← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

تزعم أنّ أسدًا ليس به نهوض! وهذا رَهَج قد أقبل من ناحية بلْخ، قال الحارث: هذا اللصّ الذي كنت قد أخبرتُك أنه من أصحابي، فبعث خاقان طلائع، فقال: انظروا هل تروْن على الإبل سريرًا وكراسيّ؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنّهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ، وهذا أسد قد أتاك. فسار أسد غَلْوة فلقيه سالم بن جناح، فقال: أبشر أيّها الأمير، قد حزرتُهم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله، فقال المجشّر بن مزاحم، وهو يسايره: أنزِلْ أيّها الأمير رجالك؛ فضرب وجْه دابته، وقال: لو أطِعْتَ يا مجشّر ما كنّا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد، وقال: يا أهلَ الصّباح، انزلوا، فنزلوا وقرّبوا دوابَهم، وأخذو النَّبْل والقسيّ، قال: وخاقان في مرْج قد بات فيه تلك الليلة. قال: وقال عمرو بن أبي موسى: ارتحل أسد حين صلّى الغداة، فمرّ بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشُّبورُقان، قال: وقصور الجوزجان إذا ذاك ذليلة، قال: وأتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نُعيم الغامديّ في مقاتلته وأهل الجوزجان - وكان عاملها - فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، وقال للجوزجان بن الجوزجان: سِرْ معي؛ وكان على التعبئة القاسم بن بُخَيت المرَاغيّ؛ فجعل الأزد وبني تميم والجوزجان بن الجوزجان وشاكريتَه ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعيّ، وأهل قنَّسرين عليهم صغراء بن أحمر، وجعل ربيعة ميسرة، عليهم يحيى بن حُضَين، وضمّ إليهم أهل حِمْص عليهم جعفر بن حنظلة البهْرانيّ، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حِمْيَر؛ وعلى المقدّمة منصور بن مسلم البَجَليّ، وأضاف إليهم أهلَ دمشق عليهم حملة بن نُعيم الكلبيّ، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد. قال: وعبّى خاقان الحارث بن سُرَيج وأصحابه وملك السُّغد وصاحب الشاش وخرَا بُغْرة أبا خاناخزة، جدّ كاوس وصاحب الخُتّل وجبغويه، والتّرك كلهم ميمنة، فلمّا التقوا حمل الحارث، ومَنْ معه من أهل السُّغد والبابيّة وغيرهم على الميسرة، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم؛ فهزمهم فلم يردّهم شيء دون رواق أسد؛ فشدّت عليهم الميمنة - وهم الأزْد وبنو تميم والجوزجان - فما وصلوا

стр. 4167

إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جميعًا، فقال أسد: اللهمّ إنهم عصوْني فانصرهم؛ وذهب التُّرك في الأرض عباديد لا يلوون على أحد، فتبعهم النّاس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون مَنْ يقدرون عليه، حتى انتهوْا إلى أغنامهم؛ فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومئة ألف شاة ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان طريقًا غير الجادّة في الجبل، والحارث بن سُرَيج يحميه، ولحقهم أسد عند الظهر، ويقال: لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فأمر أسد برواقه فرفع، فقال رجل من بني قيس بن ثعلبة: يا أهلَ الشأم؛ أهكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الأبنية فأمر به فُحطّ، وهاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يَدْعون الله ويكبّرون، وأقبل خاقان في قريب من أربعمئة فارس عليهم الحُمرة، وقال لرجل يقال له سورى: إنما أنت ملك الجُوزجان إن أسلمتَ العرب؛ فمن رأيت من أهل الجوزجان مولّيًا فاقتله، وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشِّخيِّر: إني لأعلم ببلادي وطُرقها؛ فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكرٌ ما بقيت؟ قال: ما هو؟ قال: تتبعني؛ قال: نعم؛ فأخذ طريقًا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكُوسات فضربت ضربة الانصراف، وقد شبّطت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصراف، ثم ضربت الثانية فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابنُ الشِّخيّر والجوزجان على الطوقات، وولّى خاقان مدبرًا منهزمًا، فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلي ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك، ووحل بخاقان بِرْذونه فحماه الحارث بن سريج، قال: ولم يعلم الناس أنه خاقان، ووجد عسكر الترك مشحونًا من كلّ شيء من آنية الفضة وصنّاجات الترك، وأراد الخصيّ أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لُبود (١) مضرَّب. قال: فبعث أسد بجواري التّرك إلى دهاقين خُراسان، واستنقذ مَن كان في أيديهم من المسلمين.

стр. 4168

قال: وأقام أسد خمسة أيام. قال: فكانت الخيول التي فرّق تقبِل فيصيبهم أسد، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلْخ يوم التالممع من خروجه، فقال ابن السِّجْف المجاشعيّ: لو سرْتَ في الأَرْضِ تَقِيس الأَرْضَا ... تَقِيسُ منها طُولَها والعَرْضا لَمْ تَلْقَ خَيْرًا مِرَّةً ونقْضا ... مِنَ الأَميرِ أَسدٍ وأَمْضَى أفْضَى إِلَيْنا، الخَيْرُ حِين أَفضى ... وجَمَعَ الشَّملَ وكانَ رَفْضا ما فاتَهُ خاقانُ إلا رَكْضا ... قد فُضَّ مِن جُمُوعِهِ ما فُضَّا يابْنَ سُرَيج قَدْ لَقيتَ حَمْضَا ... حَمْضًا بِهِ يُشْفى صُداعُ المرضى قال: وارتحل أسد، فنزل جَزّة الجوزجان من غد، وخاقان بها، فارتحل هاربًا منه. وندب أسد الناس، فانتدب ناسٌ كثيرٌ من أهل الشام وأهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهراني، فساروا ونزلوا مدينة تسمَّى ورد من أرض جَزّة، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر - ويقال: أصابهم الثّلج - فرجعوا. ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخاريّ، وانصرف البهرانيّ إلى أسد، ورجع أسد إلى بلْخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرْو الرّوذ منصرفة لتغير على بلْخ، فقتلوا مَنْ قدروا عليه منهم، وكان التّرك قد بلغوا بيعة مَرْو الرّوذ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف دِرْع؛ فلمّا صار ببلْخ أمر الناس بالصّوم لافتتاح الله عليهم. قال: وكان أسد يوجّه الكرمانيّ في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرّجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك؛ ومضى خاقان إلى طخارستان العليا، فاقام عند جبغويه الخَزْلخِيّ تعزّزًا به، وأمر بصنيعة الكُوسات، فلما جفّت وصلَحت أصواتها ارتحل إلى بلاده؛ فلما ورد شروسنة، تلقّاه خرابغره أبو خاناخره، جدّ كاوس أبي أفشِين باللّعّابين، وأعدّ له هدايا ودوابّ له ولجنده - وكان الذي بينهما متباعدًا - فلما رجع منهزمًا أحبّ أن يتخذ عنده يدًا، فأتاه كلّ ما قدر عليه. ثم أتى خاقان بلاده، وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سَمْرقند، وحُمِل الحارث بن سُرَيج وأصحابه على خمسة آلاف بِرْذون، وفرّق براذين في قوّاد الترك، فلاعب خاقان يومًا كُورصُول بالنّرد على خَطَر (١) تُدْرجة، فقمَر كورصول

стр. 4169

التَرقشيّ، فطلب منه التُّدرجة، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر؛ فتنازعا، فكسر كُورصول يَد خاقان، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كُورصول؛ وبلغ كووصول، فتنحّى وجمع جمعًا من أصحابه، فبيّت خاقان فقتله؛ فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجرّدًا، فأتاه زُريق بن طُفَيل الكُشانيّ وأهل بيت الحموكيّين - وهم من عظماء الترك - فحمله ودفنه، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل. فتفرّقت الترك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش؛ فعند ذلك طمع أهل السُّغد في الرَّجعة إليها، قال: فلم يسلمْ من خَيْل الترك التي تفرّقت في الغارات إلَّا زرّ بن الكسيّ، فإنه سلم حتى صار إلى طَخَارستان، وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيفَ بن وصّاف العجليّ على فرس، فسار حتى نزل الشُّبورقان. قال: وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدّقه، وقال للربيع حاجبه: ويحك! إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامّة الكبرى إذا كان صادقًا؛ ولا أراه صادقًا، اذهب فعِدْه ثم سله عمّا يقوله وائتِني بما يقول. فانطلق إليه ففعل الذي أمره به، فأخبره بالذي أَخبر به هشامًا. قال: فدخل عليه أمر عظيم؛ فدعا به بعد، فقال: من القاسم بن بُخَيت منكم؟ قال: ذلك صاحب العسكر، قال: فإنه قد أقبل، قال: فإن كان قد أقبل فقد فتح الله على أمير المؤمنين - وكان أسد وجّهه حين فتح الله عليه - فأقبل القاسم بن بُخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبِّر وهشام يكبِّر لتكبيره، حتى انتهى إليه، فقال: الفتح يا أميرَ المؤمنين؛ وأخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر؛ وهي واحدة عندهم. قال: فحسدت القيسيّة أسدًا وخالدًا، وأشاووا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله، فيأمرَ أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان، فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيان على رؤوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فاخبِرُه بالذي عاينت وقل الحقّ؛ فإنك لا تقول غير الحقّ إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. قالوا: إذًا لا يأخذ شيئًا، قال: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا وكذا، وجهَّزه. فسار فقدم على هشام بن عبد الملك وهو والأبرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الخُتّل، فأصبنا أمرًا عظيمًا، وأنذِر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا

стр. 4170

واستنقَذوا من غنائمنا، واستباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعة قريبًا من خُلْم، فانتهى الناس إلى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدوّ، فسار بنا حتى التقينا برُستاق بينا وبين أرض الجُوزجان، فقاتلناهم وقد حازوا ذراريّ من ذراريّ المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم. ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظّفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان؛ فأُجْلِيَ عنه - وهشام متّكئ فاستوى جالسًا عند ذكره عسكر خاقان - فقال ثلاثًا: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قال: نعم، قال: ثمّ ماذا؟ قال: دخلوا الخُتَّل وانصرفوا. قال هشام: إن أسدًا لضعيف، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين؛ ما أسدٌ بضعيف وما أطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتَك؟ قال: إنّ يزيد بن المهلب أخذ من أبي حيّان مئة ألف درهم بغير حق؛ فقال له هشام: لا أُكلفك شاهدًا، احلف بالله أن كما قلت، فحلفَ، فردّها عليه من بيت مال خراسان؛ وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها؛ فكتب إليه، فأعطاه أسدٌ مئة ألف دِرهم، فقسمها بين ورثة حيّان على كتاب الله وفرائضه. ويقال: بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقًّا أعطي مئة ألف درهم. وكان الذي جاء بفتح خُراسان إلى مَرْو عبد السلام بن الأشهب بن عتبة الحنظلي. قال: فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفدًا في هزيمته يوم سان، ومعهم طوقات خاقان ورؤوس مَنْ قُتِلوا منهم، فأوفدهم خالد إلى هشام، فأحلفهم أنهم صَدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال أبو الهنديّ الأسديّ لأسد يذكر وقعة سان: أبا مُنذِرٍ رُمْتَ الأُمُورَ فَقِسْتها ... وساءَلْتَ عَنْها كالحريصِ المُساوِم فَما كانَ ذو رَأْيٍ من الناسِ قسْتَهُ ... برَأَيْك إلَّا مِثلَ رَأْيِ البهائِم أَبَا مُنْذِرٍ لوْلَا مَسِيرُكَ لم يَكُن عِراق ... وَلا انْقادَتْ مُلوك الأَعاجم ولا حَجَّ بَيْتَ اللَهِ - مذُ حُجَّ - راكبٌ ... ولا عَمَر البَطْحَاء بَعْدَ المَواسِم فَكمْ مِنْ قَتِيل بَيْنَ سانٍ وَجَزَةٍ ... كثِيرِ الأيادي من مُلوكٍ قَماقِم تَرَكتَ بأَرْضِ الجوْزَجانِ تزُورُهُ ... سِباعٌ وعِقْبَانٌ لِحَز الغَلاصِم وَذي سُوقَة فيه منَ السيف خُطّة ... بهِ رَمَق حامتَ عَلَيْهِ الحَوائم

