِعْبُ عِصَامٍ والمنايا تَطلَّعُ
بلادٌ بها خاقانُ جَمٌّ زُحُوفُهُ ... ونيلانُ في سبعينَ ألفًا مُقَنَّعُ
إذا دَبّ خاقانٌ وسارت جنودُهُ ... أتتنَا المَنايا عندَ ذلك شُرَّع
هنالك - هندُ - ما لَنا النِّصفُ ... منهمُ وما إنْ لنا يا هندُ في القومِ مَطْمَعُ
ألا رُبَّ خَوْدٍ خَدْلةٍ قد رأيتُها ... يسُوق بها جَهمق مِنَ السُّغدِ أَصْمَعُ
أُحامي عليها حين ولَّى خليلُها ... تنادِي إليها المسلمينِ فتُسمعُ
تنادي بأَعلى صوتِها صَفَّ قومِها ... ألا رجلٌ منكم يَغارُ فيَرجعُ!
ألا رجلٌ منكُم كَريمٌ يَرُدُّنِي ... يرى الموت في بعضِ المواطنِ ينفع!
فما جاوبُوها غير أنّ نَصيفَها ... بكَفِّ الفتى بين البرازيق أَشْنَعُ
إِلى اللهِ أَشكُو نَبوَةً في قلوبها ... ورُعبًا مَلا أجوافها يَتَوَسَّعُ
فمَن مُبْلغ عَنِّي ألوكًا صحيفةً ... إلى خالِدٍ مِنْ قَبلِ أن نَتَوَزَّعُ
بأنَّ بقايانا وأنَّ أَميرنا ... إذا ما عَدَدْنَاهُ الذَّلِيلُ المَوقعُ
هُمُ أطْمَعُوا خاقانَ فينا وجُنْدَهُ ... ألا ليتَنَا كُنَّا هَشِيمًا يُزَعْزَعُ
وقال ابن عرس - واسمه خالد بن المعارك من بني غَنْم بن وديعة بن لكيز بن أفصى. وذكر عليّ بن محمد عن شيخ من عبد القيس أنّ أمه كانت أمَة، فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بني عامر بن الحارث، فأعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب، كم لي عندك من المال؟ قال: ثمانون ألفًا، قال: أنت حُرّ وما في يديك لك. قال: فكان عمرو ينزل مَرْو الرّوذ؛ وقد اقتتلت عبد القيس في ابن عُرْس؛ فردّوه إلى قومه، فقال ابنُ عرس للجُنيد:
أينَ حُماةُ الحرب منْ معشَرٍ ... كانوا جَمالَ المنسَرِ الحارِد!
بَادُوا بآجالٍ تَوافَوْا لها ... والعائِرُ المُمْهَلُ كالبائِدِ
فالعينُ تُجرِي دَمْعها مُسْبَلًا ... ما لِدُمُوعِ العينِ من ذائد
انظرْ ترى للميْتِ مِنْ رَجْعَةٍ ... أمْ هل ترى في الدهر من خالد!
стр. 4140
كُنَّا قديمًا يُتَّقى بأْسُنا ... ونَدْرَأ الصَّادِرَ بالوارِدِ
حتى مُنِينا بالذي شامَنا ... من بعدِ عِزٍّ ناصرٍ آئدِ
كعاقِر الناقةِ لا يَنثنِي ... مبْتَدِئًا ذِي حَنَق جاهِدِ
فَتَقْتَ ما لم يلتئِم صَدْعُهُ ... بالجَحْفَلِ المحْتَشِدِ الزائدِ
تَبكي لها إنْ كشَفَت ساقَها ... جدْعًا وَعَقْرًا لك من قائدِ!
ترَكْتَنا أجزاءَ مَعْبُوطةٍ ... يَقسِمُها الجازرُ للناهد
تَرَقّتِ الأَسيافُ مَسْلولَةً ... تزيلُ بينَ العَضْدِ والساعدِ
تَسَاقَطُ الهاماتُ من وقعِها ... بينَ جَنَاحَيْ مُبرِقٍ راعد
إذْ أنت كالطفلةِ في خِدرِها ... لمْ تَدرِ يومًا كَيْدَةَ الكائدِ
إنَّا أناسٌ حَربُنا صَعبَةٌ ... تعصِفُ بالقائِمِ والقَاعدِ
أضحَتْ سمرْقندُ وأشياعُها ... أحدوثَةَ الغائِبِ والشاهدِ
وكم ثَوَى في الشعبِ من حازمٍ ... جَلدِ القُوَى ذي مِرَّةٍ ماجد
يَستَنْجِدُ الخَطْبَ ويَغشَى الوغى ... لا هائبٍ غُسٍّ ولا ناكِدِ (١)
ليتَك يومَ الشِّعْب في حُفرَةٍ ... مرمُوسَةٍ بالمَدَرِ الجامِدِ
تلعبْ بك الحربُ وأبناؤِها ... لعْبَ صُقُورٍ بِقَطًا واردِ
طارَ لها قلبُكَ من خيفةٍ ... ما قلبك الطائرُ بالعائدِ
لا تحسِبَنَّ الحربَ يومَ الضحى ... كشربِكَ المُزَّاءَ بالبارِدِ (٢)
أبغَضتُ من عَينِكَ تَبْرِيجَها ... وصورةً في جسدٍ فاسِدِ
جُنيدُ ما عِيصُكَ منسوبُهُ (٣) ... نبْعًا وَلا جَدُّكَ بالصَّاعد
خمسون ألفًا قُتِلوا ضِيعَةً ... وأنتَ منهم دعوة الناشد
لا تَمَريَنَّ الحربَ من قابلٍ ... ما أنتَ في العَدوَةِ بالحامد
قلَّدتُه طَوْقًا على نحرِهِ ... طوق الحمامِ الغرِدِ الفارِد
قصيدةً حبَّرَهَا شاعِرٌ ... تسعَى بها البُرْدُ إلى خالِدٍ
[٧/ ٨٤ - ٨٧].
стр. 4141
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممَّا كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بُخت، وهو مع البطَّال عبد الله بأرض الرّوم؛ فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر، أن عبد الوهاب بن بُخْت غزا مع البطّال سنة ثلاث عشرة ومئة، فانهزم الناس عن البطّال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكرّ فرسه وهو يقول (١): ما رأيتُ فرسًا أجبن منه، وسَفَك الله دمي إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بُخت؛ أمِن الجنة تفرّون! ثم تقدّم في نحور العدوّ؛ فمرّ برجل وهو يقول: واعطشاه! فقال: تقدّم؛ الرِّيُّ أمامك؛ فخالط القوم فقُتِل وقُتل فرسه.
* * * *
ومن ذلك ما كان من تفرِيق مسلمة بن عبد الملك الجيوشَ في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبَى، وحرَق خلقٌ كثير من الترك أنفسَهم بالنار، ودان لمسلمة مَن كان وراء جبال بلنجر وقتل ابن خاقان (٢).
ومن ذلك غَزْوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مَرعش ثم رجع.
وفي هذه السنة صار من دُعاة بني العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلًا منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدرٌ (٣). [٧/ ٨٨].
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث
وفي هذه السنة أصاب الناس بخُراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجُنيد
стр. 4142
إلى الكور: إنَّ مرْو كانت آمِنة مطمئنَّة يأتيها رزقُها رغدًا من كلّ مكان، فكفرت بأنعُمِ الله؛ فاحملوا إليها الطعام (١).
قال عليّ بن محمد: أعطى الجُنيد في هذه السنة رجلًا درهمًا، فاشترى به رغيفًا، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتُني بالهند وإن الحبّة من الحبوب لتباع عددًا بالدرهم؛ وقال: إنَّ مَرْو كما قال الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [٧/ ٩٢].
ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
ذكر عليّ بن محمد، عن أشياخه، أنّ الجُنيد بن عبد الرحمن تزّوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلَّب، فغضب هشام على الجُنيد، وولّى عاصم بن عبد الله خراسان؛ وكان الجُنيد سَقَى بطنُه، فقال هشام لعاصم: إن أدركتَه وبه رمَق فأزهقْ نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد.
قال: وذكروا أنَّ جبلة بن أبي روّاد دخل على الجُنيد عائدًا، فقال: يا جبلة، ما يقول الناس؟ قال: قلت يتوجَّعون للأمير؛ قال: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشأم بيده. قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرَّهاويّ، قال: ذلك سيّد أهل الشأم، قال: ومن؟ قلت: عصمة أو عصام، وكنّيت عن عاصم، فقال: إن قدِم عاصم فعدوّ جاهد؛ لا مرحبًا به ولا أهلًا.
قال: فمات في مرضه ذلك في المحرّم سنة ست عشرة ومئة، واستخلف عمارة بن حُرَيم. وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عُمارة بن حُرَيم وعمال الجنيد وعذّبهم، وكانت وفاته بمرْو، فقال أبو الجُوَيرية عيسى بن عصمة يرثيه:
هلك الجُودُ والجنيدُ جميعًا ... فعلى الجود والجُنيدِ السّلامُ
أصبحا ثاوِيَيْن في أَرضِ مَرْوٍ ... ما تَغَنَّتْ على الغُصونِ الحمامُ
كنتُمَا نُزْهَةَ الكرامِ فلما ... مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ
стр. 4143
ثم إنَّ أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسريّ وامتدحه، فقال له خالد: ألست القائل:
هلك الجود والجُنيد جميعًا
ما لك عندنا شيء، فخرج فقال:
تظَلّ لامِعَة الآفاقِ تَحْمِلُنَا ... إلى عُمارَةَ والقُودُ السَّرَاهِيدُ
قصيدة امتدح بها عُمارة بن حُريم، ابنَ عمّ الجنيد، وعُمارة هو جدّ أبي الهَيْذام صاحب العصبيّة بالشأم.
قال: وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حُرَيم وعمال الجنيد وعذَّبهم (١) [٧/ ٩٣ - ٩٤].