стр. 4171

فمن هارِب مِنَّا وَمِنْ دَائِنٍ لنا ... أَسير يُقَاسِي مُبْهَمَاتِ الأَدَاهم فدتْكَ نُفُوسٌ من تميمٍ وعامِرٍ ... ومن مُضَرَ الحَمْرَاءِ عِنْدَ المآزِم هُمُ أَطْعَمُوا خاقان فينا فأَصبحَتْ ... جلائبهُ ترْجو احْتِوَاءَ المغانِم قال: وكان السبّل أوصى عند موته ابنَ السائجيّ حين استخلفه بثلاث خصال، فقال: لا تستطل على أهل الخُتّل استطالتي التي كانت عليهم؛ فإني ملِك ولستَ بملِك؛ إنما أنت رجل منهم، فلا يحتملون لك ما يحتلمون للملوك، ولا تدَع أن تطلب الجيش حتى تردّه إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي والملوك هم النظّام، والناس ما لم يكن لهم نظام طَغام، ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم كلّ حيلة تدفعونهم بها عن أنفسكم ما قدرتم. فقال له ابن السائجيّ: أما ما ذكرت من تركي الاستطالة على أهل الختَّل فإني قد عرفت ذلك، وأما ما أوصيتَ من ردّ الجيش فقد صدق الملك، وأما قولك: لا تحاربوا العرب، فكيف تنهى عن حربهم، وقد كنتَ أكثر الملوك لهم محاربة! قال: قد أحسنتَ إذ سألتَ عمَّا لا تعلم؛ إني قد جرّبت قوّتكم بقوّتي، فلم أجدكم تقعون مني موقعًا، فكنت إذا حاربتُهم لم أفلِت منم إلَّا جَريضًا، وإنكم إن حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم. قال وكان الجيش، قد هرب إلى الصين، وابن السائجي الذي أخبر أسد بن عبد الله بمسير خاقان إليه، فكره محاربة أسد (١). [٧/ ١١٣ - ١٢٨]. وذكر أبو زيد أن أبا بكر بن حفص الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن عقيل، عن سعيد بن مرادابند، مولى عمرو بن حُرَيث، قال: رأيتُ خالدًا حين أتِيَ بالمغيرة وبيان في ستّة رهط أو سبعة، أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان (٢) قصب ونِفْط فأحضرا، ثم أمر المغيرة أن يتناول طنًّا فكعّ عنه وتأنّى، فصبّت السياط على رأسه، فتناول طنًّا فاحتضنه، فشُدّ عليه، ثم صُبّ عليه وعلى الطنّ نِفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم أمر الرهط ففعلوا، ثم أمر بيانًا آخرهم فقدِم إلى الطنّ مبادرًا فاحتضنه، فقال خالد: ويلكم! في كل أمر

стр. 4172

تحمُقون، هلا رأيتم هذا المغيرة! ثم أحرقه. قال أبو زيد: لما قتل خالد المغيرة وبيانًا أرسل إلى مالك بن أعين الجُهنيّ فسأله فصدّقه عن نفسه، فأطلقه، فلما خلا مالك بمن يثق به - وكان فيهم أبو مسلم صاحب خراسان - قال: ضَرَبْتُ له بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ لاحبًا ... وَطِنْتُ عَليْهِ الشَّمْسُ فيمَنْ يطينُها وألقيْتهُ في شبْهَةٍ حِينَ سألني ... كما اشتَبَها في الخَط سِينٌ وشينُها فقال أبو مسلم حين ظهر أمره: لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه. قال أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: خرج المغيرة بن سعيد في سبعة نفر، وكانوا يُدعون الوصفاء، وكان خروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسريّ بخروجهم وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماء، فنعَى ذلك عليه ابن نوفل (١)، فقال: أخالد لا جَزاك اللهُ خيرًا ... وأَيْرٌ في حِرِ أمكَ مِنْ أَمِير تمَنَّى الفَخْرَ في قَيْس وقَسْرٍ ... كأنَّكَ من سَرَاةِ بنِي جَرير وأُمُّك عِلجَةٌ وأَبُوكَ وَغْدٌ ... وما الأَذنابُ عِدْلًا للصُّدُورِ جَرِيرٌ مِنْ ذوي يَمَنٍ أصيلٌ ... كَريمُ الأَصل ذو خطرٍ كبيرِ وأنتَ زعمْتَ أَنكَ مِنْ يزيدٍ ... وَقَدْ أُدْحِقْتُمُ دحق العبُورِ (٢) وكُنْتَ لدَى المُغِيرَةِ عَبْدَ سَوْءٍ ... تَبُول مِن المَخافَة للزَّئيرِ وقلتَ لِما أَصابَك: أَطعِمُوني ... شَرابًا ثُمَّ بُلتَ على السريرِ لأَعلاج ثمانيَة وَشيخٍ ... كبيرِ السن ليْسَ بذِي نَصِيرِ * * * * * خبر مقتل بهلول بن بشر وفي هذه السنة حكّم بُهلول بن بشر الملقب كثارة فقتِل.

стр. 4173

* ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله: ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنّى أن بُهْلولًا كان يتألّه (١)، وكان له قوت دانق، وكان مشهورًا بالبأس عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلًا بدرهم، فجاءه غلامه بخمر، فأمر بردّها وأخْذ الدراهم، فلم يُجَب إلى ذلك، فجاء بُهلول إلى عامل القرية - وهي من السواد - فكلّمه، فقال العاسل: الخمر خير منك ومن قومك؛ فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه، وعزم على الخروج على السلطان، فلقيَ بمكة مَن كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمع بها أربعون رجلًا، وأمّروا عليهم البهلول، وأجمعوا على ألَّا يمرّوا بأحد إلَّا أخبروه أنّهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، ووجّههم إلى خالد ليُنفذِهم في أعمالهم، فجعلوا لا يمرّون بعامل إلَّا أخبروه بذلك. وأخذوا دوابّ من دوابّ البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي كان ابتاع فيها الغلام الخلّ فأعطِيَ خمرًا، قال بهلول: نبدأ بهذا العامل الذي قال ما قال؛ فقال له أصحابه: نحن نريد قتل خالد؛ فإن بدأنا بهذا شُهِرنا وحذِرَنا خالد وغيره؛ فننشدك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد؛ ويبني البيعَ والكنائس، ويولِّي المجوس على المسلمين، ويُنكح أهلَ الذّمة المسلمات، لعلنا نقتله فيريح الله منه. قال: والله لا أدَعُ ما يلزمني لما بعده؛ وأرجو أن أقتل هذا الذي قال لي ما قال وأدرك خالدًا فأقتله؛ وإن تركتُ هذا وأتيتُ خالدًا شُهر أمرنا فأفلت هذا، وقد قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٢)، قالوا: أنت ورأيك، فأتاه فقتله، فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطريق هزابًا، وخرجت البرُد إلى خالد فأخبروه أن خارجةً قد خرجت؛ وهم لا يدرون حينئذ مَن رئيسهم. فخرج خالد من واسط حتى أتى الحِيرة وهو حينئذ في الحلَق، وقد قدم في تلك الأيام قائد من أهل الشأم من بني القَيْن في جيش قد وَجّهوا مددًا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلكَ قصدها خالد، فدعا رئيسهم فقال: قاتلْ هؤلاء المارقة؛ فإنّ من قتل منهم رجلًا أعطيته عطاء سوى ما قبض بالشأم، وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند - وكان الخروج إلى أرض الهند شاقًّا عليهم -

стр. 4174

فسارعوا إلى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النفر ونرجع إلى بلادنا، فتوجّه القيْنيّ إليهم في ستمئة، وضمّ إليهم خالد مئتين من شُرَط الكوفة، فالتقوا على الفُرات، فعبّأ القْينيّ أصحابه، وعزل شرط الكوفة، فقال: لا تكونوا معنا - وإنما يريد في نفسه أن يخلوَ هو وأصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد - وخرج إليهم بُهلول، فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكّر له، ومعه لواء أسود، فحمل عليه فطعنه في فرْج درعه؛ فأنفذه. فقال: قتلتَني قتلك الله! فقال بهلول؛ إلى النار أبعدك الله. وولّى أهل الشأم مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا باب الكوفة، وبُهلول وأصحابه يقتلونهم، فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه؛ وأما شُرَط الكوفة فإنه لحقهم، فقالوا: اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون؛ فجعل يقرع رؤوسهم بالرّمح، ويقول: الحقوا! النّجاء النّجاء! ووجد البهلول مع القينيّ بَدْرة فأخذها. وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأي البهلول، فخرجوا إليه يريدون اللّحاق به فقتِلوا، وخرج إليهم البُهلول وحمل البَدْرة بين يديه، فقال: مَنْ قتل هؤلاء النفر حتى أعطيَه هذه الدراهم؟ فجعل هذا يقول: أنا، وهذا يقول: أنا؛ حتى عرفهم؛ وهم يروْن أنه من قِبَل خالد جاء ليعطيهم مالًا لقتلهم مَنْ قتلوا، فقال بُهلول لأهل القرية، أصَدق هؤلاء، هم قتلوا النفر؟ قالوا: نعم؛ وخشي بهلول أنهم اذعوا ذلك طمعًا في المال، فقال لأهل القرية: انصرفوا أنتم؛ وأمر بأولئك فقُتِلوا، وعاب عليه أصحابه فحاجّهم، فأقرّوا له بالحجّة. وبلغت هزيمةُ القوم خالدًا وخبر مَنْ قُتِل من أهل صرِيفين، فوجّه قائدًا من بني شَيْبان أحد بني حوشب بن يزيدبن رويم؛ فلقيهم فيما بين الموصل والكوفة، فشدّ عليهم البُهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فإني جانح مستجير! فكفّ عنه؛ وانهزم أصحابه، فأتوْا خالدًا وهو مقيم بالحيرة ينتظر، فلم يرعْه إلَّا الفَلّ قد هجم عليه؛ فارتحل البُهلول من يومه يريد الموصل؛ فخافه عامل الموصل، فكتب إلى هشام: إنّ خارجةً خرجت فعاثت وأفسدت؛ وأنه لا يأمن على ناحيته، ويسأله جندًا يقاتلهم به؛ فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كُثارة بن بشر - وكان هشام لا يعرف البهلول إلَّا بلقبه - فكتب إليه العامل: إن الخراج هو كُثارة.

стр. 4175

قال: ثم قال البهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئًا - يعني خالدًا - وما خرجت إلَّا لله، فلمَ لا نطلب الرأس الذي يسلط خالدًا وذوي خالد! فتوجّه يريد هشامًا بالشام، فخاف عمّال هشام مَوْجِدته إن تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهي إلى الشأم، فجنّد له خالد جندًا من أهل العراق، وجند له عامل الجزيرة جندًا من أهل الجزيرة، ووجّه إليه هشام جندًا من أهل الشأم؛ فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بُهلول حتى انتهى إليهم - ويقال: التقوْا بالكُحَيل دون الموصل - فأقبل بهلول، فنزل على باب الدَّيْر، فقالوا له؛ تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك فتنحّى وخرجوا؛ فلما رأى كثرتهم وهو في سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثم أقبل عليهم فقال: أكلّكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتي وأهله سالمًا؛ قالوا: إنا نرجو ذلك إن شاء الله، فشدّ على رجل منهم فقتله، فقال: أما هذا فلا يأتي أهله أبدًا؛ فلم يزل ذلك ديدنَه حتى قتل منهم ستة نفر؛ فانهزموا، فدخلوا الدّير فحاصرهم، وجاءتهم الأمداد فكانوا عشرين ألفًا، فقال له أصحابه: ألَا نعقر دوابّنا، ثم نشدّ عليهم شدة واحدة؛ فقال: لا تفعلوا حتى نبلي الله عذرًا ما استمسكنا على دوابّنا، فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل والجراح. ثم إن بهلولًا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، وأصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا فيهم؛ فقتِل عامة أصحاب بُهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، وحمل عليه رجل من جَدِيلة قيس يكنى أبا الموت، فطعنَه فصرعه، فوافاه مَن بقي من أصحابه، فقالوا له: وَلِّ أمرنا مِن بعدَك من يقوم به، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنينَ دِعامة الشيبانيّ، فإن هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكريّ، وكان أبو الموت إنما ختل البهلول، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دِعامة وخلّاهم، فقال رجل من شعرائهم: لبئس أَميرُ المؤمنينَ دِعامةٌ ... دِعامَةُ في الهَيْجاءِ شَرُّ الدَّعائم وقال الضحاك بن قيس يَرثي بُهلولًا، ويذكر أصحابه: بُدِّلتُ بعد أَبي بِشر وصحبِته ... قومًا عليَّ معَ الأَحزاب أَعوانا كأَنَّهمْ لم يكونوا من صَحَابتِنا ... ولم يكونوا لنا بالأَمسِ خُلَّانا يا عينُ أَذري دُمُوعًا منك تهتانا ... وابكي لنا صحبةً بانوا وإخوانا

стр. 4176

خَلَّوا لنا ظاهِرَ الدنيا وباطنَها ... وأَصبحوا في جنان الخلد جيرانا قال أبو عبيدة: لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكريّ فلم يلبث أن قتل، ثم خرج العنزيّ صاحب الأشهب - وبهذا كان يعرف - على خالد في ستّين، فوجّه إليه خالد السّمط بن مسلم البَجليّ في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات، فشدّ العنزيّ على السّمط، فضربه بين أصابعه فألقى سيفه، وشلّت يده، وحمل عليهم فانهزمت الحَروريّة فتلقاهم عَبيد أهل الكوفة وسفلتهم، فرموْهم بالحجارة حتى قتلوهم. قال أبو عبيدة: ثم خرج وزير السختيانيّ على خالد في نفر؛ وكان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمرّ بقرية إلَّا أحرَقها، ولا أحد إلَّا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجّه إليه خالد قائدًا من أصحابه وشُرَطًا من شُرَط الكوفة، فقاتلوه وهو في نفير؛ فقاتل حتى قتِل عامة أصحابه. وأثخِن بالجراح؛ فأخذ مرتثًّا، فأتيَ به خالد، فاقبل على خالد فوعظه، وتلا عليه آيات من القرآن. فأعجب خالد ما سمع منه، فأمسك عن قتله وحبسه عنده، وكان لا يزال يبعث إليه في الليالي فيؤتَى به فيحادثه ويسائله، فبلغ ذلك هشامًا وسُعي به إليه، وقيل: أخذ حروريًّا قد قتَل وحرق وأباح الأموال، فاستبقاه فاتّخذه سميرًا، فغضب هشام، وكتب إلى خالد يشتمه، ويقول: لا تستبق فاسقًا قتَل وحرق، وأباح الأموال؛ فكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته. فكتب فيه إلى هشام يرقّق من أمره - ويقال: بل لم يكتب ولكنه كان يؤخّر أمره ويدفع عنه - حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله وإحراقه؛ فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخِذوا معه؛ فأمر بهم فأدخلوا المسجد، وأدخلت أطنان القَصب فشُدّوا فيها، ثم صبّ عليهم النّفْط، ثم أخرِجوا فنصبوا في الرّحبة، ورُموا بالنّيران؛ فما منهم أحد إلَّا من اضطرب وأظهر جَزعًا، إلَّا وزيرًا فإنه لم يتحرك، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. * * * وفي هذه السنة غزا أسد بن عبد الله الخُتّل، وفيها قتل أسد بدرطرخان ملك الخُتَّل.

стр. 4177

ذكر الخبر عن غزو أَسد الخُتّل هذه الغزوة وسبب قتله بدرطرخان ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل أنهم قالوا: غزا أسد بن عبد الله الختَّل وهي غزوة بدرطرخان، فوجّه مصعب بن عمرو الخُزاعيّ إليها، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدرطرخان؛ فطلب الأمان على أن يخرج إلى أسد. فأجابه مُصعب، فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء فامتنع، ثم سأله بدرطرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم، فقال له أسد: إنك رجل غريب من أهل الباميان، اخرج من الختَّل كما دخلتها، فقال له بدرطرخان: دخلتَ أنت خراسان على عشرة من المحذّفة، ولو خرجت منها اليوم لم تستقلّ على خمسمئة بعير؛ وغيرُ ذلك أنِّي دخلت الخُتَل بشيء فارْدُدْه عليّ حتى أخرج منها كما دخلتها، قال: وما ذاك؟ قال: دخلتُها شابًّا فكسبت المال بالسيف، ورزق الله أهلًا وولدًا، فاردد عليّ شبابي حتى أخرج منها؛ هل ترى أن أخرج من أهلي وولدي! فما بفائي بعد أهلي وولدي! فغضب أسد. قال: وكان بدرطرخان يثق بالأمان، فقال له أسد: أختم في عنقك؛ فإني أخاف عليك معرّة الجند، قال: لستُ أريد ذلك؛ وأنا أكتفي من قِبَلك برجل يبلغ بي مصعبًا، فأبى أسد إلَّا أن يختم في عنقه، فختم في رقبته ودفعه إلى أبي الأسد مولاه، فسار به أبو الأسد، فانتهى إلى عسكر المصعب عند المساء، وكان سلمة بن أبي عبد الله في الموالي مع مُصعب، فوافى أبو الأسد سلمةَ، وهو يضع الدّراجة (١) في موضعها، فقال سلمة لأبي الأسد، ما صنع الأمير في أمر بدرطرخان؟ فقصّ الذي عرض عليه بدرطرخان وإباء أسد ذلك، وسرحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن، فقال سلمة: إن الأمير لم يُصِبْ فيما صنع، وسينظر في ذلك ويندم؛ إنما كان ينبغي له أن يقبض ما عرض عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه؛ فإنا إنما دخلناه بقناطر اتّخذناها، ومضايق أصلحناها؛ وكان يمنعه أن يغير علينا رجاءُ الصلح؛ فأما إذ يئس من الصّلح فإنه لا يدَع الجهد، فدعْه الليلة

стр. 4178

في قُبّتي؛ ولا تنطلق به إلى مصعب؛ فإنه ساعة ينظر إليهُ يدخله حصنه. قال: فأقام أبو الأسد وبدرطرخان معه في قبّة سلمة، وأقبل أسدٌ بالناس في طريق ضيّق، فتقطّع الجند، ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطِش - ولم يكن أحد من خَدمه - فاستسقى؛ وكان السُّغديّ بن عبد الرحمن أبو طعمة الجرميّ معه شاكريّ له، ومع الشاكريّ قَرْن تُبَّتَيّ؛ فأخذ السُّغديّ القرن؛ فجعل فيه سَويقًا، وصبّ عليه ماء من النهر، وحرّكه وسقى أسدًا وقومًا من رؤساء الجند، فنزل أسد في ظلّ شجرة، ودعا برجل من الحرَس، فوضع رأسه في فخذه، جاء المجشَّر بن مُزاحم السُّلميّ يقود فرَسه حتى قعد تُجاهه حيث ينظر أسدًا، فقال أسد: كيف أنت يا أبا العَدَبَّس؟ قال: كنتُ أمسِ أحسنَ حالًا منّي اليوم، قال: وكيف ذاك؟ قال: كان بدرطرخان في أيدينا وعرض ما عرض؛ فلا الأمير قبِل منه ما عرض عليه ولا هو شدّ يده عليه؛ لكنه خلّى سبيله؛ وأمر بإدخاله حصنه لما عنده - زعم - من الوفاء. فندم أسد عند ذلك، ودعا بدليل من أهل الختّل ورجل من أهل الشأم نافذ، فاره الفرسِ فأتى بهما، فقال للشاميّ: إن أنت أدركتَ بدرطرخان قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم؛ فتوجّها حتى انتهيا إلى عسكر مُصعب؛ فنادى الشأميّ: ما فعل العِلْج؟ قيل: عند سلمة، وانصرف الدّليل إلى أسد بالخبر، وأقام الشاميّ مع بدرطرخان في قُبّة سلَمة، وبعث أسد إلى بَدرطرخان فحوّله إليه فشتمه، فعرف بدرطرخان أنه قد نقض عهده، فرفع حصاة فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد الله؛ وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد (محمد ﷺ )، وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين وعهد المسلمين؛ فأمر أسد بقطع يده، وقال أسد: مَنْ هاهنا من أولياء أبي فديك؟ (رجل من الأزد قتله بدرطرخان)، فقام رجل من الأزد فقال: أنا، قال: اضرب عنقه؛ ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى، وبقيت قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله، فلم يوصل إليهم، وفرَّق أسد الخيل في أودية الخُتّل (١). قال: وقدم أسد مَرْو، وعليها أيّوب بن أبي حسان التميميّ، فعزله واستعمل خالد بن شديد، ابن عمه. فلما شخص إلى بلْخ بلغه أنّ عمارة بن حُرَيم تزوّج

стр. 4179

الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فكَتب إلى خالد بن شديد: احمل عُمارة على طلاق ابنة يزيد؛ فإن أبى فاضربه مئة سوط؛ فبعث إليه فأتاه وعنده العذافر بن زيد التميميّ، فأمره بطلاقها، ففعل بعد إباء منه؛ وقال عذافر: عمارة والله فتى قيس وسيّدها، وما بها عليه أبّهة؛ أي ليست بأشرف منه، فتوفّيَ خالد بن شديد، واستخلف الأشعث بن جعفر البَجَليّ. * * * * * ظهور الصحاري بن شبيب الخارجيّ وفيها شرى (١) الصحاريّ بن شبيب، وحكم بجبُّل. ذكر خبره: ذكر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن الصحاريّ بن شبيب أتى خالدًا يسأله الفريضة، فقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة! فودّعه ابن شبيب، ومضى، وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فتقًا، فأرسل إليه يدعوه، فقال: أنا كنت عنده آنفًا؛ فأبوْا أن يَدَعوه، فشدّ عليهم بسيفه، فتركوه فركب وسار حتى جاوز واسطًا، ثم عقَر فرسه وركب زورقًا ليخفى مكانه، ثم قصد إلى نفر من بني تَيْم اللات بن ثعلبة، كانوا بَجبُّل، فأتاهم متقلدًا سيفًا فأخبرهم خبره وخبر خالد، فقالوا له: وما كنت ترجو بالفريضة! كنتَ لأن تخرج إلى ابن النصرانيّة فتضربه بسيفك أحْرَى، فقال: إني والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلَّا التوصّل إليه لئلا ينكرني، ثم أقتل ابن النصرانيّة غيلة بقتله فلانًا - وكان خالد قَبْل ذلك قد قتل رجلًا من قَعَدة الصُّفْريّة صَبْرًا - ثم دعاهم الصحاريّ إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم، وقال بعضهم: ننتظر، وأبى بعضهم وقالوا: نحن في عافية، فلما رأى ذلك قال: لم أُردْ منه الفريضةَ إلَّا ... طَمَعًا في قتله أَنْ أَنالا فأُرِيحَ الأَرْضَ منه وَمِمّن ... عاثَ فيها وعَنِ الحَقِّ مالا كُلّ جبارٍ عنيد أَرَاهُ ... تَرَكَ الحق وَسَنَّ الضلالا

стр. 4180

إنَّني شَارٍ بنفسي لربّي ... تَارِكٌ قِيلا لديهمْ وقالا بَائعٌ أَهلي ومَالِيَ أَرجو ... في جنانِ الخلدِ أهلًا ومالا قال: فبايعه نحو من ثلاثين، فشرَي بجَبُّل، ثم سار حتي أتي المبارَك. فبلغ ذلك خالدًا، فقال: قد كنت خفتُها منه، ثم وجه إليه خالد جندًا، فلقوه بناحية المنَاذِر، فقاتلهم قتالًا شديدًا، ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع أصحابه (١). [٧/ ١٢٩ - ١٣٨]. ثم دخلت سنة عشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن سبب وفاته: وكان سبب ذلك أنه كانت به -فيما ذكر- دُبَيلة (٢) في جوفه؛ فحضر المِهرجان وهو ببلْخ، فقدم عليه الأمراءُ والدّهاقين؛ فكان ممن قدم عليه إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفيّ عامله علي هَراة وخُراسان، ودهقان هراة؛ فقدِما بهديَّة قُوّمت بألف ألف؛ فكان فيما قَدما به قَصْران: قصر من فضّة وقصر من ذهب، وأباريق من ذهب وأباريق من فضّة وصحاف من ذهب وفضة؛ فأقبلا وأسد جالس علي السرير، وأشراف خُراسان علي الكراسيّ؛ فوضعا القَصْرين؛ ثم وضعا خلْفهمَا الأباريق والصِّحاف والديباج المرويّ والقوهيّ والهرويّ وغير ذلك؛ حتي امتلأ السماط؛ وكان فيما جاء به الدّهقان أسدًا كُرَة من ذهَب؛ ثم قام الدهقان خطيبًا، فقال: أصلح الله الأمير! إِنَّا معشر العَجم؛ أكلنا الدّنيا أربعمئة سنة؛ أكلناها بالحلْم والعقل والوقار؛ ليس فينا كتاب ناطق، ولا نبيّ مرسل؛ وكانت الرّجال عندنا ثلاثة: ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله علي يده، والذي يليه تمتّ مُروّته في بيته فإن كان كذلك رُجِيَ وعُظِّم، وقوّد وقدّم؛ ورجل رحُب صدره، وبسط يده فُرجِيَ؛ فإذا كان كذلك قُوِّد وقُدِّم، وإن الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا الدّنيا بهم أربعمئة سنة فيك أيها الأمير؛ وما نعلم أحدًا هو أتمّ