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر عليّ عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان واليًا، أقبل الحارث بن سُريج من النّخُذ حتى وصل إلى الفارَياب، وقدم أمامه بشر بن جُرْمُوز. قال: فوجّه عاصم الخطَّابَ بن محرز السُّلميّ ومنصورَ بن عمر بن أبي الخَرْفاء السُلميّ وهلال بن عُليم التيميّ والأشهبَ الحنظليّ وجرير بن هميان السدوسيّ، ومقاتل بن حيّان النبَطيّ مولى مصقلة إلى الحارث؛ وكان خطّاب ومقاتل بن حيّان قالا: لا تلقوْه إلَّا بأمان، فأبى عليهما القوم؛ فلما انتهوا إليه بالفارياب قيّدهم وحبَسهم، ووكَّل بهم رجلًا يحفظهم. قال: فأوثقوه وخرجوا من السّجن، فركبوا دوابّهم، وساقوا دوابّ البريد، فمرُّوا بالطالَقان فهمَّ سهْرَب صاحب الطالَقان بهم، ثم أمسك وتركهم. فلما قدموا مَرْو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره، ثم مضى الحارث إلى بَلْخ وعليها نصر، فقاتلوه؛ فهزم أهل بلْخ ومضى نصر إلى مرْو.
وذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التُّجيبيّ بن ضُبيَعة المرّيّ ونصر بن سيار، وولّاهما الجنيد، قال: فانتهى إلى قنطرة عطاء وهي على نهر بلْخ على فرسخين من المدينة، فتلقى نصربن سيار في عشرة آلاف
стр. 4144
والحارث بن سُريج في أربعة آلاف، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرضا؛ فقال قطن بن عبد الرحمن بن جُزيّ الباهليّ: يا حارث؛ أنت تدعو إلى كتاب الله والسنّة؛ والله لو أنّ جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتُك؛ فقاتلهم فأصابته رمية في عينه؛ فكان أوّلَ قتيل. فانهزم أهلُ بلخ إلى المدينة، وأتبعهم الحارث حتى دخلَها، وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارثَ بالكفّ عنهم، فقال رجل من أصحاب الحارث: إني لأمشي في بعض طرق بلْخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول: يا أبتاه! ليت شعري من دهاك! وأعرابيّ إلى جَنْبي يسير؛ فقال: مَنْ هذه الباكية؟ فقيل له: ابنة قَطَن بن عبد الرحمن بن جزيّ، فقال الأعرابي: وأنا وأبيك دهيْتُك، فقلت: أنت قتَلته؟ قال: نعم.
قال: ويقال: قدم نصر والتَّجيبيّ على بلْخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوسًا حتى هزم الحارث نصرًا؛ وكان التَّجيبيّ ضرب الحارث أربعين سوطًا في إمْرة الجنيد، فحوّله الحارث إلى قلعة باذكر بزَمّ، فجاء رجل من بني حَنِيفة فادّعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هَراة، فدفعه الحارث إلى الحنفيّ، فقال له التُّجيبيّ: أفتدي منك بمئة ألف، فلم يقبل منه وقتله. وقوم يقولون: قُتِل التُّجيبيّ في ولاية نصر قبل أن يأتيَه الحارث.
قال: ولما غلب الحارث على بلْخ استعمل عليها رجلًا من ولَد عبد الله بن خازم، وسار، فلما كان بالجُوزجان دعا وابصة بن زُرارة العبديّ، ودعا دجاجة ووحشًا العجليَّيْن وبشر بن جُرموز وأبا فاطمة، فقال: ما ترون؟ فقال أبو فاطمة: مَرْو بَيْضة خراسان؛ وفرسانهم كثير؛ لو لم يلقوْك إلَّا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإن أتوْك قاتلتَهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم، قال: لا أرى ذلك، ولكن أسير إليهم. فأقبل الحارث إلى مَرْو، وقد غلب على بلْخ والجُوزجان والفارياب والطالَقان ومرْو الرّوذ، فقال أهل الدين من أهل مَرْو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فَرّق جماعتنا وإن أتانا نكب.
قال: وبلغ عاصمًا أن أهل مَرْو يكاتبون الحارث، قال: فأجمع على الخروج وقال: يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سُريج، لا يقصد مدينة إلَّا خلّيتموها له، إني لاحق بأرض قومي أبرشهر، وكاتبٌ منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدّني بعشرة آلاف من أهل الشأم، فقال له المجشّر بن مزاحم: إن أعطوْك
стр. 4145
بيعتَهم بالطلاق والعتَاق فأقم، وإن أبوْا فسر حتى تنزل أبرشهر، وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدّك باهل الشأم. فقال خالد بن هريم أحد بني ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عُلَيْم: والله لا نخلِّيك والذهاب، فيلزمنا دَينْك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. قال: أفعل، قال يزيد بن قرّان الرّياحيّ: إن لم أقاتل معك ما قاتل فابنةُ الأبرد بن قُرّة الرياحيّ طالق ثلاثًا - وكانت عنده - فقال عاصم: أكلّكم على هذا؟ قالوا: نعم. وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حَرسه يحلِّفهم بالطلاق.
قال: وأقبل الحارث بن سُريج إلى مَرْو في جمع كثير - يقال في ستين ألفًا - ومعه فرسان الأزْد وتميم؛ منهم محمد بن المثنّى وحمّاد بن عامر بن مالك الحِمانيّ وداود الأعسر وبشْر بن أنَيف الرياحيّ وعطاء الدَّبُوسيّ. ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب وسهرب ملك الطَّالقان، وقرياقس دهقان مَرْو، في أشباههم.
قال: وخرج عاصم في أهل مَرْو وفي غيرهم؛ فعسكر بجياسر عند البيعة، وأعطى الجند دينارًا دينارًا، فخفّ عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، وأعطى الجند وغيرهم؛ فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسِرت، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البرّيّة! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبَوْا وذهب رجّالتهم يُصلِحون القناطر، فأتاهم رجّالة أهل مَرْو فقاتلوهم؛ فمال محمد بن المثنّى الفراهيذيَّ برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الأزْد؛ ومالط حماد بن عامر بن مالك الحِمّانيّ إلى عاصم، وأتى بني تميم.
قال سلمة الأزديّ: كان الحارث بعث إلى عاصم رسلًا - منهم محمد بن مسلم العنبريّ - يسألونه العملَ بكتاب الله وسنة نبيّة ﷺ . قال: والحارث بن سريج يومئذ على السواد. قال: فلمَّا مال محمد بن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى الناس؛ فكان أوّل قتيل غياث بن كلثوم من أهل الجارُود، فانهزم أصحاب الحارث، فغرِق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مَرْو والنهر الأعظم، ومضت الدّهاقين إلى بلادهم؛ فضُرِب يومئذ خالد بن
стр. 4146
علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه؛ وأرسل عاصم بن عبد الله المؤمنَ بن خالد الحنفيّ وعِلباء بن أحمر اليشكريّ ويحيى بن عَقِيل الخُزاعيّ ومقاتل بن حَيَّان النَّبَطي إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمدَ بن مسلم العنبريّ وحدَه، فقال لهم: إنَّ الحارث وإخوانكم يقرؤونكم السلام، ويقولون لكم: قد عطشنا وعطشت دوابُّنا، فدعونا ننزل الليلة، وتختلف الرّسل فيما بيننا ونتناظر؛ فإن وافقناكم على الذي تريدون وإلّا كنتم مِنْ ورَاء أمركم؛ فأبوا عليه وقالوا مقالًا غليظًا؛ فقال مقاتل بن حيّان النبطيّ: يا أهلَ خراسان، إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد؛ ويدنا على عدوّنا واحدة؛ وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم؛ وجّه إليه أميرنا بالفقهاء والقرَّاء من أصحابه، فوجّه رجلًا واحدًا. قال محمد: إنما أتيتُكم مبلِّغًا، نطلب كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وسيأتيكم الّذي تطلبون من غد إن شاء الله تعالى.
وانصرف محمَّد بن مسلم إلى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصمًا، فلما أصبح سار إليه فالتقوْا، وعلى ميمنة الحارث رابض بن عبد الله بن زرارة التغلَبيّ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فحمل يحيى بن حُضَيْن - وهو رأس بكر بن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج - فقتِلوا قتلًا ذريعًا، فقطع الحارث وادي مَرْو؛ فضرب رواقًا عند منازل الرّهبان، وكفّ عنه عاصم. قال: وكانت القتلى مئة، وقتِل سَعيد بن سعد بن جَزء الأزديّ، وغرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم - وكان مع الحارث بن سُريج - واجتمع إلى الحارث زُهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بن مسلم: لما هُزِم الحارث كفّ عنه عاصم، ولو ألحَّ عليه لأهلكه. وأرسل إلى الحارث: إني رادٌّ عليك ما ضمنت لك ولأصحابك؛ على أن ترتحل؛ ففعل.
قال: وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم، وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث، وقالوا: ألم تزعم أنه لا يردّ لك راية! فأتاهم فسكّنهم.
وكان عطاء الدّبوسيّ من الفُرسان، فقال لغلامه يوم زَرْق: أسرِج لي بِرذوْني
стр. 4147
لعلِّي ألاعب هذه الحمارة، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من أهل الطالَقان، فقال بلغته: إي كيرِخَر. [٧/ ٩٤ - ٩٨].
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصمًا وتوليته خالدًا خراسان
وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ عن أشياخه - أنّ عاصم بن عبد الله كتب إلى هشام بن عبد الملك: أمَّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الرائد لا يكذب أهله؛ وقد كان من أمر أمير المؤمنين إليّ ما يحقّ به عليّ نصيحته، وإن خراسان لا تصلح إلَّا أن تضمّ إلى صاحب العراق، فتكون موادُّها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب؛ لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عنها.
فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حُضَين والمجشّر بن مزاحم وأصحابهم؛ فأخبرهم، فقال له المجشّر بعدما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك، فقدم أسد بن عبد الله؛ بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكُميت بن زيد الأسديّ إلى أهل مَرْو بهذا الشعر:
ألا أَبْلغ جماعَةَ أَهْل مَرْو ... على ما كانَ مِنْ نأْي وَبُعْدِ
رِسالة ناصِحٍ يُهْدِي سلامًا ... ويأْمُرُ في الذي رَكِبُوا بِجَدِّ
وأَبْلِغْ حارثًا عَنَّا اعْتِذارًا ... إلَيْهِ بأَنَّ مَنْ قِبَلي بِجُهْدِ
ولَوْلا ذاك قَدْ زارَتْك خَيْلٌ ... منَ المِصرَينِ بالفُرْسَانِ تُرْدِي
فلا تهنُوا ولا ترْضَوْا بِخَسْفٍ ... ولا يَغْرُرْكُمُ أَسدٌ بَعَهْدِ
وكونوا كالبَغايا إنْ خُدِعْتُمْ ... وإنْ أقررْتُمُ ضَيْمًا لِوَغْدِ
وإلَّا فارْفَعُوا الراياتِ سُودًا ... على أهلِ الضلالَة والتَّعَدِّي
فَكَيْف وأنتُمُ سَبْعُونَ ألْفًا ... رماكُمْ خالِدٌ بِشَبِيهِ قِرْدِ
ومَنْ وَلّى بذِمتَّهِ رَزِينًا ... وشِيعَتَهُ وَلَمْ يُوفِ بِعَهْدِ
ومَنْ غَشَّى قُضاعَةَ ثَوْبَ خِزْي ... بقَتْلِ أَبي سلَامَانَ بْنِ سَعْدِ
стр. 4148
فَمَهلًا يا قُضَاعَ فَلَا تكونِي ... توَابعَ لا أصُولَ لَهَا بِنَجْدِ
وكنْتَ إذا دَعَوْتَ بَني نِزارِ ... أتاكَ الدُّهْمُ مِنْ سَبْطٍ وَجَعْدِ
فجُدّعَ مِنْ قُضاعَةَ كُلُّ أَنفٍ ... ولا فازتْ على يَوْمٍ بِمَجْدِ
قال: ورَزِين الذي ذُكِر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة، فأعطاه الأمان ثم لم يَفِ به.
وقال فيه نصر بن سيّار حين أقبل الحارث إلى مَرْو وسوَّد راياته - وكان الحارث يرى رأي المرجِئة:
دَعْ عَنْكَ دُنيا وأَهْلًا أَنْتَ تارِكُهمْ ... ما خَيْرُ دُنْيَا وأَهْل لَا يَدُومُونا!
إلَّا بَقيَّةَ أيامٍ إلى أَجَلٍ ... فاطلُبْ مِنَ اللهِ أَهلًا لا يَمُوتونا
أكثرِ تقَى اللهِ في الإِسْرَارِ مُجْتَهِدًا ... إنَّ التُّقَى خَيْرُهُ ما كان مكْنُونا
واعْلَم بأَنَّكَ بالأَعمالِ مُرْتَهنٌ ... فكن لذاكَ كَثِيرَ الهَمّ مَحْزُونا
إني أرَى الغَبَنَ المُردِي بصاحِبهِ ... منْ كان في هذه الأَيَّامِ مَغْبُونا
تكونُ للمَرءِ أطْوارًا فتَمنَحُهُ ... يومًا عِثارًا وطَورًا تمنحُ اللينا
بَينا الفَتَى في نعِيمِ العَيْشِ حَوَّلَهُ ... دهْرٌ فأَمسى به عَنْ ذاك مَزبُونا
تحْلو له مَرَّةً حَتَّى يُسَرَّ بِهَا ... حينًا وتُمقِرُهُ (١) طَمعًا أحايينا
هل غابرٌ مِنْ بَقَايا الدَّهرِ تَنْظُرهُ ... إلَّا كما قد مضى فيما تُقَضُّونا
فامْنحْ جهادَكَ مَنْ لَم يَرْجُ آخِرَةً ... وكن عَدُوًّا لِقَومٍ لا يُصَلّونا
واقتُلْ مُواليَهمْ مِنَّا وناصِرَهُمْ ... حينًا تكفِّرُهُمْ والعَنْهُمُ حينا
والعائبينَ علينا ديننَا وهُمُ ... شرُّ العِبادِ إذا خابَزْتَهُمْ دِينا
والقائلينَ سَبيلُ اللهِ بغْيَتُنا ... لَبُعدَ ما نكَبُوا عَمَّا يَقُولونا
فاقتُلُهُمُ غَضَبًا للهِ مُنْتَصِرًا ... منْهُمْ بهِ وَدَعِ المُرتابِ مَفتُونا
إِرْجاؤُكُمْ لزَّكُمْ والشرْكَ في قَرَنٍ ... فأنتُمُ أَهْلُ إِشراكِ وَمُرْجُونا
لا يُبْعِدِ اللهُ في الأَجْداثِ غَيْرَكُمُ ... إذ كان دِينكُمُ بالشِّرْكِ مَقْرُونا
ألقَى بِهِ اللهُ رُعبًا في نُحُورِكِمُ ... واللهُ يَقضِي لَنَا الحُسْنى ويُعْلينا
كَيْما نكُونَ المَوالي عِند خائِفةٍ ... عمَّا تَرُومُ به الإِسْلَامِ والدينا
стр. 4149
وهَلْ تَعيبُونَ مِنَّا كاذِبين بِهِ ... غالٍ ومُهْتَضِمٍ، حَسْبي الذي فينا
يأْبَى الذي كان يُبْلِي اللهُ أَوَّلَكُمْ ... على النِّفاقِ وما قد كان يُبْلينا
قال: ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلمّا بلغ عاصمًا أن أسد بن عبد الله قد أقبل، وأنه قد سيَّر على مقدمته محمد بن مالك الهمْدانيّ، وأنه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابًا على أن ينزل الحارث أيّ كورخراسان شاء، وعلى أن يكتبا جميعًا إلى هشام؛ يسألانه كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن أبى اجتمعا جميعًا عليه. فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حُضَين أن يختم، وقال: هذا خَلْعٌ لأمير المؤمنين، فقال خلَف بن خليفة ليحيى:
أَبَى هَمُّ قلبِكَ إِلَّا اجتماعا ... ويَأْبَى رُقادُكَ إِلا امْتناعَا
بِغيرِ سماعٍ ولم تَلقَنِي ... أُحاوِلُ مِنْ ذَاتِ لهوٍ سماعا
حَفِظ أُمية في مُلْكها ... ونَخْطِرُ مِنْ دونها أَنْ تُراعَى
ندافِعُ عنها وعَنْ مُلْكِهَا ... إِذَا لم نَجدْ بِيدَيْها امتِناعا
أَبى شَعْبُ ما بينَنَا في القديمِ ... وبَينَ أُميَّةَ إِلا انصِداعا
ألمْ نَختَطِفْ هامَةَ ابنِ الزُّبيرِ ... ونَنتَزعِ المُلكَ منه انتِزاعا
جعلنا الخِلَافَةَ في أَهلها ... إذا اصطَرَعَ الناسُ فيها اصطراعا
نَصرْنا أُميةَ بالمَشْرَفِيِّ ... إذا انْخلَعَ الملكُ عنها انخلاعا
ومنَّا الذي شدَّ أهلَ العراق ... ولو غابَ يَحيَى عن الثَّغْرِ ضاعا
على ابنِ سُرَيج نَقضْنَا الأُمورَ ... وقد كان أحكَمَها ما استَطاعا
حَكيمٌ مقالَتُهُ حِكْمَةٌ ... إذا شتّت القوم كانت جَماعا
عَشيَّةَ زَرْقٍ وقد أَزمَعُوا ... قَمَعْنا مِنَ الناكِثِينَ الزَّماعا
ولولَا فتى وائِلٍ لَمْ يكنْ ... لِيُنضِجَ فيها رَئيسٌ كُراعا
فَقل لأُميةَ تَرعَى لنا ... أَيادِي لمْ نُجْزَها واصْطِناعا
أتَلهِينَ عَنْ قتلِ ساداتِنا ... ونأْبَى لحقّكِ إلَّا اتباعا
أَمَنْ لَمْ يُبِعْكِ مِنَ المُشتَرِينَ ... كآخرَ صادَف سُوقًا فَباعا!
أبى ابنُ حُضَيْنٍ لِما تَصْنَعـ ... ـينَ إلَّا اضطلاعا وإِلَّا اتّباعا
ولو يأْمَنُ الحارثُ الوائلينَ ... لراعكِ في بعض مَنْ كان راعا
стр. 4150
وقد كانَ أصْعَرَ ذَا نَيْرَبِ ... أشاعَ الضَّلالَةَ فيما أَشاعا
كَفَيْنَا أُميةَ مَختُومَةً ... أطاعَ بها عاصمٌ مَنْ أطاعا
فلولَا مَراكزُ راياتِنا ... مِن الجند خافَ الجنودُ الضَّياعا
وصَلْنَا القَدِيمَ لَها بالحَدِيث ... وتأْبَى أمَيَّةُ إلَّا انْقطَاعا
ذخائرُ في غَيْرِنَا نَفْعُها ... وما إنْ عَرَفنا لَهُنّ انتفاعا
ولَوْ قدمَتْها وبَانَ الحجا ... بُ لأرْتَعْتِ بيْنَ حشاكِ ارتياعا
فأَين الوَفَاءُ لأهْلِ الوَفَاءِ ... والشُّكْرُ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُضاعا!
وأَيْنَ ادِّخارُ بَنِي وائلٍ ... إذ الذَّخرُ في الناس كان ارتجاعا!
أَلَمْ تَعلَمِي أَنَّ أَسيافَنَا ... تُداوِي العَلِيلَ وتَشْفي الصُّداعا!
إِذَا ابْنُ حُضَيْنٍ غَدا باللواءِ ... أسلمَ أهلُ القِلاع القِلاعا
إذا ابنُ حُضَين غدَا باللواءِ ... أشارَ النُّسُورَ به والضِّباعا
إذا ابن حُضينٍ غدا باللواءِ ... ذَكَى وكانَتْ مَعَدٌّ جُداعا
قال: وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شَراحيل اليشكريّ من أهل الرَّأي، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة؛ وقال له: "غمراتٌ ثم ينجَلينَ"، وهي المغمَّضات، فغمّض.