стр. 4181

كَتْخُدانيَّة منك؛ إنك ضبطتَ أهل بيتك وحشمك ومواليك؛ فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدّي علي صغير ولا كبير، ولا غنيّ ولا فقير، فهذا تمام الكُتْخدانيّة، ثم بنيتَ الإيوانات في المفاوز؛ فيجيءُ الجائي من المشرق والآخر من المغرب؛ فلا يجدان عيبًا إلا أن يقولا: سبحان الله ما أحسن ما بُني! ومِن يُمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مئة ألف، معه الحارث بن سريج فهزمتَه وفللتَه، وقتلت أصحابَه، وأبحت عسكره. وأما رُحْب صدرِك وبَسْط يدك، فإنّا ما ندري أيّ المالين أقرّ لعينك؟ أمالٌ قدم عليك، أم مال خرج من عندك؟ بل أنتَ بما خرج أقرّ عينًا، فضحك أسد، وقال: أنت خير دهاقين خُراسان وأحسنهم هديّة، وناوله تفاحة كانت في يده؛ وسجد له دِهْقان هَراة، وأطرق أسد ينظر إلي تلك الهدايا؛ فنظر عن يمينه، فقال: يا عُذافر بن يزيد، مُرْ من يحمل هذا القَصْر الذهب، ثم قال: يا معن بن أحمر رأس قيس -أو قال قنّسرين- مرْ بهذا القصر يحملَ، ثم قال: يا فلان خذ إبريقًا، ويا فلان خذ إبريقًا، وأعطي الصِّحاف حتي بقيت صحفتان، فقال: قم يا بن الصيداء، فخذ صُحيفة، قال: فأخذ واحدة فرزنها (١) فوضعها، ثم أخذ الأخري فرزنها، فقال له أسد: مالك؟ قال: آخذ أرزنهما، قال: خذهما جميعًا؛ وأعطي العُرَفاء وأصحاب البلاء؛ فقام أبو اليعفور- وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازي- فنادي: هلمَّ إلي الطريق، فقال أسد: ما أحسن ما ذكرّت بنفسك! خذ ديباجتين، وقام ميمون العذَّاب فقال: إليّ، إلي يساركم، إلي الجادّة؛ فقال: ما أحسن ما ذكَّرت نفسك! خذ ديباجة، قال: فأعطي ما كان في السّماط كلّه، فقال نهر بن تَوْسِعة: تقِلُّون إِنْ نادي لِرَوعٍ مُثوِّبٌ ... وأَنتم غَداةَ المهرَجانِ كثيرُ ثم مرض أسد، فأفاق إفاقة فخرج يومًا، فأتِيَ بكمّثري أوّل ما جاء، فأطعمَ الناس منه واحدة واحدة؛ وأخذ كُمّثراة فرمي بها إلي خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدُّبَيلة، فهلك، واستخلف جعفرًا البهرانيّ، وهو جعفر بن حنظلة سنة عشرين ومئة فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيّار في رجب سنة إحدي وعشرين ومئة، فقال ابن عِرْس العبديّ: نَعَي أَسَد بنَ عبد اللهِ نَاعٍ ... فَرِيعَ القلبُ للملِكِ المُطاعِ

стр. 4182

ببَلخٍ وافَقَ المِقَدارُ يُسْرِي ... وما لقضاءِ ربكِ مِنْ دفاع فجودِي عَينُ بالعَبَراتِ سَحًّا ... أَلم يُحْزنْكِ تَفْرِيقُ الجماع! أتَاهُ حِمامُهُ في جوف صِيغٍ ... وكم بالصيغِ من بطل شجاع! كتائبُ قد يُجيبُونَ المنادي ... علي جُرْدٍ مسوّمة سراع سُقِيتَ الغيث إِنَّك كنت غيثًا ... مَريعًا عِندَ مُرْتَاد النَّجاع وقال سليمان بن قتّة مولي بني تيم بن مرة- وكان صديقًا لأسد: سَقَي الله بلْخًا، سَهْلَ بلخ وحَزْنَها ... ومَرْوَيْ خُراسانَ السَّحابَ المُجمَّمَا ومَا بي لِتُسْقَاهُ ولكنَّ حُفرَةً ... بها غَيَّبُوا شِلْوًا كِريمًا وأعظُمًا مُراجِمَ أقوامٍ ومُرْدِي عَظِيمةٍ ... وطَلَّابَ أَوتارٍ عِفرْنًا عَثَمثَما لقد كان يُعطي السَّيْفَ في الرَّوع حَقَّهُ ... ويُرْوي السنانَ الزَّاغبيَّ المُقَوَّما (١) * * * أمر شيعة بني العباس بخراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجّهت شيعة بني العباس بخراسان إلي محمد بن عليّ بن العباس سليمانَ بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه. ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد: وكان السبب في ذلك موجِدة كانت من محمد بن عليّ علَي مَنْ كان بخُراسان من شيعته من أجل طاعتهم، كانت لخداش الذي ذكرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روي عليه من الكذب؛ فترك مكاتبتهم؛ فلما أبطأ عليهم كتابُه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم؛ فأجمعوا علي الرِّضا بسليمان بن كَثير ليلقاه بأمرهم، ويخبره عنهم، ويرجع إليهم بما يردّ عليه؛ فقدم -فيما ذكر- سليمان بن كَثير علي محمد بن عليّ وهو متنكّر لمن بخُراسان من شيعته، فأخبره عنْهم، فعنّفهم في اتّباعهم خداشًا وما كان دعا إليه، وقال: لعن الله خداشًا ومَنْ كان علي ديِنه! ثم صرف سليمان إلي خراسان، وكتب إليهم معه كتابًا، فقدم عليهم، ومعه

стр. 4183

الكتاب مختومًا، فَفضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئًا، إلّا: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أنّ ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف. وفي هذه السنة وجّه محمد بن عليّ بكير بن ماهان إلي شيعته بخُراسان بعد منصرَف سليمان بن كَثير من عنده إليهم، وكتب معه إليهم كتابًا يعلمهم أن خِداشًا حمل شيعته علي غير مِنهاجه، فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدّقوه واستخفّوا به؛ فانصرف بكير إلي محمد بن عليّ، فبعث معه بعصيّ مضبّبة بعضها بالحديد وبعضها بالشّبَه؛ فقدم بها بكير وجمع النقباء والشّيعة، ودفع إلي كلّ رجل منهم عصًّا، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته، فرجعوا وتابوا (١). * * * وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدَ بن عبد الله عن أعماله التي كان ولاه إياه كلَّها. ذكر سبب عزل هشام خالدًا قد قيل في ذلك أقوال، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره؛ فممّا قيل في ذلك: إن فَرُّوخ أبا المثني كان قد تقبَّل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له رُستاق الرّمان أو نهر الرّمان -وكان يُدعي بذلك فرّوخ الرّمانيّ- فثقل مكانه علي خالد، فقال خالد لحسان النَّبطيّ: ويحك! اخرج إلي أمير المؤمنين فزِدْ علي فرّوخ، فخرج فزاد عليه ألف ألف درهم؛ فبعث هشام رِجلين من صُلحاء أهل الشأم، فحازَا الضياع، فصار حسان أثقلَ علي خالد من فرّوخ؛ فجعل يضرّ به، فيقول له حسّان: لا تفسدني وأنا صنيعتك! فأبي إلَّا الإضرار به، فلما قدم عليه بثق البثوق علي الضّياع، ثم خرج إلي هشام، فقال: إن خالدًا بَثَق البُثوق علي ضياعك. فوجّه هشام رجلًا، فنظر إليها ثم رجع إلي هشام فأخبره، فقال حسان لخادم مِن خدم هشام: إن تكلّمتَ بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار، قال: فعجِّل لي الألف وأقول ما شئت، قال: فعجّلها له وقال له: بَكّ صبيًّا من صبيان هشام؛ فماذا بكي فقل له: اسكت؛ والله لكأنك ابنُ خالد

стр. 4184

القسريّ الذي غلّته ثلاثة عشر ألف ألف. فسمعها هشام فأغضي عليها. ثم دخل عليه حسّان بعد ذلك، فقال له هشام: ادنُ مني فدنا منه، فقال: كم غَلّة خالد؟ قال: ثلاثة عشر ألف ألف، قال: فكيف لم تخبرني بهذا! قال: وهل سألتَني؟ فوقرتْ في نفس هشام، فأزمع علي عزله. وقيل: كان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمة بن هشام؛ فإنّك لتفخر علي الناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحدٌ: سكَرْت دجلة ولم يتكلّف ذلك أحد، ولي سِقايةٌ بمكة، ولي ولاية العراق. وقيل: إنّما أغضب هشامًا علي خالد: أنّ رجلًا من قريش دخل علي خالد فاستخفّ به عضّه بلسانه، فكتب إلي هشام يشكوه، فكتب هشام إلي خالد: أمّا بعد؛ فإنَّ أمير المؤمنين -وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره، واستحفظك عليه، للّذي رجا من كفايتك، ووثِق به من حسن تدبيرك- لم يُفرشك غُرّة أهل بيته لتطأه بقدمِك، ولا تحدّ إليه بصرك؛ فكيف بك وقد بسطت علي غُرّتهم بالعراق لسانَك بالتوبيخ؛ تريد بذلك تصغير خَطَره، واحتقار قدره؛ زعمت بالنّصفة (١) منه حتي أخرجك ذلك إلي الإغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة، غير متحلحل (٢) له حين رأيتَه مقبلًا من صدر مهادك الذي مهد له الله، وفي قومك مَن يعلوك بحسبه، ويغمرُك بأوّليته، فنِلتَ مهَادَك بما رفع به آلُ عمرو من ضَعتك خاصّةً، مساوين بك فروع غُرَر القبائل وقرومها (٣) قِبَل أمير المؤمنين؛ حتي حللتَ هضبةً أصبحتَ تنحو (٤) بها عليهم مفتخرًا، ها إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطّمًا وقيذًا (٥). فهلّا -يا بن مجرّشة (٦) قومك- أعظمت رجُلَهم عليك داخلًا، ووسَّعت مجلسه إذ رأيتَه إليك مقبلًا، وتجافيتَ له عن

стр. 4185

صدر فراشك مكرّمًا، ثم فاوضتَه مقبلًا ببِشرك إكرامًا لأمير المؤمنين، فإذا اطمأنّ به مجلسه نازعته بحييّ السرار (١)، معظّمًا لقرابتَه، عارفًا لحقّه؛ فهو سِنّ البيتيْن ونابهم (٢). وابن شيخ آل أبي العاص وحَرْبٍ وغُرّتهم. وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدّم من حُرْمتك وما يكره من شماتة عدوّك بك لوضع منك ما رفع؛ حتي يردّك إلي حال تفقد بها أهلَ الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك. ما أقربني من أن أجعلك تابعًا لمن كان لك تَبعًا؛ فانهض علي أيّ حالٍ ألفاك رسولُ أمير المؤمنين وكتابُه، من ليل أو نهار، ماشيًا علي قدمك بمن معك من خوَلك؛ حتي تقف علي باب ابن عمرو صاغرًا (٣)، مستأذنًا عليه، متنصلًا إليه؛ أذن لك أو منعك؛ فإن حركتْه عواطف رحمة احتملك. وإن احتملتْه أنَفة وحميّة من دخولك عليك فقف ببابه حَوْلًا غير متحلحل ولا زائل؛ ثم أمْرُك بعدُ إليه؛ عزل أو ولَّى، انتصر أو عفا؛ فلعنك الله من متّكل عليه بالثقة؛ ما أكثر هفواتك، وأقذع (٤) لأهل الشرف ألفاظك؛ التي لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها علي مَنْ هو أولي بما أنت فيه من ولاية مِصْرَي العراق، وأقدم وأقوم. وقد كتب أمير المؤمنين إلي ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليه، ليري في العفو عنك والسخط عليك رأيه، مفوّضًا ذلك إليه مبسوطة فيه يدُه، محمودًا عند أمير المؤمنين علي أيّهما أتي به إليك، موفقًا إن شاء الله تعالي. وكتب إلى ابن عمرو: أما بعد: فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك، وفهِم ما ذكرت من بَسْطِ خالد عليك لسانَه في مجلسَ العامة محتقرًا لقَدْرك، مستصغرًا لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك وإمساكِك عنه، تعظيمًا لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسكًا بوثائق عِصم (٥) طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه، وإكثابه عليك عند إطراقك عنه، مرويًّا فيما أطلق أمير المؤمنين من

стр. 4186

لسانه (١)، وأطالَ من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله؛ وكذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هَذَر الذّنابيّ (٢) وطائشة أحلامها، صُمْتٌ من غير إفحام، بل بأحلام تَخِفّ بالجبال وزنًا. وقد حمِد أمير المؤمنين تعظيمَك إياه، وتوقيرك سلطانه وشكره؛ وقد جعل أمر خالد إليك في عزلك إياه أو إقراره؛ فإن عزلتَه أمضي عزلك إيّاه، وإن أقررتَه فتلك منَّة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها، وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سِنَة الهاجع عند وصوله إليه، يأمره بإتيانك راجلًا علي أيّه حال صادفه كتابُ أمير المؤمنين فيها، وألفاه رسولُه الموجَّه إليه من ليله أو نهاره، حتي يقف ببابك؛ أذنت له أو حجبته، أقررتَه أو عزلته، وتقدَّم أمير المؤمنين إلي رسوله في ضربه بين يديك علي رأسه عشرين سوطًا إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته؛ فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين في برّك وعظمِ حُرْمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقًا، وإليه حبيبًا، فيما ينوي من قضاء حق آل أبي العاص وسعيد. فكاتبْ أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئًا ومجيبًا ومحادثًا وطالبًا؛ ما عسي أن يُنزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبَله لبعد دارهم عنه، وقلة إمكان الخروج لإنزالها به؛ غير محتشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه، علي قَدْرِ قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحًا ومسترفدًا، وطالبًا مستزيدًا، تجد أمير المؤمنين إليك سريعًا بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين علي ما ينوي، وإليه يرغب في العَوْن علي قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكّل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسلام. * * * وقيل: إنّ خالدًا كان كثيرًا ما يذكر هشامًا، فيقول: ابن الحمقاء. وكانت أم هشام تستحمق، وقد ذكرنا خبرها قبلُ.