قال: وكان عاصم بن عبد الله في قرية بأعلى مَرْو لكندة، ونزل الحارث قرية لبني العنبر؛ فالتقوْا بالخيل والرّجال، ومع عاصم رجل من بني عَبْس في خمسمئة من أهل الشأم وإبراهيم بن عاصم العُقَيليّ في مثل ذلك؛ فنادى منادي عاصم: مَنْ جاء برأسٍ فله ثلثمئة درهم؛ فجاء رجل من عمّاله؛ برأس وهو عاضّ على أنفه، ثم جاءه رجل من بني ليث - يقال له ليث بن عبد الله - برأس. ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: إن طمع الناس في هذا لم يَدَعوا ملَّاحًا ولا عِلْجًا إلَّا أتوْك برأسه؛ فنادى مناديه: لا يأتنا أحد برأس؛ فمن أتانا به فليس له عندنا شيء؛ وانهزم أصحابُ الحارث فأسروا منهم أسارَى، وأسروا عبد الله بن عمرو المازنيّ رأس أهل مَرْو الرَّوذ، وكان الأسراء ثمانين؛ أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندانقان، وكانت اليمانية بعثت من الشأم رجلًا يعدل بألف يكنى أبا داود، أيّام العصبيَّة في خمسمئة؛ فكان لا يمرّ بقرية من قُرى خراسان إلَّا قال: كأنكم بي قد مررتُ راجعًا حاملًا رأس الحارث بن سُريج؛ فلما
стр. 4151
التقوْا دعا إلى البراز، فبرز له الحارث بن سُريج؛ فضربه فَوْق منكبه الأيسر فصرعه، وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط، فكان يقول: يا أبرشهر الحارث بن سريجاه! يا أصحاب المعموراه! ورمِيَ فرس الحارث بن سريج في لَبَانه، فنزع النّشابة؛ واستحضره وألخ عليه بالفحرب حتى نزّقه (١) وعرّقه، وشغله عن ألم الجراحة.
قال: وحمل عليه رجل من أهل الشأم؛ فلما ظنّ أن الرمح مخالطُه؛ مال عن فرسه واتّبع الشأميّ، فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! قال: انزل عن فرسك؛ فنزل وركبه الحارث، فقال الشأميّ: خذ السرج؛ فوالله إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس:
تَوَلَّتْ قريشٌ لَذَّةَ العَيْشِ واتَّقَتْ ... بنا كُلَّ فَجٍّ من خُراسان أغْبَرا
فلَيتَ قُرَيشًا أصبحوا ذات ليلَةٍ ... يَعومُون في لُجٍّ من البحرِ أخضَرا
قال: وعظّم أهل الشأم يحيى بن حُضَين لما صنع في أمر الكتاب الذي كتبه عاصم، وكتبوا كتابًا، وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبري ورجل من أهل الشأم، فلقوا أسد بن عبد الله بالرّيّ - ويقال: لقوه ببيْهق - فقال: ارجعوا فإني أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم: هُدمتْ داري، فقال: أبنيها لك، وأردُّ عليكم كلّ مظلمة.
قال: وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى. قال: فأجاز خالد يحيى بن حُضين بعشرة آلاف دينار وكساه مئة حُلّة. قال: وكانت ولاية عاصم أقلّ من سنة - قيل كانت سبعة أشهر - وقدم أسد بن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصمًا وسأله عمّا أنفق، وحاسبه فاخذه بمئة ألف درهم؛ وقال: إنك لم تغزُ ولم تخرج من مَرْو، ووافق عمارة بن حُرَيم وعمّال الجُنيد محبوسين عنده؛ فقال لهم: أسير فيكم بسيرتنا أم بسيرة قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلَّى سبيلَهم.
قال عليّ عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشامَ بن عبد الملك أمرُ الحارث بن سريج، كتب إلى خالد بن عبد الله: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجيَّة
стр. 4152
فلتكن به، قال: فوجّه أخاه أسدًا إلى خراسان، فقدِم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلَّا مَرْو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريج بمرْو الرّوذ وخالد بن عبيد الله الهجريّ بآمُل، ويخاف إن قصد للحارث بمرْو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مَرْو من قِبَل آمُل، وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قِبَل مَرْو الرّوذ، فأجمع على أن يوُجّه عبد الرحمن بن نُعيم الغامديّ في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث إلى ناحية مَرْو الرّوذ، وسار أسد بالناس إلى آمُل، واستعمل على بني تميم الحَوْثرة بن يزيد العنبريّ، فلقيهم خيل لأهل آمُل، عليهم زياد القرشيّ مولى حيّان النّبطيّ عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوْا إلى باب المدينة، ثم كرُّوا الناس، فقِتل غلام لأسد بن عبد الله يقال له جَبَلة؛ وهو صاحب عَلمه، وتحصَّنوا في ثلاث مدائن لهم.
قال: فنزل عليهم أسد وحصَرهم، ونصب عليهم المجانيق، وعليهم خالد بن عبيد الله الهجريّ من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فخرج إليهم رويد بن طارق القطعيّ ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: فلكم ذلك، قالوا: على ألَّا تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا. فأعطاهم ذلك، واستعمل عليهم يحيى بن نعيم الشيجانيّ أحد بني ثعلبة بن شيبان، ابن أخي مصقلة بن هبيرة، ثم أقبل أسد في طريق زمّ يريد مدينة بلْخ؛ فتلقاه مولًى لمسلم بن عبد الرحمن، فأخبره أنّ أهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فقدم بلخ، واتّخذ سفنًا وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصرًا سنانًا الأعرابيّ السُلمِيّ، ومعه بنو الحجّاج بن هارون النميريّ، وبنو زُرْعة وآل عطية الأعور النّضريّ في أهل التّرمذ، والسبل مع الحارث، فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدّهم، وخرج أهل التِّرمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالًا شديدًا، وكان الحارث استطرد لهم، ثم كرّ عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن المنخّل وعاصم بن معوّل النّجليّ في خمسين ومئة من أهل الشأم وغيرهم؛ وكان بشر بن جُرموز وأبو فاطمة الأياديّ ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب التِّرمذ، فيبكون ويشكون بني مَرْوان وجَوْرَهم، ويسألونهم النُّزول إليهم على أن يمالئوهم على حَرْب بني مروان فيأبوْن عليهم؛ فقال السّبل وهو مع الحارث: يا حارث؛ إن
стр. 4153
الترمذ قد بُنيت بالطبول والمزامير؛ ولا تُفتَح بالبكاء وإنما تفتح بالسيف، فقاتِل إن كان بك قتال، وتركه السبل وأتَى بلاده.
قال: وكان أسد حين مرّ بأرض زَمّ تعرّض للقاسم الشيبانيّ وهو في حصن بزَمّ يقال له باذكر؛ ومضى حتى أتى التّرْمذ، فنزل دون النهر، ووضع سريره على شاطئ النهر، وجعل الناس يعبرون؛ فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة؛ فالتقوْا في سفينة فيها أصحاب أسَد، فيهم أصغر بن عيناء الحميريّ، وسفينةُ أصحاب الحارث فيها داود الأعسر، فرمى أصغر فصكّ السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمريّ، فقال داود الأعسر: لأمْرٍ ما انتميت إليه، لا أرض لك! وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا؛ وأقبل الأشكند - وقد أراد الحارث الانصراف - فقال له: إنما جئتك ناصرًا لك؛ وكمن الأشكند وراء دير؛ وأقبل الحارث بأصحابه؛ وخرج إليه أهل التِّرمذ، فاستطرد لهم فاتّبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر؛ فأظهر الكراهيَة. وعرف أنّ الحارث قد كادهم، فظنّ أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولّى؛ فأراد أسد معاتبة نصر؛ فإذا الأشكند قد خرج عليهم، فحمل على أهل التِّرمذ فهربوا، وقتِل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخّل الجرموزّي من الأزْد، وعاصم بن معوّل - وكان من فرسان أهل الشأم - ثم ارتحل أسد إلى بلْخ، وخرج أهل التِّرمذ إلى الحارث فهزموه، وقتلوا أبا فاطمة وعِكْرمة وقومًا من أهل البصائر، ثم سار أسد إلى سَمَرْقند في طريق زَمّ؛ فلما قدم زَمّ بعث إلى الهيثم الشيبانيّ - وهو في باذكر، وهو من أصحاب الحارث - فقال: إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم، ولم يبلغ ذلك النّساء ولا استحلال الفُروج ولا غلبة المشركين على مثل سمَرْقند؛ وأنا أريد سمَرْقند؛ وعليّ عهد الله وذمّته ألَّا يبدأك مني شرٌّ، ولك المؤاساة واللطف والكرامة والأمان ولمن معك، وأنت إن غمصت ما دعوتُك إليه فعليّ عهد الله وذمّة أمير المؤمنين وذمّة الأمير خالد إن أنت رميتَ بسهم ألَّا أؤمِّنك بعده؛ وإن جعلتُ لك ألف أمان لا أفِي لك به. فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان فآمنه، وسار معه إلى سَمَرْقند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان من دوابّ ساقها معه، وحمل معه طعامًا من بُخارى، وساق معه شاءً كثيرة من شاء الأكراد قسمها فيهم؛ ثم ارتفع إلى ورغْسَر وماءُ سمرقند منها، فسكر الوادي
стр. 4154
وصرفه عن سَمَرْقند؛ وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السّكْر (١)، ثم قفل من سَمَرْقند حتى نزل بلْخ.
وقد زعم بعضُهم أن الذي ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث كان في سنة ثمان عشرة (٢). [٧/ ٩٩ - ١٠٧].
أمر أَسد بن عبد الله مع دعاة بني العباس
وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دُعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم، ومثّل ببعضهم، وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ سليمان بن كَثِير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهزِ بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن زُرَيق، فأتِىَ بهم، فقال لهم: يا فسَقة، ألم يقل الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٣).
فذُكر أن سليمان بن كثير قال: أتكلم أم أسكت؟ قال: بل تكلم، قال: نحن والله كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغَضَانِ؛ بالماء اعْتِصارِي (٤)
تدري ما قصتنا؟ صِيدت والله العقارب بيدك أيّها الأمير؛ إنا أناس من قومك، وإن هذه المضريَّة إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشدَّ الناس على قتيبة بن مسلم؛ وإنما طلبوا بثأرهم، فتكلّم ابنُ شريك بن الصامت الباهليّ، وقال: إنّ هؤلاء القوم قد أخِذُوا مرَّة بعد مرّة، فقال مالك بن الهيثم: أصلح الله الأمير! ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره؛ فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشدَّ الناس عليه؛ فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نُعيم فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تمنّ بهم على عشائرهم، قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلّي سبيلهما، قال: أنا إذًا من عبد الله بن يزيد نفِيّ، قال: فكيف
стр. 4155
تصنع بالرّبعيّ؟ قال: أخلّي والله سبيله. ثم دعاء بموسى بن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذِب حتى تحطّمت أسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدُقّ أنفه، ووجأ لحيته، فنَدَرَ ضرس له، ثم دعا بلاهز بن قريط، فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانييّن والرّبَعيين، فضربه ثلثمئة سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزديّ، هو لي جار وهو بريء مما قُذِف به، قال: فالآخرون؟ قال: أعرفهم بالبراءة، فخلّى سبيلهم. [٧/ ١٠٧ - ١٠٨].
ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة
ولاية عمار بن يزيد على شيعة بني العباس بخراسان
وفيها وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد إلى حراسان واليًا على شيعة بني العباس؛ فنزل - فيما ذكر - مرْو، وغيّر اسمه وتَسمى بخِداش، ودعا إلى محمد بن عليّ؛ فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به؛ وسمعوا إليه وأطاعوا، ثم غيَّر ما دعاهم إليه، وتكذَّب وأظهر دين الخُرّميّة؛ ودعا إليه، ورخّص لبعضهم في نساء بعض؛ وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن عليّ؛ فبلغ أسد بن عبد الله خبرُه، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتِيَ به، وقد تجهّز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فأغلظ خِداش له القول، فأمر به فقطِعت يده، وقلع لسانه، وسُملت عينه (١).
* * *
ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه
فذكر عليّ بن محمد عن أشياخه، قال: لما قدم أسد آمُل في مبدئه، أتوه بخِداش صاحب الهاشميّة، فأمر به قُرْعة الطبيب، فقطع لسانه، وسمل عينه، فقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! ثم دفعه إلى يحيى بن نعيم الشّيبانيّ عامل آمُل. فلما قفل من سَمَرْقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمُل، وأتِيَ أسد بحزَوّر مولى المهاجر بن دارة الضّبيّ، فضرب عنقه بشاطئ النهر، ثم
стр. 4156
نزل أسد منصرفَه من سَمَرْقند بلْخ، فسرَّح جُدَيْعًا الكِرمانيَّ إلى القلعة التي فيها ثَقَل الحارث وثقل أصحابه - واسم القلعة التّبوشكان من طخارستان العليا، وفيها بنو بَرْزَى التَّغلبيّون، وهم أصهار الحارث - فحصرهم الكرمانيّ حتى فتحها، فقتل مقاتلَتهم وقتل بني بَززَى، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالي والذراريّ، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، فقال عليّ بن يَعْلَى - وكان شهد ذلك: نقم على الحارث أربعمئة وخمسون رجلًا من أصحابه؛ وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي؛ وفيهم بشر بن أنيف الحنظليّ وداود الأعسر الخوارزميّ، فقال الحارث: إن كنتم لابد مفارقيّ وطلبتم الأمان. فاطلبوه وأنا شاهد؛ فإنه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلتُ قبل ذلك لم يعطوا الأمان، فقالوا: ارتحل أنت وخلَّنا، ثم بعثوا بشر بن أنيف ورجلًا آخر، فطلبوا الأمان فأمّنهما أسد ووصلهما، فغدروا بأهل القلْعة، وأخبراه أن القوم ليس لهم طعامٌ ولا ماءٌ، فسرَّح أسد الكرمانيّ في ستة آلاف؛ منهم سالم بن منصور البَجَليّ، على ألفين، والأزهر بن جُرموز النميريّ في أصحابه، وجند بلْخ وهم ألفان وخمسمئة من أهل الشأم، وعليهم صالح بن القعقاع الأزديّ؛ فوجّه الكِرمانيّ منصور بن سالم في أصحابه، فقطع نهر ضرغام؛ وبات ليله وأصبح، فأقام حتى متَع النهار؛ ثم سار يومَه قريبًا من سبعة عشر فرسخًا، فأتعب خيله، ثم انتهى إلى كشتم من أرض جبغويه؛ فانتهى إلى حائط فيه زَرع قد قُصّب، فأرسل أهل العسكر دوابّهم فيه، وبينهم وبين القلعة أربعة فراسخ، ثم ارتحل فلما صار إلى الوادي جاءته الطلائع فاخبرته بمجيء القوم ورأسهم المهاجر بن ميمون؛ فلما صاروا إلى الكِرمانيّ كابدهم فانصرفوا، وسار حتى نزل جانبًا من القلعة؛ وكان أول ما نزل في زهاء خمسمئة في مسجد كان الحارث بناه؛ فلما أصبح تتامَّتْ إليه الخيل، وتلاحقت من أصحاب الأزهر وأهل بلْخ.
فلما اجتمعوا خطبهم الكرمانيّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهلَ بلخ؛ لا أجد لكم مثلًا غيرَ الزّانية، مَنْ أتاها أمكنته من رجلها؛ أتاكم الحارث في ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم، وطرد أميرَكم، ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مَرْو فخذلتموه، ثم انصرف إليكم منهزمًا فأمكنتموه من المدينة؛ والذي نفسي بيده لا يبلغني عن رجل منكم كتب كتابًا إليهم في سَهْم
стр. 4157
إلَّا قطعتُ يده ورجله وصلبتُه، فأما مَن كان معي من أهل مَرْو فهم خاصتي ولست أخاف غدرهم، ثم نهد إلى القلعة فأقام بها يومًا وليلة من غير قتال؛ فلما كان من الغد نادى مناد: إنا قد نَبَذْنا إليكم بالَعهد؛ فقاتلوهم؛ وقد عطش القوم وجاعوا؛ فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويُترك لهم نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد، فأقام أيامًا، وقدم المهلب بن عبد العزيز العتَكيّ بكتاب أسد، أن احملوا إليَّ خمسين رجلًا منهم؛ فيهم المهاجر بن ميمون ونظراؤه من وجوههم؛ فحملوا إليهم فقتلهم؛ وكتب إلى الكرمانيّ أن يصيّر الذين بقوا عنده أثلاثًا، فثلْت يصلّبهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم؛ ففعل ذلك الكِرمانيّ، وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد، وكان الذين قتلهم وصلبهم أربعمئة، واتّخذ أسد مدينة بلخ دارًا في سنة ثمان عشرة ومئة، ونقل إليها الدواوين واتخذ المصانع، ثم غزا طَخارستان ثم أرض جبْغويه، ففتح وأصاب سَبْيًا [٧/ ١٠٩ - ١١١].
وقيل إنه ولد في الليلة التي ضرب فيها عليّ بن أبي طالب وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة أربعين، فسمّاه أبوه عليًّا، وقال: سميته باسم أحبّ الخلق إليّ، وكناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد؛ وسأله: هل وُلدَ له من ولد؟ وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ، فأخبره بذلك، فكناه أبا محمد [٧/ ١١١ - ١١٢].
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غزوة الوليد بن القعقاع العبسيّ أرضَ الروم (١).
وفيها غزأ أسد بن عبد الله الخُتَّل، فافتتح قلعة زغرزك، وسار منها إلى خِداش، وملأ يديه من السبي والشاء؛ وكان الجيش قد هرب إلى الصين.
* * * *
стр. 4158
ذكر غزو الترك ومقتل خاقان
وفيها لقي أسد خاقان صاحب الترك فقتله، وقتل بشرًا كثيرًا من أصحابه، وسلم أسد والمسلمون، وانصرفوا بغنائم كثيرة وسَبْي (١).
ذكر الخبر عن هذه الغزوة:
ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أنهم قالوا: كتب ابن السائجيّ إلى خاقان أبي مُزاحم - وإنما كني أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب - وهو مُوالث (٢)، يعلمه دخول أسد الختَّل وتفرّق جنوده فيها؛ وأنه بحال مَضيعةٍ (٣). فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز - وكان الخاقان مرْج وجبل حمًى لا يقربهما أحد، ولا يتصيّد فيهما، يتركان للجهاد فضاء، ما كان في المرْج ثلاثة أيام، وما في الجبل ثلاثة أيام - فتجهّزوا وارتعوا ودبغوا مُسوك الصّيد؛ واتخذوا منها أوعية؛ واتخذوا القسيّ والنّشّاب، ودعا خاقان ببرذون مسرَج ملجَم، وأمر بشاة فقُطِعت ثم عُلّقت في المعاليق، ثم أخذ شيئًا من مِلْح فصيَره في كيس، وجعله في منطقته، وأمر كلّ تركيٍّ أن يفعل مثل ذلك، وقال: هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالخُتَّلِ.
وأخذ طريق خُشوراغ؛ فلما أحسّ ابن السائجيّ أنّ خاقان قد أقبل بعث إلى أسد: أُخرج عن الختّل فإن خاقان قد أظلّك، فشتم رسولَه، ولم يصدّقه؛ فبعث صاحب الخُتّل: إنيّ لم أكذبك؛ وأنا الذي أعلمته دخولك؛ وتفرّق جندك، وأعلمته أنها فرْصة له، وسألته المدد، غير أنك أمعرت (٤) البلاد، وأصبت الغنائم؛ فإن لقيك على هذه الحال ظفِر بك؛ وعادتني العرب أبدًا ما بقيت، واستطال عليّ خاقان واشتدّت مؤونته؛ وامتنَّ عليّ بقوله: أخرجتُ العرب من بلادك، ورددت عليك ملكك؛ فعرف أسد أنه قد صَدَقه، فأمر بالأثقال أن تُقدّم، وولّى عليها إبراهيم بن عاصم العقيليّ الجَزريّ، الذي كان وليَ سجستان
стр. 4159
بعدُ، وأخرج معه المشيخة، فيهم كَثِير بن أمية وأبو سليمان بن كثير الخُزاعيّ وفُضَيل بن حيّان المهريّ وسنان بن داود القطعيّ، وكان على أهل العالية سِنان الأعرابيّ السُّلميّ، وعلى الأقباض عثمان بن شباب الهمَذَانيّ، جدّ قاضي مَرْو، فسارت الأثقال؛ فكتب أسد إلى داود بن شُعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ - وقد كان وجّههما في وجه: إنّ خاقان قد أقبل، فانضمّا إلى الأثقال؛ إلى إبراهيم بن عاصم.