стр. 4187

وذكر أنه كتب إلي هشام كتابًا غاظَه، فكتب إليه هشام: يا بن أمّ خالد؛ قد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف؛ فيابن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفًا، وأنت مِنْ بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إني لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير من قريش، يشدّ يديْك إلي عنقك. وذكر أن هشامًا كتب إليه: قد بلغني قولك: أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز؛ ما أنا بأشرف الخمسة، أما والله لأرُدّنك إلي بَغْلتِك وطَيْلسانك الفيروزيّ. وذكر أن هشامًا بلغه أنه يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين! فظهر الغضب في وجهه. وقيل: إن هشامًا قدم عليه رجل من أهل الشأم، فقال: إني سمعت خالدًا ذكر أمير المؤمنين بما لا تنطلِق به الشفتان؛ قال: قال: الأحول؟ قال: لا، بل قال أشدّ من ذلك، قال: فما هو؟ قال: لا أقوله أبدًا، فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتي تغيّر له. وذكر أن دهقانًا دَخل علي خالد، فقال: أيّها الأمير، إنّ غلة ابنك قد زادت علي عشرة آلاف ألف؛ ولا آمنُ أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره. وإنّ الناس يحبون جسدَك، وأنا أحبّ جسدك وروحك؛ قال: إن أسد بن عبد الله قد كلّمني بمثل هذا، فأنت أمرته؟ قال: نعم، قال: ويحك! دع ابني، فلربما طلب الدّرْهم فلم يقدر عليه. ثم عزم هشام -لما كثر عليه ما يتّصل به عن خالد من الأمور التي كان يكرهها- علي عزله؛ فلما عزم علي ذلك أخفي ما قد عزم له عليه من أمره. * * * ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صحّ عزمُه علي عزله ذكر عمر أن عُبيد بن جنّاد حدّثه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشامًا أخفي عَزْل خالد، وكتب إلي يوسف بخطّه -وهو علي اليمن- أن يُقبِل في ثلاثين

стр. 4188

من أصحابه. فخرج يوسف حتي صار إلي الكوفة، فعرّس قريبً منها، وقد ختن طارق -خليفة خالد علي الخراج- ولدَه؛ فأهدي له ألف عتيق وألف وصيف؛ وألف وصيفة سوي الأموال والثياب وغير ذلك؛ فمرّ العاسّ بيوسف وأصحابه ويوسف يصلي ورائحة الطيب تنفح من ثيابه، فقال: ما أنتم؟ قالوا: سفّار؛ قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقًا وأصحابَه، فقالوا: إنا رأينا قومًا أنكرناهم، والرأي أن نقتلهم، فإن كانوا خوارجَ استرحنا منهم؛ وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم علي أمرهم، فنهوْهم عن قتلهم؛ فطافوا؛ فلما كان في السَّحر وقد انتقل يوسف وصار إلي دور ثَقيف، فمرّ بهم العاسّ، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: سفّار، قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقًا وأصحابه، فقالوا: قد صاروا إلي دور ثَقيف والرأي أن نقتلهم، فمنعوهم وأمر يوسف بعض الثَّقفيّين، فقال: اجمع لي مَن بها من مُضر. ففعل، فدخل المسجد مع الفجْر، فأمر المؤذّن بالإقامة، فقال: حتي يأتي الإمام؛ فانتهره فأقام، وتقدّم يوسف فقرأ: "إذا وقعت الواقعة"، و"سأل سائل"، ثم أرسل إلي خالد وطارق وأصحابهما، فأخِذوا وإنّ القُدور لتغلِي (١). قال عمر: قال عليّ بن محمد، قال: قال الربيع بن سابور مولي بني الحَرِيش -وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الحَرس: أتي هشامًا كتابُ خالدٍ فغاظه، وقدم عليه في ذلك اليوم جندب مولي يوسف بن عمر بكتاب يوسف، فقرأه ثم قال لسالم مولي عنبسة بن عبد الملك: أجِبْه عن لسانك، وكتب هو بخطّه كتابًا صغيرًا، ثم قال لي: ائتني بكتاب سالم- وكان سالم علي الديوان- فأتيتُه به، فأدرج فيه الكتاب الصّغير، ثم قال لي: اختمه ففعلت، ثم دعا برسول يوسف، فقال: إن صاحبك لمتعدٍّ طوَره، ويسأل فوق قدره؛ ثم قال لي: مَزِّق ثيابَه، ثم أمر به فضرب أسواطًا، فقال: أخرجه عنّي وادفع إليه كتابه. فدفعتُ إليه الكتاب، وقلت له: ويلك! النّجاء! فارتاب بَشير بن أبي ثلجة من أهل الأردنّ، وكان خليفة سالم وقال: هذه حيلة؛ وقد ولّي يوسف العراق؛ فكتب إلي عامل لسالم على أجمَة سالم، يقال له عياض: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني؛

стр. 4189

فإذا أتاك فالبسه واحمد الله، وأعلم ذلك طارقًا، فبعث عياض إلي طارق بن أبي زياد بالكتاب، وندم بشير علي كتابه، وكتب إلي عياض: إنّ أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب فلا تتكل عليه؛ فجاء عياض بالكتاب الآخر إلي طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأوّل؛ ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا، وركب طارق من الكوفة إلي خالد وهو بواسط؛ فسار يومًا وليلة، فصبّحهم، فرآه داود البربري -وكان علي حجابة خالد وحرسه وعلي ديوان الرسائل- فأعلم خالدًا، فغضب، وقال: قدم بغير إذن؛ فأذن له؛ فلمّا رآه قال: ما أقدمك؟ قال: أمرٌ كنت أخطأت فيه؛ قال: وما هو؟ قال: وفاة أسد ﵀، كتبتُ إلي الأمير أعزّيه عنه، وإنما كان ينبغي لي أن آتيَه ماشيًا، فرقّ خالد ودمعت عيناه، وقال: ارجع إلي عملك؛ قال: أردت أن أذكر للأمير أمرًا أسِرُّه، قال: ما دون داود سرّ، قال: أمر من أمرِي، فغضب داود وخرج، وأخبر طارق خالدًا، قال: فما الرأي؟ قال: تركب إلي أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شيء إن كان بلغه عنك. قال: فبئس الرجل أنا إذًا إن ركبت إليه بغير إذنه، قال: فشيء آخر، قال: وما هو؟ قال: تسير في عملك، وأتقدّمك إلي الشأم، فأستأذِنه لك؛ فإنك لا تبلغ أقصي عملك حتي يأتيَكَ إذنه، قال: ولا هذا، قال: فاذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميعَ ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلًا، قال: وما يبلغ ذاك؟ قال: مئة ألف ألف، قال: ومِن أين آخذ هذا! والله ما أجدُ عشرة آلاف درهم، قال: أتحمّل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم، والزينبيّ وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف؛ وتفرِّق الباقي علي العمال، قال: إني إذًا للئيم، أن كنت سوَّغتُ قومًا شيئًا ثم أرجع فيه، فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا، وتبقي النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء مَن يطالبنا بالأموال؛ وهي عند تجار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربّصون بنا فنقتل، ويأكلون تلك الأموال، فأبي خالد فودّعه طارق وبكَي, وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا؛ ومضي. ودخل داود، فأخبره خالد بقول طارق، فقال: قد علم أنك لا تخرج بغير إذن؛ فأراد أن يختِلَك ويأتي الشأم، فيتقبّل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بن راشد، فرجع طارق إلي الكوفة، وخرج خالد إلي الحمّة.

стр. 4190

قال: وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال له: ما وراءك؟ قال: الشرّ، أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان، ففضّ الكتاب فقرأه، فلما انتهي إلي آخره قرأ كتاب هشام بخطه: أن سرْ إلي العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بذاك أحد؛ وخذ ابنَ النصرانيّة وعمّاله فاشفني منهم؛ فقال يوسف: انظروا دليلًا عالمًا بالطريق، فأتِي بعدّة، فاختار منهم رجلًا وسار من يومه، واستخلف علي اليمن ابنه الصّلت فشيَّعه؛ فلما أراد أن ينصرف سأله: أين تريد؟ فضربه مئة سوط، وقال: يا بن اللخناء، أيخفي عليك إذا استقرّ بي منزل، فسار، فكان إذا أتي إلي طريقين سأل، فإذا قيل: هذا إلي العراق، قال: أعرِق، حتي أتي الكوفة. [٧/ ١٣٩ - ١٥٠]. قال عمر: قال عليّ: قال سالم زنبيل: لما صرنا إلي النَّجف قال لي يوسف: انطلق فائْتني بطارق؛ فلم أستطع أن آبَى عليه، وقلت في نفسي: مَنْ لي بطارق في سلطانه! ثم أتيت الكوفة، فقلت لغلمان طارق: استأذنوا لي علي طارق، فضربوني فصِحْتُ له: ويلك يا طارق! أنا سالم رسول يوسف، وقد قدم علي العراف. فخرج فصاح بالغلمان، وقال: أنا آتيه. قال: وروي أنّ يوسف قال لكيسان: انطلق فائْتني بطارق؛ فإنْ كان قد أقبل فاحمله علي إكاف، وإن لم يكن أقبل فأت بِهِ سَحبًا. قال: فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح -وهو سيّد أهل الحيرة- فقلت له: إنّ يوسف قد قدم علي العراق؛ وهو يأمرك أن تشدّ طارقًا وتأتيهَ به؛ فخرج هو وولده وغلمانه حتي أتوْا منزل طارق -وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدّة- فقال لطارق: إن أذنْتَ لي خرجت إلي هؤلاء فيمن معي فقتلتُهما، ثم طرتَ علي وجهك. فذهبتَ حيث شئت. قال: فأذن لكيسان، فقال: أخبِرْني عن الأمير، يريد المال؟ قال: نعم؛ قال: فأنا أعطيه ما سأل؛ وأقبلوا إلي يوسف فتوافوْا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضربًا مبرّحًا -يقال: خمسمئة سوط- ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بن مقدّم إلي خالد بالحمّة. قال عطاء: فأتيتُ الحاجب فقلتُ: استأذن لي علي أبي الهيثم. فدخل وهو متغيّر الوجه فقال له خالد: ما لك؟ قال: خير، قال: ما عندك خير، قال: عطاء بن مقدّم قال: استأذن لعب علي أبي الهيثم، فقال:

стр. 4191

ائذن له، فدخلت: فقال: ويل أمها سُخْطَة! قال: فلم أستقرَّ حتي دخل الحكَم بن الصّلْت، فقعد معه، فقال له خالد: ما كان ليلي عليّ أحد هو أحب إليّ منكم. وخطب يوسف بالكوفة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني بأخذ عمال ابن النصرانيّة، وأن أشفِيَه منهم، وسأفعل وأزيد والله يا أهل العراق، ولأقتلنّ منافقيكم بالسيف وجُناتَكم بالعذاب وفسّاقكم، ثم نزل ومضي إلي واسط، وأتِيَ بخالد وهو بواسط. قال عمر: قال حدثني الحكم بن النّضر: قال: سمعت أبا عبيدة يقول: لما حبس يوسف خالدًا صالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابُه علي تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف. وقيل له: لو لم تفعل لأخذتَ منه مئة ألف ألف درهم. قال: ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء. وأخبر أصحاب خالد خالدًا، فقال: قد أسأتم حين أعطيتموه عند أوّل وَهْلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا، فجاؤوا فقالوا: إنا قد أخبرنا خالدًا فلم يرضَ بما ضمنّا، وأخبرنا أنّ المال لا يمكنه، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم؛ فأما أنا فلا أرجع عليكم؛ فإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: فإنا قد رجعنا، قال: وقد فعلتم! قالوا: نعم، قال: فمنكم أتي النقض؛ فوالله لا أرضي بتسعة آلاف ألف ولا مثليْها ولا مثلها، فأخذ أكثر من ذلك. وقد قيل: إنه أخذ مئة ألف ألف. [٧/ ١٥٠ - ١٥١]. قال الهيثم بن عديّ: أخبرني الحسن بن عمارة عن العُريان بن الهيثم، قال: كنت كثيرًا ما أقول لأصحابي: إنّي أحسب هذا الرجل قد تخلّي منه؛ إن قريشًا لا تحتمل هذا ونحوه؛ وهم أهل حسد، وهذا يُظهر ما يُظهر، فقلتُ له يومًا: أيها الأمير؛ إنّ الناس قد رمَوْك بأبصارهم، وهي قريش، وليس بينك وبينها إلّ (١)، وهم يجدون منك بُدًّا؛ وأنت لا تجد منهم بُدًا؛ فأنشدك الله إلا ما كتبت إلي هشام تخبره عن أموالك، وتعرض عليه منها ما أحبّ؛ فما أقدرك علي أن تتخذ مثلها؛ وهو لا يستفسدك؛ وإن كان حريصًا علي ذلك فلعمري لأنْ يذهب

стр. 4192

بعض ويبقي بعض خير من أن تذهب كلها؛ وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها، ولا آمن أن يأتيَه باغ أو حاسد فيقبل منه؛ فلأن تعطيَه طائعًا خير من أن تعطيه كارهًا. فقال: ما أنت بمتّهم، ولا يكون ذلك أبدًا. قال: فقلت أطعني واجعلني رسولك، فوالله لا يحلّ عقدةً إلا شددتها، ولا يشدّ عقدة إلا حللتها. قال: إنّا والله لا نعطي علي الذلّ، قال: قلتُ: هل كانت لك هذه الضياع إلا في سلطانه! وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها! قال: لا، قلتُ: فبادره، فإنه يحفظها لك ويشكرك عليها، ولو لم تكن له عندك يد إلّا ما ابتدأك به كنت جديرًا أن تحفظه، قال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، قال: قلتُ فما كنتَ صانعًا إذا عزلك وأخذ ضياعك؟ فاصنعه، فإنّ إخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا لك، وأكثروا عليه فيك، ولك صنائع تعود عليهم بما بدا لك، ثم استدرك استتمام ما كان منك إلي صنائعك من هشام. قال: قد أبصرتُ ما تقول وليس إلي ذلك سبيل. وكان العريان يقول: كأنكم به قد عُزِل وأخذ ماله وتجُنّيَ عليه ثم لا ينتفع بشيء، قال: فكان كذلك. قال الهيثم: وحدّثني ابن عيَّاش: أنّ بلال بن أبي بردة كتب إلي خالد وهو عامله علي البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه: إنّه حدَث أمر لا أجد بدًّا من مشافهتك فيه؛ فإن رأيتَ أن تأذن لي؛ فإنما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفًا. فكتب إليه: أن أقبِلْ إذا شئت، فركب هو وموليان له الجمّازات، فسار يومًا وليلة، ثم صلي المغرب بالكوفة؛ وهي ثمانون فرسخًا، فأخبِر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب، فقال: أبا عمرو، أتعبتَ نفسك، قال: أجل، قال: متى عهدُك بالبصرة؟ قال: أمسِ، قال: أحقٌّ ما تقول! قال: هو والله ما قلت: قال: فما أنصبك؟ قال: ما بلغني من تعتّب أمير المؤمنين وقوله: وما بغاك به ولدُه وأهل بيته؛ فإنْ رأيت أن أتعرّض له وأعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها إلي ما أحبّ وأنفسنا به طيّبة، ثم أعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد. قال: ما أتّهمك وحتي أنظر؛ قال: إني أخاف أن تعاجَل، قال: كلا، قال: إن قريشًا من قد عرفتَ، ولاسيما سرعتهم إليك قال: يا بلال؛ إني والله ما أعطي شيئًا قسرًا أبدًا. قال أيها الأمير، أتكلم؟ قال: نعم، قال: إن هشامًا أعذر منك، يقول: استعملتُك، وليس لك شيء، فلم تر من

стр. 4193

الحق عليك أن تعرض عليّ بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزيّن له حسان النّبطيّ ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة. قال: أنا ناظر في ذلك فانصرف راشدًا، فانصرف بلال وهو يقول: كأنكم بهذا الرجل قد بُعث إليه رجل بعيد أتيّ (١)، به حمَز (٢)، بغيض النفس سخيف الدِّين، قليل الحياء، يأخذه بالإِحَن والترات، فكان كما قال. قال ابن عياش: وكان بلال قد اتخذ دارًا بالكوفة، وإنما استأذن خالدًا لينظر إلي داره، فما نزلها إلّا مقيّدًا، ثم جُعلت سِجْنًا إلي اليوم. قال ابن عيّاش: كان خالد يخطب فيقول: إنكم زعمتم أنّي أُغْلِي أسعاركم؛ فعلي مَن يغليِها لعنة الله! وكان هشام كتب إلي خالد لا تبيعنّ من الغّلات شيئًا حتي تباع غلّات أمير المؤمنين حتي بلغت كيلجة درهمًا (٣). قال الهيثم، عن ابن عياش: كانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومئة ثم عزل في جُمادي الأول سنة عشرين ومئة. [٧/ ١٥٢ - ١٥٤]. * * * وقيل: إنّ يوسف لما قدم العراق أراد أن يولِّيَ خراسان سَلْم بن قُتيبة، فكتب بذلك إلي هشام، ويستأذنه فيه، فكتب إليه هشام: إنّ سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة؛ ولو كان له بها عشيرة لم يقتَل بها أبوه. وقيل إنّ يوسف كتب إلي الكِرماني بولاية خُراسان مع رجل من بني سُليم وهو بمَرْو؛ فخرج إلي الناس يخطبهم، فحمِد الله وأثني عليه، وذكر أسدًا وقدومه خراسان، وما كانوا فيه من الجهد والفتنة، وما صُنع لهم علي يديه، ثم ذكر أخاه خالدًا بالجميل، وأثني عليه؛ وذكر قدوم يوسف العراق، وحثّ الناس علي الطاعة ولزوم الجماعة، ثم قال: غفر الله للميت -يعني أسدًا- وعافي الله المعزول، وبارك للقادم. ثم نزل [٧/ ١٥٤].

стр. 4194

ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيَّار خُراسان ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أنّ وفاة أسد بن عبد الله لما انتهت إلي هشام بن عبد الملك اشتشار أصحابَه في رجل يصلح لخُراسان؛ فأشاروا عليه بأقوام، وكتبوا له أسماءَهم؛ فكان ممن كتِب له عثمان بن عبد الله بن الشِّخَير ويحيي بن حضين بن المنذر الرقاشيّ ونصر بن سيار الليثيّ وقَطن بن قتيبة بن مسلم والمجشّر بن مزاحم السُّلميّ أحد بني حَرام؛ فأما عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير، فقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له: المجشّر شيخ هِمّ، وقيل له: ابن حُصين رجل فيه تيه وَعَظمة، وقيل له: قطن بن قتيبة موتور؛ فاختار نصر بن سيّار، فقيل له: ليست له بها عشيرة، فقال هشام: أنا عشيرته، فولّاه وبعث بعهده مع عبد الكريم بن سلِيط بن عقبة الهِفانِيّ؛ هفان بن عدِيّ بن حنيفة، فأقبل عبد الكريم بعهده، ومعه أبو المهند كاتبه مولي بني حَنيفة، فلما قدم سَرَخْس ولا يعلم به أحد، وعلي سَرَخسْ حفص بن عمر بن عبَّاد التيميّ أخو تميم بن عمر، فأخبره أبو المهند، فوجّه حفص رسولًا، فحمله إلي نصر، ونفذ ابن سليط إلي مَرْو، فأخبر أبو المهند الكرمانيّ، فوجّه الكرمانيّ نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الكرمانيّ إلي نصر بن سيار، فسبق رسول حفص إلي نصر بن سيار؛ فكان أوّل مَنْ سلم علمه بالإمْرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكّار! فدفع إليه الكتاب. وكان جعفر بن حنظلة ولّي عمرو بن مسلم مَرْو، وعزل الكِرمانيّ وولّي منصور بن عمر أبرشهر، وولّي نصر بن سيار بخاري، فقال جعفر بن حنظلة: دعوتُ نصرًا قبل أن يأتيَه عهده بأيام؛ فعرضتُ عليه أن أولّيَه بخاري، فشاور البختريّ بن مجاهد، فقال له البختريّ، وهو مولي بني شيبان: لا تقبلها، قال: ولمَ؟ قال: لأنك شيخ مُضَر بخُراسان؛ فكأنك بعهدك قد جاء علي خُراسان كلها؛ فلما أتاه عهده بعث إلي البختريّ فقال البختري لأصحابه: قد ولي نصر بن سيار خُراسان؛ فلما أتاه سلم عليه بالإِمْرة، فقال له: أنَّي علمت؟ قال: لما بعثتَ إليّ، وكنتَ قبل ذلك تأتيني، علمتُ أنك قد وليت. قال: وقد قيل إنّ هشامًا قال لعبد الكريم حين أتاه خبرُ أسد بن عبد الله بموته، مَنْ تري أن نولّيَ خراسان، فقد بلغني أنّ لك بها، وبأهلها علمًا؟

стр. 4195

قال عبد الكريم: قلت: يا أمير المؤمنين؛ أمّا رجلُ خراسان حزمًا ونجْدة فالكِرمانيّ؛ فأعرض بوجهه، وقال: ما اسمه؟ قلت: جُدَيع بن عليّ، قال: لا حاجة لي فيه، وتطيّر، وقال: سَمْ لي غيره، قلت: اللسِن المجرّب يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ أبو الميلاء، قال: ربيعة لا تُسَدّ بها الثغور -قال عبد الكريم: فقلت في نفسي: كرِه ربيعة واليمن، فأرميه بمُضر- فقلت: عقيل بن معقل الليثيّ، إن اغتفرت هَنةً، قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف، قال: لا حاجة لي به، قلت: منصور بن أبي الخرقاء السُّلميّ، إن اغتفرت نكره فإنه مشؤوم، قال: غيره، قلت: المحشّر بن مزاحم السلميّ، عاقل شجاع، له رأي مع كذب فيه، قال: لا خير في الكذِب، قلت: يحيي بن حُضَين، قال: ألم أخبرك أنّ ربيعة لا تسدّ بها الثغور! قال: فكان إذا ذكرت له ربيعة، واليمن أعرض، قال عبد الكريم: وأخّرت نصرًا وهو أرجلُ القوم وأحزمهم وأعلمهم بالسياسة، فقلت: نصر بن سيار الليثيّ، قال: هو لها، قلت: إن اغتفرتَ واحدة؛ فإنه عفيف مجرّب عاقل، قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة، قال: لا أبا لك، أتريد عشيرة أكثر مني! أنا عشيرته. وقال آخرون: لما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا علي برجل أولّه خُراسان، فأشاروا عليه بمسلمة بن سليمان بن عبد الله بن خازم وقُدَيد بن منيع المنقريّ ونصر بن سيّار وعمرو بن مسلم ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ومنصور بن أبي الخرقاء وسلْم بن قُتيبة ويونس بن عبد ربّه وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ؛ فكتب يوسف بأسمائهم إلي هشام، وأطرَي القيسيّه، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانيّ، فقال هشام: ما بال الكنانيّ آخرهم! وكان في كتاب يوسف إليه: يا أميرَ المؤمنين، نصر بخُراسان قليلُ العشيرة. فكتب إليه هشام: قد فهمت كتابَك وإطراءك القيسيَة، وذكرت نصرًا وقلة عشيرته، فكيف يقلّ مَنْ أنا عشيرته! ولكنك تقيّست عليّ، وأنا متخندف عليك؛ ابعث بعهد نصر؛ فلم يقلّ مَن عشيرته أمير المؤمنين؛ بلْهَ ما إن تميمًا أكثر أهل خراسان. فكتب إلي نصر أن يكاتبَ يوسف بن عمر، وبعث يوسف سَلْمًا وافدًا إلي هشام؛ وأثني عليه فلم يولّه، ثم أوفد شريك بن عبد ربه النُّميريّ، وأثني عليه ليوليَه خراسان، فأدي عليه هشام.