قال: ووقع إلى داود والأصبغ رجل دَبُوسيّ، فأشاع أنّ خاقان قد كسر المسلمين وقتل أسدًا.
وقال الأصبغ: إن كان أسد ومَن معه أصيبوا فإنّ فينا هشامًا ننحاز إليه؛ فقال داود بن شعيب: قبح الله الحياة بعد أهل خراسان! فقال الأصبغ: حبّذا الحياة بعد أهل خراسان! قتِل الجرّاح ومن معه فما ضرّ المسلمين كثير ضرّ، فإن هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل الله دينَه، وإنّ الله حيّ قيوم، وأمير المؤمنين حيّ وجنود المسلمين كثير. فقال داود: أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم! فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم فإذا هما بالنِّيران، فقال داود: هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران الأتراك متفرّقة؛ فقال الأصبغ: هم في مَضِيق. ودنَوا فسمعوا نهيق الحمير، فقال داود: أما علمت أنّ الترك ليس لهم حمير! فقال الأصبغ: أصابوها بالأمس؛ ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين؛ فقال داود: نسرّح فارسين فيكبِّران؛ فبعثا فارسين؛ فلما دنوَا من العسكر كبّرا، فأجابهما العسكر بالتكبير، فأقبلوا إلى العسكر الذي فيه الأثقال؛ ومع إبراهيم أهل الصغَانيان وصَغان خُذاه؛ فقام إبراهيم بن عاصم مبادرًا.
قال: وأقبل أسد من الختّل نحو جبل المِلْح يريد أن يخوض نهر بَلْخ، وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسْبي وما أصاب، فأشرف أسد على النهر وقد أتاه أن خاقان قد سار من سوياب لممبع عشرة ليلة، فقام إليه أبو تمام بن زَحْر وعبد الرحمن بن خنفر الأزديّان، فقالا: أصلح الله الأمير! إن اللهُ قد أحسن بلاءك في هذء الغزوة فغنمت وسلمت فاقطعْ هذه النّطفة، واجعلها وراء ظهرك، فأمر بهما فُوجئَت رقابهما، وأُخِرجَا من العسكر وأقام يومه. فلما كان من الغد ارتحلَ وفي النّهر ثلاثة وعشرون موضعًا يخوضه النّاس، وفي موضع مجتمع ماء
стр. 4160
يبلغ دفّتي السّرج، فخاضه الناس، وأمر أن يحمل كلّ رجل شاة، وحمل هو بنفسه شاة؛ فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرِّف بن الشِّخِّير: إنّ الذي أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخطر مما تخاف؛ وقد فرّقتَ الناس وشغلتهم، وقد أظلك عدوّك، فدَعْ هذا الشاء لعنة الله عليه، وأمر الناس بالاستعداد. فقال أسد: والله لا يعبُر رجل ليست معه شاة حتى تفنى هذه الغنم إلَّا قطعت يدَه، فجعل الناس يحملون الشّاء؛ الفارس يحملها بين يديه والراجل على عُنقه؛ وخاض الناس. ويقال: لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخة فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته، فأمر أسد بالشاء أن تقذف، وخاض الناس، فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدّهْم، فقتلوا مَن لم يقطع، وجعل الناس يقتحمون النّهر - ويقال كانت المسلحة على الأزْد وتميم، وقد خُلِّف ضَعفة الناس - وركب أسد النّهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها إلى ما وراء النهر، حتى تحمل عليها الأثقال؛ وأقبل رَهَجٌ من ناحية الخُتَّل؛ فإذأ خاقان؛ فلما توافَى معه صدْر من جنده حمل على الأزْد وبني تيم فانكشفوا، وركض أسد حتى انصرف إلى معسكره، وبعث إلى أصحاب الأثقال الذين كان سرّح أمامه: أن انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي. قال: وأقبل خاقان، فظنّ المسلمون أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر؛ فلما نظر خاقان إلى النّهر أمر الأشكند - وهو يومئذ أصبهبذ نسف - أن يسير في الصفّ حتى يبلغ أقصاه، ويسأل الفرسان وأهل البَصر بالحرب والماء: هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد؟ فكلّهم يقول: لا يطاق؛ حتى انتهى إلى الأشتيخَن، فقال: بلى يطاق، لأنّا خمسون ألف فارس؛ فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة ردّ بعضنا عن بعض الماء فذهب جَرْيته، قال: فضربوا بكوساتهم (١) فظنّ أسد ومن معه أنه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم، فجعلت تنخر أشدّ النخير؛ فلما رأى المسلمون اقتحامَ الترك ولّوا إلى العسكر، وعبرت الترك فسطع رَهَجٌ عظيم لا يبصر الرّجل دابّته، ولا يعرف بعضهم بعضًا؛ فدخل المسلمون عسكَرهم وحَوَوا ما كان خارجًا، وخرج الغلمان بالبراذِع والعَمد، فضربوا الترك؛ فأدبروا، وبات أسد؛ فلما أصبح - وقد كان عبّأ أصحابه من الليل تخوّفًا مِنْ غَدْر خاقان وغدوّه عليه، ولم ير شيئًا - دعا وجوه
стр. 4161
الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافية، قال: ما هذه عافية، بل هي بليَّة، لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح؛ فما منعه منّا اليوم إلَّا أنه قد وقع في يديه أسراء فأخبروه بموضع الأثقال أمامنا، فترك لقاءنا طمعًا فيها، فارتحل فبعث أمامه الطلائع، فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين طوقات (١) الترك وأعلامًا من أعلام الإشكند، في بشر قليل، فسار والدوابّ مثقلة، فقيل له: انزل أيها الأمير واقبل العافية، قال: وأين العافية فأقبلَها! إنما هي بليّة وذهاب الأنفس والأموال. فلما أمسى أسد صار إلى منزل، فاستشار الناس: أينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافية؛ وما عسى أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق، فقال أسد: ما لك يا بن سيار مطرقًا لا تتكلم! قال: أصلح الله الأمير! خَلّتان كلتاهما لك، إن تَسِرْ تُغِثْ مَنْ مع الأثقال وتخلّصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطَعتَ قُحْمة لابدّ من قطوعها، فقبل رأيه وسار يومه كلّه.
قال: ودعا أسد سعيدًا الصغير - وكان فارسًا مولى باهلة، وكان عالمًا بأرض الخُتّل - فكتب كتابًا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد؛ فإنّ خاقان قد توجّه إلى ما قِبَلك، وقال: سِرْ بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل؛ فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلْك؛ وإن أنت لحقت بالحارث فعلى أسدٍ مثلُ الذي حلَف، إن لم يغ امرأتك الدلّالُ في سوق بلْخ وجميع أهل بيتك. قال سعيد: فادفع إليّ فرسك الكُميت الذَّنوب (٢) قال: لعمري لئن جُدْتَ بدمك، وبخلتُ عليك بالفرس إني للئيم. فدفعه إليه. فسار على دابّة من جنائبه، وغلامه على فرس له، ومعه فرس أسد يجنُبه، فلمّا حاذى الترك وقد قصدوا الأثقال طلبته طلائعهم؛ فتحوّل على فرس أسد، فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب، وتَبِعه بعض الطلائع - يقال عشرون رجلًا - حتى رأوْا عسكر إبراهيم، فرجعوا إلى خاقان فأخبروه. فغدا خاقان على الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقًا، فأتاهم وهم قيام عليه؛ فأمر أهل السُّغد بقتالهم؛ فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلًا، فقال خاقان: اركبوا، وصعد خاقان
стр. 4162
تلًا فجعل ينظر العورة، ووجّه القتال، قال: وهكذا كان يفعل؛ ينفرد في رجلين أو ثلاثة، فإذا رأى عَوْرة أمر جنوده فحملت من ناحية العَوْرة، فلما صعد التلّ رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة، فدعا بعض قوّاد الترك، فأمره أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة، ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دُبُر، وأمرهم أن يبدؤوا بالأعاجم وأهل الصغانيان، وأن يدَعوا غيرهم؛ فإنهم من العرب، وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم، وقال لهم: إن أقام القوم في خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم؛ وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دُبُره عليهم، ففعلوا ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صغان خُذاه وعامّة أصحابه، واحتووا على أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه، وترك المسلمون التعبئة واجتمعوا في موضع، وأحسوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء؛ فإذا أسد في جنده قد أتاهم، فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يتعجب من كَفّهم وقد ظفروا وقتلوا مَنْ قتلوا وأصابوا ما أصابوا، وهو لا يطمع في أسد.
قال: وكان أسد قد أغذّ السير، فأقبل حتى وقف على التّلّ الذي كان عليه خاقان، وتنحّى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إليه مَن بقي ممّن كان مع الأثقال، وقد قتِل منهم بشرٌ كثير؛ قتل يومئذ بركة بن خوْليّ الراسبيّ وكثير بن أمية ومشيخة من خُزاعة، وخرجت امرأة صَغان خُذاه إلى أسد، فبكت زوجها، فبكى أسد معها حتى علا صوته، ومضى خاقان يقود الأسراء من الجند في الأوْهاق (١) ويسوق الإبل موقَرة والجواري.
قال: وكان مصعب بن عمر والخزاعيّ ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا على موافقتهم فكفّهم أسد، وقال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الرّيح واستكلبوا، فلا تعرّضوا لهم، وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث بن سُريج فأمره فنادى: يا أسد؛ أما كان لك فيما وراء النهر مغزى! إنك لشديد الحرْص، قد كان لك عن الخُتّل مندوحةٌ، وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال أسد: كان ما رأيت؛ ولعلّ الله
стр. 4163
أن ينتقم منك. قال كورمغانون - وكان من عظماء الترك: لم أرَ يومًا كان أحسن من يوم الأثقال، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أصبت أموالًا عظيمة، ولم أر عدوًّا أسمجَ من أسراء العرب، يعدو أحدهم فلا يكاد يبرح مكانه.
وقال بعضهم: سار خاقان إلى الأثقال، فارتحل أسد؛ فلما أشرف على الظّهر، ورأى المسلمين الترك امتنعوا وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا فأتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم، فأسروا أولادهم.