стр. 4196

قال: وأوفد نصرٌ مِنْ خُراسان الحكم بن يزيد بن عمير الأسديّ إلي هشام، وأثني عليه نصر، فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلي خراسان؛ فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يَزيد علي كِرْمان، وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفيّ -ومعه كاتبه أبو المهند مولي بني حنيفة- فلما أتي سَرَخْس وقع الثلْج، فأقام ونزل علي حفص بن عمر بن عباد التيميّ، فقال له: قدمتُ بعهد نَصر علي خُراسان، قال: وهو عامل يومئذ علي سَرَخْس -فدعا حفص غلامه، فحمله علي فرس وأعطاه مالًا، وقال له: طِرْ واقتل الفرس؛ فإن قام عليك فاشترِ غيرَه حتي تأتي نصرًا. قال: فخرج الغلامُ حتي قدِم علي نصر ببلْخ، فيجده في السوق، فدفع إليه الكتاب، فقال: أتدرِي ما في هذا الكتاب؟ قال: لا، فأمسكه بيده، وأتي منزله، فقال الناس: أتي نصرًا عهده علي خراسان، فأتاه قوم من خاصّته، فسألوه فقال: ما جاءني شيء، فمكث يومَه، فدخل عليه من الغد أبو حفص بن عليّ، أحد بني حنظلة -وهو صهره؛ وكانت ابنته تحت نَصْر، وكان أهوج كثير المال، فقال له: إنّ الناس قد خاضُوا وأكثروا في ولايتك؛ فهل جاءك شيء؟ فقال: ما جاءني شيء، فقام ليخرج. قال: مكانَك؛ وأقرأه الكتاب، فقال: ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحقّ، قال: فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبدُ الكريم، فدفع إليه عهده، فوصله بعشرة آلاف درهم، ثم استعمل نصر علي بَلْخ مسلمَ بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل وشاح بن بكير بن وشاح علي مَرْو الروذ، والحارث بن عبد الله بن الحشرج علي هراة، وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ علي أبرشهر، وأبا حفص بن عليّ ختنه علي خوارزم، وقطن بن قُتيبة علي السُّغْد، فقال رجل من أهل الشأم من اليمانية: ما رأيتُ عصبيّة مثل هذه! قال: بلي، التي كانت قبل هذه، فلم يستعمل أربع سنين إلا مُضريًّا، وعَمرت خُراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلَها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، فقال سَوَّار بن الأشعر: أَضْحتْ خُراسانُ بَعدَ الخوفِ آمنَةً ... مِنْ ظُلمِ كلِّ غشُوم الحكمِ جَبّار لما أَتى يُوسُفًا أَخبارُ ما لقِيتْ ... اختَارَ نَصْرًا لها؛ نَصْرَ بنَ سَيَّار وقال نصْر بن سيار فيمن كره ولايته: تَعَزّ عنِ الصَّبابةِ لا تُلَامُ ... كذلك لا يلُمّ بك احتمامُ

стр. 4197

أَأَنْ سَخِطَتْ كبيرةُ بعد قُرْبٍ ... كلِفْتَ بها وباشَرَكَ السَّقام! تُرَجّي اليومَ ما وعَدَتْ حديثًا ... وقد كُذِبَتْ مواعِدَها الكرامُ أَلمْ تَرَ أنَّ ما صَنَعَ الغَوَانِي ... عَسِيرٌ لا يَريعُ به الكلامُ أَبَتْ لي طاعَتِي وأَبَى بَلَائِي ... وفَوْزِي حين يَعْتَرِكُ الخصامُ وإِنَّا لا نُضِيعُ لنا مُلِمًّا ... ولا حَسَبًا إذا ضاعَ الذِّمامُ ولا نُغْضِي علي غَدْرٍ وِإنَّا ... نُقِيمُ علي الوفاء فلا نُلَامُ خليفتُنا الذي فازتْ يَداهُ ... بِقِدْحِ الحمدِ والمَلِكُ الهمامُ نَسُوسُهُمُ به ولنا عليهم ... إذا قلنا مَكارِمُهُ جِسَامُ أَبو العاصِي أَبُوهُ وعبدُ شَمسٍ ... وحَرْبٌ والقَماقِمَةُ الكرامُ ومروانٌ أَبو الخلفاءِ عالٍ ... عليه المجدُ فهو لهم نِظامُ وبيت خليفةِ الرحمن فينا ... وبَيْتاهُ المُقَدَّسُ والحرامُ ونحنُ الأَكرمُونَ إذا نُسِبنا ... وعِرْنِينُ البَريّة والسَّنامُ فأَمْسَيْنا لنا من كلِّ حَيٍّ ... خراطِيمُ البرية والزِّمامُ لنا أَيدٍ نريش بها ونبْري ... وأَيدٍ في بوادِرها السَّمامُ وبأْسٌ في الكريهةِ حين نلقى ... إذا كانَ النَّذيرُ بها الحسامُ قال: وأتي نصرًا عهده في رجب من سنة عشرين ومئة، وقال له البختريّ: اقرأ عهدك واخطب الناس؛ فخطب الناس؛ فقال في خطبته: استمسكوا أصحابنا بجُدّتِكم، فقد عرفنا خيرَكم وشركم. ثم دخلت سنة إحدي وعشرين ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزْوة مسلمة بن هشام بن عبد الملك الرّوم، فافتتح بها مطامير. وغَزْوة مرْوان بن محمد بلاد صاحب سَرِير الذهب، فافتتح قلاعه وخرَّب أرضه، وأذعن له بالجزْية، في كلّ سنة ألف رأس يؤدّيه إليه، وأخذ منه بذلك الرّهن، وملَّكه مروان علي أرضه (١).

стр. 4198

وفيها ولد العباس بن محمد. [٧/ ١٦٠]. اختُلف في سبب خروجه؛ فأما الهيثم بن عديّ فإنه قال -فيما ذكر عنه، عن عبد الله بن عياش- قال: قدم زيد بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب وداود بن عليّ بن عبد الله بن عباس علي خالد بن عبد الله وهو علي العراق، فأجازهم ورجعوا إلي المدينة؛ فلما ولِّي يوسف بن عمر كتب إلي هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالدًا ابتاع من زيد بن عليّ أرضًا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه، فكتب هشام إلي عامل المدينة أن يسرّحَهم إليه ففعل، فسألهم هشام فأقرّوا بالجائزة، وأنكروا ما سوي ذلك، فسأل زيدًا عن الأرض فأنكرها، وحلفوا لهشام فصدّقهم. وأما هشام بن محمد الكلبيّ، فإنه ذكر أن أبا مخنف حدّثه أن أوّل أمر زيد بن عليّ كان أن يزيد بن خالد القسْريّ ادّعي مالًا قِبَل زيدَ بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، وداود بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلي هشام بن عبد الملك -وزيد بن عليّ يومئذ بالرُّصافة يخاصم بني الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في صدقة رسول الله ﷺ ، ومحمد بن عمر بن عليّ يومئذ مع زيد بن عليّ- فلما قدِمت كتب يوسف بن عمر علي هشام بن عبد الملك بعث إليهم فذكَر لهم ما كتب به يوسف بن عمر إليه مما ادّعي قبَلهم يزيدُ بن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، فقال له زيد بن عليّ: أنشدك الله والرّحم أن لا تبعث بي إلي يوسف بن عمر! قال: وما الذي تخاف من يوسف بن عمر؟ قال: أخاف أن يعتديَ عليّ، قال له هشام: ليس ذلك له، ودعا هشام كاتبه فكتب إلي يوسف بن عمر: أما بعد: فإذا قدِم عليك فلان وفلان، فاجمعْ بينهم وبين يزيد بن خالد القسريّ، فإن هم أقرُّوا بما ادّعي عليهم فسرِّح بهم إليّ، وإن هم أنكروا فسله بيّنةً، فإن هو لم يُقِم البيّنة فاستحلفْهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما استودعهم يزيد بن خالد القسريّ وديعةً، ولا له قبلهم شيءٌ! ثم خلّ سبيلهم. فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدّي كتابَك، ويطول علينا، قال: كلَّا، أنا

стр. 4199

باعث معكم رجلًا من الحرَس يأخذه بذلك؛ حتي يعجّل الفراغ، فقالوا: جزاك الله والرّحم خيرًا؛ لقد حكمتَ بالعدل، فسرَّح بهم إلي يوسف، واحتبس أيوب بن سلمة؛ لأن أمّ هشام بن عبد الملك ابنة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وهو في أخواله، فلم يؤخذ بشيءٍ، من ذلك القَرْف. فلما قدموا علي يوسف، أدخِلوا عليه، فأجلسَ زيد بن عليّ قريبًا منه، وألطفه في المسألة، ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعًا، وقالوا: لم يستودعنا مالًا، ولا له قِبَلنا حقّ، فأخرج يوسف يزيدَ بن خالد إليهم، فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بن عليّ، وهذا محمد بن عمر بن عليّ، وهذا فلان وفلان الذي كنتَ ادّعيت عليهم ما ادّعيت، فقال: مالي قِبَلهم قليل ولا كثير، فقال يوسف: أفبِي تهزأ أم بأمير المؤمنين! فعذّبه يومئذ عذابًا ظنّ أنه قد قتله، ثم أخرجهم إلي المسجد بعد صلاة العصر، فاستحلفهم، فحلفوا له، وأمر بالقوم فبسط عليهم؛ ما عدا زيدَ بن عليّ فإنه كفّ عنه فلم يقتدر عند القوم علي شيء. فكتب إلي هشام يُعلمه الحال، فكتب إليه هشام: أن استحلفْهم، وخلّ سبيلهم، فخلّي عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بن عليّ بالكوفة. وذكر عُبيد بن جنّاد، عن عَطاء بن مُسْلم خفّاف أنّ زيد بن علي رأي في منامه أنه أضرَم في العراق نارًا، ثم أطفأها ثم مات، فهالتْه، فقال لابنه يحيي: يا بنيّ، إني رأيت رؤيا قد راعتني، فقصّها عليه، وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك يأمره بالقدوم عليه، فقدِم، فقال له: الحق بأميرك يوسف، فقال له: نشدُتك بالله يا أمير المؤمنين، فوالله ما آمن إن بعثتَني إليه ألّا أجتمع أنا وأنت حيّين علي ظهر الأرض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر؛ فقدم عليه. [٧/ ١٦٠ - ١٦٢]. وقيل: إن زيدًا إنما قدم علي هشام مخاصمًا ابنَ عمّه عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ، ذُكِر ذلك عن جُويرية بن أسماء، قال: شهدتُ زيد بن عليّ وجعفر بن حسن بن حسن يختصمان في ولاية وقوف عليّ، وكان زيد يخاصم عن بني حُسيْن، وجعفر يخاصم عن بني حسن؛ فكان جعفر وزيد يتبالغان بين

стр. 4200

يدي الوالي إلي كلّ غاية، ثم يقومان فلا يُعيدان مما كان بينهما حرفًا، فلما مات جعر قال عبد الله: من يكفينا زيدًا؟ قال حسن بن حسن بن حسن: أنا أكفيكه، قال: كلًا، إنا نخاف لسانَك ويدَك؛ ولكني أنا. قال: إذًا لا تبلغ حاجتَك وحُجَّتك، قال: أما حُجَّتي فسأبلغُها؛ فتنازعا إلي الوالي -والوالي يومئذ عندهم فيما قيل إبراهيم بن هشام- قال: فقال عبد الله لزيد: أتطمع أن تنالها وأنتَ لأمَةٍ سنِدّية! قال: قد كان إسماعيل لأمَة؛ فنال أكثر منها؛ فسكت عبد الله، وتبالغا يومئذ كلّ غاية؛ فلما كان الغد أحضرهم الوالي، وأحضر قريشًا والأنصار، فتنازعا، فاعترض رجل من الأنصار، فدخل بينهما، فقال له زيد: وما أنت والدخول بيننا، وأنت رجل من قحطان! قال: أنا والله خيرٌ منك نفسًا وأبًا وأمًّا. قال: فسكت زيد، وانبري له رجلٌ من قريش فقال: كذبتَ، لعمرُ الله لهو خير منك نفسًا وأبًا وأمًّا وأوّلًا وآخرًا، وفوق الأرض وتحتها، فقال الوالي: وما أنت وهذا! فأخذ القرشيّ كفًا من الحصي، فضرب به الأرض وقال: والله ما علي هذا من صَبْر، وفطن عبد الله وزيد لشماتة الوالي بهما، فذهب عبدُ الله ليتكلّم، فطلب إليه زيد فسكت، وقال زيد للوالي: أمّا والله لقد جمعتَنا لأسر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا علي مثله؛ وإني أشهِد الله ألّا أنازعَه إليك محقًّا ولا مبطلًا ما كنتُ حيًّا، ثم قال لعبد الله: انهض يا بن عمّ؛ فنهضا وتفرّق الناس. وقال بعضهم: لم يزل زيد ينازع جعفَر بن حسن ثم عبد الله بعده؛ حتي ولّي هشام بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة، فتنازعا، فأغلظ عبد الله لزيد، وقال: يا بن الهندكيّة، فَتضاحك زيد، وقال: قد فعلتها يا أبا محمد! ثم ذكر أمّه بشيء. وذكر المدائنيّ أن عبد الله لما قال ذلك لزيد قال زيد: أجلْ والله، لقد صبرتْ بعد وفاة سيّدها فما تعتّبتَ بابها إذ لم يصبر غيرُها، قال: ثم ندم زيد واستحيا من عمته؛ فلم يدخل عليها زمانًا، فأرسلت إليه: يابن أخي، إني لأعلم أنّ أمّك عندك كأمّ عبد الله عنده. وقيل: إن فاطمة أرسلتْ إلي زيد: إن سبّ عبد الله أمَّك فاسببْ أمّه؛ وأنها قالت لعبد الله: أقلت لأمّ زيد كذا وكذا؟ قال: نعم، قالت: فبئس والله ما صنعت! أما والله لنعم دخيلة القوم كانت!

стр. 4201

فذكر أن خالد بن عبد الملك، قال لهما: اغْدُوَا علينا غدًا، فلستُ لعبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: كذا وقائل كذا، قائل يقول قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغدُ جلس خالد في المجلس في المسجد، واجتمع الناس، فمن شامت ومن مهموم، فدعا بهما خالد، وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجَل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلي خالد أبدًا؛ ثم أقبل علي خالد فقال له: يا خالد؛ لقد جمعتَ ذرّية رسول الله ﷺ لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؛ قال خالد: أما لهذا السفيه أحدٌ! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن أبي تراب وابن حسين السفيه، ما تري لوالٍ عليك حقًّا ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيَّها القحطانيّ، فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولمَ ترغب عني! فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمّي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشرَ قريش، هذا الدين قد ذهب، أفذهبت الأحساب! فوالله إنه ليذهب دينُ القوم وما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت والله أيّها القحطانيّ، فوالله لهو خير منك نفسًا وأبًا وأمًّا ومحتدًا، وتناوله بكلام كثير؛ قال القحطانيّ: دعْنا منك يا بن واقد؛ فأخذ ابن واقد كفًّا من حصىً؛ فضرب بها الأرض، ثم قال له: والله مالنا علي هذا صبر، وقام. وشخص زيد إلي هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص؛ فكلّما رفع إليه قصّة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلي أميرك؛ فيقول زيد: والله لا أرجع إلي خالد أبدًا، وما أسأل مالًا؛ إنما أنا رجل مخاصم؛ ثم أذن له يومًا بعد طول حَبْس. فذكر عمر بن شبّة، عن أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: حدّثني محمد بن عبد العزيز الزهريّ قال: لما قدم زيد بن عليّ علَي هشام بن عبد الملك أعلمه حاجبُه بمكانه، فرقِيَ هشام إلي عِلّيّة له طويلة، ثم أذن له، وأمر خادمًا أن يتبعَه، وقال: لا يَرينّك، واسمع ما يقول قال: فأتعبته الدَّرَجَةَ -وكان بادنًا- فوقف في بعضها، فقال: والله لا يحبّ الدنيا أحد إلا ذلّ، فلما صار إلي هشام قضي حوائجه، ثم مضي نحو الكوفة، ونسي هشام أن يسأل الخادم حتي مضي

стр. 4202

لذلك أيام، ثم سأله فأخبره، فألتفت إلي الأبرش، فقال: والله ليأتينّك خلعُه أوّلَ شيء، وكان كما قال (١). [٧/ ١٦٣ - ١٦٥]. رجع الحديث إلي حديث هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: فجعلت الشيعة تختلف إلي زيد بن عليّ، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصورَ، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلِك فيه بنو أمية. فأقام بالكوفة، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه، فيقال: هو هاهنا، فيبعث إليه أن اشخص، فيقول: نعم؛ ويعتلّ له بالوَجع، فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضًا عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفة بعدُ لم يبرح، فبعث إليه، فاستحثّه بالشخوص، فاعتلّ عليه بأشياء يبتاعُها، وأخبره أنه في جهازه، ورأي جدّ يوسف في أمره فتهيَّأ، ثم شخص حتي أتي القادسيّة، وقال بعض الناس: أرسل معه رسولًا حتي بلَّغه العُذَيب، فلحقتْه الشّيعة، فقالوا له: أين تذهب عنّا ومعك مئة ألف رجل من أهل الكوفة، يضربون دونَك بأسيافهم غدًا وليس قبَلك من أهل الشأم إلا عدّة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحِج أو هَمْدان أو تميم أو بكْر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالي! فننشدك الله لمَّا رجعتَ؛ فلم يزالوا به حتي ردُّوه إلي الكوفة. [٧/ ١٦٦]. وأما أبو عبيدة، فذكِر عنه، أنه قال: صدّق هشامٌ زيدًا ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به، ووجَّههم إلي يوسف، وقال: إنهم قد حلفوا لي، وقبلتُ أيمانهم وأبرأتُهم من المال، وإنما وجهتُ بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذّبُوه، قال: ووصلهم هشام؛ فلما قدموا علي يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلي خالد فأتِيَ به، فقال: قد حلف القوم، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بيّنة بما ادعيت؟ فلم تكن له بيّنة، فقال القوم لخالد: ما دعاك إلي ما صنعت؟ قال: غلّظ عليّ العذاب فادّعيت ما ادعيت، وأمّلْت أن يأتيَ الله بفرج قبل قدومكم، فأطلقهم يوسف، فمضي القرشيَّان: الجمحيّ والمخزوميّ إلي المدينة؛ وتخلّف الهاشميَّان: داود بن عليّ وزيد بن عليّ بالكوفة. وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: اتّبعوه إلي الثعلبّية وقالوا له: نحن أربعون

стр. 4203

ألفًا، إن رجعت إلي الكوفة لم يتخلّف عنك أحدٌ، وأعطوُه المواثِيق والأيمان المغلَّظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي. فيحلفون له، فيقول داود بن عليّ: يابن عمّ، إن هؤلاء يغرّونَك من نفسك! أليس قد خذلوا مَن كان أعزّ عليهم منك؛ جدّك عليّ بن أبي طالب حتي قتل! والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فُسطاطه، وجرَحوه! أوَليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلَفوا له بأوْكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه، ثم لم يرضْوا بذلك حتي قتلوه! فلا تفعلْ ولا ترجع معهم، فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنتَ، ويزعم أنه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: إن عليًّا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشأم، وإنّ الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل؛ فقال له داود: إني لخائف إن رجعتَ معهم ألّا يكون أحد أشدَّ عليك منهم؛ وأنت أعلم، ومضي داود إلي المدينة ورجع زيد إلي الكوفة [٧/ ١٦٧ - ١٦٨]. وذكر عمر عن أبي إسحاق -شيخٌ من أهل أصبهان حدّثه- أن عبد الله بن حسن كتب إلي زيد بن عليّ: يا بن عمّ؛ إن أهلَ الكوفة نُفخ العلانية، خور السريرة، هُوج في الرخاء، جُزُع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبُهم، لا يبيتون بعُدّة في الأحداث، ولا ينوؤن بدولة مرجوّة، ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمّصْت عن ندائهم؛ وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم؛ يأسًا منهم واطراحًا لهم؛ وما لي مَثَل إلا ما قال عليّ بن أبي طالب: إن أهمِلتم خضتم، وإن حُوربتم خُرْتم، وإن اجتمع الناس علي إمام طعنتم، وإن أجبتم إلي مشاقّة نكصتم. [٧/ ١٦٩]. * * * ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيّار ما وراء النهر وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرِّتين، ثم غزا الثالثة، فقتل كورصُول. ذكر الخبر عن غزواته هذه: ذكرَ عليّ عن شيوخه: أن نصرًا غزا من بَلْخ ما وراء النهر من ناحية باب

стр. 4204

الحديد؛ ثم قفل إلي مَرْو، فخطب الناس، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانحَ المجوس، يمنحهم ويدفع عنهم، ويحمل أثقالهم علي المسلمين؛ ألا إنّ اشبداد بن جريجور كان مانح النصاري؛ ألا إن عقيبة اليهوديّ كان مانح اليهود يفعل ذلك، ألا إني مانح المسلمين، أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم علي المشركين؛ ألا إنه لا يُقبل مني إلا يُوَفّى الخراج علي ما كتِب ورفع. وقد استعملتُ عليكم منصور بن عمر بن أبي الخَرْقاء، وأمرتُه بالعدل عليكم، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثُقِّل عليه في خراجه، وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إلي المنصور بن عمر، يحوّله عن المسلم إلي المشرك. قال: فما كانت الجمعة الثانية؛ حتي أتاه ثلاثون ألف مُسلِم، كانوا يؤدُّون الجزية عن رؤوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيِت عنهم جزيتهم، فحوّل ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين. ثم صنّف الخراج حتي وضعه مواضعه، ثم وظّف الوظيفة التي جَري عليها الصُّلح. قال: فكانت مَرْو يؤخذ منها مئة ألف سوي الخراج أيام بني أميّة، ثم غزا الثانية إلي وَرَغْرَ وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثالثة إلي الشاش من مَرْو، فحال بينه وبين قطوع النهر (نهر الشاش) كورصول في خمسة عشر ألفًا، استأجر كلّ رجل منهم في كلّ شهر بشِقّة حرير؛ الشقّة يومئذ بخمسة وعشرين درهمًا، فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرًا من القطوع إلي الشاش، وكان الحارث بن سُريج يومئذ بأرض الترك، فأقبل معهم؛ فكان بإزاء نصر، فرمي نصرًا؛ وهو علي سريره علي شاطيء النهر بِحُسبان (١)، فوقع السهم في شِدْق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره، ورمي فرسًا لرجل من أهل الشأم فنفق، وعبر كورصول في أربعين رجلًا، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بُخاري، وكانوا في الساقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة؛ ومع نصر أهل بخاري وسمرقند وكِسّ وأشْرُوسنة، وهم عشرون ألفًا، فنادي نصر في الأخماس: ألا لا يخرجنّ أحدٌ من بنائه، واثبتوا علي مواضعكم، فخرج عاصم بن عمير وهو علي جُنْد أهل سَمرقند، حتي مرّت خيل كورصول، وقد كانت الترك صاحتْ صيحة، فظنّ أهلُ العسكر أنّ الترك قد قطِعوا كلُّهم، فلما مرّت خيل كورصول علي ذلك حمل

стр. 4205

علي آخرهم، فأسر رجلًا؛ فإذا هو مَلِك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فجاؤوا به إلي نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعَه شِبْرًا، وعليه رانا ديباج فيهما حلَقٌ، وقباء فرند مُكفّف بالدّيباج، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصولي، فقال نصر: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدّو الله! قال: فما ترجو من قَتْل شيخ. وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك، وألف برْذون تقوّي بها جندك، وخلّ سبيلي! فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا: خلّ سبيله، فسأله عن سنّه، قال: لا أدري، قال: كم غزوت؟ قال: اثنتين وسبعين غزوة، قال: أشهدتَ يوم العَطَش؟ قال: نعم، قال: لو أعطيتني ما طلعتْ عليه الشمس ما أفلتَّ من يدي بعدما ذكرت من مشاهدك. وقال لعاصم بن عمير السغديّ: قم إلي سَلبِه فخذه؛ فلما أيقن بالقتل، قال: مَنْ أسرني؟ قال نصر وهو يضحك: يزيد بن قُرّان الحنظليّ -وأشار إليه- قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استَه -أو قال لا يستطيع أن يتمّ بوله- فكيف يأسرني! فأخبِرْني مَنْ أسرني؛ فإني أهلٌ أن أقتَل سبع قتلات، قيل له: عاصم بن عمير، قال: لستُ أجد مسَّ القتل إذ كان الذي أسرني فارسًا من فرسان العرب، فقتله وصلبَه علي شاطيء النهر، قال: وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتِل بنهاوند أيام قحطبة. قال: فلما قتِل كورصول تخدّرت الترك وجاؤوا بأبنيتِه فحرقوها، وقطعوا آذانهم، وجرّدوا وجوهَهم، وطفِقوا يبكون عليه؛ فلما أمسى نصر وأراد الرحلة، بعث إلي كورصول بقارورة نِفْط، فصبّها عليه، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه، قال: وكان ذلك أشدّ عليهم من قتله. وارتفع نصر إلي فَرْغانة، فسبي منها ثلاثين ألف رأس، قال: فقال عنبر بن بُرْعُمَة الأزدي: كتب يوسف بن عمر إلي نصر: سرْ إلي هذا الغارز ذنبه بالشاش -يعني الحارث بن سُريج- فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرّب بلادهم، واسب ذراريّهم؛ وإياك وورْطة المسلمين. قال: فدعا نصرٌ الناس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال: ما ترون؟ فقال يحيي بن حُضَين: امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير، فقال نصر: يا يحيي، تكلمتَ لياليَ عاصم بكلمة، فبلغت الخليفة فحظيتَ بها، وزيد في عطائك،
следующие страницы →