قال: فأردف كلّ رجل منهم وصيفًا أو وصيفة، ثم أقبلوا إلى عسكر أسد عند مغيب الشمس. قال: وسار أسدٌ بالنّاس، حتى نزل مع الثقل. وصبَّحوا أسدًا من الغدِ؛ وذلك يوم الفِطْر، فكادوا يمنعونهم من الصلاة. ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلْخ، فعسكر في مَرْجها حتى أتى الشتاء، ثم تفرّق الناس في الدور، ودخل المدينة، ففي هذه الغَزاة قيل له بالفارسية:
أَزْ خُتَّلانْ آمديه ... بَرُوتباهْ آمَديه
آبار بازْ آمَديه ... خُشك نزارآمَديه
قال: وكان الحارث بن سريج بناحية طَخارستان؛ فانضمّ إلى خاقان؛ فلمّا كان ليلة الأضحى قيل لأسد: إن خاقان نزل جزّة، فأمر بالنِّيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرّساتيق إلى مدينة بلْخ، فأصبح أسد فصلّى وخطب الناس، وقال: إن عدوّ الله الحارث بن سُريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله، ويبدّل دينه، والله مذلّه إن شاء الله، وإن عدوّكم الكلب أصاب من إخوانكم مَنْ أصاب، وإن يُرِدِ الله نصركم لم يضرّكم قلّتكم وكثرتُهم، فاستنصروا الله، وقال: إنه بلغني أنه العبد أقربُ ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله؛ وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لرّبكم، وأخلصوا له الدعاء، ففعلوا ثم رفعوا رؤوسهم، وهم لا يشكّون في الفتح، ثم نزل عن المنبر، وضحّى وشاورَ الناس في المسير إلى خاقان، فقال قوم: أنت شابٌّ، ولستَ ممن تخوِّف من غارة، على شاة ودابة تخاطر بخروجك. قال: والله لأخرجنّ؛ فإما ظَفر وإما شهادة.
ويقال: أقبل خاقان، وقد استمدّ من وراء النهر وأهل طَخَارستان وجَبْغويه الطُّخاريّ بملوكهم وشاكريّتهم بثلاثين ألفًا، فنزلوا خُلْم، وفيها مسلَحة؛ عليها
стр. 4164
أبو العوجاء بن سعيد العبديّ، فناوشهم فلم يظفروا منه بشيء، فساروا على حاميتهم في طريق فيروزبخشين من طخارستان، فكتب أبو العوجاء إلى أسد بمسيرهم. قال: فجمع الناس، فأقرأهم كتاب أبي العوجاء وكتاب الفُرافِصة صاحب مسلحة جَزّة بعد مرور خاقان به، فشاور أسد الناس، فقال قوم: تأخذ بأبواب مدينة بلْخ، وتكتب إلى خالد والخليفة تستمدُّه، وقال آخرون: تأخذ في طريق زمّ، وتسبق خاقان إلى مَرْو.
وقال قوم: بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم؛ فوافق قولُهم رأيَ أسد وما كان عزم عليه من لقائهم، ويقال: إن خاقان حين فارق أسدًا، ارتفع حتى صار بأرض طخارستان عند جبغويه، فلمّا كان وسط الشتاء أقبل فمرَّ بجزَّة، وصار إلى الجوزجان وبثّ الغارات؛ وذلك أن الحارث بن سريج أخبره أنه لا نهوض بأسد، وأنه لم يبق معه كبير جند؛ فقال البختريّ بن مجاهد مولى بني شيبان: بل بثّ الخيول حتى تنزل الجوزجان، فلما بثّ الخيل، قال له البحتريّ: كيف رأيت رأيي؟ قال: وكيف رأيتَ صنع الله حين أخِذ برأيك فأخذ أسد من جبلة بن أبي روّاد عشرين ومئة ألف درهم، وأمر للناس بعشرين عشرين، ومعه من الجنود من أهل خراسان وأهل الشام سبعة آلاف رجل، واستخلف على بَلْخ الكرمانيَّ بن عليّ، وأمره ألَّا يدع أحدًا يخرج من مدينتها، وإن ضرب الترك باب المدينة. فقال له نصر بن سيار الليثيّ والقاسم بن بُخيت المراغيّ من الأزد وسليم بن سليمان السُّلميّ وعمروبن مسلم بن عمرو ومحمد بن عبد العزيز العتكيّ وعيسى الأعرج الحنظليّ والبختريّ بن أبي درهم البكريّ وسعيد الأحمر وسعيد الصغير مولى باهلة: أصلح الله الأمير؛ ائذن لنا في الخروج، ولا تهجّن طاعتنا، فأذن لهم ثم خرج فنزل بابًا من أبواب بلْخ وضُرِبت له قُبّةٌ فازتان (١) وألصق إحداهما بالأخرى، وصلى بالناس ركعتين طوّلهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: ادعوا الله؛ وأطال في الدعاء، ودعا بالنّصر، وأمَّن الناس على دعائه، فقال: نُصرتم وربّ الكعبة! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم وربّ الكعبة إن شاء الله، ثلاث مرات، ثم نادى مناديه: برئتْ ذمّة الله من رجل حمل امرأة ممّن كان من الجند، قالوا: إنّ أسدًا إنما خرج هاربًا، فخلَّف أمْ بكر أمَّ ولده
стр. 4165
وولده؛ فنظر فإذا جارية على بَعير، فقال: سلوا لمن هذه الجارية؛ فذهب بعض الأساورة فسأل ثم رجع، فقال: لزياد بن الحارث البكريّ - وزياد جالس - فقطب أسد، وقال: لا تنتهون حتى أسطوَ بالرجل منكم يكرُم عليّ، فأضرِب ظهره وبطنه، فقال زياد: إن كانت لي فهي حُرّة، لا والله أيّها الأمير ما معي امرأة، فإن هذا عدوّ حاسد.
وسار أسدٌ، فلما كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو الكرمانيّ، وهو يومئذ خليفة الكرمانيّ على الأزد: ابغني خمسين رجلًا ودابّة أخلفهم على هذه القنطرة، فلا تَدَع أحدًا ممن جازها أن يرجع إليها، فقال مسعود: ومِنْ أين أقدر على خمسين رجلًا! فأمر به فصُرع عن دابَّته، وأمر بضرب عنقه، فقام إليه قومٌ فكلَّموه فكفّ عنه، فلما جاز القنطرة نزل منزلًا، فأقام فيه حتى أصبح، وأراد المقام يومه، فقال له العُذافير بن زيد: ليأتمر الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس. قال: فأمر بالرحيل وقال: لا حاجة لنا إلى المتخلّفين، ثم ارتحل، وعلى مقدّمته سالم بن منصور البَجَليّ في ثلثمئة، فلقي ثلثمئة من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة منهم معه، وهرب بقيّتهم، فأتى به أسد. قال: فبكى التركيّ، قال: ما يبكيك؟ قال: لستُ أبكي لنفسي، ولكني أبكي لهلاك خاقان، قال: كيف؟ قال: لأنه قد فرّق جنوده فيما بينه وبين مَرْو.
قال: وسار أسد؛ حتى نزل السِّدْرة - قرية ببلخ - وعلى خيل أهل العالية ريحان بن زياد العامريّ العبدليّ من بني عبد الله بن كعب. قال: فعزله، وصيّر على أهل العالية منصور بن سالم، ثم ارتحل من السِّدرة، فنزل خريستان، فسمع أسد صهيل فرس، فقال: لمن هذا؟ فقيل: للعقّار بن ذُعَيْر، فتطيّر من اسمه واسم أبيه، فقال: ردّوه قال: إني مقتول بجرأتي على الترك، قال: أسد: قتلك الله! ثم سار حتى إذا شارف العَثن الحارّة استقبله بشْر بن رزين - أو رزين بن بشر - فقال بشارة ورزانة؛ ما وراءك يا رزين؟ قال: إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قال: قل للمقدام بن عبد الرحمن يطاول رمحي، فسار فنزل من مدينة الجُوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا وقد تراءتْ الخيلان، فقال خاقان للحارث: مَنْ هذا؟ فقال: هذا محمد بن المثنى ورايته؛ ويقال: إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرتْه أنّ رهجًا ساطعًا طلع من قِبَل بلْخ، فدعا خاقان الحارث، فقال: ألم
стр. 4166
تزعم أنّ أسدًا ليس به نهوض! وهذا رَهَج قد أقبل من ناحية بلْخ، قال الحارث: هذا اللصّ الذي كنت قد أخبرتُك أنه من أصحابي، فبعث خاقان طلائع، فقال: انظروا هل تروْن على الإبل سريرًا وكراسيّ؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنّهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ، وهذا أسد قد أتاك. فسار أسد غَلْوة فلقيه سالم بن جناح، فقال: أبشر أيّها الأمير، قد حزرتُهم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله، فقال المجشّر بن مزاحم، وهو يسايره: أنزِلْ أيّها الأمير رجالك؛ فضرب وجْه دابته، وقال: لو أطِعْتَ يا مجشّر ما كنّا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد، وقال: يا أهلَ الصّباح، انزلوا، فنزلوا وقرّبوا دوابَهم، وأخذو النَّبْل والقسيّ، قال: وخاقان في مرْج قد بات فيه تلك الليلة.
قال: وقال عمرو بن أبي موسى: ارتحل أسد حين صلّى الغداة، فمرّ بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشُّبورُقان، قال: وقصور الجوزجان إذا ذاك ذليلة، قال: وأتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نُعيم الغامديّ في مقاتلته وأهل الجوزجان - وكان عاملها - فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، وقال للجوزجان بن الجوزجان: سِرْ معي؛ وكان على التعبئة القاسم بن بُخَيت المرَاغيّ؛ فجعل الأزد وبني تميم والجوزجان بن الجوزجان وشاكريتَه ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعيّ، وأهل قنَّسرين عليهم صغراء بن أحمر، وجعل ربيعة ميسرة، عليهم يحيى بن حُضَين، وضمّ إليهم أهل حِمْص عليهم جعفر بن حنظلة البهْرانيّ، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حِمْيَر؛ وعلى المقدّمة منصور بن مسلم البَجَليّ، وأضاف إليهم أهلَ دمشق عليهم حملة بن نُعيم الكلبيّ، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد.
قال: وعبّى خاقان الحارث بن سُرَيج وأصحابه وملك السُّغد وصاحب الشاش وخرَا بُغْرة أبا خاناخزة، جدّ كاوس وصاحب الخُتّل وجبغويه، والتّرك كلهم ميمنة، فلمّا التقوا حمل الحارث، ومَنْ معه من أهل السُّغد والبابيّة وغيرهم على الميسرة، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم؛ فهزمهم فلم يردّهم شيء دون رواق أسد؛ فشدّت عليهم الميمنة - وهم الأزْد وبنو تميم والجوزجان - فما وصلوا
стр. 4167
إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جميعًا، فقال أسد: اللهمّ إنهم عصوْني فانصرهم؛ وذهب التُّرك في الأرض عباديد لا يلوون على أحد، فتبعهم النّاس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون مَنْ يقدرون عليه، حتى انتهوْا إلى أغنامهم؛ فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومئة ألف شاة ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان طريقًا غير الجادّة في الجبل، والحارث بن سُرَيج يحميه، ولحقهم أسد عند الظهر، ويقال: لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فأمر أسد برواقه فرفع، فقال رجل من بني قيس بن ثعلبة: يا أهلَ الشأم؛ أهكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الأبنية فأمر به فُحطّ، وهاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يَدْعون الله ويكبّرون، وأقبل خاقان في قريب من أربعمئة فارس عليهم الحُمرة، وقال لرجل يقال له سورى: إنما أنت ملك الجُوزجان إن أسلمتَ العرب؛ فمن رأيت من أهل الجوزجان مولّيًا فاقتله، وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشِّخيِّر: إني لأعلم ببلادي وطُرقها؛ فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكرٌ ما بقيت؟ قال: ما هو؟ قال: تتبعني؛ قال: نعم؛ فأخذ طريقًا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكُوسات فضربت ضربة الانصراف، وقد شبّطت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصراف، ثم ضربت الثانية فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابنُ الشِّخيّر والجوزجان على الطوقات، وولّى خاقان مدبرًا منهزمًا، فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلي ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك، ووحل بخاقان بِرْذونه فحماه الحارث بن سريج، قال: ولم يعلم الناس أنه خاقان، ووجد عسكر الترك مشحونًا من كلّ شيء من آنية الفضة وصنّاجات الترك، وأراد الخصيّ أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لُبود (١) مضرَّب.
قال: فبعث أسد بجواري التّرك إلى دهاقين خُراسان، واستنقذ مَن كان في أيديهم من المسلمين.
стр. 4168
قال: وأقام أسد خمسة أيام. قال: فكانت الخيول التي فرّق تقبِل فيصيبهم أسد، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلْخ يوم التالممع من خروجه، فقال ابن السِّجْف المجاشعيّ:
لو سرْتَ في الأَرْضِ تَقِيس الأَرْضَا ... تَقِيسُ منها طُولَها والعَرْضا
لَمْ تَلْقَ خَيْرًا مِرَّةً ونقْضا ... مِنَ الأَميرِ أَسدٍ وأَمْضَى
أفْضَى إِلَيْنا، الخَيْرُ حِين أَفضى ... وجَمَعَ الشَّملَ وكانَ رَفْضا
ما فاتَهُ خاقانُ إلا رَكْضا ... قد فُضَّ مِن جُمُوعِهِ ما فُضَّا
يابْنَ سُرَيج قَدْ لَقيتَ حَمْضَا ... حَمْضًا بِهِ يُشْفى صُداعُ المرضى
قال: وارتحل أسد، فنزل جَزّة الجوزجان من غد، وخاقان بها، فارتحل هاربًا منه. وندب أسد الناس، فانتدب ناسٌ كثيرٌ من أهل الشام وأهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهراني، فساروا ونزلوا مدينة تسمَّى ورد من أرض جَزّة، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر - ويقال: أصابهم الثّلج - فرجعوا. ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخاريّ، وانصرف البهرانيّ إلى أسد، ورجع أسد إلى بلْخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرْو الرّوذ منصرفة لتغير على بلْخ، فقتلوا مَنْ قدروا عليه منهم، وكان التّرك قد بلغوا بيعة مَرْو الرّوذ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف دِرْع؛ فلمّا صار ببلْخ أمر الناس بالصّوم لافتتاح الله عليهم.
قال: وكان أسد يوجّه الكرمانيّ في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرّجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك؛ ومضى خاقان إلى طخارستان العليا، فاقام عند جبغويه الخَزْلخِيّ تعزّزًا به، وأمر بصنيعة الكُوسات، فلما جفّت وصلَحت أصواتها ارتحل إلى بلاده؛ فلما ورد شروسنة، تلقّاه خرابغره أبو خاناخره، جدّ كاوس أبي أفشِين باللّعّابين، وأعدّ له هدايا ودوابّ له ولجنده - وكان الذي بينهما متباعدًا - فلما رجع منهزمًا أحبّ أن يتخذ عنده يدًا، فأتاه كلّ ما قدر عليه. ثم أتى خاقان بلاده، وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سَمْرقند، وحُمِل الحارث بن سُرَيج وأصحابه على خمسة آلاف بِرْذون، وفرّق براذين في قوّاد الترك، فلاعب خاقان يومًا كُورصُول بالنّرد على خَطَر (١) تُدْرجة، فقمَر كورصول
стр. 4169
التَرقشيّ، فطلب منه التُّدرجة، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر؛ فتنازعا، فكسر كُورصول يَد خاقان، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كُورصول؛ وبلغ كووصول، فتنحّى وجمع جمعًا من أصحابه، فبيّت خاقان فقتله؛ فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجرّدًا، فأتاه زُريق بن طُفَيل الكُشانيّ وأهل بيت الحموكيّين - وهم من عظماء الترك - فحمله ودفنه، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل. فتفرّقت الترك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش؛ فعند ذلك طمع أهل السُّغد في الرَّجعة إليها، قال: فلم يسلمْ من خَيْل الترك التي تفرّقت في الغارات إلَّا زرّ بن الكسيّ، فإنه سلم حتى صار إلى طَخَارستان، وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيفَ بن وصّاف العجليّ على فرس، فسار حتى نزل الشُّبورقان. قال: وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدّقه، وقال للربيع حاجبه: ويحك! إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامّة الكبرى إذا كان صادقًا؛ ولا أراه صادقًا، اذهب فعِدْه ثم سله عمّا يقوله وائتِني بما يقول. فانطلق إليه ففعل الذي أمره به، فأخبره بالذي أَخبر به هشامًا. قال: فدخل عليه أمر عظيم؛ فدعا به بعد، فقال: من القاسم بن بُخَيت منكم؟ قال: ذلك صاحب العسكر، قال: فإنه قد أقبل، قال: فإن كان قد أقبل فقد فتح الله على أمير المؤمنين - وكان أسد وجّهه حين فتح الله عليه - فأقبل القاسم بن بُخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبِّر وهشام يكبِّر لتكبيره، حتى انتهى إليه، فقال: الفتح يا أميرَ المؤمنين؛ وأخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر؛ وهي واحدة عندهم. قال: فحسدت القيسيّة أسدًا وخالدًا، وأشاووا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله، فيأمرَ أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان، فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيان على رؤوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فاخبِرُه بالذي عاينت وقل الحقّ؛ فإنك لا تقول غير الحقّ إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. قالوا: إذًا لا يأخذ شيئًا، قال: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا وكذا، وجهَّزه.
فسار فقدم على هشام بن عبد الملك وهو والأبرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الخُتّل، فأصبنا أمرًا عظيمًا، وأنذِر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا
стр. 4170
واستنقَذوا من غنائمنا، واستباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعة قريبًا من خُلْم، فانتهى الناس إلى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدوّ، فسار بنا حتى التقينا برُستاق بينا وبين أرض الجُوزجان، فقاتلناهم وقد حازوا ذراريّ من ذراريّ المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم. ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظّفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان؛ فأُجْلِيَ عنه - وهشام متّكئ فاستوى جالسًا عند ذكره عسكر خاقان - فقال ثلاثًا: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قال: نعم، قال: ثمّ ماذا؟ قال: دخلوا الخُتَّل وانصرفوا. قال هشام: إن أسدًا لضعيف، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين؛ ما أسدٌ بضعيف وما أطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتَك؟ قال: إنّ يزيد بن المهلب أخذ من أبي حيّان مئة ألف درهم بغير حق؛ فقال له هشام: لا أُكلفك شاهدًا، احلف بالله أن كما قلت، فحلفَ، فردّها عليه من بيت مال خراسان؛ وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها؛ فكتب إليه، فأعطاه أسدٌ مئة ألف دِرهم، فقسمها بين ورثة حيّان على كتاب الله وفرائضه. ويقال: بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقًّا أعطي مئة ألف درهم.
وكان الذي جاء بفتح خُراسان إلى مَرْو عبد السلام بن الأشهب بن عتبة الحنظلي. قال: فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفدًا في هزيمته يوم سان، ومعهم طوقات خاقان ورؤوس مَنْ قُتِلوا منهم، فأوفدهم خالد إلى هشام، فأحلفهم أنهم صَدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال أبو الهنديّ الأسديّ لأسد يذكر وقعة سان:
أبا مُنذِرٍ رُمْتَ الأُمُورَ فَقِسْتها ... وساءَلْتَ عَنْها كالحريصِ المُساوِم
فَما كانَ ذو رَأْيٍ من الناسِ قسْتَهُ ... برَأَيْك إلَّا مِثلَ رَأْيِ البهائِم
أَبَا مُنْذِرٍ لوْلَا مَسِيرُكَ لم يَكُن عِراق ... وَلا انْقادَتْ مُلوك الأَعاجم
ولا حَجَّ بَيْتَ اللَهِ - مذُ حُجَّ - راكبٌ ... ولا عَمَر البَطْحَاء بَعْدَ المَواسِم
فَكمْ مِنْ قَتِيل بَيْنَ سانٍ وَجَزَةٍ ... كثِيرِ الأيادي من مُلوكٍ قَماقِم
تَرَكتَ بأَرْضِ الجوْزَجانِ تزُورُهُ ... سِباعٌ وعِقْبَانٌ لِحَز الغَلاصِم
وَذي سُوقَة فيه منَ السيف خُطّة ... بهِ رَمَق حامتَ عَلَيْهِ الحَوائم